النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
النَّوع السَّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
والطريق الثاني: أن نقول: قد روي ما لا يحصى كثرة عن هذه الأمة مثل ما
اتفق في مجلس داود عليه الصلاة والسلام من موت المستمعين للذكر في مجلس
السماع قديمًا وحديثًا، ولأبي إسحق الثعلبي جزء في قتلى القرءان رويناه، وعندي
من ذلك جملة أريد تدوينها، بل قد روي عن كثير من المريدين أنهم ماتوا
بمجرد النظر إلى المشايخ، كما حكي أن مريدًا لأبي تراب النخشبي كان يتجلى
له الحق تعالى في كل يوم مرات، فقال له أبو تراب: لو رأيت أبا يزيد البسطامي
لرأيت أمرًا عظيمًا، فلما ارتحل المريد مع شيخه أبي تراب النخشبي لأبي يزيد
ووقع بصر المريد عليه وقع ميتًا، فقال له أبو تراب يا أبا يزيد نظرة منك قتلته، وقد
كان يدعي رؤية الحق تعالى فقال له أبو يزيد قد كان صاحبك صادقًا، وكان
الأمة) من الأخبار، والقصص (مثل ما اتفق في مجلس داود عليه الصلاة والسلام من موت
المستمعين للذكر في مجلس السماع قديمًا، وحديثًا، ولأبي إسحق) أحمد بن محمد بن
إبراهيم (الثعلبي) ويقال له الثعالبي النيسابوري صاحب التفسير والعرائس.
قال الذهبي: كان حافظًا رأسًا في التفسير، والعربية متين الزهادة، والديانة مات سنة سبع
وعشرين، أو سبع وثلاثين وأربعمائة (جزء قتلى القرءان) أي مؤلف في بيان من قتل عند سماع
القرءان (وعندي من ذلك جملة أريد تدوينها، بل قد روي عن كثير من المريدين، أنهم ماتوا
بمجرد النظر إلى المشايخ، كما حكي أن مريدًا، لأبي تراب النخشبي) بفتح النون، وسكون
الخاء، وفتح الشين المعجمة نسبة إلى نخشب بلدة، بما وراء النهر، واسمه عسكر بن حصين،
واشتهر بكنيته، فلم يعرف، إلا بها جمع بين العلم، والدين، والزهد، والتصوف، والتقشف،
والتوكل، والتبتل، ووقف بعرفة خمسًا وخمسين وقفة، وصحب حاتماً الأصم، والخواص، والطبقة،
وعند أحمد بن حنبل، وغيره مات سنة خمس وأربعين ومائتين. (كان يتجلى له) لذلك المريد
(الحق تعالى في كل يوم مرات، فقال له أبو تراب، لو رأيت أبا يزيد) اسمه طيفور بن عيسى
(البسطامي) نادرة زمانه حالاً، وأنفاسًا، وورعًا، وعلمًا، وزهدًا، وتقّى، وأفردت ترجمته بتصانيف
حافلة، ومات سنة إحدى وستين ومائتين عن ثلاث وسبعين سنة (لرأيت أمرًا عظيمًا) فلم يزل
يشوقه إليه (فلما ارتحل المريد مع شيخه أبي تراب النخشبي لأبي يزيد) فقيل أنه في
الغيضة مع السباع، وكان يأوي إليها، فقعدا على طريقه، فلما مر (ووقع بصر المريد عليه وقع
ميتًا، فقال له أبو تراب: يا أبا يزيد نظرة) حصلت له (منك)، أو نظرة منه إليك (قتلته، وقد كان
يدعي رؤية الحق تعالى، فقال له أبو يزيد، قد كان صاحبك صادقًا، وكان الحق يتجلى له

٦٢
النَّوع السّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
الحق يتجلى له على قدر مقامه، فلما رآني تجلى له على قدر ما رأى، فلم يطق
فمات.
واصطلاح أهل الطريق في التجلي معروف، وحاصله: رتبة من المعرفة جلية
علية ولم يكونوا يعنون بالتجلي رؤية البصر التي قيل فيها لموسى عليه الصلاة
والسلام - على خصوصيته - ﴿لن تراني﴾ والتي قيل فيها على العموم لا تدركه
الأبصار. وإذا فهمت أن مرادهم الذي أثبتوه غير المعنى الذي حصل منه الناس
على اليأس في الدنيا، ووعد به الخواص في الآخرة، فلا ضير بعد ذلك عليك.
ولا طريق لسوء الظن بالقوم إليك، والله متولي السرائر. انتهى.
وإذا علمت هذا فاعلم أن السماع في طريق القوم معروف، وفي الجواذب
إلى المحبة معدود موصوف، وقد نقل إباحته أبو طالب في ((القوت)) عن جماعة
من الصحابة كعبد الله بن جعفر، وابن الزبير، والمغيرة بن شعبة ومعاوية، وكذا عن
على قدر مقامه، فلما رآني تجلى له على قدر ما رأى) لم يقل على قدري تأدبًا،
وخوفًا من رؤية نفسه فوق غيره (فلم يطق، فمات) فلا عجب (واصطلاح أهل الطريق) كما قال
العلامة ابن المنير (في التجلي معروف، وحاصله رتبة من المعرفة جلية) ظاهرة (علية) عالية
القدر، وحالة بين النوم، واليقظة سوية، والإِيمان يزيد، وينقص كذا في كلام ابن المنير (ولم
يكونوا) لفظ ابن المنير، ولا تظنهم (يعنون بالتجلي رؤية البصر التي قيل فيها لموسى
عليه الصلاة والسلام على خصوصيته لن تراني، والتي قيل فيها على العموم،
لا تدركه الأبصار، وإذا فهمت أن مرادهم الذي أثبتوه غير المعنى الذي حصل منه
الناس على اليأس في الدنيا) إلا نبينا عَّةِ على الأصح، كما مر في المعراج (ووعد به
الخواص في الآخرة) أي المؤمنون (فلا ضير بعد ذلك عليك، ولا طريق لسوء الظن بالقوم
إليك، واللّه متولي السرائر ا هـ).
قال السبكي: وكلام ابن المنير هذا يقرب من قول شيخه العزبن عبد السلام في قواعده
التجلي، والمشاهدة عبارة عن العلم، والعرفان، والقوم، لا يقتصرون في تفسير التجلي على
العلم، ولا يعنون به الرؤية، ثم لا يفصحون، بما يعنون، بل يلوحون تلويحًا، ولم يفصح القشيري
بتفسيره، ولعله خاف على فهم من ليس من أهل الطريق (وإذا علمت هذا، فاعلم أن السماع
في طريق القوم معروف، وفي الجواذب إلى المحبة معدود موصوف، وقد نقل إباحته أبو
طالب) المكي (في القوت) أي كتابه المسمى قوت القلوب (عن جماعة من الصحابة
كعبد اللّه بن جعفر) الهاشمي (وابن الزبير) الأسدي (والمغيرة بن شعبة) الثقفي (ومعوية)

