النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
النّوع السّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
ويهب لي ولدًا، فقال عٍَّ: ((اللهم أبدله بالطرب قراءة القرءان وبالحرام الحلال
وأته بالحياء، وهب له ولدًا))، قال مازن: فأذهب الله عني كلَّ ما كنت أجد،
وأخصبت عمان وتزوجت أربع حرائر، ووهب الله لي حيان بن مازن. رواه البيهقي.
ولما نزل معَّه بتبوك صلى إلى نخلة فمر رجل بينه وبينها فقال عَ له: ((قطع
صلاتنا قطع الله أثره)) فأقعد فلم يقم. رواه أبو داود والبيهقي، لكن بسند ضعيف.
وأكل عنده عَّه بشماله فقال: ((كل بيمينك))، قال: لا أستطيع، قال: لا
استطعت، فما رفعها إلى فيه بعد. والرجل هو بسر - بضم الموحدة وسكون
المهملة - ابن راعي العير، بفتح العين وسكون المثناة التحتية.
ولدًا، فقال عَّ: اللهم أبدله بالطرب قراءة القرءان، وبالحرام الحلال، وأته بالحياء وهب له
ولدًا، قال مازن: فأذهب اللّه عني كل ما كنت أجد وأخصبت عمان) أسقط من الحديث:
وحججت حججًا وحفظت شطر القرءان (وتزوجت أربع حرائر ووهب الله لي حيان) بفتح
الحاء المهملة وتشديد المثناة تحت، كذا رأيته مضبوطًا ولا أعرف له ترجمة، قاله في نور
النبراس (ابن مازن).
(رواه البيهقي) في الدلائل، والطبراني وابن السكن والفاكهي في كتاب مكة، وابن قائع
كلهم من طريق هشام بن الكلبي، عن أبيه قال: حدثني عبد اللّه العماني، قال: قال مازن بن
العضوية: فذكر حديثًا طويلاً اقتصر المصنف منه على حاجته (ولما نزل عَّ بتبوك صلى إلى
نخلة، فمر رجل بينه وبينها، فقال عَّله: قطع صلاتنا) أي: فعل ما ينقص ثوابها (قطع الله
أثره) ولعله فهم منه انتهاك حرمة اللّه، فدعا عليه لأنه كان لا ينتقم لنفسه (فأقعد فلم يقم) أي:
فلم يستطع القيام بعد.
(رواه أبو داود والبيهقي لكن بسند ضعيف: وأكل عنده عَّةٍ رجل بشماله، فقال:
((كل بيمينك))، قال: ((لا أستطيع))، قال: لا استطعت، فما رفعها إلى فيه بعد) فما استطاع
رفعها، ذلك لا أنه تركه مع القدرة عليه، والحديث رواه مسلم عن سلمة بن الأكوع، وزاد في
رواية مسلم: لم يمنعه إلا الكبر، واستدل به عياض على أنه كان منافقًا، وزيفه النووي بأن ابن
مندة وأبا نعيم وابن ماكولا وغيرهم ذكروه في الصحابة، قال في الإِصابة: وفيه نظر لأن كل من
ذكره إنما استند لهذا الحديث، فالاحتمال قائم ويمكن الجمع بأنه لم يكن في تلك الحالة أسلم،
ثم أسلم بعد (والرجل) المبهم في رواية مسلم: (هو بسر - بضم الموحدة وسكون المهملة -
)، كما ضبطه الدارقطني وابن ماكولا وغيرهما، وقيل: فيه بشر بالمعجمة، ذكره ابن منده
ونسبه أبو نعيم إلى التصحيف، لكن في سنن البيهقي؛ أنه بمعجمة أصح (ابن راعي العير بفتح

٤٢
النَّوع السَّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
وطلب عَّةِ معاوية بن أبي سفيان، فقيل له إنه يأكل، فقال في الثانية: ((لا
أشبع الله بطنه))، فما شبع بطنه أبدًا، رواه البيهقي من حديث ابن عباس، وكان
معاوية رديفه يومًا فقال: ((يا معاوية، ما يليني منك))؟ قال: بطني؟ قال: ((اللهم املأه
علمًا وحلمًا)). رواه البخاري في تاريخه.
وقال عَّةٍ لأبي ثروان: ((اللهم أطل شقاءه وبقاءه) فأدرك شيخًا كبيرًا شقيًا
يتمنى الموت.
