النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ الفصل الثالث في أمور الآخرة العرش)) ليس بمدفوع لا من جهة النقل ولا من جهة النظر. وقال ابن عطية: هو كذلك إذا حمل على ما يليق به قال: وبالغ الواحدي في رد هذا القول: ونقل النقاش عن أبي داود صاحب السنن أنه قال: من أنكر هذا القول فهو متهم. وقد جاء عن ابن مسعود عند الثعلبي، وعن ابن عباس عند أبي الشيخ قال: إن محمدًا يوم القيامة يجلس على كرسي الرب بين يدي الرب، فيحتمل أن تكون الإضافة إضافة تشريف، وعلى ذلك يحمل ما جاء عن مجاهد وغيره، ويحتمل أن يكون المراد بالمقام المحمود الشفاعة كما هو المشهور، وأن يكون الإجلاس هي المنزلة المعبر عنها بالوسيلة. كذا قاله بعضهم، ويحتمل أن يكون الإجلاس علامة الإذن في الشفاعة. بمدفوع لا من جهة النقل) لأنه لم ينفرد به (ولا من جهة النظر) وأشار للثاني بقوله (وقال ابن عطية: هو كذلك إذا حمل على ما يليق به) من أنها معية تشريف (قال: وبالغ الواحدي في رد هذا القول) بما قدمه المصنف آنفًا. وأشار للأول بقوله: (ونقل النقاش) المفسر (عن أبي داود صاحب السئن) سليمان بن الأشعث احترازًا على الطيالسي أبي داود وسليمن بن داود صاحب المسند (أنه قال: من أنكر (هذا القول فهو متهم) بعدم المعرفة حيث أنكر شيئًا ثابتًا بمجرد ما قام في عقله (و) لم ينفرد به مجاهد، فإنه (قد جاء عن ابن مسعود عند الثعلبي) ويقال له أيضًا الثعالبي وهو شيخ الواحدي. (وعن ابن عباس عند أبي الشيخ، قال: إن محمدًا يوم القيامة يجلس على كرسي الرب بين يدي الرب) وهذا له حكم الرفع، لأنه جاء عن صحابي ولا دخل للرأي فيه (فيحتمل أن تكون الإضافة إضافة تشريف، وعلى ذلك يحمل ما جاء عن مجاهد وغيره) كما مر ولا فساد فيه ولا قبح (ويحتمل أن يكون المقام المحمود الشفاعة كما هو المشهور وأن يكون الإجلاس) على الكرسي والعرش (هي) أنت لمراعاة الخبر وهو (المنزلة المعبر عنها بالوسيلة). (كذا قاله بعضهم: ويحتمل أن يكون الإجلاس علامة الإِذن في الشفاعة) وعلى ذلك فلا ينافي المشهور، وقيل: المقام المحمود أخذه بحلقة باب الجنة، وقيل: إعطاؤه لواء الحمد. وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن أبي هلال أنه بلغه أن المقام المحمود الذي ذكر اللّه أن النبي عَّ يكون يوم القيامة بين الجبار وبين جبريل يغبطه لمقامه ذلك أهل الجمع ورجاله ثقات. لكنه مرسل، وعنده أيضًا عن علي بن الحسين بن علي: أخبرني رجل من أهل العلم أن ٣٢٢ الفصل الثالث في أمور الآخرة واختلف في ((فاعل)) الحمد في قوله تعالى: ﴿محمودًا﴾ فالأكثر على أن المراد به أهل الموقف، وقيل: النبي عَّهِ، أي أنه يحمد عاقبة ذلك المقام بتهجده في الليل، والأول أرجح لما ثبت في حديث ابن عمر بلفظ: ((مقامًا محمودًا يحمده أهل الجمع كلهم)) ويجوز أن يحمل على أعم من ذلك، أي: مقامًا يحمده القائم فيه وكل من عرفه، وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات، واستحسن هذا أبو حيان، وأيده بأنه نكرة فدل على أنه ليس المراد مقامًا مخصوصًا. انتهى. فإن قلت: إذا قلنا بالمشهور، أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة، فأي شفاعة هي؟ فالجواب: إن الشفاعة التي وردت في الأحاديث، في المقام المحمود نوعان: النوع الأول: العامة في فصل القضاء، والثاني: في الشفاعة في إخراج المذنبين من النار، لكن الذي يتجه: رد هذه الأقوال كلها إلى الشفاعة العظمى النبي عَّم قال: تمد الأرض مد الأديم ... الحديث. وفيه: ثم يؤذن لي في الشفاعة فأقول: أي رب عبادك عبدوك في أطراف الأرض، قال: فذلك المقام المحمود رجاله ثقات وهو صحيح إن كان الرجل صحابيًا كما في الفتح. (واختلف في فاعل الحمد في قوله تعالى: ﴿محمودًا﴾، فالأكثر أن المراد به أهل الموقف) يحمدونه (وقيل:) فاعله (النبي عٍَّ، أي: أنه يحمد عاقبة ذلك المقام بتهجده في الليل) المأمور به أول الآية (والأول) أي أهل الموقف (أرجح لما ثبت في حديث ابن عمر: مقامًا محمودًا يحمده أهل الجمع كلهم) فهذا نص صريح (ويجوز) مع ذلك (أن يحمل على أعم من ذلك، أي: يحمده القائم فيه) عَّهِ (و) يحمده (كل من عرفه) وهم أهل الجمع (وهو مطلق في كل ما يجلبه) بجيم وموحدة، أي: يسببه (الحمد من أنواع الكرامات، واستحسن هذا) الحمل على الأعم (أبو حيان وأيده بأنه نكرة، فدل على أنه ليس المراد مقامًا مخصوصًا ... اهـ). (فإن قلت: إذا قلنا بالمشهور أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة، فأي شفاعة هي) لأن له عَِّ عدة شفاعات تأتي (فالجواب أن الشفاعة التي وردت في الأحاديث في المقام المحمود نوعان: النوع الأول العامة في فصل القضاء) بين الخلائق (و) النوع (الثاني في الشفاعة في إخراج المذنبين من النار، لكن الذي يتجه رد) أي: ترجع (هذه الأقوال) ٣٢٣ الفصل الثالث في أمور الآخرة العامة، فإن إعطائه لواء الحمد، وثناءه على ربه وكلامه بين يديه، وجلوسه على كرسيه كل ذلك صفات للمقام المحمود الذي يشفع فيه ليقضى بين الخلق. وأما شفاعته في إخراج المذنبين من النار فمن توابع ذلك، وقد أنكر بعض المعتزلة والخوارج الشفاعة في إخراج من أدخل النار من المذنبين وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ [المدثر/٤٨] وقوله تعالى: ﴿ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع﴾ [غافر/١٨]. وأجاب أهل السنة بأن هذه الآيات في الكفار. قال القاضي عياض: مذهب أهل السنة جواز الشفاعة عقلاً، ووجوبها سمعًا، لصريح قوله تعالى: ﴿يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا﴾ [طه/١٠٩] وقوله: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ [الأنبياء/٢٨] وكقوله: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾ المفسر بها عند الأكثرين، كما قدمنا. المذكورة في المقام المحمود (كلها إلى الشفاعة العظمى العامة) في فصل القضاء (فإن إعطاءه لواء الحمد وثناءه على ربه وكلامه بين يديه وجلوسه على كرسيه) أو عرشه (كل ذلك صفات للمقام المحمود الذي يشفع فيه ليقضي بين الخلق). (وأما شفاعته في إخراج المذنبين من النار فمن توابع ذلك) فلا تراد استقلالاً (وقد أنكر بعض المعتزلة والخوارج الشفاعة في إخراج من أدخل النار من