النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ الفصل الثالث في أمور الآخرة للمقاصصة بينهم، ثم يدخلون الجنة. وقد قال النووي ومن قبله القاضي عياض: الشفاعات خمس: الأولى: في الإراحة من هول الموقف. الثانية: في إدخال قوم الجنة بغير حساب. الثالثة: في إدخال قوم حوسبوا واستحقوا العذاب أن لا يعذبوا. الرابعة: في إخراج من أدخل النار من العصاة. الخامسة: في رفع الدرجات. انتهى. فأما الأولى، وهي التي لإراحة الناس من هول الموقف، فيدل عليها حديث أبي هريرة وغيره المتقدم، وحديث أنس عند البخاري، ولفظه: قال عَُّله: يجمع الله الناس يوم القيامة فيقولون: لو اسشفعنا إلى ربنا، حتى يريحنا من مكاننا، فيأتون أدم الأمر فيها، وقيل: غير ذلك (ثم يؤذن في نصب الصراط والمرور عليه فيطفأ نور المنافقين فيسقطون:) يقعون (في النار أيضًا، ويمر المؤمنون عليه إلى الجنة، فمن العصاة من يسقط ويوقف بعض من نجا عند القنطرة) التي بعد الجواز على الصراط بين الجنة والنار (للمقاصصة بينهم، ثم يدخلون الجنة) برحمة اللّه. (وقد قال النووي ومن قبله القاضي عياض: الشفاعات خمس الأولى: في الإِراحة من هول الموقف) كربه وشدته (الثانية: في إدخال قوم الجنة بغير حساب، الثالث في) منع (إدخال قوم حوسبوا واستحقوا العذاب أن لا يعذبوا) أي: أن لا يدخلوا النار كما عبر به عياض والنووي وتبعهما في الأنموذج (الرابعة: في إخراج من أدخل النار من العصاة) قبل استيفاء ما يستحقه من المكث فيها (الخامسة: في رفع الدرجات) في الجنة. (انتهى). قال النووي: والمختص به عَ له الأولى والثانية وتجوز الثالثة والخامسة، ورده بعضهم بما صرحوا به أن الخصائص لا تثبت بالاحتمال (فأما الأولى وهي التي لإِراحة الناس من هول الموقف، فيدل عليها حديث أبي هريرة وغيره المتقدم، وحديث أنس عند البخاري) ومسلم (ولفظه: قال عَّه: يجمع اللّه الناس يوم القيامة فيقولون:) من الضجر والجزع مما هم فيه (لو استشفعنا إلى ربنا). وفي رواية للشيخين: على ربنا بعلى بدل إلى، ووجهت بأنه ضمن على معنى الاستعانة، لأن الاستشفاع طلب الشفاعة وهي انضمام الأدنى إلى الأعلى ليستعين به على ما يرومه (حتى يريحنا) بحاء مهملة من الإراحة، أي: يخلصنا (من مكاننا) هذا وأهواله، ولو هي المتضمنة للتمني والطلب فلا تحتاج إلى جواب أو جوابها محذوف نحو لكان خيرا مما نحن فيه (فيأتون ٣٤٢ الفصل الثالث في أمور الآخرة فسجدوا لك، فاشفع لنا عند ربك فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته، ائتوا نوحًا، وذكر إتيانهم الأنبياء واحدًا واحدًا، إلى أن قال: فيأتوني، فأستأذن على ربي، فإذا رأيته وقعت ساجدًا، فيدعني في السجود ما شاء الله ثم يقال لي: ارفع رأسك، سل تعطه، وقل يسمع واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمني الحديث. وأما الثانية: وهي إدخال قوم الجنة بغير حساب، فيدل عليها ما في آخر حديث أبي هريرة عند البخاري ومسلم الذي قدمته فأرفع رأسي فأقول: يا رب بيده:) بقدرته وهو تنبيه على أن خلقه ليس كخلق بنيه من تقلبهم في الأرحام وغير ذلك من الوسائط، وإلاَّ فكل شيء بقدرته تعالى (ونفخ فيك من روحه) إضافة خلق وتشريف، زاد في رواية: وأسكنك جنته وعلمك أسماء كل شيء ووضع شيء موضع أشياء، أي: المسميات كقوله تعالى: (﴿وعلم ءادم الأسماء كلها﴾) [البقرة/ ٣١]، أي أسماء المسميات (وأمر الملائكة فسجدوا لك) سجود خضوع لا سجود عبادة (فاشفع لنا عند ربنا) حتى يريحنا من مكاننا هذا (فيقول: لست هناكم) بضم الهاء وخفة النون، أي: لست في المكانة والمنزلة التي تحسبونني يريد به مقام الشفاعة، قاله تواضعًا وإكبارًا لما سألوه، أو إشارة إلى أن هذا المقام ليس لي بل لغيري، ويؤيده قوله في حديث حذيفة: لست بصاحب ذاك (ويذكر خطيئته) التي أصابها اعتذارًا عن التقاعد عن الشفاعة (ائتوا نوحًا). (وذكر إتيانهم الأنبياء) الأربعة (واحدًا واحدًا) بنحو ما سبق في حديث أبي هريرة (إلى أن قال: فیأتوني) پإشارة عيسى. زاد في رواية للشيخين: فأقوال أنا لها أنا لها (فاستأذن على ربي) زاد في رواية للبخاري وغيره: في داره فيؤذن، أي في دخولها وهي الجنة، أضيفت إلى اللّه تعالى إضافة تشريف (فإذا رأيته) تعالى (وقعت) حال كوني (ساجدًا فيدعني في السجود ما شاء اللّه) زاد مسلم: أن يدعني، وللطبراني في حديث عبادة: فإذا رأيته خررت له ساجدًا شكرًا له (ثم يقال لي: ارفع رأسك) على لسان جبريل كما مر (سل تعطه) بهاء السكت، ويحتمل أنها ضمير، أي: سل ما شئت تعط سؤالك (وقل يسمع) بتحتية أي: قولك (واشفع تشفع) تقبل شفاعتك (فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمني). وفي رواية مسلم: يعلمنيه ... (الحديث) ذكر في بقيته: ثم أشفع فيحد لي إلى آخر ما مر (وأما الثانية وهي إدخال قوم الجنة بغير حساب، فيدل عليها ما في آخر حديث أبي هريرة عند البخاري ومسلم الذي قدمته) وهو قوله: (فأرفع رأسي فأقول: يا رب أمتي يا رب ٣٤٣ الفصل الثالث في أمور الآخرة أمتي، يا رب أمتي، فيقال: يا محمد، أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة قال أبو حامد: والسبعون ألفًا الذين يدخلون الجنة بلا حساب، لا يرفع لهم ميزان ولا يأخذون صحفًا، وإنما هي براءة مكتوبة: لا إله إلا الله محمد رسول الله، هذه براءة فلان ابن فلان، قد غفر له وسعد سعادة لا شقاء بعدها أبدًا، فما مر عليه شيء أسر من ذلك المقام. وأما الثالثة: وهي إدخال قوم حوسبوا أن لا يعذبوا، فيدل على ذلك قوله في حديث حذيفة عند مسلم: ونبيكم على الصراط يقول: رب سلم سلم. وأما الرابعة: وهي في إخراج من أدخل النار من العصاة، فدلائلها كثيرة، وقد روى البخاري عن عمران بن حصين مرفوعًا: يخرج قوم من النار بشفاعة محمد عٍَّ فيدخلون الجنة ويسمون الجهنميين. أمتي، فيقال: يا محمد أدخل) بكسر الخاء (من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة) وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب. (قال أبو حامد) الغزالي: (والسبعون ألفًا الذين يدخلون الجنة بلا حساب لا يرفع لهم ميزان ولا يأخذون صحفاً) أي: أوراقًا مكتوبًا فيها أعمالهم (وإنما هي) أي: صورة الصحف (براءة مكتوبة لا إله إلاّ اللّه محمد رسول اللّه، هذه براءة فلان بن