٦٣
النَّوع السَّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
الجنيد، والسري وذو النون، واحتج له الغزالي في «الإحياء» بما يطول ذكره،
خصوصًا في أوقات السرور المباحة، تأكيدًا له وتهييجًا، كعرس وقدوم غائب،
ووليمة وعقيقة وحفظ القرءان، وختم درس وكتاب وتأليف.
وفي الصحيحين من حديث عائشة: أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان
في أيام منى تدففان وتضربان، ورسول الله عَ لَّ متغش بثوبه، فانتهرهما أبو بكر،
فكشف مَّلِ عن وجهه وقال: دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد. وفي رواية: دخل
الأموي (وكذا) نقله (عن الجنيد) شيخ الطائفة (والسري) السقطي (وذو النون) المصري
(واحتج له الغزالي في الإحياء بما يطول ذكره خصوصًا في أوقات السرور المباحة تأكيدًا
له، وتهييجًا لعرس) زواج (وقدوم غائب، ووليمة، وعقيقة) لمولود (وحفظ قرءان، وختم
درس، وكتاب، و) ختم (تأليف) في علم شرعي، أو آلته.
(وفي الصحيحين من حديث عائشة؛ أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان) زاد
في رواية: من جواري الأنصار، وللطبراني عن أم سلمة: إحداهما لحسان، وفي الأربعين
للسلمي؛ أنهما لعبد الله بن سلام ولابن أبي الدنيا وحمامة وصاحبتها تغنيان وإسناده صحيح.
قال الحافظ: ولم أقف على تسمية الأخرى، لكن يحتمل أن اسمها زينب ولم يذكر
حمامة المصنفون في الصحابة وهي على شرطهم، وفي الإصابة: زينب الأنصارية غير منسوبة،
جاء أنها كانت تغني بالمدينة.
رواه ابن طاهر في الصفوة عن جابر: (في أيام منى تدففان) بفاءين (وتضربان) بالدف
عطف تفسير، ولمسلم: تغنيان بدف، وللنسائي: بدفين، والدف بضم الدال على الأشهر وتفتح،
ويقال له أيضًا الكربال بكسر الكاف وهو الذي لا جلاجل فيه، فإن كانت فيه فهو المزهر
(ورسول اللّه عَظل متغش) بغين وشين معجمتين، أي مستتر، ولمسلم: تسجى، أي: التف (بثوبه)
إعراضًا عن ذلك، لأن مقامه يقتضي الارتفاع عن الإصغاء إلى ذلك، لكن عدم إنكاره دال على
جوازه على الوجه الذي أقره، إذ لا يقر على باطل، والأصل التنزه عن اللعب واللهو، فيقتصر على
ما ورد فيه النص وقتًا وكيفية تقليلاً لمخالفة الأصل (فانتهرهما) أي: الجاريتين، أي: زجرهما
(أبو بكر).
وفي الرواية الثانية: فانتهرني، أي: عائشة، ويجمع بأنه شرك بينهن في الانتهار والزجر، أما
عائشة فلتقريرها، وأما الجاريتان فلفعلهما (فكشف عَِّ عن وجهه) الثوب (وقال: دعهما يا أبا
بكر فإنها) أي: هذه الأيام (أيام عيد) وتلك الأيام أيام منى، هذا باقي الحديث، أضافها إلى العيد
ثم إلى منى إشارة إلى الزمان ثم المكان، ففيه تعليل الأمر بتركهما وإيضاح خلاف ما ظنه

٦٤
النّوع السَّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
على رسول الله عَّله وعندي جاريتان تغنيان بغناء يوم بعاث - بضم الموحدة والعين
المهملة آخره مثلثة - اسم حصن الأوس، وبالمعجمة تصحيف، أي تنشدان الأشعار
التي قيلت يوم بعاث، وهو حرب كان بين الأنصار، فاضطجع على الفراش وحول
الصديق أنهما فعلتا ذلك بغير علمه عَ لّه، لأنه ظنه نائماً، فأنكر على بنته لما تقرر عنده من منع
الغناء واللهو، فبادر بالإِنكار نيابة عن النبي عَّ له، فأوضح له الحال وعرفه الحكم مقرونًا ببيان
الحكمة بأنه يوم سرور شرعي فلا ينكر فيه هذا كما لا ينكر في الأعراس، وبهذا زال إشكال
كيف أنكر الصديق ما أقره النبي عَـ
(وفي رواية) في الصحيحين أيضًا عن عائشة، قالت: (دخل علي رسول اللّه عَلّه) أيام
منى (وعندي جاريتان) من جواري الأنصار (تغنيان) ترفعان أصواتهما (بغناء) بكسر المعجمة
والمد (يوم بعاث بضم ـ الموحدة والعين المهملة آخره مثلثة ــ اسم حصن للأوس) كما
قال أبو موسى المديني في ذيل الغريب وصاحب النهاية، وفي كتاب أبي الفرج الأصبهاني أنه
موضع في ديار بني قريظة فيه أموالهم وكان موضع الوقعة في مزرعة لهم هناك ولا منافاة بين
القولين، وقال البكري: هو موضع من المدينة على ليلتين، قال في المطالع: الأشهر فيه ترك
الصرف (وبالمعجمة تصحيف).
قال عياض ومن تبعه: أعجمها أبو عبيد وحده، وفي الكامل لابن الأثير: أعجمها صاحب
العين، يعني: الخليل وحده، وكذا حكاه البكري عن الخيل، وجزم أبو موسى في ذيل الغريب
بأنه تصحيف (أي: تنشدان الأشعار التي قيلت يوم بعاث).
وفي رواية في الصحيح: تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث، أي: قال بعضهم لبعض من
فخر أو هجاء، وللبخاري في الهجرة بما تعاذفت بمهملة وزاي وفاء من العزف وهو الصوت الذي
له دوي، وفي رواية: تقازفت بقاف بدل العين وذال معجمة بدل الزاي من القذف وهو هجاء
بعضهم لبعض، ولأحمد تذاكر أن يوم بعاث يوم قتل فيه صناديد الأوس والخزرج (وهو حرب
كان بين الأنصار) الأوس، والخزرج قبل الإِسلام، سببه أن الأوس والخزرج لما نزلوا المدينة
وجدوا اليهود متوطنين بها، فخالفوهم وكانوا تحت قهرهم، ثم غلبوا على اليهود بمساعدة ملك
غسان، فلم يزالوا متفقين إلى أن قتل أوسي حليفًا للخزرج، فوقعت بينهم حروب دامت مائة
وعشرين سنة آخرها يوم بعاث قبل الهجرة بثلاث سنين على المعتمد، وقيل: بخمس و کان رئيس
الأوس حضير والد أُسيد، ويقال له حضير الكتائب، وجرح يومئذٍ ثم مات بعد مدة ورئيس
الخزرج عمرو بن النعمان جاءه سهم فصرعه، فهزموا بعد أن كانوا ظهروا فكانت الغلبة للأوس
(فاضطجع) عَّ (على الفراش وحول وجهه) إعراضًا عن ذلك (فدخل أبو بكر) زائرًا لابنته

٦٥
النَّوع السَّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
وجهه، فدخل أبو بكر فانتهرني وانتهر الجاريتين وقال: مزمارة الشيطان عند
رسول الله عَ له فأقبل عليه عَ لَه وقال: ((دعهما)).
واستدل جماعة من الصوفية بهذا الحديث على إباحة الغناء وسماعه بآلة
وبغير آلة.
وتعقب: بما في الحديث الآخر عند البخاري عن عائشة: ((وليستا بمغنيتين))
فنفت عنهما من طريق المعنى ما أثبتته لهما باللفظ، لأن الغناء يطلق على رفع
الصوت وعلى الترنم وعلى الحداء، ولا يسمى فاعله مغنيًا، وإنما يسمى بذلك من
ينشد بتمطيط وتكسير وتهييج وتشويق لما فيه من تعريض بالفواحش أو تصريح.
قال القرطبي: قولها - يعني عائشة -: ((ليستا بمغنيتين)) أي ليستا ممن يعرف
الغناء كما تعرفه المغنيات المعروفات بذلك. قال: وهذا منها تحرز عن الغناء
(فانتهرني:) زجرني لإِقراري لذلك (وانتهر الجاريتين) أيضًا لتعاطيهما (وقال مزمارة:) بكسر
الميم، وضبطه عياض بضمها وحكى فتحها، يعني الغناء أو الدف، لأن المزمارة والمزمار مشتق
من الزمير وهو صوت له صفير ويطلق على الصوت الحسن وعلى الغناء، سميت به الآلة التي
يزمر بها، وأضافها إلى (الشيطان) لأنها تلهي فتشغل القلب عن الذكر، وعند أحمد، فقال: يا
عباد اللّه أبمزمور الشيطان (عند رسول اللّه عَّه) قال القرطبي: المزمور الصوت ونسبته إلى
الشيطان ذم على ما ظهر لأبي بكر (فأقبل عليه سَ لّه) بعد أن كشف الثوب عن وجهه (وقال:
دعهما:) اتركهما، زاد في رواية في الصحيح: (إن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا))، (واستدل جماعة
من الصوفية بهذا الحديث على إباحة الغناء وسماعه بآلة وبغير آلة، وتعقب بما في الحديث
الآخر) أي: الرواية الأخرى وإلاّ فهو حديث واحد (عند البخاري عن عائشة:) دخل عليّ أبو
بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث (وليستا بمغنيتين،
فنفت عنهما من طريق المعنى ما أثبتته لهما باللفظ، لأن الغناء) بزنة كتاب (يطلق على رفع
الصوت وعلى الترنم) ترجيع الصوت.
زاد الحافظ: الذي تسميه العرب النصب بفتح النون وسكون المهملة (وعلى الحداء)
بضم الحاء وكسرها والدال المهملة والمد الغناء للإبل (ولا يسمى فاعله مغنيًا، وإنما يسمى
بذلك من ينشد بتمطيط وتكسير وتهييج) تحريك (وتشويق لما فيه تعريض بالفواحش أو
تصریح).
(قال القرطبي) في المقهم (قولها، يعني عائشة: ليستا يمغنيتين، أي: أليستا ممن
يعرف الغناء كما تعرفه المغنيات المعروفات بذالك، قال: وهذا منها تحرز) أي: تحفظ (عن

