النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه ميل.
فسألتها فقالت: أسر إليَّ أن جبريل كان يعارضني القرءان كل سنة مرة، وأنه
عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي، وأنك أول أهل بيتي لحاقًا بي.
وفي رواية عائشة بنت طلحة من الزيادة: أن عائشة لما رأت بكاها
وضحكها قالت: إن كنت لأظن أن هذه المرأة من أعقل النساء، فإذا هي من
النساء.
ويحتمل تعدد القصة.
وفي رواية عروة الجزم أنه ميت من وجعه ذلك بخلاف رواية مسروق ففيها
أنه ظن ذلك بطريق الاستنباط مما ذكره من معارضة القرءان.
وقد يقال: لا منافاة بين الخبرين إلا بالزيادة، ولا يمتنع أن يكون إخباره
بكونها أول أهله لحوقًا به سببًا لبكائها ولضحكها معًا باعتبارين، فذكر كل من
الراويين ما لم يذكر الآخر.
الهمزة (سر رسول اللَّه عَّ حتى توفي) متعلق بمحذوف تقديره، فلم تقل لي شيئًا حتى توفي
(فسألتها، فقالت: أسر إليّ أن) بكسر الهمزة (جبريل كان يعارضني:) يدارسني (القرءان كل
سنة مرة، وأنه عارضني العام مرتين، ولا أراه) بضم الهمزة، أي: لا أظنه (إلا حضر أجلي
وأنك أول أهل بيتي لحاقًا بي).
قال المصنف: بفتح اللام والحاء المهملة، قال الحافظ: وقد طوى عروة هذا كله.
(وفي رواية عائشة بنت طلحة) السابقة قريبًا (من الزيادة؛ أن عائشة لما رأت بكاءها
وضحكها، قالت: إن) مخففة من الثقيلة، أي: إني (كنت لأظن أن هذه المرأة) أي فاطمة (من
أعقل النساء، فإذا هي من النساء) لجمعها بين حزن وفرح لكنها معذورة، لأنه أخبرها بما يوجب
كلا منهما (ويحتمل تعدد القصة) جمعًا بين روايتي مسروق وعروة.
(وفي رواية عروة) لفظ الفتح، ويؤيده، أي: هذه الاحتمال أن في رواية عروة (الجزم أنه
ميت من وجعه ذلك بخلاف رواية مسروق، ففيها أنه ظن ذلك بطريق الاستنباط مما ذكره
من معارضة القرءان) مرتين (وقد يقال لا منافاة بين الخبرين) خبر عروة وخبر مسروق (إلا
بالزيادة، ولا يمتنع أن يكون إخباره بكونها أول أهله لحوقًا به سببًا لبكائها وضحكها معًا
باعتبارين) فباعتبار أسفها على بقائها بعده مدة بكت وهو ما رواه مسروق، وباعبتار سرعة لحاقها
به ضحكت وهو ما رواه عروة (فذكر كل من الراويين) مسروق وعروة (ما لم يذكره الآخر)
وهذا الجمع أولى من احتمال التعدد، لأن الأصل عدمه.

١٠٢
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه معدّات.
وقد روى النسائي من طريق أبي سلمة عن عائشة في سبب البكاء أنه ميت،
وفي سبب الضحك الأمرين الأخيرين.
ولابن سعد من رواية أبي سلمة عنها: أن سبب البكاء موته، وسبب
الضحك لحاقها به.
وعند الطبراني - من وجه آخر - عن عائشة أنه قال لفاطمة: ((إن جبريل
أخبرني أنه ليس امرأة من نساء المؤمنين أعظم رزية منك، فلا تكوني أدنى امرأة
منهن صبرًا)).
وفي الحديث: إخباره عَ لِ بما سيقع، فوقع كما قال عَّ ◌ُلّه، فإنهم اتفقوا على
أن فاطمة رضي الله عنها كانت أول من مات من أهل بيت النبي عَ له بعده، حتى
من أزواجه عليه الصلاة والسلام.
وقد كان عَّلِ من شدة وجعه يغمى عليه في مرضه ثم يفيق، وأغمي عليه
مرة فظنوا أن وجعه ذات الجنب فلدوه، فجعل يشير إليهم أن لا يلدوه، فقالوا:
(وقد روى النسائي من طريق أبي سلمة) ابن عبد الرحمن (عن عائشة: في سبب
البكاء أنه ميت، وفي سبب الضحك الأمرين الأخيرين) أنها أول أهله لحاقًا به؛ وأنها سيدة
نساء أهل الجنة، وهذا يؤيد الجمع الثاني.
(ولابن سعد من رواية أبي سلمة، عنها) أي عائشة: (أن سبب البكاء موته وسبب
الضحك لحاقها به) فوافق رواية عروة.
(وعند الطبراني من وجه آخر عن عائشة أنه عَّ قال لفاطمة: إن) بكسر الهمزة
(جبريل أخبرني أنه ليس امرأة من نساء المؤمنين أعظم رزية) براء فزاي مصيبة (منك،
فلا تكوني أدنى:) أقل (امرأة منهن صبرًا) وبهذا فضلت أخواتها لأنهن متن في حياته فكن في
صحيفته، ومات هو في حياتها فكان في صحيفتها، ولا يقدر قدر ذلك إلاَّ اللّه تعالى.
(وفي الحديث) معجزة، وهي (إخباره عَِّ بما سيقع، فوقع كما قال، فإنهم اتفقوا
على أن فاطمة أول من مات من أهل بيت النبي عَّة بعده) بستة أشهر على الصحيح (حتى
من أزواجه عليه الصلاة والسلام، وقد كان عٍَّ من شدة وجعه يغمى عليه في مرضه ثم
يفيق، وأغمي عليه مرة، فظنوا أن وجعه ذات الجنب فلدوه) بإشارة أم سلمة وأسماء بنت
عميس، كما رواه ابن سعد عن أبي بكر بن عبد الرحمن (فجعل يشير إليهم أن لا يلدوه) بضم
اللام (فقالوا: كراهية المريض للدواء).

١٠٣
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه ◌ْ
كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال: ألم أنهكم أن تلدوني؟ فقالوا: كراهية
المريض للدواء، فقال: ((لا يبقى أحد في البيت. إلا لدَّ وأنا أنظر، إلا العباس فإنه
لم يشهد كم)). رواه البخاري.
واللدود، هو ما يجعل في جانب الفم من الدواء، فأما ما يصب في الحلق
فيقال له: الوجور.
وفي الطبراني من حديث العباس: أنهم أذابوا قسطًا بزيت ولدوه به.
وفي قوله ((لا يبقى أحد في البيت إلا لدَّ، الخ)) مشروعية القصاص فيما
يصاب به الإنسان، وفيه نظر: لأن الجميع لم يتعاطوا ذلك، وإنما فعل بهم ذلك
عقوبة لهم لتركهم امتثال نهيه عما نهاهم عنه. قال ابن العربي: أراد أن لا يأتوا يوم
قال عياض: ضبطناه بالرفع، أي: هذا منه كراهية، وقال أبو البقاء: خبره مبتدأ محذوف،
أي: هذا الامتناع كراهية، ويجوز النصب مفعول له، أي: نهانا لكراهية أو مصدر، أي: كرهه
كراهية.
قال عياض: الرفع أوجه من النصب على المصدر (فلما أفاق قال: ((ألم أنهكم أن
تلدوني))) بإشارتي لكم بعدم فعل ذلك (فقلنا:) ظننا أنك إنما نهيت (كراهية المريض للدواء) لا
لسبب يقتضى ترك اللد (فقال: لا يبقى أحد في البيت إلا لدُّ) بضم اللام مبني للمفعول، أي:
إلاَّ فعل ذلك به تأديبًا حتى لا يعود (وأنا أنظر) جملة حالية، أي: في حال نظري إليهم (إلاّ
العباس، فإنه لم يشهد کم) أي: لم يحضر کم حال اللد فلا یلد.
(رواه البخاري واللدود) بوزن صبور (هو ما يجعل) أي: يصب (في جانب الفم)
بالمسسعط (من الدواء) بيان لما (فأما ما يصب في الحلق) من الدواء (فيقال له الوجور)
بفتح الواو بعدها جيم.
(وفي الطبراني من حديث العباس) بن عبد المطلب؛ (أنهم أذابوا قسطًا) بضم القاف
العود الهندي (بزيت ولدوه به) صبوه من أحد شقي فمه (وفي قوله: لا يبقى أحد في البيت
إلا لدَّ ... الخ).
(مشروعية القصاص فيما يصاب به الإنسان) عمدًا (وفيه نظر، لأن الجميع لم يتعاطوا
ذلك وإنما فعل بهم ذلك) أي: أمر بفعله (عقوبة لهم لتركهم امتثال نهيه عما نهاهم عنه) قال
الحافظ: أما من باشره فظاهر، وأما من لم يباشره فلكونهم تركوا نهيهم عما نهاهم هو عنه،
ويستفاد منه أن التأويل البعيد لا يعد ربه صاحبه، ثم فيه نظر أيضًا، لأن اللد وقع في معارضة.
النھي.

