النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ الفصل الثالث في أمور الآخرة إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها). وهؤلاء الطائفتان متقابلتان أشد التقابل، وبينهما أعظم التباين، فالجبرية لم تجعل الأعمال ارتباطًا بالجزاء البتة، والقدرية جعلت ذلك بمحض الأعمال وثمنًا لها. والطائفتان جائرتان منحرفتان عن الصراط المستقيم الذي فطر الله عليه عباده، وجاءت به رسله، ونزلت به كتبه، وهو: أن الأعمال أسباب موصلة إلى الثواب والعقاب، مقتضيات لهما كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها، وإن الأعمال الصالحة من توفيق الله تعالى ومنته وصدقته على عبده أن أعانه عليها ووفقه لها، وخلق فيه إرادتها والقدرة عليها، وحببها إليه وزينها في قلبه، وكره إليه أضدادها، ومع هذا فليست ثمنًا لجزائه وثوابه، بل غايتها أن تكون شكرًا له تعالى أن قبلها سبحانه، ولهذا نفى عَّ له دخول الجنة بالعمل ردًا على القدرية القائلين بأن الجزاء بمحض الأعمال وثمنًا لها، وأثبت سبحانه وتعالى دخول الجنة بالعمل ردًا على الجبرية عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها) أضبطها (لكم) بعلمي وملائكتي ليكونوا شهداء بين الخالق وخلقه، وقد يضم لذلك شهادة الأعضاء زيادة في العدل كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا (ثم أوفيكم إياها) وهذا قطعة من آخر حديث طويل في مسلم وغيره (وهؤلاء الطائفتان متقابلتان أشد التقابل وبينهما أعظم التباين، فالجبرية لم تجعل للأعمال ارتباطًا) تعلقًا (بالجزاء البتة، والقدرية جعلت ذلك كله بمحض الأعمال وثمنًا لها والطائفتان جائرتان منحرفتان عن الصراط المستقيم الذي فطر) خلق (اللّه عليه عباده) وطبعهم عليه (وجاءت به رسله ونزلت به كتبه، وهو أن الأعمال أسباب موصلة إلى الثواب والعقاب، مقتضيات لهما كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها وأن الأعمال الصالحة من توفيق الله تعالى ومنته وصدقته على عبده أن أعانه عليها ووفقه لها وخلق فيه إرادتها والقدرة عليها وحببها إليه وزينها) حسنها (في قلبه) كما قال تعالى: ﴿ولكن اللّه حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم﴾ [الحجرات/ ٧] (وكره إليه أضدادها ﴿وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلاً من اللّه ونعمة﴾) [الحجرات/ ٧] (ومع هذا فليست ثمنًا لجزائه وثوابه، بل غايتها أن تكون شكرًا له تعالى) لأجل (إن قبلها سبحانه) إذ لو شاء لم يقبلها (ولهذا نفى عليه السلام دخول الجنة بالعمل ردًا على القدرية، القائلين بأن الجزاء بمحض الأعمال وثمن لها) بناءً على أصلهم الفاسد أن العبد يخلق أفعال نفسه. قال زيد بن أسلم: واللّه ما قالت القدرية كما قال اللّه ولا كما قال النبيون ولا كما قال أصحاب الجنة ولا كما قال أصحاب النار ولا كما قال أخوهم إبليس. ٤٠٢ الفصل الثالث في أمور الآخرة الذين لم يجعلوا للأعمال ارتباطًا بالجزاء. فتبين أنه لا تنافي بينهما، إذ توارد النفي والإثبات ليس على معنى واحد، فالمنفي استحقاقها بمجرد الأعمال، وكون الأعمال ثمنًا وعوضًا لها ردًا على القدرية، والمثبت الدخول بسبب العمل ردًا على الجبرية، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وقال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر: يحمل الحديث على أن العمل من حيث هو، عمل لا يستفيد به العامل دخول الجنة ما لم يكن مقبولاً. وإذا كان كذلك فأمر القبول إلى الله تعالى، وإنما يحصل برحمة الله لمن يقبل منه، وعلى هذا: فمعنى قوله ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ أي تعملونه من العمل المقبول، ولا يضر مع هذا أن تكون ((الباء)) للمصاحبة أو للإلصاق أو للمقابلة، ولا يلزم من قال اللّه تعالى: ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله﴾ وقال شعيب: وما يكون لنا أن نعود فيها إلاّ أن يشاء الله ربنا، وقال أصحاب الجنة: الحمد لله الذي هدانا هذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه، وقال أصحاب النار: ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين، وقال إبليس: رب بما أغويتني. أخرجه الزبير بن بكار (وأثبت سبحانه وتعالى دخول الجنة بالعمل ردًا على الجبرية الذين لم يجعلوا للأعمال ارتباطًا بالجزاء) على أصلهم الفاسد؛ أن العبد مجبور على الفعل لا ينسب إليه منه شيء، فلا يثاب على طاعة ولا يعاقب على معصية، وهذا هدم للشريعة وإبطال للآيات والأحاديث الكثيرة، وقد تشبثوا بنحو قوله تعالى: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ [الأنفال/ ١٧]، وتقدم الرد عليهم في غزوة بدر (فتبين أنه لا تنافي بينهما، إذ توارد النفي) في الحديث (والإِثبات) في الآيتين (ليس على معنى واحد) حتى يحصل التنافي (فالمنفي استحقاقها بمجرد الأعمال وكون الأعمال ثمنًا وعوضًا لها ردًا على القدرية والمثبت الدخول بسبب العمل) مع رحمة اللّه وفضله وتوفيقه إليه وقبوله لا بمجرده (ردًا على الجبرية واللّه يهدي من يشاء) هدايته (إلى صراط مستقيم) دين الإِسلام. (وقال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر: يحمل الحديث على أن العمل من حيث هو عمل لا يستفيد به العامل دخول الجنة ما لم يكن مقبولاً، وإذا كان كذلك فأمر القبول إلى اللّه تعالى وإنما يحصل برحمة الله لمن يقبل منه، وعلى هذا فمعنى قوله: ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون، أي: تعملونه من العمل المقبول، ولا يضر مع هذا التقدير أن تكون الباء للمصاحبة) أي: مصاحبين لأعمالكم (أو للإلصاق أو للمقابلة) أي: المعاوضة (ولا يلزم من ٤٠٣ الفصل الثالث في أمور الآخرة ذلك أن تكون سببية. قال ثم رأيت النووي جزم بأن ظاهر الآيات أن دخول الجنة بسبب الأعمال، والجمع بينها وبين الحديث: أن التوفيق للأعمال والهداية للإخلاص فيها. وقبولها إنما هو برحمة الله وفضله، فيصح أنه لم يدخل بمجرد العمل، وهو مراد الحديث، ويصح أنه دخل بسبب العمل، وهو من رحمة الله تعالى. انتهى. وروى الدارقطني عن أبي أمامة، أن رسول الله عَّم قال: «نعم الرجل أنا لشرار أمتي))، فقالوا: فكيف؟ أنت لخيارها، فقال: ((أما خيارها فيدخلون الجنة بأعمالهم وأما شرار أمتي فيدخلون الجنة بشفاعتي))، ذكره عبد الحق في العاقبة. وأما تفضيله عَّ له في الجنة بالكوثر - وهو على وزن فوعل من الكثرة - سمي به هذا النهر العظيم لكثرة مائه وآنيته وعظم قدره وخيره. ذلك أن تكون سببية) فلا يخالف الحديث. (قال) الحافظ: (ثم رأيت النووي جزم بأن ظاهر الآيات أن دخول الجنة بسبب الأعمال والجمع بينها وبين الحديث أن التوفيق للأعمال والهداية للإِخلاص فيها وقبولها إنما هو برحمة الله وفضله، فيصح أنه لم يدخل بمجرد العمل وهو مراد الحديث، ويصح أنه دخل بسبب العمل) كما في الآية (وهو من رحمة الله تعالى. انتهى) كلام النووي، وعليه فالباء سببية في الآية والحديث. (وروى الدارقطني) والطبراني وأبو نعيم (عن أبي أمامة: أن رسول اللّه عٍَّ قال: نعم) بكسر فسكون كلمة مدح (الرجل أنا لشرار أمتي، قالوا: فكيف أنت لخيارها، قال: أما خيارها فيدخلون الجنة بأعمالهم) فظاهره أن الباء للسببية فيحمل على ما مر (وأما شرار أمتي فيدخلون الجنة بشفاعتي، ذكره عبد الحق) وللترمذي والحاكم والبيهقي عن جابر رفعه: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي. ورواه البيهقي من حديث أنس بزيادة، ولأهل العظائم وأهل الدماء، وأخرجه أيضًا عن كعب بن عجرة ومن مرسل طاوس بدون الزيادة، وقال هذا مرسل حسن يشهد لكون هذه اللفظة شائعة فيما بين التابعين، وللطبراني عن ابن عمر مرفوعًا: أني ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، وله عن أم سلمة رفعته: اعملي ولا تتكلي، فإن شفاعتي للهالكين من أمتي. (وأما تفضيله عَّ بالكوثر وهو على وزن فوعل) مأخوذ (من الكثر) كنوفل من النفل (سمي به هذا النهر العظيم لكثرة مائه وآنبيته وعظم قدره وخيره) والعرب تسمي كل كبير ٤٠٤ الفصل الثالث في أمور الآخرة فقد نقل المفسرون فى تفسير ((الكوثر)) أقوالاً تزيد على العشرة، ذكرت كثيرًا منها في المقصد السادس من هذا الكتاب، وأولاها قول ابن عباس: إنه الخير الكثير لعمومه، لكن ثبت تخصيصه بالنهر من لفظ النبي عَِّ فلا معدل عنه. فقد روى مسلم وأبو داود والنسائي من طريق محمد بن فضيل وعلي بن مسهر، كلاهما عن المختاربن فلفل عن أنس - واللفظ لمسلم - قال: بينا رسول الله عَّةٍ بين أظهرنا في المسجد، إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسمًا، قلنا: القدر والعظم كوثرًا (فقد نقل المفسرون في تفسير الكوثر أقوالاً تزيد على العشرة) أي: تفوق بمثلها على العشرة (ذكرت كثيرًا منها في المقصد السادس من هذا الكتاب) وقال: المشهور المستفيض عند السلف والخلف أنه نهر في الجنة أو أولاده أو الخير الكثير، أو النبوة أو علماء أمته، أو الإِسلام، أو كثرة الأتباع أو العلم أو الخلق الحسن أو جميع نعم الله عليه، هذه العشرة هي التي ذكرها المصنف، ثم ذكرت هناك بقيتها وهي الحوض الذي في القيامة أو الشفاعة أو المعجزات الكثيرة أو المعرفة، أي العلوم اللدنية أو تخفيفات الشريعة أو رفعة الذكر أو دعواته المجابة أو كلمة التوحيد أو الصلوات الخمس التي خصت بها أمته أو كثرة الأمة ومغايرته لكثرة الاتباع بحملهم على أصحابه لكثرتهم جدًا على اتباع غيره من الرسل، فهذه العشرة تمام العشرين، وفي الفتح: وقيل: نور القلب، وقيل: الفقه في الدين، وقيل: القرءان. انتهى. فأما نور القلب فهو المعرفة، وأما الفقه في الدين فهو العلم (وأولاها) لو لم يفسره عَاليه. بخلافه (قول ابن عباس) عند البخاري وغيره (أنه الخير الكثير لعمومه) الشامل لكل ما قيل (لكن ثبت تخصيصه بالنهر) الذي في الجنة (من لفظ النبي عَُّله، فلا معدل عنه، فقد روى مسلم وأبو داود والنسائي من طريق محمد بن فضيل) مصغر الضبي الكوفي من رجال الجميع (وعلي بن مسهر) بضم الميم وسكون المهملة وكسر الهاء القرشي، الكوفي، من رجال الكل أيضًا (كلاهما عن المختار بن فلفل) بفاءين مضمومتين ولامين أولاهما ساكنة من رجال مسلم وأبي داود والترمذي والنسائي (عن أنس واللفظ لمسلم، قال) أنس: (بينا رسول اللّه عَةٍ بين أظهرنا) أي: بيننا وأظهر زائدة وبين إنما تضاف لمتعدد، فيقدر بين كون أوقاته بيننا (في المسجد، إذ أغفى إغفاءة) أي: نام نومة خفيفة، قال الأبي: ويحتمل أن يراد بها إعراضه عما كان فيه من حديث. انتهى. هكذا في النسخ الصحيحة وهو الذي في مسلم، وفي بعضها غفا بدون ألف، فيكون قوله: إغفاءة مصدرًا غير مقيس، إذ قياسه غفوًا (ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك) زاد ٤٠٥ الفصل الثالث في أمور الآخرة ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: ((أنزلت علي آنفًا سورة، فقرأ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم، إنا أعطيناك الكوثر، فصل لربك وانحر، إن شانئك هو الأبتر﴾)) ثم قال: ((أتدرون ما الكوثر)؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: ((إنه نهر وعدنيه ربي عز وجل)). الحدیث. لكن فيه إطلاق الكوثر على الحوض، وقد جاء صريحًا في حديث عند في رواية: أضحك اللّه سنك (يا رسول اللّه). قال الأبي: عبروا بالضحك عن التبسم منه لوضوح التبسم منه عَّ له، فعبروا عنه بالضحك (قال: أنزلت عليّ أنًْا) بفتح الهمزة ممدودة ومقصورة، وبهما قرىء في السبع وكسر النون وبالفاء، أي: قريبًا (سورة، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم). قال الأبي: لا دلالة فيه على أنها آية منها ولا من كل سورة، وإنما هو في المعنى كقول الشاطبي: ولا بدّ منها في ابتدائك سورة. انتهى، يعني أنه يستحب ابتداء القراءة بها في غير الصلاة اتفاقًا (﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾) أكد مع ضمير العظمة إشارة إلى عظمة المعطى والمعطي والمعطى له وتشويقًا إليه ونفيًا للشبهة فيه، وعبر بلفظ الماضي دلالة على أن الإعطاء حصل في الزمان الماضي، كقوله عَّله: كنت نبيًا وعادم بين الروح والجسد. رواه أحمد وغيره، ولا شك أن من كان في ماضي الزمان عزيزًا مرعي الجانب أشرف ممن يصير كذلك (﴿فصل لربك﴾) أمر بالصلاة مطلقًا أو التهجد بالليل، وكان الظاهر: فاشكر، فعدل عنه لأن مثل هذه النعمة العظيمة ينبغي أن يكون شكرها العبادة وأعظمها الصلاة، فأمر بأعظم العبادات بالنفس وبالمال بقوله: (﴿وانحر﴾) البدن، لأن النحر يختص بها، وفي غيرها يقال: ذبح، وإن جاز نحر البقر وخص الشكر بالمال بها، لأنها كرائم أموال العرب (﴿إن شانئك﴾) أي: مبغضك (﴿هو الأبتر﴾) منقطع العقب، وقيل: المنقطع عن كل خير، قال في الإتقان: والأشبه أن القرءان كله نزل يقظة، وفهم فاهمون من هذا الحديث؛ أن السورة نزلت في تلك الإغفاءة، لأن