المذنبين) فأما الشفاعة في فصل القضاء فلم يكذب بها أحد من المعتزلة ولا غيرهم، قاله الفاكهاني (وتمسكوا بقوله تعالى: ((فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾) [المدثر/ ٤٨]، من الملائكة والأنبياء والصالحين، والمعنى لا شفاعة لهم (وقوله تعالى: ﴿ما للظالمين﴾) الكافرين (﴿من حميم)) محب ﴿ولا شفيع يطاع﴾ الآية) لا مفهوم للوصف؛ إذ لا شفيع لهم أصلاً، فما لنا من شافعين أوله مفهوم بناءً على زعمهم أن لهم شفعاء، أي: لو شفعوا فرضًا لم يقبلوا. (وأجاب أهل السّة بأن هذه الآيات في الكفار) فلا حجة فيها (قال القاضي عياض: مذهب أهل السنّة جواز الشفاعة عقلاً إذ ليست بمحال فيه (ووجوبها) ثبوتها (سمعًا لصريح قوله تعالى: ﴿يومئذٍ لا تنفع الشفاعة﴾) أحدًا (﴿إلا من أذن له الرحمن﴾) أن يشفع له (﴿ورضي له قولاً﴾) بأن يقول: لا إله إلا اللّه، ووجه صراحته أن الاستثناء من النفي إثبات (وقوله تعالى: ﴿ولا يشفعون﴾) أي الملائكة (﴿إلا لمن ارتضى﴾) اللّه سبحانه أن يشفعوا له (وكقوله: عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا المفسر بها) أي: بالشفاعة العظمى (عند ٣٢٤ الفصل الثالث في أمور الآخرة وقد جاءت الأحاديث التي بلغ مجموعها التواتر بصحة الشفاعة في الآخرة المذنبي المؤمنين، وعن أم حبيبة قالت: قال رسول الله عَّهِ: أريت ما تلقي أمتي من بعدي، وسفك بعضهم دماء بعض، وسبق لهم من الله ما سبق للأمم قبلهم فسألت الله أن يوليني فيهم شفاعة يوم القيامة ففعل. وفي حديث أبي هريرة لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبىء دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة. وفي رواية أنس: فجلعت دعوتي شفاعة لأمتي. وهذا من مزيد شفقته علينا، وحسن تصرفه حيث جعل دعوته المجابة في أهم أوقات حاجاتنا، فجزاه الله عنا أفضل الجزاء. وعن أبي هريرة؛ قلت: يا رسول الله ماذا ورد عليك في الشفاعة؟ فقال: شفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا الله مخلصًا يصدق لسانه قلبه. الأكثرين كما قدمته) وليس النزاع فيها إنما هو في الشفاعة للمذنبين، ففي الاستدلال بالآية عنده شيء (وقد جاءت الأحاديث التي بلغ مجموعها التواتر بصحة) أي: وقوع (الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين) فلا معنى لإِنكارها لحصول القطع بها وأخرج الحاكم والبيهقي وصححاه (عن أم حبيبة) أم المؤمنين (قالت: قال رسول اللّه عَّله: أريت) بضم الهمزة وكسر الراء، أي أراني اللّه تعالى (ما تلقى أمتي من بعدي) بعد وفاتي (وسفك بعضهم دماء بعض) أسقط من لفظه: فأحزنني (وسبق لهم من اللّه) في علمه (ما سبق). وفي رواية: وسبق لهم ذلك من اللّه كما سبق (للأمم قبلهم، فسألت الله أن يوليني فيهم شفاعة يوم القيامة، ففعل) ذلك. (وفي حديث أبي هريرة: لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها وأريد أن أختبىء:) ادخر (دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة) تقدم شرحه في آخر المقصد التاسع. (وفي رواية أنس) عند مسلم: (فجعلت دعوتي شفاعة لأمتي وهذا من مزيد شفقته علينا وحسن تصرفه، حيث جعل دعوته المجابة) على سبيل القطع (في أهم أوقات حاجاتنا، فجزاه الله عنا أفضل الجزاء). (وعن أبي هريرة: قلت: يا رسول اللّه ماذا ورد عليك) من الوحي ومنه الإِلهام من اللّه (في) شأن (الشفاعة، قال: شفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا اللّه) أي ومحمد رسول الله (مخلصًا يصدق لسانه) بالرفع فاعل (قلبه) مفعول، أي: يخبر لسانه عن صدق قلبه، فلیس کالمنافقین الذین یقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ویجوز عگسه. ٣٢٥ الفصل الثالث في أمور الآخرة وعن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَظ له: (أنا سيد الناس يوم القيامة، هل تدرون مم ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعي، وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس ألا ترون إلى ما أنتم فيه، إلى ما بلغتم، ألا تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم، فيأتونه فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، (وعن أبي زرعة) بن عمرو بن جرير بن عبد الله البحلي الكوفي، قيل: اسمه هرم، وقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير (عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه عَ لَّه أنا سيد الناس) عادم وجميع ولده، أي: أنا الفائق المفزوع إليه في الشدائد وخص (يوم القيامة) لارتفاع دعوى السؤدد فيها لغيره، كقوله: لمن الملك اليوم، خص السؤال به لأنه يوم تنقطع فيه الدعاوي، ولأنه يستلزم سيادته في الدنيا بطريق الأولوية ونهيه عن التفضيل على طريق التواضع (هل تدرون مم ذلك). وفي رواية: ذاك بألف بدل اللام (يجمع اللّه الأولين والآخرين في صعيد واحد) أرض واسعة مستوية (فيبصرهم الناظر) أي: يحيط بهم بصر الناظر بحيث لا يخفى عليه منهم شيء الاستواء الأرض وعدم الحجاب. وفي رواية: وينفذهم البصر بتحتية مفتوحة وذال معجمة على الأصح، أي: تحيط بهم أبصار الناظرين من الخلق الاستواء الصعيد، وهذا أوجه من قول أبي عبيد بصر الرحمن، لأن اللّه أحاط بالناس أولاً وآخرًا في الصعيد المستوى وغيره (ويسمعهم الداعي) بضم الياء من الإِسماع، أي: إذا دعاهم سمعوه (وتدنو الشمس) من جماجم الناس حتى تكون قاب قوسين ويزاد في حرها عشر سنين كما مر (فيبلغ الناس) بالنصب، أي يصل إليهم (من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون) فاعل يبلغ (فيقول الناس: ألا) بفتح الهمزة وخفة اللام (ترون إلى ما أنتم فيه) من الغم والكرب (إلى ما بلغكم) بدل من قوله: إلى ما أنتم فيه. وفي رواية مسلم: ألاَّ ترون ما قد بلغكم، أي: وصل إليكم، ويقع في أكثر نسخ المواهب: بلغتم بمثناة بدل الكاف ولا وجود لها في الصحيحين ولا في أحدهما (ألا تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربكم) حتى يريحكم من مكانكم هذا (فيقول بعض الناس:) هم رؤساء الأمم كما في الفتح، وقال ابن برجان: رؤساء اتباع الرسل (لبعض أبوكم وادم) وفي رواية: ائتوا ءادم، وللبخاري: عليكم بآدم (فيأتونه فيقولون: يا ءادم أنت أبو البشر) وشأن الأب الحنان والشفقة (خلقك الله بيده) بقدرته بغير واسطة (ونفخ فيك من روحه) بأن أمر الروح أن ٣٢٦ الفصل الثالث في أمور الآخرة وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن نفيه وما بلغنا؟ فقال: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، وإنه نهائي عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا تدخل في جسدك وتجري مجرى نفسك. قال الكرماني: الإِضافة إلى اللّه لتعظيم المضاف وتشريفه (وأمر الملائكة فسجدوا لك) كلهم (وأسكنك الجنة) وفي رواية للبخاري: وأسكنك جنته وعلمك أسماء كل شيء وذكروا هذا إشارة إلى أن من حوى هذه الفضائل أهل للشفاعة، ولذا قدموها على قولهم: (ألاً) بأداة العرض (تشفع لنا إلى ربك ألاَّ ترى ما نحن فيه) من الغم والكرب (وما بلغنا) بفتح الغين على الصحيح المعروف، ويدل له قوله: قبل، ألاَّ ترون إلى ما قد بلغكم، ولو كان بإسكان الغين لقال بلغتم، قاله النووي. وفي رواية للشيخين: ألاَّ ترى ما نحن فيه، ألاَّ ترى إلى ما قد بلغنا (فقال: إن ربي غضب) بكسر الضاد (اليوم غضبًا لم يغضب) بفتح الضاد فيهما (قبله مثله ولا يغضب). كذا رواها الحموي والمستملي في البخاري بلفظ: لا، ورواه غيرهما فيه، وكذا رواه مسلم بلفظ: ولن يغضب بلن (بعده مثله) وكل من لن، ولا يفيد النفي في المستقبل، والمراد من الغضب كما قال الكرماني لازمه وهو إرادة إيصال العذاب، وقال النووي: المراد به ما يظهر من انتقامه ممن عصاه وما شاهده أهل الجمع من الأهوال التي لم تكن ولا يكون مثلها (وأنه) بالواو ودونها روايتان (نهاني عن الشجرة) أي: عن الأكل منها (فعصيته) وأكلت منها (نفسي نفسي نفسي) ذکرها ثلاثًا. وفي رواية للشيخين أيضًا: مرتين، أي: نفسي هي التي تستحق أن يشفع لها، إذ المبتدأ والخبر إذا اتحدا، فالمراد بعض لوازمه، إذ قوله: نفسي مبتدأ والخبر محذوف، وفي حديث أنس عند سعيد بن منصور: إني أخطأت وأنا في الفردوس، فإن يغفر لي اليوم حسبي. وكذا عنده في بقية الأنبياء بعده، ومن البديهي أن المصنف لم يذكر ذلك لأنه إنما ساق حديث أبي هريرة في الصحيحين وليس فيه ذلك، لا للإِشعار بأنه ليس ذنبًا يستغفر منه، وإنما قالوه تعظيمًا للّه وأنه لا ينبغي أن يوجد من مثلهم خلاف الأولى فضلاً عن الذنب، فإن هذا وإن كان ظاهرًا في نفسه لكن لو كان كذلك لترك المصنف الحديث بالمرة، إذ ليس بأشد من قوله نهائي فعصيته. وفي رواية أنس في الصحيح: فيقول: لست لها، وفي لفظ: لست هناكم، وفي حديث حذيفة: لست بصاحب ذاك، فالمعنى إن هذا المقام ليس لي بل لغيري (اذهبوا إلى غيري) زاد ٣٢٧ الفصل الثالث في أمور الآخرة إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحًا عليه السلام فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل بعث إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدًا شكورًا، ألا ترى إلى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما بلغنا، ألا تشفع لنا إلا ربك؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة، دعوت بها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم عليه السلام فيقولون: أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن یغضب بعده مثله، وإني كنت كذبت ثلاث كذبات، فذكرها، نفسي نفسي في حديث سلطن: فيقولون: إلى من تأمرنا، فيقول: اثتوا عبدًا شاكرًا (اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحًا فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل بعث إلى) قومه من (أهل الأرض وقد سماك اللّه) في كتابه (عبدًا شكورًا) أي: كثير الشكر حامدًا في جميع أحواله (ألاَّ ترى إلى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما بلغنا) بفتح الغين (ألا تشفع لنا إلى ربك) حتى يريحنا من مكاننا (فيقول) نوح: (إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب). وفي رواية: ولن يغضب (بعده مثله) أي: أنه ظهر من انتقامه من العصاة وأليم عقابه ما لم يكن قبل ولا يوجد بعد (وأنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي) هي التي أغرق بها أهل الأرض، يعني: أن له دعوة واحدة محققة الإِجابة وقد استوفاها بدعائه على أهل الأرض، فیخشی أن یطلب فلا یجاب. وفي حديث أنس عند الشيخين: ويذكر خطيئته التي أصاب سؤاله ربه بغير علم، فجمع بينهما بأنه اعتذر بأمرين، أحدهما أنه استوفى دعوته المستجابة، وثانيهما سؤاله ربه بغير علم، حيث قال: إن ابني من أهلي، فخشى أن تكون شفاعته لأهل الموقف من ذلك (نفسي نفسي نفسي) ثلاث مرات، أي: هي التي تستحق أن يشفع لها. وفي رواية: مرتين (اذهبوا إلى غيري) زاد في رواية سلمن: فيقولون إلى من تأمرنا، فيقول: (اذهبوا إلى إبراهيم) زاد في حديث أنس خليل الرحمن: (فيأتون إبراهيم فيقولون:) يا إبراهيم (أنت نبي اللّه وخليله من أهل الأرض) لا ينفي وصف الخلة الثابت للمصطفى على وجه أعلى من إبراهيم (اشفع لنا إلى ربك، ألاَّ ترى ما نحن فيه، فيقول لهم: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني كنت كذبت ثلاث كذبات) بفتحات (فذكرها) لفظ البخاري، فذكرهن أبو حيان في الحديث، أي: ذکرهن يحيى بن سعيد التيمي تيم الرباب الراوي عن أبي زرعة، وانتصرهن من بعده في مسلم من طريق عمارة بن ٠ ٣٢٨ الفصل الثالث في أمور الآخرة نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى عليه السلام، فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله، فضلك برسالته وبكلامه على الناس، ألا ترى ما نحن فيه، اشفع لنا إلى ربك، فيقول: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله: ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفسًا لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى عليه السلام فيقولون: يا عيسى: أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد، ألا القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة، قال: وذكر قوله: في الكوكب هذا ربي، وقوله لآلهتهم: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله: إني سقيم. وفي حديث أبي سعيد قال عَلَّ: ما منها كذبة إلاَّ ما حل بها عن دين اللّه وما حل بمهملة جادل، وذكر أن الثالثة قوله: الأمر أنه حين أتى على الملك أخبريه أني أخوك (نفسي نفسي نفسي) ثلاثًا. وفي رواية: مرتين (اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى) بيان لقوله: غيري (فيأتون موسى فيقولون: يا موسى أنت رسول اللّه فضلك اللّه برسالاته) بالجمع عند مسلم، أما البخاري فبالإفراد كما قال المصنف: (وبكلامه على الناس) عام مخصوص بغير المصطفى، فإن كلامه له ثابت على وجه أكمل من موسى كما مر في المعراج، ولا يلزم منه أن يشتق له من اسمه الكليم كموسى، إذ هو وصف غلب على موسى كالمحبة للمصطفى (ألا ترى ما نحن فيه اشفع لنا إلى ربك). كذا في النسخ والذي في الصحيحين اشفع لنا إلى ربك، ألاَّ ترى ما نحن فيه، زاد مسلم: ألاَّ ترى ما قد بلغنا (فيقول: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله وإني قد قتلت نفسًا لم أومر) بضم الهمزة وسكون الواو (بقتلها) يريد القبطي المذكور في آية القصص، وإنما استعظمه واعتذر به لأنه لم يؤمر بقتل الكفار، أو لأنه كان مؤمناً فيهم، فلم يكن له اغتياله ولا يقدح في عصمته لكونه خطأ وعده من عمل الشيطان في الآية، وسماه ظلمًا واستغفر منه على عادتهم في استعظام محقرات فرطت منهم وإن لم تكن ذنبًا. وفي حديث أنس عند سعيد بن منصور: إني قتلت نفسًا بغير نفس وأن يغفر لي اليوم، حسبي (نفسي نفسي نفسي) ثلاثًا، وفي رواية: مرتين (اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول اللّه وكلمته ألقاها إلى مريم) أي: أوصلها إليها وجعلها فيها (وروح) صدر (منه) لا يتوسط ما يجري مجرى الأصل والمادة له (وكلمت الناس ٣٢٩ الفصل الثالث في أمور الآخرة ترى إلى ما نحن فيه، اشفع لنا إلى ربك، فيقول عيسى عليه السلام: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنبًا، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد، فيأتون محمدًا عَّ له فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ألا ترى إلى ما نحن فيه، اشفع لنا إلى ربك، فأنطلق فآتي تحت في المهد) مصدر سمي به ما يمهد للصبي من مضجعه (ألاّ ترى إلى ما نحن فيه) من الكرب (اشفع لنا إلى ربك) لفظ الشيخين: اشفع لنا إلى ربك، ألاَّ ترى إلى ما نحن فيه. زاد مسلم: ألاَّ ترى ما قد بلغنا (فيقول عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم یغضب قبله مثله ولن یغضب بعده مثله ولم يذكر ذنبًا) وفي حديث ابن عباس: إني اتُخذت إلهًا من دون الله، وفي حديث أنس عند سعيد ابن منصور نحوه. وزاد: وأن يغفر لي اليوم، حسبي (نفسي نفسي نفسي) ثلاثًا، ولمسلم مرتين في الكل (اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد) زاد في رواية أنس عند الشيخين: فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدًا عبدًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر (فيأتون محمدًا عَلّ فيقولون: یا محمد أنت رسول اللّه وخاتم الأنبياء وقد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) يعني: أنه غیر مؤاخذ بذنب لو وقع. قال الحافظ: يستفاد من قول عيسى في نبينا هذا، ومن قول موسى: إني قتلت نفسًا وأن يغفر لي اليوم، حسبي مع أن اللّه قد غفر له بنص القرءان التفرقة بين من وقع منه شيء ومن لم يقع منه شيء أصلاً، فإن موسى مع وقوع المغفرة له لم يرتفع إشفاقه من المؤاخذة بذلك ورأى في نفسه تقصير عن مقام الشفاعة مع وجود ما صدر منه بخلاف نبينا عَّ في ذلك كله، ومن ثم احتج عيسى بأنه صاحب الشفاعة لأنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، بمعنى، أن اللّه أخبر أن لا يؤاخذه بذنب لو وقع منه، قال: وهذا من النفائس التي فتح اللّه بها في فتح الباري فله الحمد. وقال القاضي عياض: يحتمل أنهم علموا أن صاحبها محمد عَّله معينًا وتكون إحالة كل واحد منهم على الآخر على تدريج الشفاعة في ذلك إليه إظهارًا لشرفه في ذلك المقام العظيم، وإنما خص الخمسة بالمجيء إليهم دون باقي الأنبياء لأنهم مشاهير الرسل وأصحاب شرائع عمل بها مددًا طويلة مع أن عادم والد الجميع ونوح الأب الثاني وإبراهيم مجمع على الثناء عليه عند جميع أهل الأديان وهو أبو الأنبياء بعده وموسى أكثر الأنبياء أتباعًا بعد المصطفى وعيسى، لأنه ليس بينه وبينه نبي، ولأنه من أمته عَّه ولم يلهموا المجيء إليه من أول وهلة لإظهار فضله ٣٣٠ الفصل الثالث في أمور الآخرة العرش فأقع ساجدًا لربي، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، فيقال: يا محمد، أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما وشرفه. قال الحافظ: ولا شك أن في السائلين يومئذٍ من سمع هذا الحديث في الدنيا وعرف أن ذلك خاص به ومع ذلك فلا يستحضره إذ ذاك أحد منهم وكأن اللّه أنساهم ذلك للحكمة المذكورة (ألاَّ ترى إلى ما نحن فيه اشفع لنا إلى ربك) الذي في الصحيحين تقديم هذه الجملة على التي قبلها، وزاد مسلم: ألاَّ ترى إلى ما قد بلغنا (فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدًا لربي). وفي حديث أنس: فأقوم فأمشي بين سماطين من المؤمنين حتى استأذن على ربي، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدًا فيدعني ما شاء اللّه أن يدعني والمستأذن له جبريل، ففي رواية أبي بكر الصديق عند أبي عوانة: فيأتي جبريل ربه فيقول: ائذن له وبشره بالجنة، فينطلق به جبريل فيخر ساجدًا قدر جمعة، وسئل الجلال البلقيني عن حكم سجوده عَّله من حيث الوضوء، فأجاب بأنه باقٍ على طهارة غسل الميت لأنه حي لا يموت في قبره ولا ناقض لطهارته، ويحتمل: أن يجاب بأن الآخرة ليست دار تكليف، فلا يتوقف السجود على وضوء قاله في البدور، ويحتمل أنه توضأ من حوضه (ثم يفتح اللّه عليّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه على أحد قبلي). وفي بعض طرق الحديث عند البخاري: فيلهمني اللّه محامد لا أقدر عليها الآن فأحمده بتلك المحامد، قال المصنف وغيره: وقد ورد ما لعله يفسر به بعض تلك المحامد لا جميعها، ففي النسائي وغيره من حديث حذيفة رفعه: يجمع اللّه الناس في صعيد واحد، فيقال: يا محمد، فأقول: لبيك وسعديك ... الحديث السابق قريبًا (ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه) بسكون الهاء للسكت (واشفع تشفع) بشد الفاء