١٠٤
الفصل الأول فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عليه.
القيامة وعليهم حقه فيقعوا في خطيئة عظيمة. وتعقب: بأنه كان يمكن أن يقع
العفو، ولأنه كان لا ينتقم لنفسه، والذي يظهر أنه أراد بذلك تأديبهم لئلا يعودوا،
فكان ذلك تأديبًا لا اقتصاصًا ولا انتقامًا.
قيل: وإنما كره اللدود مع أنه كان يتداوى، لأنه تحقق أنه يموت في مرضه،
ومن تحقق ذلك كره له التداوي.
قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، والذي يظهر أن ذلك كان قبل التخيير
والتحقيق، وإنما أنكر التداوي لأنه كان غير ملائم لدائه، لأنهم ظنوا أن به ذات
الجنب فداووه بما يلائمها، ولم يكن فيه ذلك، كما هو ظاهر في سياق الخبر.
وعند ابن سعد قال: كانت تأخذ رسول الله عَ لَّه الخاصرة، فاشتدت به
فأغمي عليه، فلددناه، فلما أفاق قال: ((كنتم ترون أن الله يسلط عليَّ ذات الجنب،
ما كان الله ليجعل لها علي سلطانًا، والله لا يبقى أحد في البيت إلا لدَّ)، فما
بقي أحد في البيت إلا لدَّ، ولددنا ميمونة وهي صائمة.
(قال ابن العربي: أراد أن لا يأتوا يوم القيامة وعليهم حقه فيقعوا في خطيئة عظيمة)
وفي الفتح، عنه في خطب عظيم (وتعقب بأنه كان يمكن أن يقع العفو) وبعد وقوعه لا يبقى
عليهم حق يطالبون به في القيامة (ولأنه كان لا ينتقم لنفسه) كما صح (والذي يظهر أنه أراد
بذلك تأديبهم لئلا يعودوا، فكان ذلك) أي: لدهم (تأديبًا لا اقتصاصًا ولا انتقامًا، قيل: وإنما
کوه اللدود) أي: استعماله بصبهم في حلقه، وفي الفتح: اللد وهو أظهر (مع أنه كان يتداوى،
لأنه تحقق أنه يموت في مرضه، ومن تحقق ذلك كره له التداوي) لعدم فائدته.
(قال الحافظ بن حجر: وفيه نظر) لاحتياج الكراهة إلى نهي مقصود والدواء وإن لم
ينفع في دفع الموت قد ينفع في تخفيف الوجع حتى يقع الموت (والذي يظهر أن ذلك كان
قبل التخيير) في البقاء في الدنيا ولقاء اللّه (والتحقيق) للموت باختياره اللقاء (وإنما أنكر
التداوي لأنه كان غير ملائم لدائه، لأنهم ظنوا أن به ذات الجنب، فداووه بما يلائمها، ولم
يكن فيه ذلك) المرض المسمى بذات الجنب (كما هو ظاهر في سياق الخبر).
(وعند ابن سعد) محمد عن عائشة أنه (قال: كانت تأخذ رسول اللّه عَّ الخاصرة)
أي: وجعها (فاشتدت به فأغمي عليه فلددناه، فلما أفاق) من الإِغماء (قال: كنتم ترون أن
اللّه يسلط علي ذات الجنب، ما كان اللّه ليجعل لها علي سلطانًا) تسلطًا على (والله
لا يبقى أحد في البيت إلاَّ لد، فما بقي أحد في البيت إلاَّ لد، ولددنا ميمونة) أم المؤمنين

١٠٥
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عليه.
وروى أبو يعلى - بسند ضعيف فيه ابن لهيعة - من وجه آخر عن عائشة:
أَنّه عَ لَّه مات من ذات الجنب.
وجمع بينهما: بأن ذات الجنب تطلق بإزاء مرضين: أحدهما ورم حار
يعرض في الغشاء المستبطن، والآخر ريح محتقن بين الأضلاع، فالأول هو المنفي
هنا. وقد وقع في رواية الحاكم في المستدرك: ذات الجنب من الشيطان، والثاني
هو ما أثبت هنا وليس فيه محذور كالأول.
وفي حديث ابن عباس عند البخاري: لما حضر رسول الله عَّه وفي البيت
رجال، فقال النبي عَّله: ((هلموا أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده))، فقال بعضهم:
(وهي صائمة) امتثالاً لأمره وبرا لقسمه.
وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أسماء بنت عميس، قالت: أول ما اشتكى النبي عَّ.
كان في بيت ميمونة، فاشتد مرضه حتى أغمي عليه، فتشاورا في لده فلدوه، فلما أفاق قال: هذا
فعل نساء جئن، أي: أتين من هنا، وأشار إلى الحبشة وكانت أسماء منهن، فقالوا: كنا نتهم بك
ذات الجنب، فقال: ما كان اللّه ليقذفني به، لا يبقى أحد في البيت إلاَّ لد، قالت: فلقد التدت
ميمونة وإنها لصائمة.
(وروى أبو يعلى بسند ضعيف فيه ابن لهيعة) بفتح اللام وكسر الهاء (من وجه آخر عن
عائشة؛ أنه عَِّ مات من ذات الجنب، وجمع) الجامع الحافظ فلفظه: ظهر لي الجمع (بينهما
بأن ذات الجنب تطلق بإزاء) أي: مقابل (مرضين، أحدهما ورم حار يعرض في الغشاء
المستبطن والآخر ريح محتقن) أي: محتبس (بين الأضلاع، فالأول هو المنفي هنا).
(وقد وقع في رواية الحاكم في المستدرك: ذات الجنب من الشيطان) ولذا لم
تسلط على حبيب الرحمن (والثاني:) الريح المحتقن (هو ما أثبت هنا وليس فيه محذور
كالأول) فهي المراد بذات الجنب في هذه الرواية.
(وفي حديث ابن عباس عند البخاري) في مواضع، قال: (لما حضر) بضم الحاء
المهملة وكسر الضاد المعجمة (رسول اللّه عَظله) أي: حضره الموت، وفي إطلاق ذلك تجوز،
فإن ذلك كان يوم الخميس كما عند البخاري في الجهاد وغيره وعاش بعد ذلك إلى يوم
الاثنین.
قاله الحافظ: (وفي البيت رجال) من الصحابة (فقال النبي عَّهُ: هلموا أكتب لكم
كتابًا لا تضلوا) بلا نون على أن لا ناهية، وللكشميهني تضلون بالنون على أنها نافية (بعده، فقال

