النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ الفصل الثالث في أمور الآخرة وفي حديث رواه صاحب كتاب ((حادي الأرواح)). أن رسول الله عَّ يبعث يوم القيامة وبلال بين يديه ينادي بالأذان. وفي كتاب ((ذخائر العقبى)) للطبري، مما عزاه لتخريج الحافظ السلفي من حديث أبي هريرة، أن رسول الله عَّه قال: تبعث الأنبياء على الدواب، ويحشر صالح على ناقته، ويحشر ابنا فاطمة على ناقتيَّ العضباء والقصواء، وأحشر أنا على البراق، خطوها عند أقصى طرفها، ويحشر بلال على ناقة من نوق الجنة. (وفي حديث رواه صاحب كتاب حادي الأرواح) إلى ديار الأفراح وهو العلامة ابن القيم (أن رسول اللَّه عَّ يبعث يوم القيامة وبلال) بن رباح أحد السابقين الأولين (بين يديه ينادي بالأذان) كما كان ينادي به في الدنيا (وفي كتاب ذخائر العقبى) في مناقب ذوي القربى (للطبري) الحافظ محب الدين المكي (مما عزاه) نسبة (لتخريج الحافظ) العلامة الناقد الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الأصبهاني (السلفي) بكسر المهملة وفتح اللام وبالفاء نسبة إلى سلفة لقب لجده أحمد، ومعناه: الغليظ الشفة له تصانيف. وروى عنه الحفاظ ومات سنة ست وسبعين وخمسمائة؛ (من حديث أبي هريرة أن رسول اللّه ◌َ الله قال: تبعث الأنبياء على الدواب:) إبل من الجنة، وعند الحاكم والبيهقي وغيرهما عن علي أنه قرأ: ﴿يوم نحشر المتقين﴾ [مريم/ ٨٥]، فقال: والله ما يحشر الوفد على أرجلهم ولا يساقون سوقًا، ولكنهم يؤتون بنوق من نوق الجنة لم تنظر الخلائق إلى مثلها عليها جلال الذهب وأزمتها الزبرجد، فيركبون عليها حتى يقرعوا باب الجنة (ويحشر صالح) في قوة الاستثناء كأنه قال إلاَّ صالحًا، فيحشر (على ناقته) التي عقرها مكذبوا (ويحشر إبنا فاطمة) الحسن والحسين (على ناقتي) بشد الياء مثنى (العضباء) بمهملة فمعجمة فموحدة ومد (والقصواء) بالمد، وهذا حجة للقول بأنهما ناقتان، ورد للقول بأنهما واحدة، وللقول الآخر أنهما مع الجدعاء أسماء لناقة واحدة، ومر بسط ذلك في الدواب (وأحشر أنا على البراق:) بضم الموحدة دابة فوق الحمار دون البغل كما مر بيانه في المعراج المخصوص بنبينا عَّله، ومر الخلاف هل ركب البراق غيره من الأنبياء في الدنيا أم لا ، فقول المصباح: تركبه الرسل عند المعراج إلى السماء صوابه الرسول بالإفراد لاختصاص المعراج به اتفاقًا، ثم بعد ذلك كونه عرج على البراق قول ضعيف، والصحيح أنه ربطه ببيت المقدس وعرج على المعراج (خطوها) بالتأنيث على معنى البراق وهو دابة (عند أقصى طرفها) منتهى بصرها (ويحشر بلال) المؤذن (على ناقة من نوق الجنة) المخلوقة من نور. ٢٨٢ الفصل الثالث في أمور الآخرة وأخرجه الطبراني والحاكم بلفظ: يحشر الأنبياء على الدواب، وأبعث على البراق، ويبعث بلال على ناقة من نوق الجنة فينادي بالأذان محضا وبالشهادة حقًّا، حتى إذا قال أشهد أن محمدًا رسول الله، شهد له المؤمنون من الأولين والآخرین. وعند ابن زنجويه في ((فضائل الأعمال)) عن كثير بن مرة الحضرمي، قال (وأخرجه) أي حديث أبي هريرة المذكور (الطبراني والحاكم بلفظ:) قال رسول اللّه عَ لله (تحشر الأنبياء) يوم القيامة (على الدواب) ليوافوا المحشر ويبعث صالح على ناقته، هذا أسقطه المصنف من لفظ عزاه لهما (وأبعث على البراق) إكرامًا له بركوبه مركوبًا لا يشبهه ما يركبه غيره، وأسقط من لفظ من عزاه لهما ويبعث إبناي الحسن والحسين على ناقتين من نوق الجنة وبعده قوله (ويبعث بلال على ناقة من نوق الجنة ينادي بالأذان محضًا) خالصًا من معارضة المنكرين في الدنيا لكشف الغطاء وظهور الحق عيانًا، لأنه لا ينكره أحد ذلك اليوم (وبالشهادة حقًّا) أي: ثابتًا لا يقبل التغيير ولا التبديل، ولا معارضة بين الروايتين فيما يركبه الحسنان لجواز ركوبهما الأمرين العضباء والقصواء، ثم يركبان ناقتين من الجنة أو عكسه زيادة في إكرامهما وتعظيمهما، إذ لو قصر ركوبهما على ناقتي جدهما لنقصا عن غيرهما الراكبين من نوق الجنة (حتى إذا قال) بلال: (أُشهد أن محمدًا رسول اللّه) هكذا الرواية عند الطبراني والحاكم، فلا عبرة بما في نسخ سقيمة من زيادة أشهد أن لا إله إلا اللّه (شهد له المؤمنون من الأولين والآخرين) فقبلت ممن قلبت وردت على من ردت. هذا بقية الحديث. عند من عزاه لهما فلم يوف بقوله بلفظ بل حذف منه جملاً كما علم. (وعند ابن زنجويه:) بزاي مفتوحة فنون ساكنة فجيم مضمومة فواو ساكنة عند المحدثين، لأنهم لا يحبون، وبه وهو لقب لمخلد والد حميد بضم المهملة ابن مخلد بن قتيبة بن عبد اللّه الأزدي أبي أحمد النسائي الحافظ الثقة الثبت، روى عن أبي عاصم النبيل وعلي بن المديني ومحمد بن يوسف الفريابي وعنه أبو داود والنسائي وغيرهما، مات سنة ثمان، وقيل: سبع وأربعين ومائتين، وقيل: سنة إحدى وخمسين ومائتين (في فضائل الأعمال) أحد تصانيفه (عن كثير بن مرة الحضرمي) نزيل حمص له إدراك، أرسل حديثًا فذكره عبدان المروزي وابن أبي خيثمة في الصحابة، وذكره غيرهما في التابعين، ووثقه ابن سعد والعجلي والنسائي وغيرهم وأدرك سبعين بدريا. وروى له أصحاب السنن والبخاري في جزء القراء خلف الإمام، وذكره فيمن مات في ٢٨٣ الفصل الثالث في أمور الآخرة قال رسول الله عَ له: ((تبعث ناقة ثمود لصالح فيركبها من عند قبره حتى توافي به المحشر، وأنا على البراق اختصصت به من دون الأنبياء يومئذ، ويبعث بلال على ناقة من نوق الجنة ينادي على ظهرها بالأذان حقًا، فإذا سمعت الأنبياء وأممها: أشهد أن محمدًا رسول الله قالوا: ونحن نشهد على ذلك)). وذكر الشيخ زين الدين المراغي، مما عزاه لابن النجار في تاريخ المدينة عن كعب الأحبار، والقرطبي في (التذكرة)) وابن أبي الدنيا عن كعب. أنه دخل على عائشة رضي الله عنها، فذكروا رسول الله عَّةٍ فقال كعب: ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفًا من الملائكة حتى يحفون بالقبر، ويضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي عَ لّهِ حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط سبعون ألف ملك يحفون بالقبر العشر الثاني من الهجرة قاله في الإصابة ملخصًا (قال: قال رسول اللّه عَ له تبعث ناقة ثمود) يوم القيامة (لصالح فيركبها من عند قبره حتى توافي) أي تأتي (به المحشر وأنا على البراق اختصصت) بالبناء للمفعول، أي خصني اللّه (به من دون الأنبياء يومئذٍ) فإنهم