فلان قد غفر له وسعد سعادة لا شقاء بعدها أبدًا، فما مر عليه شيء أسر من ذلك المقام) ويحتاج إلى ثبوت ذلك (وأما الثالثة وهي إدخال قوم حوسبوا) واستحقوا العذاب (أن لا يعذبوا) تقدم أن لفظ عياض وتابعه أن لا يدخلوا النار (فيدل على ذلك قوله) عَّ﴾. (في حديث حذيفة) وأبي هريرة، جميعًا (عند مسلم: ونبيكم) قائم (على الصراط يقول رب سلم) سلم مرتين كما في مسلم، كلفظ قائم، فإسقاطه وذكر سلم مرة واحدة مع العزو لمسلم لا يليق، ولعل وجه دلالته أن قوله ذلك على الصراط يستدعي طلب منع تعذيبهم بعد استحقاقهم للعذاب، أي: رب سلمهم من الوقوع في النارك. (وأما الرابعة وهي في إخراج من أدخل النار من العصاة فدلائلها كثيرة، وقد روى البخاري) وأبو داود والترمذي وابن ماجه (عن عمران بن حصين مرفوعًا) عن النبي عَِّ، قال: (يخرج قوم من النار بشفاعة محمد عَ لِ فيدخلون الجنة ويسمون) بفتح الميم المشددة (الجهنميين) وللبخاري عن أنس مرفوعًا: يخرج من النار قوم بعدما احترقوا فيدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة الجهنميين، زاد في حديث أبي سعيد عند الطبراني: من أجل سواد في ٣٤٤ الفصل الثالث في أمور الآخرة وأما الخامسة: وهي في رفع الدرجات، فقال النووي ((في الروضة)): إنها من خصائصه عٍَّ ولم يذكر لذلك مستندًا فالله أعلم. وقد ذكر القاضي عياض شفاعة سادسة، وهي شفاعته عَّه لعمه أبي طالب في تخفيف العذاب لما ثبت في الصحيح أن العباس قال لرسول الله عَ له: إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك، فهل نفعه ذلك؟ قال: نعم، وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح. وفي الصحيح أيضًا من طريق أبي سعيد أنه عَّه قال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلى منه دماغه. وجوههم، فيقولون: يا ربنا أذهب عنا هذا الاسم، فيأمرهم فيغتسلون من نهر في الجنة، فيذهب ذلك الاسم عنهم. (وأما الخامسة وهي في رفع الدرجات، فقال النووي في الروضة: إنها من خصائصه عَّه ولم يذكر لذلك مستندًا) أي: دليلاً (فالله أعلم) بذلك. (وقد ذكر القاضي عياض شفاعة سادسة وهي شفاعته عَّةٍ لعمه أبي طالب في تخفيف العذاب) عنه (لما ثبت في الصحيح) للبخاري ومسلم؛ (أن العباس قال لرسول اللّه ◌َ له: إن أبا طالب كان يحوطك) بضم الحاء المهملة من الحياطة وهي المراعاة، وفي رواية: يحفظك (وينصرك:) يعينك على ما تريد فعله (ويغضب لك) أي: لأجلك إشارة إلى ما كان يرد به عنه من القول والفعل؟ (فهل نفعه ذلك، قال: نعم وجدته في غمرات من النار، فأخرجته إلى ضحضاح) بضادين معجمتين مفتوحتين وحاءين مهملتين أولاهما ساكنة وأصله الماء الذي يبلغ الكعب، ويقال: أيضًا لما قرب من الماء وهو ضد الغمر، والمعنى أنه خفف عنه العذاب كما في الفتح وغيره، وصريح هذا الحديث، إنه خفف عنه عذاب القبر في الدنيا ويوم القيامة، يكون في ضحضاح أيضًا كما في الحديث الآخر، وهو: (وفي الصحيح) للبخاري ومسلم (أيضًا من طريق أبي سعيد) الخدري (أنه عَِّ قال) وذكر عنده عمه أبو طالب (لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي) بفتح أوله وسکون المعجمة و کسر اللام (منه دماغه). وفي رواية: أم دماغه، أي: رأسه من تسمية الشيء بما يقاربه ويجاوره، وصرح العلماء بأن الرجاء من اللّه ومن نبيه للوقوع، بل قال في النور عن بعض شيوخه: إذا وردت عن اللّه ورسله وأوليائه معناها التحقيق، ولا يشكل هذا بقوله تعالى: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾، لأنه خص ٣٤٥ الفصل الثالث في أمور الآخرة وزاد بعضهم سابعة: وهي الشفاعة لأهل المدينة، لحديث سعد، رفعه: لا يثبت أحد على لأوائها إلا كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة. وتعقبه الحافظ ابن حجر: بأن متعلقها لا يخرج عن واحد من الخمس صلىالله الأول، وبأنه لو عدَّ مثل ذلك لعدَّ حديث عبد الملك بن عباد: سمعت النبي ◌ُ يقول: أول من أشفع له أهل المدينة ثم أهل مكة. ثم أهل الطائف. رواه البزار، وأخرى لمن زار قبره الشريف، وأخرى لمن أجاب المؤذن ثم صلى عليه عَّهِ، من عموم الآية لصحة الحديث. قاله البيهقي: ولذا عد في الخصائص النبوية، أو لأن المنفعة الإِخراج من النار، وفي الحديث بالتخفيف قاله القرطبي، وقيل: غير ذلك كما مر في وفاة أبي طالب مع شرح الحديثين مبسوطًا. (وزاد بعضهم سابعة: وهي الشفاعة لأهل المدينة لحديث سعد) بسكون العين ابن أبي وقاص، وحديث أبي سعيد سعد بن لملك الخدري (رفعه: لا يثبت) المتقدم: لا يصبر (أحد على لأوائها:) شدتها وجوعها (إلاّ كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة) تقدم مشروحًا في فضل المدينة. (وتعقبه الحافظ ابن حجر بأن متعلقها) بفتح اللام المشددة، أي: الشفاعة (لا يخرج عن واحد من الخمس الأول) فليست بزائدة (وبأنه لو عد مثل ذلك لعد حديث عبد الملك بن عباد) بن جعفر المخزومي. ذكره ابن شاهين وغيره في الصحابة، وقال في البخاري في تاريخه: سمع النبي عَّه. وذكره ابن حبان في التابعين، وقال: من زعم أن له صحبة فقد وهم، قال الحافظ: فماذا يصنع بقوله: (سمعت النبي عَّةٍ يقول أول من أشفع له أهل المدينة ثم أهل مكة ثم أهل الطائف، رواه البزار) في مسنده وابن شاهين، وأخرجه الزبير بن بكار من طريق أخرى عن محمد بن عباد ابن جعفر عن النبي عَُّ مرسلاً، فإن كان عبد الملك أخا محمد حكمنا بأن قوله: سمعت وهم من بعض رواته، لأن والدهما عبادًا لا صحبة له. انتهى. وكان هذا من إرخاء العنان لابن حبان، وإلا فمعلوم تقديم رواية الوصل على الإِرسال وتقديم من أثبت الصحبة، لا سيما البخاري على من نفاها بلا دليل إذ المثبت تمسك بقوله: سمعت النبي عَّةٍ (وأخرى لمن زار قبره الشريف) للحديث السابق: من زار قبري وجبت له شفاعتي (وأخرى: لمن أجاب المؤذن ثم صلى عَّة) ثم سأل له الوسيلة، قال: فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة كما في مسلم وغيره، وتقدم في مقصد المحبة (وأخرى في ٣٤٦ الفصل الثالث في أمور الآخرة وأخرى في التجاوز عن تقصير الصلحاء. لكن قال الحافظ ابن حجر إنها مندرجة في الخامسة. وزاد القرطبي: أنه أول شافع في دخول أمته الجنة قبل الناس، [ويدل له ما رواه ... ]. وزاد في فتح الباري أخرى، فيمن استوت