النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ وفاة خديجة وأبي طالب حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب، وأبي أن يقول: لا إله إلا الله. قال رسول الله عَ لآه والله المغيرة، فقال: ((أيّ عم قل لا إله إلاَّ اللَّه، كلمة أحاج لك بها عند اللَّه))، فقال أبو جهل وعبد اللَّه: يا أبا طالب، أترغب عن مّة عبد المطلب، فلم يزد لإيراد أنه (حتى قال أبو طالب: آخر) تصب على الظرفية (ما كلّمهم) وفي رواية: آخر شىء كلّمهم به (على مّة عبد المطّلب) خبر مبتدأ محذوف، أي: هو وثبت ذلك في طريق أخرى، قاله الحافظ. قال السهيلي في الروض: ظاهر الحديث يقتضي أن عبد المطّلب مات مشركًا، وحكى المسعودي فيه خلافًا، وأنه قيل مات مسلمًا لما رأى من دلائل نبوّته عَّهِ، وعلم أنه إنما يبعث بالتوحيد، لكن روى البزار والنسائي عن عبد الله بن عمرو أن النبيّ عَّه قال لفاطمة: وقد عزت قومًا من الأنصار عن ميتهم: لعلك بلغت معهم الكدي، قالت: لا، قال: لو كنت بلغته معهم الكدي ما رأيت الجنَّة حتى يراها جدّ أبيك، قال: وقد رواه أبو داود ولم يذكر فيه حتى يراها جدّ أبيك، وفي قوله: جدّ أبيك، ولم يقل جدّك تقوية الحديث الضعيف إن اللَّه أحيا أباه وأُّه وآمنا به، قال: ويحتمل أنه أراد تخويفهما بذلك؛ لأن قوله ◌َّه حق، وبلوغها معهم الكدي لا يوجب خلودًا في النار، انتهى. لكن يؤيّد القول بإسلامه أن النبيّ عَّه انتسب إليه يوم حنين، فقال: أنا ابن عبد المطّلب، مع نهيه عن الانتساب إلى الآباء الكفّار في عدّة أحاديث وإن كان حديث البخاري المذكور مصادقًا قويًّا لا يوجد له تأويل قريب، والبعيد يأباه أهل الأصول، ولذا وقف السهيلي عن الترجيح. قال السيوطي: وخطر لي في تأويله وجهان بعيدان فتركتهما، وأمّا حديث النسائي فتأويله قريب. وقد فتح السهيلي بابه ولم يستوفه انتهى. قلت: التأويل وإن كان بعيدًا لكنه قد يتعيّ هنا جمعًا بينه وبين حديث البخاري عن أبي هريرة رفعه: بعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه، وفي مسلم: واصطفى من قريش بني هاشم ومعلوم أن الخيرية والاصطفاء من اللّه تعالى والأفضليّة عنده لا تكون مع الشرك. وفي التنزيل: ولعبد مؤمن خير من مشرك وقد أورده في الإصابة، أعني عبد المطّلب، وقال: ذكره ابن السكن في الصحابة لما جاء عنه أنه ذكر أن النبيّ عَّه سيبعث؛ كما ذكروا بحيرا الراهب أنظاره ممن مات قبل البعثة، انتهى. (وأبى أن يقول لا إله إلاَّ اللَّه، فقال رسول اللَّه عَّهِ: ((واللَّه) وفي رواية مسلم: أما والله بزيادة، أما قال النووي بألف ودونها وكلاهما صحيح، قال ابن الشجري في أماليه: ما الزائدة للتوكيد ركبوها مع همزة الاستفهام واستعملوا مجموعهما عن وجهين، أحدهما: أن يراد به معنى حقًا في قولهم، أما واللَّه لأفعلنّ، والآخر أن يكون افتتاحًا للكلام بمنزلة ألا كقولك: أما إِن زيدًا ٤٢ وفاة خديجة وأبي طالب لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فأنزل الله: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى﴾ [التوبة/١١٣] منطلق وأكثر ما تحذف الألف إذا وقع بعدها القسم ليدلّ على شدّة اتّصال الثاني بالأوّل؛ لأن الكلمة إذا بقيت على حرف لم تقم بنفسها فعلم بحذف ألف ما افتقارها إلى الاتّصال بالهمز، انتھی. (لأستغفرن لك) كما استغفر إبراهيم لأبيه (ما لم أنه) بضم الهمزة وسكون النون مبنيّ للمفعول، (عنك) أي: إن لم ينهني اللَّه عن الاستغفار لك، (فأنزل اللَّه ﴿ما كان للنبيّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى﴾ [التوبة: ١١٣]) ما صحّ الاستغفار في حكم اللَّه وحكمته من بعد ما تبيّن لهم أنهم أصحاب الجحيم، أي: ظهر لهم أنهم ماتوا على الشرك فهو كالعلّة للمنع من الاستغفار ولا يشكل بأن براءة من أواخر ما نزل بالمدينة وهذه القصّة قبل الهجرة بثلاث سنين؛ لأن هذه الآية مستثناة من كون السورة مدنية؛ كما نقله في الاتّقان عن بعضهم وأقرّه فلا حاجة لتجويز أنه كان يستغفر له إلى نزولها؛ لأن التشديد مع الكفّار إنما ظهر في هذه السورة، ثم لفظ البخاري في التفسير: فأنزل اللَّه بعد ذلك، فقال في الفتح الظاهر نزولها بعده بمدّة لرواية التفسير، انتهى. وكأنه لم يقف على القول باستثنائها من كونها مدنية، فإن صحّ فلا يعارضه قوله بعد ذلك لكون المعنى بعد موته والاستغفار له بمكّة أو بالمدينة فالبعديّة محتملة، وأمّا قول السيوطي في التوشيح المعروف أنها نزلت لما زار عَُّ قبر أَمّه واستأذن في الاستغفار لها، كما رواه الحاكم وغيره فتساهل جدالاً يليق بمثله فإنها لا تعادل رواية الصحيح. وقد رةّ الذهبي في مختصر المستدرك تصحیح الحاکم بأن في إسناده أتوب بن هانیء ضعّفه ابن معين وتعجّب السيوطي نفسه في الفوائد من الذهبي كيف أقرّ الحديث في ميزانه مع ردّه في مختصر المستدرك، قال وله عّة ثانية وهي مخالفته للمقطوع بصحته في البخاري من نزولها عقب موت أبي طالب، ثم قال السيوطي بعد طعنه في جميع أحاديث نزولها في آمنة، فبان بهذا إن طرقه كلّها معلولة، خصوصًا قصّة نزول الآية الناهية عن الاستغفار؛ لأنه لا يمكن الجمع بينها وبين الأحاديث الصحيحة في تقدّم نزولها في أبي طالب، انتهى. وقد تقدّم ذلك مبسوطًا بما يشفي، ثمٍ هذه الآية وإن كان سببها خاصًّا عامة في حقه وحقّ غيره، ولذا استشكل قوله عٍَّ يوم أَحد: ((اللَّهمّ اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون))، وأُجيب بأنه أراد الدعاء لهم بالتوبة من الشرك حتى يغفر لهم بدليل رواية من روى: ((اللَّهمّ آهدي قومي))، وبأنه أراد مغفرة تصرّف عنهم عقوبة الدنيا من مسخ وخسف. ٤٣ وفاة خديجة وأبي طالب وأنزل الله في أبي طالب، فقال لرسول الله عَ لٍ: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ [القصص/٥٦]. وفي الصحيح عن العباس أنه قال لرسول الله عليهم: إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك، فهل ينفعه ذلك؟ قال: نعم، وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح. (وأنزل اللَّه في أبي طالب) أيضًا (فقال لرسول اللَّه عَّهِ: (إنك لا تهدي من أحببت)) هدايته أو لقرابة، أي: ليس ذلك إليك، (ولكن اللَّه يهدي من يشاء) وإنما عليك البلاغ ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ [الشورى: ٥٢]؛ لأن الذي أثبته وأضافه إليه هداية الدعوة والدلالة والمنفي هداية التوفيق. (وفي الصحيح) للبخاري ومسلم (عن العبّاس، أنه قال لرسول اللَّه عَ ◌ّ: أن أبا طالب كان يحوّطك) بضم الحاء المهملة من الحياطة، وهي المراعاة وفي رواية: يحفظك، (وينصرك ويغضب لك) يشير إلى ما كان يردّ به عنه من قول وفعل، وفيه تلميح إلى ما ذكره ابن اسحق، قال: ثم إن خديجة وأبا طالب هلكا في عام واحد، وكانت خديجة وزيرة صدق له على الإسلام يسكن إليها وكان أبو طالب له عضدًا وناصرًا على قومه فلما هلك نالت قريش منه من الأذى ما لم تطمع به في حياته، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابًا، فحدّثني هشام بن عروة عن أبيه، قال: فدخل رسول اللَّه عَله. بيته، يقول: ((ما نالتني قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب))، ذكره في الفتح. (فهل ينفعه ذلك؟ قال: نعم، وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح) بضادين معجمتين مفتوحتين وحاءين مهملتين أولاهما ساكنة وأصله ما رقّ من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين فاستعير للنار، قاله المصنّف وغيره. وفي الفتح: هو من الماء ما يبلغ الكعب، ويقال أيضًا: لما قرب من الماء وهو ضدّ الغمر والمعنى أنه خفّف عنه العذاب، انتهى. زاد في رواية: ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار، وصريح هذا الحديث أنه خفف عنه عذاب القبر في الدنيا، كما يومىء إليه كلام الحافظ ويوم القيامة يكون في ضحضاح أيضًا؛ كما في الحديث الآتي، ففي سؤال العباس عن حاله دليل على ضعف رواية ابن إسحق؛ لأنه كانت تلك الشهادة عنده لم يسأل لعلمه بحاله، وقد قال الحافظ: هذا الحديث لو كانت طريقه صحيحة لعارضه هذا الحديث الذي هو أصحّ منه فضلاً عن أنه لا يصحّ، ويضعف ما ذكره السهيلي أنه رأى في بعض كتب المسعودي أنه أسلم، لا أن مثل ذلك لا يعارض ما في الصحيح. ٤٤ وفاة خديجة وأبي طالب وفي الصحيح أيضًا أنه عَّ قال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه. وفي رواية يونس عن ابن إسحق زيادة فقال: يغلي منه دماغه حتى يسيل على قدميه. قال السهيلي: من باب النظر في حكمة الله تعالى، ومشاكلة الجزاء للعمل؛ أن أبا وروى أبو داود والنسائي وابن الجارود وابن خزيمة من عليّ لمَّا مات أبو طالب، قلت: يا رسول الله! إن عمّك الشيخ الضال قد مات، قال: ((اذهب فواره))، قلت: إنه مات مشركًا، قال: (اذهب فواره)، فلما واريته رجعت إلى النبيّ عَ له، فقال لي: ((اغتسل))، وفي الحديث جواز زيارة القريب المشرك وعيادته وأن التوبة مقبولة ولو في شدّة مرض الموت حتى يصل إلى المعاينة فلا تقبل؛ لقوله تعالى: ﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾ [غافر: ٨٥]، وأن الكافر إذا شهد شهادة الحقّ نجا من العذاب؛ لأن الإسلام يحبّ ما قبله وأن عذاب الكفار متفاوت والنفع الذي حصل لأبي طالب من خصائصه ببركة النبيّ عَّه، وقد قال: ((إن أهون أهل النار عذابًا أبو طالب))، رواه مسلم، انتهى ملخّصًا. (وفي صحيح) البخاري ومسلم (أيضًا) عن أبي سعيد الخدري (أنه عَّةِ، قال:) وذكر عنده عمه أبو طالب («لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي) بفتح أوّله وسكون المعجمة وكسر اللام، (منه دماغه)،) وفي رواية أمّ دماغه، أي: رأسه من تسمية الشىء بما يقاربه ويجاوره وقد صرّح العلماء بأن الرجاء من اللَّه ومن نبيّه للوقوع، بل في النور عن بعض شيوخه: إذا وردت عن اللَّه ورسله وأوليائه معناها التحقيق. (وفي رواية يونس) بن بكير الشيباني الحافظ، قال ابن معين: صدوق، وقال أبو داود: ليس بحجّة لكن احتجّ به مسلم، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وعلّق له البخاري قليلاً. (عن ابن إسحق زيادة، فقال: يغلى منه دماغه حتى يسيل على قدميه) واستشكل الحديث بقوله تعالى: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ [المدثر: ٤٨]، وأجاب البيهقي بأنه خصّ لثبوت الخبر، ولذا عدّ في الخصائص النبويّةِ، والقرطبي بأن المنفعة في الآية الإخراج من النار، وفي الحديث بالتخفيف، وقيل: يجوز أن اللَّه يضع عن بعض الكفار بعض جزاء معاصيهم تطييبًا لقلب الشافع، وقيل: شفاعته عَّيه في أبي طالب بالحال لا بالمقال. = (قال السهيلي من باب النظر في حكمة اللَّه تعالى ومشاكلة الجزاء للعمل: أن أبا ٤٥ وفاة خديجة وأبي طالب طالب كان مع رسول الله عَّهِ بجملته متحيزًا له، إلا أنه كان متثبتًا لقدميه على ملة عبد المطلب، حتى قال عند الموت: أنا على ملة عبد المطلب، فسلط العذاب على قدميه خاصة لتثبيته إياهما على ملة آبائه. ثبتنا الله على الصراط المستقيم. وفي شرح التنقيح للقرافي: الكفار على أربعة أقسام، فذكر منها من آمن بظاهره وباطنه وكفر بعدم الإذعان للفروع، كما حكي عن أبي طالب أنه كان يقول: إني لأعلم أن ما يقوله ابن أخي لحق، ولولا أخاف أن تعيرني نساء قريش لاتبعته. وفي شعره يقول: لقد علموا أن ابننا لا مكذب يقينا ولا يعزى لقول الأباطل طالب كان مع رسول اللَّه عَّله بجملته متحيّزًا) ناصرًا (له) وحده ويجمع بني هاشم والمطّلب لمناصرته، (إلا أنه كان مثبتًا لقدميه على ملّة عبد المطّلب حتى قال عند الموت) آخر كل شيء كلّمهم (أنا على ملّة عبد المطّلب فسلّط العذاب على قدميه خاصة لتثبيته إياهما على مّة آبائه،) ولا يعارض هذا بقول الإمام الرازي آباء الأنبياء ما كانوا كفارًا، وأيّده السيوطي بأدلّة عامة وخاصة، كما مرّ؛ لأن هذا بعد نسخ جميع الملل بالملّة المحمديّة فليس في الحديث ولا كلام السهيلي أن عبد المطّلب وآباءه لها كانوا مشركين، (ثبتنا اللَّه على الصراط المستقيم) قال في الفتح: ولا يخلو كلام السهيلي عن نظر، أنتهى. فإن كان وجهه أن الثبات على الدين إنما هو بالقلب؛ لأنه اعتقاد فلا يحسن ما ذكر توجيهًا لتخصيص القدم بالعذاب، أجاب شيخنا بأنه لما لازم ما كان عليه ولم يتحوّل عنه شبه بمن وقف في محل ولم يتحوّل عنه إلى غيره، وذلك يستدعي ثبوت القدم في المحل الذي وقف فيه خصّت العقوبة بالقدم. (وفي شرح التنقيح) في الأصول والمتن والشرح (للقرافي) العلامة شهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي البهنسي المصري البارع في العلوم ذي التصانيف الشهيرة كالقواعد والذخيرة وشرح المحصول، مات في جمادى الآخرة سنة أربع وثمانين وستمائة ودفن بالقرافة، (الكفار على أربعة أقسام فذكر منها من آمن بظاهره وباطنه وكفر بعدم الإذعان للفروع، كما حكي عن أبي طالب أنه كان يقول: إني لأعلم أن ما يقوله ابن أخي لحقّ، ولولا أخاف أن تعيّرني نساء قريش لاتّعته، وفي شعره يقول:) في