يركبون على الدواب كما مر (ويبعث بلال على ناقة من نوق الجنة ينادي على ظهرها بالأذان حقًّا) ثابتًا (فإذا سمعت الأنبياء وأممها أشهد أن محمدًا رسول اللّه، قالوا: ونحن نشهد على ذلك) وجزم الحليمي والغزالي بأن الذين يحشرون ركبانًا يركبون من قبورهم، وقال الإِسمعيلي: يمشون من قبورهم إلى الموقف ويركبون من ثم جمعًا بينه وبين حديث الصحيحين يحشر الناس حفاة مشاة، قال البيهقي: والأول أولى، ثم لا يعارض هذا ما ورد مرسلاً أن المؤمن يركب عمله والكافر يركبه عمله، لأن بعضهم يركب الدواب وبعضهم الأعمال أو يركبونها فوق الدواب. (وذكر الشيخ زين الدين المراغي:) بميم مفتوحة وغين معجمة من مراغة الصعيد بمصر (مما عزاه لابن النجار) محمد بن محمود الحافظ (في تاريخ المدينة) المسمى بالدرر الثمينة (عن كعب الأحبار والقرطبي في التذكرة وابن أبي الدنيا) وأبو الشيخ ابن المبارك كلهم (عن كعب) بن مانع المعروف بكعب الأحبار (أنه دخل على عائشة رضي الله عنها فذكروا ﴾، فقال كعب: ما من فجر يطلع إلاّ رسول الله) أي ما يتعلق به مما خص به من الكرامات نزل سبعون ألفًا من الملائكة حتى يحفون) أي: يطوفون. كذا في النسخ بالنون (بالقبر) النبوي (يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي عَّة) لفظ رواية المذكورين يضربون قبر النبي عَّة بأجنحتهم ويحفون به ويستغفرون له ويصلون عليه (حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط سبعون ألف ملك يحفون بالقبر يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي ◌َِّ سبعون ألفًا بالليل وسبعون ألفًا بالنهار حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفًا ٢٨٤ الفصل الثالث في أمور الآخرة يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي عَّ له، سبعون ألفًا بالليل وسبعون ألفًا بالنهار، حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفًا من الملائكة يوقرونه صلى الله عليه وسلم. وفي ((نوادر الأصول)) للحكيم الترمذي من حديث ابن عمر قال: خرج رسول الله عَّةٍ ويمينه على أبي بكر وشماله على عمر، فقال: ((هكذا نبعث يوم القيامة)). وعن أبي هريرة عن النبي عَّةٍ قال: ((أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسى حلة من حلل الجنة، ثم أقوم عن يمين العرش، ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري)). رواه الترمذي. وفي رواية جامع الأصول عنه: ((أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسى))، وفي رواية كعب: ((حلة خضراء)). من الملائكة يوقرونه) يعظمونه (عَّة) إكرامًا لم ينقل عن غيره ولعل كعبًا علم هذا من الكتب القديمة لأنه حبرها. (وفي نوادر الأصول للحكيم) محمد بن علي (الترمذي) من طبقة البخاري (من حديث ابن عمر، قال: خرج رسول اللّه عٍَّ ويمينه على أبي بكر وشماله على عمر، فقال: هكذا نبعث يوم القيامة) ولعل ذلك عقب خروجهم من القبر قبل ركوب المصطفى البراق وركوبهما الناقتين. وعند ابن أبي عاصم عن ابن عمر: أن النبي عَِّ دخل المسجد. وأبو بكر عن يمينه آخذًا بيده وعمر عن يساره آخذًا بيده وهو متكى عليهما، فقال: هكذا نبعث يوم القيامة ولا خلف، فإنه خرج من بيته ودخل المسجد. (وعن أبي هريرة عن النبي عَّله) قال: (أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسى) بالبناء للمفعول (حلة من حلل الجنة) تكرمة له حيث أتى من لباسها قبل دخولها كدأب الملوك مع خواصها، وشاركه في ذلك إبراهيم مجازاة على تجرده حين ألقي في النار (ثم أقوم عن يمين العرش) فوق كرسي يؤتى له به كما يأتي (ليس أحد من الخلائق) جمع خليقة فيمشل الثقلين والملائكة (يقوم ذلك المقام غيري) خصيصة، شرفني اللّه بها (وأخذ أعم العام) وهذا هو الفضل المطلق، والمراد بالمقام يمين العرش فلا يعارض ما ورد أن إبراهيم يقوم على يسار العرش. (رواه الترمذي) وقال حسن صحيح غريب (وفي رواية جامع الأصول، عنه) أي الترمذي: (أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسى) إلى آخر الحديث. (وفي رواية كعب) بن ملك الأنصاري السلمي مرفوعًا في حديث بلفظ: ويكسوني ربي ٢٨٥ الفصل الثالث في أمور الآخرة وفي البخاري، من حديث ابن عباس، عنه عَّهِ: ((تحشرون حفاة عراة غرلا، كما بدأنا أول خلق نعيده وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم). وأخرجه البيهقي، وزاد: ((وأول من يكسى من الجنة إبراهيم، يكسى حلة من الجنة ويؤتى بكرسي فيطرح عن يمين العرش، ثم يؤتى بي فأكسى حلة من الجنة لا يقوم لها البشر)). وفيه: أنه يجلس على الكرسي عن يمين العرش. (حلة خضراء) رواه الطبراني فبين لونها (وفي البخاري) في مواضع ومسلم والترمذي، ويأتي للمصنف قريبًا، عزوه للشيخين (من حديث ابن عباس، عنه عَّه) أنه قال: إنكم (تحشرون) عند الخروج من القبور حال كونكم (حفاة:) بضم الحاء وخفة الفاء جمع حافٍ، أي بلا خف ولا تعل (عراة) لا ثياب عليهم (غرلاً) بضم الغين المعجمة وإسكان الراء، يعني غير مختونين والغرلة ما يقطعه الخاتن وهي القلقة، قال في البدور: ترد إليه الجلدة التي قطعت بالختان وكذلك يرد إليه كل جزء فارقه في الحياة كالشعر والظفر ليذوق نعيم الثواب وأليم العذاب انتھی. ونحوه قول ابن عبد البر يحشر الآدمي عاريًا، ولكل من الأعضاء ما كان له يوم ولد، فمن قطع منه شيء يرد إليه حتى الأقلف، وقال أبو الوفاء بن عقيل: حشفة الأقلف موقاة بالقلفة فتكون أرق، فلما أزالوا تلك القطعة في الدنيا أعادها اللّه تعالى ليذيقها من حلاوة فضله، ثم قرأ: (كما بدأنا أول خلق نعيده) أي نوجده بعينه بعد إعدامه مرة أخرى أو تركيب أجزائه بعد تفريقها من غير إعدام أو الأول أوجه، لأنه تعالى شبه الإِعادة بالابتداء والابتداء ليس عبارة عن تركيب الأجزاء المتفرقة، بل عن الوجود بعد العدم، فوجب أن تكون الإِعادة كذلك، وأورد الطيبي أن سياق الآية في إثبات الحشر والنشر، لأن المعنى نوجدكم من العدم كما أوجدناكم أولاً من العدم، فكيف يستشهد بها للمعنى المذكور، أي من كونهم غرلاً، وأجاب بأن سياق الآية وعبارتها يدل على إثبات الحشر وإشارتها على المعنى المراد من الحديث فهو من باب الإدماج انتھی. (وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم) لأنه جرد حين ألقي في النار، أو لأنه أول من لبس السراويل. (وأخرجه البيهقي) في البعث (وزاد: وأول من