النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ دخول الشعب وخبر الصحيفة فلما بلغ ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾، ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا، فنزلت هذه الآية ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ [الحج/٥٢] الآية. وأخرجه البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة فقال: في إسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، فيما أحسب، ثم ساق الحديث. وقال البزار: لا يروي متصلاً إلا بهذا الإسناد. وتفرد بوصله أمية بن خالد وهو ثقة مشهور. قال: إنما يروى هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. انتهى، والكلبي متروك لا يعتمد عليه. قال في النور: فهذا تباين لكن يحتمل أنه تحدّث بذلك قبل وقوعه وفيه ما فيه، انتهى. وقد يقال: لا تباين؛ لأن الحبشة باليمن كما مرّ، فيمكن وصول الخبر في تلك المدّة ولا سيّما البحر قد يقطع فيه مسافات كثيرة في أيّام قليلة، (فلمَّا بلغ ﴿أفرأيتم اللّت والعزّى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، ألقى الشيطان على لسانه، تلك الغرانيق العلى إن شفاعتهن لترتجي، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد) لما ختم السورة (وسجدوا) معه وكبر ذلك على النبيّ عَّهِ (فنزلت هذه الآية) تسلية له (﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولانبيّ إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أُمنيته﴾ [الحج: ٥٢]،) أي: في قراءته بين كلمات القرءان (الآية) أتلها (وأخرجه البزار وابن مردويه من طريق أُميّة بن خالد) ابن الأسود العنسي، أبي عبد الله البصري، مات سنة مائتين أو وإحدى (عن شعبة، فقال: في إسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، فيما أحسب) أي: أظنّ، (ثم ساق الحديث) المذكور. (وقال البزار) عقب تخريجه (لا يروى متّصلاً إلا بهذا الإسناد وتفرّد بوصله أُميّة بن خالد وهو ثقة مشهور) أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، مع كون سعيد لم يجزم بوصله إنما ظنّه كما علم، (وقال) البزار أيضًا (إنما يروى هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح) باذان بنون أو باذام بميم وذاله معجمة عن مولاته أُمّ هانىء وعليّ وعنه السديّ وغيره، أخرج له أصحاب السنن، وقال أبو حاتم: لا يحتجّ به، وفي التقريب: إنه مقبول (عن ابن عباس، انتهى). (والكلبي) وهو محمّد بن السائب (متروك لا يعتمد عليه،) بل قال ابن الجوزي إنه من كبار الوضاعين، وشيخه أبو صالح فيه مقال، وقال ابن حبان يروي الكلبي عن أبي صالح عن ابن ٢٢ دخول الشعب وخبر الصحيفة وكذا أخرجه النحاس بسند آخر فيه الواقدي. وذكرها ابن إسحق في السيرة مطولاً، وأسندها عن محمد بن كعب، وكذلك موسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب الزهري. وكذا أبو معشر بالسيرة له عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس وأورده من طريقه الطبري. وأورده ابن أبي حاتم من طريق أسباط عن السدي. ورواه ابن مردويه من طريق عباد بن صهيب عباس، التفسير، وأبو صالح لم يرَ ابن عباس ولا سمع الكلبي من أبي صالح إلا الحرف بعد الحرف، فلمّا احتيج إليه أخرجت الأرض أفلاذ كبدها لا يحلّ ذكره في الكتب فكيف الاحتجاج به، (وكذا أخرجه النحاس) الحافظ الإمام الصدوق أبو العباس أحمد بن محمّد بن عيسى المصري نزيل نيسابور ذو الرحلة الواسعة والمعرفة الجيّدة، روى عنه الحاكم، وقال: حافظ يتحرّى الصدق في مذاكراته مات سنة ستّ وسبعين وثلاثمائة عن خمس وثمانين سنة (بسند آخر فيه الواقدي) محمّد بن عمر بن واقد الأسلمي المدني الذي استقرّ الإجماع على وهنه؛ كما في الميزان. (وذكرها ابن إسحق في السيرة) ذكرًا (مطوّلاً وأسندها عن محمّد بن كعب) القرظي (وكذلك) ذكرها (موسى بن عقبة في المغازي عن) شيخه (ابن شهاب) محمّد بن مسلم (الزهري) (وكذا أبو معشر بالسيرة له عن محمّد بن كعب القرظي) بضمّ القاف وفتح الراء وظاء معجمة نسبة إلى بني قريظة، نزل الكوفة مدّة ثقة عالم ولد سنة أربعين، ووهم من قال في عهد النبيّ عَه، فقد قال البخاري: إن أباه كان ممن لم يثبت في سبي قريظة، مات محمّد سنة عشرين ومائة، وقيل قبل ذلك. (ومحمّد بن قيس) شيخ أبي معشر ضعيف، ووهم من خلطه بمحمّد بن قيس المدني القاص الثقة؛ كما في التقريب. (وأورده من طريقه) أي: أبي معشر، (الطبري) محمّد بن جرير (وأورده ابن أبي حاتم من طريق أسباط) بن نصر الهمداني بسكون الميم، قال في التقريب: صدوق كثير الخطأ يغرب (عن السديّ) بضم السين وشدّ الدال المهملتين إسمعيل بن عبد الرحمن (ورواه ابن مردويه من طريق عباد بن صهيب) قال البخاري والنسائي وأبو حاتم: متروك، وابن المديني ذهب حديثه، وقال ابن حبان: يروي المناكير عن المشاهير حتى يشهد المبتدىء في الصناعة أنها موضوعة، وقال زكريا الساجي: كانت كتبه ملأى من الكذب، وقال ٢٣ دخول الشعب وخبر الصحيفة عن يحيى بن كثير، عن الكلبي عن أبي صالح، وعن أبي بكر الهذلي، وأيوب عن عكرمة، وعن سليلمن التيمي عمن حدثه، ثلاثتهم عن ابن عباس. وأوردها الطبري أيضًا من طريق العوفي عن ابن عباس. ومعناهم كلهم في ذلك واحد. وكلها سوى طريق أبو داود: هو صدوق فيما قد روى، وقال أحمد: ما كان بصاحب كذب، وجمع الحافظ في الأمالي بأنه كان لا يتعمد الكذب بل يقع ذلك في روايته من غلطه وغفلته، ولذا تركوه. (عن يحيى بن كثير) أبي النضر ضعيف (عن الكلبي عن أبي صالح) البصري اشتهر بكنيته ومراسمه (وعن أبي بكر الهذليّ) قيل: اسمه سلمى بضم السين المهملة ابن عبد الله، وقيل: روح الأخباري متروك الحديث؛ كما في التقريب مات سنة سبع وستّين ومائة، روى له ابن ماجه. (وأيّوب) بن كيسان البصري التابعي الصغير، قال فيه شعبة: أيّوب سيّد الفقهاء ما رأيت مثله، وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا حجّة عدلاً جامعًا، ولد سنة أربع وستين ومات سنة إحدى وثلاثين ومائة بالبصرة، ويقال له السختياني: بفتح المهملة على الصحيح وحكي ضمّها وكسرها وفتح الفوقية؛ كما في اللباب، وكسرها كما في المطالع نسبة إلى بيع السختيان، وهو الجلد أو إلى عمله. (عن عكرمة) بن عبد اللَّه البربري ثم المدني مولى ابن عباس أحد الأعلام الكبار، كان بحرًّا من البحار ونسبته للكذب على سيّده أو البدعة أو