حسناته وسيئاته أن يدخل الجنة، لما أخرجه الطبراني عن ابن عباس قال: السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب والمقتصد يرحمه الله، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون صَّ الله بشفاعته عامتاء. وأرجح الأقوال في أصحاب الأعراف أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. التجاوز عن تقصير الصلحاء، لكن قال الحافظ ابن حجر العسقلاني؛ (أنها مندرجة) أي: داخلة (في الخامسة) التي هي رفع الدرجات فليست بزائدة (وزاد القرطبي أنه أول شافع في دخول أمته الجنة قبل الناس ويدل عليه ما رواه). (وزاد في فتح الباري أخرى فيمن استوت حسناته وسيئاته أن يدخل الجنة لما رواه الطبراني عن ابن عباس) عن النبي عَّهِ: شفاعتي لأهل البكاثر من أمتي (قال) ابن عباس عقبه، موقوفًا عليه: (السابق بالخيرات) وهو الذي يضم إلى العمل بالكتاب التعليم والإِرشاد إلى العمل به (يدخل الجنة بغير حساب والمقتصد) الذي يعمل بالكتاب في غالب الأوقات (يرحمه اللّه والظالم لنفسه) بالتقصير بالعمل به (وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعته عَّةِ، وأرجح الأقوال) الإثني عشر (في أصحاب الأعراف) سور بين الجنة والنار، وقيل: جبل أحد يوضع هناك كما في التذكرة (أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم). وأخرج ابن مردويه وأبو الشيخ عن جابر: سئل عَّلِ عمن استوت حسناته وسيئاته، فقال: أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون، وأخرج البيهقي عن حذيفة رفعه: يجمع الناس يوم القيامة، فيؤمر بأهل الجنة إلى الجنة ويؤمر بأهل النار إلى النار، ثم يقال لأصحاب الأعراف: ما تنتظرون؟، قالوا: ننتظر أمرك، فيقال لهم: إن حسناتكم تجاوزت بكم النار أن تدخلوها وحالت بينكم وبين الجنة خطاياكم، فادخلوا بمغفرتي ورحمتي، فهذا نص المصطفى، ولذا رجحه القرطبي وقال: القول الثاني قوم صالحون فقهاء علماء، والثالث: الشهداء، والرابع: فضلاء المؤمنين، والشهداء فرغوا من شغل أنفسهم وتفرغوا لمطالعة أحوال الناس، والخامس: قوم خرجوا للجهاد عصاة بغير إذن آبائهم، فتعادل عقوقهم واستشهادهم، ورد به حديث السادس: ٣٤٧ الفصل الثالث في أمور الآخرة وشفاعة أخرى وهي شفاعته فيمن قال: ((لا إله إلا الله)) ولم يعمل خيرًا قط، لرواية الحسن عن أنس: «فأقول يا رب ائذن لي في الشفاعة فيمن قال: لا إله إلا الله، قال: ليس ذلك لك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي لأخرجن من النار من قال: لا إله عدول يوم القيامة الذين يشهدون على الناس وهم من كل أمة، السابع: فئة من الأنبياء، الثامن: قوم لهم صغائر لم تكفر عنهم بالآلام والمصائب في الدنيا ولا كبائر لهم، فوقفوا لينالهم بالحبس غم يقابل صغائرهم، التاسع: أصحاب الذنوب العظام من أهل القبلة، العاشر: أولاد الزنا، الحادي عشر: ملائكة موكلون بهذا السور يميزون الكافرين من المؤمنين قبل إدخالهم الجنة والنار، الثاني عشر: هم العباس وحمزة وعلي وجعفر. انتهى كلام القرطبي. قال السيوطي: القول الخامس والثامن يمكن اجتماعهما مع الأول، لأن المدار في كل على تساوي الحسنات والسيئات، فتجتمع الأحاديث كلها ويقطع بترجيحه (وشفاعة أخرى وهي شفاعته عٍَّ فيمن قال لا إله إلا اللّه) ومحمد رسول اللّه، لأنها علم عليهما شرعًا (ولم يعمل خيرًا قط لحديث الحسن) البصري (عن أنس) بن ملك في الصحيحين، ثم أرجع إلى ربي في الرابعة، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر ساجدًا، فيقال: إرفع رأسك وقل: يسمع لك، وسل تعطه واشفع تشفع (فأقول: يا رب ائذن لي في الشفاعة فيمن قال: لا إله إلاَّ اللّه). قال الحميدي: يعني من قالها من أمته، وقال أبو طالب عقيل بن أبي طالب: يحتمل ذلك ويحتمل من قالها: من كل أمة، ويؤيده طلبه الإذن في الشفاعة، لأنه أذن له في الشفاعة في أمته، لأنه إنما يقدم عليها بإذنه، قال تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ [البقرة/ ٥٥]، وحالات المشفوع فيه أربع: من عنده مثقال برة، ومن عنده مثقال ذرة، ومن عنده أدنى ذرة، والرابعة: من قال لا إله إلاّ اللّه محمد رسول اللّه مرة واحدة صدقًا من قلبه، ثم غفل عن استصحابها، قال الحميدي: لأنه إن قالها مرتين، فالثانية خير زائد على الإِيمان يرجع إلى أحد المقادير الأول (قال: ليس ذلك لك) وإنما أفعله تعظيمًا لإسمي وإجلالاً لتوحيدي، ولا يقال: أطلق تعالى في السؤال ووعدة الإِعطاء ووعده تعالى صدق، لأنه إنما وعد ما يمكن إعطاؤه وهذا غير ممكن، لأنه مما استأثر اللّه به، وإنما سأله المصطفى ظنًا أن إعطاءه ممكن، لأنه وإن علمه في الدنيا فيجوز أن ينساه في الآخرة لجواز النسيان عليه، ولا سيما ذلك اليوم، وقد يتعين هذا لأنه لا يجوز أن نبيًا يسأل ما يعلم أنه لا يمكن، قاله أبو عبد اللّه الأبي: (ولكن وعزتي:) غلبتي على الجبارين وقهري لهم (وكبريائي) عبارة عن كمال يقتضي ترفعًا على الغير، ولذا حرم في حق المخلوق ووجب للّه، لأن له الكمال المطلق، وأصله من كبر السن أو كبر الجرم (وعظمتي) بمعنى الكبرياء، لكنها لا تقضي تعظمًا على الغير كما يقتضيه الكبرياء، ولأنها تستعمل ٣٤٨ الفصل الثالث في أمور الآخرة إلا الله)). فالوارد على الخمسة أربعة، وما عداها لا يرد، كما لا ترد الشفاعة في التخفيف عن صاحبي القبرين وغير ذلك لكونه من جملة أحوال الدنيا. انتهى. فإن قلت: فأي شفاعة ادخرها مَِّ لأمته؟ أما الأولى فلا تختص بهم بل هي لإراحة الجمع كلهم، وهي المقام المحمود كما تقدم، وكذلك باقي الشفاعات الظاهر أنه يشاركهم فيها بقية الأمم. فالجواب: أنه يحتمل أن المراد الشفاعة العظمى التي للإراحة من هول الموقف وهي وإن كانت غير مختصة بهذه الأمة لكن هم الأصل فيها، وغيرهم تبع لهم، ولهذا كان اللفظ المنقول عنه عَّه فيها أنه قال: ((يا رب أمتي أمتي) فيما لا يستعمل فيه التعاظم، فيقال: كبير السن ولا يقال عظيمه. زاد في رواية مسلم وجبريائي بكسر الجيم لموازاة كبريائي كما قالوا الغدايا والعشايا والأصل وجبروتي وهو العظمة والسلطان والقهر: (لأخرجن) بفضلي بغير شفاعة (من النار من قال لا إله إلاَّ اللّه) من كل أمة، والظاهر أنه لا يأتي هنا احتمال التخصيص بالمحمدية (فالوارد) أي: الزائد لا أنه يعترض بها (على الخمسة أربعة) هي الشفاعة في أبي طالب وزائر القبر الشريف ومجيب المؤذن ومن استوت حسناته وسيئاته، ولم يعد زيادة القرطبي أنه أول شافع في دخول أمته الجنة قبل الناس، كأنه لأنها ليست بذاتها شفاعة وإنما خص بأوليتها (وما عداها لا يرد كما لا ترد الشفاعة في التخفيف عن صاحبي القبرين اللذين مر عليهما النبي عَّ﴾. فسمع صوتهما، فقال: يعذبان وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى كان أحدهما لا يستبرىء من بوله وكان الآخر يمشي بالنميمة، ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين، فوضع على كل قبر منهما كسرة، وقال: لعله يخفف عنهما ما لم تيبسا كما في الصحيحين (وغير ذلك لكونه من جملة أحوال الدنيا. انتهى) كلام الحافظ. (فإن قلت: فأي شفاعة ادخرها عَِّ لأمته، أما الأولى فلا تختص بهم، بل هي لإِراحة الجمع) أي: جمع الخلق (كلهم) من هول الموقف (وهي المقام المحمود كما تقدم، وكذلك باقي الشفاعات الظاهر أنه يشاركهم) أي: أمته (فيها بقية الأمم فالجواب أنه يحتمل أن المراد الشفاعة العظمى التي للإِراحة من هول الموقف، وهي وإن كانت غير مختصة بهذه الأمة، لكن هم الأصل فيها وغيرهم تبع لهم) فيها (ولهذا كان اللفظ المنقول عنه عٍَّ فيها) في الشفاعة العامة (أنه قال: يا رب أمتي أمتي) بناءً على إبقائه على ظاهره، ٣٤٩ الفصل الثالث في أمور الآخرة فدعا لهم فأجيب، وكان غيرهم تبعًا لهم في ذلك، ويحتمل أن تكون الشفاعة الثانية، وهي التي في إدخال قوم الجنة بغير حساب هي المختصة بهذه الأمة، فإن الحديث الوارد فيها: يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب، الحديث. ولم ينقل ذلك في بقية الأمم، ويحتمل أن يكون المراد مطلق الشفاعة المشتركة بين الشفاعات الخمس. وكون غير هذه الأمة يشاركونهم فيها أو في بعضها لا ينافي أن يكون عَّ أخر دعوته شفاعة لأمته، فلعله لا يشفع لغيرهم من الأمم بل يشفع لهم أنبياؤهم، ويحتمل أن تكون الشفاعة لغيرهم تبعًا كما تقدم مثله في الشفاعة العظمى، والله أعلم بالشفاعة التى ادخرها لأمته. وأنه لا تقصير فيه من الراوي ولا وهم (فدعا لهم فأجيب وكان غيرهم تبعًا لهم في ذلك) وهذا يصلح جوابًا عن إشكال الداودي السابق. (ويحتمل أن تكون الشفاعة الثانية وهي التي في إدخال قوم الجنة بغير حساب هي المختصة بهذه الأمة، فإن الحديث) الصحيح (الوارد فيها يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب ... الحديث) في الصحيحين عن ابن عباس مطولاً، وللترمذي وحسنه عن أبي أمامة: (رفعه وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب مع كل ألف سبعون ألفًا وثلاث حثيات من حثيات ربي))، ولأحمد وأبي يعلى عن الصديق رفعه: فاستزدت ربي فزادني مع كل واحد سبعين ألفًا، وللطبراني والبيهقي عن عمرو بن حزم الأنصاري رفعه: فأعطاني معٍ كل واحد من السبعين ألفًا سبعين ألفًا، قلت: رب وتبلغ أمتي هذا؟، قال: أكمل لك العدد من الأعراب، ولأحمد والبزار والطبراني عن عبد الرحمن بن أبي بكر، رفعه: ((إن ربي أعطاني سبعين ألفًا من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب))، فقال عمر: فهلا استزدته؟، قال: قد استزدته، فأعطاني مع كل رجل سبعين ألفًا، قال عمر: فهلا استزدته؟، قال: قد استزدته فأعطاني، هكذا وفرج بين يديه وبسط باعيه وحثا، وللطبراني بسند جيد رفعه: إن في أصلاب أصلاب أصلاب رجال من أصحابي رجالاً ونساء يدخلون الجنة بغير حساب، وظاهر أن لا تعارض لأنه أخبر بسبعين ألفًا قبل الاستزادة، فلما حصلت أخبر بها (ولم ينقل ذلك) أي: مثله (في بقية الأمم) فيقوي احتمال أنها الشفاعة التي ادخرها لأمته. (ويحتمل أن يكون المراد مطلق الشفاعة المشتركة بين الشفاعات الخمس وكون غير هذه الأمة يشاركونهم فيها) كلها (أو في بعضها لا ينافي أن يكون عليه السلام أخر دعوته شفاعة لأمته، فلعله لا يشفع لغيرهم من الأمم، بل يشفع لهم أنبياؤهم). (ويحتمل أن تكون الشفاعة لغيرهم تبعًا كما تقدم مثله في الشفاعة العظمى والله أعلم ٣٥٠ الفصل الثالث في أمور الآخرة وعن بريدة أن رسول الله عَ ليه قال: (إني لأرجو أن أشفع يوم القيامة عدد ما في الأرض من شجرة ومدرة)، رواه أحمد. وعن ابن عباس أن النبي معَّه قال: ((نحن آخر الأمم وأول من يحاسب، يقال: أين الأمة الأمية ونبيها، فنحن الآخرون الأولون))، رواه ابن ماجه. وفي حديث ابن عباس عند أبي داود الطيالسي مرفوعًا: ((فإذا أراد الله أن يقضي بين خلقه نادى مناد: أين محمد وأمته فأقوم وتتبعني أمتي غرا محجلين من أثر الطهور)). قال رسول الله عَّله: ((فنحن الآخرون الأولون وأول من يحاسب، وتفرج لنا الأمم عن طريقنا وتقول الأمم: كادت هذه الأمة أن تكون أنبياء كلها)). وقد صح أن أول ما يقضى بين الناس في الدماء. رواه البخاري. بالشفاعة التي ادخرها لأمته). (وعن بريدة) بضم الموحدة مصغر (أن رسول اللّه عَ ل قال: إني لأرجو) ورجاؤه محقق الوقوع (أن أشفع يوم القيامة) شفاعات كثيرة (عدد ما على الأرض) أو التقدير في جمع عددهم كعدد ما على الأرض والأول أولى لاقتضائه كثرة الشفاعات. وفي رواية الطبراني والبيهقي: لأكثر مما على وجه الأرض (من شجرة ومدرة) بفتحتين التراب المتليد واحدة مدر بزنة قصب وقصبة وقد جاء أيضًا بالجمع من شجر ومدر. (رواه أحمد) والطبراني في الأوسط والبيهقي (وعن ابن عباس؛ أن النبي معَّدٍ قال: نحن آخر الأمم) في الوجود في الدنيا (وأول من يحاسب) يوم القيامة (يقال: أين الأمة الأمية) نسبة إلى نبيها، فلا ينافي أن كثيرًا من الأمة يكتب (ونبيها، فنحن الآخرون) في الوجود (الأولون) في الحساب وغيره. (رواه ابن ماجه، وفي حديث ابن عباس عند أبي داود) سليمن بن داود بن الجارود (الطيالسي مرفوعًا: فإذا أراد الله أن يقضي بين خلقه نادى منادٍ) للتشريف: (أين محمد وأمته، فأقوم وتتبعني أمتي غرا محجلين من أثر الطهور) بضم الطاء وفتحها. (قال رسول اللّه عَله: فنحن الآخرون الأولون وأول من يحاسب وتفرج:) بفتح التاء وكسر الراء توسع (لنا الأمم عن طريقنا، وتقول الأمم: كادت) قاربت (هذه الأمة أن تكون أنبياء كلها) لما لهم من الشمائل الحسنة والنور الظاهر. (وقد صح أن أول ما يقضى) بضم أوله (بين الناس) يوم القيامة (في