يكسى من الجنة إبراهيم يكسى حلة من الجنة) فبين ما يكساه (ويؤتى بكرسي فيطرح) أي: يجعل ويوضع (عن يمين العرش ثم يؤتى) بحاء (بي فاكسى حلة من الجنة لا يقوم) أي: لا يصلح (لها البشر) فاستعمل القيام في لازم معناه اللغوي وهو الاستقلال بالأمر دون غيره، وذلك اللازم عدم صلاحية غيره لتلك الحلة ٢٨٦ الفصل الثالث في أمور الآخرة ولا يلزم من تخصيص إبراهيم عليه السلام بأنه أول من يكسى أن يكون أفضل من نبينا معَّ ◌ُلِّ، على أنه يحتمل أن يكون نبينا عَّلِ خرج من قبره في ثيابه التي مات فيها، والحلة التي يكساها يومئذٍ حلة الكرامة، بقرينة إجلاسه عند ساق العرش، فتكون أولية إبراهيم في الكسوة بالنسبة لبقية الخلق. وأجاب الحليمي: بأنه يكسى إبراهيم أولاً، ثم يكسى نبينا، عليهما الصلاة والسلام، على ظاهر الخبر، لكن حلة نبينا أعلى وأكمل، فيجبر بنفاستها ما فات من الأولية وفي حديث أبي سعيد عند أبي داود وصححه ابن حبان، أنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها وقال: سمعت رسول الله عَّ ه يقول: إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها. (وفيه) أي: في بقية حديث البيهقي المذكور (أنه) عَِّ (يجلس على الكرسي عن يمين العرش) فمعنى قوله في الحديث السابق: ثم أقوم عن يمين العرش، أي أثبت جالسًا على الكرسي بدليل هذه الرواية (ولا يلزم من تخصيص إبراهيم عليه السلام بأنه أول من يكسى أن يكون أفضل من نبينا عَّ له) لأن المفضول قد يمتاز بشيء يخص به ولا يلزم منه الفضيلة المطلقة، وقول صاحب المفهم: يجوز أن يراد بالخلائق ما عدا نبينا عََِّّ فلا يدخل في عموم خطابه، تعقبه تلميذه في التذكرة بحديث علي عند ابن المبارك في الزهد: أول من يكسى يوم القيامة خليل اللّه قبطيتين، ثم يكسى محمد عَّله حلة حبرة عن يمين العرش. انتهى. (على أنه يحتمل أن يكون نبينا عَّ خرج من قبره في ثيابه التي مات) أي دفن (فيها والحلة التي يكساها يومئذٍ حلة الكرامة بقرينة إجلاسه عند ساق العرش، فتكون أولية إبراهيم في الكسوة بالنسبة لبقية الخلق) وعلى هذا الاحتمال يكون ذلك خصوصية أخرى للمصطفى حيث تبلى ثياب الخلائق وثيابه لا تبلى حتى يكسى الحلة. (وأجاب الحليمي بأنه يكسى إبراهيم أولاً؛ ثم يكسى نبينا عليهما السلام على ظاهر الخبر، لكن حلة نبينا أعلى وأكمل، فيجبر بنفاستها ما فات من الأولية) فكأنه كسى مع الخلیل. هذا بقية كلام الحليمي (وفي حديث أبي سعيد الخدري عند أبي داود وصححه ابن حبان) والحاكم (أنه لما حضره الموت) أي: أسبابه، وفي رواية: لما احتضر (دعا بثياب جدد فلبسها، وقال: سمعت رسول اللّه عَّه يقول: إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها). ٢٨٧ الفصل الثالث في أمور الآخرة وعند الحارث بن أبي أسامة وأحمد بن منيع: فإنهم يبعثون في أكفانهم ويتزاورون في أكفانهم. ويجمع بينه وبين ما في البخاري بأن بعضهم يحشر عاريًا وبعضهم كاسيًا، أو يحشرون كلهم عراة ثم يكسى الأنبياء، وأول من يكسى إبراهيم عليه السلام، أو يخرجون من القبور بالثياب التي ماتوا فيها ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر، فیحشرون عراة ثم یکون أول من یکسی إبراهيم. وحمل بعضهم حديث أبي سعيد على الشهداء، فيكون أبو سعيد سمعه في الشهداء فحمله على العموم. (وعند الحرث بن أبي أسامة وأحمد بن منيع) بفتح الميم وكسر النون ابن عبد الرحمن البغوي نزيل بغداد حافظ ثقة يروي عنه مسلم والأربعة وغيرهم، مات سنة أربع وأربعين ومائتين وله أربع وثمانون سنة، وكذا عند الخطيب الثلاثة عن جابر رفعه: إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه (فإنهم يبعثون) من قبورهم (في أكفانهم) التي يكفنون فيها (ويتزاورون) يزور بعضهم بعضًا في القبور (في أكفانهم) إكرامًا للمؤمنين بتأنيس بعضهم ببعض كما كان حالهم في الدنيا وإن كانت الأحياء لا تشاهد ذلك، فأحوال البرزخ لا يقاس عليها، وحديث جابر هذا إسناده صالح كما نقله الحافظ في اللسان عن العقيلي. ورواه هو والخطيب وسموية من حديث أنس مثله: (ويجمع) كما قال البيهقي وغيره (بينه) أي ما ذكر من هذه الأحاديث المصرحة بأنهم يحشرون كاسين (وبين ما في البخاري) ومسلم أنكم تحشرون حفاة عراة (بأن بعضهم يحشر عاريًا وبعضهم كاسيًا) بثيابه (أو يحشرون كلهم عراة ثم تكسى الأنبياء وأول من بكسى إبراهيم عليه السلام) لأنه جرد لما ألقي في النار، أو لأنه أول من لبس السراويل، أو لشدة خوفه من اللّه فعجلت له الكسوة أمانًا له ليطمئن قلبه. واختاره الحليمي وروى ابن منده مرفوعًا: أول من يكسى إبراهيم، فيقول الله: اكسوا خليلي ليعلم الناس فضله عليهم (أو يخرجون من القبور بالثياب التي ماتوا فيها، ثم تتاثر:) تتساقط (عنهم عند ابتداء الحشر فيحشرون عراة، ثم يكون أول من يكسى إبراهيم) عليه السلام (وحمل بعضهم حديث أبي سعيد) أن الميت يبعث في ثيابه التي مات فيها (على الشهداء، فيكون أبو سعيد سمعه في الشهداء) الذين أمر أن يدفنوا بثيابهم التي قتلوا فيها وبها الدم (فحمله) أبو سعيد (على العموم) في الشهداء وغيرهم، وهذا نقله القرطبي وفيه بعد. ٢٨٨ الفصل الثالث في أمور الآخرة وأما ما رواه الطبري في ((الرياض النضرة)) وعزاه للإمام أحمد في المناقب عن محدوج بن زيد الهذلي أن النبي عَّه قال لعلي: أما علمت يا علي أنه أول من يدعى به يوم القيامة بي، فأقوم عن يمين العرش في ظله، فأكسى حلة خضراء من حلل الجنة، ثم يدعى بالنبيين بعضهم على أثر بعض، فيقومون سماطين عن يمين العرش ويكسون حللاً خضرًا من حلل الجنة، ألا وإن أمتي أول الأمم يحاسبون يوم القيامة، ثم أبْشِر، فأول من يدعى بك، فيدفع لك لوائي وهو لواء الحمد، فتسير به بين السماطين، آدم وجميع خلق الله تعالى يستظلون بظل لوائي يوم القيامة، وطوله مسيرة ألف سنة وستمائة سنة، وسنانه ياقوتة حمراء، قبضته فضة بيضاء، زجه درة خضراء، له ثلاث ذوائب من نور، ذؤابة في المشرق، وذؤابة في المغرب، والثالثة في وسط الدنيا، مكتوب عليه ثلاثة أسطر، الأول: قال البيهقي: وبعضهم حمله على العمل الصالح لقوله ولباس التقوى ذلك خير (وأما ما رواه الطبري) الحافظ محب الدين (في الرياض النضرة) في فضائل العشرة (وعزاه للإِمام أحمد في المناقب عن محدوج) بفتح الميم وإسكان الحاء المهملة فدال مهملة فواو فجيم (ابن زيد الهذلي) ذكره في الإصابة في القسم الأول