المفتوحة، أي: تقبل شفاعتك (فأرفع رأسي، فأقول: أمتي يا رب أمتي يا رب) مرتين، وهذه الشفاعة بعد العامة لجميع الأمم في فصل القضاء، ففي السياق حذف كما يأتي إيضاحه، وفي مسند البزار: فأقول يا رب عجل على الخلق الحساب (فيقال: يا محمد أدخل) بكسر الخاء أمر من الإِدخال. وفي رواية مسلم: أدخل الجنة (من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة) وهم سبعون ألفًا أول من يدخلها (وهم) أيضًا (شركاء الناس فيما سوى ذلك ٣٣١ الفصل الثالث في أمور الآخرة سوى ذلك من الأبواب)). الحديث رواه البخاري ومسلم. قال في فتح الباري: وقد استشكل قولهم لنوح: ((أنت أول الرسل من أهل الأرض))، فإن آدم نبي مرسل، وكذا شيت وإدريس، وهم قبل نوح. ومحصل الأجوبة عن ذلك: أن الأولية مقيدة بقوله (أهل الأرض)) لأن آدم ومن ذكر معه لم يرسلوا إلى أهل الأرض، أو أن الثلاثة كانوا أنبياء ولم يكونوا رسلاً، وإلى هذا جنح ابن بطال في حق آدم. وتعقبه القاضي عياض ما صححه ابن حبان من حديث أبي ذر، فإنه كالصريح في أنه كان مرسلاً، وفيه التصريح بإنزال الصحف على شيث وهو من علامات الإرسال. وأما إدريس فذهبت طائفة إلى أنه من الأبواب) يعني: لا يلجؤون إلى الدخول من الأيمن، بل إن شاؤوا الدخول من غيره دخلوا وإن خصوا بالباب الأيمن دون غيرهم. قال القرطبي: وهذا يدل على أنه عَّهِ شفع فيما طلب من تعجيل حساب أهل الموقف، فإنه لما أمر بإدخال من لا حساب عليه من أمته شرع في حساب من عليه حساب من أمته وغيرهم. (الحديث) تمامه، ثم قال: والذي نفسي بيده إن بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بین مکة وهجر، أو کما بین مکة وبصری. (رواه البخاري) في مواضع (ومسلم) في الإِيمان، وروياه أيضًا من حديث أنس وفيه تكرار السجود أربع مرات، وجاء من حديث صحابة أخر مطولاً ومختصرًا، ساقها في البدور بألفاظها. (قال في فتح الباري: وقد استشكل قولهم لنوح أنت أول الرسل من أهل الأرض بأن ءادم نبي مرسل، وكذا شيث) ابنه (وإدريس وهم قبل نوح) إلاَّ أن في كون إدريس قبله خلافًا (فمحصل الأجوبة عن ذلك أن الأولية مقيدة بقوله: أهل الأرض، لأن ءادم ومن ذكر معه) شيث وإدريس (لم يرسلوا إلى أهل الأرض) وإنما أرسلوا إلى بعض أهلها ويلزم على ذلك عموم رسالة نوح. وأجيب بأنه بصدد أن يبعث في زمنه غيره بخلاف نبينا عَّه وبغير ذلك مما سبق (أو أن الثلاثة كانوا أنبياء ولم يكونوا رسلاً، وإلى هذا جنح) مال (ابن بطال في حق ءادم وتعقبه القاضي عياض بما صححه ابن حبان من حديث أبي ذر فإنه كالصريح في أنه كان مرسلاً) ولفظه قلت: يا رسول اللّه كم الرسل منهم، أي الأنبياء؟، قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير، قلت: من كان أولهم؟، قال: عادم (وفيه التصريح بإنزال الصحف على شيث) بكسر المعجمة وإسكان الياء ومثلثة (وذلك من علامات الإِرسال). ٣٣٢ الفصل الثالث في أمور الآخرة کان من بني إسرائيل. ومن الأجوبة: أن رسالة آدم كانت إلى بنيه، وهم موحدون، ليعلمهم شريعته، ونوح رسالته كانت إلى قوم كفار يدعوهم إلى التوحيد. وذكر الغزالي في كتاب ((كشف علوم الآخرة)) أن بين إتيان أهل الموقف آدم وإتيانهم نوحًا ألف سنة، وكذا بين كل نبي ونبي، إلى نبينا صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف لذلك على أصل، قال: ولقد أكثر في هذا الكتاب من إيراد أحاديث لا أصول لها، فلا يغتر بشيء منها. ووقع في رواية حذيفة: أن الخليل عليه السلام قال: لست بصاحب ذاك، (وأما إدريس فذهبت طائفة إلى أنه كان من بني إسرائيل) يعقوب وهو بعد نوح بزمان طويل (ومن الأجوبة أن رسالة ءادم كانت إلى بنيه وهم موحدون ليعلمهم شريعته) فهي كالتربية للأولاد (ونوح رسالته كانت إلى قوم كفار يدعوهم إلى التوحيد) وينذرهم بالهلاك إن لم يوحدوا (وذكر الغزالي في كتاب كشف علوم الآخرة أن بين إتيان أهل الموقف ءادم وإتیانهم نوحًا ألف سنة). (وكذا بين كل نبي ونبي إلى نبينا محمد عَُّله، قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف لذلك على أصل، قال: ولقد أكثر في هذا الكتاب من إيراد أحاديث لا أصول لها فلا يغتر بشيء منها) وتعقبه العيني بأن جلالة قدر الغزالي تنافي ما ذكره، وعدم وقوفه على أصل لذلك لا يستلزم نفي وقوف غيره لذلك على أصل، فإنه لم يحظ علمًا بكل ما ورد حتى يدعي هذه الدعوى، وأجاب الحافظ في انتقاض الاعتراض بأن جلالة الغزالي لا تنافي أنه يحسن الظن ببعض الكتب، فينقل منها ويكون ذلك المنقول غير ثابت كما وقع له ذلك في الإِحياء في نقله من قوت القلوب، كما نبه على ذلك غير واحد من الحفاظ، وقد اعترف الغزالي بأن بضاعته في الـ حديث مزجاة، قال: ولم أدع أني أحطت علمًا وإنما نفيت اطلاعي وإطلاقي في الثاني محمول على تقييدي في الأول. والحديث لا يثبت بالاحتمال، فلو كان هذا المعترض اطلع على شيء يخالف قولي لأَبرزه وتبجح به. انتھی. (ووقع في رواية حذيفة) وأبي هريرة معًا (أن الخليل عليه السلام قال:) ولفظ مسلم عن أبي هريرة وحذيفة، قالا: قال عَّ يجمع اللّه الناس فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون عادم فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلاَّ خطيئة أبيكم ٣٣٣ الفصل الثالث في أمور الآخرة إنما كنت خليلاً من وراء وراء». بفتح الهمزة [فيهما] بلا تنوين، ويجوز البناء فيها على الضم للقطع عن الإضافة نحو ((من قبل ومن بعد)) واختاره أبو البقاء، قال الأخفش: يقال لقيته من وراء وراء بالضم، وقال: إذا أنا لم أومن عليك ولم يكن لقاؤك إلا من وراء وراء ويجوز فيهما النصب والتنوين جوازًا جيدًا، قاله أبو عبد الله الأبي. ومعناه: لم أكن في التقريب والإدلال بمنزلة الحبيب، وقيل: مراده: إن الفضل الذي أعطيته كان بسفارة جبريل، ولكن ائتوا موسى الذي كلمه الله بلا واسطة، وكرر ((وراء)) إشارة إلى نبينا معَّ لأنه حصلت له الرؤية والسماع بلا واسطة، فكأنه قال: أنا من وراء موسى، الذي هو من وراء محمد، وسبق مزيد وادم لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله، فيقول إبراهيم: (لست بصاحب ذلك إنما كنت خليلاً من وراء وراء بفتح الهمزة فيهما بلا تنوين) على المشهور لتضمنهما معنى الحرف، فالتقدير من وراء، من وراء فركبا