رؤيا الأنبياء وحي، وأجاب الرافعي بأنه خطر له في النوم سورة الكوثر المنزلة في اليقظة، أو عرض عليه الكوثر الذي نزلت فيه السورة، فقرأها عليهم وفسره لهم، أو الإِغفاءة ليست نومًا، بل هي البرحاء التي كانت تعتريه عند الوحي، قلت: والأخير أصح من الأول، أي: وجيهه، لأن قوله: أنزلت على آنفًا يدفع كونها أَنزلت قبل ذلك (ثم قال: أتدرون ما الكوثر، قلنا: اللّه ورسوله أعلم) فيه حسن أدبهم رضي اللّه عنهم (قال: إنه نهر وعدنيه ربي عزّ وجلّ ... الحديث) تمامه في الجنة عليه خير كثير وهو حوضي ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي، فيقال: ما تدري ما أحدثت بعدك (لكن ٤٠٦ الفصل الثالث في أمور الآخرة البخاري أن الكوثر هو النهر الذي يصب في الحوض. وعند أحمد: ((ويفتح نهر الكوثر إلى الحوض))، وعند مسلم ((يغت فيه - يعني الحوض - ميزابان يمدانه من الجنة، أحدهما من ذهب والآخر من ورق). وقوله: ((يغت)) بالغين المعجمة، أي: يصب. وفي البخاري من حديث قتادة عن أنس قال: لما عرج بالنبي عَّ إلى السماء قال: ((أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل))؟ قال: هذا الكوثر. فيه) أي: في قوله في بقية الحديث وهو حوضي ... الخ. (إطلاق الكوثر على الحوض) باعتبار أنه ممدود منه، فكأنه قيل: هو مادة حوضي، فلا تنافي بينه وبين قوله: نهر في الجنة (و) يؤيد ذلك أنه (قد جاء صريحًا في حديث البخاري أن الكوثر هو النهر الذي يصب في الحوض، وعند أحمد: ويفتح نهر الكوثر) الذي في الجنة (إلى الحوض) الذي في الموقف. (وعند مسلم) من حديث أبي ذر: (يغت) بمعجمة وفوقية (فيه، يعني: الحوض ميزابان يمدانه) بفتح التحتية وضمها من مد وأمد. زاد (من الجنة: أحدهما من ذهب والآخر من ورق) فضة (وقوله: يغت بالغين) المعجمة مضمومة ومكسورة، كما قال النووي وغيره: (أي يصب) وفي النهاية: أي يدفقان فيه الماء دفقًا دائمًا متتابعًا. (وفي البخاري) في التفسير: ورواه مسلم أيضًا، كلاهما (من حديث قتادة عن أنس، قال: لما عرج بالنبي عَدِ إلى السماء قال: أتيت على نهر حافتاه) بحاء مهملة وخفة الفاء جانباه، لأنه ليس أخدودًا، أي: شقًا مستطيلاً في الأرض يجري فيه الماء حتى يكون له حافتان، ولكنه سائل على وجه أرض الجنة فما جاوز ما. انتهى إليه سيلانه هو جانبه. روى أبو نعيم وابن مردويه وصححه الضياء عن أنس، رفعه: لعلكم تظنون أن أنهار الجنة أخدود في الأرض لا والله إنها لسائحة على وجه الأرض (قباب:) بكسر القاف وخفة الموحدة جمع قبة، وللترمذي: حافتاه فيهما لؤلؤ مثل القباب، فالمراد في جانبيه مثل قباب (اللؤلؤ المجوف) بفتح الواو مشددة صفة اللؤلؤ. قال المصنف: ولأبي ذر مجوفًا، أي: بالنصب حالاً من اللؤلؤ، وفي رواية للبخاري وغيره: قباب الدر المجوف، وأعربه المصنف وغيره صفة للدر (فقلت: ما هذا يا جبريل؟، قال: هذا الكوثر) زاد البخاري في الرقاق: الذي أعطاك ربك، فإذا طينه مسك أذفر بذال معجمة، أي: ٤٠٧ الفصل الثالث في أمور الآخرة ورواه ابن جرير عن شريك بن أبي نمر قال: سمعت أنس بن مالك يحدثنا قال: لما أسري بالنبي عّلِّ مضى به جبريل، فإذا هو بنهر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فذهب يشم ترابه فإذا هو مسك، قال: يا جبريل، ما هذا النهر؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك. وروى أحمد عن أنس: أن رجلاً قال: يا رسول الله، ما الكوثر؟ قال: نهر في الجنة أعطانيه ربي، لهو أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل. وعن أبي عبيدة عن عائشة قال: سألتها عن قوله تعالى: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ قالت: نهر أعطيه نبيكم في الجنة شاطئاه عليه در مجوف، آنيته كعدد النجوم. رواه البخاري. وقوله: ((شاطئاه) أي: حافتاه. شديد الرائحة الطيبة، ولأبي نعيم وغيره عن أنس، قلت: يا رسول اللّه ما الأذفر؟، قال: الذي لا خلط معه وطينه بنون على المعتمد، ففي رواية البيهقي: ترابه مسك. (ورواه ابن جرير عن شريك بن أبي نمر) بفتح النون وكسر الميم (قال: سمعت أنس بن ملك يحدثنا، قال: لما أسري بالنبي عَّه) أي: لما عرج به كما عبر في البخاري في التي قبلها ليلة الإِسراء ودخل الجنة (مضى به جبريل) فيها (فإذا هو بنهر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد) جوهر معروف، ويقال: هو الزمرد (فذهب يشم) بكسر الشين وضمها لغة (ترابه، فإذا هو مسك، قال: يا جبريل ما هذا النهر؟، قال: هذا الكوثر الذي خبأ) بالهمز (لك ربك) أي ستره وادخره. (وروى أحمد عن أنس؛ أن رجلاً قال: يا رسول الله ما الكوثر؟، قال: نهر في الجنة أعطانيه ربي) واللّه (لهو أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل) أي: ماؤه كما عبر به في الرواية الآتية. (وعن أبي عبيدة) عامر بن عبد اللّه بن مسعود (عن عائشة قال) أبو عبيدة: (سألتها) أي: عائشة (عن قوله تعالى: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾) [الكوثر / ١]، أي: ما المراد بالكوثر (قالت:) هو (نهر أعطيه نبيكم) عَّة (في الجنة شاطئاه) أي: جانباه (عليه) أي: على الشاطىء (در مجوف) بفتح الواو مشددة صفة لدر خبره الجار والمجرور والجملة خبر المبتدأ الأول الذي هو شاطئاه، قاله المصنف: (آنيته كعدد النجوم). (رواه البخاري) في التفسير والنسائي (وقوله: شاطئاه، أي: حافتاه، وقوله: در مجوف، ٤٠٨ الفصل الثالث في أمور الآخرة وقوله: (در مجوف)) أي: القباب التي على جوانبه. ورواه النسائي بلفظ قالت: نهر في بطنان الجنة، قلت: وما بطنان الجنة؟ قالت: وسطها، حافتاه قصور اللؤلؤ والياقوت، ترابه المسك وحصباؤه اللؤلو والياقوت. و «بطنان»: بضم الموحدة وسكون المهملة بعدها نون. و ((وسط)) بفتح المهملة، المراد به أعلاها، أي: أرفعها قدرًا، أو المراد به: أعدلها. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله عَّةِ: ((الكوثر نهر في الجنة حافتاه من الذهب والماء يجري على اللؤلؤ، وماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل))، رواه أحمد وابن ماجة، وقال الترمذي، حسن صحيح. وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ قال: هو نهر في الجنة، عمقه سبعون ألف فرسخ، ماؤه أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل، أي: القباب التي على جوانبه) بدليل رواية أنس: آنفاً حافتاه قباب اللؤلؤ (ورواه النسائي بلفظ: قالت) عائشة: هو (نهر في بطنان الجنة، قلت: وما بطنان الجنة؟