وكم له عٍَّ من دعوات مستجابات، وقد أفرد القاضي عياض بابًا في
العين وسكون المثناة التحتية -) الأشجعي، كما سمي بذلك في رواية الدارمي وابن حبان
والطبراني عن سلمة، ولا دلالة فيه على وجوب الأكل باليمين، لأن الدعاء ليس لترك
المستحب، بل لقصده المخالفة كبرًا بلا عذر، ومر لذلك مزيد في المقصد الثالث: (وطلب
عَّلة معوية بن أبي سفين، فقيل له أنه يأكل، فقال في الثانية: لا أشبع اللّه بطنه) دعاء عليه
على المتبادر، ويدل عليه قول (فما شبع بطنه أبدًا) وزعم أنه دعا له بأن اللّه يرزقه القناعة ليس
بشيء، ولا يؤيده دعاؤه له في الحديث الثاني لأنهما قصتان.
(رواه البيهقي من حديث ابن عباس) وفي مسلم، عنه: قال لي النبي عَّهِ: ((ادع لي
مطوية)) وكان كاتبه (وكان معوية رديفه يومًا، فقال له: يا معوية ما يليني منك، قال بطني،
قال: ((اللهم املأه) أي: البطن لأنه مذكر (علمًا وحلمًا))، رواه البخاري في تاريخه: وقال عَّه
لأبي ثروان) بمثلثة وراء الراعي التميمي، ذكره الدولابي في الكنى.
وأخرج عن أحمد بن داود المكي، عن إبراهيم بن زكريا، عن عبد الملك بن هرون بن عنيزة،
قال: حدثني أبي، سمعت أبا ثروان يقول: كنت أرعى لبني عمرو بن تميم في إبلهم، فهرب
النبي عَّهُ من قريش، فجاء حتى دخل في إبلي، فنفرت الإِبل؟، فإذا هو جالس، فقلت: من أنت؟،
فقد نفرت إبلي قال: أردت أن أستأنس إليك وإلى إبلك، فقلت: من أنت؟، قال: ما يضرك أن
لا تسألني؟، قلت: إني أراك الذي خرجت نبيًّا، قال: أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا
عبده ورسوله، قلت: أخرج من إبلي فلا يبارك اللّه في إبل أنت فيها، فقال: (اللهم أطل شقاءه
وبقاءه، فأدرك شيخًا كبيرًا شقيًا) من الشقاء وهو التعب، لفظ الرواية المذكورة: قال هرون
فأدركته شيخًا كبيرًا (يتمنى الموت) فقال له القوم: ما نراك يا أبا ثروان إلاَّ مالكًا، دعا عليك
رسول اللّه عَّه، فقال: كلا إني أتيته بعدما ظهر الإِسلام، فأسلمت واستغفر لي ولكن دعوته
الأولى سبقت، وتابعه محمد بن سليمان الباغندي عن عبد الملك وعبد الملك متروك.
ذكره في الإصابة: (وكم) للتكثير عَّ. (له من دعوات مستجابات، وقد أفرد القاضي

٤٣
النّوع السَّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
الشفاء ذكر فيه طرفًا منها، وكذا الإمام يوسف بن يعقوب الاسفرايني في كتابه
((دلائل الإعجاز)) فكم أجابه الله تعالى إلى مسؤوله، وأجناه من شجرة دعائه ثمرة
سؤله.
وأما حديث أبي هريرة عند البخاري أن رسول الله عَّه قال: ((لكل نبي دعوة
مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبىء دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة) فقد
استشكل ظاهره بما ذكرته، وبما وقع لنبينا ولكثير من الأنبياء صلى الله عليهم
وسلم من الدعوات المجابة، فإن ظاهره أن لكل نبي دعوة مجابة فقط.
وأجيب: بأن المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها، وما عدا ذلك
من دعواتهم فهي على رجاء الأجابة. وقيل: معنى قوله ((لكل نبي دعوة)) أي أفضل
دعواته، ولهم دعوات أخرى، وقيل: لكل نبي منهم دعوة عامة مستجابة في أمته، إما
عياض بابًا في الشفاء، ذكر فيه طرفًا) أي: بعضًا (منها وكذا الإِمام يوسف بن يعقوب
الإِسفرايني في كتابه دلائل الإعجاز: فكم) للتكثير (أجابه اللّه تعالى إلى مسؤوله وأجناه)
بجيم ونون، أي: أعطاه (من شجرة دعائه ثمرة سؤله) شبه الدعاء بيستان ذي شجر، فهو استعارة
بالكناية، وإثبات الشجر تخييل والثمرة ترشيح، والمعنى أن اللّه أعطاه ما سأل على أكمل وجه،
وتهيأ ما سأله في دعائه.