٦٦
النَّوع السّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
المعتاد عند المشتهرين به، وهو الذي يحرك الساكن، ويبعث الكامن، وهذا إذا
كان في شعر فيه وصف محاسن النساء أو الخمر أو غيرهما من الأمور المحرمة
لا يختلف في تحريمه. قال: وأما ما ابتدعه الصوفية في ذلك فمن قبيل ما لا
يختلف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن ينسب إلى
الخير، حتى لقد ظهرت في كثير منهم فعلات المجانين والصبيان، حتى رقصوا
بحركات متطابقة، وتقطيعات متلاحقة، وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها
من باب القرب وصالح الأعمال، وأن ذلك يثمر سنيَّ الأحوال، وهذا على التحقيق
من آثار الزندقة. انتهى.
والحق: أن السماع إذا وقع بصوت حسن، بشعر متضمن للصفات العلية أو
الغناء المعتاد عند المشتهرين به وهو الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن) المخفي (وهذا)
النوع (إذا كان في شعر فيه وصف محاسن النساء أو الخمر أو غيرهما من الأمور
المحرمة لا يختلف في تحريمه).
(قال) القرطبي: (وأما ما ابتدعه الصوفية في ذلك فمن قبيل ما لا يختلف في تحريمه،
لكن النفوس الشهوانية) نسبة إلى الشهوة وهي اشتياق النفس إلى الشيء (غلبت على كثير
ممن ينسب إلى الخير) الصلاح والعبادة (حتى لقد ظهرت في كثير منهم فعلات
المجانين:) جمع مجنون، وفي نسخة: المجان جمع ماجن، أي: هازل، والأولى هي التي في
الفتح عن القرطبي وهي أبلغ وأنسب بقوله: (والصبيان حتى رقصوا بحركات متطابقة) متوافقة
غير متخالفة (وتقطيعات متلاحقة) متابعة تتبع بعضها في الانسجام.
(وانتهى التواقح) بفوقية وقاف قلة الحياء من الوقاحة بفتح الواو (بقوم منهم إلى أن
جعلوها من باب القرب:) جمع قربة (وصالح الأعمال) أي: الأعمال الصالحة (وأن ذلك يثمر
سني) بسين ونون، أي: مرتفع (الأحوال وهذا على التحقيق من آثار الزندقة) بزاي ونوب
وقاف اسم من تزندق.
في نسخة: الزبرقة بالزاي وسكون الموحدة وفتح الراء وقاف، أي: التشبه بمن يحسن نفسه
بأمور باطلة، والذي في الفتح الزندقة، وزاد: وقول أهل المخزقة. (انتهى) كلام القرطبي، وسلمه
الحافظ وقال: ينبغي أن يعكس مرادهم ويقرأ سني عوض النون المكسورة بغير همز سيء بمثناة
تحتية ثقيلة مهموزًا. انتهى.
(والحق أن السماع إذا وقع بصوت حسن بشعر متضمن للصفات العلية) لله سبحانه

٦٧
النَّوع السَّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
النعوت النبوية المحمدية، عربيًا عن الآلات المحرمة، والحظوظ الخبيثة الغبية،
والشبه الدنية، وأثار كامن المحبة الشريفة العلية، وضبط السامع نفسه ما أمكنه،
بحيث لا يرفع صوته بالبكاء، ولا يظهر التواجد وهو يقدر على ضبط نفسه ما
أمكنه مع العلم بما يجب لله ورسوله ويستحيل، لئلا ينزل ما يسمعه على ما لا
يليق، كان من الحسن في غاية، ولتمام تزكية النفس نهاية. نعم تركه والاشتغال بما
هو أعلى أسلم لخوف الشبهة، وللخروج من الخلاف، إلا نادرًا.
وقد نقل عن الإمام الشافعي ومالك وأبي حنيفة وجماعة من العلماء ألفاظ
تدل على التحريم، ولعل مرادهم ما كان فيه تهييج شيطاني، وإذا كان النظر في
السماع باعتبار تأثيره في القلوب، لم يجز أن يحكم فيه مطلقًا بإباحة ولا تحريم،
بل يختلف ذلك بالأشخاص، واختلاف طرق النغمات، فحكمه حكم ما في
القلب، وهو لمن يرتقي بربه ترقية مثير للكامن في النفوس من الأزل، حين خاطبنا الحق
تعالى بقوله: ﴿ألست بربكم﴾ فما كان في القلب من رقة ووجد وحقيقة
(أو النعوت النبوية المحمدية عريًا) خاليًا (عن الآلات المحرمة والحظوظ الخبيثة الغبية)
بغين معجمة قليلة الفطنة (والشبه الدنية) الخسيسة (وأثار) حرك (كامن) مخفي (المحبة
الشريفة العلية) المرتفعة القدر (وضبط) حفظ (السامع نفسه ما أمكنه بحيث لا يرفع صوته
بالبكاء ولا يظهر التواجد) الأخلاق الباطنة (وهو يقدر على ضبط) أي: حفظ (نفسه ما أمكنه
مع العلم بما يجب لله ورسوله ويستحيل) في حق كل منهما (لئلا ينزل ما يسمعه على ما
لا يليق كان من الحسن في غاية ولتمام تزكية النفس) تطهيرها (نهاية نعم تركه والاشتغال بما
هو أعلى أسلم لخوف الشبهة وللخروج من الخلاف إلا نادرًا) مستثنى من تركه.
(وقد نقل عن الإِمام الشافعي ولملك وأبي حنيفة وجماعة من العلماء ألفاظ تدل على
التحريم، ولعل مرادهم ما كان فيه تهييج شيطاني) لا ملطقًا (وإذا كان النظر في السماع
باعتبار تأثيره في القلوب لم يجز أن يحكم فيه مطلقًا بإباحة ولا تحريم) لأنه كلام (بل
يختلف ذلك بالأشخاص واختلاف طرق النغمات، فحكمه حكم ما في القلب وهو لمن
يرتقي بربه ترقية).
وفي نسخة: وهي لمن بقي بربه، أي: متعلقًا بمرضاة ربه فكان بقاؤه بالتعلق بمرضاته في
جميع أحواله (مثير للكامن في النفوس من الأزل حين خاطبنا الحق تعالى بقوله ﴿ألست
بربكم﴾، فما كان في القلب من رقة ووجد) شوق (وحقيقة فهو من حلاوة ذلك الخطاب