، قالت: وسطها حافتاه قصور اللؤلؤ والياقوت، ترابه) المعبر عنه في الرواية السابقة: بطينه (المسك وحصباؤه) بالمد، أي: حصاه: جمع حصبة بزنة قصبة (اللؤلؤ والياقوت، وبطنان بضم الموحدة وسكون المهملة بعدها نون) فألف فنون (ووسط بفتح المهملة، والمراد به أعلاها، أي: أرفعها قدرًا، أو المراد به أعدلها) من حيث الفضل بكثرة الخدم والآلات. (وعن ابن عمر قال: قال رسول اللّه عَ ل الكوثر) صيغة مبالغة في المفرط كثرة (نهر في الجنة حافتاه من الذهب) لا يناقض ما قبله حافتاه اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، لجواز أنها مبنية بذهب مرصعة بذلك، ويؤيده قوله: (والماء يجري على اللؤلؤ وماؤه أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل). (رواه أحمد) والترمذي (وابن ماجه، وقال الترمذي) بعد أن رواه: (حسن صحيح) الذي في الجامع معزوا للثلاثة عن ابن عمر، لفظه: الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت، تربته أطيب ريحًا من المسك وماؤه أحلى من العسل وأشد بياضًا من الثلج. (وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: إنا أعطيناك الكوثر، قال: هو نهر في الجنة) كأنه بلغه ذلك عن النبي عَّه، فرجع عن تفسيره بالخير الكثير الثابت في البخاري عنه، لأنه قاله أولاً بناء على مدلول اللغة، فلما بلغه خبر الصادق المصدوق بتخصيصه بنهر الجنة رجع عنه، إذ ٤٠٩ الفصل الثالث في أمور الآخرة شاطئاه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت، خص الله به نبيه قبل الأنبياء، رواه ابن أبي الدنيا موقوفًا. وعن أنس قال: سئل رسول الله عَّله: ما الكوثر؟ قال: ((نهر أعطانيه الله - يعني في الجنة - أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طير أعناقها كأعناق البخت، أو أعناق الجزر))، قال عمر: إنها لناعمة، قال رسول الله عَ له: ((أكلتها أنعم منها». رواه الترمذي وقال: حسن. و ((الجزر)) بضم الجيم والزاي، جمع جزور وهو البعير. قال الحافظ ابن كثير: قد تواترت - يعني أحاديث الكوثر - من طرق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث، وكذلك أحاديث الحوض، قال: وهكذا روي النص مقدم على الاستنباط (عمقه سبعون ألف فرسخ) عورض بما رواه ابن أبي الدنيا عنه، أي: ابن عباس أنه سئل ما أنهار الجنة، أفي أخدود؟، قال: لا ولكنها تجري على أرضها لا تفيض ههنا ولا ههنا، وأجيب بأن المراد أنها ليست في أخدود كالجداول ومجاري الأنهار التي في الأرض، بل سائحة على وجه أرض الجنة مع عظمها وارتفاعها، فلا ينافي ما ذكر في عمقها (ماؤه أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل، شاطئاه) أي: حافتاه (اللؤلؤ والزبرجد والياقوت خص اللّه به نبيه قبل الأنبياء). (رواه ابن أبي الدنيا موقوفًا) على ابن عباس وله حكم الرفع إن صح، إذ لا مجال للرأي فيه (وعن أنس قال: سئل رسول اللّه ◌َلَّه ما الكوثر؟، قال: نهر أعطانيه اللّه، يعني: في الجنة أشد بياضًا من اللبن) أي: ماؤه (وأحلى من العسل فيه طير). وفي رواية: ترده طير (أعناقها كأعناق البخت) نوع من الإبل الواحد بختي مثل روم ورومي (أو أعناق الجزر) شك الراوي: ويحتمل أن أو للتنويع، أي: بعضها كأعناق البخت وبعضها كأعناق الجزر (قال عمر بن الخطاب: إنها لناعمة) حيث شبهت أعناقها بذلك (قال رسول اللّه ◌َ الله: أكلتها:) جمع آكل (أنعم منها، رواه الترمذي وقال: حسن) وصححه الحاكم. وروى البيهقي عن حذيفة: رفعه أن في الجنة طيرًا أمثال البخاتي، قال: أبو بكر إنها الناعمة يا رسول اللّه، قال: أنعم منها من يأكل منها وأنت ممن يأكلها يا أبا بكر (والجزر: بضم الجيم والزاي جمع جزور وهو البعير) كقوله: لا يبعدون قومي اللذين هم سـم العـداة وآفة الجزر (قال الحافظ ابن كثير: قد تواتر، يعني: حديث الكوثر من طرق تفيد القطع عند. كثير من أئمة الحديث) الذي لهم الاطلاع على الطرق (وكذلك أحاديث الحوض، قال: ٤١٠ الفصل الثالث في أمور الآخرة عن أنس وأبي العالية ومجاهد وغير واحد من السلف: أن الكوثر نهر في الجنة. وأما تفضيله عَِّ في الجنة بالوسيلة والدرجة الرفيعة والفضيلة، فروى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي، أن رسول الله عَ لّم قال: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول: ثم صلوا عليّ، فإنه من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة)). وهكذا روي عن أنس وأبي العالية) رفيعه بن مهران (ومجاهد وغير واحد من السلف أن الكوثر نهر في الجنة) وهو المشهور المستفيض. (وأما تفضيله عَِّ في الجنة بالوسيلة والدرجة الرفيعة والفضيلة، فروى مسلم) في الصلاة (من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي) الصحابي بن الصحابي (أن رسول اللّه عَل. قال: إذا سمعتم المؤذن، فقولوا) قولاً (مثل ما يقول) أي مثل قوله بدون صفته، فلا يطلب برفع الصوت المطلوب من المؤذن، لأن قصده الإعلام وقصد السامع الذكر، فيكفي السر أو الجهر بلا رفع صوت، نعم لا يكفي إجراؤه على قلبه بلا لفظ لظاهر الأمر بالقول ولا يطلب بقيام وغيرٍ ذلك مما يطلب من المؤذن، ويستثنى من مثلية القول الحيعلتان، فيدلهما بلا حول ولا قوة إلاّ باللّه كما في الصحيحين) (ثم صلوا عليّ فإنه من صلى عليّ صلاة) واحدة (صلى اللّه عليه بها عشرًا) أي: عشر صلوات، أي: رحمه وضاعف أجره بشهادة من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وفائدة ذكره وإن كانت كل حسنة كذلك أنه تعالى لم يجعل جزاء ذكره إلاَّ ذكره، فكذلك جعل ذكر نبيه ذكر من ذكره ولم يكتف بذلك، بل زاد كما في حديث أنس عند أحمد، وصححه ابن حبان والحاكم وحط عنه عشر خطيئات ورفع له عشر درجات، قيل: إنما هذا لمن فعل ذلك محبة وأداء لحقه عَّم من التعظيم والإِجلال لا لمن قصد به الثواب أو قبول دعائه، قال عياض: وفيه نظر. وقال الحافظ هو تحكم غير مرضي، ولو أخرج الغافل اللاهي لكان أشبه (ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة) عظيمة (في الجنة لا تنبغي:) لا تكون (إلا لعبد) واحد عظیم، فالتنوين والتنكير للتعظيم (من عباد الله) الأشراف المقربين، فالإضافة لاختصاصهم بالشرف والقرب من سيدهم (وأرجو أن أكون أنا) تأكيد الضمير المستتر في أكون (هو) خبر وضع بدل إياه، ويحتمل أن لا يكون تأكيدًا، بل مبتدأ وخبر والجملة خبر أكون، ويجوز أن هو وضع موضع اسم الإِشارة، أي: أكون أنا ذلك، قاله الأبي: (فمن سأل) اللّه (لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة) أي: وجبت له شفاعة تناسبه زيادة على شفاعته في جميع أمته، كشفاعته لأهل ٤١١ الفصل الثالث في أمور الآخرة قال الحافظ عماد الدين بن كثير: الوسيلة علم على أعلى منزلة في الجنة، وهي منزلة رسول الله عَ ليه وداره في الجنة، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش. وقال غيره: الوسيلة ((فعيلة)) من وسل إليه إذا تقرب، يقال: توسلت أي تقربت، وتطلق على المنزلة العلية، كما قال في هذا الحديث، فإنها منزلة في الجنة، على أنه يمكن ردها إلى الأول، فإن الواصل إلى تلك المنزلة قريب من الله، فيكون كالقربة التي يتوسل بها، ولما كان رسول الله عَّل أعظم الخلق عبودية لربه، وأعلمهم به، وأشدهم له خشية وأعظمهم له محبة، كانت منزلته أقرب المنازل إلى الله تعالى، وهي أعلى درجة في الجنة، وأمر أمته أن يسألوها له لينالوا بهذا الدعاء الزلفى وزيادة الإيمان، وأيضًا: فإن الله تعالى قدرها له، بأسباب منها دعاء أمته له بها بما نالوه على يده من الهدى والإيمان. المدينة، وفي بعض أصول مسلم له بدل عليه، وقيل: معنى حلت غشيته ونزلت به، نقله عياض عن المهلب وقال: الصواب وحلت من حل يحل بالكسر إذا وجب، وأما حل يحل بالضم، فمعناه نزل، زاد الحافظ: ولا يجوز أن يكون حلت من الحل، لأنها لم تكن قبل ذلك محرمة، قال المصنف في مقصد المحبة، وذكره بلفظ الرجاء وإن كان محقق الوقوع أدبًا وإرشادًا وتذكيرًا بالخوف وتفویضًا إلى الله تعالى بحسب مشيئته وليكون الطالب للشيء بين الخوف والرجاء. انتهى. وقال القرطبي: هذا الرجاء قبل علمه أنه صاحب المقام المحمود؛ ومع ذلك فإن اللّه يزيده بدعاء أمته له رفعة كما يزيدهم بصلاتهم عليه. (قال الحافظ عماد الدين بن كثير: الوسيلة علم على أعلى:) أرفع وأفضل (منزلة في الجنة وهي منزلة رسول اللّه عَّه وداره في الجنة وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش). (وقال غيره: الوسيلة فعيلة من وسل) من باب وعد (إليه إذا تقرب، يقال: توسلت إذا تقربت وتطلق) الوسيلة أيضًا (على المنزلة العلية، كما قال في هذا الحديث؛ فإنها منزلة في الجنة) علية (على أنه يمكن ردها إلى الأول، فإن الواصل إلى تلك المنزلة قريب من الله) القرب المعنوي (فيكون كالقربة التي يتوسل بها) أي: يتقرب، (ولما كان رسول اللّه عَّ أعظم الخلق عبودية لربه وأعلمهم به وأشدهم له خشية وأعظمهم له محبة كانت منزلته أقرب المنازل إلى اللّه تعالى وهي أعلى درجة في الجنة) ليس فوقها درجة (وأمر) عَُّلَّه (أمته أن يسألوها له) مع أنها محققة الوقوع له (لينالوا بهذا الدعاء الزلفى:) القرب (وزيادة الإِيمان) بالله ورسوله (وأيضًا فإن اللّه تعالى قدرها له بأسباب منها دعاء أمته له بها بما نالوه ٤١٢ الفصل الثالث في أمور الآخرة وأما الفضيلة، فهي المرتبة الزائدة على سائر الخلق، ويحتمل أن تكون منزلة أخرى، أو تفسيرًا للوسيلة. وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله عَُّله: الوسيلة درجة عند الله عز وجل ليس فوقها درجة، فسلوا الله لي الوسيلة. رواه أحمد في المسند، وذكره ابن أبي الدنيا وقال: الوسيلة درجة ليس في الجنة أعلى منها، فسلوا الله أن يؤتينيها على رؤوس الخلائق. وروى ابن مردويه عن علي عن النبي عَّه قال: إذا سألتم الله فسلوا لي على يده من الهدى والإِيمان) فهي من الشكر على ذلك (وأما الفضيلة فهي المرتبة الزائدة على) مراتب (سائر الخلائق) لأن الفضل الزيادة (ويحتمل) بعد ذلك (أن تكون منزلة أخرى و) يحتمل أن تكون (تفسيرًا للوسيلة). روى البخاري وأحمد والأربعة عن جابر مرفوعًا: من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتٍ محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة. قال السخاوي: وزيادة والدرجة الرفيعة لم أرها في شيء من الروايات ولا في نسخ الشفاء إلاَّ في نسخة علم عليها كاتبها بما يشير إلى الشك فيها، وقد عقد لها في الشفاء فصلاً في مكان آخر ولم يذكر فيه حديثًا صريحًا وهو دليل لغلطها، قاله المصنف في مقصد المحبة: فعجيب نقله عن غيره ولكن آفة العلم النسيان. (وعن أبي سعيد) بكسر العين سعد بسكونها ابن لملك ابن سنان (الخدري) الصحابي ابن الصحابي (قال: قال رسول اللّه عَِّ الوسيلة درجة) منزلة رفيعة (عند اللّه عزّ وجلّ ليس فوقها درجة) بل هي أعلى الدرجات كما يأتي وهو مفاد النفي عرفًا وإن صدق لغة بالتساوي (فسلوا اللّه لي الوسيلة). (رواه أحمد في المسند، وذكره) أي: رواه (ابن أبي الدنيا، وقال) في سياقه: (الوسيلة درجة ليس في الجنة أعلى منها، فسلوا اللّه أن يؤتينيها على رؤوس الخلائق) فصرح بأنها أعلى الدرجات، فعلم أنه المراد في قوله: ليس فوقها درجة، ووجه تخصيص الدعاء له عَ اله. بالوسيلة والفضيلة بعد الأذان أنه لما كان دعاء إلى الصلاة، وهي مقربة إلى اللّه تعالى ومعراج المؤمنين، ومما امتن الله به علينا بإرشاده وهدايته عَّ له ناسب أن يجازى على ذلك بالدعاء له بالتقرب إلى الله ورفعة المنزلة، فإن الجزاء من جنس العمل. (وروى ابن مردويه) بفتح الميم وقد تكسر (عن علي، عن النبي ◌َّةِ قال: إذا سألتم ٤١٣ الفصل الثالث في أمور الآخرة الوسيلة، قالوا: يا رسول الله، من يسكن معك؟ قال: ((علي وفاطمة والحسن والحسين)). لكن قال الحافظ عماد الدين بن كثير: إنه حديث غريب منكر من هذا الوجه. وعند ابن أبي حاتم من حديث علي أيضًا: أنه قال على منبر الكوفة: أيها الناس إن في الجنة لؤلؤتين إحداهما بيضاء والأخرى صفراء، فأما البيضاء فإنها إلى بطنان العرش. والمقام المحمود من اللؤلؤة البيضاء سبعون ألف غرفة، كل بيت منها ثلاثة أميال، وغرفها وأبوابها وأسرتها وسكانها من عرق واحد، واسمها الوسيلة، هي لمحمد عَّهِ وأهل بيته، والصفراء فيها مثل ذلك، هي لإبراهيم عليه السلام وأهل بيته. وهي أثر غريب كما نبه عليه الحافظ ابن كثير أيضًا. وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ اللّه فسلوا لي الوسيلة) أعلى منازل الجنة (قالوا: يا رسول اللّه من يسكن معك) فيها على سبيل التبعية لك، إذ هي لا تكون إلاَّ لواحد (قال: علي وفاطمة والحسن والحسين، لكن قال الحافظ عماد الدين بن كثير أنه حديث غريب منكر) أي: ضعيف (من هذا الوجه) الذي أخرجه منه ابن مردويه. (وعند ابن أبي حاتم) الحافظ ابن الحافظ عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي (من حديث علي أيضًا أنه قال على منبر الكوفة: أيها الناس إن في الجنة لؤلؤتين، إحداهما بيضاء والأخرى صفراء، فأما البيضاء فإنها إلى بطنان العرش) بضم الموحدة وإسكان الطاء المهملة ونونين بينهما ألف، أي إلى جهة أعلاه، أي: أنها أقرب إلى أعلاه من غيرها (والمقام المحمود) مبتدأ خبره (من اللؤلؤة البيضاء سبعون ألف غرفة كل بيت منها ثلاثة أميال وغرفها وأبوابها وأسرتها وسكانها من عرق) أي: أصل (واحد واسمها الوسيلة هي لمحمد ◌َّ وأهل بيته و) اللؤلؤة قسيم قوله: فأما البيضاء بتقدير، وأما اللؤلؤ (الصفراء) على نحو قوله تعالى: ﴿والراسخون في العلم﴾ [آل عمران/ ٧]، بعد قوله: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ [آل عمران/ ٧]، فى أحد الوجهين (فيها مثل ذلك هي لإِبرهيم عليه السلام وأهل بيته) وهذا حكمه الرفع، إذ لا يقال إلاَّ عن توقيف (و) لكن (هي أثر غريب كما نبه عليه الحافظ ابن كثير أيضًا). (وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾)، (قال: أعطاه الله تعالى في الجنة ألف قصر) من لؤلؤ أبيض ترابها المسك كما في المقصد السادس عن ابن ٤١٤ الفصل الثالث في أمور الآخرة [الضحى/٥]، قال: أعطاه الله في الجنة ألف قصر وفي كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من طريقه، ومثل هذا لا يقال إلا عن توقيف، فهو في حكم المرفوع. عباس (وفي كل قصر) من الألف (ما ينبغي) ما يليق (له من الأزواج والخدم). (رواه ابن جرير) محمد الطبري (وابن أبي حاتم من طريقه، ومثل هذا) من الإخبار عن الغيب (لا يقال إلاَّ عن توقيف) من النبي عَّةِ (فهو في حكم المرفوع) وإن كان موقوفًا لفظًا، وهکذا کل ما جاء عن صحابي إن أمكن کونه رأيًا فليس له حكم الرفع، وإلاّ فله حكمه، ولیس المراد حصر ما أعطاه فيما ذكر، لأن الآية دلت على أنه يعطيه كل ما يرضيه مما لا يعلم حقيقته إلاَّ اللّه. وقد روى الديلمي في الفردوس عن علي، قال: لما نزلت قال عَّ: إذن لا أرضى وواحد من أمتي في النار. ولأبي نعيم في الحلية عن علي في الآية قال: ليس في القرءان آية أربى منها ولا يرضى ◌َّله أن يدخل أحد من أمته النار، وقوله: ولا يرضى موقوف لفظًا مرفوع حكمًا، ولا يشكل بما صح أن بعض العصاة من أمته يدخل النار؛ وأنه تعالى يحد له عَّ حدًا يشفع فيهم، فلا يدع أحدًا منهم ولا يزيد على من أذن له في الشفاعة فيه، كما مر قريبًا: ولا شك أنه يرضى بما يرضى ربه، لأنه لا يبعد أن تعذيب العصاة غير مرضي للّه فلا يرضى به رسوله، فإذا لم يرض به لعدم رضا ربه شفعه فيهم، فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، أو لا يرضى دخولهم على وجه الخلود، وإنما قال: أن يدخل دون أن يخلد قصد الإرادة نفي الرضا بالخلود عن نهج المبالغة والاستدلال، أو لا يرضى دخولهم النار دخولاً يشدد عليهم العذاب فيه، بل يكون خفيفًا لا تسود وجوههم ولا تزرق أعينهم كما وردت به الأحاديث، فهو تعذیب کتأديب الحشمة، بل قال عـ إنما حرّ جنهم على أمتي كحر الحمام. أخرجه الطبراني برجال ثقات من حديث الصديق، وللدارقطني عن ابن عباس رفعه: إن حظ أمتي من النار طول بلائها تحت التراب، وقيل: غير ذلك في توجيه الحديث. وإن كان ضعيفًا لتعدد طرقه كما سبق في المقصد السادس، وأنه لا وجه لقول المصنف هناك تبعًا لابن القيم: إنه افتراء لمخالفة حديث الشفاعة؛ لأنه إبطال للروايات بأوهام الشبهات، ولأن تعليل الحديث بالافتراء ودعوى الكذب لا يكون بمخالفة ظاهر القرءان فضلاً عن الحديث، وإنما يكون من جهة الإِسناد، كما صرح به الحافظ ابن ظاهر وغيره، وللبزار والطبراني وأبي نعيم بسند حسن، كما قال المنذري عن علي: أن رسول اللّه عَّله قال: ((أشفع لأمتي حتى يناديني ربي تبارك وتعالى، أرضيت يا محمد، فأقول: أي رب رضيت)). ٤١٥ خاتمة خاتمة عن عائشة قالت: جاء رجل إلى النبي عَِّ فقال: يا رسول الله، إنك لأحب إلي من نفسي، وإنك لأحب إلي من أهلي، وإنك لأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك. وإذا ذكرت موتي (خاتمة)) ونسأل الله من فضله حسن الخاتمة في عافية بلا محنة، والفوز بالجنة والنجاة من النار بوجاهة الحبيب المختار (عن عائشة) رضي اللّه تعالى عنها (قالت: جاء رجل إلى النبي عَّه) هو ثوبان أو عبد الله بن زيد الأنصاري كما يأتى (فقال: يا رسول اللّه إنك) والله (لأحب) فاللام جواب قسم مقدر (إليَّ من نفسي وإنك لأحب إليّ من أهلي، وإنك لأحب إليّ من ولدي). زاد في رواية: ومالي، ولا يلزم من تقديمه على نفسه تقديمه على من بعده، لأن الإنسان قد يسمح بموت نفسه عند حصول المشاق دون ولده حرصًا على بقاء العقب، وهذا هو الإِيمان الكامل المشار إليه بحديث: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين))، ودخل في عموم الناس نفسه، ونص عليها في حديث آخر. كما مر بسط ذلك في مقصد المحبة؛ وأن لها علامات كثيرة، منها أنه لو خير بين فقد غرض من أغراضه وبين رؤيته عليه السلام، لو أمكنته لكانت أشد عليه من فقد غرضه، فهو كامل الحب، ومن لا فلا. قال القرطبي: كل من آمن به عَّ إيمانًا صحيحًا لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة، ولكنهم يتفاوتون فيها تفاوتًا ظاهرًا، فمنهم من أخذ بالحظ الأوفى ومنهم من أخذ بالأدنى الاستغراقه في الشهوات وحجبه بالغفلات، لكن الكثير منهم إذا ذكره عَ لِ اشتاق إلى رؤيته بحيث يؤثرها على أهله وماله وولده ويلقي نفسه في الأمور الصعبة، ومن ذلك من يؤثر زيارة قبره ومواضع آثاره على جميع ما ذكر لما ثبت في قلوبهم من محبته غير أن ذلك سريع الزوال لتوالي الغفلات. انتهى. (وإني لأكون في البيت) أي: بيتي (فأذكرك) أي: أتذكرك في ذهني وأتصورك أو أذكر اسمك وصفاتك، فهو من الذكر بالكسر أو الضم (فما أصبر) عن رؤيتك للجزع والقلق الزائدين (حتى آتيك فأنظر إليك) فتطمئن نفسي وينشرح صدري، فقوله: إنك لأحب، أي: أوثر محبتك حبًّا اختيارًا إيثارًا لك على ما يقتضي العقل رجحانه من حبك إكرامًا لك وإن كان حب نفسي وولدي وغيرهما مركوزًا في غريزتي (وإذا) وفي رواية: وإني (ذكرت موتي ٤١٦ خاتمة وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك. فلم يردّ عليه النبي عَّةٍ شيئًا، حتى نزل عليه جبريل عليه السلام بهذه الآية ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا﴾ [النساء/٦٩] رواه أبو