(وأما حديث أبي هريرة عند البخاري) ومسلم وغيرهما (أن رسول اللّه عَ لّه قال: لكل
نبي دعوة) وقوله: (مستجابة) إنما وقعت في رواية أبي ذر وحده للبخاري ولم تقع لباقي رواته
ولا هي في الموطأ الذي أخرجه البخاري من طريقه ولا في مسلم (يدعو بها) بهذه الدعوة
(وأريد أن أختبىء) بسكون المعجمة وفتح الفوقية وكسر الموحدة فهمزة، أي: ادخر (دعوتي)
المقطوع بإجابتها (شفاعة لأمتي في الآخرة) في أهم أوقات حاجتهم.
(فقد استشكل ظاهره بما ذكرته) من الأحاديث وفيها كلها أنه استجيب له ما دعا به
(وبما وقع لنبينا ولكثير من الأنبياء عَّهِ من الدعوات المجابة) التي لا تحصى (فإن ظاهره
أن لكل نبي دعوة مستجابة فقط) تعليل للإشكال.
(وأجيب؛ بأن المراد بالإِجابة في الدعوة المذكورة القطع بها وما عدا ذلك من
دعواتهم فهي على رجاء الإِجابة) على غير يقين ولا وعد.
(وقيل: معنى قوله لكل نبي دعوة) أي: هي (أفضل دعواته ولهم دعوات أخرى)
ليست أفضل وإن كانت مجابة.
(وقيل: لكل نبي منهم دعوة عامة مستجابة في أمته، إما بإهلاكهم وإما بنجاتهم،

٤٤
النّوع السَّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
بإهلاكهم، وإما بنجاتهم، وأما الدعوات الخاصة: فمنها ما يستجاب ومنها ما لا
يستجاب. وقيل: لكل نبي منهم دعوة تخصه لدنياه أو لنفسه، كقول نوح: ﴿رب
لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا﴾[نوح/٢٦] وقول زكريا: ﴿فهِب لي من
لدنك وليًا يرثني﴾ [مريم/٦]، وقول سليمان: ﴿رب هب لي ملكا لا ينبغي
لأحد من بعدي﴾.
وأما قول الكرماني في شرحه على البخاري: فإن قلت: هل جاز أن لا
يستجاب دعاء النبي صَّه؟ قلت: لكل نبي دعوة مستجابة، وإجابة الباقي في مشيئة
الله تعالى، فقال العيني: هذا السؤال لا يعجبني، لأن فيه بشاعة، وأنا لا أشك أن
جميع دعوات النبي عَّه مستجابة. وقوله: ((لكل نبي دعوة مستجابة)) لا ينفي
ذلك، لأنه ليس بمحصور. انتهى. ولم ينقل أنه معَّه دعا بشيء فلم يستجب له.
وفي هذا الحديث بيان فضيلة نبينا معَّ لِ على سائر الأنبياء، حيث آثر أمته
وأما الدعوات الخاصة فمنها ما يستجاب ومنها ما لا يستجاب) بعين المطلوب لا مطلقًا،
فلا يرد أن آحاد المؤمنين يستجاب لهم بإحدى ثلاث كما مر.
(وقيل: لكل منهم دعوة تخصه لدنياه أو لنفسه، كقول نوح: رب لا تذر على الأرض
من الكافرين ديارًا) فهذه دعوة لإصلاح دنياه (وقول زكريا: فهب لي من لدنك وليًا يرثني)
فهذه لنفسه (وقول سليمن: رب هب لي ملكًا لا ينبغي:) لا يكون (لأحد من بعدي) فهذه
لنفسه.
(وأما قول الكرماني) محمد بن يوسف (في شرحه على البخاري: فإن قلت: هل جاز
أن لا يستجاب دعاء النبي صَّ، قلت: لكل نبي دعوة مستجابة وإجابة الباقي في مشيئة
اللّه) تعالى، فيجوز أن لا يستجاب بعضها في الدنيا وأكثرها مجاب (فقال العيني) بدر الدين
محمود: (هذا السؤال لا يعجبني لأن فيه بشاعة:) كراهة (وأنا لا أشك أن جميع دعوات
الدبي عَ ◌ّهِ- مستجابة).
(وقوله: لكل نبي دعوة مستجابة لا ينفي ذلك لأنه ليس بمحصور. انتهى) أي لم يقل
لا يستجاب لكل نبي إلا دعوة وهذا قد سبقه إلى نحوه بعض شراح المصابيح، وقد تعقبه
الطيبي بأنه غفلة عن الحديث الصحيح.