١٠٦
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه مَّافي.
إن رسول الله عَّ قد غلبه الوجع، وعندكم القرءان، حسبنا كتاب الله، فاختلف
أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده،
ومنهم من يقول غير ذلك، فلما أكثروا اللغو والاختلاف، قال رسول الله عَّ له قوموا
عني. قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: الرزية كل الرزية ما حال بين
رسول الله عَ لّه وبين أن يكتب ذلك لاختلافهم ولغطهم.
قال المازري: إنما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب: مع صريح أمره
لهم بذلك. لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب، فكأنه ظهرت منه قرينة
دلت على أن الأمر ليس على التحتم، بل على الاختيار، فاختلف اجتهادهم،
بعضهم:) هو عمر (أن رسول اللّه عَ قد غلبه الوجع وعندكم القرءان حسبنا:) كافينا (كتاب
اللّه) فلا نكلف النبي عَّهِ إملاء الكتاب في هذه الحالة، قال ذلك شفقة عليه (فاختلف أهل
البيت) الذين كانوا فيه من الصحابة لا أهل بيته عليه الصلاة والسلام، قاله الحافظ (واختصموا)
تنازعوا (فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم كتابًا لا تضلوا) بفتح فكسر (بعده) فيه إشعار بأن
بعضهم كان مصممًا على الامتثال والرد على من امتنع منه (ومنهم من يقول غير ذلك، فلما
أكثروا اللغو والاختلاف، قال رسول اللّه عَّةٍ: قوموا عني) أي: عن جهتي، زاد في رواية في
الصحيح: ولا ينبغي عندي التنازع، وفي أخرى: عند نبي تنازع.
قال الحافظ: ولما وقع منهم الاختلاف ارتفعت البركة كما جرت العادة بذلك عند وقوع
التنازع والتشاجر، وقد مضى في الصيام أنه عَّهِ خرج يخبرهم بليلة القدر، فرأى رجلين
يختصمان، فرفعت.
(قال عبيد اللّه) بضم العين ابن عبد الله بفتحها، راوي هذا الحديث عن ابن عباس:
(فكان ابن عباس يقول: أن الرزيئة) بفتح الراء وكسر الزاي بعدها ياء ساكنة ثم همزة، وقد
تسهل وتشدد الياء)، أي: المصيبة (كل الرزيئة) بالنصب على التأكيد (ما حال) أي: الذي حجز
(بين رسول اللّه عَّ. وبين أن يكتب ذلك لاختلافهم ولغطهم) بفتح اللام والغين المعجمة،
أي: أصواتهم.
(قال المازري: إنما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب مع صريح أمره لهم
بذلك) بقوله: هلموا أكتب، وفي رواية: ائتوني بكتاب أكتب (لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها
من الوجوب، فكأنه ظهرت منه قرينة دلت على أن الأمر ليس على التحتم) أي: القطع (بل
على الاختيار، فاختلف اجتهادهم) في أن كتبه أولى للإيضاح والبيان، أو تركه اكتفاء بالقرءان

١٠٧
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عليه.
وصمم عمر على الامتناع لما قام عنده من القرائن بأنه عَّهِ قال ذلك عن غير
قصد جازم.
وقال النووي: اتفق العلماء على أن قول عمر: ((حسبنا كتاب الله)) من قوة
فقهه ودقيق نظره، لأنه خشي أن يكتب أمورًا ربما عزوا عنها فيستحقوا العقوبة
لكونها منصوصة، وأراد أن لا يسد باب الاجتهاد على العلماء، وفي تركه عَّه.
الانكار على عمر إشارة إلى تصويبه، وأشار بقوله: ((حسبنا كتاب الله)) إلى قوله
تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيءٍ﴾ [الأنعام/٣٨]، ولا يعارض ذلك قول
ابن عباس: ((إن الرزية الخ)) لأن عمر كان أفقه منه قطعًا، ولا يقال إن ابن عباس لم
يكتف بالقرءان مع أنه حبر القرءان، وأعلم الناس بتفسيره وتأويله، ولكنه قال أسفًا على
(وصمم عمر على الامتناع لما قام عنده من القرائن بأنه عَلِّ قال ذلك من غير قصد جازم)
وعزمه عٍَّ كان إما بالوحي وإما بالاجتهاد، وكذلك تركه إن كان العزم بالوحي فبالوحي وإلا
فبالاجتهاد أيضًا وفيه حجة لمن قال بالرجوع إلى الاجتهاد في الشرعيات، هذا باقي كلام
المازري كما في الفتح، فمعنى قوله: من غير قصد جازم أنه قاله على وجه يفهم منه أنه لم يجزم
بذلك، بل قاله مع التردد في الكتابة وتركها.
(وقال النووي: اتفق العلماء على أن قول عمر: حسبنا كتاب اللّه من قوة فقهه) أي:
فهمه (ودقيق نظره، لأنه خشي أن يكتب أمورًا ربما عجزوا عنها، فيستحقوا العقوبة لكونها
منصوصة، وأراد أن لا يسد باب الاجتهاد على العلماء) فيفوتهم ثواب الاجتهاد (وفي تركه
عَّهِ الإِنكار على عمر إشارة إلى تصويبه) إذ لو تحتم لأنكر عليه ولم يتركه لاختلافهم، كما
لم يترك التبليغ لمخالفة من خالفه ومعاداة من عاداه، وكما أمرهم حينئذٍ بقوله: أخرجوا
المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو: ما كنت أجيزهم ... الحديث في الصحيح
(وأشار بقوله: حسبنا كتاب اللّه إلى قوله تعالى: ((ما فرطنا في الكتاب من شيءٍ﴾)
[الأنعام/ ٣٨]، بناءً على أن المراد به القرءان، فإن فيه أمر الدين إما مفصلاً وإما مجملاً، وقيل:
المراد اللوح المحفوظ لاشتماله على ما يجري في العلم من جليل ودقيق لم يهمل فيه أمر
حيوان ولا جماد، ويحتمل أن يكون عمر قصد التخفيف عن رسول اللّه عٍَّ لما رأى ما هو فيه
من شدة الكرب وقامت عنده قرينة بأن ما أراد كتابته مما يستغنون عنه، إذ لو كان من غير هذا
القبيل لم يتركه عَّله لأجل اختلافهم، وهذا من جملة كلام النووي المنقول عنه في الفتح
(ولا يعارض ذلك قول ابن عباس؛ أن الرزيئة ... الخ، لأن عمر كان أفقه) أي: أفهم (منه
قطعًا و) لكن (لا يقال) في تعليل كونه أفقه (أن ابن عباس لم يكتف بالقرءان) واکتفی به عمر،

١٠٨
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفائه ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه
ما فاته من البيان بالتنصيص عليه، لكونه أولى من الاستنباط، والله أعلم.
ولما اشتد به عَّه وجعه قال: ((مروا أبا بكر فليصل بالناس))، فقالت له عائشة:
يا رسول الله، إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قام مقامك لا يسمع الناس من البكاء، قال:
((مروا أبا بكر فليصل بالناس)) فعاودته بمثل مقالتها، فقال: ((إنكن صواحبات يوسف،
مروا أبا بكر فيلصل بالناس». رواه الشيخان وأبو حاتم واللفظ له.
وفي رواية: إن أبا بكر رجل أسِيْف.
وفي حديث عروة عن عائشة عند البخاري: فمر عمر فليصل بالناس، فقال:
مروا أبا بكر فليصلٍ بالناس، قالت: قلت لحفصة قولي له إن أبا بكر إذا قام في
مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل بالناس، ففعلت حفصة، فقال
كما قال ابن بطال: لأن عمر لم يرد أنه يكتفي به عن بيان السنة، بل لما قام عنده من القرينة
وخشي مما يترتب على كتابة الكتاب فرأى أن الاعتماد على القرءان لا يترتب عليه شيء مما
خافه وابن عباس لا يقال في حقه لم يكتف بالقرءان (مع أنه حبر القرءان وأعلم الناس بتفسيره
وتأويله، ولكنه قال) ذلك (أسفًا) ولفظ الحافظ: ولكنه أسف (على ما فاته من البيان
بالتنصيص عليه لكونه أولى من الاستنباط واللّه أعلم) لا سيما وقد بقي ابن عباس حتى شاهد
الفتن (ولما اشتد به عَّ وجعه قال: مروا) بضمتين بوزن كلوا (أبا بكر فليصل) بسكون اللام
الأولى، ويروى بكسرها مع زيادة ياء مفتوحة (بالناس) إمامًا (فقالت له عائشة: يا رسول اللّه إن
أبا بكر رجل رقيق) بقافين (إذا قام مقامك لا يسمع الناس من البكاء) لرقة قلبه.
وفي رواية: إذا قرأ القرءان لا يملك معه (قال: مروا أبا بكر فليصلٍ بالناس، فعاودته مثل
مقالتها، فقال: إنكن صواحبات يوسف) والخطاب وإن كان بلفظ الجمع، فالمراد به عائشة
فقط، كما أن صواحبات جمع والمراد زليخاء فقط (مروا أبا بكر فليصلِ بالناس).
رواه الشيخان وأبو حاتم، واللفظ له) من حديث عائشة.
(وفي رواية) للشيخين من طريق الأسود، عنها أنها قالت: (إن أبا بكر رجل أسيف) بفتح
الهمزة وكسر المهملة وسكون التحتية ففاء، أي: حزين.
(وفي حديث عروة عن عائشة عند البخاري) في الصلاة والاعتصام أنه عَ لّه قال: مروا
أبا بكر فليصلٍ بالناس، فقالت عائشة: إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء (فمر
عمر فليصل بالناس، فقال: مروا أبا بكر فليصلٍ بالناس، قالت: قلت لحفصة) بنت عمر:
(قولي له) عَّ (إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء) لرقة قلبه وغلبة
دمعه (فمر عمر فليصلٍ بالناس، ففعلت حفصة) ذلك (فقال رسول اللّه عَّاله: مه) اسم فعل