وقال: قال أبو نعيم مختلف في صحبته (أن النبيِ عَِّ قال لعلي: أما علمت يا على أنه) أي: الحال والشأن (أول من يدعى به يوم القيامة بي) يعني: نفسه عَّ (فأقوم عن يمين العرش في ظله) أي: العرش (فاكسى حلة خضراء من حلل الجنة، ثم يدعى بالنبيين بعضهم على إثر بعض فيقومون سماطين) بكسر السين بزنة كتابين، أي جانبين (عن يمين العرش ويكسون حللاً خضراً من حلل الجنة) هذا منابذ لما صح لا يقوم ذلك المقام أحد غيري، يعني: الذي عن يمين العرش (ألاً) بالفتح والتخفيف (وأن أمتي أول الأمم يحاسبون يوم القيامة، ثم أبشر) يا علي بهمزة قطع نحو أبشروا بالجنة (فأول من يدعى بك) أي: من الأمة بعد الأنبياء (فيدفع لك لوائي وهو لواء الحمد) بكسر اللام والمد (فتسير به بين السماطين وادم وجميع ما خلق اللّه تعالى يستظلون بظل لوائي يوم القيامة وطوله مسيرة ألف سنة وستمائة سنة وسنانه ياقوتة خضراء) وفي نسخة: حمراء، ولعل المراد بالسنان هنا ما يجعل في رأس اللواء (قبضته المحل الذي) يقبض منه، أي يمسك (فضة بيضاء زجه) بضم الزاي وبالجيم (درة خضراء له ثلاث ذوائب) بذال معجمة (من نور ذؤابة في المشرق وذؤابة في المغرب والثالثة في وسط الدنيا مكتوب عليه ثلاثة أسطر، الأول بسم الله الرحمن الرحيم، الثاني الحمد لله رب العالمين، الثالث لا إله إلاّ اللّه ٢٨٩ الفصل الثالث في أمور الآخرة بسم الله الرحمن الرحيم، الثاني: الحمد لله رب العالمين، الثالث: لا إله إلا الله محمد رسول الله، طول كل سطر ألف سنة، وعرضه مسيرة ألف سنة، فتسير باللواء والحسن . عن يمينك، والحسين عن يسارك، حتى تقف بيني وبين إبراهيم عليه السلام في ظل العرش، ثم تكسى حلة من الجنة)). والسماطان من الناس والنخل: الجانبان. ورواه ابن سبع في الخصائص بلفظ: قال سأل عبد الله بن سلام رسول الله عٍَّ عن لواء الحمد ما صفته؟ قال: ((طوله مسيرة)) ... الحديث. فقال الحافظ قطب الدين الحليمي: كما نقله عنه المحب بن الهائم: إنه موضوع بين الوضع. قال: والله أعلم بحقيقة لواء الحمد. محمد رسول اللّه، طول كل سطر ألف سنة وعرضه مسيرة ألف سنة) فنقص كل سطر عن طوله ستمائة سنة لأنه قدم أن طوله ألف وستمائة (فتسير) يا علي (باللواء والحسن عن يمينك والحسين عن شمالك حتى تقف بيني وبين إبراهيم عليه السلام في ظل العرش، ثم تكسى) يا علي (حلة من الجنة والسماطان من الناس والنخل الجانبان). (ورواه ابن سبع) بفتح السين وسكون الموحدة وضمها أبو الربيع (في) كتاب (الخصائص بلفظ: قال سأل عبد اللّه بن سلام) الصحابي المبشر بالجنة (رسول اللّه عَلُّ عن لواء الحمد ما صفته فقال طوله مسيرة) ألف سنة، فذكر (الحديث) المذكور (فقال الحافظ قطب الدين) عبد الكريم بن عبد النور الحلبي، ثم المصري مفيد الديار المصرية وشيخها: وكان حبرًا عالمًا متواضعًا حسن السمت غزير المعرفة متقنًا بلغ شيوخه الألف ولد في رجب سنة أربع وستين وستمائة ومات في رجب سنة خمس وثلاثين وسبعمائة وله تصانيف عديدة (كما نقله عنه المحب بن الهائم أنه موضوع بين) أي: ظاهر (الوضع) ولا يقدح ذلك في جلالة من خرجه أحمد بن حنيل، لأن المحدثين إذا أبرزوا الحديث بسنده برئوا من عهدته (قال) القطب: والله أعلم بحقيقة لواء الحمد)، فيه إيماء إلى أنه حقيقي لا معنوي وفيه قولان نقلهما الطيبي وغيره، أحدهما أنه معنوي، لأن حقيقة اللواء الراية والمراد انفراده بالحمد يوم القيامة وشهرته على رؤوس الخلائق بالحمد، وقيل: حقيقي ورجح، وعليه التوربشتي حيث قال: لا مقام من مقامات عباد الله الصالحين أرفع وأعلى من مقام الحمد ودونه تنتهي جميع المقامات، ولما كان عظّ أحمد الخلق في الدارين أعطى لواء الحمد ليأوي إلى لوائه الأولون والآخرون، وأضاف اللواء إلى الحمد الذي هو الثناء على اللّه بما هو أهله لأنه منصبه في الموقف وهو المقام المحمود المختص به اهـ ٢٩٠ الفصل الثالث في أمور الآخرة وفي حديث أبي سعيد - عند الترمذي بسند حسن - قال: قال رسول الله عَُّ له: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي آدم فمن سواه إلا تحت لوائي)). الحديث. واللواء: الراية، وفي عرفهم لا يمسكها إلا صاحب الجيش ورئيسه، ويحتمل أن تكون بيد غيره بإذنه وتكون تابعة له ومتحركة بحركته، تميل معه حيثما مال، لا أنه يمسكها بيده، إذ هذه الحالة أشرف. وفي استعمال العرب عند الحروب، إنما يمسكها صاحبها، ولا يمنعه ذلك من القتال بها، بل يقاتل بها ممسكًا لها أشد القتال، ولذا لا يليق بأمساكها كل أحد، بل مثل علي رضي الله عنه، كما قال: ((لأعطين الراية غدًا رجلاً يحب الله ورسوله، ویحبه الله ورسوله)). وإنما أضاف ((اللواء)) إلى ((الحمد)) الذي هو الثناء على الله بما هو أهله. لأن (وفي حديث أبي سعيد) سعد بن ملك الخدري (عند الترمذي بسند حسن) قال الترمذي: حسن صحيح، (قال: قال رسول اللّه ◌َ أنا سيد ولد ءادم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي ءادم فمن سواه إلاّ تحت لوائي ... الحديث) قدم المصنف تتمته قريبًا، وهو: وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، ومر أن باقيه: وأنا أول شافع وأول مشفعٍ ولا فخر (واللواء) بالكسر والمد: (الراية، وفي عرفهم) أي: العرب (لا يمسكها:) يحملها (إلاّ صاحب الجيش ورئيسه) عظيمه الشريف القدر. (ويحتمل أن تكون) مراده وقد تجعل (بيد غيره بإذنه وتكون تابعة له ومتحركة بحركته تميل معه حيثما مال لا أنه يمسكها بيده، إذ هذه الحالة أشرف) من کونه يمسكها، أي: يحملها بيده (وفي استعمال العرب عند الحروب إنما يمسكها صاحبها ولا يمنعه ذلك من القتال بها بل يقاتل بها) حال كونه (ممسكًا لها أشد القتال) معمول يقاتل (ولذا لا يليق بإمساكها كل أحد، بل) البطل الشجاع الصنديد (مثل علي رضي اللّه عنه، كما قال) عَّه في غزوة خيبر: (لأعطين الراية غدًا رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) أراد وجود حقيقة المحبة وإلا فكل مسلم يشترك مع علي في مطلق هذه الصفة وفيه تلميح بقوله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون اللّه فاتبعوني يحببكم اللّه﴾ [آل عمران/ ٣١]: فكأنه أشار إلى أن علياً تام الاتباع له عَّله حتى وصفه بصفة محبة اللّه، ولذا كانت محبته علامة الإِيمان وبغضه علامة النفاق كما في مسلم وغيره مرفوعًا: وقدم الجملة الأولى على الثانية إشارة إلى أن محبة الله ورسوله لعلي