الدماء) التي جرت بينهم في الدنيا تعظيمًا لأمرها، فإن البداءة تكون بالأهم فالأهم وهي حقيقة بذلك، فإن الذنوب ٣٥١ الفصل الثالث في أمور الآخرة وللنسائي مرفوعًا: ((أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء)). وفي البخاري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: ((أنا أول من يجثو يوم القيامة بين يدي الرحمن للخصومة))، يريد قصته في مبارزته هو وصاحباه الثلاثة من كفار قريش. قال أبو ذر: وفيهم نزلت ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ [الحج/١٩]. وعن أبي هريرة: قال قال رسول الله عَّه: ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما عمل فيه، وعن ماله تعظم بحسب عظم المفسدة الواقعة بها، أو بحسب فوات المعصية المتعلقة بعدمها وهدم البنية الإِنسانية من أعظم المفاسد. قال: بعض المحققين: ولا ينبغي أن يكون بعد الكفر أعظم منه (رواه البخاري) في الرقاق والديات ومسلم في الحدود عن ابن مسعود، قال النبي عَ له: ((أول ما يقضي بين الناس في الدماء»، ولبعض رواة البخاري بالدماء بموحدة بدل في ولما احتمل اللفظ من حيث هو أن الأولية خاصة بما يقع الحكم فيه بين الناس وأنها أولية مطلقًا، وجاء ما يؤيد الأول، أتبعه به فقال: (وللنسائي) عن ابن مسعود مرفوعًا: (أول ما يحاسب عليه العبد) الإِنسان حرًا أو عبدًا ذكرًا أو، أنثى (الصلاة) لأنها أم العبادات وأول الواجبات بعد الإِيمان (وأول ما يقضي بين الناس في الدماء) لأنها أكبر الكبائر بعد الكفر ولا تناقض، لأن هذا في حق الخلق، والصلاة في حق الحق. قال الحافظ العراقي: وظاهر الأخبار أن الذي يقع أولاً المحاسبة على حق اللّه (وفي البخاري عن على بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: أنا أول من يجثو يوم القيامة بين يدي الرحمن للخصومة يريد) على (قصته في مبارزته) بإضافة المصدر للفاعل (هو وصاحباه) حمزة وعبيدة بن الحرث المطلبي (الثلاثة) بالنصب مفعول مبارزة (من كفار قريش) وهم شيبة بن ربيعة وأخوه عتبة بضم المهملة وإسكان الفوقية وابنه الوليد بن عتبة، ومرت قصتهم في بدر وتصحف اسم عتبة في عبارة بعتيبة، فحيرت من رآها. (قال أبو ذر: وفيهم نزلت: (﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم)) [الحج/ ١٩]) ومر أن الثلاثة الكفار قتلوا وأن عبيدة الصحابي استشهد. (وعن أبي هريرة) الذي في الترمذي عن أبي برزة الأسلمي (قال: قال رسول اللّه عَ له: ((لا تزول قدما عبد) عن الموضع الذي هو واقف فيه (يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن ٣٥٢ الفصل الثالث في أمور الآخرة من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وفي البخاري من حديث عائشة أن النبي عٍَّ قال: ((من نوقش الحساب عذب)). وروى البزار عن أنس بن مالك عن النبي عَ لّه قال: ((يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه العمل الصالح، وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه النعم عمره فيما أفناه) طاعة أم عصيان (وعن علمه فيما عمل به) هل أخلص فيه للّه تعالى أم لا ، كذا في النسخ: والذي في الترمذي علمه ما عمل فيه وله من رواية ابن مسعود وماذا عمل فيما علم (وعن ماله من أين اكتسبه) من حلال أو حرام أو شبهة (وفيما أنفقه) أفي وجوه الطاعات أو ضدها (وعن جسمه فيما أبلاه))) أي: أفناه. وفي رواية ابن مسعود: وعن شبابه فيما أبلاه (رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح) لكن عن أبي برزة الأسلمي لا عن أبي هريرة. ورواه أيضًا عن ابن مسعود مرفوعًا بلفظ: لا تزول قدما ابن عادم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وماذا عمل فيما علم، وعدها تارة أربعًا وأخرى خمسًا بالاعتبار، لأن السؤال عن المال کسبًا وإنفاقًا يعد مرة أو مرتين. (وفي البخاري) في العلم والرقاق ومسلم (من حديث عائشة: أن النبي عَِّ قال: من) مبتدأ موصول (نوقش) بضم أوله وكسر القاف صلة الموصول (الحساب) نصب على المفعولية، أي من ناقشه اللّه، أي استقصى حسابه (عذب) بضم أوله مبني للمفعول خبر المبتدأ. قال عياض: له معنيان، أحدهما: أن نفس مناقشة الحساب وعرض الذنوب والتوقيف على قبيح ما سلف والتوبيخ تعذيب، والثاني: أنه يفضي إلى استحقاق العذاب، إذ لا حسنة للعبد إلاّ من عند اللّه لإِقداره عليها وتفضيله عليه بها وهدايته لها، ولأن الخالص لوجهه قليل، ويؤيد هذا الثاني قوله في الرواية الأخرى هلك. وقال النووي: التأويل الثاني هو الصحيح، لأن التقصير غالب على الناس، فمن استقصى عليه ولم يسامح هلك وبقية الحديث، قالت: أي عائشة، قلت: أليس يقول الله فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا، قال ذلك العرض. (وروى البزار عن أنس بن مالك عن النبي عَّه، قال: يخرج) أي: يؤتى (لابن ءادم يوم القيامة ثلاثة دواوين، ديوان فيه العمل الصالح) الذي عمله في الدنيا (وديوان فيه ذنوبه، ٣٥٣ الفصل الثالث في أمور الآخرة من الله تعالى عليه، فيقول الله تعالى: لأصغر نعمة - أحسبه قال من ديوان النعم -: خذي بثمنك من عمله الصالح، فتستوعب عمله الصالح وتقول: وعزتك ما استوفيت، وتبقى الذنوب والنعم، وقد ذهب العمل الصالح فإذا أراد الله أن يرحم عبدًا، قال: يا عبدي، قد ضاعفت لك حسناتك، وتجاوزت عن سيئاتك - أحسبه قال: ووهبت لك نعمي)). وروى الإمام أحمد بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ ليه: (ليختصمن كل شيء يوم القيامة، حتى الشاتان فيما انتطحتا)). و ◌ّ جالس إذا رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه، وعن أنس: بینا رسول الله وديوان فيه النعم من اللّه عليه، فيقول اللّه لأَصغر نعمة أحسبه) أي: أظنه (قال من ديوان النعم:) يعني أنه تحقق أنه قال لأصغر نعمه دون قوله من ديوان النعم فلم يتحققه، وإنما ظنه (خذي بثمنك من عمله الصالح فتستوعب) تلك النعمة (عمله الصالح) كله (وتقول: وعزتك ما استوفيت) ثمني (وتبقى الذنوب والنعم). (وقد ذهب العمل الصالح) جملة حالية (فإذا أراد الله أن يرحم عبدًا، قال: يا عبدي قد ضاعفت لك حسناتك:) الحسنة بعشرة إلى أكثر مما شاء اللّه (وتجاوزت عن سيئاتك، أحسبه) أظنه (قال: ووهبت لك نعمي) وللطيراني عن واثلة رفعه: ((يبعث