سألت اللّه ثلاثًا فأعطاني اثنين ومنعني واحدة. انتهى، وبه يتعقب أيضًا قوله: (ولم ينقل
أنه عَّ دعا بشيء فلم يستجب له) بل نقل كما رأيت (وفي هذا الحديث بيان فضيلة

٤٥
النَّوع السَّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
على نفسه وأهل بيته بدعوته المجابة، ولم يجعلها دعاء عليهم بالهلاك كما وقع
لغيره، صلوات الله وسلامه عليهم.
وظاهر الحديث يقتضي أنه عليه السلام أخر الدعاء والشفاعة ليوم القيامة،
فذلك اليوم يدعو ويشفع، ويحتمل أن يكون المؤخر ليوم القيامة ثمرة تلك الدعوة
ومنفعتها، وأما طلبها فحصل من النبي عَّه في الدنيا.
وقد أمر الله النبي عَّه الترقي في مراتب التوحيد بقوله: ﴿فاعلم أنه لا إله
إلا الله ﴾[محمد/١٩] فإنه ليس أمرًا بتحصيل ذلك العلم، لأنه عالم بذلك، ولا
بالثبات، لأنه معصوم، فتعين أن يكون للترقي في مراتبه ومقاماته، إشارة إلى أن
العلم به تعالى والسير إليه لا نهاية له أبدًا، فجميع العلوم الحقيقية والمعارف
اليقينية في العالم منتظم في سلك تحقيقها، وستثمر من أفنان طواياها، ولذا
نبينا ◌َِّ على سائر الأنبياء حيث آثر أمته على نفسه) فلم يدعها لنفسه (و) على (أهل بيته
بدعوته المجابة) فلم يدع بها لهم (ولم يجعلها دعاء عليهم) أي: أمته (بالهلاك كما وقع
لغيره) نوح (صلوات الله وسلامه عليهم) ووجه الفضيلة للمصطفى مع أن نوحًا إنما دعا بعد أن
أوحي إليه أنه لن يؤمن من قومك إلاَّ من قد آمن أن نبينا عَّه لما أتى له ملك الجبال وقال: إن
شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، قال: لا إني أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد اللّه صلى
اللّه عليهم أجمعين (وظاهر الحديث يقتضي أنه عليه السلام أخر الدعاء والشفاعة ليوم
القيامة، فذلك اليوم يدعو ويشفع) فيه فهو خبر، فذلك اليوم والعائد محذوف، ويحتمل نصب.
اليوم ظرفًا فلا حذف.
(ويحتمل أن يكون المؤخر ليوم القيامة ثمرة تلك الدعوة ونفعها، وأما طلبها فحصل
من النبي عٍَّ في الدنيا) لكنه احتمال بعيد مخالف للظاهر (وقد أمر اللّه النبي عَّة.
بالترقي في مراتب التوحيد، بقوله: ﴿فاعلم أنه لا إله إلاَّ اللّه﴾ فإنه ليس أمرًا بتحصيل ذلك
العلم لأنه عالم بذلك) فيلزم الأمر بالموجود في المأمور (ولا بالثبات) الدوام عليه (لأنه
معصوم) فلا يمكن منه عدم الثبات حتى يؤمر به (فتعين أن يكون للترقي في مراتبه ومقاماته
إشارة إلى أن العلم به تعالى والسير إليه لا نهاية له أبدًا، فجميع العلوم الحقيقية
والمعارف اليقينية في العالم منتظم) داخل (في سلك تحقيقها ومستثمر) أي: مثمر
فالسين زائدة (من أفنان:) جمع فئن، أي: أغصان، أي: خواص (طواياها) أي: المراتب العلية
جمع طوية بمعنى مطوية، أي: ما خفي من تلك المراتب.

٤٦
النَّوع السَّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
اكتفى بعلمها له عَّهِ في الآية فالشأن كله في تصحيح التوحيد وتجريده وتكميله،
وقد قال تعالى له عليه الصلاة والسلام: ﴿واذكر اسم ربك﴾[المزمل/٨] وقال:
﴿واذكر ربك في نفسك تضرعًا وخيفة﴾[الأعراف/٢٠٥]، لأنه لا بد في أول
السلوك من الذكر باللسان مدة، ثم يزول الاسم ويبقى المسمى، فالدرجة الأولى
هي المرادة بقوله: ﴿واذكر اسم ربك﴾، والمرتبة الثانية هي المرادة بقوله:
﴿واذكر ربك﴾، وفي استيفاء مباحث ذلك طول، يخرج عن الغرض، وقد تقدم
جملة من أذكاره مفرقة في الوضوء والصلاة والحج وغير ذلك.