تركيب خمسة عشر وأكدا كشذر مذر وبين بين قاله القرطبي: (يجوز البناء على الضم) فيهما (للقطع عن الإضافة نحو) قوله تعالى: اللّه الأمر (من قبل ومن بعد، واختاره أبو البقاء) قائلاً: لأن تقديره من وراء أو من وراء شيء آخر (قال الأخفش: يقال لقيته من وراء وراء بالضم) فيهما (وقال) الشاعر: لقاؤك إلاَّ من وراء وراء) (إذا أنا لم أومن عليك ولم يكن (ويجوز فيهما النصب والتنوين جوازًا جيدًا، قاله أبو عبد اللّه الأبي) في شرح مسلم، قال القرطبي في المفهم: ووجدت في أصل شيخنا أيوب الفهري وكان في اعتنائه بهذا الكتاب، أي مسلم الغاية من وراء من وراء بتكرير من وفتح الهمزتين وليس بمعنى بنائه في الأول لظهور من المضمرة في الأول، وإنما وجهه أن يكون وراء قطعت عن الإِضافة إلى معين، فصارت كأنها اسم علم وهي مؤنثة، فاجتمع فيها التعريف والتأنيث فمنعت الصرف، قال: ووجدت بخط معتبر، قال الفراء: تقول العرب فلان يكلمني من وراء وراء بالنصب على الظرف (ومعناه) كما قال النووي: (لم أكن في التقريب والإِدلال بمنزلة الحبيب، وقيل: مراده) كما نقله النووي عن صاحب التحرير، قال: هذه كلمة تقال على وجه التواضع، وكأنه أشار إلى (أن الفضل الذي أعطيته كان بسفارة) بكسر السين، أي: بواسطة (جبريل، ولكن ائتوا موسى الذي كلمه اللّه بلا واسطة) إشارة إلى قوله في الحديث: اعمدوا إلى موسى الذي كلمه اللّه تكليمًا (وكرر وراء إشارة إلى نبينا عَّه لأنه حصلت له الرؤية) لله سبحانه (والسماع) لكلامه تعالى (بلا واسطة، فكأنه قال: أنا من وراء موسى الذي هو من وراء محمد، وسبق مزيد لذلك في الخصائص) ٣٣٤ الفصل الثالث في أمور الآخرة لذلك في الخصائص. وأما ما ذكره من الكذبات الثلاث، فقال البيضاوي: الحق أنها إنما كانت من معاريض الكلام، لكن لما كانت صورتها صورة الكذب أشفق منها استقصارًا لنفسه عن الشفاعة، لأن من كان أعرف بالله وأقرب إليه منزلة، كان أعظم خوفًا. وأما قوله عن عيسى: ((إنه لم يذكر ذنبًا)) فوقع في حديث ابن عباس عند أحمد والنسائي: إني اتُّخِذْت إلهًا من دون الله. وفي حديث النضر بن أنس عن أبيه قال: حدثني نبي الله عَّه قال: إني لقائم في أوائلها (وأما ما ذكره من الكذبات الثلاث، فقال البيضاوي: الحق إنها إنما كانت من معاريض الكلام) التي قال عَّه: إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب. رواه البخاري في الأدب المفرد وابن عدي وابن السني والبيهقي: جمع معراض كمفتاح من التعريض وهو خلاف التصريح، وعرفه المتقدمون بأنه ذكر لفظ محتمل يفهم منه السامع خلاف ما يريده المتكلم (لكن لما كانت صورتها صورة الكذب أشفق:) خاف (منها استقصارًا لنفسه عن الشفاعة، لأن من كان أعرف باللّه وأقرب إليه منزلة كان أعظم خوفًا) وقال في المفهم: الكلمات الثلاث ليست بكذب حقيقة ولا في شيء منها ما يوجب عتبًا، لكن هول المقام حمله على الخوف منها، فأما الأولى، فقال المفسرون: كانت في حال الصغر والطفولية، فلما اتضح له الأمر، قال: إني وجهت وجهي الآية وهذا لا يليق، فالانبياء معصومون، ولم يحفظ عن نبي أنه تلبس بخبائث قومه، ولو كان لغيرهم به أممهم، وقيل: هو استفهام إنكار والهمزة محذوفة، وقيل: قاله على سبيل الاحتجاج على قومه والتنبيه لهم على أن ما يتغير لا يصلح للربوبية، وأما الثانية، فإنما قالها توطئة منه للاستدلال على أنها ليست آله وقطعًا لدعواهم أنها تضر وتنفع، ولذا عقبه بقوله: فاسألوهم وأجابوه بقولهم: لقد علمت ... الآية فقال حينئذٍ: أتعبدون ... الآية. وأما الثالثة، فإنما قالها تعريضًا بأنه سيسقم في المستقبل واسم الفاعل يكون بمعنى المستقبل، ويحتمل أن يريد أني سقيم الحجة في الخروج معكم، وأما قوله إنها أختي، فإنما عنى أنها أخته في الإِسلام، كما نص عليه بقوله: أنت أختي في الإِسلام. (وأما قوله عن عيسى أنه لم يذكر ذنبًا، فوقع في حديث ابن عباس عند أحمد والنسائي: إني اتخذت) بالبناء للمفعول (إلهًا من دون اللّه) وفي حديث أنس نحوه، وزاد: وأن يغفر لي اليوم حسبي، فسماه ذنبًا وليس بذنب، إذ لا صنع له فيه البتة. (وفي حديث النضر) بضاد معجمة (ابن أنس) بن ملك الأنصاري البصري، ثقة، من رجال ٣٣٥ الفصل الثالث في أمور الآخرة انتظر أمتي عند الصراط، إذ جاء عيسى فقال: يا محمد، هذه الأنبياء قد جاءتك يسألونك لتدعو الله أن يفرق جمع الأمم إلى حيث شاء، لعظم ما هم فيه)). فأفادت هذه الرواية تعيين موقف النبي عَِّ حينئذ، وإن هذا الذي وصف من كلام أهل الموقف كله يقع عند نصب الصراط بعد تساقط الكفار في النار، وأن عيسى هو الذي يخاطب نبينا عَّه، وأن جميع الأنبياء يسألونه في ذلك. وفي حديث سلمان عند ابن أبي شيبة: ((يأتون محمدًا فيقولون: يا نبي الله، أنت فتح الله بك وختم بك، وغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وجئت في هذا اليوم، وترى ما نحن فيه فقم فاشفع لنا إلى ربك، فيقول: ((أنا صاحبكم، فيجوس الناس حتى ينتهي إلى باب الجنة)). فإن قلت: ما الحكمة في انتقاله عَّه من مكانه إلى الجنة؟ أجيب: بأن أرض الموقف لما كانت مقام عرض وحساب كانت مقام مخافة وإشفاق، ومقام الشافع يناسب أن يكون في مكان إكرام. الجميع، مات سنة بضع ومائة (عن أبيه قال: حدثني نبي اللّه عَّةِ، قال: إني لقائم أنتظر أمتي عند الصراط إذ جاء عيسى، فقال: يا محمد هذه الأنبياء قد جاءتك يسألونك لتدعو اللّه) اللام لام السؤال، وفي نسخ: لتدعو بالواو فاللام للتعليل (أن يفرق جمع الأمم إلى حيث شاء لعظم ما هم فيه) من الغم والكرب (فأفادت هذه الرواية تعيين موقف النبي عَّه حينئذٍ) وهو عند الصراط (وأن هذا الذي وصف من كلام أهل الموقف كله يقع عند نصب الصراط بعد تساقط) وقوع (الكفار في النار، وأن عيسى هو الذي يخاطب نبينا عَّه، وأن جميع الأنبياء يسألون في ذلك، وفي حديث سلمن) الفارسي (عند ابن أبي شيبة: يأتون محمدًا فيقولون: يا نبي اللّه أنت فتح اللّه بك) كل خير (وختم) بك النبيين (وغفر لك ما تقدم وما تأخر وجئت في هذا اليوم وترى ما نحن فيه) من شدة الهول (فقم فاشفع لنا إلى ربك، فيقول: أنا صاحبكم) المعين للشفاعة. وفي رواية: أنا لها أنا لها (فيجوس) بالجيم، وقيل: بالحاء وهما بمعنى أي يتخلل (الناس حتى ينتهي إلى باب الجنة فإن