قصيدته المشهورة: لقد علموا أن ابننا لا مكذب يقينًا ولا يعزى لقول الأباطل وفي شعره من هذا النحو كثير. ٤٦ وفاة خديجة وأبي طالب قال فهذا تصريح باللسان واعتقاد بالجنان غير أنه لم يذعن. انتهى. وحكي عن هشام بن السائب الكلبي، أو أبيه أنه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جمع إليه وجوه قريش، فأوصاهم فقال: يا معشر قريش، أنتم صفوة الله من خلقه .. (قال) القرافي: (فهذا تصريح باللسان واعتقاد بالجنان غير أنه لم يذعن) وحبه للمصطفى كان طبيعيًا فكان يحوطه وينصره لا شرعيًّا فسبق القدر فيه، واستمرّ على كفره وللَّه الحجّة البالغة (انتهى.) والأربعة حكاها ابن الأثير في النهاية وكذا البغوي، وهي كفر إنكار وهو أن لا يعرف اللَّه بقلبه ولا يعترف باللسان، وكفر جحود وهو من عرفه بقلبه دون لسانه كإبليس واليهود، وكفر نفاق وهو المقتر باللسان دون القلب، وكفر عناد وهو أن يعرفه بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به كأبي طالب، قال البغوي: وجميع الأربعة سواء في أن الله لا يغفر لأصحابها إذا ماتوا، انتهى. وأقبحها على الراجح كفر النفاق لجمعه بين الكفر والإستهزاء بالإسلام؛ لذا كان المنافقون في الدرك الأسفل من النار، وقيل: أقبحها الكفر ظاهرًا وباطنًا، وقيل: الكفر صنفان، أحدهما الكفر بأصل الإيمان وهو ضدّه، والآخر الكفر بفرع من فروع الإسلام فلا يخرج به عن أصل الإسلام، وبهذا صدر في النهاية وقابله بقوله: وقيل الكفر على أربعة أنحاء، فذكرها. (وحكي عن هشام بن السائب) نسبه لجدّه لأنه ابن محمّد بن السائب (الكلبي) أبي المنذر الكوفي وثّقه ابن حبان، وقال الدارقطني: هشام رافضي ليس بثقة مات سنة أربع وثمانين ومائة، (أو أبيه) محمد شكّ، (أنه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جمع إليه وجوه قريش) وروى ابن إسحق عن ابن عباس: لما اشتكى أبو طالب وبلغ قريشًا ثقله، قال بعضها لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما وفشا أمر محمّد، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب يأخذ لنا على ابن أخيه ويعطه منا، فمشى إليه عتبة وشيبة وأبو جهل وأُميّة وابن حرب في رجال من أشرافهم فأخبروه بما جاؤوا له، فبعث أبو طالب إليه عَّ له فجاءه فأخبره بمرادهم، فقال عليه الصّلاة والسّلام: ((نعم كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم)»، فقال أبو جهل: نعم وأبيك، وعشر كلمات، فعرض عليهم الإسلام فصفقوا وعجبوا ثم قالوا: ما هو بمعطيكم شيئًا، ثم تفرّقوا، فيحتمل أن أبا طالب جمعهم بعد ذلك، أو قال لهم ما حكى الكلبي في هذه المرة قبل عرض الإسلام أو بعده وقبل تفرّقهم. (فأوصاهم، فقال: يا معشر قريش، أنتم صفوة اللَّه من خلقه) وقلب العرب، فيكم السيّد المطاع وفيكم المقدم الشجاع والواسع الباع، واعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبًا إلا أحرز تموه، ولا شرفًا إلا أدركتموه، فلكم بذلك على الناس الفضيلة ولهم به إليكم الوسيلة، ٤٧ وفاة خديجة وأبي طالب إلى أن قال: وإني أوصيكم بمحمد خيرًا، فإنه الأمين في قريش، والصديق في العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيتكم به، وقد جاءنا بأمر قبله الجنان وأنكره اللسان مخافة الشنآن، وأيم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب، وأهل الأطراف، والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته، وصدقوا كلمته، وعظموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابًا، ودورها خرابًا، وضعفاؤها أربابًا، وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه، وأبعدهم منه أحظاهم عنده، قد والناس لكم حرب وعلى خربكم ألب، وإني أُوصيكم بتعظيم هذه البنية - يعني الكعبة - فإن فيها مرضاة للرب وقوامًا للمعاش وثباتًا للوطأة، صلوا أرحامكم فإن في صلة الرحم منسأة - أي: فسحة في الأجل - وزيادة في العدد، واتركوا البغي والعقوق ففيهما هلكت القرون قبلكم، أجيبوا الداعي وأعطوا السائل، فإن فيهما شرف الحياة والممات، وعليكم بصدق الحديث وأداء الأمانة فإن فيهما محبة في الخاص ومكرمة في العام، (إلى أن قال) عقب ما ذكرته (وإني أُوصيكم بمحمّد خيرًا، فإنه الأمين في قريش والصدّيق) الكثير الصدق (في العرب) فلم يعرفوه من ابتداء نشأته إلا بالأمانة والصدق، ومن ثمّ لمَّا كذبوه، قال بعضهم: واللَّه قد ظلمنا محمّدًا. (وهو الجامع لكلّ ما أوصيتكم به) من هذه الخصال الحميدة التي ذكرها في وصيته لهم ومدحهم بها (وقد جاءنا بأمر قبله الجنان) بالجيم (وأنكره اللسان مخافة الشنآن) أي: البغض لما تعيّرونه به من تبعيته لابن أخيه تربيته، (وأيم الله) بهمزة وصل عند الجمهور ويجوز القطع مبتدأ حذف خبره، أي: قسمي. وقال الهروي: بقطع الهمزة ووصلها وهي حلف ووهم الشارح، فقال: عبارة الشامي: أمّا واللّه، ثم قال: قال النووي: وقال الهروي بقطع الهمزة ووصلها وهي حلف ووهم الشارح، فقال عبارة الشامي: أما والله، ثم قال: قال النووي ... فذكر كلامه ظنًّا منه أنه في هذه الوصية مع أن ذاك اللفظ إنما ذكره الشامي كغيره شرحًا لقوله عَّه في رواية مسلم: ((أما واللَّه لأستغفرن لك ما لم أُنّة عنك)). (كأني أنظر إلى صعاليك) أي: فقراء (العرب) جمع صعلوك كعصفور؛ كما في القاموس. (وأهل الأطراف) النواحي جمع طرف بفتحتين، (والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته وصدقوا كلمته وعظموا أمره فخاض بهم غمرات الموت) وقد وقع ذلك يوم بدر (فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابًا) أتباعًا وسفلة جمع صنديد وهو السيّد الشجاع أو الحليم أو الجوّاد أو الشريف؛ كما في القاموس. (ودورها خرابًا) حيث قتل سبعون وأُسر سبعون، (وضعفاؤها أربابًا) ملوكًا، قال القاموس: ربّ كل شىء مالكه ومستحقّه أو صاحبه والجمع أرباب وربوب. (وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه) كما وقع يوم فتح مكة، (وأبعدهم منه أحظاهم عنده قد ٤٨ وفاة خديجة وأبي طالب محضته العرب ودادها، وأصفت له فؤادها، وأعطته قيادها، يا معشر قريش، كونوا له ولاة، ولحزبه حماة، والله لا يسلك أحد سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد، ولو كان لنفسي مدة ولأجلي تأخير لكففت عنه الهزاهز، ولدفعت عنه الدواهي. ثم هلك. ثم بعد ذلك بثلاثة أيام - وقيل: بخمسة - في رمضان، بعد البعث بعشر سنين، على الصحيح، ماتت محضته) بمهملة فمعجمة أخلصت له (العرب ودادها