وقد كان عَّه يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة.
كما رواه عنه أبو هريرة عند البخاري.
وظاهره أنه يطلب المغفرة، ويعزم على التوبة، ويحتمل أن يكون المراد:
أنه عَِّ يقول هذا اللفظ بعينه، ويرجح الثاني ما أخرجه النسائي بسند جيد من
(ولذا اكتفى بعلمها له عَِّ في الآية، فالشأن كله في تصحيح التوحيد وتجريده)
عن شوائب الشرك (وتكميله) بالترقي فيه.
(وقد قال تعالى له عليه الصلاة والسلام: واذكر اسم ربك، وقال: واذكر ربك في
نفسك) أي: سرًّا (تضرعًا) تذللاً (وخيفة) خوفًا منه (لأنه لا بدّ في أول السلوك من الذكر
باللسان مدة، ثم يزول الاسم ويبقى المسمى، فالدرجة الأولى هي المرادة بقوله: واذكر
اسم ربك والرتبة الثانية هي المرادة بقوله: واذكر ربك في نفسك وفي استيفاء مباحث
ذلك طول يخرج عن الغرض) وهذا شذا عبقة صوفية.
(وقد تقدم جملة من أذكاره مفرقة في الوضوء والصلاة والحج وغير ذلك) كالصيام
فلا حاجة إلى إعادتها (وقد كان عَّ يستغفر اللّه ويتوب إليه في اليوم والليلة أكثر من
سبعين مرة) إظهارًا للعبودية وافتقارًا لكرم الربوبية وتعليمًا لأمته أو من ترك الأولى أو تواضعًا، أو
لأنه كان دائم الترقي في معارج القرب، فكلما ارتقى درجة ورأى ما قبلها دونها استغفر، لكن
قال الفتح: إن هذا مفرع على أن العدد المذكور في استغفاره كان مفرقًا بحسب تعدد الأحوال،
وظاهر ألفاظ الحديث يخالف ذلك.
(كما رواه عنه أبو هريرة) قال سمعت رسول اللّه عَ ه يقول: ((والله إني لأستغفر الله
وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة))، هذا لفظه (عند البخاري) في الدعوات وليس فيه
والليلة (وظاهره أنه يطلب المغفرة ويعزم على التوبة، ويحتمل أن يكون المراد أنه عَّه يقول

٤٧
النَّوع السَّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
طريق مجاهد عن ابن عمر: أنه سمع النبي عَّهِ يقول: ((استغفر الله الذي لا إله إلا
هو الحي القيوم وأتوب إليه)) في المجلس قبل أن يقوم مائة مرة. وله: من رواية
محمد بن سوقة عن نافع عن ابن عمر بلفظ: إن كنا لنعد لرسول الله عَّله في
المجلس: ((رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور))، مائة مرة.
ويحتمل أن يريد بقوله في حديث أبي هريرة ((أكثر من سبعين مرة)) المبالغة.
ويحتمل أن يريد العدد بعينه، ولفظ ((أكثر)» مبهم، فيمكن أن يفسر بحديث
ابن عمر المذكور، وأنه يبلغ المائة. وقد وقع في طريق أخرى عن أبي هريرة، من
رواية معمر عن الزهري بلفظ: ((إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة)) لكن خالف
معمر أصحاب الزهري في ذلك.
هذا اللفظ بعينه، ويرجح الثاني ما أخرجه النسائي بسند جيد) أي: مقبول (من طريق مجاهد
عن ابن عمر، أنه سمع النبي عَِّ يقول: أستغفر الله الذي لا إله إلاّ هو الحي القيوم وأتوب
إليه في المجلس قبل أن يقوم مائة مرة، وله) أي: النسائي (من رواية محمد بن سوقة)
بضم المهملة الغنوي بفتح المعجمة والنون الخفيفة أبي بكر الكوفي، العابد الثقة، المرضي، من
رجال الجميع (عن نافع عن ابن عمر، بلفظ: أن) مخففة من الثقيلة، أي: أنا (كنا لنعد
لرسول اللّه عََّّ في المجلس، رب اغفر لي وتب عليّ إنك التواب الغفور مائة مرة).