جزاء له على محبته لهما (وإنما أضاف اللواء إلى الحمد الذي هو الثناء على اللّه بما هو أهله، لأن ٢٩١ الفصل الثالث في أمور الآخرة ذلك هو منصبه في ذلك الموقف دون غيره من الأنبياء. وقد اختلف في هيئة حشر الناس. ففي البخاري من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له: ((يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتَهم النار، تَقيل معهم حيث، قالوا، وتبيت معهم ذلك هو منصبه في ذلك الموقف دون غيره من الأنبياء) و والمقام المحمود المخصوص به واللواء في عرصات القيامة مقامات لأهل الخير والشر ينصب في كل مقام لكل متبوع لواء يعرف به قدره، كما قال عَّله: ((إن لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به عند استه). رواه أحمد والطيالسي عن أنس بإسناد حسن: وأعلى تلك المقامات مقام الحمد، فأعطي لأحمد الخلائق حمدًا أعظم الألوية وهو لواء الحمد ليأوي إليه الأولون والآخرون فهو لواء حقيقي، وعند اللّه علم حقيقته ولا وجه لصرفه إلى المجاز وإن أفتى به السيوطي، لأنه لا يعدل عن الحقيقة ما وجد إليها سبيل كما نص على ذلك ابن عبد البر وغيره في حديث أكل الشيطان. (وقد اختلف في هيئة حشر الناس) أتى بلفظ هيئة إشارة إلى أنه لا خلاف في الحشر إنما الخلاف في صفته (ففي البخاري من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه عَّله يحشر الناس على ثلاث) ولمسلم ثلاثة (طرائق:) جمع طريق يذكر ويؤنث، قال المصنف: أي فرق فرقة (راغبين راهبين) يغيروا في الفرع كأصله، وقال في الفتح: وراهبين بالواو، وفي مسلم: بغير واو، وعلى الروايتين فهي الطريقة الأولى والفرقة الثانية (واثنان على بعير وثلاثة على بعيز وأربعة على بعير وعشرة) يعتقبون (على بعير). قال المصنف: بإثبات الواو في الأربعة في فرع اليونينية كهي، وقال الحافظ ابن حجر: بالواو في الأول فقط، وفي رواية مسلم والإِسمعيلي: بالواو في الجميع ولم يذكر الخمسة والستة إلى العشرة إيجازًا واكتفاء بما ذكر من الأعداد مع أن الاعتقاب ليس مجزومًا به ولا مانع أن يجعل اللّه في البعير ما يقوى به على حمل العشرة، قال: ولم يذكر أن واحدًا على بعير إشارة إلى أنه يكون لمن فوقهم كالأنبياء، قال: ويحتمل أن يمشوا وقتًا، ثم يركبوا أو يكونوا ركبانًا، فإذا قاربوا المحشر نزلوا فمشوا، وأما الكفار فإنهم مشاة على وجوههم. انتهى. وقال البيهقي: قوله راغبين إشارة إلى الأبرار وراهبين إشارة إلى المخلطين الذين هم بين الرجاء والخوف والذين تحشرهم النار الكفار، وذكر الحليمي مثله وزاد: إن الأبرار وهم المتقون يؤتون بنجائب من الجنة، وأما البعير الذي يحمل عليه المخلطون فيحتمل أنه من إبل الجنة وأنه : ٢٩٢ الفصل الثالث في أمور الآخرة حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا)) رواه الشيخان. وقد مال الحليمي إلى أن هذا الحشر يكون عند الخروج من القبور، وجزم به الغزالي، وقيل: إنهم يخرجون من القبور بالوصف المذكور في حديث ابن عباس عند الشيخين: أن رسول الله عَّ ◌ُله قال: ((إنكم محشورون حفاة عراة غرلا، ثم قرأ: ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده وعدًا علينا إنا كنا فاعلين﴾)) ثم يفترق حالهم من من الإِبل التي تحيا وتحشر يوم القيامة وهذا أشبه لأنهم بين الرجاء والخوف فلم يلق أن يردوا موقف الحساب على نجائب الجنة، قال: ويشبه أيضًا تخصيص هؤلاء بمن تغفر لهم ذنوبهم عند الحساب ولا يعذبون، أما المعذبون بذنوبهم فيكونون مشاة على أقدام نقلة في البدور (وتحشر بقيتهم النار) لعجزهم عن تحصيل ما يركبونه وهم الفرقة الثالثة، والمراد بالنار هنا نار الدنيا لا نار الآخرة، فلمسلم في حديث ذكر فيه الآيات الكائنة قبل قيام الساعة كطلوع الشمس من مغربها، ففيه: وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن ترحل الناس، وفي رواية له: تطرد الناس إلى حشرهم، قال المصنف: وقيل: المراد نار الفتنة وليس المراد نار الآخرة، قال الطيبي: لأنه جعل النار هي الحاشرة ولو أريد نار الآخرة لقال إلى النار، ولقوله: (تقيل) من القيلولة (معهم حيث قالوا: وتبيت) من البيتوتة (معهم حيث باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا) فإنها جملة مستأنفة بيان للكلام السابق، فإن الضمير في تقيل راجع إلى النار الحاشرة وهو من الاستعارة، فيدل على أنها ليست النار الحقيقية بل نار الفتنة كما قال تعالى: ﴿كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله﴾) [المائدة/ ٦٤] انتهى. ولا يمتنع إطلاق النار على الحقيقة وهي التي تخرج من قعر عدن وعلى المجازية وهي الفتنة إذ لا تنافي بينهما. (رواه الشيخان) باعتبار أصله وإن اختلفا في بعض ألفاظه، ولذا نسبه أولاً للبخاري، فلو قال: أولاً، فعن أبي هريرة، ثم قال: هنا رواه الشيخان واللفظ للبخاري لكان أحسن. (وقد مال الحليمي إلى أن هذا الحشر) المذكور في حديث أبي هريرة: (يكون عند الخروج من القبور، وجزم به الغزالي وقيل:) وإليه أشار الخطابي (أنهم يخرجون في القبور بالوصف المذكور في حديث ابن عباس عند الشيخين) الذي قصر المصنف آنفًا في عزوه للبخاري وحده؛ (أن رسول اللّه عَظ قال:) وفي رواية عن ابن عباس: قام فينا النبي عَّ يخطب، فقال: (إنكم تحشرون) بضم الفوقية مبني للمفعول، وفي رواية: محشورون بفتح الميم اسم مفعول، وفي رواية عن ابن عباس: سمعت رسول اللّه عَ يخطب على المنبر، يقول: إنكم ملاقو اللّه (حفاة عراة غرلاً) بضم المعجمة وإسكان الراء: جمع أغرل، أي: أقلف، زاد في رواية للشيخين: مشاة (ثم قرأ: ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده وعدًا علينا أنا كنا فاعلين﴾) ٢٩٣ الفصل الثالث في أمور الآخرة ثم إلى الموقف، كما في حديث أبي هريرة: ((ويحشر الكافر على وجهه))، قال رجل: يا رسول الله، كيف يحشر على وجهه؟ قال: ((أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة)) أخرجه الشيخان. الإِعادة والبعث ونصب وعدًا على المصدر المؤكد لمضمون الجملة المتقدمة فناصبه مضمر، أي: وعدناه ذلك وعدًا. ورواه الشيخان أيضًا عن عائشة بزيادة: فقلت يا رسول اللّه الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض، فقال: يا عائشة الأمر يومئذٍ أشد من ذلك، والطبراني والبيهقي عن سودة بنت زمعة: قلت يا رسول اللّه واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض، قال: شغل الناس عن ذلك لكل امرىء منهم يومئذٍ شأن يغنيه، وللطبراني بسند صحيح عن أم سلمة: فقلت: يا رسول اللّه واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض، فقال: شغل الناس، قلت: فما شغلهم؟