سوء العقيدة لا تثبت، كما بسّطه الحافظ في مقدّمة الفتح مات سنة ستّ أو سبع ومائة. (و)رواه ابن مردويه أيضًا عن (سليمن) بن بلال (التيمي) مولاهم المدني أحد علماء البصرة، قال ابن سعد: كان بربريًّا جميلاً حسن الهيئة عاقلاً ثقة كثير الحديث، مات سنة اثنتين وسبعين ومائة. (عمّن حدّثه ثلاثتهم) يعني أبا صالح وعكرمة والذي حدّث سليمن (عن ابن عبّاس وأوردها الطبري من طريق العوفي) بسكون الواو وبالفاء عطيّة بن سعد بن جنادة بجيم مضمومة فنون خفيفة، الجدلي بفتح الجيم والمهملة الكوفي أبي الحسن: صدوق شيعي مدلس يخطىء كثيرًا؛ إلاَّ أن الترمذي يحسن حديثه خصوصًا مع الشاهد وهذا له شواهد كما ترى، مات سنة إحدى عشرة ومائة، أخرج ه أبو داود والنسائي والترمذي وتجويز أن المراد سليمن بن يحيى قاضي مرو؛ لأنه يروي عن ابن عباس وابن عمر مردود، فقد جزم في الأنساب من التقريب بأنّ العوفي عطية بن سعد. (عن ابن عبّاس ومعناهم كلّهم في ذلك واحد، وكلّها) أي: كل طريق منها (سوى طريق ٢٤ دخول الشعب وخبر الصحيفة سعيد بن جبير إما ضعيف وإما منقطع. لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلاً. مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيح. أحدهما: ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، فذكر نحوه. والثاني: ما أخرجه أيضًا من طريق المعتمر بن سليمن، وحماد بن سلمة كلاهما عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية. سعيد بن جبير، إمّا ضعيف، وإمّا منقطع، لكن كثرة الطرق تدلّ على أن للقصّة أصلاً) وإن كان فيها ذلك (مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيح أحدهما) أي: الطريقين، والطريق يذكّر ويؤنّث (ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد) بتحتية وزاي، الأيلي الحافظ روى عن الزهري ونافع وغيرهما، وعنه الليث وابن وهب والأوزاعي وخلق، مات بمصر سنة سبع وخمسين ومائة على الصحيح، روى له الجميع ووثّقه الجمهور مطلقًا حتى بالغ أحمد بن صالح، فقال: لا نقدّم على يونس في الزهري أحدًا، (عن) محمّد بن مسلم (بن شهاب) الزهري العلم الشهير، قال: (حدّثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام) بن المغيرة المخزومي المدني الثقة أحد الفقهاء السبعة التابعي الكبير، كثير الحديث من سادات قريش، قيل: اسمه محمّد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبو بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل اسمه وكنيته واحد، ولد في خلافة عمر، ومات سنة ثلاث أو أربع أو خمس وتسعين، (فذكر نحوه) وهذا رجاله على شرط الشيخين. (والثاني: ما أخرجه) ابن جرير (أيضًا من طريق المعتمر بن سليمن) بن طرخان التيمي الثقة الحافظ البصري المتوفى بها سنة سبع وثمانين ومائة، روى له الستّة. (وحماد بن سلمة) بفتحات ابن دينار البصري أحد الأئمة الأثبات العابد الزاهد الحافظ مجاب الدعوة، كان يعدّ من الأبدال تزوّج سبعين امرأة، فلم يولد له؛ لأنه لا يولد للبدل، احتج به مسلم والأربعة والبخاري في التاريخ وعلّق له في الصحيح، قال الحافظ: ولم يخرج له فيه احتجاجًا ولا مقرونًا ولا متابعة إلاّ في موضع واحد في الرقاق؛ لأنه ساء حفظه في الآخر، مات سنة سبع وستين ومائة. (كلاهما عن داود بن أبي هند) القشيري مولاهم أبو بكر أو أبو محمّد، ثقة متقن أخرج له مسلم والأربعة مات سنة أربعين ومائة، فهذا على شرط مسلم. (عن أبي العالية) بمهملة وتحتية، رفيع بضم الراء وفتح الفاء ابن مهران الرياحي براء وتحتية ومهملة، البصري التابعي الكبير أسلم ٢٥ دخول الشعب وخبر الصحيفة قال الحافظ ابن حجر: وقد تجرأ ابن العربي - كعادته - فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة لا أصل لها. وهو إطلاق مردود عليه. وكذا قول القاضي عياض: ((هذا الحديث لم يخرجه أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته وانقطاع أسانيده)). وكذا قوله: ((ومن حكيت عنه هذه القصة من التابعين والمفسرين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب، رأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية)). بعد الوفاة النبوية بسنتين، وقيل فيه: ليس بعد الصحابة أعلم منه بالقرءان مات سنة تسعين، وقيل: ثلاث، وقيل غير ذلك. (قال الحافظ ابن حجر) أيضًا إذ ما قبله كلامه: (وقد تجرّأ ابن العربي) الحافظ المتّجر في العلوم محمّد بن عبد الله بن محمّد بن عبد الله بن أحمد الأشبيلي المالكي القاضي، يكنى أبا بكر، له التصانيف الحسنة والمناقب الجمّة والرحلة إلى عدّة بلاد في طلب العلوم، توفّي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. (كعادته) في التجرّؤ (فقال: ذكر الطبري) يعني ابن جرير (في ذلك روايات كثيرة) باطلة؛ كما في الفتح عنه قبل طوله (لا أصل لها، وهو إطلاق مردود عليه) لكثرة الطرق مع المراسيل الثلاثة الصحيحة، (وكذا قول القاضي عياض) في الشفاء (هذا الحديث لم يخرجه أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم) أي: سالم من الطعن فيه، (متّصل) قال: وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرّخون بكلٌ غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم، وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي، حيث قال: لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير وتعلّق بذلك الملحدون. (مع ضعف نقلته واضطراب رواياته وانقطاع أسانيده) واختلاف كلماته، فقائل تقوّل في الصلاة وآخر في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة، وآخر يقول بل حدث نفسها فسها، وآخر قالها الشيطان على لسانه، وأن النبيّ عَّله لما عرضها جبريل قال: ما هكذا أقرأتك، وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبيّ عَّةٍ قرأها فلما بلغ النبيّ ذلك، قال: ((واللَّه ما هكذا أنزلت))، إلى غير ذلك من اختلاف الرواة، (وكذا قوله) أي: عياض عقب ما زدته منه (ومن حكيت عنه هذه القصّة من التابعين) كالزهري وابن المسيّب وأبي بكر بن عبد الرحمن (والمفسرين) کابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر، (لم يسندها أحد منهم) إلى النبيّ عَِّ (ولا رفعها إلى صاحب) من أصحابه (وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية) ساقطة غير مرضية. ٢٦ دخول الشعب وخبر الصحيفة قال: ((وقد بين البزار أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره، إلا طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير، مع الشك الذي وقع في وصله. ((ثم رده من طريق النظر: بأن ذلك لو وقع لارتد كثير ممن أسلم. قال: ولم ينقل ذلك)). انتهى. وجميع ذلك لا يتمشى مع القواعد: فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلاً. وقد ذكرنا أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمراسيل، وكذا من لا يحتج بها الاعتضاد. وإذا تقرر ذلك: تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر، وهو قوله: ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى. فإن . (قال) ابن عياض (وقد بيّ البزار أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره إلا طريق) شعبة عن (أبي بشر عن سعيد بن جبير مع الشكّ الذي وقع في وصله) من سعيد، وهو قوله: عن ابنٍ عباس فيما أحسب، قال: ولم يسنده عن شعبة إلا أميّة بن خالد وغيره يرسله عن سعيد وإنما يعرف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، قال القاضي: وأمَّا الكلبي فلا تجوز الرواية عنه القوة ضعفه وكذّبه كما أشار إليه البزار، انتهى كلامه في الشفاء. قال شارحه: وفي قوله: لقوّة ضعفه طباق بديع جدًا فهذا ردّه من حيث الإسناد، (ثم ردّه) أي: عياض، (من طريق النظر) أي: الفكر الصادر عن عقل سليم مستقيم (بأن ذلك لو وقع لارتدّ كثير ممن أسلم) أنهم إذا سمعوه مع قرب عهدهم بالإسلام اعتقدوا في الأصنام النفع فيميلون نها، (قال: ولم ينقل ذلك، انتهى). قال الحافظ ابن حجر: (وجميع ذلك لا يتمشّى على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها) جمع مخرج، أي: محل خروجها (دلّ ذلك على أن لها أصلاً إذ يبعد اتّفاق طوائف متباينين على ما لا أصل له، (وقد ذكرنا أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح) ولو لأحدهما وهي طريق ابن جبير وطريق أبي بكر بن عبد الرحمن وطريق أبي العالية، (وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتجّ بالمراسيل) لصحتها (وكذا من لا يحتجّ بها الاعتضاد) بعضها ببعض فحصلت لها القوّة فقامت بها الحجّة عند الفريقين (وإذا تقرّر ذلك تعيّن تأويل ما وقع فيها مما يستنكر، وهو قوله: ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى، فإن ٢٧ دخول الشعب وخبر الصحيفة ذلك لا يجوز حمله على ظاهره، لأنه يستحيل عليه عَّه أن يزيد في القرءان عمدًا ما ليس فيه، وكذا سهوًا إذا كان مغايرًا لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته. وقد سلك العلماء في ذلك مسالك: فقيل: جرى ذلك على لسانه حين أصابته سنة، وهو لا يشعر، فلما علم الله بذلك أحكم آياته، وهذا أخرجه الطبري عن قتادة. ورده القاضي عياض: بأنه لا يصح، لكونه لا يجوز على النبي عَِّ ذلك، ولا ولاية للشيطان عليه في النوم. وقيل: إن الشيطان ألجأه إلى أن قال ذلك بغير اختياره. ورده ابن العربي ذلك لا يجوز) أي: يحرم بإجماع (حمله على ظاهره؛ لأنه يستحيل عليه عٍَّ أن يزيد في القرءان عمدًا ما ليس فيه) كيف؟ وقد قال تعالى: ﴿ولو تقوّل علينا﴾ [الحاقة: ٤٤] الخ. وقال: ﴿إِذا لَاَذقناك﴾ الآية، (وكذا سهوًا إذا كان مغايرًا لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته) وهذا يؤذن بجواز زيادته على ما في القرءان سهوًا، إن وافق ما جاء به من التوحيد وفيه ما فيه، فلا يقع منه ذلك ولا سهوًا وإجماعًا حكاه عياض وغيره (وقد سلك العلماء في ذلك مسالك) عبّر عن تلبسهم بالأجوبة المختلفة بالدخول في الطرق المختلفة مجازًا، إذ سلوك الطريق الدخول فيه والمسالك الطرق التي يدخل فيها، وقد أنصف في الشفاء، حيث قال: وأجاب عن ذلك أئمّة المسلمين بأجوبة، منها الغثّ والسمين. (فقيل: جرى ذلك على لسانه حين أصابته) أي: عرضت له، (سنة) فتور مع أوائل النوم قبل الاستغراق فيه، (وهو لا يشعر، فلما علم اللَّه) أظهر علمه للناس (بذلك أحكم آياته، وهذا أخرجه الطبري عن قتادة) ونقله عياض عنه وعن مقاتل، (وردّه القاضي عياض، بأنه لا يصحّ) وقوعه منه (لكونه لا يجوز على النبيّ عَّه ذلك ولا ولاية للشيطان عليه في النوم) ولذا احتاجوا للجواب عن نومه في الوادي، وأجاب شارح الهمزية بأن هذا لا يثبت له الولاية عليه؛ غاية الأمر أن الشيطان لما رآه أصابته تلك السنة حكى قراءته بصوت يشبه صوته، ودفعه شيخنا بأن عياضًا لم يرد بالولاية عليه السلطنة، بحيث يصير فاعلاً لما أمره به، بل مراده بنفي الولاية أنه لا تسلّط له عليه في شىء مما يريد فعله بوجه ما ، أعمّ من أن يكون بحمله موافقته أو بحكاية شىء عنه على وجه الكذب والبهتان. (وقيل: إن الشيطان ألجاه إلى أن قال ذلك بغير اختياره وردّه) محمّد (ابن العربي بقوله ٢٨ دخول الشعب وخبر الصحيفة بقوله تعالى، حكاية عن الشيطان: ﴿وما كان لي عليكم من سلطان) الآية [إبراهيم/٢٢]، قال: فلو كان للشيطان قوة على ذلك لما بقي لأحد قوة على طاعة. وقيل: إن المشركين كانوا إذا ذكروا آلهتهم وصفوها بذلك، فعلق ذلك بحفظه معرّ فجرى على لسانه لما ذكرهم سهوًا. وقد رد ذلك القاضي عياض فأجاد. وقيل: لعله قال ذلك توبيخًا للكفار. قال القاضي عياض: وهذا جائز إذا كانت هناك قرينة تدل على المراد، ولا سيما وقد كان الكلام في ذلك الوقت في الصلاة جائزًا. وإلى هذا نحا الباقلاني. تعالى حكاية عن الشيطان: ﴿وما كان لي عليكم من سلطان﴾ [إبراهيم: ٢٢] الآية، قال: فلو كان للشيطان قوّة على ذلك لما بقي لأحد قوّة على طاعة) لأنه إذا قدر على إلجائه - وحاشاه من ذلك - فما الناس بعده، فهذا الجواب أقبح من القصّة. (وقيل: إن المشركين كانوا إذا ذكروا آلهتهم وصفوها بذلك فعلق ذلك) بكسر اللام، أي: تعلق (بحفظه عَّ فجرى على لسانه لما ذكرهم سهوًا، وقد ردّ ذلك القاضي عياض، فأجاد) حيث قال: هذا إنما يصحّ فيما لم يغيّر المعاني ويبدّل الألفاظ، وزيادة ما ليس من القرءان؛ بل الجائز عليه السهو عن إسقاط آية منه أو کلمة، ولكنه لا يقرّ علیه بل ینته علیه ویذگّر به للحین، انتهى. (وقيل: لعلّه) عَّ (قال ذلك توبيخًا للكفّار) كقول إبراهيم: هذا ربّي على أحد التأويلات، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا بعد السكت، وبيان الفصل بين الكلامين ثم رجع إلى تلاوته، (قال القاضي عياض: وهذا جائز إذا كانت هناك قرينة تدلّ على المراد) مع بيان الفصل، وأنه