وأصفت) بالفاء (له فؤادها) أزالت ما فيه من حسد وبغض، وفي نسخة بالغين، أي: استمعوا بقلوبهم، أي: أمالوها له. (وأعطته قيادها) كما أنقاد له العرب لمَّا سار بهم إلى فتح مكّة، وكما وقع في مجيء هوازن منقادين لحكمه فمنّ علیھم بردّ سبایاهم. (يا معشر قريش!) كذا في النسخ، وفيها سقط فلفظه كما في الروض عن الكلبي: دونكم يا معشر قريش ابن أبيكم (كونوا له ولاة) موالين ومناصرين (ولحزبه حماة) من أعدائهم وتأمل ما في قوله ابن أبيكم من الترقيق والتقريع والتصريح بأنه منهم فعزّه عزّهم ونصره نصرهم، فكيف يسعون في خذلانه فإنما هو خذلان لأنفسهم، وهذا من حيث النظر إلى مجرّد القرابة فكيف وهو على الصراط المستقيم ويدعو إلى ما يوصل إلى جنات النعيم، كما أشار إليه مؤكّدًا بالقسم، فقال: (واللَّه لا يسلك أحد سبيله إلا رشد) بكسر الشين وفتحها والكسر أولى بالسجع، (ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد،) في الدارين (ولو كان لنفسي مدّة ولأجلي تأخير لكففت عنه الهزاهز) بهاءين وزاءين منقوطين بعد أولاهما ألف، قال الجوهري: الهزاهز الفتن تهتز فيها الناس، وفي القاموس: الهزاهز تحريك البلايا والحروب في الناس، (ولدفعت عنه الدواهي، ثم هلك) على كفره، فانظر واعتبر كيف وقع جميع ما قاله من باب الفراسة الصادقة، وكف هذه المعرفة التامّة بالحق وسبق فيه قدر القهار؛ إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ولهذا الحبّ الطبيعي كان أهون أهل النار عذابًا؛ كما في مسلم وفي فتح الباري تكملة من عجائب الاتّفاق إن الذين أدركهم الإسلام من أعمام النبيّ عَّةِ أربعة لم يسلم منهم اثنان وأسلم اثنان، وكان اسم من لم يسلم ينافي أسامي المسلمين وهما أبو طالب واسمه عبد مناف وأبو لهب واسمه عبد العزّى بخلاف من أسلم، وهما: حمزة والعباس. (ثم بعد ذلك بثلاثة أيام، وقيل: بخمسة) وقيل: بشهر، وقيل: بشهر وخمسة أيام، وقيل: بخمسين يومًا، وقيل: بخمسة أشهر، وقيل: ماتت قبله، (في رمضان بعد البعث بعشر سنين على الصحيح) كما قال الحافظ، وزاد: وقيل بعده بثمان سنين، وقيل: بسبع، (ماتت) الصدّيقة الطاهرة ٤٩ خروجه عَ ◌ّ الى الطائف خديجة رضي الله عنها. وكان عليه الصلاة والسلام يسمى ذلك العام عام الحزن، فيما ذكره صاعد. وكانت مدة إقامتها معه خمسًا وعشرين سنة على الصحيح. ثم بعد أيام من موت خديجة تزوج عليه السلام بسودة بنت زمعة. [خروجه ◌َيّ إلى الطائف] ثم خرج عليه السلام إلى الطائف بعد موت خديجة بثلاثة أشهر، في ليال بقين من شوال، سنة عشرة (خديجة رضي الله عنها) ودخل عليها عَّ وهي في الموت، فقال: ((تكرهين ما أرى منك، وقد يجعل اللَّه في الكره خيرًا))، رواه الزبير بن بكار، وأطعمها من عنب الجنَّة، رواه الطبراني بسند ضعيف وأسند الواقدي عن حكيم بن حزام أنها دفنت بالحجون ونزل عَّه في حفرتها وهي ابنة خمس وستين سنة، ولم تكن يومئذ الصّلاة على الجنازة. (وكان عليه الصّلاة والسّلام يسمّي ذلك العام) الذي ماتا فيه (عام الحزن) وقالت له خولة بنت حكيم: يا رسول اللَّه! كأني أراك قد دخلتك خلّة لفقد خديجة؟ قال: ((أجل، كانت أُمّ العيال وربّة البيت))، وقال عبيد بن عمير: وجد عليها حتى خشي عليه حتى تزوّج عائشة، رواهما ابن سعد (فيما ذكره صاعد) بن عبيد البجليْ® أبو محمّد، وأبو سعيد الحراني مقبول من كبار العاشرة؛ كما في التقريب، يعني الطبقة التي أخذت عن تبع التابعين كما أفصح عنه في خطبته. (وكانت مدة إقامتها معه خمسًا وعشرين سنة على الصحيح) كما في الفتح، وزاد: وقال ابن عبد البرّ أربعًا وعشرين سنة وأربعة أشهر. (ثم بعد أيام من موت خديجة) الواقع في رمضان (تزوّج عليه السلام) في شوّال (بسودة بنت زمعة) بفتح الزاي وإسكان الميم وتفتح؛ كما في القاموس. وبه يرد قول المصباح: لم أظفر بسكونها في شىء من كتب اللغة. وفي سيرة الدمياطي: ماتت خديجة في رمضان وعقد على سودة في شوّال ثم على عائشة وبنى بسودة قبل عائشة، والله أعلم. خروجه عَّة إلى الطائف (ثم خرج عليه السلام إلى الطائف) قال ابن إسحق: يلتمس النصر من ثقيف والمنعة ورجاء أن يقبلوا منه ما جاء به من اللَّه تعالى، قال المقريزي: لأنهم كانوا أخواله، قال غيره: ولم يكن بينه وبينهم عداوة. (بعد موت خديجة بثلاثة أشهر في ليال بقين من شوّال سنة عشرة ٥٠ خروجه عَّ لة إلى الطائف من النبوة. لما ناله من قريش بعد موت أبي طالب. وكان معه زيد بن حارثة. فأقام به شهرًا، يدعو أشراف ثقيف إلى الله فلم يجيبوه وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم یسبونه. من النبوّة) هذا على موتها في رجب، لا على ما جزم به أنه في رمضان، وعادة العلماء أنهم إذا مشوا في محل على قول وفي آخر على غيره، لا يعدّ تناقضًا. (لما ناله) صلة خرج واللام للتعليل، أي: خرج للأذى الذي ناله (من قريش بعد موت أبي طالب وكان معه زيد بن حارثة) فيما رواه ابن سعد عن جبير بن مطعم، وذكر ابن عقبة وابن إسحق وغيرهما أنه خرج وحده ماشيًا، فيمكن أن زيدًا لحقه بعد ولا يؤيّده ما يأتي أنه صار يقيه بنفسه، ولم يحكَ فيه خلافًا كما زعم؛ لأن الآتي إنما هو كلام ابن سعد وحده الذي روى أنه كان معه، (فأقام به شهرًا) وقال ابن سعد: عشرة أيام، وجمع في أسنى المطالب بأن العشرة في نفس الطائف والعشرين فيما حولها وطريقها وأقرب منه؛ كما قال شيخنا: إن الشهر كلّه في الطائف، لكنّه مكث عشرين قبل اجتماعه بعبد ياليل وعشرة بعده؛ لأنه لم يرجع عقب دعائه بل مكث (يدعو أشراف ثقيف إلى اللَّه) ويدور عليهم واحدًا واحدًا رجاء أن أحدًا يجيبه (فلم يجيبوه) لا إلى الإسلام ولا إلى النصرة والمعاونة. وعند ابن إسحق والواقدي وغيرهما أنه عَِّ عمد إلى عبد ياليل ومسعود وحبيب بني عمرو بن عوف وهم أشراف ثقيف وساداتهم، وعند أحدهم صفية بنت معمر القرشي الجمحي فجلس إليهم وكلمهم بما جاء له من نصرته على الإسلام والقيام على من خالفه من قومه، فقال له أحدهم: هو يمرِط ثياب الكعبة: إن كان اللَّه أرسلك، والثاني: أما وجد اللَّه أحدًا يرسله غيرك، والثالث: والله لا أُكلّمك أبدًا لئن كنت رسول اللّه، لأنت أعظم خطرًا من أن أردّ عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على اللَّه ما ينبغي لي أن أُكُلّمك، فقام عَِّ من عندهم وقد يئس من خيرهم، وقال: ((إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عليّ))، وكره أن يبلغ قومه عنه ذلك فيزيدهم عليه، فلم يفعلوا، وقد أسلم مسعود وحبيب بعد ذلك