١٠٩
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه منڼ.
صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس))، فقالت حفصة لعائشة: ما كنت
لأصيب منك خيرًا.
والأسيف: بوزن فعيل، وهو بمعنى فاعل، من الأسف وهو شدة الحزن،
والمراد به هنا، رقيق القلب.
ولابن حبان من رواية عاصم عن شقيق عن مسروق عن عاشة في هذا
الحديث: قال عاصم: والأسيف الرقيق الرحيم، وصواحب: جمع صاحبة، والمراد:
أنهن مثل صواحب يوسف في إظهار خلاف ما في الباطن.
ثم إن هذا الخطاب، وإن كان بلفظ الجمع، فالمراد به واحدة وهي عائشة
ووجه المشابهة بينهما في ذلك أن زليخا استدعت النسوة وأظهرت لهن الإكرام
بالضيافة، ومرادها الزيادة على ذلك وهو أن ينظرن إلى حسن يوسف عليه الصلاة
والسلام ويعذرنها في محبته، وأن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة
مبني على السكون زجر بمعنى اكففي (إنكن أنتن صواحب يوسف:) جمع صاحبة (مروا أبا بكر
فليصلِ بالناس، فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرًا) لأن كلامها صادف المرة
الثالثة من المعاودة، وكان عٍَّ لا يراجع بعد ثلاث، فلما أشار إلى الإِنكار عليها بما ذكر وجدت
حفصة في نفسها، لأن عائشة هي التي أمرتها بذلك، ولعلها تذكرت ما وقع لها أيضًا معها في
قصة المغافير، قاله الحافظ: وقال ابن عبد البر فيه أن المكترب ربما قال قولاً يحمله عليه الحرج،
إذ معلوم أن حفصة لم تعدم من عائشة خيرًا، وإذا كان هذا في السلف الصالح فأحرى من
دونهم (الأسيف - بوزن فعيل - وهو بمعنى فاعل من الأسف وهو شدة الحزن، والمراد به
هنا رقيق القلب) لتصريحها في روايات بأنه رقيق، فيحمل عليه قولها أسيف.
(ولابن حبان من رواية عاصم) بن سليمن الأحول البصري من رجال الجميع (عن شقيق) بن سلمة
الكوفي من رجال، الكل (عن مسروق عن عائشة في هذا الحديث).
(قال عاصم: والأسيف الرقيق الرحيم وصواحب: جمع صاحبة، والمراد أنهن مثل
صواحب يوسف في إظهار خلاف ما في الباطن، ثم إن هذا الخطاب وإن كان بلفظ
الجمع، فالمراد به واحدة وهي عائشة) وأما حفصة، فإنما قالته بأمرها ووجه المشابهة بينهما في ذلك أو
زليخاء) بفتح الزاي والمد، وقيل بضمها على هيئة المصغر.
قال ابن كثير: والظاهر أنه لقب (استدعت النسوة وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة
ومرادها زيادة على ذلك، وهو أن ينظرن إلى حسن يوسف عليه الصلاة والسلام ويعذرنها)
بكسر الذال (في محبته) لأنهن قلن: قد شغفها حبًّا إنا لنراها في ضلال مبين (وأن عائشة

١١٠
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه علـ
عن أبيها لكونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه. ومرادها زيادة على ذلك، وهو
أن لا يتشاءم الناس به. وقد صرحت هي بذلك، كما عند البخاري في باب وفاته
عليه الصلاة والسلام فقالت: لقد راجعته وما حملنى على كثرة مراجعته إلا أنه لم
يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلاً قام مقامه أبدًا. وأن لا كنت أرى أنه لن
يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به.
ونقل الدمياطي: أن الصديق صلى بالناس سبع عشرة صلاة.
وقد ذكر الفاكهي في ((الفجر المنير)) مما عزاه لسيف ابن عمر في كتاب
أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها لكونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه
ومرادها زيادة على ذلك، وهو أن لا يتشاءم الناس به) بشين معجمة والمد.
(وقد صرحت هي بذلك كما عند البخاري في باب وفاته عليه الصلاة والسلام) وكذا
عند مسلم في الصلاة (فقالت: لقد راجعته) عَّ في ذلك (وما حملني على كثرة مراجعته إلاّ
أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلاً قام مقامه) بهم (أبدًا و) ما حملني على ذلك
(أن لا).
زاد مسلم: أني (كنت أرى) بضم الهمزة، أي: أظن (أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم
الناس به) بشين معجمة، أي: وما حملني عليه إلاَّ ظني عدم محبة الناس للقائم مقامه، وظني
تشاءمهم به، فأردت أن يعدل ذلك رسول اللّه عَّله عن أبي بكر، هذا باقيه في الصحيحين.
وفي رواية لمسلم: قالت واللّه ما بي إلاَّ كراهية أن يتشاءم الناس بأول من يقوم في مقامه
◌َ ◌ّر، فراجعته مرتين أو ثلاثًا.
(ونقل الدمياطي، أن الصديق صلى بالناس سبع عشرة صلاة) وفي مسند الدارمي من
وجه آخر؛ أن أبا بكر هو الذي أمر عائشة أن تشير على النبي عَّةٍ أن يأمر عمر بالصلاة وكذا في
مرسل الحسن عند ابن أبي خيثمة قال الحافظ: لكن لم يرد أبو بكر ما أرادت عائشة، بل قاله
لعذره برقة قلبه أو لفهمه منها الإِمامة العظمى وعلم ما في تحملها من الخطر وعلم قوة عمر
على ذلك فاختاره والظاهر أنه لم يطلع على المراجعة وفهم من أمره بذلك تفويضه سواء باشر
بنفسه أو استخلف.
(وقد ذكر الفاكهاني في) كتاب (الفجر المنير) في الصلاة على البشير النذير (مما
عزاه لسيف بن عمر) التميمي، ويقال: الضبي الكوفي، ضعيف الحديث، عمدة في التاريخ:
أفحش ابن حبان القول فيه مات في زمن الرشيد، روى له الترمذي.
قاله الحافظ (في كتاب الفتوح) وله كتاب الردة (أن الأنصار لما رأوا رسول اللّه عَظّه.