(ويحتمل أن يريد بقوله في حديث أبي هريرة أكثر من سبعين مرة المبالغة) والتكثير، فإن العرب
تضع السبع والسبعين والسبعمائة موضع الكثرة، وقد قال أعرابي: لمن أعطاه شيئًا سبع اللّه
لك الأجر، أي: كثره لك، ويدل عليه حديث البخاري مرفوعًا: إن عبدًا أذنب ذنبًا، فقال: رب
إني أذنبت ذنبًا فاغفر لي، فغفر له وفي آخره علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به أعمل ما
شئت فقد غفرت لك.
(ويحتمل أن يريد به العدد بعينه) كما قال في النهاية والمطالع: كل ما جاء في الحديث
من ذكر الأسباع، قيل: هو على ظاهره وحصر عدده، وقيل: هو بمعنى التكثير (و) لكن (لفظ:
أكثر مبهم فيمكن أن يفسر بحديث ابن عمر المذكور، وأنه يبلغ المائة) لأن الحديث يفسر
بالحدیث.
(وقد وقع في طريق أخرى عن أبي هريرة مِن رواية معمر عن الزهري) عن أبي
سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة (بلفظ: ((إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة))، لكن
خالف معمر أصحاب الزهري في ذلك) فإنهم إنما قالوا أكثر من سبعين، فرواية معمر شاذة.

٤٨
النَّوع السّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
نعم أخرج النسائي أيضًا من رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة بلفظ:
(إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم مائة مرة)).
وأخرج النسائي أيضًنا من طريق عطاء، عن أبي هريرة: أن رسول الله عَ ليه
جمع الناس فقال: ((يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة).
واستغفاره عليه الصلاة والسلام تشريع لأمته، أو من ذنوبهم، وقيل غير ذلك،
وتقدم ما ينتظم في سلك ذلك.
فإن قلت: ما كيفية استغفاره م ◌ّ؟
فالجواب: أنه ورد في حديث شداد بن أوس، عند البخاري: رفعه سيد
الاستغفار أن يقول: ((اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على
(نعم أخرج النسائي من رواية محمد بن عمرو) بفتح العين (عن أبي سلمة) بن
عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة (بلفظ: (إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم مائة مرة)).
وأخرج النسائي أيضًا من طريق عطاء بن أبي رباح (عن أبي هريرة: أن رسول اللّه عَّ.
جمع الناس، فقال: ((يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة))) فثبت
بذلك أن حديث أبي هريرة جاء بلفظ: مائة مرة من غير طريق الزهري، ومن طريقه بلفظ: أكثر
من سبعين، فقوى تفسير أكثر بالمائة (واستغفاره عليه الصلاة والسلام تشريع لأمته أو من
ذنوبهم).
(وقيل: غير ذلك، وتقدم ما ينتظم في سلك ذلك، فإن قلت: ما كيفية استغفاره عليه.
السلام، فالجواب أنه) قد علم مما سبق أنه لم يتقيد بصفة مخصوصة، ولكن (ورد في حديث
شداد بن أوس بن ثابت الأنصاري ابن أخي حسان بن ثابت، يكنى أبا يعلى، مات بالشام قبل سنة
ستين أو بعدها (عند البخاري) والنسائي (رفعه سيد الاستغفار) أي: أفضله كما أشار إليه البخاري
حيث ترجم على هذا الحديث باب أفضل الاستغفار، ومعنى الأفضلية كما قال الحافظ: الأكثر
نفعًا للمستعمل، وقال الطيبي: لما كان هذا الدعاء جامعًا لمعاني التوبة كلها استعير له اسم
السيد وهو في الأصل الرئيس الذي يقصد في الحوائج ويرجع إليه في الأمور (أن يقول) العبد،
ففي رواية أحمد والنسائي: أن سيد الاستغفار أن يقول العبد: (اللهم أنت ربي لا إله إلاّ أنت
خلقتني) كذا في معظم الروايات: أنت مرة واحدة، ولبعضهم أنت أنت مرتين (وأنا عبدك).