، قال: نشر الصحائف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل (ثم يفترق حالهم من ثم) أي: من عند القبور (إلى الموقف كما) قال (في حديث أبي هريرة) المذكور: يحشر الناس على ثلاث طرائق ... الخ. فلا خلف بينه وبين حديث ابن عباس: (ويحشر الكافر على وجهه) كما قال تعالى: ﴿ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم﴾) [الإسراء/ ٩٧]، وقال: ﴿الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم﴾) [الفرقان/ ٣٤] (قال رجل) قال الحافظ: لم أعرف اسمه (يا رسول اللّه كيف يحشر الكافر) ماشيًا (على وجهه) وحكمه ذلك المعاقبة على عدم سجوده للّه في الدنيا وكفره، فمشى على وجهه إظهارًا لهوانه في ذلك المحشر العظيم جزاءً وفاقًا والسؤال للاستفهام عما سمعه السائل في القرءان، فلا حاجة لقول المصنف هذا السؤال مسبوق بمثل قوله: يحشر بعض الناس يوم القيامة على وجوههم (قال) عَّةٍ: (أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادر) بالرفع خبر الذي واسم ليس ضمير الشأن. وروى بالنصب خبر ليس (على أن يمشيه) بضم التحتية وسكون الميم (على وجهه يوم القيامة) ولأحمد عن أبي هريرة أنهم قالوا: يا رسول اللّه كيف يمشون على وجوههم، قال: إن الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، أما أنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك، قال الحافظ: ظاهر الحديث أن المشي حقيقة، فلذلك استغربوه حتى سألوا عن كيفيته، وزعم بعض المفسرين أنه مثل وأنه كقوله تعالى: ﴿أفمن يمشي مكبًا على وجهه أهدي أمن بمشي سويًا﴾﴾ [الملك/ ٢٢]، قال مجاهد: هذا مثل المؤمن والكافر، قلت: لا يلزم من تفسير مجاهد لهذه الآية بهذا أن يفسر به الآية الأخرى، فالجواب الصادر من النبي عَّه ظاهر في تقرير المشي على حقيقته اهـ. (رواه الشيخان) البخاري في تفسير سورة الفرقان وفي الرقاق، ومسلم في التوبة عن أنس ٢٩٤ الفصل الثالث في أمور الآخرة وفي حديث أبي ذر عند النسائي مرفوعًا: ((إن الناس يحشرون على ثلاثة أفواج. فوجًا راكبين طاعمين كاسين، وفوجًا تسحبهم الملائكة على وجوههم، وفوجا يمشون ويسعون). (وفي حديث أبي ذر عند النسائي) وأحمد والحاكم والبيهقي (مرفوعًا): قال: حدثني الصادق المصدوق عَّ (أن الناس يحشرون) أسقط من الحديث يوم القيامة (على ثلاثة (أفواج فوجًا) كذا في النسخ بالنصب والذي في شرحه للبخاري والبدور السافرة فوج بالخفض بدل من ثلاثة المجرور بعلى وهي ثابتة في الحديث وفي أصل نسخ المواهب، ولما رآها الجهال فوجًا بالنصب تجاسروا وضربوا على لفظ على مع أنه لو روى بالنصب لكان بتقدير أعني ولا داعية لشطب على (راكبين طاعمين كاسين) وهم الأبرار (وفوجًا) بالخفض على الصوبا، وإن كان في النسخ فوجًا (تسحبهم الملائكة على وجوههم) وهم الكفار (وفوجًا) صوابه وفوج (يمشون ويسعون) وهم المؤمنون العاصون. والرواية كما في شرحه للبخاري والبدور بتقديم قوله: وفوج يمشون على قوله وفوج تسحبهم ... الخ. قال المصنف في بقية الحديث أنهم سألوا عن السبب في مشي المذكورين، فقال عَـ يلقي اللّه الآفة على الظهر حتى لا تبقى ذات ظهر حتى إن الرجل ليعطي الحديقة المعجبة بالشارف ذات القتب، أي: يشتري الناقة المسنة لأجل كونها تحمله على القتب بالبستان الكريم لهوان العقار الذي عزم على الرحيل عنه وعزة الظهر الذي وصله إلى مقصوده وهذا لائق بأحوال الدنيا، لكن استشكل قوله فيه يوم القيامة، وأجيب بأنه مؤول على أن المراد به أن يوم القيامة يعقب ذلك فيكون من مجاز المجاورة، ويتعين ذلك لما وقع فيه أن الظهر يقل ... الخ. فإنه ظاهر جدًا في أنه من أحوال الدنيا لا بعد البعث ومن أين للذين يبعثون حفاة عراة حدائق يدفعونها في الشوارف، ومال الحليمي وغيره إلى أن هذا الحشر يكون عند الخروج من القبور، وجزم به الغزالي والتوربشتي وقرره بما يطول ذكره. انتهى كلام المصنف وعلى ما جزموا به يؤول في قوله: يلقي اللّه الآفة بأن المراد يعدمها يوم القيامة فلا يجدون ظهرًا، وأما قوله حتى أن الرجل ... الخ. فمعناه يود لو كانت له حديقة فيعطي ... الخ على نحو قوله تعالى: ﴿يود المجرم﴾ [المعارج/ ١١]، وغير ذلك وليس التجوز في هذا بأبعد من التجوز في صرف يوم القيامة عن ظاهره، فإن بين النفختين أربعين سنة ولا يذهبون إلى الحشر قبل النخفة الأولى، بل إذا وقعت مات كل حي مكانه، ثم إذا نفخ فيه الثانية قاموا من قبورهم ذاهبين إلى محل الحشر، وأي ٢٩٥ الفصل الثالث في أمور الآخرة وفي حديث سهل بن سعد مرفوعًا: ((يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء، كقرصة النقى ليس فيها علم لأحد)) رواه الشيخان. مجاز يصح في قوله وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم، فإن الملائكة لا تفعل ذلك في الدنيا بالكفار. (وفي حديث سهل بن سعد مرفوعًا: يحشر) بضم التحتية مبنيًّا للمفعول (الناس) أي يحشرهم اللّه تعالى (يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء) بفتح المهملة وإسكان الفاء والمد ليس بياضها بالناصع، قاله الخطابي، وقال عياض: تضرب إلى حمرة قليلاً ومنه سمي عفر الأرض وهو وجهها، وقال ابن فارس: عفراء خالصة البياض والداودي شديدة البياض، قاله الحافظ والأول المعتمد (كقرصة) أي خبز (النقي) بفتح النون وكسر القاف، أي الدقيق النقي من القشر والنخال، قاله الخطابي (ليس فيها علم لأحد) بفتحتين لفظ مسلم، وفي البخاري: معلم بفتح الميم واللام بينهما مهملة ساكنة وهما بمعنى واحد، وهو ما يستدل به على الطريق، وقال عياض: ليس فيها علامة سكنى ولا بناء ولا أثر ولا شيء من العلامات التي يهتدي بها في الطرقات كالجبل والصخرة البارزة وفيه تعريض بأن أرض الدنيا ذهبت وانقطعت العلاقة منها، وقال الداودي: المراد أنه لا يجوز أحد منها شيئًا إلا ما أدرك منها، أي من المشي عليها والأكل منها كما في الصحيحين عن أبي سعيد مرفوعًا: «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلاً لأهل الجنة)) الحديث. قال الداودي: النزل هنا ما يعجل للضيف قبل الطعام، أي: أنه يأكل منها في الوقف من يصير إلى