٦٨
النَّوع السَّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
فهو من حلاوة ذلك الخطاب، والأعضاء كلها ناطقة بذكره، مستطيبة لاسمه،
فالسماع من أكبر مصايد النفوس، وإذا اقترن بألحانه المناسبة، وكان الشعر متضمنًا
الذكر المحبوب الحق، برز الكامن وذاعت الأسرار سيما في أرباب البدايات.
وقد شوهد تأثير السماع حتى في الحيوانات الغير الناطقة من الطيور
والبهائم، فقد شوهد تدلي الطيور من الأغصان على أولى النغمات الفائقة،
والألحان الرائقة، وهذا الجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثيرًا يستخف معه
الأحمال الثقيلة، ويستقصر لقوة نشاطه في سماعه المسافة الطويلة، وينبعث فيه من
النشاط ما يسكره ويولهه، فتراه إذا طالت عليه البوادي، وأعياه الإعياء تحت
الجمل إذا سمع منادي الجداء يمد عنقه ويصفي سمعه إلى الحادي، ويسرع في
سيره، وربما أتلف نفسه في شدة السير وثقل الحمل، وهو لا يشعر بذلك لنشاطه.
وقد حكى مما ذكره في («الإحياء)) عن أبي بكر الدينوري: أن عبدًا أسود
قتل جمالاً كثير بطيب نغمته إذا حداها، وكانت محملة أحمالاً ثقيلة، فقطعت
مسيرة ثلاثة أيام في ليلة واحدة، وأنه حدا على جمل غيرها بحضرته، فهام الجمل
والأعضاء كلها ناطقة بذكره مستطيبة لاسمه، فالسماع من أكبر مصايد النفوس، وإذا اقترن
بألحانه المناسبة وكان الشعر متضمنًا لذكر المحبوب الحق برز الكامن وذاعت) بذال
معجمة وعين مهملة فشت أو انتشرت (الأسرار سيما في أرباب البدايات، وقد شوهد تأثير
السماع حتى في الحيوانات الغير الناطقة من الطيور والبهائم فقد شوهد تدلي الطيور من
-الأغصان) للأشجار (على أولى النغمات الفائقة والألحان الرائقة وهذا الجمل) بالجيم (مع
بلادة طبعه يتأثر بالحدام تأثرًا يستخف معه الأحمال الثقيلة ويستقصر) بسين التأكيد (لقوة
نشاطه في سماعه المسافة الطويلة، وينبعث فيه من النشاط) الخفة والإسراع (ما يسكره
ويولهه) يحيره (فتراه إذا طالت عليه البوادي:) جمع بادية (وأعياه الإعياء) التعب (تحت
الجمل) بكسر الحاء المهملة وسكون الميم المحمول عليه (إذا سمع منادي الحداء يمد عنقه
ويصغي) يميل (سمعه إلى الحادي، ويسرع في سيره، وربما أتلف نفسه في شدة السير وثقل
الحمل وهو لا يشعر بذلك لنشاطه).
(وقد حكي مما ذكره في الأحياء) للغزالي (عن أبي بكر الدينوري أن عبدًا أسود قتل
جمالاً كثيرة بطيب نغمته إذا حداها وكانت محملة أحمالاً ثقيلة فقطعت مسيرة ثلاثة أيام
في ليلة واحدة) من سرعة السير (وأنه حدا على جمل غيرها بحضرته، فهام الجمل وقطع

٦٩
النَّوع السَّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
وقطع حباله وحصل له ما غيبه عن حسه، حتى خر لوجهه.
فتأثير السماع محسوس، ومن لم يحركه فهو فاسد المزاج، بعيد العلاج،
زائد في غلظ الطبع وكثافته على الجمال. وإذا كانت هذه البهائم تتأثر بالنغمات،
فتأثير النفوس النفسانية أولى. وقد قال:
نعم لولاك ما ذكر العقيق ولا جابت له الغلوات نوق
نعم أسعى إليك على جفوني تدانى الحي أو بعد الطريق
إذا كانت تحن لك المطايا فماذا يفعل الصب المشوق
فزبدة السماع تلطيف السر، ومن ثم وضع العارف الكبير سيدي علي
الوفوي حزبه المشهور على الألحان والأوزان اللطيفة، تنشيطًا لقلوب المريدين
وترويحًا لأسرار السالكين، فإن النفوس - كما قدمناه - لها حظ من الألحان، فإذا
قيلت هذه الواردات السنية الفائضة من الموارد النبوية المحمدية بهذه الأنغام
الفائقة والأوزان الرائقة، بشربتها العروق، وأخذ كل عضو نصيبه من ذلك المدد
الوفوي المحمدي، فأثمرت شجرة خطاب الأزل بما سقيته من موارد هذه اللطائف
حباله) المربوط بها (وحصل له ما) أي: شىء (غيبه عن حسه حتى خر) أي: سقط (لوجهه)
أي: عليه (فتأثير السماع محسوس) مشاهد بحاسة البصر (ومن لم يحركه فهو فاسد المزاج)
بكسر الميم الطبع (بعيد العلاج) معنى أنه لا ينفع فيه بسهولة (زائد في غلظ الطبع وكثافته)
بمثلثة عطف مسا وحسنه اختلاف اللفظ (على الجمال) الموصوفة بالبلادة (وإذا كانت هذه
البهائم تتأثر بالنغمات، فتأثير النفوس النفسانية أولى) وأنشد المصنف لغيره:
(نعم لولاك ما ذكر العقيق ولا جابت له الفلوات نوق
نعم أسعى إليك على جفوني تدانى الحي أو بعد الطريق
إذا كانت تحن لك المطايا فماذا يفعل الصب المشوق)
(فزبدة السماع تلطيف السر) أي: ترقيقه (ومن ثم وضع العارف الكبير سيدي علي)
بن العارف الكبير سيدي محمد (الوفوي، حز به المشهور على الألحان والأوزان اللطيفة
تنشيطًا لقلوب المريدين وترويحًا) بالحاء المهملة (لأسرار السالكين، فإن النفوس كما قدمناه
لها حظ) نصيب (من الألحان، فإذا قيلت) أي: ذكرت (هذه الواردات السنية الفائضة من
الموارد النبوية المحمدية) صفات للحزب الشريف (بهذه الأنغام الفائقة والأوزان الرائقة
بشربتها العروق وأخذ كل عضو نصيبه من ذلك المدد الوفوي المحمدي فأثمرت شجرة)

٧٠
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عَّة.
عوارف المعارف.
تنبيه: زعم بعضهم أن السماع أدعى للوجد من التلاوة وأظهر تأثيرًا.
والحجة في ذلك: أن جلال القرءان لا تحتمله القوى البشرية المحدثة،
ولا تحتمله صفاتها المخلوقة، ولو كشف للقلوب ذرة من معناه لدهشت
وتصدعت وتحيرت، والألحان مناسبة للطباع بنسبة الحظوظ لا نسبة الحقوق،
والشعر نسبته بنسبة الحظوظ، فإذا علقت الأشجان والأصوات بما في الأبيات من
الإشارات واللطائف، شاكل بعضها بعضًا فكان أقرب إلى الحظوظ النفسانية
وأخف على القلوب بمشاكلة المخلوق. قاله أبو نصر السراج.
المقصد العَاشر
الفصل الأول
في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته
ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عايشه.
بالرفع فاعل (خطاب الأزل) في ألست بربكم (بما سقيته من موارد هذه اللطائف عوارف
المعارف) مفعول أثمرت (تنبيه) إيقاظ.
(زعم بعضهم أن السماع أدعى للوجد) الشوق (من التلاوة) للقرءان (وأظهر تأثيرًا
والحجة) أي: الدليل (في ذلك) الزعم المذكور (أن جلال القرءان لا تحتمله القوى البشرية
المحدثة ولا تحتمله صفاتها المخلوقة) لعدم المناسبة (ولو كشف للقلوب ذرة) أي: قدرها
(من معناه لدهشت وتصدعت) انشقت (وتحيرت والألحان مناسبة للطبائع بنسبة الحظوظ
لا نسبة الحقوق والشعر) كذلك (نسبته بنسبة الحظوظ، فإذا علقت الأشجان) الهموم
والأحزان (والأصوات بما في الأبيات من الإِشارات واللطائف شاكل) ناسب (بعضها بعضًا،
فكان أقرب إلى النحظوظ النفسانية وأخف على القلوب بمشاكلة المخلوق) فلذا كان
أدعى للوجد بخلاف القرءان لجلالته لا مناسبة بينه وبين المخلوق (قاله أبو نصر السراج)
وسبقه إلى معناه الجنيد وهو كما هو ظاهر احتجاج لكون السماع أدعى للوجد لا جواب عنه
كما زعم.
(المقصد العاشر: الفصل الأول: في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته) متعلق بإتمامه (ونقلته إلى
حظيرة) بظاء معجمة مشالة (قدسه) أي: الجنة (لديه) أي: عنده وهذا عطف مسبب على سبب (عَّه وزيارة
قبره) مقر الميت وأصله مصدر قبره إذا دفنه وهو هنا بمعنى المقبور فيه (الشريف) شرفًا ما