١١١
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه
(الفتوح)) أن الأنصار لما رأوا رسول الله عَّه يزداد وجعًا، أطافوا بالمسجد، فدخل
العباس فأعلمه عليه الصلاة والسلام بمكانهم وإشفاقهم، ثم دخل عليه الفضل
فأعلمه بمثل ذلك، ثم دخل عليه علي بن أبي طالب كذلك. فخرج عَ لّ متوكئًا
على علي والفضل والعباس أمامه، والنبي مَِّ معصوب الرأس يخط برجليه، حتى
جلس على أسفل مرقاة من المنبر وثار الناس إليه، فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا
أيها الناس، بلغني أنكم تخافون من موت نبيكم، هل خلد نبي قبلي فيمن بعث
إليه فأخلد فيكم؟ ألا إني لاحق بربي، وإنكم لاحقون به، فأوصيكم بالمهاجرين
الأولين خيرًا، وأوصى المهاجرين فيما بينهم، فإن الله تعالى يقول: ﴿والعصر إن
الإنسان لفي خسر﴾ - إلى آخرها - وإن الأمور تجري بإذن الله، ولا يحملنكم
استبطاء أمر على استعجاله، فإن الله عز وجل لا يعجل بعجلة أحد، ومن غالب الله
غلبه، ومن خادع الله خدعه، ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض
يزداد وجعًا أطافوا بالمسجد، فدخل العباس فأعلمه عليه الصلاة والسلام بمكانهم وإشفاقهم)
خوفهم عليه الفقد (ثم دخل عليه الفضل) بن عباس (فأعلمه بمثل ذلك، ثم دخل عليه
علي بن أبي طالب كذلك) أي: كدخول من قبله بأن ذكر له حال الأنصار (فخرج معَّ) حال
كونه (متوكئًا على علي والفضل والعباس أمامه) قدامه (والنبي عَِّ معصوب الرأس) من
الوجع (يخط برجليه) بضم الخاء (حتى جلس على أسفل مرقاة) درجة (من المنبر، وثار:)
اجتمع (الناس إليه) في المجلس (فحمد الله وأثنى عليه) بما هو أهله (وقال: أيها الناس
بلغني) من الثلاثة المذكورين (أنكم تخافون من موت نبيكم هل خلد نبي قبلي فيمن بعث
إليه) بالأفراد نظرًا للفظ من (فأُخلد فيكم) بالنصب وفيه تسلية لهم وتذكير بقوله تعالى:
(﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد﴾) [الأنبياء/ ٣٤]، وما محمد إلاَّ رسول قد خلت من قبله
الرسل إنك ميت (ألا) بالفتح والتخفيف (وإني لاحق بربي، ألاَّ وإنكم لاحقون به وأوصيكم
بالمهاجرين الأولين خيرًا؛) بأن تعرفوا حقهم وتنزلوهم منزلتهم (وأوصى المهاجرين فيما
بينهم) بالدوام على التقوى وعمل الصالحات (فإن اللّه تعالى يقول: ﴿والعصر﴾) الدهر أو ما
بعد الزوال إلى الغروب أو صلاة العصر (﴿إن الإِنسان﴾) الجنس (﴿لفي خسر﴾) في تجارته
وتلاها﴾ (إلى آخرها) وأنه قال إلى آخرها (وأن الأمور تجري) أي: تقع (بإذن الله) أي:
بإرادته (ولا يحملنكم استبطاء أمر على استعجاله، فإن اللّه عزّ وجلّ لا يعجل بعجلة) أي:
بسبب عجلة (أحد) فلا فائدة في الاستعجال بل فيه الهم والغم والنكال (ومن غالب اللّه غلبه)
اللّه (ومن خادع اللّه خدعه) والمفاعلة في الأمرين ليست مرادة، بل هي نحو: عافاك اللّه وإنما

١١٢
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عَ ◌ّة.
وتقطعوا أرحامكم﴾ [محمد/٢٢]، وأوصيكم بالأنصار خيرًا، فإنهم الذين تبوّؤًا
الدار والإيمان من قبلكم أن تحسنوا إليهم، ألم يشاطروكم في الثمار؟ ألم يوسعوا
لكم في الديار؟ ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم الخصاصة؟ ألا فمن ولي أن
يحكم بين رجلين فليقبل من محسنهم وليتجاوز عن مسيئهم، ألا ولا تستأثروا
عليهم، ألا وإني فرط لكم، وأنتم لاحقون بي، ألا وإن موعدكم الحوض، ألا فمن
أجيب أن يَرِدّه عليَّ غدًا فليكفف يده ولسانه، إلا فيما ينبغي، يا أيها الناس، إن الذنوب
تغير النعم، وتبدل القِسم، فإذا برَّ الناس، برّهم أثمتهم، وإذا فجر الناس
عبر بالمفاعلة تشبيهًا بفعل المغالب والمخادع لمن هو مثله، كما قال تعالى: ﴿يخادعون اللّه
والذين آمنوا وما يخادعون إلاَّ أنفسهم﴾ [البقرة/ ٩]، تشبيهًا لفعل المنافقين بفعل المخادع
(﴿فهل عسيتم﴾) فهل يتوقع منكم (﴿إن توليتم﴾) أمور الناس وتأمرتم عليهم أو أعرضتم وتوليتم
عن الإِسلام (﴿أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم﴾) تشاجرا على الدنيا وتجاذبا لها أو
رجوعًا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من التغاور ومقاتلة الأقارب، والمعنى أنهم لضعفهم في
الدين وحرصهم على الدنيا أحقاء بأن يتوقع ذلك منهم من عرف حالهم ويقول لهم هل عسيتم.
قاله البيضاوي: ولا يخفى مناسبة تلاوته لهذه الآية في هذا المقام (وأوصيكم بالأنصار
خيرًا، فإنهم الذين تبؤِّؤا الدار) أي: اتخذوا المدينة وطًا سميت دارًا لأنها دار الهجرة (والإِيمان)
أي: ألفوه فنصب بعامل خاص أو بتضمين تبؤوا معنى لزموا أو يجعل الإِيمان منزلاً مجازًا لتمكنهم
فيه، فجمعٍ في تبوؤُوا بين الحقيقة والمجاز (من قبلكم أن تحسنوا إليهم) بدل من خيرًا، ثم
بين أن أمره به لمكافأتهم بقوله: (ألم يشاطروكم في الثمار) بإعطائكم نصف ثمارهم
والاستفهام للتقرير (ألم يوسعوا لكم في الديار ألم يؤثروكم) يقدموكم (على أنفسهم وبهم
الخصاصة) الحاجة إلى ما يؤثرون به (ألاّ فمن ولي أن يحكم بين رجلين) منهم (فليقبل من
محسنهم وليتجاوز عن مسيئهم) في غير الحدود، وعبر بالجمع إشارة إلى أن المراد جنس
رجلين أو على أن أقلى الجمع إثنان (ألا) بالفتح مخففًا (ولا تستأثروا عليهم) بتقديم أنفسكم
وتميزكم بالأمور الدنيوية دونهم (ألا وإني فرط) بفتحتين سابق (لكم) أهيىء لكم حوائجكم
(وأنتم لاحقون بي، ألا وأن موعدكم الحوض) في القيامة (ألا فمن أحب أن يرده عليّ غدًا)
عبر به لأن كل ما هو آتٍ قريب (فليكفف يده ولسانه إلا فيما ينبغي) وخصهما لأنهما أغلب
ما يحصل الفعل وإلا فباقي الأعضاء، كذلك (يا أيها الناس إن الذنوب تغير النعم) كما قال
تعالى: ﴿إِنَّ اللّه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)) [الرعد/ ١١] (وتبدل القسم فإذا بر
الناس برَّهم أئمتهم، وإذا فجروا عقوهم) أي: عقهم أئمتهم بمخالفة مطلوبهم وقطع الإِحسان

١١٣
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه معدّة.
عقوهم)).
وفي حديث أنس عند البخاري: قال: مرّ أبو بكر والعباس بمجلس من
مجالس الأنصار وهم يبكون، فقال: ما يبكيكم؟ فقالوا: ذكرنا مجلس النبي عَّه
منا، فدخل أحدهما على النبي عَِّ فأخبره بذلك، فخرج النبي عَّه وقد عصب
على رأسه حاشية برد، فصعد المنبر - ولم يصعده بعد ذلك اليوم - فحمد الله وأثنى
عليه، ثم قال: ((أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم،
وبقي الذي لهم، فأقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم)).
إليهم وغير ذلك.
(وفي حديث أنس عند البخاري، قال: مرَّ أبو بكر) الصديق (والعباس) بن عبد المطلب
(بمجلس من مجالس الأنصار) وذلك في مرضه عَّة الذي توفي فيه (وهم ييكون) جملة حالية
(فقال: ما يبكيكم) بأفراد، قال عند البخاري: فما في نسخة فقالا غير صحيحة، فقد قال
الحافظ: لم أقف على الذي خاطبهم بذلك هل هو أبو بكر أو العباس، ويظهر لي أنه العباس
(فقالوا: ذكرنا مجلس النبي عَّ له منا) الذي كنا نجلسه معه ونخاف أن يموت من هذا المرض
ونفقد مجلسه، فبكينا لذلك (فدخل أحدهما) ليست في البخاري، إنما فيه: فدخل فقط.
قال الحافظ: كذا أفرد بعد أن ثنى، والمراد به من خاطبهم، وقدمت رجحان أنه العباس.
انتهى، ومراده بقوله: ثنى، أي في قوله مر أبو بكر والعباس، فكان أصل المصنف، أي: أحدهما
بأي التفسيرية (على النبي عَلَّهِ، فأخبره بذلك) الذي وقع من الأنصار (فخرج النبي عَّة،
و) الحال أنه (قد عصب) بخفة الصاد المهملة (على رأسه حاشية برد) بضم الموحدة وسكون الراء نوع من
الثياب معروف.
وفي رواية المستملي: بردة بزيادة هاء التأنيث وحاشية مفعول عصب (فصعد) بكسر العين
(المنبر ولم يصعده) بفتحها (بعد ذلك) اليوم (فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أوصيكم
بالأنصار فإنهم كرشي) بفتح الكاف وكسر الراء والشين المعجمة (وعيبتي) بفتح العين المهملة
وسكون التحتية وفتح الموحدة وتاء تأنيث (وقد قضوا الذي عليهم) من الإِيواء ونصره عَّة.
كما بايعوه ليلة العقبة (وبقي الذي لهم) وهو دخول الجنة كما وعدهم عليه السلام، فإنهم
بايعوه على إيوائه ونصره على أن لهم الجنة، قاله المصنف تبعًا للحافظ، ويحتمل أن الذي لهم
أعم من الجنة التي وعدهم بها وإكرامهم في الدنيا.
ويؤيده أن المراد الوصية بهم في الدنيا، وما في الرواية التي قبله وقوله: (فاقبلوا من
محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم) في غير الحدود (وقوله: کرشي وعيبتي، أي: موضع سري،

١١٤
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه معه.
وقوله ((كرشي وعيبتي)) أي موضع سري أراد أنهم بطانته وموضع أمانته،
والذين يعتمد عليهم في أموره. واستعار الكرش والعيبة لذلك. لأن المجتر يجمع
علفه في كرشه، والرجل يجمع ثيابه في عيبته، وقيل: أراد بالكرش الجماعة، أي
جماعتي وصحابتي. يقال: عليه كرش من الناس، أي جماعة، قاله في النهاية.
وذكره الواحدي بسند وصله لعبد الله بن مسعود قال: نعى لنا رسول الله عَ له
نفسه قبل موته بشهر، فلما دنا الفراق جمعنا في بيت عائشة فقال: ((حياكم الله
بالسلام، رحمكم الله، جبركم الله، رزقكم الله، نصركم الله، رفعكم الله، آواكم
الله، أوصيكم بتقوى الله، وأستخلفه عليكم، وأحذركم الله، إني لكم منه نذير
مبين، أن لا تعلوا على الله في بلاده وعباده فإنه قال لي ولكم: ﴿تلك الدار
أراد أنهم بطانته) أي: موضع سره (وموضع أمانته والذين يعتمد عليهم في أموره).
قال القزاز: المثل بالكرش لأنه مستقر غذاء الحيوان الذي يكون فيه نماؤه (واستعار الكرش
ولعيبة لذلك، لأن المجتر يجمع علفه في كرشه والرجل يجمع ثيابه في عيبته) وهي اسم
لما يجمع فيه الثياب، وفي الفتح ما يحرز فيه الرجل نفيس ما عنده (وقيل: أراد بالكرش
الجماعة، أي: جماعتي وصحابتي، يقال عليه كرش من الناس، أي: جماعة، قاله في
النهاية).
قال ابن دريد هذا من كلامه عَِّ الموجز الذي لم يسبق إليه وقال غيره الكرش بمنزلة
المعدة للإِنسان والعيبة مستودع الثياب والأول أمر باطن والثاني أمر ظاهر، فكأنه ضرب المثل
بهما في إرادة اختصاصهم بأموره الظاهرة والباطنة والأول أولى وكل من الأمرين مستودع لما
يخفى فيه، قاله الحافظ.
(وذكره الواحدي بسند وصله لعبد الله بن مسعود قال: نعى) بالنون (لنا) أي أخبر
(رسول اللّه عَّله نفسه) أي: أخبر بموته (قبل موته بشهر، فلما دنا الفراق جمعنا في بيت
عائشة، فقال: حياكم الله) أصله الدعاء بالحياة، ثم استعمل شرعًا في دعاء خاص وهو السلام،
كما قال (بالسلام: رحمكم الله) أتاكم الله رحمته التي وسعت كل شىء (جبركم اللّه) بالجيم
أصلحكم (رزقكم اللّه) الحلال على ما هو اللائق في مقام الدعاء وإن كان الرزق أعم عند أهل
السنّة (نصركم الله) أي: أعانكم (رفعكم الله) أي: رفع قدركم بين العباد ورفع أعمالكم بأن
يتقبلها منكم (آواكم اللّه) بالمد والقصر والمد أشهر، أي ضمكم إلى رحمته ورضوانه وإلى ظل
عرشه يوم القيامة (أوصيكم بتقوى الله وأستخلفه علیم وأحذر کم الله إني لكم منه نذير
مبين) بين الإِنذار (أن لا تعلوا) تتكبروا (على اللّه في بلاده) بترك ما أمركم به وفعل ما نهاكم

١١٥
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه مَبه.
الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتقين﴾
[القصص/٨٣]، وقال: ﴿أليس في جهنم مثوى للمتكبرين﴾ [الزمر/ ٦٠]، قلنا يا
رسول الله، متى أجلك؟ قال: ((دنا الفراق، والمقلب إلى الله وإلى جنة المأوى))، قلنا:
يا رسول الله، من يغسلك؟ قال: ((رجال أهل بيتي الأدنى فالأدنى))، قلنا يا رسول الله،
فيم نكفنك؟ قال: ((في ثيابي هذه وإن شئتم في بياض ثياب مصر، أو حلة يمنية،
قلنا: يا رسول الله، من يصلي عليك؟ قال: إذا أنتم غسلتموني وكفنتموني فضعوني
على سريري هذا على شفير قبري، ثم اخرجوا عني ساعة، فإن أول من يصلي علي
جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم ملك الموت ومعه جنود من الملائكة، ثم ادخلوا
عليّ فوجًا فوجًا، فصلوا عليَّ وسلموا تسليمًا، وليبدأ بالصلاة عليَّ رجال أهل بيتي،
ثم نسائهم، ثم أنتم، واقرؤوا السلام على من غاب من أصحابي ومن تبعني على
عنه (وعباده) بظلمهم (فإنه قال: لي ولكم ﴿تلك الدار الآخرة﴾) أي: الجنة (﴿نجعلها للذين
لا يريدون علوًا في الأرض﴾) بالبغي (﴿ولا فسادًا﴾) بعمل المعاصي (﴿والعاقبة﴾) المحمودة
(﴿للمتقين﴾) عقاب الله بعمل الطاعات (وقال: ﴿أليس في جهنم مثوى﴾) مأوى
(﴿للمتكبرين﴾) عن الإِيمان، كما قال في الآية الأخرى ﴿مثوى للكافرين﴾ [العنكبوت/٦٨،
الزمر / ٣٢]، والمراد؛ أن لهم فيها المأوى (قلنا: يا رسول اللّه متى أجلك؟، قال: دنا) قرب
(الفراق) للدنيا (والمنقلب) الرجوع (إلى اللّه وإلى جنة المأوى) الإقامة (قلنا: يا رسول الله
من يغسلك؟) بكسر السين من باب ضرب ويثقل للمبالغة (قال: رجال أهل بيتي الأدنى
فالأدنى) الأقرب فالأقرب (قلنا: يا رسول اللّه فيم نكفنك؟، قال في ثيابي هذه) التي علي
(وإن شئتم في ثياب بياض مصر) أي: في الثياب البيض التي جاءته من مصر.
روى ابن عبد الحكم أن المقوقس أهدى له عليه الصلاة والسلام في جملة الهدية
عشرين ثوبًا من قباطي مصر، وأنها بقيت حتى كفن في بعضها، والصحيح ما في الصحيح
عن عائشة أنه كفن في ثياب يمانية كما يأتي (أو حلة يمنية) من اليمن (قلنا: يا رسول اللّه من
يصلي عليك).
(قال: إذا أنتم غسلتموني وكفنتموني فضعوني على سريري هذا على شفير) بمعجمة
وفاء، أي حرف (قبري، ثم اخرجوا عني ساعة) قدرًا من الزمان (فإن أول من يصلي عليّ
جبريل، ثم ميكئيل ثم إسرافيل، ثم ملك الموت ومعه جنود) جماعة (من الملاكة، ثم ادخلوا
عليَّ فوجًا فوجًا) جماعة بعد جماعة بفتح فسكون مفرد أفواج وجمع الجمع أفاويج (فصلوا
عليّ وسلموا تسليمًا، وليبدأ بالصلاة عليّ رجال أهل بيتي) عليّ والعباس ونحوهما (ثم