الله يوم القيامة عبدًا لا ذنب له، فيقول الله: بأي الأمرين أحب إليك أن أجزيك بعملك أو بنعمتي عليك، قال: رب أنت تعلم إني لم أعصك، قال: خذوا عبدي بنعمة من نعمي فما تبقى له حسنة إلاَّ استغرقتها تلك النعمة فيقول رب بنعمتك ورحمتك». (وروى الإمام أحمد بسند حسن عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه عَّ ليختصمن كل شيء) من الأشياء التي وقع فيها ما يوجب الخصومة (يوم القيامة حتى الشاتان فيما) أي: في أي شيء (انتطحتا) عدلاً من الحكم العدل ثم تكون البهائم كلها ترابًا، ولأحمد عن أبي هريرة، قال: يحشر الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطير فيبلغ من عدل اللّه أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كونا ترابًا، فذلك حين يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا، ولأحمد. في الزهد عن أبي عمران الجوني، قال: حدثت إن البهائم إذا رأت بني ادم قد تصدعوا من بين يدي اللّه صنفين صنفًا إلى الجنة وصنفًا إلى النار تناديهم البهائم يا بني ادم، الحمد لله الذي لم يجعلنا اليوم مثلكم لا جنة ثرجوا ولا عقاباً نخاف. (وعن أنس: بينا رسول اللّه عَلَّه جالس إذا رأيناه ضحك حتى بدت:) ظهرت (ثنايا»، ٣٥٤ الفصل الثالث في أمور الآخرة فقال له عمر: ما أضحكك يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، قال: ((رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة، فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي، فقال الله: ما تصنع بأخيك ولم يبق من حسناته شيءٍ؟ قال: يا رب فليتحمل من أوزاري - وفاضت عينا رسول الله عَّ له بالبكاء ثم قال : - إن ذلك ليوم عظيم، يحتاج الناس أن يحمل عنهم من أوزارهم، فقال الله للطالب: ارفع بصرك فانظر، فقال: يا رب أرى مدائن من ذهب وفضة مكللة باللؤلؤ، لأي نبي هذا، أو لأي صديق هذا، أو لأي شهيد هذا؟ قال: هذا لمن يعطي الثمن، فقال: يا رب، ومن يملك ذلك؟ قال: أنت تملكه، قال: بماذا؟ قال: بعفوك عن أخيك، قال: يا رب فإني قد عفوت عنه، قال الله تعالى: فخذ بيد أخيك وأدخله الجنة، فقال رسول الله عَ له عند ذلك: اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، فإن الله يصلح بين المسلمين [يوم القيامة])) رواه فقال له عمر بن الخطاب: (ما أضحكك يا رسول اللَّه؟) أفديك (بأبي أنت وأمي، قال:) أضحكني (رجلان:) أي خبر رجلين (من أمتي جثيا بين يدي رب العزة، فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي) بفتح الميم وكسر اللام (من أخي) في الدين (فقال اللّه) للطالب (ما تصنع بأخيك ولم يبق من حسناته شيء، قال يا رب فليحمل من أوزاري وفاضت:) سالت (عينا رسول اللّه عَطّ بالبكاء) شفقة ورأفة ورحمة على المؤمنين (ثم قال: إن ذلك ليوم عظيم يحتاج الناس) إلى (أن يحمل عنهم من أورزاهم، فقال اللّه) للطالب: (ارفع بصرك) إلى جهة العلو (فانظر، فقال: يا رب أرى:) أبصر (مدائن من ذهب وفضة مكللة باللؤلؤ) وفي نسخة: باللآلىء بالجمع (لأي نبي هذا، أو لأي صديق هذا، أو لأي شهيد هذا، قال: هذا لمن أعطي الثمن، قال: يا رب ومن يملك ذلك) الثمن (قال أنت تملكه، قال: بماذا) أي بأي شيء أملكه يا رب (قال: بعفوك عن أخيك، قال: يا رب فإني قد عفوت عنه، قال اللّه تعالى: فخذ بيد أخيك فأدخله الجنة) معك، فعفا بفضله عنهما جميعًا وأرضى الخصم عن مظلمته (فقال رسول اللّه عَِّ عند ذلك: اتقوا اللّه وأصلحوا ذات بينكم) أي: الحال الذي يقع به الاجتماع يتلاقى خلل الشيء (فإن اللّه يصلح بين المسلمين) وفي لفظ: المؤمنين (يوم القيامة) أي: يوفق بينهم بإلهام المظلوم العفو عن ظالمه وتعويضه عن ذلك بأحسن الجزاء. وللطبراني بسند حسن عن أنس رفعه: ((إذا التقى الخلائق يوم القيامة نادى منادٍ يا أهل الجمع تداركوا المظالم بينكم وثوابكم عليّ»، وله أيضًا عن أم هانىء رفعته: إن اللّه يجمع الأولين والآخرين يوم القيامة في صعيد واحد، ثم ينادي منادٍ من تحت العرش: يا أهل التوحيد ٣٥٥ الفصل الثالث في أمور الآخرة الحاكم والبيهقي في البعث، كلاهما عن عباد بن أبي شيبة الحبطي، عن سعيد بن أنس عنه، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. كذا قال. وقد نقل: لو أن رجلاً له ثواب سبعين نبيًّا، وله خصم بنصف دانق لم يدخل الجنة حتى يرضي خصمه. وقيل: يؤخذ بدائق سبعمائة صلاة مقبولة فتعطى للخصم. ذكره القشيري في التحبير. ثم بعد انقضاء الحساب يكون وزن الأعمال، لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقدير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها. إن اللّه عزّ وجلّ قد عفا عنكم، فيقوم الناس فيتعلق بعضهم ببعض في ظلامات، فينادي منادٍ: یا أهل التوحيد ليعفو بعضكم عن بعض وعليَّ الثواب. قال الغزالي: هذا محمول على من تاب من الظلم ولم يعد إليه وهم الأوابون في قوله تعالى: ﴿فإنه كان للأوابين غفورًا﴾ [الإسراء/ ٣٥]. قال القرطبي: وهذا تأويل حسن، قال: أو يكون فيمن له خبيئة من عمل صالحًا يغفرالله له به ويرضي خصماءه ولو كان عامًا في جميع الناس ما دخل أحد النار. (رواه الحاكم والبيهقي في البعث كلاهما) وكذا رواه أبو يعلى وسعيد بن منصور كلهم (عن عباد بن أبي شيبة الحبطي) بفتح المهملة والموحدة نسبة إلى الحبطات بطن من تميم (عن سعيد بن أنس، عنه) أي: عن أبيه أنس بن ملك (وقال الحاكم: صحيح الإسناد، كذا قال:) تبرأ منه لقول الذهبي عباد ضعفوه وشيخه سعيد لا يعرف فأنّى له الصحة. انتهى. ونزاعه إنما هو في الصحة وإلا فله شواهد ترفعه إلى درجة الحسن، منها حديث أنس وإسناده حسن وحديث أم هانىء السابقان. (وقد نقل: لو أن رجلاً له ثواب سبعين نبيًا وله خصم بنصف دائق لم يدخل الجنة حتى يرضى خصمه) هذا إن صح لا يعارض ذاك، لأن اللّه إذا أراد أرضى خصمه عنه وجازاه، فصدق أنه أرضى خصمه فليس فيه تقوية لتضعيف الحديث، كما أومأ له المصنف (وقيل: يؤخذ بدائق سبعمائة صلاة مقبولة فتعطى للخصم، ذكره القشيري) أبو القاسم (في التحبير). وهذا أيضًا لا يعارض، لأنها إذا أخذت وقد عفا اللّه أدخله الجنة برحمته، وقوله: (ثم بعد انقضاء الحساب يكون وزن الأعمال، لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقدير الأعمال والوزن