٧١
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه منه.
وزيارة قبره الشريف ومسجده المنيف وتفضيله في الآخرة بفضائل الاوليات
الجامعة لمزايا التكريم والدرجات العليات وتشريفه بخصائص الزلفى في مشهد
مشاهد الأنبياء والمرسلين وتحميده بالشفاعة والمقام المحمود وانفراده بالسؤدد في
مجمع مجامع الأولين والآخرين وترقيه في جنة عدن ارقى مدارج السعادة وتعاليه
في يوم المزيد أعلى الحسنى وزيادة.
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
اعلم - وصلني الله وإياك بحبل تأييده، وأوصلنا بلطفه إلى مقام توفيقه
وتسديده - أن هذا الفصل مضمونه يسكب المدافع من الأجفان، ويجلب الفجائع
ناله مكان سواه بحيث كان أفضل البقاع بإجماع (ومسجده المنيف) المرتفع في الشرف على
غيره حتى المسجد الحرام أو إلا المسجد الحرام على القولين، (وتفضيله في الآخرة بفضائل الأوليات):
جمع أوله، أي: بالأمور التي يتقدم وصفه بها على جميع الخلق، ككونه أول من
تنشق عنه الأرض وأول شافع وأول مشفع وأول من يقرع باب الجنة، وقال شيخنا: أي بفضائل
الأمم المتقدمة مع أنبيائهم، أي: أنه جمع فيه من الفضائل ما تفرق في غيره، فكان في ذلك
المشهد أتم الناس فضيلة وأکملهم. انتھی.
وتعسفه لا يخفى (الجامعة لمزايا) فضائل (التكريم والدرجات) المراتب (العليات
وتشريفه بخصائص الزلفى) فعلى من أزلف، أي: القربى (في مشهد مشاهد الأنبياء
والمرسلين وتحميده بالشفاعة) العظمى العامة (والمقام المحمود) الذي يقوم فيه لها
فيحمده الأولون والآخرون، ولا شك أنه مغاير لها وإن احتوى عليها (وانفراده بالسؤدد) بضم
السين وبالهمز، أي: السيادة، أي: المجد والشرف (في مجمع) بكسر الميم وفتحها مفرد
(مجامع) يطلق على الجمع وعلى موضع الاجتماع كما في المصباح (الأولين والآخرين
وترقيه في جنة عدن) إقامة (أرقى) أي: أعلى (مدارج) جمع درجة، وفي نسخة: معارج جمع
معرج ومعراج (السعادة) أي أعلى مراتبها (وتعاليه في يوم المزيد) وهو يوم الجمعة في الجنة.
كما رواه الشافعي كما مر في الجمعة (أعلى معالي الحسنى) الجنة (وزيادة) النظر إلى
وجه اللّه تعالى و(فيه ثلاثة فصول:)
الفصل الأول: (أعلم وصلني اللَّه وإياك بحبل تأييده وأوصلنا بلطفه إلى مقام توفيقه
وتسديده) بسين مهملة (أن هذا الفصل مضمونه يسكب المدامع من الأجفان ويجلب

٧٢
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عدوانية.
لإثارة الأحزان، ويلهب نيران الموجدة على أكباد ذوي الإيمان.
ولما كان الموت مكروهًا بالطبع، لما فيه من الشدة والمشقة العظيمة، لم
يمت نبي من الأنبياء حتى يخير.
وأول ما أعلم النبي عَِّ من انقضاء عمره باقتراب أجله بنزول سورة ﴿إِذا
جاء نصر الله والفتح﴾ [النصر/١]، فإن المراد من هذه السورة: إنك يا محمد إذا
فتح الله عليك البلاد، ودخل الناس في دينك الذي دعوتهم إليه أفواجًا، فقد اقترب
أجلك، فتهيأ للقائنا بالتحميد والاستغفار، فإنه قد حصل منك مقصود ما أمرت به،
من أداء الرسالة والتبليغ، وما عندنا خير لك من الدنيا، فاستعد للنقلة إلينا.
وقد قيل أن هذه السورة آخر سورة، نزلت يوم النحر، وهو علَّ بمنى في
حجة الوداع، وقيل: عاش بعدها إحدى وثمانين يومًا. وعند ابن أبي حاتم من
حديث ابن عباس: عاش بعدها تسع ليال. وعن مقاتل. سبعًا، وعن بعضهم: ثلاثًا.
الفجائع) أي: الآلام (لإثارة الأحزان) بسبب فقد رؤيته عليه الصلاة والسلام (ويلهب نيران
الموجدة) الحزن (على أكباد ذوي الإِيمان ولما كان الموت مكروهًا بالطبع لما فيه من
الشدة، والمشقة العظيمة لم يمت نبي من الأنبياء حتى يخير) بضم الياء وفتح الخاء
المعجمة كما في الصحيح من حديث عائشة، ويأتي في المتن: (وأول ما أعلم النبي عَّله من
انقضاء عمره باقتراب أجله بنزول سورة ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾) فتح مكة (فإن المراد
من هذه السورة إنك يا محمد إذا فتح اللّه عليك البلاد ودخل الناس في دينك الذي
دعوتهم إليه أفواجًا) جماعات (فقد اقترب أجلك فتهيأ للقائنا بالتحميد والاستغفار، فإنه قد
حصل منك مقصود ما أمرت به من أداء الرسالة والتبليغ) لكل ما أمر بتبليغه (وما عندنا خير
ذلك من الدنيا) كما قال: ﴿وللآخرة خير لك من الأولى) الآية (فاستعد للنقلة إلينا، وقد
قيل: إن هذه السورة آخر سورة نزلت يوم النحر وهو عَّه بمنى في حجة الوداع) ولذا
خطب وودع الناس كما مر في الحج.
(وقيل: عاش بعدها إحدى وثمانين يومًا) إن كان قائل هذا يقول نزلت يوم النحر
فلا يستقيم هذا العد إلاّ على القول أنه توفي في ثاني ربيع الأول وأول يوم منه، أما على قول
الجمهور أنه توفي ثاني عشر ربيع الأول فيكون عاش بعدها ثلاثًا وتسعين يومًا والأقوال الثلاثة
مرت للمصنف في آخر المقصد الأول.
(وعند ابن أبي حاتم من حديث ابن عباس عاش بعدها تسع ليالٍ) بفوقية فمهملة (وعن
مقاتل سبعًا) بسين قبل الموحدة (وعن بعضهم ثلاثًا ولأبي يعلى) بإسناد ضعيف (من حديث

٧٣
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه.
ولأبي يعلى من حديث ابن عمر: نزلت هذه السورة في أوسط أيام التشريق
في حجة الوداع، فعرف رسول الله عَِّ أنه الوداع.
وفي حديث ابن عباس، عند الدارمي: لما نزلت: ﴿إذا جاء نصر الله
والفتح﴾ دعا رسول الله عَّله فاطمة، وقال: ((نعيت إلي نفسي)) فبكت، قال: ((لا
تبكي، فإنك أول أهالي لحوقًا بي، فضحكت)). الحديث.
وروى الطبراني من طريق عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿إذا جاء
نصر الله والفتح﴾ نعيت إلى رسول الله عَّ له نفسه، فأخذ بأشد ما كان قط اجتهادًا
في أمره الآخرة.
وللطبراني أيضًا، من حديث جابر: لما نزلت هذه السورة قال النبي عَ ليه
لجبريل: ((نعيت إلي نفسي)). فقال له جبريل: ﴿وللآخرة خير لك من الأولى﴾
[الضحى/٤].
ابن عمر نزلت هذه السورة في أوسط أيام التشريق في حجة الوداع، فعرف رسول اللّه عَظافة.
أنه الوداع) فركب راحلته واجتمع الناس إليه فخطب الحديث وعلى تقدير صحة جميع هذه
الأقوال، فيحتمل أن الرواة اختلف وقت سماعهم، فمنهم من سمعها قبل وفاته بإحدى وثمانين
ومنهم بتسع ليال، وهكذا فكل أخبر عن وقت سماعه ظنًا أنه وقت نزولها.
(وفي حديث ابن عباس عند الدارمي: لما نزلت ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾، دعا
رسول اللّه عَّ فاطمة، وقال) لها حين جاءته، وفي نسخة: قال بلا واو، أي: فلما جاءته قال:
(نعيت إلى نفسي) ببناء نعيت للمجهول (فبكت) أسفًا عليه (قال: لا تبك) وفي نسخة:
لا تبكي بالياء للإشباع (فإنك أول أهلي لحوقا بي فضحكت ... الحديث) وهو دال للقول
بنزولها قبل موته بتسع أو سبع أو ثلاث لما في الصحيح أنه دعا فاطمة في مرض موته فسارها
فبكت ثم سارها فضحكت إن فسرنا ما سارها به بنزول سورة النصر.
(وروى الطبراني من طريق عكرمة عن ابن عباس، قال: لما نزلت ﴿إذا جاء نصر الله
والفتح﴾، نعيت) بضم النون (إلى رسول اللّه عَّةٍ نفسه، فأخذ بأشد ما كان قط اجتهادًا في
أمر الآخرة) أي: أخذ باجتهاد أشد من الاجتهاد الذي كان يجتهده قبل (وللطبراني أيضًا من
حديث جابر: لما نزلت هذه السورة قال النبي عَّ لجبريل: نعيت) بفتح النون وتاء
الخطاب، أو بضمها مبني للمفعول (إلى نفسي فقال له جبريل: ﴿وللآخرة خير لك من
الأولى) الآية) أي الدنيا.