قال الطيبي: يجوز أن تكون حالاً مؤكدة وأن تكون مقدرة، أي: أنا عبد لك، كقوله
وبشرناه بإسحق نبيًا من الصالحين، وينصره عطف قوله: (وأنا على عهدك ووعدك) أي: ما

٤٩
النَّوع الشّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي،
وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)). قال: ((من قالها من النهار
موقنًا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل
موقنًا بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة)) فتعين أن هذه الكيفية هي
عاهدتك عليه وواعدتك من الإِيمان بك وإخلاص الطاعة لك (ما استطعت) من ذلك وما
مصدرية ظرفية، أي: مدة استطاعتي، وفيه إشارة إلى الاعتراف بالعجز والقصور عن كنه الواجب
من حقه تعالى، وقد يكون المراد كما قال ابن بطال: بالعهد العهد الذي أخذه اللّه على عباده
حين أخرجهم أمثال الذرو أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم، فأقروا بالربوبية وأذعنوا بالوحدانية،
وبالوعد ما قال على لسان نبيه عَ له: إن مات لا يشرك بالله شيئًا وأدى ما افترض اللّه عليه دخل
الجنة (أعوذ بك من شر ما صنعت: أبوء) بضم الموحدة وسكون الواو بعدها همزة ممدودة:
أعترف (بنعمتك عليّ وأبوء).
زاد في رواية الكشميهني: لك (بذنبي) أعترف به أو أحمله برغمي، لا أستطيع صرفه عني
(فاغفر) في رواية يلا فاء (لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).
قال الطيبي: اعترف أولاً بأنه أنعم عليه ولم يقيده ليشمل جميع أنواع الأنعام، ثم اعترف
بالتقصير وأنه لم يقم بأداء شكرها وعده ذنبًا مبالغة في التقصير وهضم النفس.
قال الحافظ: ويحتمل أن قوله: أبوء لك بذنبي اعتراف بوقوع الذنب مطلقًا ليصح
الاستغفار منه لا أنه عدّ ما قصر فيه من أداء النعم ذنبًا (قال) عَّ: (من قالها) أي: الكلمات
(من النهار موقتاً) مخلصًا (بها) من قلبه مصدقًا بثوابها (فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من
أهل الجنة) الداخلين لها ابتداء من غير دخول النار، لأن الغالب أن المؤمن بحقيقتها الموقن
بمضمونها لا يعصي اللّه تعالى، أو أن اللّه تعالى يعفو عنه ببركة هذا الاستغفار.
قاله الكرماني: (ومن قالها من الليل وهو موقن) مخلص (بها فمات قبل أن يصبح فهو
من أهل الجنة) ويحتمل أن يكون هذا فيمن قالها ومات قبل أن يفعل ما تغفر له به ذنوبه، وقال
ابن أبي جمرة: من شرط الاستغفار صحة النية والتوجه والأدب، فلو أن أحدًا حصل الشروط
واستغفر بغير هذا اللفظ واستغفر آخر بهذا اللفظ الوارد لكن أخل بالشروط هل يتساويان،
فالجواب: إن الذي يظهر أن اللفظ المذكور إنما يكون سيد الاستغفار إذا جمع الشروط
المذكورة، قال: وقد جمع هذا الحديث من بديع المعاني وحسن الألفاظ ما يحق له أن يسمى
سيد الاستغفار، ففيه الإقرار لله وحده بالألوهية والعبودية والاعتراف بأنه الخالق والإقرار بالعهد
الذي أخذه عليه والرجاء بما وعده به والاستعاذة من شر ما جنى العبد على نفسه وإضافة النعماء

٥٠
النّوع السَّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
الأفضل، وهو مَِّ لا يترك الأفضل.
وأما قراءته معٍَّ وصفتها، فكانت مدًا، يمد بـ ((بسم الله))، ويمد بـ ((الرحمن)،
ويمد بـ ((الرحيم)). رواه البخاري عن أنس.
إلى موجدها وإضافة الذنب إلى نفسه ورغبته في المغفرة واعترافه بأنه لا يقدر أحد على ذلك إلا
هو وفي كل ذلك الإِشارة إلى الجمع بين الشريعة والحقيقة وأن تكاليف الشريعة لا تحصل إلا
إذا كان في ذلك عون من اللّه وهذا هو القدر الذي يكنى عنه بالحقيقة، فلو أن العبد خالف
حتى يجري عليه ما قدر عليه وقامت الحجة عليه ببيان المخالفة لم يبق إلا أحد أمرين إما
العقوبة بمقتضى العدل أو العفو بمقتضى الفضل اهـ
وقال الكرماني: لا شك أن في الحديث ذكر اللّه بأكمل الأوصاف وذكر العبد نفسه
بأنقص الحالات وهو أقصى غاية التضرع ونهاية الاستكانة لمن لا يستحقها إلاَّ هو، أما الأول
فلما فيه من الاعتراف بوجود الصانع وتوحيده الذي هو أصل الصفات القدسية المسماة بصفات
ا! جلال والاعتراف بالصفات الصنعية الوجودية المسماة بصفات الإكرام وهي القدرة اللازمة عن
الـ خلق الملزومة للإرادة والعلم والحياة والخامسة الكلام اللازم من الوعد والسمع والبصر اللازمان
من المغفرة، إذ المغفرة للمسموع والمبصر لا تتصور إلاّ بعد السماع والإِبصار.