ليس من المتلوّ (ولا سيّما وقد كان الكلام في ذلك الوقت في الصلاة جائزًا) لفظ عياض، ولا يعترض هذا بما روي أنه كان في الصّلاة، فقد كان الكلام قبل فيها غير ممنوع. (وإلى هذا نحا) مال القاضي أبو بكر محمّد بن الطيب (الباقلاني) البصري ثم البغدادي الملقّب بشيخ السنّة ولسان الأمّة الأصولي الأشعري المالكي مجدّد الدين على رأس المائة الرابعة على الصحيح؛ كما قال الزناتي في طبقات المالكية. وفي الديباج: انتهت إليه رئاسة المالكية في وقته، وكان حسن الفقه عظيم الجدل، وكان له بجامع المنصور حلقة عظيمة، ٢٩ دخول الشعب وخبر الصحيفة وقيل: إنه لما وصل إلى قوله: ﴿ومناة الثالثة الأخرى﴾ خشي المشركون أن يأتي بعدها بشىء يذم آلهتهم به فبادروا إلى ذلك الكلام، فخلطوه في تلاوة النبى معَّ اللّه ـٍ على عادتهم في قولهم: لا تسمعوا لهذا القرءان والغوا فيه ونسب ذلك للشيطان لكونه الحامل لهم على ذلك. أو المراد بالشيطان شيطان الإنس. وقيل المراد بالغرانيق العلى، الملائكة، وكان الكفار يقولون: الملائكة بنات الله، ويعبدونها، فنسق ذكر الكل ليرد عليهم بقوله: ﴿ألكم الذكر وله الأنثى﴾ فلما سمعه المشركون حملوه على الجميع، وقالوا: قد عظم آلهتنا ورضوا بذلك، وحدث عنه أبو ذرّ، وتوفي يوم السبت لسبع بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وأربعمائة، (وقيل: أنه لما وصل إلى قوله: ﴿ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم: ٢٠]، خشي المشركون أن يأتي بعدها بشىء يذمّ آلهتهم به) كعادته إذا ذكرها (فبادروا إلى ذلك الكلام فخلطوه في تلاوة النبيّ عَِّ على عادتهم في قولهم: لا تسمعوا لهذا القرءان) إذا قرأ (والغوا فيه) أظهروا اللغو برفع الأصوات تخليطًا وتشويشًا عليه بما يشغل عنه الخواطر لعجزهم عن مثله؛ زاد في الشفاء وأشاعوا ذلك وأذاعوه، فحزن النبيّ عَّهِ من كذبهم عليه فسلاه اللَّه بقوله: ﴿وما أرسلنا من قبلك﴾ الآية [يوسف: ١٠٩، الأنبياء: ٢٥]، وبيّ للناس الحقّ من ذلك الباطل، وحفظ القرءان وأحکم آیاته ودفع ما ليس به العدوّ؛ کما ضمنه قوله تعالى: ﴿إنّا نحن نزلنا الذكر﴾ الآية [الحجر: ٩]. (ونسب ذلك للشيطان) إبليس (لكونه الحامل لهم على ذلك) كما جزم به عياض، (أو المراد بالشيطان شيطان الإنس) أي: جنسه، قال شيخنا: وهذا الجواب أقرب الأجوبة فيما ينبغي، وإن قال في شرح الهمزية: إنه تعسّف. (وقيل المراد) واستظهره عياض، والمراد: (بالغرانيق العلا الملائكة) كما قاله الكلبي بناء على رواية مجاهد، والغرائقة العلا؛ كما قال عياض، لا على رواية تلك: لأنه لم يتقدم للملائكة ذكر حتى يرجع إليه اسم الإشارة. (وكان الكفار يقولون: الملائكة بنات اللَّه ويعبدونها) قال القاضي: فلا يبعد أنه على هذا كان قرءانًا (فنسق ذكر الكل) أتى به على نظام واحد، فقال: ﴿أفرأيتم اللّت والعزّى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] والغرائقة العلا وإن شفاعتهن لترتجى؛ (ليرد عليهم بقوله: ﴿ألكم الذكر وله الأنثى﴾ [النجم: ٢١]، فلمَّا سمعه المشركون حملوه على الجميع) جهلاً أو عنادًا أو تلبيسًا، (وقالوا: قد عظم آلهتنا ورضوا بذلك) مع أنه إنما يعود للغرائقة، أي: الملائكة؛ لأن استعارة الطير لهم أظهر من استعارته للأصنام. ٣٠ دخول الشعب وخبر الصحيفة فنسخ الله تينك الكلمتين وأحكم آياته. وقيل: كان النبي عٍَّ يرتل القرءان، فارتصده الشيطان في سكتة من تلك السكتات ونطق بتلك الكلمات محاكيًا نغمة النبي عَّه بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قوله، وأشاعها. وقال: وهذا أحسن الوجوه، ويؤيده ما ورد عن ابن عباس في تفسير (تمنى)) بـ ((تلا)). وكذا استحسن ابن العربي هذا التأويل وقال: معنى قوله: في أمنيته، أي في تلاوته، فأخبر الله تعالى أن سنة الله في رسله، إذا قالوا . قال عياض: ورجاء الشفاعة منهم صحيح، (فنسخ اللَّه تينك الكلمتين) اللتين وجد الشيطان بهما سبيلاً للتلبيس، وهما: والغرائقة العلا وإن شفاعتهن لترتجى، عبّر عنهما بالكلمتين مجازًا من تسمية الكل باسم الجزء، (وأحكم آياته) كما نسخ كثير من القرءان، وكان في كل من إنزالهما ونسخهما حكمة ليضلٌ به من يشاء ويهدي من يشاء، وما يضلّ به إلا الفاسقين، وليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض، والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد، وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحقّ من ربّك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم، ذكره القاضي عياض. (وقيل: كان النبيّ عَّ يرّل القرءان) ترتيلاً ويفضّل الآيات تفصيلاً في قراءته، كما رواه عنه الثقات (فارتصده الشيطان في سكتة من تلك السكتات ونطق بتلك الكلمات محاكياً نغمة) أي: صوت (النبيّ عَّه) والنغمة في الأصل الصوت الخفيّ؛ كما في القاموس. (بحيث سمعه من دنا إليه فظّها من قوله) أي: مما تلاه من القرءان، (وأشاعها) ولم يقدح ذلك عند المسلمين لحفظ السورة قبل على ما أَنزلت وتحقّقهم حال النبيّ عَّةٍ في ذمّ الأوثان، بل حكى ابن عقبة أن المسلمين لم يسمعوها، وإنما ألقى الشيطان ذلك في أسماع المشركين وقلوبهم، ويكون حزنه عَّ لهذه الإشاعة والشبهة، وسبب هذه الفتنة، ذكره عياض مريدًا به بيان القرينة القائمة على أنه ليس من قوله ولا مما أُوحي إليه، فسقط الاعتراض عليه بأنه لا سبيل للشيطان عليه حتى يتمكن من إدخاله في كلامه ومتلوّه ما ليس منه. (وقال) أي: عياض ما معناه (وهذا أحسن الوجوه) وهو الذي يظهر ويترجّح، (ويؤيّده ما ورد عن ابن عباس في تفسير تمتّي بتلا) قال تعالى: ﴿لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ [البقرة: ٧٨]، أي: تلاوة، (وكذا استحسن ابن العربي) الحافظ محمّد (هذا التأويل، وقال: معنى قوله في أمنيته، أي: في تلاوته فأخبر اللَّه تعالى أن ستّة اللَّه في رسله) عليهم الصّلاة والسّلام (إذا قالوا ٣١ الهجرة الثانية إلى الحبشة ونقض الصحيفة قولاً زاد الشيطان فيه من قبل نفسه، فهذا نص في أن الشيطان زاد في قول النبي عَّه، لا أن النبي عَ ◌ّه قاله. وقد سبق إلى ذلك الطبري، مع جلالة قدره وسعة علمه وشدة ساعده في النظر، فصوّب هذا المعنى. انتهى. [الهجرة الثانية الى الحبشة ونقض الصحيفة] ثم هاجر المسلمون الثانية إلى أرض الحبشة. وعدتهم ثلاثة وثمانون رجلاً إن کان عمار بن یاسر فیھم، قولاً زاد الشيطان فيه من