٧٤
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عليه.
وروي في حديث ذكره ابن رجب في ((اللطائف)): أنه تعبد حتى صار
کالشن البالي.
وكان عليه الصلاة والسلام يعرض القرءان كل عام على جبريل مرة، فعرضه
ذلك العام مرتين، وكان عليه الصلاة والسلام يعتكف العشر الأواخر من رمضان
كل عام فاعتكف في ذلك العام عشرين، وأكثر من الذكر والاستغفار.
وقالت أم سلمة: كان عَّله في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا
يجيء إلا قال: ((سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه))، فقلت له: إنك تدعو
بدعاء لم تكن تدعو به قبل اليوم فقال: ((إن ربي أخبرني أني سأرى علمًا في
(وروي في حديث ذكره ابن رجب في اللطائف أنه عَّر تعبد حتى صار كالشن)
بفتح المعجمة وشد النون الجلد البالي، فجرد عن بعض معناه فاستعمله في الجلد بلا قيد،
فوصفه بقوله: (البالي) والله أعلم بحال هذا الحديث.
فإن المفهوم من الأحاديث الصحيحة أنه لم يصل إلى هذه الحالة وإن زاد في العبادة إلى
الغاية (وكان عليه الصلاة والسلام يعرض) بفتح الياء وكسر الراء يدارس (القرءان كل عام
على جبريل مرة، فعرضه ذلك العام مرتين) في رمضان كما في الصحيحين في حديث عائشة
عن فاطمة: أسر إليّ أن جبريل كان يعراضني القرءان في كل سنة مرة، وأنه عارضني الآن مرتين
ولا أراه إلاَّ حضر أجلي، وفي رواية للشيخين أيضًا: بالجزم، ولفظه: فقالت: سارني أنه يقبض في
وجعه الذي توفي فيه فبكيت ... الحديث وهو يرد على قوله أولاً أن أول علمه بانقضاء أجله
نزول سورة النصر، فإنها نزلت يوم النحر على أبعد ما قيل والعرض في رمضان الذي قبله إلاَّ أن
يقال الإعلام من سورة النصر ظاهر للأمر بالتسبيح والاستغفار، وقول جبريل له: ﴿وللآخرة خير
لك من الأولى﴾، بخلاف معارضة جبريل فليس فيها إفصاح بقرب أجله، لكنه فهمه من مخالفة
عادته حيث كرره مرتين، أو أنه لما تأخر تحديث فاطمة بهذا حتى مات لم يعلم منه أنه أول ما
أعلم به والذي ظهر الإعلام به أولاً إنما هو سورة النصر (وكان عليه الصلاة والسلام يعتكف
العشر الأواخر من رمضان كل عام فاعتكف في ذلك العام) الذي قبض فيه (عشرين وأكثر
من الذكر والاستغفار) لعلمه بانقضاء أجله والظاهر من إطلاق العشرين أنها متوالية فيكون العشر
الوسط منها، ولما عارضه مرتين اعتكف مثلي ما كان يعتكف.
(وقالت أم سلمة: كان عَِّ في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلاَّ
قال: سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه، فقلت له: إنك تدعو بدعاء لم تکن تدعو
به قبل اليوم) سمته دعاء نظرًا لقوله أستغفر الله ... الخ.

٧٥
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه معة.
أمتي، وأني إذا رأيته أن أسبح بحمده وأستغفره))، ثم تلا هذه السورة. رواه ابن
جرير وابن خزيمة. وأخرج ابن مردويه من طريق مسروق عن عائشة نحوه.
وروى الشيخان من حديث عقبة بن عامر قال: صلى رسول الله عَّ ◌ُله على
قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع الأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: إني
بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه وأنا
في مقامي هذا، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وإني لست أخشى
فغلبت أو أرادت بالدعاء ما فيه ثناء على اللّه سواء كان فيه طلب أم لا (فقال: إن ربي
أخبرني أني سأرى علمًا) بفتحتين دليلاً (في أمتي) على وفاتي (وأني) أي: وأمرني أني (إذا
رأيته أن أسبح بحمده وأستغفره، ثم تلا هذه السورة) يعني: وقد رأيته.
(رواه ابن جرير) محمد الطبري (وابن خزيمة، وأخرج ابن مردويه من طريق مسروق) بن
الأجدع (عن عائشة نحوه) أي نحو حديث أم سلمة. (وروى الشيخان من حديث عقبة)
بالقاف (ابن عامر) الجهني (قال: صلى رسول اللّه عَّةٍ على قتلى أُحد) زاد في رواية
للشيخين: صلاته على الميت، أي: مثل صلاته، والمراد أنه دعا لهم بدعاء صلاة الميت، كقوله:
وصلٍ عليهم لا أنه صلى عليهم الصلاة المعهودة على الميت للإِجماع على أنه لا يصلى على
القبر (بعد ثمانٍ سنين) فيه تجوز، لأن أحدًا كانت في شوال سنة ثلاث باتفاق والوفاة النبوية في
ربيع الأول سنة إحدى عشرة فيكون سبع سنين ودون النصف فهو من جبر الكسر (كالمودع
للأحياء والأموات) بصلاته على أهل أحد، وخرج إليهم كما في رواية في الصحيح: خرج يومًا
فصلى على أهل أحد، ثم انصرف (ثم طلع المنبر) كالمودع الأحياء والأموات (فقال: إني
بين أيديكم فرط) بفتح الفاء والراء المتقدم على الواردين ليصلح لهم الحياض والدلاء ونحوها،
أي: أنا سابقكم إلى الحوض كالمهيىء له لأجلكم وفيه إشارة إلى قرب وفاته وتقدمه على
أصحابه (وأنا عليكم شهيد) أشهد بأعمالكم، فكأنه باق معهم لم يتقدمهم، بل يبقى بعدهم
حتى يشهد بأعمال آخرهم فهو قائم بأمرهم في الدارين في حال حياته وموته.
وعند البزار: بسند جيد عن ابن مسعود رفعه: ((حياتي خير لكم ومماتي خير لكم تعرض
عليّ أعمالكم فما كان من حسن حمدت اللّه عليه وما كان من سبىء استغفرت اللّه لكم (وإن
موعدكم الحوض) يوم القيامة (وإني) زاد في رواية: واللّه (لأنظر إليه) نظرًا حقيقيًا (وأنا في
مقامي) بفتح الميم (هذا) الذي أنا قائم فيه، فهو على ظاهره وكأنه كشف له عنه في تلك
الحالة، قاله الحافظ وغيره: ويقويه رواية في الصحيح: إني والله لأنظر إلى حوضي الآن، قال
المصنف وغيره: فيه أن الحوض على الحقيقة وأنه مخلوق موجود الآن (وإني قد أعطيت