قلت: ما الحكمة في انتقاله عٍَّ من مكانه إلى الجنة من ذنبك أجيب بأن أرض الموقف لما كانت مكان عرض وحساب كانت مكان مخافة وإشفاق) عطف مساوٍ (ومقام الشافع يناسب أن يكون في مقام إكرام) لعلو مقامه. ٣٣٦ الفصل الثالث في أمور الآخرة وفي حديث أبي بن كعب عند أبي يعلى رفعه: فأسجد له سجدة يرضى بها عني، ثم أمتدحه بمدحة يرضى بها عني. وفي حديث أبي بكر الصديق، فينطلق إليه جبريل، فيخر ساجدًا قدر جمعة، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك. وفي رواية النضر بن أنس: فأوحى الله إلى جبريل أن اذهب إلى محمد فقل له: ارفع رأسك. وعلى هذا، فالمعنى يقول لي على لسان جبريل، والظاهر أنه عَِّ يلهم التحميد قبل سجوده وبعده وفيه، ويكون في كل مكان ما يليق به، فإنه ورد في رواية: فأقوم بين يديه فيلهمني بمحامد لا أقدر عليها، ثم أخر ساجدًا. وفي رواية البخاري: فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمني. وفي رواية أبي هريرة، عند الشيخين: ((فآتي تحت العرش فأقع ساجدًا لربي (وفي حديث أبي بن كعب عند أبي يعلى) قال: يعرفني اللّه نفسه يوم القيامة (فأسجد له سجدة يرضى:) يزيد رضاه (بها عني، ثم أمتدحه:) اثني عليه (بمدحة) يلهمنيها: (يرضى بها عني) ثم يؤذن لي بالكلام ... الحديث. (وفي حديث أبي بكر الصديق) عند أبي عوانة: فيأتي جبريل ربه فيقول: ائذن له وبشره بالجنة (فينطلق إليه جبريل فيخر ساجدًا) إذ رأى ربه كما في حديث أنس: (قدر جمعة) من جمع الدنيا (فيقال: يا محمد ارفع رأسك). (وفي رواية النضر بن أنس) عن أبيه: (فأوحى اللّه إلى جبريل أن اذهب إلى محمد، فقل له: إرفع رأسك، وعلى هذا فالمعنى يقول لي على لسان جبريل، والظاهر أنه عَّهِ يلهم التحميد قبل سجوده وبعده، وفيه) أي: في سجوده (ويكون في كل مكان) من الثلاثة (ما يليق به، فإنه ورد في رواية) للشيخين عن أنس: فأوتي فأقول أنا لها، فانطلق فأستأذن على ربي فيؤذن لي (فأقوم بين يديه) أي اللّه سبحانه وتعالى (فيلهمني بمحامد لا أقدر عليها) أي الآن في الدنيا، لكن لفظ مسلم: لا أقدر عليها إلاّ أن يلهمنيها اللّه، ولفظ البخاري: فيلهمني اللّه محامد أحمده بها لا تحضرني الآن (ثم أخر ساجدًا) فصرح بأنه يحمده قبل سجوده. (وفي رواية البخاري) من حديث أنس أيضًا: (فأرفع رأسي فأحمد ربي) بتحميد يعلمني (وفي رواية: يعلمنيه) ولأحمد بمحامد لم يحمده بها أحد قبلي ولا يحمده أحد بعدي، فصرح في هذه الرواية بأنه يحمد بعد الرفع من السجود. (وفي رواية أبي هريرة عند الشيخين) الماضية قريبًا: (فآتي تحت العرش فأقع ساجدًا ٣٣٧ الفصل الثالث في أمور الآخرة ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد، ارفع رأسك)). الحديث. وفي رواية البخاري من حديث قتادة عن أنس: ثم أشفع، فيحد لي حدًا، ثم أخرجهم من النار وأدخلهم الجنة. قال الطيبي: أي يبين لي كل طور من أطوار الشفاعة حدًا أقف عنده فلا أتعداه، مثل أن يقول: شفعتك فيمن أخل بالجماعة، ثم فيمن أخل بالصلاة، ثم فيمن شرب الخمر، ثم فيمن زنا، وهكذا على هذا الأسلوب، والذي يدل عليه سياق الأخبار أن المراد به تفصيل مراتب المخرجين في الأعمال الصالحة، كما وقع عند أحمد عن يحيى القطان عن سعيد بن أبي عروبة. لربي، ثم يفتح اللّه عليّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه على أحد قبلي) ولا يحمده به أحد بعدي كما رأيت، لأنه لا يفتحه عليه فهو من خصائصه (ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك ... الحديث) فصرح بأنه يحمده في السجود، وطريق الجمع ما رأيت أنه يلهمه في المواضع الثلاث. (وفي رواية البخاري من حديث قتادة عن أنس:) عقب قوله: فأحمد ربي بتحميد يعلمني (ثم أشفع فيحد) بفتح التحتية وضم الحاء المهملة، أي يبين (لي حدًا ثم أخرجهم من النار وأدخلهم الجنة) ثم أعود فأقع ساجدًا مثله في الثالثة أو الرابعة حتى أقول: يا رب ما بقي إلاّ من حبسه القرءان، هذا بقية الحديث في البخاري. وأخرجه مسلم أيضًا، وفي رواية لهما من وجه آخر عن أنس: بالجزم بتكرار الشفاعة أربع مرات. (قال الطيبي:) في معنى يحد (أي يبين لي كل طور) أي: في كل طور (من أطوار الشفاعة) الأربع (حدًا أقف عنده فلا أتعداه، مثل أن يقول شفعتك فيمن أخل بالجماعة) في الحد الأول (ثم فيمن أخل بالصلاة) في الثاني (ثم فيمن شرب الخمر) في الثالث (ثم فيمن زنى) في الرابع (وهكذا على هذا الأسلوب) يعني أربعة أنواع من المعاصي يعين له في كل طور واحدًا منها لا يتعداه إلى غيره، وهذا إيضاح لقوله: مثل أن يقول وإشارة إلى أنه لا يتعين وإنما هو تقريب للفهم. (و) لكن تعقبه الحافظ، بأن (الذين يدل عليه سياق الأخبار؛ أن المراد به تفصيل) بصاد مهملة، أي: تبيين (مراتب المخرجين في الأعمال الصالحة كما وقع عند أحمد عن) شيخه (يحيى) بن سعيد (القطان، عن سعيد بن أبي عروبة) مهران، عن قتادة في هذا الحديث بعينه. ٣٣٨ الفصل الثالث في أمور الآخرة وفي رواية ثابت عند أحمد فأقول: ((أي رب، أمتي أمتي، فيقول: أخرج من كان في قلبه مثقال شعيرة، وفي حديث سلمان: فيشفع في كل من كان في قلبه مثقال حبة من حنطة، ثم شعيرة، ثم حبة خردل، فذلك المقام المحمود)). وفي رواية أبي سعيد عند مسلم: ((ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير)). قال القاضي عياض: قيل معنى الخير: اليقين بالإيمان. وأما قوله في رواية أنس عند البخاري: ((فأخرجهم من النار)) فقال الداودي: كأن راوي هذا الحديث ركب شيئًا على غير أصله، وذلك أن في أول الحديث ذكر الشفاعة في الإراحة من كرب الموقف، وفي آخره ذكر الشفاعة في الإخراج من النار، يعني: وذلك إنما يكون بعد التحول من الموقف والمرور على الصراط وسقوط من يسقط في تلك الحالة في النار. ثم تقع بعد ذلك الشفاعة في الإخراج. وهو إشكال قوي. وقد أجاب عنه النووي، ومن قبله القاضي عياض: بأنه قد وقع في حديث (وفي رواية ثابت) عن أنس (عند أحمد: فأقول أي رب أمتي أمتي) مرتين (فيقول: أخرج من كان في قلبه مثقال شعيرة) من عمل صالح. (وفي حديث سلمن) الفارسي: (فيشفع فيمن كان في قلبه حبة) أي: مثال حبة (من خلطة ثم شعيرة ثم) حبة من (خردل، فذلك المقام المحمود). (وفي رواية أبي سعيد) الخدري (عند مسلم) في حديث