قبل،) بكسر ففتح جهة (نفسه، فهذا نصّ في أن الشيطان زاد في قول النبيّ عَّله، لا أن النبيّ عَّله قاله) حتى يحتاج للعذر بشىء مما سبق، (وقد سبق) عياضًا وابن العربي (إلى ذلك) أبو جعفر بن جرير (الطبري مع جلالة قدره وسعة علمه،) بحيث قال فيه إمام الأثقة ابن خزيمة: ما أعلم على أديم الأرض أعلم منه. وقال الخطيب: كان أحد الأئمّة یحکم بقوله ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، حافظًا للقرءان بصيرًا بالمعاني فقيهًا في أحكام القرءان عالمًا بالسنن وطرقها وصحيحها وسقيمها ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصحابة والتابعين بصيرًا بأيام الناس وأخبارهم، له تاريخ الإسلام والتفسير الذي لم يصنفه مثله. (وشدّة ساعده في النظر) وله في الأصول والفروع كتب كثيرة، وعدّه السيوطي في العشرة الذين دوّنت مذاهبهم وكان لهم أتباع يفتون بقولهم ويقضون، ولم ينقرضوا إلا بعد الخمسمائة لموت العلماء، لكن قال ابن فرحون في الديباج: انقطعت أتباع الطبري بعد الأربعمائة. (فصّب هذا المعنى، انتهى) كلام فتح الباري في التفسير، وكذا ارتضاه الإمام الرازي، وقال: إنه الجواب السديد، واختاره أيضًا في المواقف والمدارك والأنوار وغيرها، والله أعلم. الهجرة الثانية إلى الحبشة ونقض الصحيفة (ثم هاجر المسلمون) الهجرة (الثانية إلى أرض الحبشة) بإذنه عَّه؛ كما في رواية: لما استقبلوهم حين رجعوا بالأذى والشرّ، فرجع الأوّلون ومعهم خلق سواهم، (وعدّتهم ثلاثة وثمانون رجلاً إن كان عمّار بن ياسر فيهم) فقد شكّ فيه ابن إسحق، وقال السهيلي: الأصح عند أهل السير كالواقدي وابن عقبة وغيرهما أنه لم يكن فيهم، انتهى. وجزم في الاستيعاب بهجرته، ٣٢ الهجرة الثانية الى الحبشة ونقض الصحيفة وثماني عشرة امرأة. وكان منهم عبيد الله بن جحش مع امرأته أم حبيبة بنت أبي سفين، فتنصر هناك وكلام العيون كما في النور يقتضي اختياره؛ لأنه قال في تعدادهم: وعمّار بن ياسر، وفيه خلاف، وقيل: إن أبا موسى كان فيهم، وليس كذلك، ولكنه خرج في طائفة من قومه إلى أرضهم باليمن يريدون المدينة فركبوا البحر فرمتهم الريح إلى الحبشة فأقام هناك حتى قدم مع جعفر، انتهى. وروى أحمد بإسناد حسن عن ابن مسعود: بعثنا عَّه إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلاً فيهم ابن مسعود وجعفر وعبد اللّه بن عرفطة وعثمن بن مظعون وأبو موسى الأشعري ... الحدیث. واستشكل ذكر أبي موسى؛ لأن الذي في الصحيحين عنه: بلغنا مخرج النبيّ عّ ونحن باليمن، فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة فوافقنا جعفر بن أبي طالب فأقمنا معه حتى قدمنا المدينة فوافتنا النبيّ عَ له حين افتتح خيبر، فقال: ((لكم أنتم يا أهل السفينة هجرتان»، قال الحافظ: ويمكن الجمع بأن موسى هاجر أولاً إلى مكّة، فأسلم، فبعثه عدّ له مع من بعث إلى الحبشة، فتوجّه هو إلى بلاد قومه وهم مقابل الحبشة من الجانب الشرقيّ، فلما تحقّقوا استقراره عَّه وأصحابه المدينة، هاجر هو ومن أسلم من قومه إلى المدينة فألقتهم السفينة لأجل هيجان الريح إلى الحبشة، فهذا محتمل وفيه جمع بين الأخبار، فليعتمد. وعلى هذا فقول أبي موسى بلغنا مخرج النبيّ عَّه، أي: إلى المدينة لا بلغنا مبعثه؛ لأنه يبعد كل البعد أن يتأخر علم مبعثه إلى مضي نحو عشرين سنة، ومع الحمل على مخرجه إلى المدينة فلا بدّ من زيادة استقراره بها وانتصافه ممن عاداه ونحو ذلك، إذ يبعد أيضًا أن يخفي عنهم خبر خروجه إلى المدينة ستّ سنين، ويحتمل أن إقامة أبي موسى بالحبشة طالت لتأخّر جعفر عن الحضور إلى المدينة حتى يؤذنه عَّل بالقدوم، وذكر ابن مظعون فيهم، وإن كان مذكورًا في الأولى؛ لأنهم رجعوا معهم، كما ذكره ابن إسحق وابن عقبة وغيرهما. (وثماني عشرة امرأة) إحدى عشرة قرشيّات وسبع غرباء؛ كما في العيون، فالجملة مائة أو واثنان إن عدّ عمّار وأبو موسى، قال ابن إسحق: فلمَّا سمعوا بمهاجر النبيّ عَّهُ إلى المدينة رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلاً وثمان نسوة، فمات منهم رجلان بمكّة وحبس سبعة وشهد منهم بدرًا أربعة وعشرون. (وكان منهم: عبيد اللّه) بضم العين (ابن جحش) أخو عبد اللَّه بفتح العين المستشهد بأحد (مع امرأته أم حبيبة بنت أبي سفين، فتنصّر هناك) روى ابن سعد عنها: رأيت في المنام كان زوجي عبيد الله بأسوأ صورة ففزعت فأصبحت فإذا به قد تنصّر فأخبرته بالمنام ٣٣ الهجرة الثانية إلى الحبشة ونقض الصحيفة ثم مات على دين النصرانية. وتزوج رسول الله عّ لّهِ أم حبيبة بنت أبي سفين سنة سبع من الهجرة إلى المدينة، وهي بالحبشة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في المقصد الثاني عند ذكر أزواجه عَ ليه. وخرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه مهاجرًا إلى الحبشة فلم يحفل به وأكبّ على الخمر حتى مات، فأتاني آتٍّ في نومي، فقال: يا أُمّ المؤمنين! ففزعت فما هو إلاَّ أن انقضت عدّتي فما شعرت إلا برسول النجاشي يستأذن فإذا هي جارية يقال لها: أبرهة، فقالت: إن الملك يقول لك: وّلي من يزوّجك، فوكّلت خالد بن سعيد بن العاصي ... الحديث، (ثم مات على دين النصرانيّة، وتزوّج رسول اللَّه عَ ◌ِّ أُمّ حبيبة) رملة على الأصح، وقيل: هند اشتهرت بابنتها حبيبة من عبيد اللّه المذكور، وهي صحابيّة ربيبة المصطفى اختلف هل ولدت بمكّة أو الحبشة، (بنت أبي سفين) صخر بن حرب رضي اللَّه عنه (سنة سبع من الهجرة إلى المدينة) متعلّق بالهجرة (وهي بالحبشة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في المقصد الثاني عند ذكر أزواجه عَّة) وروى أحمد بإسناد حسن عن ابن مسعود، قال: بعثت قريش عمرو بن العاصي وعمارة بن الوليد بهدية فقدما على النجاشي فدخلا عليه وسجدا له وابتدراه، فقعد واحد عن يمينه والآخر عن شماله، فقالا: إن نفرًا من بني عمّنا نزلوا أرضك ورغبوا عنا وعن ملّتنا، قال: وأين هم؟ قال: هم بأرضك، فأرسل في طلبهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم، فاتبعوه فدخل فسلم فقالوا: ما لك لا تسجد للملك؟ فقال: إنّا لا نسجد إلا لله عزّ وجلّ، قالوا: ولم ذلك؟ قال: إن اللَّه أرسل فينا رسولاً وأمرنا أن لا نسجد إلا للَّه، وأمرنا بالصلاة والزّكاة، قال عمرو: فإنهم يخالفونك في ابن مريم وأمّه، قال: فما تقول فيهما؟ قال: نقول كما قال الله تعالى: ﴿روح الله﴾ [يوسف: ٨٧] وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول التي لم يمسّها بشر ولم يعرضها ولد، فرفع النجاشي عودًا من الأرض، فقال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان ما يزيد على ما تقولون أشهد أنه رسول اللَّه، وأنه الذي بشّر به عيسى في الإنجيل، واللَّه لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته فأكون أنا الذي أحمل نعليه وأوضّئه، وقال: انزلوا حيث شئتم، وأمر بهدية الآخرين فردّت عليهما؛ وتعجّل ابن مسعود فشهد بدرًا. وفي رواية: فقال النجاشي: مرحبًا بكم وبمن جئتم من عنده، وأنا أشهد أنه رسول اللَّه، وتوفي النجاشي بعد الهجرة سنة تسع عند الأكثر، وقيل: سنة ثمان قبل فتح مكة؛ كما ذكره البيهقي في الدلائل. (وخرّج أبو بكر الصديق) كما في الصحيح عن عائشة: لم أعقل أبويّ إلا وهما يدينان الدين ولا يمرّ علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول اللَّه عَ ل طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر (رضي الله عنه مهاجرًا إلى الحبشة) ليلحق من سبقه من المهاجرين ٣٤ الهجرة الثانية إلى الحبشة ونقض الصحيفة حتى بلغ برك الغماد، ورجع في جوار سيد القارة، ابن الدغنة - بفتح الدال المهملة وكسر الغين المعجمة، وتخفيف النون. وبضم الدال والغين وتشديد النون - إليها (حتى بلغ برك) بفتح الموحدة وحكي كسرها وسكون الراء فكاف، (الغماد) بكسر المعجمة على المشهور ومن الروايات وجزم ابن خالويه بضمها، وخطأ الكسر، وجوّز أبو عبيد وغيره الضم والكسر، والقزاز وغيره الفتح أيضًا، وذكره ابن عديس في المثلث، وأغرب من حكى إهمال العين وميم خفيفة فألف فدال مهملة، قال الحازمي: موضع على خمس ليال من مكّة إلى جهة اليمن. وقال البكري: هي أقاصي هجر، وقال الهمداني: في أقصى اليمن، قال الحافظ: والأوّل أولى، انتهى. وعورض هذا بما رواه ابن إسحق عن الزهري عن عروة عن عائشة: استأذن أبو بكر رسول اللَّه عَّ في الهجرة فأذن له، فخرج أبو بكر مهاجرًا حتى إذا سار يومًا أو يومين لقيه ابن الدغنة ... الحديث، وسنده حسن أو صحيح، وبين برك الغماد وبين يوم أو يومين تباين كثير، وجمع بأنها لم تعن المكان المخصوص بل مكانًا بعيدًا، فإنها تقال فيما تباعد كسعفان هجر وحوض الثعلب، أو أرادت حتى بلغ أقصى المعمور من مكّة، فإن برك الغماد فسرت بذلك أو حديث الصحيح فيه زيادة، فيؤخذ بها. (ورجع في جوار سيّد القارة) بقاف وراء خفيفة قبيلة مشهورة من بني الهون بضم الهاء والتخفيف، ابن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر، وكانوا حلفاء بني زهرة من قريش ويضرب بهم المثل في قوّة الرمي، قال الشاعر: قد أنصف القارة من راماها (ابن الدغنة) قال في النور: لا أعلم له إسلامًا، (بفتح الدال المهملة وكسر الغين المعجمة وتخفيف النون) كما نسبه الحافظ للرواة، وقال: قال الأصيلي: قرأه لنا المروزي بفتح الغين والصواب الكسر. (وبضم الدال والغين وتشديد النون) عند أهل اللغة وبه رواه أبو ذر في الصحيح، ولذا قال النووي: روي بهما في الصحيح، وفي الفتح: ثبت بالتخفيف والتشديد من طريق وهي أَّه، وقيل: أَمّ أبيه، وقيل: دايته، وقيل: لاسترخاء كان في لسانه، ومعنى الدغنة المسترخية وأصلها الغمامة الكثيرة المطر، واختلف في اسمه: فعند البلاذري من طريق الواقدي عن معمر عن الزهري أنه الحرث بن يزيد وحكي السهيلي أنه لملك، وقول الكرماني سمّاه ابن إسحق ربيعة بن ربيع وهم، فالذي ذكره ابن إسحق شخص غير هذا سلمي، وهذا من القارّة وأيضًا إنما ذكره في غزوة حنين وأنه صحابي ولم يذكر في قصة الهجرة وكان رجوعه بطلب ابن الدغنة، ففي الصحيح خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسبح في ٣٥ الهجرة الثانية إلى الحبشة ونقض الصحيفة يعبد ربه في داره، وابتنى مسجدًا بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرءان فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، ويعجبون منه. وكان أبو بكر رجلاً بكّاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرءان. فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فقالوا الأرض وأعبد ربّي، فقال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يَخرج ولا يُخرج، إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحقّ، فأنا لك جار، ارجع واعبد ربّك ببلدك، فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف عشية في أشراف قريش، فقال: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يُخرج، أتُخرجون رجلاً یکسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحقّ، فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا له: مر أبا بكر، فليعبد ربّه في داره فليصلّ فيها وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك (يعبد ربّه في داره) ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره. قال الحافظ: ولم يقع لي بيان المدّة التي أقام فيها أبو بكر على ذلك، (وابتنى) لفظ عائشة: ثم بدا لأبي بكر فابتنى (مسجدًا بفناء داره) بكسر الفاء وخفّة النون والمدّ، أي: أمامها، (وكان يصلّي فيه ويقرأ القرءان) أي: ما نزل منه كلّه أو بعضه، (فيتقصّف) بتحتية ففوقية فقاف فصاد مهملة ثقيلة مفتوحتين، أي: يزدحم (عليه نساء المشركين وأبناؤهم) حتى يسقط بعضهم على بعض فيكاد ينكسر، قال الحافظ: وأطلق يتقصّف مبالغة، يعني لأنهم لم يصلوا إلى هذه الحالة. وفي رواية المستملي والمروزي: ينقذف بتحتية مفتوحة فنون ساكنة فقاف مفتوحة فذال معجمة مكسورة ففاء. قال الخطابي: ولا معنى له والمحفوظ الأوّل، إلاَّ أن يكون من القذف أي يتدافعون فيقذف بعضهم بعضًا بعضاً فيتساقطون عليه فيرجع إلى معنى الأول، وفي رواية الكشميهني والجرجاني: فينقصف بنون ساكنة بدل الفوقية وكسر الصاد، أي: يسقط، (ويعجبون منه وكان أبو بكر رجلاً بكّاءً) بشد. الكاف: كثير البكاء، (لا يملك عينيه) قال الحافظ: أي لا يطيق إمساكهما عن البكاء من رقّة قلبه (إذا قرأ القرءان) إذا ظرفية والعامل فيه لا يملك أو شرطيّة والجزاء مقدّر، (فأفزع ذلك) أي: أخاف ما فعله أبو بكر (أشراف قريش من المشركين) لما يعلمونه من رقّة قلوب النساء والشباب أن يميلوا إلى الإسلام. قال في الرواية: فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم، (فقالوا:) إنّا كنّا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربّه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدًا بفناء داره فأعلن بالصلاة ٣٦ الهجرة الثانية إلى الحبشة ونقض الصحيفة إنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فإن أحب أن يقتصر علي أن يعبد ربّه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك. فقال أبو بكر لابن الدغنة: فإنى أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله. الحديث رواه البخاري. ثم قام رجال في نقض الصحيفة، والقراءة فيه، و(إنا قد خشينا أن يفتن) بفتح أوّله أبو بكر (نساءنا وأبناءنا) بالنصب مفعول كذا رواه أبو ذرّ، ورواه الباقون يفتن بضمّ أوّله: نساؤنا بالرفع على البناء للمجهول، قاله الحافظ. (فانهه) عن ذلك (فإن أحبّ أن يقتصر على أن يعبد ربّه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن فسله) بفتح السين وسكون اللام بلا همز نسب هذا الحافظ للكشميهني وصدر بقوله: فسأله بالهمز (أن يردّ إليك ذمّتك) أمانك له، (فإنا قد كرهنا أن نخفرك) بضم النون وسكون المعجمة وكسر الفاء، يقال: خفره إذا حفظه وأخفره إذا غدر، أي: نغدرك. قال في الرواية: ولسنا مقرّين لأبي بكر الاستعلان، فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر، قال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إلى ذمّتي فإني لا أُحبّ أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له (فقال أبو بكر لابن الدغنة: فإني أرد إليك جوارك) بكسر الجيم وضمّها وراء (وأرضى بجوار اللَّه) عزّ وجلّ، أي: بحمايته، (الحديث، رواه البخاري) في باب الهجرة إلى المدينة مطوّلاً وليس في بقيّته غرض يتعلّق بما هنا، فإنما أراد المصنّف إفادة أن ما ذكره قطعة منه، ورواه البخاري أيضًا في مواضع مختصرًا، قال الحافظ: وفيه من فضائل الصدّيق أشياء كثيرة قد امتاز بها عمّن سواه ظاهرة لمن تأملها، قال: وفي موافقة ابن الدغنة في وصف الصدّيق لخديجة فيما وصفت به النبيّ عَّهِ ما يدلّ على عظيم فضل الصديق واتّصافه بالصفات البالغة في أنواع الكمال، انتهى. ونحوه في النور، وزاد: وفي الحديث: كنت أنا وأبو بكر كفرسي رهان، فسبقته إلى النبوّة، وقد خلق النبيّ عَّهِ وأبو بكر وعمر من طينة واحدة، (ثم) في السنة العاشرة أو التاسعة (قام رجال في نقض الصحيفة) التي كتبت على بني هاشم والمطّلب أشدّهم في ذلك صنيعًا هشام بن عمرو بن الحرث العامري أسلم بعد ذلك رضي اللَّه عنه، وكانت أُمّ أبيه تحت هاشم بن عبد مناف قبل أن يتزوّجها جدّه، وكان يصلهم في الشعب، أدخل عليهم في ليلة ثلاثة أحمال طعامًا فعلمت قريش، فمشوا إليه حين أصبح فكلّموه، فقال: إني غير عائد لشىء خالفكم، ٣٧ الهجرة الثانية إلى الحبشة ونقض الصحيفة فأطلع الله نبيه عليه الصلاة والسلام على أن الأرضة أكلت جميع ما فيها من القطيعة والظلم، فلم تدع إلا أسماء الله فقط، فانصرفوا عنه ثم ردَّ الثانية، فأدخل عليهم حملاً أو حملين فغالظته قريش وهمّت به، فقال أبو سفين بن حرب: دعوه رجل وصل أهل رحمه أما إني أحلف باللّه لو فعلنا مثل ما فعل لكان أحسن بنا، ثم مشى هشام إلى زهير بن أبي أمية وأسلم بعد وأُمّه عاتكة بنت عبد المطّلب، فقال: يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء، وأخوالك حيث قد علمت؟ فقال: ويحك يا هشام، فماذا أصنع فإنما أنا رجل واحد واللَّه لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها، فقال: أنا معك. فقال: ابغنا ثالثًا ومشيا جميعًا إلى المطعم بن عدي، فقالا له: أرضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف وأنت شاهد، فقالا: إنما أنا واحد، فقالا: أنا معك، فقال: ابغنا رابعًا، فذهب إلى أبي البختري القاضي ابن هشام، فقال: ابغنا خامسًا، فذهب إلى زمعة بن الأسود فقعدوا ليلاً بأعلى مكّة وتعاقدوا على ذلك، فلمَّا جلسوا في الحجر تكلّموا في ذلك وأنكروه، فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل وفي آخر الأمر أُخرجوا الصحيفة ومزّقوها وأبطلوا حكمها، وهذا ملخّص ما ذكر ابن أسحق. (فأطلع اللَّه نبيّه عليه الصّلاة والسّلام على أن الأرضة) بفتح الهمز والراء والضاد المعجمة: دويبة صغيرة كالعدسة تأكل الخشيب، (أكلت جميع ما فيها من القطيعة والظلم، فلم تدع إلا أسماء اللَّه فقط) فيما ذكر ابن هشام، وأمَّا ابن إسحق وابن عقبة وعروة فذكروا عكس ذلك، وهو أن الأرضة لم تدع اسمًا للَّه إلا أكلته، وبقي ما فيها من الظلم والقطيعة. قال البرهان، ما حاصله: وهذا أثبت من الأوّل فعلى تقدير تساوي الروايتين يجمع بأنهم كتبوا نسختين فأبقت في إحداهما ذكر اللَّه وفي الأخرى خلافه، وعلّقوا إحداهما في الكعبة والأخرى عندهم، فأكلت من بعضها اسم اللَّه ومن بعضها ما عداه لئلاّ يجتمع اسم اللَّه مع ظلمهم، انتھی. قال في الرواية: فذكر عَّ ذلك لعمّه، فقال: أربّك أخبرك بهذا، قال: ((نعم))، قال: لا، والثواقب ما كذيتني قطّ، فانطلق في عصابة من بني هشام والمطّلب حتى أتوا المسجد فأنكر قريش ذلك وظنوا أنهم خرجوا من شدّة البلاء ليسلّموا رسول اللَّه عَّه إليهم، فقال أبو طالب: جرت بيننا وبينكم أمور لم تذكر في صحيفتكم فائتوا بها لعلّ أن يكون بيننا وبينكم صلح، وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا فيها قبل أن يأتوا بها، فأتوا بها معجبين لا يشكون أنه ﴾ يدفع إليهم فوضعوها بينهم، وقالوا لأبي طالب: قد آن لكم أن ترجعوا عمّا أحدثتم علينا وعلى أنفسكم، فقال: إنما أنيتكم في أمر هو نصف بيننا وبينكم، إن ابن أخي أخبرني ولم يكذّبني أن اللَّه بعث ٣٨ وفاة خديجة وأبي طالب فلما أنزلت لتمزق وجدت كما قال عليه الصلاة والسلام. وكان ذلك في السنة العاشرة. [وفاة خديجة وأبي طالب] ولما أتت عليه عَِّ تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يومًا، مات عمه أبو طالب. وقيل: مات في شوال من السنة العاشرة. وقال ابن الجزار: قبل هجرته عليه الصلاة والسلام بثلاث سنين. على صحيفتكم دابّة فلم تترك فيها اسمًا للَّه إلا لحسته، وتركت فيها غدركم وتظاهركم علينا بالظلم، فإن كان كما قال فأفيقوا فلا والله لا نسلّمه حتى نموت من عند آخرنا، وإن كان باطلاً دفعناه إليكم فقتلتم أو استحييتم، فقالوا: رضينا، ففتحوها فوجدوها كما قال عَّةِ، فقالوا: هذا سحر ابن أخيك، وزادهم ذلك بغيًا وعدوانًا، والجمع