٧٦
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه
عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها)).
وزاد بعضهم: ((فتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم)).
وعن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله عَّه جلس على المنبر فقال: ((إن
عبدًا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عنده))،
فبكى أبو بكر رضي الله عنه وقال: يا رسول الله، فديناك بآبائنا وأمهاتنا، قال: فعجبنا
له، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ، يخبر رسول الله عَّةٍ عن عبد خيره الله بين
أن يؤتيه زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عند الله، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا.
قال: فكان رسول الله عَّه هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا به، فقال النبي عَّةٍ:
مفاتيح خزائن الأرض) فيه إشارة إلى ما فتح لأمته من الملك والخزائن من بعده (وإني لست
أخشى عليكم أن تشركوا بعدي) أي: لا أخاف على جميعكم الإِشراك، بل على مجموعكم
لأنه قد وقع من بعضهم بعده: (ولكنيٍ أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا) بحذف إحدى التاءين
(فيها) أي: الدنيا بدل اشتمال مما قبله، والمنافسة في الشيء الرغبة فيه وحب الانفراد به (وزاد
بعضهم) أي: الرواة (فتقتتلوا) على المنافسة (فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم) وقد وقع ما قاله
عَّ اله: ففتحت على أمته بعده الفتوح وصبت عليهم الدنيا صبًا وتحاسدوا وتقاتلوا وكان ما كان،
ولم يزل الأمر في ازدياد.
(وعن أبي سعيد الخدري أن رسول اللّه مَ }. جلس على المنبر) قبل موته بخمس
كما يأتي، وفي رواية: خطب الناس (فقال: إن عبدًا خيره اللّه) من التخيير (بين أن يؤتيه من
زهرة الدنيا) زينتها (ما شاء) أن يؤتيه منها، وفي نسخة: زهرة بدون من، لكن الذي في
البخاري من، وفي مسلم: بدونها، لكن لم يقل ما شاء (وبين ما عنده) في الآخرة (فاختار) ذلك
العبد (ما عنده، فبكى أبو بكر رضي اللّه عنه وقال: يا رسول اللّه فديناك بآبائنا وأمهاتنا).
(قال) أبو سعيد: (فعجبنا له) وفي رواية: لبكائه (وقال الناس) متعجبين من تفديته لأنهم
لـ ـيفهموا المناسبة بين الكلامين (انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول اللّه) بالرفع فاعل يخبر
(عَ لَّه عن عبد خيره اللّه بين أن يؤتيه زهرة).
كذا في نسخ، وفي أخرى: من وهو الذي في الصحيح من زهرة (الدنيا ما شاء وبين هنا
عنده وهو يقول فديناك بآبائنا وأمهاتنا) وللبخاري في الصلاة: فبكى أبو بكر، فقلت في نفسي:
ما يبكي هذا الشيخ إن يكن اللّه خير عبدًا بين ... الخ، وجمع الحافظ؛ بأن أبا سعيد حدث نفسه
بذلك، فوافق تحديث غيره به فنقل جميع ذلك.
(قال) أبو سعيد: (فكان رسول اللّه عَ ليه هو المخير) بفتح التحتية المشددة والنصب

٧٧
الفصل الأول في إقامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه من ﴾.
((إن أمنَّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا من أهل الأرض
خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام، لا يبقى في المسجد خوخة
إلا سدت إلا خوخة أبي بكر)) رضي الله عنه. رواه البخاري ومسلم.
خبر كان، ولفظة هو ضمير فصل، ورواه أبو ذر بالرفع خبر المبتدأ، أعني هو والجملة في موضع
نصب خبر كان (وكان أبو بكر أعلمنا به) أي بالنبي عَّه، أو بالمراد من الكلام المذكور:
فبكى حزنًا على فراقه (فقال النبي عَّم:) زاد في رواية للبخاري: يا أبا بكر لا تبك (إن أمن
الناس) بفتح الهمزة والميم وشد النون، أي: أكثرهم منة (عليّ في صحبته وماله أبو بكر) أفعل
تفضيل من المن بمعنى العطاء والبذل، يعني: أن أبذل الناس لنفسه وماله لا من ألمانية التي تفسد
الصنيعة، وأغرب الداودي: فشرحه على أنه من المانية، وقال: تقديره لو توجه لأحد الامتنان علي
لتوجه لأبي بكر، والأول أولى، قاله الحافظ: (ولو كنت متخذًا) وقوله: (من أهل الأرض) ليس
في الصحيحين في حديث أبي سعيد وإنما في البخاري في حديثه في بعض طرقه من أمتي، وفي
روايات له بدونها نعم لفظ من أهل الأرض.
رواه مسلم، لكن من حديث ابن مسعود لا من حديث أبي سعيد (مصليلاً) أرجع إليه في
المهمات وأعتمد عليه في الحاجات، وفي رواية للبخاري: لو كنت متخذًا خليلاً غير ربي
(لاتخذت أبا بكر خليلاً) لأنه أهل لذلك لولا السانع، فإن خلة اللّه لا تسع مخالة شيء غيره
أصلاً (ولكن أخوة) بالرفع (الإِسلام) جامعة بيني وبينه، ولتمامها: صرت معه لأخ، زاد في
رواية: ومودته، أي: الإِسلام.
وفي حديث ابن عباس عند البخاري: ولكن أخوة الإِسلام أفضل، واستشكل بأن الخلة
أفضل من أخوة الإِسلام فإنها تستلزمها وزيادة، وأجيب بأن أفضل بمعنى فاضل، وبأن المراد مودة
الإِسلام مع النبي ◌َّ أفضل من مودته مع غيره ولا يعكر عليه اشتراك جميع الصحابة في هذه
الفضيلة مع أبي بكر، لأن رجحانه عليهم علم من غير هذا وأخوة الإِسلام ومودته متقاربة بين
المسلمين في نصر الدين وإعلاء كلمة الحق وتحصيل كثرة الثواب، ولأبي بكر من ذلك أكثره
وأعظمه : (لا يبقى) الذي في البخاري في أزيد من موضع كمسلم لا يبقين.
قال الحافظ وغيره بفتح أوله ونون التوكيد الثقيلة (في المسجد خوخة) بمعجمتين باب
صغير ونسبة النهي إليها تجوز، لأن عدم بقائها لازم للنهي عن إبقائها وكأنه قال: لا تبقوها حتى
تبقى، وقد رواه بعضهم بضم أوله وهو واضح، وكانوا قد اتخذوا في ديارهم أبوابًا صغارًا إلى
المسجد، فأمر عَّ له بسدها كلها (إلا خوخة أبي بكر) إكرامًا له وتنبيهًا على أنه الخليفة بعده
أو المراد المجاز فهو كناية عن الخلافة وسد أبواب السقالة دون التطرق والتطلع إليها، رجحه

٧٨
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عَ اه.
ولمسلم من حديث جندب: سمعت النبي عَِّ يقول قبل أن يموت بخمس
لیال.
وكأن أبا بكر رضي الله عنه فهم الرمز الذي أشار به النبي عٍَّ من قرينة
ذكره ذلك في مرض موته، فاستشعر منه أنه أراد نفسه، فلذلك بكى.
وما زال عَّ يعرض باقتراب أجله في آخر عمره، فإنه لما خطب في حجة
الوداع قال للناس: ((خذوا عني مناسككم، فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا» وطفق
التوربشتي بأنه لم يصح عنده أن أبا بكر كان له منزل بجنب المسجد وإنما كان منزله بالسنح من
عوالي المدينة، ورده الحافظ بأنه استدلال ضعيف، إذ لا يلزم من كون منزلة بالسنح أن لا يكون
له دار مجاورة للمسجد، ومنزله الذي بالسنح هو منزل أصهاره من الأنصار، وقد كان له إذ ذاك
زوجة أخرى وهي أسماء بنت عميس باتفاق وأم رومان على القول بأنها كانت باقية يومئذٍ.
وقد ذكر عمر بن شبة في أخبار المدينة أن دار أبي بكر الذي أذن له في إبقاء الخوخة
فيها إلى المسجد كانت ملاصقة للمسجد ولم تزل بيده حتى احتاج إلى شيء يعطيه لبعض من
وفد عليه، فباعها لام المؤمنين حفصة بأربعة آلاف درهم.
(رواه البخاري) في موضع (ومسلم) في الفضائل (ولمسلم من حديث جندب:
(سمعت النبي عَّ يقول قبل أن يموت بخمس ليال:) إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم
خليل)) هذا بقية الحديث في مسلم، فليس المراد بقول ما مر من قوله إن عبدًا كما زعم من لم
يقف على شيء، قال الحافظ: قد تواردت الأحاديث على نفي الخلة من النبي عَّ. لأحد.
وأما ما روي عن أبي بن كعب: أن أحدث عهدي بنبيكم قبل موته بخمس دخلت عليه
وهو يقول: ((إنه لم يكن نبي إلا وقد اتخذ من أمته خليلاً وإن خليلي أبو بكر ألا وإن اللّه
اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً».
أخرجه أبو الحسن الحربي في فوائده، فمعارض بحديث جندب المذكور، فإن ثبت
حديث أبي أمكن الجمع بينهما بأنه لما برىء من ذلك تواضعًا لربه وإعظامًا ما له أذن اللّه تعالى
له فيه في ذلك اليوم لما رأى من تشوقه إليه وإكرامًا لأبي بكر بذلك فلا يتنافى الخبر أن أشار
إليه المحب الطبري.
وروى عن أبي أمامة نحو حديث أبي دون التقييد بالخمس أخرجه الواحدي في تفسيره
والخبران واهيان (وكأن أبا بكر رضي اللّه عنه فهم الرمز) أي: الإِشارة (الذي أشار به عَُّله من
قرينة ذكره ذلك في مرض موته فاستشعر منه أنه أراد نفسه، فلذلك بكى) أسفًا وحزنًا
(وما زال عَّ يعرض باقتراب أجله في آخر عمره، فإنه لما خطب في حجة الوداع قال