١١٦
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه مَ ﴾.
ديني))، من يومي هذا إلى يوم القيامة، قلنا: يا رسول الله، من يدخلك قبرك؟ قال:
أهلي مع ملائكة ربي. وكذا رواه الطبراني في ((الدعاء)) وهو واه جدًا.
وقالت عائشة: كان رسول الله عَّه وهو صحيح يقول: ((إنه لم يقبض نبي
قط حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يُحيًّا أو يخير)). فلما اشتكى وحضره القبض
ورأسه على فخذي غشي عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال:
((اللهم في الرفيق الأعلى))، فقلت: إذًا لا يختارنا، فعرفت أنه حديثه الذي كان
يحدثنا وهو صحيح.
وفي رواية: أنها أصغت إليه قبل أن يموت، وهو مستند إليّ ظهره يقول:
نساؤهم، ثم أنتم) أي: باقي الصحابة الموجودين بالمدينة (واقرؤوا) بلغوا (السلام) عني (على
من غاب من أصحابي).
قال ابن الأثير: يقال اقرىء فلانًا السلام واقرأ عليه السلام، كأنه حين يبلغه سلامه يحمله
على أن يقرأ السلام، ويرده: (ومن تبعني على ديني من يومي هذا إلى يوم القيامة، قلنا: يا
رسول اللّه من يدخلك قبرك؟، قال أهلي:) أقاربي (مع ملائكة ربي).
(وكذا رواه الطبراني في) كتاب (الدعاء وهو واهٍ) أي: ضعيف (جدًا) من وهي الحائط
إذا مال للسقوط فلا ينتفع به (وقالت عائشة: كان رسول اللّه عَّه وهو صحيح يقول إنه لم
يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يحيا) بضم التحتية وشد الثانية مفتوحة بينهما حاء
مهملة مفتوحة، أي يسلم إليه الأمر أو يملك في أمره أو يسلم عليه تسليم الوداع (أو يخير) بين
الدنيا والآخرة والشك من الراوي، قاله المصنف.
وفي رواية للبخاري: لا يموت نبي حتى يخير بين الدنيا والآخرة (فلما اشتكى) أي:
مرض (وحضره القبض ورأسه على فخذي غشي عليه، فلما أفاق شخص) بفتح المعجمتين،
أي: ارتفع (بصره نحو سقف البيت، ثم قال: اللهم) اجعلني (في الرفيق الأعلى) أو في
بمعنى مع (فقلت: إذًا لا يختارنا) من الاختيار، وللأكثر لا يجاورنا من المجاورة (فعرفت أنه
حديثه الذي كان يحدثنا) به (وهو صحيح).
وعند أبي الأسود في المغازي عن عروة؛ أن جبريل نزل إليه في تلك الحالة فخيره، زاد
في رواية للبخاري: قالت، أي عائشة: فكانت آخر كلمة تكلم بها اللهم في الرفيق الأعلى.
(وفي رواية) للبخاري عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة (أنها) سمعت النبي عَ ليه.
و(أصغت) بسكون الصاد المهملة وفتح الغين المعجمة، أي أمالت معها (إليه قبل أن يموت

١١٧
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه
((اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى)) رواه البخاري من طريق الزهري
عن عروة.
وما فهمته عائشة من قوله عليه الصلاة والسلام: ((اللهم في الرفيق الأعلى))
أنه خير، نظير فهم أبيها رضي الله عنه من قوله عليه الصلاة والسلام: ((إن عبدًا خيره
الله ما بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده)) أن العبد المراد هو النبي عليه كما
قدمته. ذكره الحافظ ابن حجر.
وعند أحمد من طريق المطلب بن عبد الله عن عائشة: أن النبي عَّ كان
يقول: ما من نبي يقبض إلا يرى الثواب ثم يخير.
ولأحمد أيضًا، من حديث أبي موبهة قال: قال لي رسول الله عَّه: أوتيت مفاتيح
خزائن الأرض والخلد ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة فاخترت
وهو مستند إلى ظهره) فسمعته (يقول: اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني) بهمزة قطع
(بالرفيق الأعلى).
(رواه البخاري من طريق الزهري عن عروة) عن عائشة: وصوابه تقديم هذا علي قوله،
وفي رواية: إذ هو الذي في البخاري من هذا الطريق، أما هذه الرواية فإنما رواها البخاري من
طريق عباد عنها كما علم (وما فهمته عائشة من قوله عليه الصلاة والسلام: اللهم في الرفيق
الأعلى؛ أنه خير) بين الدنيا والارتحال إلى الآخرة (نظير فهم أبيها رضي اللّه عنه من قوله
عليه الصلاة والسلام: إن عبدًا خيره اللّه بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده؛ أن العبد
المراد هو النبي عَد. كما قدمته).
(ذكره الحافظ ابن حجر) بلفظ فائدة (وعند أحمد من طريق المطلب بن عبد الله) بن
المطلب بن حنطب المخزومي (عن عائشة؛ أن النبي عَّر. كان يقول: ما من نبي يقبض، إلا
يرى الثواب) الذي أعد له في الآخرة (ثم يخير) بضم أوله وفتح الخاء المعجمة بين البقاء في
الدنيا والارتحال إلى الآخرة.
(ولأحمد أيضًا من حديث أبي مويهة) ويقال: أبو موهية وأبو موهوية وهو قول الواقدي
مولى النبي عَّه: كان من مولدي مزينة، روى عنه عبد اللّه بن عمرو بن العاص وهو من أقرانه،
ذكره صاحب الإِصابه في الكنى ولم يذكر له اسمًا فاسمه كنيته (قال: قال لي رسول اللّه عَّة.
أوتيت) بالبناء للمفعول (مفاتيح خزائن الأرض والخلد) البقاء في الدنيا إلى انقضائها (ثم
الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي) عاجلاً (والجنة، فاخترت لقاء ربي والجنة) حبًا

١١٨
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه معَة.
لقاء ربي والجنة.
وعند عبد الرزاق من مرسل طاوس، رفعه: خيرت بين أن أبقى حتى أرى ما
يفتح على أمتي، وبين التعجيل فاخترت التعجيل.
وفي رواية أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه عند النسائي، وصححه ابن
حبان: فقال اسأل الله الرفيق الأعلى الأسعد مع جبريل وميكائيل وإسرافيل.
وظاهره: أن الرفيق، المكان الذي تحصل فيه المرافقة مع المذكورين، وقال
ابن الأثير في ((النهاية)) الرفيق: جماعة الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين، وقيل:
المراد به الله تعالى، يقال: الله رفيق بعباده من الرفق والرأفة، انتهى، وقيل: المراد
في لقاء اللّه وزهدًا في الدنيا مع أن الجنة معطاة له على التخييرين.
(وعند عبد الرزاق من مرسل طاوس، رفعه: خيرت بين أن أبقى حتى أرى ما يفتح
على أمتي) من المدائن والفتوحات (وبين التعجيل) إلى لقاء اللّه تعالى (فاخترت التعجيل)
شوقًا إلى الله تعالى.
(وفي رواية أبي بردة:) قيل اسمه عامر، وقيل الحراث (بن أبي موسى) الأشعري،
المتوفى في سنة أربع ومائة، وقيل: غير ذلك، وقد جاوز ثمانين سنة (عن أبيه عند النسائي، وصححه
ابن حبان فقال) عَظِّ: (أسأل الله الرفيق الأعلى الأسعد مع جبريل وميکئيل وإسرافيل).
وفي رواية المطلب عن عائشة عند أحمد: فقال مع الرفيق الأعلى، مع الذين أنعم الله
عليهم من النبيين ... إلى قوله رفيقًا، قال الحافظ بعد ذكر هاتين الروايتين مقدمًا الثانية (وظاهره؛
أن الرفيق المكان الذي تحصل فيه المرافقة مع المذكورين) في الآية من النبيين
والصديقين والشهداء والصالحين ومن الملائكة الثلاثة المذكورين في الحديث لا معهم فقط،
كما أوهمه تصرف المصنف.
(وقال ابن الأثير في النهاية: الرفيق جماعة الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين) فهو
اسم جنس تشمل الواحد فما فوقه، والمراد الأنبياء ومن ذكر في الآية، وقد ختمت بقوله تعالى:
﴿وحسن أولئك رفيقًا﴾ [النساء/ ٦٩]، ونكتة الإتيان بهذه الكلمة بالأفراد الإِشارة إلى أن أهل
الجنة يدخلونها على قلب رجل واحد نبه عليه السهيلي.
(وقيل: المراد به) بالرفيق (اللّه تعالى) لأنه من أسمائه تعالى كما في مسلم عن عائشة،
وأبي داود عن عبد الله بن مغفل، رفعاه: (إن اللّه رفيق يحب الرفق)، وعزوه لأبي داود وحده
تقصير (يقال: اللّه الرفيق بعباده من الرفق والرأفة. انتهى).