لإظهار مقاديرها، ليكون الجزاء بحسبها) نقله في ٣٥٦ الفصل الثالث في أمور الآخرة وقد ذكر الله تعالى الميزان في كتابه بلفظ الجمع، وجاءت السنة بلفظ الإفراد والجمع، فقيل: إن صورة الإفراد محمولة على أن المراد الجنس، جمعًا بين الكلامين، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون تعددها بتعدد الأعمال، فيكون هناك موازين للعامل الواحد، يوزن بكل ميزان منها صنف من أعماله، ذهبت طائفة إلى أنها ميزان واحد يوزن بها للجميع، وإنما ورد في الآية بصيغة الجمع للتفخيم، وليس المراد حقيقة العدد، وهو نظير قوله: ﴿كذبت قوم نوح المرسلين﴾ التذكرة عن العلماء، وقال: أفاد بهذا تقديم الحساب على الميزان، وأن المراد بالحساب السؤال، ولهذا لا ميزان لمن يدخل الجنة بغير حساب ولا للكفار، وإنما الميزان للمخلصين من المؤمنين. قال السيوطي: ومن ثم بدىء بإلقاء الكفار في النار، قال: ولم يتعرض القرطبي للميزان والصراط أيهما قبل، لكن صنيعه وصنيع البيهقي يدلان على أن الميزان قبل، لأنهما ذكرا أبواب الميزان قبل الصراط، ووقع في كلام القرطبي نقلاً عن بعضهم استطرادًا ما يقتضي أن الحساب قبل الصراط، وفي أثر أيفع الكلاعي ما يقتضي أن الحساب على قناطر الصراط. انتهى. (وقد ذكر اللّه تعالى الميزان في كتابه بلفظ الجمع): ﴿ونضع الموازين القسط فمن ثقلت موازينه﴾ [المؤمنون / ١٠٢]، وأما قوله تعالى: ﴿والسماء رفعها ووضع الميزان﴾، فالمراد النهي عن عدم تحرير الوزن في معاملات الدنيا والأمر بإقامة العدل فيما بينهم (وجاءت السنة . بلفظ الإفراد) كقوله عَّةٍ: ((خلق اللّه كفتي الميزان مثل السماء والأرض». رواه ابن مردويه: وقوله عَُّله: ((يوضع الميزان يوم القيامة فلو وضعت فيه السموات والأرض لوسعت)) ... الحديث. رواه الحاكم (والجمع) كقوله عَّل: توضع الموازين، وكحديث حذيفة: صاحب الموازين يوم القيامة جبريل، رواه ابن جرير (فقيل) في وجه الجمع بينهما: (إن صورة الإفراد محمولة على أن المراد الجنس) الصادق بالمتعدد (جمعًا بين الكلامين، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون تعددها بتعدد الأعمال فيكون هناك موازين للعامل الواحد يوزن بكل واحد منها صنف من أعماله) كما قال الشاعر: ملك تقوم الحادثات لأجله فلكل حادثة لـها ميزان (وذهبت طائفة) وهم الأكثرون (إلى أنها ميزان واحد يوزن بها للجميع، وإنما ورد في الآية بصيغة الجمع للتفخيم وليس المراد حقيقة العدد) أي: الجمع الذي أقله ثلاثة (وهو نظير قوله تعالى: (﴿كذبت قوم نوح المرسلين)) [الشعراء/ ١٠٥]، (والمراد رسول واحد) وهو نوح ٣٥٧ الفصل الثالث في أمور الآخرة [الشعراء/١٠٥]، والمراد رسول واحد، وهذا هو المعتمد، وعليه الأكثرون. واختلف في كيفية وضع الميزان، والذي جاء في أكثر الأخبار، أن الجنة توضع عن يمين العرش، والنار عن يسار العرش، ثم يؤتى بالميزان، فينصب بين يدي الله تعالى، فتوضع كفة الحسنات مقابل الجنة، وكفة السيئات مقابل النار. ذكره الحكميم الترمذي في ((نواد الأصول)). واختلف أيضًا في الموزون نفسه. فقال بعضهم: توزن الأعمال نفسها. وهي وإن كانت أعراضًا إلا أنها تجسم يوم القيامة فتوزن، وقال بعضهم: الموزون صحائف الأعمال، ويدل له حديث البطاقة المشهور، وقد رواه الترمذي، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي، يرفعه بلفظ: ((إن الله يستخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل منها مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ عليه السلام (وهذا هو المعتمد وعليه الأكثرون) وقيل: الجمع باعتبار العباد وأنواع الموزونات. (واختلف في كيفية وضع الميزان، والذي جاء في أكثر الأخبار أن الجنة توضع عن يمين العرش والنار عن يسار العرش، ثم يؤتى بالميزان) مذكر وأصله الواو لجمعه على موازين (فينصب بين يدي اللّه تعالى، فتوضع كفة الحسنات مقابل الجنة وكفة السيئات مقابل النار) بتثليث كاف كفة، كما ذكره صاحب القاموس في كتابه المثلثات. (ذكره الحكيم الترمذي) محمد بن علي (في نوادر الأصول) اسم كتاب له (واختلف أيضًا في الموزون نفسه، فقال بعضهم: توزن الأعمال نفسها، وهي وإن كانت أعراضًا) والعرض لا يقوم بنفسه ولا يوصف بخفة ولا ثقل (إلاّ أنها تجسم يوم القيامة فتوزن) كما جاء عن ابن عباس ولا يلزم من ذلك محال لذاته وإن عجزت عقولنا عن إدراكه فنكل علمه إلى الله ولا نشتغل بكيفيته (وقيل الموزون صحائف الأعمال) وصححه ابن عبد البر والقرطبي (ويدل له حديث البطاقة المشهور). (وقد رواه الترمذي) وقال: حسن غريب، وابن ماجه وابن حبان والحاكم. وصححه البيهقي (من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي، يرفعه بلفظ: إن الله يستخلص رجلاً) وفي رواية ابن ماجه: يصاح برجل (من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً مائة إلاَّ واحدًا (كل سجل منها مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا، أظلمك كتبتي الحافظون؟، فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك ٣٥٨ الفصل الثالث في أمور الآخرة فيقول: لا، يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا، يا رب، فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فقال: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء). فإن قلت: إن من شأن الميزان أن يوضع في كفته شيء وفي الأخرى ضده، فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة، والذي يقابل شهادة التوحيد الكفر، ويستحيل أن يأتي عبد واحد بالكفر والإيمان معًا حتى يوضع الإيمان في كفة والكفر في أخرى. أجاب الترمذي الحكيم: بأنه ليس المراد وضع شهادة التوحيد في كفة الميزان، وإنما المراد وضع الحسنة المترتبة على النطق بهذه الكلمة مع سائر عذر) في فعل ذلك؟ (فيقول: لا يا رب) لفظ الحديث عند المذكورين، فيقول: أفلك عذر أو حسنة فيهاب الرجل؟، فيقول: لا يا رب (فيقول: بلى. إن لك عندنا حسنة) فهذا جواب لقوله: أو حسنة، الساقط من قلم المصنف أو كتابه؛ (وأنه لا ظلم عليك اليوم فيخرج بطاقة) رقعة صغيرة مكتوبًا (فيها أشهد أن لا إله إلاَّ اللّه وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟، فقال: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفه، فطاشت) خفت (السجلات وثقلت البطاقة فلا يثقل مع اسم الله شيء) إذ لا شيء يعدله، وقيل: یوزن العبد مع عمله، ويؤيده حديث أحمد بسند حسن عن ابن عمرو بن العاصي، مرفوعًا: ((توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى الرجل فيوضع في كفة ويوضع ما أحصي عليه فيتمايل به الميزان فيبعث به إلى النار، فإذا أدبر به إذا صائح يصيح من عند الرحمن لا تعجلوا لا تعجلوا، فإنه قد بقي له، فيؤتى ببطاقة فيها لا إله إلا اللّه فتوضع مع الرجل في كفة حتى يميل به الميزان)) (فإن قلت: إن من شأن الميزان أن يوضع في كفته شيء وفي الأخرى ضده، فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة، والذي يقابل شهادة التوحيد الكفر، ويستحيل أن يأتي عبد واحد بالكفر والإِيمان معًا حتى يوضع الإِيمان في كفة، والكفر في كفة) إذ الضدان لا يجتمعان قلت: (أجاب الترمذي الحكيم بأنه ليس المراد وضع شهادة التوحيد في كفة الميزان) حتى يجتمع الضدان (وإنما المراد وضع الحسنة المترتبة على النطق بهذه الكلمة مع سائر الحسنات، ويدل لما قاله قوله: بلى إن ٣٥٩ الفصل الثالث في أمور الآخرة الحسنات. ويدل لما قاله قوله: ((بلى إن لك عندنا حسنة)) ولم يقل لك عندنا إيمانًا. وقد سئل عَّ اللّه عن لا إله إلا الله، أمن الحسنات هي؟ فقال من أعظم الحسنات. أخرجه البيهقي وغيره. ويجوز - كما قاله القرطبي في التذكرة - أن تكون هذه الكلمة هي آخر كلامه في الدنيا، كما في حديث معاذ: قال رسول الله عَِّ: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)). وفي ((التحبير)) للقشيري: قيل لبعضهم في المنام: ما فعل الله بك؟ قال: وزنت حسناتي فرجحت السيئات على الحسنات، فسقطت صرة في كفة الحسنات فرجحت، فحلت الصرة فإذا فيها، كف تراب ألقيته في قبر مسلم. لك عندنا حسنة ولم يقل لك عندنا إيمانًا، وقد سئل عليه السلام عن لا إله إلا اللّه أمن الحسنات هي، فقال: من أعظم الحسنات). (أخرجه البيهقي وغيره) قال القرطبي: وتوز أعمال الجن كما توزن أعمال الإِنس (ويجوز كما قاله القرطبي في التذكرة أن تكون هذه الكلمة هي آخر كلامه في الدنيا كما في حديث معاذ) بن جبل عند أحمد وأبي داود والحاكم، وصححه قال: (قال رسول اللّه عَلّ﴾. من كان آخر كلامه) في الدنيا، قال أبو البقاء آخر بالرفع اسم كان و (لا إله إلاّ اللّه) في موضع نصب خبر ویجوز عکسه. انتھی. فإن قيل: أهل الكتاب ينطقون بكلمة التوحيد فلم لم يذكر قرينتها، أجاب الطيبي بأن قرينتها صدورها عن صدر الرسالة، قال الكشاف في إنما يعمر مساجد الله من آمن باللّه لما علم وشهر أن الإِيمان بالله قرينته الإِيمان بالرسول لاشتمال كلمة الشهادة عليهما مزدوجين كأنهما واحد غير منفك أحدهما عن صاحبه انطوى تحت ذكر الإِيمان بالله الإِيمان برسوله (دخل الجنة) لأنهما شهادة شهد بها عند الموت وقد ماتت شهواته وذهلت نفسه لما حل به من هول الموت وذهب حرصه ورغبته وسكنت أخلاقه السيئة وذل وانقاد لربه، فاستوى ظاهره بباطنه، فغفر له بهذه الشهادة لصدقها، وقائلها في الصحة قلبه مشحون بالشهوات والمنى ونفسه شرهة بطرة ميتة على الدنيا عشقًا وحرصًا، فلا يستوجب المغفرة بها إلاّ بعد رياضة نفسه وموت شهواته وصفاته عن التخليط. (وفي التحبير للقشيري، قيل لبعضهم في المنام: ما فعل اللّه بك؟، قال: وزنت حسناتي) وسيئاتي (فرجحت السيئات على الحسنات، فسقطت صرة في كفة الحسنات فرجحت) الحسنات (فحلت الصرة، فإذا فيها كف تراب ألقيته في قبر مسلم) بحسن نية ٣٦٠ الفصل الثالث في أمور الآخرة وفي الخبر: إذا خفت حسنات المؤمن أخرج رسول الله عَ لّه بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان التي فيها الحسنات فترجح الحسنات، فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي عَّ ◌ُله: بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك، فمن أنت؟ فيقول أنا نبيك محمد، وهذه صلاتك عليَّ وقد وفيتك إياها أحوج ما تكون إليها. ذكره القشيري في تفسيره. وذكر الغزالي أنه يؤتى برجل يوم القيامة، فما يجد حسنة يرجح بها ميزانه، وقد اعتدلت بالسوية، فيقول الله له - رحمة منه -: إذهب في الناس فالتمس من وانكسار، وعلم بأني صائر إلى ذلك وأن لذات الدنيا التي حصلت لي كلاشيء. (وفي الخبر: إذا خفت حسنات المؤمن أخرج رسول اللّه عَئلة) من حجزته (بطاقة) بيضاء (كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان التي فيها حسناته، فترجح الحسنات فيقول ذلك العبد) بعد أن يؤمر به إلى الجنة (للنبي عَّه بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك فمن أنت؟، فيقول: أنا نبيك محمد وهذه صلاتك عليّ وقد وفيتك إياها أحوج ما تكون إليها، ذكره القشيري في تفسيره). وأخرجه ابن أبي الدنيا مطولاً عن عبد الله بن عمر، وقال: إن لآدم من اللّه عزّ وجلّ موقفًا في فسح من العرش عليه ثوبان أخضران كأنه نخلة سحوق ينظر إلى من ينطلق به من ولده إلى الجنة والنار، فبينما ءادم على ذلك إذ نظر إلى رجل من أمة محمد عَّ﴾ ينطلق به إلى النار، فينادي ءادم: يا أحمد يا أحمد، فيقول: لبيك يا أبا البشر، فيقول: هذا رجل من أمتك منطلق به إلى النار، فأشد المئزر وأسرع في أثر الملائكة وأقول: يا رسل ربي قفوا، فيقولون: نحن الغلاظ الشداد لا نعصي اللّه ما أمرنا ونفعل ما نؤمر، فإذا أيس عَل قبض على لحيته بيده اليسرى واستقبل العرش بوجهه، فيقول: رب قد وعدتني أن لا تخزيني في أمتي، فيأتي النداء من عند العرش: أطيعوا محمدًا وردوا هذا العبد إلى المقام، فأخرج من حجزتي بطاقة بيضاء كالأنملة فألقيها في كفة الميزان اليمنى وأنا أقول: بسم اللّه، فترجح الحسنات على السيئات فينادي: سعد وسعد جده وثقلت موازينه، انطلقوا به إلى الجنة، فيقول: يا رسل ربي قفوا حتى أسأل هذا العبد الكريم على ربه، فيقول: بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وأحسن خلقك من أنت فقد أقلتني عثرتي ورحمت عبرتي؟، فأقول: أنا نبيك محمد وهذه صلائك التي كنت تصلي عليَّ وافتك ◌ُحوج ما تكون إليها. (وذكر الغزالي أنه يؤتى برجل يوم القيامة فما يجد حسنة ترجح بها ميزانه وقد اعتدلت بالسوية) لتساوي حسناته وسيئاته (فيقول اللّه تعالى له رحمة منه: اذهب في الناس