الجنة لا أنهم يأكلون حين يدخلونها، وكذا قال ابن برجان: يأكل المؤمن من بين رجليه ويشرب من الحوض. قال الحافظ: يستفاد منه أن المؤمنين لا يعاقبون بالجوع في طول الموقف، بل يقلب اللّه بقدرته طبع الأرض حتى يأكلوا منها من تحت أقدامهم ما شاء اللّه بغير علاج ولا كلفة، ويؤيد أن هذا مراد الحديث. ما أخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير، قال: تكون الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، والبيهقي عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض﴾﴾ [إبراهيم/ ٤٨]، قال: تبدل الأرض أرضًا كأنها فضة لم يسفك فيها دم حرام ولم يعمل عليها خطيئة ورجاله رجال الصحيح، وهو موقوف، ورواه البيهقي من وجه آخر مرفوعًا وقال الموقوف أصح، ولابن جرير عن أنس مرفوعًا: يبدل الله الأرض بأرض من فضة لم يعمل عليها الخطايا، والحكمة في ذلك؛ كما قال ابن أبي جمرة: إن ٢٩٦ الفصل الثالث في أمور الآخرة وفي حديث عقبة بن عامر - عند الحاكم - رفعه: ((تدنو الشمس من الأرض يوم القيامة فيعرق الناس، فمنهم من يبلغ نصف ساقه، ومنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من يبلغ فخذه، ومنهم من يبلغ خاصرته، ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ فاه)) وأشار بيده ألجمها فاه، ((ومنهم من يغطيه عرقه))، وضرب بيده على رأسه. وله شاهد عند مسلم، من حديث المقداد بن الأسود، وليس بتمامه، وفيه: «تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق)). وهذا ظاهر في أنهم يستوون في وصول العرق إليهم ويتفاوتون في حصوله ذلك اليوم يوم عدل وظهور حق، فاقتضت الحكمة أن يكون المحل الذي يقع فيه ذلك طاهرًا عن عمل المعصية والظلم، وليكون تجليه سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين على أرض تليق بعظمته، ولأن الحكم فيه إنما يكون للّه وحده، فناسب أن يكون المحل خالصًا له وحده. (رواه الشيخان) البخاري في الرقاق ومسلم في التوبة (وفي حديث عقبة بن عامر عند الحاكم رفعه: تدنو:) تقرب (الشمس من الأرض يوم القيامة فيعرق) بفتح الراء (الناس، فمنهم من يبلغ) عرقه (نصف ساقه، ومنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من يبلغ فخذه، ومنهم من يبلغ خاصرته، ومنهم من يبلغ منكبيه:) بفتح الميم وكسر الكاف مجتمع رأس العضد والكتف (ومنهم من يبلغ فاه، وأشار بيده ألجمها فاه) تفسير لما أشار به، أي: أنه جعل يده في فمه كما يجعل اللجام في الفم إشارة إلى أن العرق يصل إلى فمه (ومنهم من يغطيه عرقه وضرب بيده) أي جعلها (على رأسه وله شاهد عند مسلم من حديث المقداد بن الأسود وليس بتمامه، وفيه:) وهو أوله من طريق سليم بن عامر، قال: حدثني المقداد بن الأسود، قال: سمعت رسول اللّه عَ له يقول: (تدنو) أي تقرب (الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل) قال سليم بن عامر: فوالله ما أدري ما يعني بالميل، أمسافة الأرض أم الميل الذي تكحل به العين، هكذا في مسلم، قال القرطبي: الميل مشترك بينهما، ولهذا أشكل الأمر على سليم والأولى به هنا مسافة الأرض، لأنها إذا كان بينها وبين الرؤوس مقدار المرود فهي متصلة بالرؤوس لقلة مقدار المرود. انتهى. قال: (فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق) فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم، من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا. قال: وأشار رسول اللّه ◌َّم بيده إلى فيه، هذا بقية حديث مسلم بلفظه: وبه تعلم ما زاد عليه في حديث عقبة (وهذا ظاهر في أنهم يستوون في وصول العرق إليهم) كلهم إلاّ ٢٩٧ الفصل الثالث في أمور الآخرة فیھم. فإن قلت: الشمس محلها السماء، وقد قال الله تعالى: ﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب﴾ [الأنبياء/١٠٤] والألف واللام في ((السماء)) للجنس، بدليل ﴿والسموات مطويات بيمينه﴾ [الزمر/٦٧] فما طريق الجمع؟ فالجواب: يجوز أن تقام بنفسها دانية من الناس في المحشر ليقوى هوله وكربه، عافانا الله من كل مكروه. وقال ابن أبي جمرة: ظاهر الحديث يقتضي تعميم الناس بذلك، ولكن دلت الأحاديث الأخرى على أنه مخصوص بالبعض وهم الأكثر، ويستثنى الأنبياء والشهداء ومن شاء الله، فأشدهم الكفار، ثم أصحاب الكبائر ثم من بعدهم. الأنبياء والشهداء ومن شاء اللّه كما يأتي (ويتفاوتون في حصوله فيهم). وأورد القرطبي في المفهم أن العرق للزحام ودنو الشمس وحر الأنفاس وحر النار التي تحدق بالمحشر فترشح رطوبة بدن كل أحد فيلزم أن يسبح الجميع فيه سبحًا واحدًا ولا يتفاضلون في القدر، وأجاب بأنه يزول هذا الاستبعاد بأن يخلق اللّه تعالى في الأرض التي تحت كل واحد ارتفاعًا بقدر عمله فيرتفع العرق بقدر ذلك وجواب ثانٍ وهو أن يحشر الناس جماعات متفرقة فيحشر من بلغ كعبيه في جهة ومن بلغ حقويه في جهة وهكذا. انتهى. (فإن قلت الشمس محلها السماء، وقد قال اللّه تعالى: يوم نطوى السماء كطي السجل) اسم ملك (للكتب) صحيفة ابن عادم عند موته واللام زائدة، أو السجل الصحيفة والكتاب بمعنى المكتوب واللام بمعنى على وفي قراءة للكتب جمعًا، وقيل: السجل اسم كاتب للنبي عَِّ (والألف واللام في السماء للجنس) فيشمل السبع (بدليل والسموات مطويات) مجموعات (بيمينه) بقدرته (فما طريق الجمع، فالجواب: يجوز أن تقام) أي: توجد الشمس (بنفسها) بلا سماء تكون فيها (دانية من الناس في المحشر ليقوى هوله وكربه، عافانا الله من كل مكروه). (وقال ابن أبي جمرة) بجيم وراء (ظاهر الحديث يقتضي تعميم الناس بذلك) أي: العرق (ولكن دلت الأحاديث الأخرى على أنه مخصوص بالبعض وهم الأكثر ويستثنى الأنبياء والشهداء ومن شاء اللّه) من غيرهم، كالذين في ظل العرش (فأشدهم الكفار، ثم أصحاب الكبائر، ثم من بعدهم) والمسلمون منهم قليل بالنسبة إلى الكفار، هذا باقي قول ابن أبي جمرة. ٢٩٨ الفصل الثالث في أمور الآخرة وأخرج أبو يعلى، وصححه ابن حبان عن أبي هريرة عن النبي عَِّ قال: ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ [المطففين/٦] قال: «مقداره نصف يوم من خمسين ألف سنة، فيهون على المؤمنين كتدلي الشمس إلى أن تغرب)). وأخرج أحمد وابن حبان نحوه من حديث أبي سعيد. وللبيهقي في البعث عن أبي هريرة: ((يحشر الناس قيامًا أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى السماء، فيلجمهم العرق من شدة الكرب)). وفي البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عنه عَّهِ: ((يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعًا، ويلجمهم العرق حتى يبلغ آذانهم». (وأخرج أبو يعلى وصححه ابن حبان عن أبي هريرة عن النبي عَّه) في تفسير قوله تعالى: (يوم) بدل من محل ليوم عظيم فناصبه مبعوثون (يقوم الناس) من قبورهم (لرب العالمين) الخلائق لأجل أمره وحسابه وجزائه (قال: مقداره) أي: مدته (قدر نصف يوم من خمسين ألف سنة) حقيقة على ظاهره أو لشدته على الكفار، أو لكثرة ما فيه من الحالات والمحاسبات (فيهون على المؤمنين كتدلي الشمس) للغروب (إلى أن تغرب) كناية عن قصره جدًا. (وأخرج أحمد وابن حبان نحوه من حديث أبي سعيد) الخدري، وروى البيهقي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون﴾ [السجدة/ ٥]، قال: هذا في الدنيا تعرج الملائكة في يوم مقداره ألف سنة، وقوله: في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، قال: هذا يوم القيامة جعله الله على الكافر مقدار خمسين ألف سنة، لو قدرتموه لكان خمسين ألف سنة من أيامكم. (وللبيهقي في البعث عن أبي هريرة: يحشر الناس قيامًا أربعين سنة شاخصة:) رافعة (أبصارهم إلى السماء) أي: إلى جهة العلو (فيلجمهم العرق من شدة الكرب) الذي غشاهم. (وفي البخاري) في الرقاق ومسلم في صفة النار (من حديث أبي هريرة، عنه عَ ليه) قال: (يعرق) بفتح الراء (الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم:) يجري سائحًا (في) وجه (الأرض) ثم يغوص فيها (سبعين ذراعًا) بالذراع المتعارف أو الملكي، وللإِسمعيلي سبعين باعًا (ويلجمهم) بضم التحتية وسكون اللام وكسر الجيم من ألجمه الماء إذا بلغ فاه (العرق حتى يبلغ آذانهم) ظاهره استواؤهم في وصول العرق إلى الآذان وهو مشكل بالنظر إلى العادة أن الواقفين في ماء على أرض مستوية يتفاوتون في ذلك بالنظر إلى طول بعضهم وقصر بعضهم. ٢٩٩ الفصل الثالث في أمور الآخرة وعند البيهقي من حديث ابن مسعود: إذا حشر الناس قاموا أربعين عامًا شاخصة أبصارهم إلى السماء، لا يكلمهم، والشمس على رؤوسهم حتى يلجم العرق كل بر منهم وفاجر. وفي حديث أبي سعيد، عند أحمد، أنه يخفف الوقوف عن المؤمن حتى یکون کصلاة [فريضة] مكتوبة، وسنده حسن. وللطبراني من حديث ابن عمر: ويكون ذلك اليوم أقصر على المؤمن من ساعة من نهار. وجاء عن عبد الله بن عمرو بن العاصي: أن الذي يلجمه العرق الكافر، أخرجه البيهقي في البعث بسند حسن عنه قال: ((يشتد کرب الناس ذلك اليوم وأجيب بأنه إشارة إلى غاية ما يصل، ولا ينفي أن يصل إلى دون ذلك كما مر في حديثي عقبة والمقداد (وعند البيهقي من حديث ابن مسعود: إذا حشر الناس قاموا أربعين عامًا شاخصة أبصارهم إلى السماء) أي: جهة العلو (لا يكلمهم) شخوص أبصارهم، بمعنى: لا يتركون الشخوص هذه المدة (والشمس على رؤوسهم) أي: قريبة منها بدليل الحديث السابق: تدنو الشمس (حتى يلجم العرق كل بر منهم وفاجر) أما أن يحمل هذا على البعض فلا يخالف حديثي عقبة والمقداد، وأما أنه يجوز أن أصل العرق يقع لجميع الناس كرشحه في الدنيا ولو على ما مر بحسب الأعمال. (وفي حديث أبي سعيد عند أحمد أنه يخفف الوقوف) أي: هوله (عن المؤمن حتى يكون كصلاة مكتوبة) ثلاثية أو رباعية أو ثنائية (وسنده حسن) وهو بشرى عظيمة، ولفظه عند أحمد وأبي يعلى وابن حبان والبيهقي عن أبي سعيد، قال: سئل عَِّ عن يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ما أطول هذا اليوم؟، فقال: والذي نفسي بيده أنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أهون عليه من الصلاة المكتوبة يصليها في الدنيا. (وللطبراني من حديث ابن عمر بن الخطاب: (ويكون ذلك اليوم على المؤمن أقصر من ساعة من نهار) وللحاكم والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعًا وموقوفًا: ((يوم القيامة على المؤمنين كمقدار ما بين الظهر والعصر وطريق الجمع بين الأحاديث؛ أن ذلك يختلف باختلاف المؤمنين (وجاء عن عبد اللّه بن عمرو بن العاصي)) أن الذي يلجمه العرق الكافر))). (أخرجه البيهقي في البعث بسند حسن، عنه قال): ذكر لفظه بعد أن ساق معناه، فقال: (يشتد کرب الناس ذلك اليوم حتى يلجم) من ألجم (الكافر) بالنصب (العرق، قيل له: فأين ٣٠٠ الفصل الثالث في أمور الآخرة حتى يلجم الكافر العرق))، قيل له: فأين المؤمنون؟ قال: ((على كراسي من ذهب ويظلل عليهم الغمام)). وبسند قوي عن أبي موسى قال: ((الشمس فوق رؤوس الناس يوم القيامة، وأعمالهم تظلهم». وأخرج ابن المبارك في ((الزهد)) وابن أبي شيبة في ((المصنف)) واللفظ له، بسند جيد عن سلمان قال: ((تعطى الشمس يوم القيامة حر عشر سنين، ثم تدنو من جماجم الرأس حتى تكون قاب قوسين، فيعرقون حتى يرشح العرق في الأرض قامة، ثم يرتفع حتى يغرغر الرجل)). زاد ابن المبارك في روايته: ((ولا يضر حرها يومئذ مؤمنًا ولا مؤمنة)). قال القرطبي: المراد من يكون كامل الإيمان كما يدل عليه حديث المقداد وغيره: أنهم يتفاوتون في ذلك بحسب أعمالهم. وفي رواية عند أبي يعلى، وصححها ابن حبان: ((إن الرجل ليلجمه العرق يوم القيامة حتى يقول: يا رب، أرحني ولو إلى النار)). وهو كالصريح في أن ذلك كله في الموقف. المؤمنون؟، قال: على كراسي) بشد الياء، وقد تخفف جمع كرسي بضم الكاف أشهر من كسرها (من ذهب ويظلل عليهم الغمام) فلا يجدون حرًا فلا يعرقون، وهذا البعض المؤمنين. (و) عند البيهقي أيضًا (بسند قوي عن أبي موسى) الأشعري (قال: الشمس فوق رؤوس الناس يوم القيامة وأعمالهم تظلهم، وأخرج) عبد اللّه (بن المبارك) المروزي (في) كتاب (الزهد) له (وابن أبي شيبة في المصنف، واللفظ له بسند جيد عن سلمن) الفارسي (قال: تعطي الشمس يوم القيامة حر عشر سنين وتدنو:) تقرب (من جماجم الناس) بمقدار ميل (حتى تكون قاب قوسين فيعرفون حتى يرشح العرق في الأرض قامة، ثم يرتفع) يعلو (حتى يغرغر الرجل). (زاد ابن المبارك في روايته: ولا يضر حرها يومئذٍ مؤمنًا ولا مؤمنة، قال القرطبي: المراد من يكون كامل الإيمان كما يدل عليه حديث المقداد وغيره) كعقبة (أنهم يتفاوتون في ذلك بحسب أعمالهم). (وفي رواية عند أبي يعلى وصححها ابن حبان) وغيره (إن الرجل ليلجمه العرق يوم القيامة حتى يقول: يا رب أرحني ولو إلى النار) من شدة كربه (وهو كالصريح في أن ذلك