١١٩
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه منَـ
به حظيرة القدس.
وفي كتاب ((روضة التعريف بالحب الشريف)): لما تجلى له الحق ضعفت
العلاقة بينه وبين المحسوسات والحظوظ الضرورية من أداني معاني الترقيات
البشرية، فكانت أحواله في زيادة الترقي، ولذلك روي أنه عليه الصلاة والسلام
قال: كل يوم لا أزداد فيه قربًا من الله فلا بورك لي في طلوع شمسه. وكلما
فارق مقامًا واتصل بما هو أعلى منه لمح الأول بعين النقص، وسار على ظهر
المحبة، ونعمت المطية لقطع هذه المراحل والمقامات والأحوال، والسفر إلى
حضرة ذي الجلال، والاتصال بالمحبوب الذي كل شيء هالك إلا وجهه.
وهو يحتمل أن يكون صفة ذات كالحليم أو صفة فعل، وغلط الأزهري هذا القول لقوله:
مع الرفيق ولا وجه لتغليطه، لأن تأويله على ما يليق باللّه سائغ، قاله الحافظ.
(وقيل: المراد به) بالرفيق (حظيرة القدس) أي: الجنة، وبه جزم الجوهري وابن عبد البر
وغيرهما، ويؤيده ما عند ابن إسحق: الرفيق الأعلى الجنة، قال الحافظ بعد أن ذكر خمس
روايات صحاح، كلها بلفظ الرفيق الأعلى، وهذه الأحاديث ترد على من زعم أن الرفيق تغيير من
الراوي، وأن الصواب الرقيع بالقاف والعين المهملة وهو من أسماء السماء. انتهى.
وفي كلام بعضهم: الرفيق الأعلى نهاية مقام الروح وهي الحضرة الواحدية، فالمسؤول
إلحاقة بالمحل الذي ليس بينه وبينه أحد في الاختصاص، والقول بأن المراد إلحاقة بالملائكة
ومن في الآية مردود بأن محله فوقهم، فكيف يسأل اللحاق بهم، وتعقب بأن المراد المحل
الذي يحصل فيه مرافقتهم في الجملة على اختلاف درجاتهم، ويوجد في بعض نسخ المصنف
هنا (وفي كتاب روضة التعريف بالحب الشريف لما تجلى) ظهر (له الحق) تعالى ليلة
المعراج حتى رآه بعيني رأسه على الصحيح (ضعفت العلاقة بينه وبين المحسوسات) الأشياء
المشاهدة بحاسة البصر (والحظوظ الضرورية من أدائي) أقاصي (معاني الترقيات البشرية،
فكانت أحواله) عليه الصلاة والسلام (في زيادة الترقي) فلذا بادر باختيار اللقاء على البقاء شوقًا
لرؤية محبوبه الذي رآه سابقًا (ولذلك روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: كل يوم لا أزداد فيه
قربًا من اللّه فلا بورك لي في طلوع شمسه، وكلما فارق مقامًا واتصل بما هو أعلى منه
لمح الأول بعين النقص) عن الأعلى وإن كان كمالاً (وسار على ظهر المحبة ونعمت
المطية) هي (لقطع هذه المراحل والمقامات والأحوال) عطف تفسير للمراحل (والسفر إلى
حضرة ذي الجلال والاتصال بالمحبوب الذي كل شيء هالك إلا وجهه) فبادر باختيار
الموت ليظفر عاجلاً باللقاء، وإذا قيل في وجه ترديد موسى للمصطفى ليلة المعراج ليظفر بتكرار

١٢٠
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه موظفه.
قال السهيلي: الحكمة في اختتام كلامه عَِّ بهذه الكلمة، كونها تتضمن
التوحيد والذكر بالقلب، حتى يستفاد منها الرخصة لغيره أنه لا يشترط أن يكون
الذكر باللسان، لأن بعض الناس قد يمنعه من النطق مانع، فلا يضره ذلك إذا كان
قلبه عامرًا بالذكر، انتهى ملخصًا.
قال الحافظ ابن رجب: وقد روي ما يدل على أنه قبض ثم رأى مقعده من
الجنة ثم ردت إليه نفسه ثم خير. ففي المسند قالت - يعني عائشة - كان
النبي عَّه يقول: ما من نبي إلا تقبض نفسه ثم يرى الثواب ثم ترد إليه نفسه
فيخير بين أن ترد إليه إلى أن يلحق، فكنت قد حفظت ذلك عنه، وإني لمسندته
إلى صدري، فنظرت إليه حين مالت عنقه، فقلت: قضى، قالت: فعرفت الذي قال،
فنظرت إليه حين ارتفع ونظر، فقلت: إذًا والله لا يختارنا، فقال: مع الرفيق الأعلى
رؤية من قد رأى، فما بالك بمن رأى بنفسه، وقد سقط هذا من غالب نسخ المصنف وليس من
مسموعنا، وقد بينا وجه ذكره هنا.
(قال السهيلي: الحكمة في اختتام كلامه عَّ بهذه الكلمة كونها تتضمن التوحيد)
لدلالتها على قطع العلائق عن غيره سبحانه وتعالى حيث قصر نظره على طلب الرفيق الأعلى
على كل تفسيراته (والذكر بالقلب) لأن الرفيق مفرد وهو يستدعي تقديرًا في الكلام كأن يقال:
أسألك مجاورة الرفيق ونحوه.
هذا وإن لم يذكر باللسان فهو مستحضر بالقلب (حتى يستفاد منها الرخصة لغيره أنه
لا يشترط أن يكون الذكر باللسان) عند الموت (لأن بعض الناس قد يمنعه من النطق مانع)
كعقل اللسان عنه (فلا يضره ذلك إذا كان قلبه عامرًا بالذكر. انتهى ملخصًا) كلام السهيلي.
(قال الحافظ ابن رجب: وقد روي ما يدل على أنه قبض ثم رأى مقعده من الجنة،
ثم ردت إليه نفسه ثم خير، ففي المسند) للإِمام أحمد من طريق المطلب بن عبد اللّه (قالت،
يعني عائشة: كان النبي عَُّ يقول) وهو صحيح (ما من نبي) أراد به ما يشمل الرسول (إلاّ
تقبض نفسه، ثم يرى الثواب) الذي أعده اللّه له (ثم ترد إليه نفسه فيخير بين أن ترد إليه
إلى أن يلحق، فكنت قد حفظت ذلك عنه) في صحته (وإني لمسندته إلى صدري، فنظرت
إليه حين مالت عبئة، فقلت: قضى) أي مات (قالت) عائشة: (فعرفت الذي قال) هو ما حفظته
عنه (فنظرت إليه حين ارتفع) بصره (ونظر) إلى جهة سقف البيت (فقلت: إذًا واللّه لا يختارنا)
أي لا يريد البقاء فينا (فقال: مع الرفيق الأعلى في الجنة مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين