النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ الفصل الثالث في أمور الآخرة يعلى، ورواته لا بأس بهم. قال المنذري: إسناده حسن إن شاء الله. وقوله: ((تبادرني)) أي لتدخل معي، أو تدخل في أثري، ويشهد له حديث أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وقال بأصبعيه السبابة والوسطى رواه البخاري من حديث سهل بن سعد. قال ابن بطال: حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي عَّه في الجنة، ولا منزلة في الجنة أفضل من ذلك، انتهى، ويحتمل أن يكون المراد قرب المنزلة حالة دخوله الجنة كما في الحديث قبله. وفي نسخة: أو من أنت (فتقول: أنا امرأة قعدت على يتامى) لي، وفي البدور: على أيتامي، لكنه قال: (رواه أبو يعلى) والأصفهاني، فلعله لفظه ولفظ أبي يعلى ما للمصنف ولا خلف بينهما کما أشرت إليه. وفي الفتح عازيًا لأبي يعلى وحده: أنا امرأة تأيمت (ورواته لا بأس بهم) كما قال الحافظ (وقال المنذري: إسناده حسن إن شاء اللّه، وقوله: تبادرني، أي: لتدخل معي أو تدخل في أثري) ثم إن كانت امرأة واحدة فلعلها قامت بأيتامها على صفة لم تتفق لغيرها، فلا يرد أن كثيرًا من النساء كذلك وإن كان المراد جنس امرأة قعدت على يتاماها وهو مقتضى سياق المنذري في الترغيب. لهذا الحديث وقضية الحديث التالي فلا إشكال (ويشهد له حديث: أنا وكافل اليتيم) أي: القيم بأمره ومصالحه هبة من ماله، أو من مال اليتيم. زاد في رواية الموطأ له أو لغيره، وللبزار عن أبي هريرة رفعه: من كفل يتيمًا ذا قرابة أو لا قرابة له (في الجنة هكذا، وقال) أي: أشار (بإصبعيه) بالتثنية (السبابة والوسطى) وفرج بينهما. (رواه البخاري من حديث سهل بن سعد) أي: فرق بينهما منشورتين مفرجًا بينهما، أي أن الكافل معه عَّ في الجنة إلاَّ أن درجته لا تبلغ درجته، بل تقاربها، وظاهره أن المشير هو المصطفى، وفي الموطأ رواية يحيى بن بكير: وأشار النبي عَّه بالسبابة والوسطى، وفي أكثر الموطآت: وأشار بإصبعيه بإبهام المشير، وفي مسلم: وأشار لملك بالسبابة والوسطى. (قال ابن بطال: حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي عَ لاله. في الجنة ولا منزلة في الجنة أفضل من ذلك. انتهى). (ويحتمل أن يكون المراد قرب المنزلة حالة دخوله الجنة كما في الحديث قبله) كما قاله الحافظ وزاد: ويحتمل أن المراد مجموع الأمرين سرعة الدخول وعلو المنزلة. وقد روى أبو داود عن عوف بن ملك، رفعه: ((أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة امرأة ذات منصب وجمال حبست نفسها على يتاماها حتى ماتوا أو بانوا))، فهذا فيه قيد، ٣٨٢ الفصل الثالث في أمور الآخرة ووجه التشبيه: أن النبي صٍَّ من شأنه أن يبعث إلى قوم لا يعقلون أمر دينهم فيكون كافلاً لهم ومرشدًا، وكذلك كافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه، بل ولا دنياه ويعلمه ويحسن أدبه. وعن ابن عباس قال: جلس ناس من أصحاب النبي عَّه ينتظرونه، قال: فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم وهم يتذاكرون، فسمع حديثهم، فقال بعضهم: عجبًا إن الله اتخذ من خلقه خليلاً، اتخذ الله إبراهيم خليلاً، وقال آخر: ماذا بأعجب من كلام موسى، كلمه تكليمًا، وقال آخر: فعيسى روح الله، وقال آخر: وآدم اصطفاه الله، فخرج عليهم فسلم وقال: قد سمعت كلامكم وعجبكم، إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً وهو كذلك، وموسی کلمه الله وهو كذلك، وعیسی روح الله وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك. ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا وللطبراني الصغير عن جابر، قلت: يا رسول اللّه مم اضرب منه يتمي؟، قال: ما كنت ضاربًا منه ولدك غير واقٍ مالك بماله، وزاد في رواية لملك: حتى يستغنى عنه فيستفاد منه أن للكفالة المذكورة أمدًا. انتهى. (ووجه التشبيه) كما نقله الحافظ عن شيخه العراقي في شرح الترمذي بين النبي والكافل: (أن النبي من شأنه أن يبعث إلى قوم لا يعقلون أمر دينهم، فيكون كافلاً لهم ومرشدًا) لهم ومعلمًا (وكذلك كافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه، بل) إضراب انتقالي (ولا دنياه ويعلمه ويحسن أدبه) فناسب علو منزلته بقرب النبي عَّ﴾ .. (وعن ابن عباس قال: جلس:) قعد (ناس من أصحاب النبي عَّلم ينتظرونه، قال) ابن عباس: (فخرج حتى إذا دنا منهمٍ سمعهم وهم يتذاكرون، فسمع حديثهم فقال بعضهم: عجبًا ان اللّه اتخذ من خلقه خليلاً) مع أنه لا نسبة بين الخالق والمخلوق (اتخذ الله إبراهيم خليلاً). (وقال آخر: ماذا بأعجب من كلام موسى كلمه تكليمًا، وقال آخر: فعيسى روح اللّه، وقال آخر: فآدم اصطفاه اللّه فخرج عَلِّ عليهم، فسلم وقال: قد سمعت كلامكم وعجبكم أن اللّه اتخذ إبراهيم خليلاً وهو كذلك) فإنه تعالى قال: ﴿واتخذ اللّه إبراهيم خليلاً﴾ [النساء/ ١٨٥] (وموسى كليم اللّه وهو كذلك) قال تعالى: (﴿وكلم الله موسى تكليمًا﴾) [النساء/ ١٦٤] (وعيسى روح اللّه وهو كذلك) في القرءان (وعادم اصطفاه الله وهو كذلك) إن الله اصطفى ءادم (ألا) بالفتح والتخفيف، أي: تنبهوا لما تعلموه مما حباني به زيادة عليهم ٣٨٣ الفصل الثالث في أمور الآخرة حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر)). رواه الترمذي. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله عَّله: ((أنا أول الناس خروجًا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وقائدهم إذا وفدوا، وشافعهم إذا حبسوا، وأنا مبشرهم إذا يئسوا، لواء الحمد بيدي، ومفاتيح الجنة يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد (وأنا حبيب اللّه ولا فخر) ولم يقل: وإني خليل اللّه مع قوله في حديث آخر: ((إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً))، لأنه في مقام بيان ما زاد به عليهم (وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع) بشد الفاء مفتوحة، أي: مقبول الشفاعة، وذكره لأنه قد يشفع اثنان فيشفع الثاني قبل الأول، وفيه أن غيره يشفع ويشفع وكونه أولاً فيهما يبين علو منزلته وتقدم هذا (ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلق الجنة) بفتح اللام جمع حلقة بسكونها على غير قياس، وفي لغة بفتحها، فالجمع قياسي (فيفتح اللّه لي) لا يعارضه ما مر أن الفاتح رضوان، لأن الفاتح الحقيقي هو اللّه تعالى وتولي