نعيم عن عائشة، وقال الحافظ أبو عبد الله المقدسي: لا أعلم بإسناد هذا وموتك) أي: مكاني ومكانك بعد الموت (عرفت:) تحققت (أنك إذا دخلت الجنة) بعد الموت (رفعت) إلى الدرجات العلا (مع النبيين) صلى اللّه وسلم عليهم أجمعين (وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك) فيها لأنك في مقام لا يصل إليه غيرك (فلم يرد عليه النبي ◌َّهِ شيئًا حتى نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية: ﴿ومن يطع الله والرسول﴾) [النساء/ ١٣، ٦٩]، بامتثال أمره ونهيه ويلزمه محبته له أيضًا. ولم تذكر لتحققها لذكر الرجل لها والعلم بخلوصه فيها (﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم)) بنعيم الجنة وعالي مراتبها، ففيه تبشير له بمرافقة أفضل خلق اللّه وأكرمهم وأرفعهم منزلة (﴿من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾) بيان للمنعم عليهم بما أخفي لهم من قرة أعين (﴿وحسن أولئك﴾) تعجب، أي: ما أحسنهم (﴿رفيقًا﴾) تمييز، ولم يجمع لوقوعه على الواحد وغيره. قال البيضاوي: قسمهم أربعة أقسام باعتبار منازلهم في العلم والعمل وهم الأنبياء الفائزون بكمال العلم والعمل، المجاوزون حد الكمال إلى درجة التكميل، ثم صديقون صعدت نفوسهم تارة إلى مراقي النظر في الحجج والآيات، وأخرى إلى معارج القدس بالرياضة والتصفية حتى اطلعوا على ما لم يطلع عليه غيرهم، ثم شهداء بذلوا أنفسهم في إعلاء كلمة اللّه وإظهار الحق، ثم صالحون صرفوا أعمارهم في طاعته وأموالهم في مرضاته، ولك أن تقول: المنعم عليهم هم العارفون بالله، وهؤلاء إما أن يكونوا بالغين درجة العيان أو واقفين في مقام الاستدلال والبرهان، والأولون إما أن ينالوا مع العيان القرب بحيث يكونون كمن يرى الشيء قريبًا، وهم الأنبياء أولاً كمن يرى الشيء من بعد وهم الصديقون، والآخرون إما أن يكون عرفانهم بالبراهين القاطعة وهم العلماء الراسخون الذين هم شهداء اللّه في الأرض، وإما أن يكون بإمارات وإقناعات تطمئن إليها نفوسهم وهم الصالحون. انتھی. (رواه أبو نعيم) والطبراني في الصغير (عن عائشة) وابن مردويه عن ابن عباس (وقال الحافظ أبو عبد الله) محمد بن عبد الواحد بن أحمد السعدي الحنبلي ضياء الدّيِّن (المقدسي) الدين، الزاهد الورع، الحجة، الثقة، صاحب التصانيف المشهورة: سمع ابن الجوزي: وخلقًا، ولد سنة تسع وستين وخمسمائة ومات سنة ثلاث وأربعين وستمائة (لا أعلم بإسناد هذا ٤١٧ خاتمة الحديث بأسًا. كذا نقله ابن القيم في ((حادي الأرواح)). وذكره البغوي في «معالم التنزيل)) بلفظ: نزلت - يعني الآية - في ثوبان مولى رسول الله عَّه، وكان شديد الحب لرسول الله عَّله))، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم، وقد تغير لونه، يعرف الحزن في وجهه، فقال له رسول الله عَّهِ: ((ما غير لونك))؟ فقال: يا رسول الله، ما بي وجع ولا مرض، غير أني إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة فأخاف أن لا أراك، لأنك ترفع مع النبيين، وإني إن دخلت الجنة في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبدًا، فنزلت هذه الآية. الحديث بأسًا) أي: أن رواته مقبولون لم يجرح أحد منهم. (كذا نقله ابن القيم في حادي الأرواح) إلى ديار الأفراح (وذكره البغوي) محيي السنة الحسين بن مسعود، أحد الحفاظ (في معالم التنزيل) اسم تفسيره بلا عزو (بلفظ: نزلت، يعني: الآية في ثوبان) بفتح المثلثة والموحدة ابن بجدد بضم الموحدة وسكون الجيم وضم الدال المهملة الأولى (مولى رسول اللّه عَّه) قال في الإِصابة: يقال أنه من العرب من حكم بن سعد بن حمير، وقيل: من السراة، اشتراه ثم أعتقه فخدمه إلى أن مات، ثم تحول إلى الرملة ثم إلى حمص، ومات بها سنة أربع وخمسين. روى ابن السكن عنه أنه عَِّ دعا لأهله، فقلت: أنا من أهل البيت، فقال في الثالثة: نعم. ما لم تقم على باب سدة أو تأت أمير فتسأله، ولأبي داود عن أبي العالية، عن ثوبان قال عَّله: من يتكفل إليّ أن لا يسأل الناس وأتكفل له بالجنة، فقال ثوبان: أنا، وكان لا يسأل أحدًا شيئًا، تقدم ذكره في الموالي النبوية (وكان شديد الحب) بضم الحاء المحبة، أما بكسرها فالمحبوب (لرسول اللّه عَّ قليل الصبر عنه) ولذا لازمه حضرًا وسفرًا (فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه). وعند الثعلبي: تغير وجهه ونحل جسمه (يعرف الحزن في وجهه، فقال له رسول اللّه عٍَّ: ما غير لونك؟، فقال: يا رسول الله ما بي وجع) أي: مرض مؤلم (ولا مرض) مطلق علة، ويقع الوجع أيضًا على كل مرض، لكن لا يرد هنا ليحصل التغاير (غير أني إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة) أي: حصل لي انقطاع وبعد قلب وعدم استئناس (حتى ألقاك) فتزول وحشتي (ثم ذكرت الآخرة) أي: فكرت في أمرها (فأخاف أن لا أراك لأنك ترفع مع النبيين) في أعلى الدرجات (وإني إن دخلت الجنة) أكون (في منزلة أدنى من منزلتك) فتقل رؤيتي لك بدليل قوله: (وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبدًا، فنزلت هذه الآية). ٤١٨ خاتمة وكذا ذكره ابن ظفر في ((ينبوع الحياة)) لكن قال: إن الرجل هو عبد الله بن زيد الأنصاري الذي رأى الأذان. وليس المراد أن يكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النبيين والصديقين كون الكل في درجة واحدة، لأن هذا يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول، وذلك لا يجوز، فالمراد كونهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وإن بعد المكان، لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضًا، وإذا أرادوا الرؤية والتلاقي قدروا على ذلك، فهذا هو المراد من هذه المعية. قال الولي العراقي: هكذا ذكره الثعلبي في تفسيره بلا إسناد ولا راوٍ، وحكاه الواحدي في أسباب النزول عن الكلبي. وروي الطبراني في الصغير عن عائشة، وابن مردويه عن ابن عباس، والبيهقي عن الشعبي، وابن جرير عن سعيد بن جبير، كل منهم يحكي عن رجل، فذكر مثل قصة ثوبان ونزول الآية فیه. انتھی. (وكذا ذكره ابن ظفر) بفتح الظاء المعجمة والفاء وراء واسمه محمد بن محمد بن ظفر الصقلي أبو عبد اللّه الأديب الفاضل، له تصانيف، ولد بصقلية وسكن حماة، وبها مات سنة خمس وستين وخمسمائة (في ينبوع الحياة) اسم تفسيره وهو كبير (لكن قال) عن مقاتل بن سليمن؛ (أن الرجل هو عبد الله بن زيد) بن عبد ربه (الأنصاري) الخزرجي (الذي رأى الأذان) في