وصحبا؛ كما جزم به في الإصابة. وفي عبد ياليل خلف يأتي فيحتمل أن المصنّف أراد بأشرافهم هؤلاء الثلاثة، وكأنه لم يعتدّ بغيرهم أو لأنه دعاهم أوّلاً لكونهم العظماء ثم عمّم الدعوة. ففي رواية: إنه لم يترك أحدًا من أشرافهم إلا جاء إليه وكلّمه فلم يجيبوه وخافوا على أحداثهم منه، فقالوا: يا محمّد اخرج من بلدنا، والحق بمحابك من الأرض. (وأغروا) بفتح الهمزة: سلّطوا، (به سفهاءهم وعبيدهم يسبّونه) زاد ابن إسحق: ويصيحون ٥١ خروجه عَلِّ إلى الطائف قال موسى بن عقبة: ورموا عراقيبه بالحجارة حتى اختضبت نعلاه بالدماء، زاد غيره: وكان إذا أزلقته الحجارة قعد إلى الأرض، فيأخذون بعضديه فيقيمونه، فإذا مشى رجموه وهم يضحكون، وزيد ابن حارثة يقيه بنفسه، حتى لقد شج في رأسه شجاجًا. وفي البخاري ومسلم من حديث عائشة أنها قالت للنبي عَّهِ: هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي علی ابن عبد یا ليل بن عبد کلال، به حتى اجتمع عليه الناس (قال موسى بن عقبة: ورموا عراقيبه) جمع عرقوب لخفّته لفظًا كعريض الحواجب، (بالحجارة) فقعدوا له صفّين على طريقه، فلمَّا مرّ بين صفّيهم جعل لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة، (حتى اختضبت نعلاه بالدماء، زاد غيره) وهو سليمن التيمي (وكان إذا أزلقته) بمعجمة وقاف: آلمته (الحجارة قعد إلى الأرض فيأخذون بعضديه فيقيمونه) مبالغة في أذاه إذ لم يمكنوه من القعود ليخفّ تعبه وليتمكّنوا من إدامة رميه بالحجارة في المراق والمفاصل التي ألم إصابتها أشدّ من غيرها، (فإذا مشى رجموه وهم يضحكون،) قال ابن سعد: (وزيد بن لحرثة يقيه بنفسه حتى لقد شجّ) زيد، أي: جرح (في رأسه) احتراز عن الوجه إذ الجراحة إنما تسمى شجّة إذا كانت في أحدهما، (شجاجًا) بكسر المعجمة جمع شجّة بفتحها، ويقال أيضًا: شجّات؛ كما في المصباح. (وفي البخاري) في ذكر الملائكة من بدء الخلق تامًّا، وفي التوحيد: مختصرًا، (ومسلم) في المغازي والنسائي في البعوث (من حديث عائشة، أنها قالت للنبيّ عَُّله: هل أتى عليك يوم أشدّ من يوم) غزوة (أُحد؟ قال: ((لقد لقيت من قومك) قريش وسقط المفعول في رواية مسلم، وثبت في البخاري بلفظ: ((لقيت من قومك ما لقيت)، وأبهمه تعظيمًا (وكان أشدّ) بالرفع، ولأبي ذرّ بالنصب خبر كان واسمه عائد إلى مقدر هو مفعول لقد لقيت، (ما لقيت منهم) من قومك قريش إذ كانوا سببًا لذهابي إلى ثقيف، فهو من إضافة الشىء إلى سببه فلا يرد أن ثقيفًا ليسوا قومها (يوم العقبة:) ظرف، جزم المصنّف بأنها التي بمنى، وفيه ما فيه فأين منى والطائف؟ ولذا قال شيخنا: لعلّ المراد بها هنا موضع مخصوص اجتمع فيه مع عبد ياليل، لا عقبة منى التي اجتمع فيها مع الأنصار، (إذا) أي: حين (عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال) كذا في الحديث، والذي ذكره أهل المغازي أن الذي كلّمه عَّ عبد ياليل نفسه، وعند أهل النسب أن عبد كلال أخوه لا أبوه، قاله الحافظ وغيره. ٥٢ خروجه عَِّ إلى الطائف فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت - وأنا مهموم - على وجهي، فلم أستفق مما أنا فيه إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، وإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك، وما ردوا به عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت، فناداني ملك الجبال، فسلم علي ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك وأنا ملك الجبال، وقد بعثني إليك ربك لتأمرني بأمرك، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ....... (فلم يجبني إلى ما أردت) منه من النصرة والمعاونة والإسلام (فانطلقت وأنا مهموم على وجهي) قال المصنّف: أي الجهة المواجهة لي. وقال الطيبي: أي انطلقت حيرانًا هائمًا لا أدري أين أتوجّه من شدّة ذلك، (فلم أستفق) أي: أرجع (مما أنا فيه) من الغمّ (إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي وإذا أنا بسحابة قد أظلّتني فنظرت) إليها (فإذا فيها جبريل) على غير صورته الأصلية، لما مرّ أنه لم يره عليها إلا بغار حراء وعند سدرة المنتهى، (فناداني، فقال: إن اللَّه قد سمع قول قومك) لك، كما في الصحيحين فسقط من قلم المؤلف، والأحسن أنه يعني بقومه قريشًا وغيرهم لا خصوص ثقيف؛ لأنهم وإن كانوا قومه؛ لأنه بعث إليهم كغيرهم، لكنهم ليسوا بمكّة والأخشبان محيطان بها، (وما ردّوا به عليك) ظاهر في إنه إخبار عما قاله أشراف ثقيف، ويحتمل أنه أراد قريشًا لمَّا دعاهم للإِيمان، فقالوا ساحر شاعر كاهن مجنون، وغير ذلك. (وقد بعث إليك) وفي رواية الكشميهني: وقد بعث الله إليك (ملك الجبال) الذي سخّرت له وبيده أمرها، قال الحافظ: لم أقف على اسمه، (لتأمره بما شئت) فيهم، قال مَّه: (فناداني ملك الجبال فسلّم عليّ، ثم قال: يا محمّد! إن الله قد سمع قول قومك وما ردّوا عليك وأنا ملك الجبال وقد بعثني إليك ربّك لتأمرني بأمرك) هذا لفظ مسلم، زاد الطبري: فما شئت، ولفظ البخاري: ثم قال: يا محمّد! ذلك فيما شئت، قال المصنّف: ذلك كما قال جبريل، أو كما سمعت منه فيما، ولأبي ذرّ عن الكشميهني: مما شئت، استفهام جزاؤه مقدّر، أي: فعلت، وعزا المصنّف لفظه هنا في شرح البخاري للطبراني مع أنه لفظ مسلم كما علمت؛ لأنه كما في الفتح أخرجه من طريق شيخ البخاري فيه: (إن شئت أن أُطبق) بضم الهمزة وسكون الطاء وكسر الموحّدة، (عليهم الأخشبين) بمعجمتين جبلي مكّة: أبا قبيس ومقابله قعيقعان؛ كما جزم به المصنّف وغيره، وبه صدر البرهان. وفي الفتح: وكأنه قعيقعان. وقال الصغاني: بل هو الجبل الأحمر المشرف وجهه على قعيقعان، انتهى. وجرى ابن الأثير على الثاني. وقول الكرماني: ثور وهموه، سمّيا بذلك ٥٣ خروجه عَ ◌ِّ إلى الطائف قال النبي عَّ: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا شريك له. وعبد ياليل - بتحتانية وبعدها ألف ثم لام مكسورة ثم تحتانية ساكنة ثم لام۔۔ ابن عبد کلالـ بضم الکاف وتخفيف اللام آخره لام ۔ وکان ابن عبد یالیل من أكابر أهل الطائف من ثقيف. لصلابتهما وغلظ حجارتهما، ويقال: هما الجبلان اللذان تحت العقبة بمنى فوق المسجد. قال الحافظ: والمراد بإطباقهما أن يلتقيا على من بمكة، ويحتمل أن يصيرا طبقًا واحدًا وجزء إن مقدر، أي: فعلت. (قال النبيّ عَّه) لا أشاء ذلك (بل أرجو) وللكشميهني: أنا أرجو (أن يخرج اللَّه) بضمّ الياء من الإخراج (من أصلابهم من يعبد الله) يوحّده قوله: (وحده لا شريك له) تفسيره وهذا من مزيد شفقته وحلمه وعظيم عفوه وكرمه، وعن عكرمة رفعه مرسلاً: ((جاءني جبريل، فقال: يا محمّد! إن ربك يقرئك السلام وهذا ملك الجبال قد أرسله وأمره أن لا يفعل شيئًا إلا بأمرك، فقل له إن شئت دممت عليهم الجبال، وإن شئت خسفت بهم الأرض، قال: يا ملك الجبال، فإني آتي بهم لعلّه أن يخرج منهم ذرّية يقولون لا إله إلاَّ اللَّه، فقال ملك الجبال: أنت كما سمّاك ربّك رؤوف رحيم)، ولعلّ هذين الإسمين كانا معلومين له عند الملائكة قبل نزول الآية، فلا ينافي أنها من أواخر ما نزل، وبقي أنه قيّد فيها بالمؤمنين وهؤلاء كفّار فكيف قول الملك، ولعلّه باعتبار ما رجاه من ربّه؛ لأنه محقّق. (وعبد ياليل بتحتانية وبعدها ألف ثم لام مكسورة ثم تحتانية ساكنة ثم لام) بزنة هابيل؛ كما في القاموس. قال في الإصابة: عبد ياليل بن عمرو الثقفي، قال ابن حبان: له صحبة كان من الوفد، وقال غيره: إنما هو ولده مسعود اختلف فيه كلام ابن إسحق، وقال موسى بن عقبة: إن القصّة لمسعود، انتهى. منه في النوع الرابع فيمن ذكر في الصحابة غلطًا. (ابن عبد كلال بضم الكاف وتخفيف اللام آخره لام) بعد الألف بوزن غراب (وكان ابن عبد ياليل) مسعود أو كنانة (من أكابر أهل الطائف من ثقيف) کأبيه وعمّیه، وقد روی عبد بن حميد عن مجاهد قوله تعالى: ﴿على رجل من القريتين عظيم﴾ [الزخرف: ٣١]، قال: نزلت في عتبة بن ربيعة وابن عبد ياليل الثقفي، ورواه ابن أبي حاتم عن مجاهد، وزاد: يعني كنانة، وقال قتادة: هما الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود، رواه عبد بن حميد. قال ابن عبد البرّ: وفد كنانة وأسلم مع وفد ثقيف سنة عشر، وكذا قال ابن إسحق وموسى بن عقبة وغير واحد. وقال ٥٤ خروجه عَ ◌ِّ إلى الطائف وقرن الثعالب: هو ميقات أهل نجد، ويقال له: قرن المنازل. وأفاد ابن سعد: أن مدة إقامته عليه الصلاة والسلام بالطائف كانت عشرة أيام. ولما انصرف عليه السلام عن أهل الطائف ولم يجيبوه، مر في طريقه بعتبة وشيبة ابني ربيعة وهما في حائط لهما، فلما رأيا ما لقي تحركت له رحمهما، فبعثا له مع عداس النصراني - غلامهما - قطف المدائني: وفد في قومه فأسلموا إلا كنانة فقالا: لا يرني رجل من قريش، وخرج إلى نجران ثم إلى الروم فمات بها كافرًا. قال في الإصابة: ويقوّيه ما حكاه ابن عبد البرّ أن هرقل دفع ميراث أبي عامر الفاسق إلى كنانة بن عبد ياليل لكونه من أهل المدر كأبي عامر، انتهى. فقول النور: لا أعلم له إسلامًا تقصیر شدید. (وقرن الثعالب) بفتح القاف وإسكان الراء اتّفاقًا، وحكى عياض أن بعض الرواة ذكره بفتح الراء، قال: وهو غلط، وذكر القابسي: أن من سكّن الراء أراد الجبل ومن حرّكها أراد الطريق التي تتفرّق منه. وغلط الجوهري في فتحها ونسبة أَويس إليها وإنما هو إلى قرن بفتح الراء بطن من مراد (وهو ميقات أهل نجد) تلقاء مكّة على يوم وليلة منها (ويقال له) أيضًا (قرن المنازل) قال في النور والفتح: وأصله الجبل الصغير المستطيل المنقطع عن الجبل الكبير. (وأفاد ابن سعد) محمّد (أن مدّة إقامته عليه الصّلاة والسّلام بالطائف كانت عشرة أيّام) خلاف ما مرّ أنها شهر، ومرّ الجمع (ولمَّا انصرف عليه السّلام عن أهل الطائف ولم يجيبوه) ورجع عنه من كان يتبعه من سفهاء ثقيف؛ كما عند ابن إسحق. (مرّ في طريقه بعتبه وشيبة ابني ربيعة) الكافرين المقتولين ببدر (وهما في حائطا) بستان إذا كان عليه جدار؛ كما في النور وغيره، وأطلق المصباح (لهما) بشراء أو غيره وهو من بساتين الطائف المنسوبة إليه كما يفيده قول موسى بن عقبة، فخلص منهم ورجلاه تسيلان دمًا فعمد إلى حائط من حوائطهم، فاستظلّ في ظلّ حبلة منه وهو مكروب موجع، وكذا قول ابن إسحق، فاجتمعوا عليه وألجؤوه إلى حائط لعتبه وشيبة والحبلة، بفتح الحاء والموحدة وتسكن الأصل أو القضيب، من شجر العنب؛ كما في النهاية وغيرها، ولا ينافي استظلاله قوله في الحديث: ((فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب))؛ لجواز أنه لم يعد استظلاله مكروبًا موجعًا محزونًا مفكّرًا فيما أصابه إفاقة. (فلما رأيا ما لقي تحرّكت له رحمهما) قرابتهما؛ لأنهما من بني عبد مناف (فبعثا له مع عداس) بفتح العين وشدّ الدال فألف فسين مهملات (النصراني غلامهما قطف) بكسر القاف ٥٥ خروجه عَطّ الى الطائف عنب، فلما وضع معدّل يده في القطف قال: بسم الله، ثم أكل، فنظر عداس إلى وجهه ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة، فقال له عَّهِ: من أي البلاد أنت. وما دينك؟ قال نصراني من نينوى. فقال له عَّله: من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ قال: وما يدريك؟ عنقود (عنب) وعند ابن عقبة: ووضعه عداس في طبق بأمرهما، وقالا له: اذهب إلى ذلك الرجل، فقال له يأكل منه، ففعل ولم يذكر زيد بن حارثة لأن هذا من كلام ابن عقبة، وهو ممن قال إنه خرج وحده، أو لأنه تابع والحامل على بعث القطف إنما هو المصطفى فخصّ بتقديمة له وخطابه، (فلما وضع عَِّ يده في القطف) ليأكل (قال: بسم اللَّه) فقط كما عند ابن عقبة وابن إسحق، ووقع في الخميس: الرحمن الرحيم، (ثم أكل فنظر عداس إلى وجهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة، فقال له مَّة: ((من أيّ البلاد أنت؟ وما دينك))؟ قال: نصراني من نينوى) بكسر النون وسكون التحتية فنون مفتوحة على الأشهر. قال أبو ذر: وروي بضمها فواو مفتوحة فألف. قال ياقوت: ممالة بلد قديم مقابل الموصل خرب وبقي من آثار مشي، وبه كان قوم يونس. وقال الصغاني: هي قرية يونس بالموصل. (فقال له عَّله: ((من قرية الرجل الصالح يونس بن متى)،) بفتح الميم وشدّ الفوقية مقصور اسم أبيه. وفي تفسير عبد الرزّاق أنه اسم أُمّه وتبعه صاحب تاريخ حماة قائلاً: لم يشتهر بأمه غيره وغير عيسى ورده الحافظ بحديث ابن عباس عند البخاري لا ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى ونسبه إلى أبيه، فإن فيه إشارة إلى الردّ على من زعم أن متى اسم أَمّه، وهو محكيّ عن وهب بن منبه، وذكره الطبري وتبعه ابن الأثير في الكامل، والذي في الصحيح أصحّ، وقيل: سبب قوله: ونسبه إلى أبيه، أنه كان في الأصل يونس بن فلان، فنسي الراوي اسم أبيه وكنى عنه بفلان، فقال الذي نسي يونس بن متى وهي أمّه ثم اعتذر، فقال: ونسبه أي شيخه إلى أبيه، أي: سمّاه فنسيته ولا يخفى بعد هذا التأويل وتكلّفهُ، قال: ولم أقف في شىء من الأخبار على اتّصال نسبه، وقد قيل: أنه كان في زمن ملوك الطوائف من الفرس، انتهى من فتح الباري. يؤيّده ما نقله الثعلبي عن عطاء: سألت كعب الأحبار عن متى، فقال: هو أبو يونس واسم أَمّه برورة، أي: صديقة باّة قانتة وهي من ولد لهرون، انتهى. فقول السيوطي التأويل عندي أقوى وإن استبعده الحافظ، فيه نظر. (فقال) عداس (وما يدريك) ما يونس بن متى؟ كما في الرواية، وعند التيمي: فقال عداسٍ: والله لقد خرجت من نينوى وما فيها عشرة يعرفون ما متى، فمن أين عرفته وأنت أُمي في أُتّة ٥٦ ذكر الجن قال: ذاك أخي، وهو نبي مثلي. فأكب عداس على يديه ورأسه ورجليه يقبلها وأسلم. [ذكر الجن] ولما نزل نخلة - وهو موضع على ليلة من مكة - صرف إليه سبعة من جن نصيبين - مدينة بالشام - أُميّة؟ (قال: ((ذاك أخي وهو نبيّ مثلي)،) وعند ابن عقبة والتيمي: ((كان نبيًّا وأنا نبي))، (فأكبّ عداس على يديه ورأسه ورجليه يقبّلها وأسلم) رضي اللَّه عنه وهو معدود في الصحابة، وفي سير التيمي، أنه قال: أشهد أنك عبد الله ورسوله. وعند ابن إسحق: ونظر إليه ابنا ربيعة، فقال أحدهما للآخر: أما غلامك فقد أفسده عليك، فلمّا جاءهما عداس قالا له: ويلك ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه، قال: يا سيّديَّ - بشدّ الياء مثنى - ما في الأرض شىء خير من هذا، لقد أغلمني بأمر لا يعلمه إلا نبيّ، قالا له: ويحك يا عداس، لا يصرفك عن دينك، فإنه خير من دينه. وفي الروض: ذكروا أن عداسًا لمّا أراد سيّداه الخروج إلى بدر أمراه بالخروج معهما، فقال: أقتال ذلك الرجل الذي رأيت بحائطكما تريدان؟ والله ما تقوم له الجبال، فقالا له: ويحك يا عداس، سحرك بلسانه. وفي الإصابة عن الواقدي: قيل قتل عداس بدر، وقيل: لم يقتل، بل رجع فمات. ذكر الجن (ولمَّا نزل) عَّ ◌ُلِّ في منصرفه من الطائف سنة عشر، وهو ابن خمسين سنة تقريبا، (نخلة) غير مصروف للعلمية والتأنيث، وفي مسلم: بنخل، قال البرهان: والصواب نخلة، ويحتمل أن يقال الوجهان، انتهى. (وهو موضع على ليلة من مكّة صرف إليه) بالبناء للمفعول للعلم به، قال اللَّه تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجنّ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، (سبعة) كما رواه الحاكم في المستدرك وابن أبي شيبة وأحمد بن منيع من طريق عاصم عن زرّ عن عبد اللَّه، قال: هبطوا على النبيّ عَّه وهو يقرأ ببطن نخلة، فلمَّا سمعوه، قالوا: أنصتوا وكانوا سبعة أحدهم زوبعة وإسناده جيّد، وقيل: تسعة، وقيل غير ذلك. (من جنّ نصيبين) بنون مفتوحة وصاد مهملة مكسورة فتحتية ساكنة فموحّدة مكسورة فتحتية ساكنة أيضًا فنون، بلد مشهور يجوز صرفه وتركه، وفي خبر أن جبريل رفعها للنبيّمعَّله ورآها، قال: فسألت اللَّه أن يعذب ماؤها، ويطيب ثمرها ويكثر مطرها وهي بالجزيرة، كما في مسلم وبه جزم غير واحد، قال البرهان: ووهم من قال باليمن، وقوله: (مدينة بالشام) تبع فيه ابن ٥٧ ذكر الجن وكان عليه السلام قد قام في جوف الليل يصلي فاستمعوا له وهو يقرأ سورة الجن. وفي الصحيح أن الذي آذنه معَّه بالجن ليلة الجن شجرة، وأنهم سألوه الزاد .. فقال كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في يد أحدكم أو فرما كان لحمًا، . التين السفاقسي، قال الحافظ: وفيه تجوّز فإن الجزيرة بين الشام والعراق، انتهى. وفي تفسير عبد بن حميد أنهم من نينوى، وقيل: ثلاثة من نجران وأربعة من نصيبين، وعن عكرمة: كانوا اثني عشر ألفًا من جزيرة الموصل. (وكان عليه السلام قد قام في جوف الليل يصلّي) كما ذكره ابن إسحق ولا يعارضه ما في الصحيحين عن ابن عباس: وهو يصلّي بأصحابه صلاة الفجر؛ لأنه كان قبل في أوّل مرة عند المبعث لما منعوا من استراق السمع، نعم وقع لبعض من ساق هذه القصة التي هنا وهو يصلّي الفجر، فإن صح فيكون أطلق على وقت الفجر جوف الليل لاتصاله به، أو ابتدأ الصلاة في الجوف واستمرّ حتى دخل وقت الفجر، أو صلّى فيهما وسمعوهما معًا، والمراد بالفجر الركعتان اللتان كان يصلّيهما قبل طلوع الشمس، وإطلاق الفجر عليهما صحيح لوقوعهما بعد دخول وقته، فسقط اعتراض البرهان بأن صلاة الفجر لم تكن فرضت، وقال الحافظ في حديث ابن عباس وهو يصلّي بأصحابه: لم يضبط من كان معه في تلك السفرة غير زيد بن حارثة، فلعلّ بعض الصحابة تلقّاه لما رجع، انتهى. وكأنه بناه على تسليم اتّحاد مجيء الجنّ. (فاستمعوا له وهو يقرأ سورة الجنّ) قاله ابن إسحق وأقرّه اليعمري ومغلطاي واعترضه البرهان بما في الصحيح أنها إنما نزلت بعد استماعهم، وجوابه أن الذي في الصحيح كان في المرة الأولى عند المبعث كما هو صريحه، وهذه بعده بمدّة فلا تعترض به. (وفي الصحيح) عن ابن مسعود (أن الذي آذنه) بالمدّ أعلمه عَِّ (بالسجنّ ليلة الجنّ شجرة) هي كما في مسند إسحق بن راهويه سمرة بفتح السين وضم الميم من شجر الطلح جمعه كرجل وفيه معجزة باهرة، (وأنهم سألوه الزاد) أي: ما يفضل من طعام الإنس، وقد يتعلق به من يقول الأشياء قبل الشرع على الخطر حتى ترد الإباحة، ويجاب عنه بمنع الدلالة على ذلك، بل لا حكم قبل الشرع على الصحيح، قاله في فتح الباري. وقال شيخنا: أي نوعًا يخصّهم به كما جعل للإنس في المطعوم حلالاً وحرامًا ولعلّهم قبل السؤال كانوا يأكلون ما اتّفق لهم أكله بغير قيد نوع مخصوص أو ما لم يذكر اسم اللَّه عليه من طعام الإنس. (فقال: كل عظم ذكر اسم اللّه عليه) هو زادكم (يقع في يد أحدكم أو فرمًا كان لحمًا) ولأبي داود: كل عظم ٥٨ ذكر الجن وكل بعر علف لدوابكم. وفي هذا رد على من زعم أن الجن لا تأكل ولا تشرب. لم يذكر اسم اللّه عليه، وجمع بأن رواية مسلم في حقّ المؤمنين، وهذه في حقّ شياطينهم. قال السهيلي: وهو صحيح يعضده الأحاديث. (وكل بعر علف لدوابكم) زاد ابن سلام في تفسيره: أن البعر يعود خضرًا لدوابهم واعترض على المؤلف ومتبوعه السهيلي في سياق حديث الصحيح هنا بما صرّح به الحافظ الدمياطي أنه معَّه لم يشعر بهم حين استمعوه في رجوعه من الطائف حتى نزل عليه ﴿وإذ صرفنا إليك نفرًا﴾ [الأحقاف: ٢٩] الآية، قال: وسؤالهم الزاد كان في قصّة أخرى. (وفي هذا) دليل على أن الجنّ يأكلون ويشربون و(ردّ على من زعم أن الجنّ لا تأكل ولا تشرب) لأن صيرورته لحمًا إنما تكون للأكل حقيقة، ثم اختلف هل أكلهم مضغ وبلع أو يتغذون بالشم، وقوله عليه الصّلاة والسّلام: ((إن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله))، مجاز أي: يحبّه الشيطان ويزيّنه ويدعو إليه، قال ابن عبد البرّ: وهذا ليس بشىء فلا معنى لحمل شىء من الكلام على المجاز إذا أمكنت