بين هذا وبين ما مرّ من سعي رجال في نقضها باحتمال أنهم لمّا جلسوا في الحجر وتكالموا وافق قدوم أبي طالب وقومه عليهم بهذا الخبر، فزادهم ذلك رغبة فيما هم فيه. (فلمَّا أنزلت لتمزّق) اللام للعاقبة (وجدت كما قال عليه الصّلاة والسّلام) لا للتعليل فلا يرد أنها لم تنزل وقت سؤال أبي طالب لتمزّق بل لينظر ما فيها فقط، وإن القائمين في نقضها لم يستندوا إلى أخباره عَّهِ. وأجاب شيخنا: بأن إنزالها لتمزّق كان بفعل المجتهدين لإنزالها لا لسؤال أبي طالب. (وكان ذلك في السنة العاشرة) من النبوّة بناء على ما صدر به فيه ما مر أن إقامتهم بالشعب ثلاث سنين، أمَّا على قول ابن سعد سنتين، فيكون في التاسعة، والله أعلم. وفاة خديخة وأبي طالب (ولما أتت عليه عَّلل تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يومًا) كما حرّره بعض المتقنين (مات عمّه أبو طالب) بعد خروجهم من الشعب في ثاني عشر رمضان سنة عشر من النبوّة، (وقيل: مات) بعد ذلك بقليل، (في شوّال من السنة العاشرة) متعلق بكل من القولين؛ كما علم (وقال ابن الجزار قبل هجرته عليه الصلاة والسلام بثلاث سنين،) وهذا يأتي على كلا القولين قبله؛ لأنه إذا مات في ذلك كان قبلها بثلاث. وفي الاستيعاب: خرجوا من الشعب في أوّل سنة خمسين وتوفي أبو طالب بعده بستة أشهر فتكون وفاته في رجب. وفي سيرة الحافظ: مات في السنة العاشرة بعد خروجهم من الشعب بثمانية أشهر ٣٩ وفاة خديجة وأبي طالب وروي أنه معَّه كان يقول له عند موته: يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة. فلما رأى أبو طالب حرص رسول الله عٍَّ قال له: يا ابن أخي، لولا مخافة قريش أني إنما قلتها جزءًا وعشرين يومًا، (وروى) مرضه لأن مجموع رواية ابن إسحق ضعيف، فلا يرد أن صدر الحديث إلى قوله: فلما رأى أبو طالب صحيح، فقد أخرجه البخاري في الجنائز والتفسير وباب قصّة أبي طالب عن سعيد بن المسيّب عن أبيه، أي: المسيّب بن حزن بفتح المهملة وسكون الزاي، (أَنه ◌ٍَّ كان يقول له عند موته) قبل الغرغرة (يا عمّ) وفي رواية: أي عمّ، وأي هنا لنداء القريب، (قل: لا إله إلاَّ اللَّه) أي: ومحمّد رسول اللَّه؛ لأن الكلمتين صارا كالكلمة الواحدة، ويحتمل أن يكون أبا طالب كان يتحقّق أنه رسول اللَّه، ولكن كان لا يقرّ بتوحيد اللَّه ولذا قال في الأبيات النونية: ودعوتني وعلمت أنك صادق ولقد صدقت وكنت ثم أمينًا فاقتصر على أمره له بقوله: لا إله إلاَّ اللَّه فإذا أقرّ بالتوحيد لم يتوقّف على الشهادة له بالرسالة، قاله الحافظ. (كلمة) نصب بدل من مقول القول وهو لا إله إلاَّ اللَّه أو على الاختصاص، قال الطيبي: والأوّل أحسن ويجوز الرفع، أي: هي كلمة (أستحل لك بها الشفاعة) وفي الوفاة أحاج، وفي الجنائز أشهد لك بها عند اللَّه، قال الطيبي: مجزوم على جواب الأمر، أي: أن تقل أشهد. وقال الزركشي: في موضع نصب صفة كلمة. قال الحافظ: كأنه عَّه فهم امتناعه من الشهادة في تلك الحالة أنه ظنّ أن ذلك لا ينفعه لوقوعه عند الموت، أو لكونه لم يتمكن عن سائر الأعمال كالصلاة وغيرها، فلهذا ذكر له المحاجة. وأمّا لفظ الشهادة فيحتمل أن يكون ظنّ أن ذلك لا ينفعه إذا لم يحضره حينئذ أحد من المؤمنين مع النبيّ عَّله فطيّب قلبه بأنه يشهد له بها، فينفعه (يوم القيامة) والشفاعة لا تستلزم أن تكون عن ذنب، بل تكون في نحو رفع الدرجات في الجنَّة فلا يشكل بأن الإسلام يجبّ ما قبله، فأي ذنب يشفع فيه لو أسلم ويتعسف الجواب بأنها فيما يحصل من الذنوب بتقدير وقوعها، (فلما رأى أبو طالب حرص رسول اللَّه عَّه) على إيمانه (قال له يا ابن أخي، لولا مخافة) قول (قريش إني إنما قلتها جزءًاً) بجيم وزاي خوفًا؛ كما نقله النووي عن جميع روايات المحدثين وأصحاب الأخبار، أو بخاء معجمة وراء مفتوحتين؛ كما قاله الهروي وثعلب وشمر ٤٠ وفاة خديجة وأبي طالب من الموت لقلتها، لا أقولها إلا لأسرك بها. فلما تقارب من أبي طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه، فأصغى إليه بأذنه فقال: يا ابن أخي، والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته بها. فقال رسول الله عَ ليه: لم أسمع. كذا في رواية ابن إسحق أنه أسلم عند الموت. وأجيب بأن شهادة العباس لأبي طالب لو أداها بعد ما أسلم كانت مقبولة ولم ترد بقوله عليه الصلاة والسلام لم أسمع، لأن الشاهد العدل إذا قال سمعت وقال من هو أعدل منه: لم أسمع أخذ بقول من أثبت السماع. ولكن العباس شهد بذلك قبل أن يسلم. مع أن الصحيح من الحديث قد أثبت لأبي طالب الوفاة على الكفر والشرك، كما رويناه في صحيح البخاري من حديث سعيد بن المسيب. واختاره الخطابي والزمخشري. قال عياض: ونّهنا غير واحد من شيوخنا على أنه الصواب، أي: خوارًا وضعفًا، وقال شمر دهشًا (من الموت لقلّتها) ولو قلتها (لا أقولها إلا لأسرّك بها) لا إِذعانًا حقيقة حكمة بالغة (فلمَّا تقارب من أبي طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه فأصغى إليه بأذنه، فقال: يا ابن أخي، والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته بها) لم يصرّح بها العباس؛ لأنه لم يكن أسلم حينئذ (فقال رسول اللَّه عَية: ((لم أسمع) وثبت في نسخة زيادة: ولم يكن العباس حينئذ مسلمًا، وهي وإن صحّت في نفسها لكنّها ليست عند ابن إسحق، (كذا في رواية ابن إسحق) عن ابن عباس بإسناد فيه من لم يسم (أنه) أي: إفادة أنه (أسلم عند الموت) من قول العباس، لقد قال: لم يروه بلفظ أنه أسلم عند الموت كما توهم، فقد ساق ابن هشام في السيرة والحافظ في الفتح لفظه، وما فيه ذلك وبهذا احتجّ الرافضة ومن تبعهم على إسلامه. (وأُجيب) كما قال الإمام السهيلي في الروض (بأن شهادة العباس لأبي طالب لو أدّاها بعد ما أسلم كانت مقبولة ولم ترد) شهادته (بقوله عليه السلام ((لم أسمع لأن الشاهد العدل إذا قال: سمعت، وقال من هو أعدل منه: لم أسمع، أخذ بقول من أثبت السماع) قال السهيلي لأن عدم السماح يحتمل أسبابًا منعت الشاهد من السمع، (ولكن العباس شهد بذلك قبل أن يسلم) فلا تقبل شهادته (مع أن الصحيح من الحديث قد أثبت لأبي طالب الوفاة على الكفر والشرك؛ كما رويناه في صحيح البخاري) في مواضع (من حديث سعيد بن المسيّب) عن أبيه أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبيّ عَّه وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أُميّة بن