منامه، مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: استشهد بأحد، فإن صح فلعل كلا منهما ذكر ذلك للنبي ع﴾، فنزلت الآية، وقد ورد ان قائل ذلك جمع کثیر، فروى ابن أبي حاتم عن مسروق، قال: قال أصحاب محمد عَّله: يا رسول اللّه ما ينبغي لنا أن نفارقك، فإنك لو مت لرفعت فوقنا ولم نرك، فأنزل اللّه الآية وهي وإن كان سببها خاصًّا، فهي عامة لجميع من أطاع الله ورسوله، ولا ينحصر في تسلية المحبين والتخفيف عنهم، بل يشمل ذلك وغيره وهو الحث على الطاعة والترغيب فيها، فمن فعل ذلك فاز بالدرجات العالية عند اللّه تعالى (وليس المراد أن يكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النبيين والصديقين كون الكل في درجة واحدة، لأن هذا يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول، وذلك لا يجوز) اعتقاده لأن الأنبياء لا يساويهم غيرهم بالنصوص والإجماع (فالمراد) بالمعية (كونهم في الجنة، بحیث یتمکن كل واحد منهم من رؤية الآخر وإن بعد المكان، لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضًا، وإذا أرادوا الرؤية والتلاقي قدروا على ذلك) إذ لو عجزوا عنه لتحسروا ولا حسرة في الجنة (فهذا هو المراد من هذه المعية) لا المساواة في المنزلة. ٤١٩ خاتمة وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس، أن رجلاً قال: يا رسول الله متی الساعة؟ قال: وما أعددت لها؟ قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله، قال: ((أنت مع من أحببت))، قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي عَّهِ: أنت مع من أحببت، قال أنس: فأنا أحب النبي عَّهِ وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم. (وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس؛ أن رجلاً قال الحافظ: هو ذو الخويصرة اليماني الذي بال في المسجد، وحديثه بذلك مخرج عند الدارقطني، ومن زعم أنه أبو موسى أو أبو ذر فقد وهم، فإنهما وإن اشتركا في معنى الجواب وهو المرء مع من أحب، فقد اختلف سؤالهما، فإن كلا من أبي موسى وأبي ذر إنما سئل عن الرجل يحب القوم ولم يلحق بهم. هذا. (قال: يا رسول اللّه متى الساعة؟) زاد في رواية قائمة بالرفع خبر الساعة، فمتى ظرف متعلق به والنصب حال من الضمير المستكن في متى، إذ هو على هذا التقدير خبر الساعة فهو ظرف مستقر. وفي رواية لمسلم: متى تقوم الساعة؟، ولما احتمل السؤال التعنت والخوف من اللّه امتحنه النبي عَّهِ حيث (قال: وما أعددت لها) هكذا في رواية للشيخين. وفي رواية لهما أيضًا: ويحك وما أعددت لها؟، قال الطيبي: سلك مع السائل طريق الأسلوب الحكيم، لأنه سأله عن وقت الساعة وأيان إرساؤها، فقيل له: فيم أنت من ذكراها؟، وإنما يهمك أن تهتم بأهبتها وتعتني بما ينفعك عند إرسائها من العقائد الحقة والأعمال الصالحة المرضية، فأجاب حيث (قال: لا شيءٍ). وفي رواية للبخاري، قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولمسلم: ما أعددت لها من كثير عمل أحمد عليه نفسي، وكثير بمثلثة (إلاَّ أني أحب الله ورسوله) يحتمل الاتصال والانقطاع، قاله الكرماني. وفي رواية في الصحيح أيضًا: ولكني أحب اللّه ورسوله (قال: أنت) وفي رواية: إنك (مع من أحببت) أي: ملحق بهم وداخل في زمرتهم لما امتحنه وظهر له من جوابه صدق إيمانه ألحقه بمن ذكر (قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي عَّله: أنت مع من أحببت). وفي رواية في الصحيح أيضًا: فقلنا ونحن كذلك، قال عَِّ: نعم ففرحنا يومئذٍ فرحًا شديدًا، وفي أخرى: فلم أرَ المسلمين فرحوا فرحًا أشد منه، وفي أخرى: فما فرح المسلمون بشيء بعد الإِسلام ما فرحوا به (قال أنس: فأنا أحب النبي ◌َّهِ وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم) والحديث متواتر. خاتمة ٤٢٠ وفي الحديث الإلهي الذي رواه حذيفة - كما عند الطبراني بسند غريب - أنه تعالى قال: ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه. الحديث. وفيه من الزيادة على حديث البخاري: ويكون قال في الفتح: جمع أبو نعيم الحافظ طرقه في كتاب المحبين مع المحبوبين، فبلغ عدد الصحابة فيه نحو عشرين، ولفظ أكثرهم: المرء مع من أحب، وفي بعضها بلفظ: حديث أنس أنت مع من أحببت. (وفي الحديث الإلهي) المنسوب للّه تعالى مما تلقاه النبي عَّ بلا واسطة أو بواسطة احتمالان في جميع الأحاديث الإلهية وليس لها حكم القرءان، فيمسها المحدث وتبطل الصلاة بقراءتها فيها، وغير ذلك (الذي رواه حذيفة) بن اليمان عن النبي عَّ (كما عند الطبراني بسند غريب) لفظ الفتح حسن غريب مختصر. انتهى. فأوله قوله؛ (أنه تعالى قال: ما تقرب إلى عبدي) بإضافة التشريف (بمثل أداء ما افترضت عليه) أي: تأديته لا المقابل للقضاء فقط، قال الحافظ: ظاهرة الاختصاص بما ابتدأ اللّه فرضه، وفي دخول ما أوجبه المكلف على نفسه نظر للتقييد بقوله: افترضت عليه لا أن أخذ من جهة المعنى الأعم، ويستفاد منه أن أداء الفرض أحب الأعمال إلى اللّه، قال الطوفي: الأمر بالفرائض جازم ويقع بتركها المعاقبة بخلاف النفل في الأمرين وإن اشترك مع الفرائض في تحصيل الثواب، فكانت الفرائض أحب إلى اللّه تعالى وأشد تقربًا (ولا). هكذا رواية الطبراني عن حذيفة بلفظ ولا، وللبخاري من حديث أبي هريرة بلفظ: وما (يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل) من صلاة وصيام وغيرهما (حتى أحبه) بضم أوله، أي أرضى عنه والتقرب طلب القرب. قال أبو القسم القشيري: قرب العبد من ربه يقع أولاً بإيمانه ثم بإحسانه، وقرب الرب من عبده ما يخصه به في الدنيا من عرفانه وفي الآخرة من رضوانه وفيما بين ذلك من وجوه لطفه وامتنانه، وقرب الرب بالعلم والقدرة عام للناس وباللطف والنصرة خاص بالخواص وبالتأنيس خاص بالأولياء. وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني والبيهقي: يتحبب إليّ بدل بتقرب، واستشكل كون النوافل تنتج محبة الله، لأنه تعالى جعلها مرتبة على كثرتها ولا تنتجها الفرائض؛ لأنه جعلها أحب الأشياء إليه ولم يذكر سبب الأحبية، فلم يرتب المحبة على الفرائض. وأحيب؛ بأن المراد النوافل إذا كانت مع الفرائض مشتملة عليها أو مكملة لها لا مطلقًا، فإنما أنتجت المحبة من حيث الاشتمال والتكميل وبأن الإِتيان بالنوافل بمحض المحبة لا لخوف عقاب على الترك، فأنتجت محبة اللّه لكونها لا في مقابلة شيء، بخلاف الفرائض، ففعلها مانع