٧٩
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عَ ليه.
يودع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع.
فلما رجع عليه الصلاة والسلام من حجه إلى المدينة جمع الناس بماء يدعى
(خما)) في طريقه بين مكة والمدينة، فخطبهم وقال: ((أيها الناس، إنما أنا بشر
مثلكم، يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب))، ثم حض عل التمسك بكتاب الله
ووصى بأهل بيته.
قال الحافظ ابن رجب: وكان ابتداء مرضه عليه السلام في آخر شهر صفر،
وكانت مدة مرضه ثلاثة عشر يومًا في المشهور.
وكانت خطبته التي خطب بها المذكورة في حديث أبي سعيد الذي قدمته
في ابتداء مرضه الذي مات فيه، فإنه خرج - كما رواه الدارمي - وهو معصوب
الرأس بخرقة، حتى أهوى إلى المنبر فاستوى عليه فقال: والذي نفسي بيده، إني
للناس: خذوا عني مناسككم) احفظوها واعملوا بها (فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا وطفق)
أي: شرع (يودع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع، فلما رجع عليه الصلاة والسلام من حجه)
أي: شرع في الرجوع (إلى المدينة) ليلاً في قوله: (جمع الناس بماء يدعى) يسمى (خما)
بضم الخاء المعجمة وشد الميم غدير (في طريقه بين مكة والمدينة) على ثلاثة أيام من
الجحفة يقال له: غدير خم (فخطبهم وقال) بعد أن حمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر كما في
مسلم: (أيها الناس) الحاضرون أو أعم (إنما أنا بشر) وقوله (مثلكم) ليست في مسلم ولا في
نقل السيوطي عنه وعن أحمد وعبد بن حميد، فكأن كاتبها سبقه قلمه لحفظ القرءان (يوشك)
يقرب (أن يأتيني رسول ربي) يعني: ملك الموت (فأجيب) أي: أموت كنى عنه بالإِجابة
إشارة إلى أنه ينبغي تلقيه بالقبول كأنه يجيب إليه باختياره (ثم حض على التمسك بكتاب
اللّه) القرءان (ووصى بأهل بيته) ومر الحديث في مقصد المحبة السابع.
(قال الحافظ ابن رجب) عبد الرحمن الحنبلي: (وكان ابتداء مرضه عليه السلام في
آخر شهر صفر) يوم الاثنين أو السبت أو الأربعاء كما يأتي (وكانت مدة مرضه ثلاثة عشر يومًا
في المشهور) يأتي مقابله قريبًا (وكانت خطبته التي خطب بها المذكورة في حديث أبي
سعيد الذي قدمته) آنفًا (في ابتداء مرضه الذي مات فيه، فإنه خرج كما رواه الدارمي)
عبد الله بن عبد الرحمن عن أبي سعيد، قال خرج علينا رسول اللّه عَظّه ونحن في المسجد (وهو
معصوب الرأس بخرقة) من الصداع (حتى أهوى) ارتفع صاعدًا (إلى المنبر فاستوى) جلس
(عليه، فقال والذي نفسي بيده) قسم كان يقسم به كثيرًا وفيه الحلف على الأمر المحقق من

٨٠
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عَ ليه.
لأنظر إلى الحوض في مقامي هذا»، ثم قال: ((إن عبدًا عرضت عليه الدنيا)) .. الخ،
ثم هبط عنه فما رؤي عليه حتى الساعة.
فلما عرّض على المنبر باختياره اللقاء لله تعالى على البقاء، ولم يصرح
خفي المعنى على كثير ممن سمح، ولم يفهم المقصود غير صاحبه الخصيص
به، ثاني اثنين إذ هما في الغار، وكان أعلم الأمة بمقاصد الرسول عَّ له، فلما فهم
المقصود من هذه الإشارة بكى وقال: بل نفديك بأموالنا وأنفسنا وأولادنا، فسكّن
الرسول عَّه جزعه، وأخذ في مدحه والثناء عليه على المنبر، ليعلم الناس كلهم
فضله، فلا يقع عليه اختلاف في خلافته فقال: ((إن أمنَّ الناس علي في صحبته
وماله أبو بكر)) - رضي الله عنه - ثم قال عَّه: ((لو كنت متخذًا من أهل الأرض
غير استحلاف للمزيد التأكيد (أني أنظر إلى الحوض) نظرًا حقيقيًا (في مقامي) بفتح الميم
(هذا، ثم قال: إن عبدًا عرضت عليه الدنيا إلى آخره) بقيته وزينتها فاختار الآخرة فلم يفطن
لها غير أبي بكر، فذرفت عيناه، فيكى ثم قال: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأولادنا وأموالنا
يا رسول اللّه (ثم هبط عنه) نزل عن المنبر (فما رؤی عليه) بضم الراء وهمزة مكسورة وفتح
الياء وبكسر الراء ومد الهمزة (حتى الساعة) أي: فنما قام عليه بعد في حياته والمراد بالساعة
القيامة،، قاله المصنف: (فلما: عرضٍ على المنبر باختياره اللقاء للّه تعالى على البقاء) في
الدنيا (ولم يصرح خفي المعنى على كثير ممن سمع) كلامه (ولم يفهم المقصود غير
صاحبه التخصيص به) زيادة على غيره (ثاني اثنين) حال من قوله، إذ أخرجه الذين كفروا، أي:
أحد اثنين والآخر أبو بكر (إذ) بدل من إذ قبله (هما في الغار) ثقب في جبل ثور (وكان أعلم
الأمة بمقاصد الرسول عَّله، فلما فهم المقصود من هذه الإِشارة بكى، وقال: بل نفديك
بأموالنا وأنفسنا وأولادنا، فسكن الرسول عَظله جزعه) ضعف قوته وعدم صبره على ما حل به
(وأخذ في مدحه والثناء عليه) عطف مساو (على المنبر ليعلم الناس كلهم فضله، فلا يقع
عليه اختلاف في خلافته، فقال: إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر).
وفي رواية في الصحيح أيضًا: أن من أمن الناس، فقيل من زائدة على رأي الكسائي
فلا خلف، أو يحمل على أن لغيره مشاركة ما في الأفضلية، لكنه مقدم في ذلك بدليل السياق
المتقدم والمتأخر، ويؤيده حديث أبي هريرة عند الترمذي: ما لأحد عندنا يد إلا كافأناه عليها ما
خلا أبا بكر، فإن له عندنا يدًا يكافئه الله بها يوم القيامة، فدل ذلك على ثبوت يد لغيره إلا أن
لأبي بكر رجحانًا، وحاصله أنه حيث أطلق أراد أنه أرجحهم، وحيث لم يطلق أراد الإِشارة إلى
من شاركه (ثم قال عَّ لو كنت، متخذاً من أهل الأرض خليلاً زاد في رواية: غير ربي