رضوان ذلك إنما هو بأمره وإقداره وتمكينه، ونظيره: ﴿اللّه يتوفى الأنفس حين موتها﴾ [الزمر / ٣٩]، قل يتوفاكم ملك الموت (فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين) أي: يدخلون عقبه بسرعة فكأنهم دخلوا معه، ولأبي داود عن أبي هريرة رفعه أن أبا بكر أول من يدخل الجنة ولأبي نعيم عن أبي هريرة مرفوعًا: أنا أول من يدخل الجنة ولا فخر وأول من يدخل عليّ الجنة ابنتي فاطمة، أي: من النساء وأبو بكر من الرجال فلا خلف (ولا فخر) أي: لا افتخر بذلك، بل بمن أعطانيه، أو أقول ذلك شكرًا لا فخرًا وهو ادعاء العظمة والمباهاة (وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر). (رواه الترمذي:) والحاصل أنه عَّةٍ أول داخل على الإطلاق، ثم تقع المفاضلة في تقديم أمته بعده بحسب أعمالهم، فما يقع في الأحاديث الكثيرة أول، أما على تقدير من، أو سمي غير الأول أولاً باعتبار من بعده، أو المراد الأول ممن صنع كذا. (وعن أنس بن لملك، قال: قال رسول اللّه عَّ له: أنا أول الناس خروجًا) من القبر (إذا بعثوا) وهذا بمعنى قوله: أنا أول من تنشق عنه الأرض (وأنا خطيبهم) المتكلم عنهم (إذا أنصتوا وقائدهم إذا وفدوا) على ربهم (وشافعهم إذا حبسوا) منعوا عن دخول الجنة (وأنا مبشرهم) بقبول شفاعتي لهم عند ربهم ليريحهم (إذا أيسوا) من الناس (لواء الحمد بيدي ومفاتيح الجنة يومئذٍ بيدي) يعني: أشفع فيمن شئت، فكأن المفاتيح بيدي افتح بها لمن شئت وأدخله وأمنع من شئت، ويحتمل أنها بيده حقيقة على ظاهره وإن كانت لا تغلق بعد أن تفتح على ما ٣٨٤ الفصل الثالث في أمور الآخرة آدم على ربي ولا فخر، ويطوف علي ألف خادم كأنهم اللؤلؤ المكنون»، رواه الترمذي والبيهقي واللفظ له. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَّله: ((نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة)) رواه مسلم. وعنه أيضًا، عن النبي عَِّ قال: ((نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولاً الجنة». فهذه الأمة أسبق الأمم خروجًا من الأرض وأسبقهم إلى أعلى مكان في الموقف، وأسبقهم إلى ظل العرش، وأسبقهم إلى فصل القضاء، وأسبقهم إلى الجواز على الصراط، وأسبقهم إلى دخول الجنة، وهي أكثر أهل الجنة. استظهر زيادة في كرامته في اليوم المشهود (وأنا أكرم ولد وادم على ربي) ودخل عادم بالأولى لأن في ولده من هو أكرم منه كإبراهيم وموسى (ولا فخر) لا عظمة ولا مباهاة (ويطوف عليّ ألف خادم كأنهم) في الحسن واللطافة (اللؤلؤ المكنون) المصون في الصدف لأنه فيها أحسن منه في غيرها. وفي رواية الدارمي كأنهم بيض مكنون أو لؤلؤ منثور (رواه الترمذي والبيهقي واللفظ له) ورواه الدارمي بنحوه وقدم المصنف لفظه: قال الترمذي: حديث غريب وهذه الألف من جملة ما أعد له، فقد روى ابن أبي الدنيا عن أنس، رفعه: ((إن أسفل أهل الجنة أجمعين درجة من يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم)). وعنده أيضًا عن أبي هريرة قال: ((إن أدنى أهل الجنة منزلة وليس فيهم دنيء لمن يغدو ويروح عليه خمسة عشر ألف خادم ليس منهم خادم إلاّ معه طرفة ليست مع صاحبه». (وعن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه عَّ: نحن الآخرون) زمانًا (الأولون) أي: السابقون (يوم القيامة) في كل شيء (ونحن أول من يدخل الجنة) قبل الأمم (رواه مسلم، وعنه أيضًا عن النبي عَّهِ، قال: نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولاً الجنة) هذا مثل ما قبله غايته أنه عبر بالناس بدل من (فهذه الأمة أسبق الأمم خروجًا من الأرض وأسبقهم إلى أعلى مكان في الموقف) لأنهم يكونون على تل يومئذٍ كما مر في الخصائص، وفي لفظ: على كوم عالٍ وهما بمعنى، ويحتمل أن يؤخذ من قوله هنا الأولون بمعنى السابقين، لأن العلو سبق أيضًا (وأُسبقهم إلى ظل العرش وأسبقهم إلى فصل القضاء وأسبقهم إلى الجواز على الصراط وأسبقهم إلى دخول الجنة) ولمسلم من حديث حذيفة: نحن ٣٨٥ الفصل الثالث في أمور الآخرة وروى عبد الله ابن الإمام أحمد من حديث أبي هريرة: لما نزلت هذه الآية ﴿ثلة من الأولين وثلة من الآخرين﴾ [الواقعة/٣٩ - ٤٠] قال عَ له: ((أنتم ثلثا أهل الجنة، أنتم نصف أهل الجنة، أنتم ثلثا أهل الجنة))، قال الطبراني: تفرد برفعه ابن المبارك عن الثوري. وفي حديث بهز بن حكيم، رفعه: ((أهل الجنة عشرون ومائة صف، أنتم منها ثمانون)». وعن عمر بن الخطاب، أن رسول الله عَّ له قال: ((إن الجنة حرمت على الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق (وهي) أي: هذه الأمة (أكثر أهل الجنة). (روى عبد الله ابن الإِمام أحمد) بن محمد بن حنبل الشيباني أبو عبد الرحمن البغدادي الحافظ، ابن الحافظ روى عن أبيه وابن معين وخلق، وعنه النسائي والطبراني وجماعة، قال الخطيب: كان ثقة ثبتًا فهمًا ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين ومات سنة تسعين ومائتين (من حديث أبي هريرة، قال: لما نزلت هذه الآية: (﴿ثلة﴾) جماعة (﴿من الأولين وثلة من الآخرين﴾) [الواقعة/ ٤٠٠٣٩]، قيل: الأولى من الأمم الماضية والثانية من هذه الأمة، لكن ورد بسند حسن عن أبي بكر، رفعه أنهما جميعًا من هذه الأمة، فالأولى الصحابة والثانية ممن بعدهم، لكن يؤيد الأول أنه (قال عَّ له) مخاطبًا للحاضرين ومن بعدهم إلى آخر الدنيا من أمة الإجابة: (أنتم ثلث أهل الجنة، أنتم نصف أهل الجنة، أنتم ثلثا أهل الجنة) يحتمل أنه فهم أولاً أنهم ثلث نظرًا لكثرة الأولين، ثم عدل عنه إلى النصف نظرًا إلى أن الأصل التساوي في مثل هذا لقوله: ثلة من الأولين وثلة من الآخرين، ثم أوحى إليه في الحال ولو بالإِلهام أنهم ثلثان، فأخبر به هذا ما ظهر لي والله أعلم. (قال الطبراني: تفرد برفعه ابن المبارك) عبد الله (عن الثوري) سفين بن سعيد (وفي حديث بهز) بفتح الموحدة وإسكان الهاء وزاي منقوطة (ابن حكيم) بفتح فكسر ابن معوية القشيري صدوق لم يلق أحدًا من الصحابة، مات في بضع وخمسين ومائة (رفعه: أهل الجنة عشرون ومائة صف أنتم منها ثمانون) صفا، فهم ثلثا أهل الجنة، وهذا رواه أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه على شرطهما عن بريدة بن الحصيب، قال: ((قال رسول اللّه عَّله: أهل الجنة عشرون ومائة صف ثمانون منها من هذه الأمة وأربعون من سائر الأمم)). (وروى الطبراني في الأوسط وابن النجار والدارقطني (عن عمر بن الخطاب أن ٣٨٦ الفصل الثالث في أمور الآخرة الأنبياء كلهم حتى أدخلها، وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي. قال الدارقطني: غريب عن الزهري. فإن قلت: فما تقول في الحديث الذي صححه الترمذي من حديث بريدة بن الحصيب قال: أصبح رسول الله عَِّ، فدعا بلالاً فقال: يا بلال، بم سبقتني إلى الجنة، فما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي. الحديث. أجاب عنه ابن القيم: بأن تقدم بلال بين يديه عَِّ إنما هو لأنه كان يدعو إلى الله أولاً بالأذان، ويتقدم أذانه بين يدي النبي عَّ، فيتقدم دخوله بين يديه كالحاجب والخادم. قال: وقد روي في حديث أن النبي عَّه يبعث يوم القيامة رسول اللّه عَ له قال: إن الجنة حرمت) أي: منعت (على الأنبياء كلهم) المراد بهم ما يشمل المرسلين (حتى أدخلها، وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي) أي: أن المطيع الذي لم يعذب من أمته يدخلها قبل الطائع الذي لم يعذب من أمة غيره، وداخل النار من أمته يدخل الجنة قبل داخل النار من أمة غيره، فجملة أمته وتمام دخولها الجنة سابق على دخول أمة غيره، فلا يرد ما قد يتوهم أنه لا يدخل أحد من سابق الأمم الطائعين إلاَّ بعد خروج العاصين من الأمة المحمدية من النار، ولذا لم يؤكد بكل في الأمم بخلاف الأنبياء، وأخذ من الحديث أن هذه الأمة يخفف عن عصاتها ويخرجون قبل عصاة غيرها. (قال الدارقطني: غريب عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (فإن قلت:) إذا ثبت أنه عَّةِ أول داخل على الإطلاق (فما تقول في الحديث) أي: فما الجمع بينه وبين الحديث (الذي) رواه أحمد و(صححه الترمذي) وابن حبان والحاكم (من حديث بريدة) بموحدة مصغر (ابن الحصيب) بمهملتين مصغر الأسلمي. (قال: أصبح رسول اللّه عَّه فدعا بلالاً، فقال: يا بلال بم سبقتني إلى الجنة، فما دخلت الجنة قط إلاّ سمعت خشخشتك) بخاءين وشينين معجمات، أي: صوتك (أمامي) بالفتح قدامي، إني دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامي (الحديث) بقيته المقصود منه هنا قوله: إني دخلت البارحة ... الخ. وباقيه رؤيته قصرًا من ذهب لعمر (أجاب عنه ابن القيم؛ بأن تقدم بلال بين يديه عَ ل. إنما هو لأنه كان يدعو إلى اللّه أولاً بالأذان، ويتقدم أذانه بين يدي النبي عَّه) يوم القيامة على ناقة (فيتقدم دخوله بين يديه كالحاجب والخادم، قال: وقد روي في حديث أن النبي عَِّ ببعث يوم القيامة وبلال بين يديه) ينادي (بالأذان، فتقدمه بين يديه كرامة له عَ لّه. ٣٨٧ الفصل الثالث في أمور الآخرة وبلال بين يديه [ينادي] بالأذان، فتقدمه بين يديه كرامة له عَّةٍ، وإظهارًا لشرفه وفضيلته لا سبقًا من بلال له. وروى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له: أتاني جبريل فأخذ بيدي، فأراني باب الجنة الذي تدخل منه أمتي، فقال أبو بكر: يا رسول الله وددت أني كنت معك حتى أنظر إليه، فقال عَّهِ: أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي. وقد دل هذا الحديث على أن لهذه الأمة بابًا مختصًا يدخلون منه الجنة دون سائر الأمم. فإن قلت: من أي أبواب الجنة يدخل النبي عَ له؟ فالجواب: أنه قد ذكر الترمذي الحكيم أبواب الجنة، كما نقله عنه القرطبي وإظهارًا لشرفه وفضيلته لا سبقًا من بلال له). وتعقب هذا بأنه لا يلائم السياق، إذ لو كان كحاجبه لما قال له: بم سبقتني، فقال له بلال: ما أذنت قط إلاَّ صليت ركعتين وما أصابني حدث قط إلاَّ توضأت وصليت ركعتين، فقال عٍَّ: بهذا كما في رواية في الجامع الكبير، فالأولى في الجواب أنها رؤيا منام ولا يرد بأن رؤيا الأنبياء حق، لأن معناه ليست من الشيطان فمثل له بلال ماشيًا أمامه إشارة إلى أنه استوجب الدخول لسبقه إلى الإِسلام وتعذيبه في اللّه وأن ذلك صار أمرًا محققًا، وأولى منه ما سبق أن الدخول النبوي يتعدد أربع مرات. (وروى) الحافظ أبو بكر عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) واسمه إبراهيم الواسطي الكوفي صاحب تصانيف، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين كما في التقريب وغيره، وتقدم مرارًا (من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه عَّةٍ أتاني جبريل، فأخذ بيدي فأراني باب الجنة الذي تدخل منه أمتي، فقال أبو بكر الصديق: (يا رسول اللّه وددت) بكسر الدال الأولى (أني كنت معك حتى أنظر إليه، قال عَّة: أما) بالفتح والتخفيف (إنك) بكسر الهمزة (يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي) من الرجال وفاطمة أول من يدخل من النساء كما ورد أيضًا فلا خلف، وما ورد من الأولية في غيرهما فالمراد بعدهما؛ (فقد دل هذا الحديث) وقد رواه أحمد وصححه الحاكم (علی أن لهذه الأمة بابًا مختصًا يدخلون منه الجنة دون سائر الأمم) تشريفًا لهم. (فإن قلت: من أي أبواب الجنة يدخل النبي عَّه؟ فالجواب أنه قد ذكر الترمذي ٣٨٨ الفصل الثالث في أمور الآخرة في التذكرة، فذكر باب محمد عَّ ◌ُلّه قال: وهو باب الرحمة، وهو باب التوبة. فإن قلت: كم عدة أبواب الجنة؟ فاعلم أن في حديث أبي هريرة عند الشيخين مرفوعًا: ((من أنفق زوجين في سبيل الله دعي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعى من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعى من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الحكيم أبواب الجنة كما نقله عنه القرطبي في التذكرة، فذكر باب محمد عَ لآه، قال: وهو باب الرحمة وهو باب التوبة) مناسب لكونه أرسل رحمة للعالمين ولكونه يحب توبة أمته عليه السلام. (فإن قلت كم عدة أبواب الجنة، فاعلم أن في حديث أبي هريرة عند الشيخين مرفوعًا:) أن رسول اللّه عَّه قال: (من أنفق زوجين) أي: شيئين من نوع واحد من أنواع المال، وقد جاء تفسيره مرفوعًا: بعيرين شاتين حمارين درهمين، وفي رواية: فرسين نعلين، زاد في بعض طرق الحديث من ماله (في سبيل اللّه) أي: في طلب ثوابه أعم من الجهاد وغيره من العبادات. وقيل: المراد شيئين ولو اختلف نوعهما كدينار ودرهم ودرهم وثوب وخف ولجام، أي: لأن الزوج يطلق على الواحد المقترن بغيره كما يطلق على الاثنين، وجوز التوربشتي أن يريد الإِنفاق مرة بعد أخرى. قال الطيبي: وهو الوجه إذا حملت التثنية على التكرير، لأن القصد من الإنفاق التثبيت من الأنفس بإنفاق كرائم الأموال والمواظبة على ذلك كما قال تعالى: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة اللّه وتثبيتًا من أنفسهم﴾ [البقرة/ ٢٦٥]، أي: ليتثبتوا ببذل المال الذي هو شقيق الروح وبذله أشق شيء على النفس من سائر العبادات الشاقات (دعي) وفي رواية: نودي (من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير) قال الحافظ: أي فاضل لا بمعنى أفضل وإن أوهمه اللفظ، ففائدته رغبة السامع في طلب الدخول من ذلك الباب. وفي لفظ للبخاري: دعاه خزنة الجنة كل خزنة باب، أي: خزنة كل باب، أي: قل هلم بضم اللام لغة في فلان، وبه ثبتت الرواية، وقيل: ترخيمه فاللام مفتوحة (فمن كان من أهل الصلاة) أي: كانت أغلب أعماله وأكثرها (دعى من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة) المكثرين منها (دعي من باب الصدقة) لا يتكرر مع قوله: أولاً من أنفق زوجين، لأن الإِنفاق ولو قل من الخيرات العظيمة وذلك حاصل من كل أبواب الجنة وهذا استدعاء خاص (ومن كان من أهل الصيام) المكثرين منه (دعي من ٣٨٩ الفصل الثالث في أمور الآخرة الريان». وروى الترمذي من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرفوعًا: ((ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء))، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا فتحت له من أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء)). بزيادة ((من). قال القرطبي وهو يدل على أن أبواب الجنة أكثر من ثمانية، قال: وانتهى عددها إلى الثلاثة عشر بابًا، كذا قال: باب الريان) مشتق من الري، خص بذلك لما في الصوم من الصبر على ألم العطش في الهواجر. قال الحافظ: ومعنى الحديث أن كل عامل يدعي من باب ذلك العمل، ولأحمد وابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن أبي هريرة: لكل عامل باب من أبواب الجنة يدعى منه بذلك العمل، فذكر أربعة أبواب وهي ثمانية وبقي الحج فله باب بلا شك، وباب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، رواه أحمد عن الحسن مرسلاً إن لله بابًا في الجنة لا يدخله إلاَّ من عفا عن مظلمة، والباب الأيمن الذي يدخل منه من لا حساب عليه ولا عذاب، والثامن لعله باب الذكر، ففي الترمذي ما يومىء إليه ويحتمل أنه باب العلم، ويحتمل أن الأبواب التي يدعى منها أبواب من داخل أبواب الجنة الثمانية الأصلية، لأن الأعمال الصالحة أكثر عددًا من ثمانية، والمراد ما يتطوع به من الأعمال المذكورة لا واجباتها لكثرة من يجتمع له العمل بالواجبات بخلاف التطوعات، فقل من يجتمع له العمل بجميع أنواعها، وإليه الإِشارة بقوله في بقية الحديث، فقال أبو بكر: يا رسول اللّه ما على من يدعى من هذه الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من هذه الأبواب كلها، قال: نعم وأرجو أن تكون منهم، ولابن حبان، فقال: أجل وأنت هو يا أبا بكر. (وروى الترمذي من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا: ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء) بإتيان فرائضه وسننه وآدابه (ثم قال) في مسلم: ثم يقول: (أشهد أن لا إله إلاَّ اللّه وأن محمدًا عبده ورسوله إلاَّ فتحت له من أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء بزيادة من) في رواية الترمذي وليست في رواية مسلم. (قال القرطبي: وهو يدل على أن أبواب الجنة أكثر من ثمانية) لأن الثمانية بالرفع نائب فاعل فتحت وجملة من أبواب الجنة حال، ومن للتبعيض، أي: فتحت له الثمانية حالة كونها بعض أبواب الجنة، فلا يرد عليه منع إفادة من للزيادة، لأن غايته إفادة أنه فتحت له بعض الأبواب الموصوفة بأنها ثمانية وقد يكون هذا أقرب ليوافق رواية مسلم بدون من وهو حديث واحد، ويحتمل أن من ليست للتبعيض بل للبيان لرواية مسلم (قال: وانتهى عددها إلى ثلاثة عشر بابًا، کذا قال:) تبرأ منه لاحتياجه إلى توقيف، ولأن دليله محتمل. ٣٩٠ الفصل الثالث في أمور الآخرة ملالر ؟ فإن قلت: أي الجنان يسكنها النبي علي فاعلم - منحني الله وإياك التمتع بذاته القدسية في الحضرة الفردوسية - أن الله تعالى قد اتخذ من الجنان دارًا اصطفاها لنفسه، وخصها بالقرب من عرشه، وغرسها بيده، فهي سيدة الجنان، والله يختار من كل نوع أعلاه وأفضله، كما ١ صّىالله اختار من الملائكة جبريل ومن البشر محمدًا عَـ وفي الطبراني من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله عَّله: ((ينزل الله تعالى في آخر ثلاث ساعات بقين من الليل، فينظر في الساعة الأولى منهن في الكتاب الذي لا ينظر فيه غيره، فيمحو الله ما يشاء ويثبت ما يشاء، ثم ينظر في الساعة الثانية في جنة عدن، وهي مسكنه الذي يسكن لا يكون معه فيها أحد إلا (فإن قلت: أي الجنان يسكنها النبي عَّةٍ، فاعلم منحني:) أعطاني (الله وإياك التمتع بذاته) رؤيته تعالى التي لا نعيم يدانيها (القدسية) الطاهرة عما لا يليق بها من صفات المحدثات ليس كمثله شيء وفي إطلاق الذات على اللّه مقال (في الحضرة الفردوسية:) أعلى الجنة (أن اللّه تعالى قد اتخذ من الجنان دارًا اصطفاها) اختارها (لنفسه) أي: ليسكنها خلص أوليائه ويتجلى لهم فيها، إذ هو سبحانه لا يحويه مكان (وخصها بالقرب من عرشه وغرسها بيده) بقدرته من غير واسطة والإِضافة للتشريف، وإلاَّ فكل شيء بقدرته (فهي سيدة) أي: أفضل (الجنان واللّه يختار من كل نوع أعلاه وأفضله كما اختار من الملائكة جبريل) بناءً على أنه أفضلهم على ما روي عن كعب الأحبار، وقال صاحب الحبائك: الأحاديث متعارضة في أنه الأفضل أو إسرافيل، وحديث أفضل الملائكة جبريل ضعيف (ومن البشر محمدًا عَّةٍ) بل هو أفضل الخلق إجماعًا (وربك يخلق ما يشاء ويختار) ما يشاء. (وفي الطبراني من حديث أبي الدرداء، قال: قال رسول اللّه عَّه ينزل الله تعالى) هو مصروف عن ظاهره إجماعًا، واختلف هل يخاض في تأويله أو لا وهو أسلم بدليل اتفاقهم على أن التأويل المعين لا يجب، كما قاله البيهقي: (في آخر ثلاث ساعات يبقين من الليل) أي في الثلاث الساعات الآخرة فلا ينافي قوله الآتي: ثم يهبط آخر ساعة ... الخ. ولا قوله: (فينظر في الساعة الأولى منهن في الكتاب الذي لا ينظر فيه غيره فيمحو الله) منه (ما يشاء ويثبت) بالتخفيف والتشديد فيه (ما يشاء) من الأحكام وغيرها على ما يشاء من تغيير الأحوال وتصريف الأسباب لا بمعنى تغيير حكم استقر بأمر بدا له (ثم ينظر في الساعة الثانية) من الثلاثة نظر عطف ورحمة وإبداء نعمة (في جنة عدن وهي مسكنه الذي ٣٩١ الفصل الثالث في أمور الآخرة الأنبياء والشهداء والصالحون والصديقون، وفيها ما لم يره أحد، ولا خطر على قلب بشر، ثم يهبط آخر ساعة من الليل فيقول: ألا مستغفر يستغفرني فأغفر له، ألا سائل يسألني فأعطيه، ألا داع يدعوني فأستجيب له، حتى يطلع الفجر)). وفي حديث أنه عَّ أرى جنة عدن ومنازل المرسلين منها، وأرى منازله فوق منازلهم وروى أبو الشيخ عن شمر بن عطية قال: خلق الله جنة الفردوس بيده، فهو يفتحها كل يوم خمس مرات فيقول: ازدادي طيبًا لأوليائي، ازدادي حسنًا لأوليائي. فتأمل هذه العناية، كيف جعل الجنة التي غرسها بيده لمن خلقه بيده، يسكن) من المتشابه أيضًا. قال ابن فورك: معناه أنها دار كرامته ومثوبته وهي إضافة تشريف وتخصيص، كقولنا: الكعبة بيت اللّه لا أنه يسكنها سكون حلول تعالى عن ذلك، قال: وقوله: (لا يكون معه فيها أحد إلاَّ الأنبياء والشهداء والصالحون والصديقون) أي: فإنهم فيها بالحلول والسكنى حقيقة وهو تعالى معهم بالنصرة والكرامة. انتهى. (وفيها ما لم يره أحد ولا خطر على قلب بشر، ثم يهبط آخر ساعة من الليل) إلى السماء الدنيا كما في بعض طرق هذا الحديث. (فيقول: ألا مستغفر يستغفرني فأغفر له) ذنوبه (ألا سائل يسألني فأعطيه) مسؤوله، (ألا داع يدعوني فأستجيب له) دعاءه، أي: أجيبه، فليست السين للطلب والأفعال الثلاثة بالنصب جواب الطلب وبالرفع استئناف، وبهما قرىء: من ذا الذي يقرض اللّه قرضًا حسنًا فيضاعفه له، واقتصر على الثلاثة لأن المطلوب إما رفع المضار أو جلب السار، وذلك إما ديني أو دنيوي، فالاستغفار إشارة إلى الأول، والدعاء إشارة إلى الثاني، والسؤال إشارة إلى الثالث (حتى يطلع الفجر،) وفي بعض الروايات: الشمس وهي شاذة. (وفي حديث أنه) عَّ (أرى جنة عدن ومنازل المرسلين منها، وأرى منازله فوق منازلهم) ورفع بعضهم درجات. (وروى أبو الشيخ عن شمر) بكسر المعجمة وإسكان الميم (ابن عطية) الأسدي الكوفي، صدوق لم يلق أحدًا من الصحابة (قال: خلق اللّه جنة الفردوس:) أعلى الجنة ووسطها كما في حديث مرفوع (بيده، فهو يفتحها كل يوم خمس مرات) لعلها عند أوقات الصلوات الخمس (فيقول: ازدادي طيبًا لأوليائي، ازدادي حسنًا لأوليائي، فتأمل هذه العناية) بكسر العين (كيف جعل الجنة التي غرسها بيده لمن خلقه بيده ولأفضل بريته:) خليقته ٣٩٢ الفصل الثالث في أمور الآخرة ولأفضل بريته اعتناء وتشريفًا، وإظهارًا لفضل ما خلقه بيده وشرفه، وتمييزه بذلك عن غيره. وروى الدارمي عن عبد الله بن الحارث قال: قال رسول الله عَّله: خلق الله ثلاثة أشياء بيده، خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده وغرس الفردوس بيده، ثم قال: وعزتي وجلالي لا يدخلها مدمن خمر ولا الديوث. وفيه أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن تكلم فيه. وروى الدارمي أيضًا، عن عبد الله بن عمر، قال: خلق الله أربعة أشياء بيده العرش والقلم وعدن وآدم عليه السلام، ثم قال لسائر الخلق كن فكان. (اعتناء وتشريفًا وإظهارًا لفضل ما خلقه بيده وشرفه وتمييزه بذلك عن غيره). (وروى الدارمي) وابن أبي الدنيا (عن عبد الله) بن عبد الله بن الحرث) بن نوفل كما في رواية ابن منده: فنسبه إلى جده وذكره في التقريب فيمن وافق اسمه اسم أبيه ونوفل ابن الحراث بن عبد المطلب الهاشمي تابعي، ثقة، مات سنة تسع وتسعين، فالحديث مرسل (قال: قال رسول اللّه عَّهُ خلق الله ثلاثة أشياء بيده) أي: بصفة خاصة وعناية تامة، فإن الإِنسان لا يضع يده في أمر إلاَّ إذا كان له به عناية شديدة، فأطلق اللازم وهو اليد وأراد الملزوم وهو العناية مجازًا، لأن اليد بمعنى الجارحة محال على اللّه تعالى (خلق ءادم بيده وكتب التوراة بيده وغرس الفردوس بيده، ثم قال: وعزتي وجلالي لا يدخلها مدمن خمر ولا الديوث) بفتح المهملة وشد التحتية ومثلثة. زاد في رواية ابن أبي الدنيا، قالوا: يا رسول اللّه وما الديوث؟، قال: الذي يقر السوء في أهله (وفيه أبو معشر نجيح) بفتح النون وكسر الجيم وسكون التحتية وحاء مهملة (ابن عبد الرحمن) السندي بكسر المهملة وإسكان النون مولى بني هاشم مشهور بكنيته (تكلم فيه) بالضعف وأنه أسن واختلط، مات سنة سبعين ومائة، لكن له شواهد عن أنس مرفوعًا: ((إن اللّه بنى الفردوس بيده وحظرها على كل مشرك وكل مدمن الخمر). رواه البيهقي وعنده أيضًا عن كعب: ((إن الله خلق الجنة بيده وكتب التوراة بيده وخلق ءادم بيده))، ومن شواهده قوله: (وروى الدارمي أيضًا) وأبو الشيخ في العظمة (عن عبد الله بن عمر، قال: خلق اللّه أربعة أشياء بيده: العرش والقلم وعدن وءادم، ثم قال لسائر الخلق كن فكان) وهذا موقوف له حكم الرفع، وللطيراني عن ابن عباس رفعه: خلق اللّه جنة عدن بيده ودلى فيها ثمارها وشق فيها أنهارها، ثم نظر إليها فقال لها: تكلمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون، ٣٩٣ الفصل الثالث في أمور الآخرة وعنده أيضًا عن ميسرة قال: إن الله لم يمس شيئًا من خلقه غير ثلاث: خلق آدم بيده. وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده. فجنة عدن أعلى الجنان وسيدتها وهي قصبة الجنة، وفيها الكثيب الذي تقع فيه الرؤية، وعليها تدور ثمانية أسوار بين كل سورين جنة، فالتي تلي جنة عدن من الجنان جنة الفردوس، وأصله البستان، وهي أوسط الجنان التي دون جنة عدن وأفضلها ثم جنة الخلد، ثم جنة النعيم، ثم جنة المأوى، وهي التي يأوي إليها جبريل وميكائيل والملائكة. وعن مقاتل: تأويل إليها أرواح الشهداء، ثم دار السلام، لأنها دار السلامة من كل مكروه، ثم دار المقامة. واعلم أن للجنة أسماء عديدة وكلها باعتبار صفاتها، ومسماها واحد باعتبار ذاتها، فقال: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل (وعنده أيضًا عن ميسرة، قال: إن اللّه لم يمس شيئًا من خلقه غير ثلاث: خلق عادم بيده وكتب التوراة بيده وغرس جنة عدن بيده، فجنة عدن أعلى الجنان) وبذلك سميت في قوله تعالى: ﴿جنات عدن مفتحة لهم الأبواب﴾ [الزمر / ٧١] (وسيدتها) أي: أفضلها (وهي قصبة الجنة) أي: وسطها (وفيها الكثيب) بمثلثة (الذي تقع فيه الرؤية) لله تعالى (وعليها تدور ثمانية أسوار بين كل سورين جنة، فـ) الجنة (التي تلي جنة عدن من الجنان جنة الفردوس): ﴿كانت لهم جنات الفردوس نزلاً﴾ [الكهف / ١٠٧] (وأصله) لغة (البستان) يذكر ويؤنث. قال ابن الأنباري: فيه كروم، قال الفراء: هو عربي مشتق من الفردسة وهي السعة، وقيل: منقول من الرومية إلى العربية (وهي أوسط الجنان التي دون جنة عدن وأفضلها) في جزمه، أن جنة عدن أفضل من جنة الفردوس نظر، لأنه خلاف ما في الصحيحين مرفوعًا: أن في الجنة مائة درجة أعدها اللّه للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم اللّه فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة، والمراد بوسط الجنة خيارها وأفضلها (ثم جنة الخلد) ﴿لهم فيها دار الخلد﴾ [فصلت/ ٨] (ثم جنة النعيم) ﴿فروح وريحان وجنة نعيم﴾ [الواقعة/ ٨٩] (ثم جنة المأوى) [النجم/ ١٥]، ﴿عندها جنة المأوى﴾ (وهي التي يأوي إليها جبريل وميكئيل والملائكة). (وعن مقاتل: تأوي إليها أرواح الشهداء ثم دار السلام) ﴿لهم دار السلام عند ربهم﴾ [الأنعام/ ١٢٧]، (لأنها دار السلامة من كل مكروه، ثم دار المقامة) بضم الميم الذي أحلنا دار المقامة من فضله ﴿لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب﴾ [فاطر/ ٣٥]، فهذه سبع جنان مذكورة في القرءان كما علم (واعلم أن للجنة أسماء عديدة) منها هذه السبع ودار اللّه ودار ٣٩٤ الفصل الثالث في أمور الآخرة فهي مترادفة من هذا الوجه، ومختلفة باعتبار صفاتها، فاسم الجنة هو الاسم العام المتناول لتلك الذوات وما اشتملت عليه من أنواع النعيم والسرور وقرة العين، وهذه اللفظة مشتقة من الستر، ومنه سمي البستان جنة لأنه يستر داخله بالأشجار، والجنان كثيرة جدًا، كما قال عَّه لأم حارثة لما قتل ببدر، وقد قالت: يا رسول الله ألا تحدثني عن حارثة، فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت في البكاء عليه، فقال: ((يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة، وإن ابنك قد أصاب الفردوس الأعلى. وقال تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾)) [الرحمن/ الإِقامة والمقام الأمين ومقعد صدق وقدم صدق والحيوان وغير ذلك (وكلها باعتبار صفاتها ومسماها واحد باعتبار ذاتها) كأسماء اللّه وأسماء رسوله كما في حادي الأرواح (فهي مترادفة من هذا الوجه ومختلفة باعتبار صفاتها، فاسم الجنة هو الاسم العام المتناول لتلك الذوات وما اشتملت عليه من أنواع النعيم والسرور وقرة العين) فرحها (وهذه اللفظة) أي: الجنة (مشتقة من الجن، أي: الستر، ومنه سمي البستان جنة، لأنه يستر داخله بالأشجار، والجنان كثيرة جدًا كما قال عَّةٍ لأم حارثة) بن سراقة الأنصاري واسم أمه الربيع بنت النضر عمة أنس بن لملك (لما قتل يوم بدر) رماه ابن العرقة بسهم وهو يشرب من الحوض فقتله. (وقد قالت: يا رسول اللّه ألا تحدثني عن حارثة، فإن كان في الجنة صبرت وإن كان غير ذلك اجتهدت في البكاء عليه) ومقول القول: (يا أم حارثة إنها جنان) أي: درجات (في الجنة وإن ابنك قد أصاب الفردوس الأعلى) وهذا الحديث رواه البخاري في الجهاد عن أنس بلفظ المصنف وضمير إنها مبهم يفسره ما بعده، كقولهم: هي العرب تقول ما تشاء، والمراد بذلك التفخيم والتعظيم. ورواه في المغازي والرقاق عن أنس بلفظ: أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي عَّه، فقالت: يا رسول اللّه قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن يكن الأخرى ترى ما أصنع، فقال: ويحك أو هبلت أو جنة واحدة إنها جنان كثيرة وإنه في الفردوس الأعلى (وقال تعالى ﴿ولمن خاف مقام ربه﴾ قيامه بين يديه للحساب بترك معصيته. روى الحافظ أبو الغنائم الترسي في كتابه أنس العاقل وتذكرة الغافل عن أم سلمة: أن رسول اللّه عَّ له دعا وصيفة له فأبطأت عليه، فقال لها: لولا خوف اللّه يوم القيامة لأَوجعتك بهذا السواك، وروى فيه أيضًا عن مجاهد في الآية، قال: هو الذي يهم بالمعصية، فيذكر اللّه فيدعها (جنتان:) جنة للخائف الأنسي والأخرى للخائف الجني، فإن الخطاب للفريقين، والمعنى: لكل ٣٩٥ الفصل الثالث في أمور الآخرة ٤٦]، فذكرهما ثم قال: ((﴿ومن دونهما جنتان﴾)) [الرحمن/٦٢]، أي فهذه أربع، وقال عَ له: ((جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما)). رواه الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري. وقد قسم بعضهم الجنان بالنسبة إلى الداخلين فيها ثلاثة: اختصاص إلهي وهي التي يدخلها الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم، ومن أهلها أهل الفترات، ومن لم تصل إليه دعوة رسول. خائفين منكما، أو لكل واحد جنة لعقيدته والأخرى لعمله، أو جنة لفعل الطاعات وأخرى لترك المعاصي، أو جنة يثاب بها وأخرى يتفضل بها عليه وروحانية وجسمانية (فذكرهما ثم قال: ومن دونهما) أي: الجنتين الموعودتين للخائفين المقربين بين (جنتان) لمن دونهم من أصحاب الیمین. كذا في البيضاوي: (فهذه أربع) وفي كل جنة درجات ومنازل وأبواب وكلها تتصف بالمأوى والخلد وعدن والسلام، ولذا اختار الحليمي أن الجنان أربع لهذه الآية، والحديث وهو: (وقال عليه السلام جنتان) مبتدأ (من فضة) خبر قوله: (آنيتهما وما فيهما) عطف عليه وحذف متعلق من فضة، أي: آنيتهما كائنة من فضة والجملة خبر جنتان (وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما) يإعراب سابقة. وللبيهقي عن أبي موسى: رفعه جنتان من ذهب للسابقين وجنتان من ورق لأصحاب اليمين، وله ولأحمد والطيالسي عن أبي موسى عن النبي عَّله: جنات الفردوس أربع: جنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما (رواه الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري:) أن رسول اللّه عَّالله قال: جنتان من فضة، فذكره بتقديم الفضة كما سقته، ويقع في كثير من نسخ المصنف بتقديم الذهب وهو خلاف ما في الصحيحين. وإن كان رواته في غيرهما، وبقية الحديث عند الشيخين وغيرهما: وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلاَّ رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن، وقوله: في جنة عدن ظرف للقوم أو نصب حالاً منهم. قال البيهقي: رداء الكبرياء استعارة لصفة الكبرياء والعظمة، لأنه بكبريائه لا يراه أحد من خلقه إلاّ بإذنه، ويؤيده أن الكبرياء ليس من جنس الثياب المحسوسة (وقد قسم بعضهم الجنان بالنسبة إلى الداخلين فيها ثلاثة: جنة اختصاص إلهي) أي: خص الله بها هؤلاء الذين لا عمل لهم (وهي التي يدخلها الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم، ومن أهلها) أيضًا (أهل الفترات:) جمع فترة بين الرسل (ومن لم تصل إليه دعوة رسول، والجنة الثانية جنة ميراث ينالها كل ٣٩٦ الفصل الثالث في أمور الآخرة والجنة الثانية: جنة ميراث، ينالها كل من دخل الجنة من المؤمنين، وهي الأماكن التي كانت معينة لأهل النار لو دخلوها. والجنة الثالثة: جنة الأعمال، وهي التي ينزل الناس فيها بأعمالهم، فمن كان أفضل من غيره في وجوه التفاضل كان له من الجنة أكثر. وسواء كان الفاضل دون المفضول أو لم يكن، غير أن فضله في هذا المقام لهذه الحالة، فما من عمل من الأعمال إلا وله جنة. ويقع التفاضل فيها بين أصحابها بحسب ما تقتضي أحوالهم. قال عَ له: ((يا بلال، بم سبقتني إلى الجنة)) الحديث، فعلم أنها كانت جنة مخصوصة، فما من فريضة ولا نافلة ولا فعل خير ولا ترك محرم إلا وله جنة مخصوصة ونعيم خاص، يناله من دخلها، وقد يجمع الواحد من الناس في الزمان الواحد أعمالاً من العبادات فيؤجر في الزمان الواحد من وجوه كثيرة، فيفضل غيره ممن ليس كذلك. فقد تبين أن نيل المنازل والدرجات في الجنات بالأعمال، وأما الدخول فلا يكون إلا برحمة الله تعالى، كما في البخاري ومسلم من حديث عائشة، أن من دخل الجنة من المؤمنين، وهي الأماكن التي كانت معينة لأهل النار لو دخلوها:) لو آمنوا وماتوا عليه (والجنة الثالثة جنة الأعمال وهي التي ينزل الناس فيها بأعمالهم، فمن كان أفضل من غيره في وجوه التفاضل كان له من الجنة أكثر، وسواء كان الفاضل دون المفضول أو لم يكن، غير أن فضله في هذا المقام بهذه الحالة) ولا يلزم منه الفضل المطلق (فما من عمل من الأعمال إلاَّ وله جنة ويقع التفاضل فيها بين أصحابها بحسب ما تقتضي أحوالهم). (قال عَّله: يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟ ... الحديث) السابق قريبًا (فعلم أنها) أي: الجنة التي سبقه بلال إليها (كانت جنة مخصوصة، فما من فريضة ولا نافلة ولا فعل خير) زيادة إطناب إذ هو لا ينفك عن أحدهما (ولا ترك محرم) داخل في الفريضة (إلاَّ وله جنة مخصوصة ونعیم خاص یناله من دخلها). (وقد يجمع الواحد من الناس فى الزمان الواحد أعمالاً من العبادات فيؤجر في الزمان الواحد من وجوه كثيرة، فيفضل غيره ممن ليس كذلك) مثاله معتكف صائم صلى الضحى مثلاً وتصدق بدينار أو رغيف ناوله لمن يجنبه، أو أشار إليه بأخذه وهو يصلي. (فقد تبين أن نيل المنازل والدرجات في الجنان بالأعمال، وأما الدخول فلا يكون ٣٩٧ الفصل الثالث في أمور الآخرة رسول الله عَّه قال: ((لن يدخل الجنة أحد بعمله))، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته)) أي يلبسنيها ويسترني بها، مأخوذ من غمد السیف وهو غلافه. وعند الإمام أحمد، بإسناد حسن، من حديث أبي سعيد الخدري: ((لن يدخل الجنة أحد إلا برحمة الله))، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته)، وقال بيده فوق رأسه. يعني أن الجنة إنما تدخل برحمة الله، وليس عمل العبد سببًا مستقلاً بدخولها وإن كان سببًا، ولهذا أثبت الله دخولها بالأعمال في قوله تعالى: ﴿وتلك الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ [الزخرف/ ٧٢]، ونفى عَِّ دخولها بالأعمال في قوله ((لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله)) ولا تنافي بين الأمرين، لما ذكره سفيان وغيره، قال: كانوا يقولون: النجاة من النار إلاَّ برحمة اللّه تعالى) التي وسعت كل شيء في الدنيا، وخص بها في الآخرة المتقين الكفر بالإِيمان. (كما في البخاري ومسلم من حديث عائشة: أن رسول اللّه عَ ◌ّه قال: لن يدخل أحد الجنة بعمله) ولما كان أجره عَّه في الطاعة أعظم وعمله في العبادة أقوم (قالوا: ولا أنت يا رسول اللّه) لا تدخلها بعملك مع عظم قدرك (قال: ولا أنا إلاّ أن يتغمدني) بغين معجمة (اللّه برحمته) استثناء منقطع، ويحتمل اتصاله من قبيل قوله تعالى: ﴿إلاَّ الموتة الأولى﴾ [الدخان/ ٥٦] (أي: يلبسنيها ويسترني بها) تفسير لتغمدني (مأخوذ من غمد السيف) بكسر المعجمة وسكون الميم (وهو غلافه) بمعجمة وفاء قرابه. (وعند الإمام أحمد بإسناد حسن من حديث أبي سعيد) الخدري مرفوعًا: (لن يدخل الجنة أحد إلاَّ برحمة اللّه، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟، قال: ولا أنا إلاّ أن يتغمدني) يسترني (اللّه برحمته، وقال بيده) أي: وضعها (فوق رأسه) كأنه إشارة إلى أنه يتغمده ويستره كله، وفيه أن العامل لا يتكل على عمله في طلب النجاة ونيل الدرجات، لأنه إنما عمل بتوفيق اللّه، وإنما ترك المعصية بعصمة اللّه، فكل ذلك بفضله ورحمته (يعني: أن الجنة إنما تدخل برحمة اللّه وليس عمل العبد سببًا مستقلاً بدخولها وإن كان سببًا) في الجملة (ولهذا أثبت اللّه دخولها بالأعمال في قوله تعالى: ﴿وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون﴾) [الأعراف/ ٤٣] (ونفى عَِّ دخولها بالأعمال في قوله: لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله ولا تنافي بين الأمرين) الإِثبات والنفي (لما ذكر سفين وغيره، قال: كانوا يقولون النجاة من النار بعفو الله ودخول الجنة برحمة الله واقتسام المنازل والدرجات بالأعمال) وهذا قالوه ٣٩٨ الفصل الثالث في أمور الآخرة بعفو الله، ودخول الجنة برحمة الله، واقتسام المنازل والدرجات بالأعمال، ويدل له حديث أبي هريرة: إن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم: رواه الترمذي. قال ابن بطال: مجمل الآية على أن الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال، فإن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال، ومحل الحديث على دخول الجنة والخلود فيها. ثم أورد على هذا الجواب قوله تعالى: ﴿سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ [النحل/٣٢]، فصرح بأن دخول الجنة أيضًا بالأعمال. وأجاب: بأنه لفظ مجمل بينه الحديث، والتقدير: ادخلوا منازل الجنة وقصورها بما كنتم تعملون، وليس المراد بذلك أصل الدخول. ثم قال: ويجوز أن يكون الحديث مفسرًا للآية على وجه آخر، والتقدير: ادخلوها بما كنتم تعملون مع رحمة الله لكم وتفضله عليكم، لأن اقتسام منازل الجنة برحمة الله، وكذا أصل دخول الجنة برحمته، حيث ألهم العاملين ما نالوا به ذلك، ولا يخلو جمعًا بين الآية والحديث، وأيده في البدور بما رواه هنا، وفي الزهد عن ابن