طويل: (ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير) فأدخلوه الجنة برحمتي، والأمر للمؤمنين الذين خلصوا من الصراط ناجين وطلبوا الشفاعة في العصاة كما في سياق الحديث في مسلم. (قال القاضي عياض: قيل معنى الخير اليقين بالإِيمان وأما قوله في رواية أنس عند البخاري) ومسلم: (فأخرجهم من النار) وأدخلهم الجنة. (فقال الداودي) أحمد بن نصر في شرح البخاري: (كأن راوي هذا الحديث ركب شيئًا على غير أصله) أي أدخل حديثًا في حديث (وذلك أن في أول الحديث ذكر الشفاعة في الإِراحة من كرب الموقف، وفي آخره ذكر الشفاعة في الإِخراج من النار، يعني: وذلك إنما يكون بعد التحول من الموقف والمرور على الصراط وسقوط من يسقط في تلك الحالة) وهي المرور على الصراط (في النار، ثم تقع بعد ذلك الشفاعة في الإخراج) كما ثبت ذلك كله في أحاديث أخر (وهو إشكال قوي، وقد أجاب عنه النووي ومن قبله القاضي عياض) كلاهما في شرح مسلم؛ (بأنه قد وقع في حديث حذيفة وأبي هريرة) معًا عند ٣٣٩ الفصل الثالث في أمور الآخرة حذيفة وأبي هريرة: فيأتون محمدًا فيقول فيؤذن له في الشفاعة، وترسل معه الأمانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط، يمينًا وشمالاً، أي يقفان في ناحيتي الصراط. قال القاضي عياض: فبهذا ينفصل الكلام، لأن الشفاعة التي لجأ الناس إليه فيها هي لإراحة الناس من كرب الموقف، ثم تجيء الشفاعة في الإخراج. انتهى. والمعنى في قيام الأمانة والرحم، أنهما لعظم شأنهما، ومخافة ما يلزم العباد من رعاية حقهما، يوقفان للأمين والخائن، وللواصل والقاطع، فيحاجان عن المحق، ويشهدان على المبطل. وقد وقع في حديث أبي هريرة بعد ذكر الجمع في الموقف: الأمر باتباع كل أمة ما كانت تعبد، ثم تمييز المنافقين من المؤمنين، ثم حلول الشفاعة بعد وضع الصراط والمرور عليه، فكأن الأمر باتباع كل أمة ما كانت تعبد هو أول مسلم عقب ما قدمته، فيأتون موسى فيقول: لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى عيسى كلمة اللّه وروحه، فيقول عيسى: لست بصاحب ذلك (فيأتون محمدًا) الحبيب صاحب القرب الأعظم الخليل لا من وراء وراء بل مع الكشف والعيان (فيقوم فيؤذن له في الشفاعة وترسل معه الأمانة والرحم) يصوران بصفة شخصين على الصفة التي يريدها اللّه تعالى (فيقومان جنبتي الصراط) بفتح الجيم والنون والموحدة ويجوز سكون النون، وأنكر ابن جني فتحها (يميناً وشمالاً). (قال القاضي عياض: فبهذا ينفصل الكلام) قال الأبي: يعني أن الراوي أسقط ذلك من هذا الطريق (لأن الشفاعة التي لجأ الناس إليه فيها هي الإِراحة للناس من كرب الموقف، ثم تجيء) بعدها (الشفاعة في الإِخراج) من النار. (انتهى). قال الأبي: ويحتمل أن يكون شفع في الأمرين، واكتفى في حديث أنس بشفاعة الإِخراج، لأنها تستلزم الأخرى لأن الإِخراج فرع وقوع الحساب فيه. انتهى. ويؤيده رواية البزار، فأقول: يا رب عجل على الخلق الحساب (والمعنى في قيام الأمانة والرحم أنهما لعظم شأنهما ومخافة ما يلزم العباد من رعاية حقهما يوقفان للأمين والخائن وللواصل والقاطع فيحاجان عن المحق ويشهدان على المبطل). وفي شرح مسلمٍ للمصنف: ليطالبا من يريد الجواز على الصراط، فمن وفى بحقهما عاوناه على الجواز وإلاّ تركاه، ثم عاد المصنف لذكر بقية كلام عياض، وهو: (وقد وقع في حديث أبي هريرة) وفي الصحيحين مطولاً (بعد ذكر الجمع في الموقف الأمر باتباع كل أمة: ما كانت تعبد، ثم تمييز المنافقين من المؤمنين، ثم حلول الشفاعة بعد وضع الصراط ٣٤٠ الفصل الثالث في أمور الآخرة فصل القضاء، والإراحة من كرب الموقف، وبهذا تجتمع متون الأحاديث وتترتب معانيها. انتهى. فظهر أنه عَّ لِّ أول من يشفع ليقضى بين الخلق، وأن الشفاعة فيمن يخرج من النار ممن سقط تقع بعد ذلك، وأن العرض والميزان وتطاير الصحف يقع في هذا الموطن، ثم ينادي لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيسقط الكفار في النار، ثم يميز بين المؤمنين والمنافقين بالامتحان بالسجود عند كشف الساق، ثم يؤذن في نصب الصراط والمرور عليه، فيطفأ نور المنافقين، فيسقطون في النار أيضًا، ويمر المؤمنون عليه إلى الجنة، فمن العصاة من يسقط، ويوقف بعض من نجا عند القنطرة والمرور عليه، فكأن) بالتشديد اختصار لقول عياض، فيحتمل أن (الأمر باتباع كل أمة ما كانت تعبد هو أول فصل القضاء والإِراحة من كرب الموقف) والشفاعة الأخرى هي الشفاعة في المؤمنين على الصراط، وهي له عٍَّ لا لغيره، ثم بعدها شفاعة الإِخراج، هذا حذفه من كلام عياض ويتلوه (وبهذا تجتمع متون الأحاديث وتترتب معانيها. انتهى) كلام عياض. قال الحافظ: فكأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر، وأما قول الطيبي جوابًا عن ذلك: لعل المؤمنين صاروا فرقتين، فرقة سيق بهم إلى النار من غير توقف، وفرقة حبسوا في المحشر واستشفعوا به عَّةٍ، فخلصهم مما هم فيه وأدخلهم الجنة، ثم شرع في شفاعة الداخلين في النار زمرًا بعد زمر كما دل عليه قوله: فيحد لي حدًا ... الخ. فاختصر الكلام، أو يراد بالنار الحبس والكربة وما كانوا فيه من الشدة ودنو الشمس إلى رؤوسهم وحرها وسفعها حتى ألجمهم العرق وبالخروج الخلاص منها فهو احتمال بعيد إلاَّ أن يقال إنه يقع إخراجان، وقع ذكر أحدهما في حديث الباب على اختلاف طرقه، والمراد به الخلاص من كرب الموقف، والثاني بعد تمام الخلاص من الموقف ونصب الصراط والإِذن في المرور عليه، ويقع الإخراج الثاني لمن يسقط في النار حال المرور فيتجه (فظهر أنه عَّةِ أول من يشفع ليقضي بين الخلق، وإن الشفاعة فيمن يخرج من النار ممن سقط تقع بعد ذلك) أي: بعد الشفاعة في فصل القضاء (وأن العرض والميزان وتطاير الصحف يقع في هذا الموطن، ثم ينادى لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فيسقط الكفار في النار، ثم يميز بين المؤمنين والمنافقين بالامتحان بالسجود) فلا يستطيعه المنافقون (عند كشف الساق) هو عبارة عن شدة الأمر يوم القيامة للحساب والجزاء، يقال: كشفت الحرب عن ساق إذا اشتد الأمر فيها، وقيل: غير ذلك (ثم يؤذن في نصب الصراط والمرور عليه فيطفأ نور المنافقين فيسقطون:) يقعون (في النار أيضًا، ويمر المؤمنون عليه إلى الجنة، فمن العصاة من يسقط