فيه الحقيقة بوجه ما انتهى. وهو الراجح عند جماعة من العلماء، حتى قال ابن العربي: من نفى عن الجنّ الأكل والشرب فقد وقع في حبالة إلحاد وعدم رشاد، بل الشيطان وجميع الجان يأكلون ويشربون وينكحون ويولد لهم ويموتون وذلك جائز عقلاً، وورد به الشرع، وتظافرت به الأخبار فلا يخرج عن هذا المضمار إلا حمار، ومن زعم أن أكلهم شمّ فما شمّ رائحة العلم، انتهى. وروى ابن عبد البرّ عن وهب بن منبه: الجنّ أصناف، فخالصهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون وصنف يفعل ذلك ومنهم السعالي والغيلان والقطرب، قال الحافظ: وهذا إن ثبت كان جامعًا للقولين، ويؤيّده ما روى ابن حبان والحاكم عن أبي ثعلبة الخشني مرفوعًا: ((الجنّ ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وعقارب، وصنف يحلّون ويظعنون وپرحلون». وروى ابن أبي الدنيا عن أبي الدرداء مرفوعًا نحوه، لكن قال في الثالث: ((وصنف عليهم الحساب والعقاب))، انتهى. قال السهيلي: ولعلّ هذا الصنف الطيار هو الذي لا يأكل ولا يشرب إن صحّ القول به، انتهى. وقال صاحب آكام المرجان: وبالجملة فالقائلون الجنّ لا تأكل ولا تشرب إن أرادوا جميعهم فباطل؛ لمصادمة الأحاديث الصحيحة وإن أرادوا صنفًا منهم فمحتمل، لكن العمومات تقتضي أن الكل يأكلون ويشربون. ٥٩ ذكر الجن وذكر صاحب الروض من أسماء السبعة الذين أتوه عليه السلام، عن ابن دريد: منشى وناشى وشاصر وماصر والأحقب. لم يزد على تسمية هؤلاء. (وذكر صاحب الروض) السهيلي فيه هنا (من أسماء السبعة الذين أتوه عليه السلام عن ابن دريد منشى) بميم فنون فمعجمة (وناشی) بنون (وشاصر) بشين معجمة فألف فصاد فراء (وماصرّ) بميم فألف فمعجمة ضبطهما في الإصابة، (والأحقب) قال في الروض (لم يزد) ابن دريد (على تسمية هؤلاء) الخمسة، وقد ذكرنا تمام أسمائهم فيما تقدّم يعني قبيل المبعث، إذ قال وعمرو بن جابر وسرق، انتھی. وفي الإصابة: الأرقم الجني أحد من استمع القرءان من جنّ نصيبين، ذكر إسماعيل بن زياد في تفسيره عن ابن عباس أنهم تسعة: سليط وشاصر وماضر وحسا ونسا وبجعم والأرقم والأدرس وخاضر، نقلته مجوّدًا من خطّ مغلطاي، ثمّ ضبط في الإصابة خاضرًا بخاء وضاد معجمتين وآخره راء، وسرق بضم السين وفتح الراء المشدّدة المهملتين وقاف، قال: وضبطه العسكري بتخفيف الراء على وزن عمر وأنكر على أصحاب الحديث شدّ الراء، انتهى. فهؤلاء أربعة عشر صحابة من الجنّ، وترجم في الإصابة أبيض الجني ذكره في كتاب السنن لأبي عليّ بن الأشعث أحد المتروكين المتهمين، فأخرج إسناده أنه عَِّ قال لعائشة: ((أخزى اللَّه شيطانك)) الحديث، وفيه: ((ولكن اللَّه أعانني عليه حتى أسلم واسمه أبيض وهو في الجنَّة، وهامة بن الهيم بن الأقيس بن إبليس في الجنَّة))، انتهى. وفي التجريد هامة بن الهيم حديثه موضوع، انتهى. وسمحج بسين مهملة أوّله بوزن أحمر آخره جيم وسمّاه المصطفى عبد الله، رواه الفاكهي وغيره؛ كما في الإصابة، وعد أبو موسى المديني في الصحابة عمرو بن جابر المتقدّم ولملك بن ملك وعمرو بن طارق وزوبعة ووردان. قال الذهبي: وزوبعة إما لقب لواحد منهم أو اسم له والمذكور لقب، ولم يذكر ذلك صاحب الإصابة، بل ترجم لكل منهم، فاقتضى أن زوبعة اسم علم على جني غير الأربعة وهو الأصل، وذكر في عمرو بن طلق، ويقال ابن طارق،. أخرج الطبراني في الكبير عن عثمن بن صالح، قال: حدثني عمر والجني، قال: كنت عند النبيّ عَّهِ فقرأ سورة النجم فسجد وسجدت معه. وأخرج ابن عدي عن عثمن بن صالح، قال: رأيت عمرو بن طلق الجني، فقلت له: رأيت رسول اللّه ◌َّله؟ فقال: نعم وبايعته وأسلمت معه وصلّيت خلفه اصبح، فقرأ سورة الحجّ فسجد فيها سجدتين، وعثيم الجنيّ وعرفطة بن سمراح الجني من بني نجاح ذكره الخرائطي في الهواتف عن سللمن الفارسي بسند ضعيف جدًا، انتهى. وعبد النور الجني، قال الذهبي: روى شيخنا ابن حمويه عن رجل عنه، وهذه خرافة ٦٠ ذكر الجن قال الحافظ ابن كثير: وقد ذكر ابن إسحق خروجه عليه السلام إلى أهل الطائف ودعاءه إياهم، وأنه لما انصرف عنهم بات بنخلة، فقرأ تلك الليلة من القرءان، فاستمعه الجن من أهل نصيبين. قال: وهذا صحيح، لكن قوله إن الجن كان استماعهم تلك الليلة فيه نظر، فإن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء، مهتوكة، انتهى. وامرأة اسمها رفاعة، وفي رواية عفراء، قال ابن الجوزي: حديثها موضوع، ولو صحّ لعدّت في الصحابيّات، ولم أرَ أحدًا ذكرها لا في رفاعة ولا في عفراء، ثم ذكر الحديث من وجه آخر وسماها الفارعة بنت المستورد، وترجم لها في الإصابة الفارعة وذكر حديثها، وقال: في سنده من لا يعرف، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات، وقال أعني صاحب الإصابة في ترجمة زوبعة: أنكر ابن الأثير على أبي موسى المديني ترجمة الجنّ في الصحابة، ولا معنى لإنكاره؛ لأنهم مكلّفون وقد أرسل إليهم النبيّ عَّه. وأمَّا قوله كان الأولى أن يذكر جبريل، ففيه نظر؛ لأن الخلاف في أنه أرسل إلى الملائكة مشهور بخلاف الجنّ. وفي فتح الباري الراجح دخول الجنّ؛ لأنه عَُّ بعث إليهم قطعًا وهم مكلّفون، فيهم العصاة والطائعون، فمن عرف اسمه منهم لا ينبغي التردّد في ذكره في الصحابة، وإن كان ابن الأثير عاب ذلك على أبي موسى فلم يستند في ذلك إلى حجّة، وأمَّا الملائكة فيتوقف عدّهم فيهم على ثبوت بعثته إليهم، فإن فيه خلافًا بين الأصوليين، حتى نقل بعضهم الإجماع على ثبوته وعکس بعضهم، انتھی. (قال الحافظ ابن كثير: وقد ذكر ابن إسحق خروجه عليه السّلام إلى أهل الطائف ودعاءه إيّاهم وأنه لما انصرف عنهم بات بنخلة فقرأ تلك الليلة من القرءان) أي: بعضه، وهو كما مرّ سورة الجنّ، وقيل: اقرأ، وقيل: الرحمن وجمع بأن اقرأ في الأولى والرحلمن في الثانية، أي: والجنّ في الثالثة. (فاستمعه الجنّ من أهل نصيبين) من العرب من يجعله اسمًا واحدًا ويلزمه الإعراب كالأسماء المفردة الممنوعة الصرف، والنسبة نصيبين بإثبات النون، ومنهم من يجريه مجرى الجمعِ، والنسبة نصيبي بحذف النون، وعكس ذلك الجوهري فاعترض لأن المثنى والجمع وما أَلحق بهما إن جعلا علمين وبقي إعرابهما بالحروف ثم نسب إليهما ردًا إلى مفردهما، وإن جعلا اسمين تامين أَعربا بالحركات على النون ونسب إليهما على لفظهما بلا خلاف. (وقال: وهذا صحيح لكن قوله: إن الجنّ كان استماعهم تلك الليلة فيه نظر، فإن الجنّ كان استماعهم في ابتداء الإيحاء) ولا نظر، فهذه المرة بعد تلك، وقد جزم في فتح الباري بأن