مسعود، قال: تجوزون الصراط بعفو اللّه وتدخلون الجنة برحمة الله وتقتسمون المنازل بأعمالكم. (وبدل له) أي: لهذا الذي قالوه (حديث أبي هريرة) عن النبي عَّ، قال: (إن أهل الجنة إذا دخلوها) برحمة اللّه (نزلوا فيها) المنازل (بفضل) أي: زيادة (أعمالهم). (رواه الترمذي) وابن ماجه في مبدأ حديث طويل (قال ابن بطال: مجمل الآية على أن الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال، فإن درجات الجنة متفاوتة) في العلو (بحسب تفاوت الأعمال، ومحمل الحديث على دخول الجنة والخلود فيها) فلا تعارض بينهما (ثم أورد على هذا الجواب قوله تعالى) في سورة النحل: يقولون (سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾، فصرح بأن دخول الجنة أيضًا بالأعمال، وأجاب: بأنه لفظ مجمل بينه الحديث، والتقدير: أدخلوا منازل الجنة وقصورها بما كنتم تعملون) ففيه تقدير مضاف بدليل الحديث (وليس المراد بذلك أصل الدخول) فلا تعارض بينهما (ثم قال) ابن بطال: (ويجوز أن يكون الحديث مفسرًا للآية على وجه آخر) إذ ما قبله تفسير لها أيضًا، إذ لولاه ما جاز تقدير المضاف، (والتقدير: أدخلوا الجنة بما كنتم تعملون مع رحمة اللّه لكم وتفضله عليكم) على طريقة الاكتفاء أو حذف الصفة، (لأن اقتسام منازل الجنة برحمة الله، وكذا أصل دخول الجنة برحمته، حيث ألهم العاملين ما نالوا به ذلك) المذكور، (ولا يخلو شيء من مجازاته ٣٩٩ الفصل الثالث في أمور الآخرة شيء من مجازاته لعباده من رحمته وفضله، وقد تفضل الله عليهم ابتداء بإيجادهم، ثم برزقهم، ثم بتعليمهم. وأشار إلى نحوه القاضي عياض فقال: وإن من رحمة الله توفيقه للعمل، وهدايته للطاعة، وكل ذلك لم يستحقه العامل بعمله، وإنما هو بفضل الله ورحمته. وقال غيره: لا تنافي بين ما في الآية والحديث، لأن ((الباء) التي أثبتت الدخول هي باء السببية التي تقتضي سببية ما دخلت عليه لغيره، وإن لم يكن مستقلاً بحصوله، و((الباء) التي نفت الدخول هي باء المعاوضة التي يكون فيها أحد العوضين مقابلاً للآخر، نحو: اشتريت منه بكذا، فأخبر عَّ أن دخول الجنة ليس في مقابلة عمل أحد، وأنه لولا رحمة الله لعبده لما أدخله الجنة، لأن العمل بمجرده - ولو تناهى - لا يوجب بمجرده دخول الجنة، ولا يكون عوضًا لها، لأنه لو وقع على الوجه الذي يحبه الله، لا يقاوم نعمة الله، بل جميع العمل لا يوازي نعمة واحدة. فلو طالبه بحقه لبقيت عليه من الشكر على تلك النعمة بقية لم يقم بها، لعباده من رحمته وفضله) إذ لولا توفيقه لهم للأعمال وبيانها لهم ما عملوها، كما أفاده بقوله: (وقد تفضل اللّه عليهم ابتداء بإيجادهم، ثم برزقهم، ثم بتعليمهم) الأحكام الشرعية واجباتها ومندوباتها المسببة لرفع المنازل. (وأشار إلى نحوه القاضي عياض، فقال: وإن من رحمة اللّه توفيقه للعمل وهدايته للطاعة وكل ذلك لم يستحقه العامل بعمله وإنما هو بفضل الله ورحمته، وقال غيره: لا تنافي بين ما في الآية والحديث، لأن الباء التي أثبتت الدخول هي باء السببية التي تقتضي سببية ما دخلت عليه لغيره وإن لم يكن مستقلاً بحصوله) بل مع رحمة الله وتوفيقه للعمل وقبوله لا بمجرده (والباء التي نفت الدخول هي باء المعاوضة التي يكون فيها أحد العوضين مقابلاً للآخر نحو اشتريت منه بكذا) تمثيل لباء المعاوضة (فأخبر) عَِّ (أن دخول الجنة ليس في مقابلة عمل أحد وأنه لولا رحمة الله بعبده ما أدخله الجنة، لأن العمل بمجرده ولو تناهى) بلغ النهاية، أي: الغاية (لا يوجب بمجرده دخول الجنة ولا يكون عوضًا لها) فكأنه قيل: لن يدخل أحد الجنة عوضًا عن عمله (لأنه لو وقع على الوجه الذي يحبه الله لا يقاوم نعمة اللّه، بل جميع العمل لا يوازي:) لا يقابل (نعمة واحدة) من نعم الله تعالى (فلو طالبه بحقه لبقيت عليه من الشكر على تلك النعمة بقية لم يقم بها) لأن نفس الشكر على النعمة نعمة تستدعي ٤٠٠ الفصل الثالث في أمور الآخرة فلذلك لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا من أعمالهم، كما في حديث أبي بن كعب عند أبي داود وابن ماجه. وهذا فصل الخطاب مع الجبرية النفاة للحكمة والتعليل القائلين بأن القيام للعبادة ليس إلا لمجدر الأمر، من غير أن يكون سببًا للسعادة في معاش ولا معاد، ولا لنجاة المعتقدين أن النار ليست سببًا للإحراق، وأن الماء ليس سببًا للإرواء والتبريد. والقدرية الذين ينفون نوعًا من الحكمة والتعليل، والقائلين بأن العبادات شرعت أثمانًا لما يناله العباد من الثواب والنعيم، وإنما هي بمنزلة استيفاء الأجير أجرته، محتجين بأن الله تعالى يجعلها عوضًا عن العمل، كما في قوله تعالى: ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ وبقوله عَ لّم حاكيًا عن ربه تعالى: ((يا عبادي، شكرًا وهكذا إلى غير نهاية (فلذلك لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا من أعمالهم كما في حديث أبي بن كعب عند أبي داود وابن ماجه) وصححه ابن حبان، كلهم عن أبي وحذيفة وابن مسعود موقوفًا، وزيد بن ثابت مرفوعًا عن النبي عَّهِ، قال: ((لو أن اللّه عذب أهل سموته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرًا من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبًا في سبيل اللّه ما قبله اللّه منك حتى تؤمن بالقدر، فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار)). ورواه أحمد أيضًا (وهذا فصل الخطاب مع الجبرية النفاة) جمع ناف كرام ورماة وقاض وقضاة (للحكمة والتعليل) وأن العبد مجبور على جميع ما فعل (القائلين بأن القيام بالعبادة ليس إلاَّ لمجرد الأمر) من اللّه بها (من غير أن يكون سببًا للسعادة في معاش) للدنيا (ولا معاد) للأخرى (ولا) سببًا (لنجاة المعتقدين؛ أن النار ليست سببًا للإِحراق، وأن الماء ليس سببًا للإِرواء) للظمأُ (والتبريد) للحر إذا صب على الجسد مثلاً بلا شرب (و) فصل النزاع أيضًا مع (القدرية الذين ينفون نوعًا من الحكمة والتعليل، والقائلين بأن العبادات شرعت اثمانًا لما يناله العباد من الثواب والنعيم، وأنهما) أي: الثواب والنعيم. وفي نسخة: وأنها بالإفراد، أي: العبادات، وفي أخرى: وإنما هي، أي: العبادات (بمنزلة استيفاء الأجير أجرته محتجين بأن اللّه تعالى يجعلها عوضًا) عن العمل كما (في قوله تعالى: ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾، وبقوله عليه السلام حاکیًا عن ربه تعالى: یا