وأما الثاني، فلما فيه أيضًا من الاعتراف بالعبودية وبالذنوب في مقابلة النعمة التي تقتضي
نقيضها وهو الشكراهـ (فتعين أن هذه الكيفية هي الأفضل وهو عَّه لا يترك الأفضل) رأسًا،
بل بقوله: ويقول غيره لا أنه يقتصر عليه وإلاَّ خالف الأحاديث.
قال الحافظ: ومن أوضح ما جاء في الاستغفار ما أخرجه الترمذي وغيره مرفوعًا: ((من قال
أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفرت ذنوبه وإن كان فر من الزحف)).
قال أبو نعيم: هذا يدل على أن بعض الكبائر يغفر ببعض العمل الصالح وضابطه الذنوب
التي لا توجب على مرتكبها حكمًا في نفس ولا مال وفي قوله تعالى: ولم يصروا على ما فعلوا
إشارة لي أن من شرط قبول الاستغفار أن يقلع المستغفر عن الذنب وإلاّ فالاستغفار باللسان مع
التلبس بالذنب كالتلاعب، ولأبي داود والترمذي مرفوعًا: ((ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم
سبعين مرة)).
(وأما قراءته عٍَّ: وصفتها فكانت مدًا) بغير همز، أي: ذات مد، أي: يمد الحرف
المستحق للمد (يمد ببسم اللّه) أي: اللام التي هي قبل هاء الجلالة (ويمد بالرحمن) الميم التي
قبل النون (ويمد بالرحيم) أي: الحاء المد الطبيعي الذي لا يمكن النطق بالحرف إلاَّ به من غير
زيادة عليه لا كما يظن بعضهم من الزيادة عليه.
(رواه البخاري) في التفسير (عن أنس: ونعتتها) وصفت قراءته (أم سلمة) هند (قراءة

٥١
النَّوع السَّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
ونعتتها أم سلمة: قراءة مفسرة حرفًا حرفًا. رواه أبو داود والنسائي والترمذي.
وقالت أيضًا: كان عَِّ يقطع قراءته، يقول: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ ثم
يقف، ثم يقول: ﴿الرحمن الرحيم﴾ ثم يقف. رواه الترمذي.
وقالت حفصة: كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها. رواه
مسلم.
وقال البراء: كان يقرأ في العشاء ﴿والتين والزيتون﴾ فما سمعت أحدًا
مفسرة حرفًا حرفًا، رواه أبو داود والنسائي والترمذي) عنها: (وقالت) أم سلمة: (أيضًا كان
عَّهِ يقطع) بشد الطاء من التقطيع (قراءته) أسقط من الحديث آية آية، أي: يقف على فواصل
الآي (يقول: الحمد لله رب العالمين، ثم يقف، ثم يقول الرحمن الرحيم، ثم يقف) وهكذا،
ولذا قال البيهقي وغيره: الأفضل الوقوف على رؤوس الآي وإن تعلقت بما بعدها.
قال البيهقي: متابعة السنة أولى مما ذهب إليه بعض القراء من تتبع الأغراض والمقاصد
والوقوف عند انتهائها، وقال الطيبي: قوله رب العالمين يشير إلى ملكه لذوي العلم من الملائكة
والثقلين يدبر أمرهم في الدنيا، وقوله: مالك يوم الدين يشير إلى أنه يتصرف فيهم في الآخرة
بالثواب والعقاب.
وقوله: الرحمن الرحيم متوسط بينهما، ولذا قيل: رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، فكما جاز
ذلك الوقف يجوز هذا، فقول بعضهم: هذه الرواية لا يرتضيها البلغاء وأهل اللسان، لأن الوقف
الحسن ما هو عند الفصل التام من أول الفاتحة إلى مالك يوم الدين، وكان عَّ أفضل الناس
غير مرضى والنقل أولى بالاتباع.
(رواه الترمذي) وقال حسن غريب والحاكم: وقال على شرطهما، وأقره الذهبي (وقالت
حفصة) أم المؤمنين: (كان يرتل السورة) يقرأها بتمهل، وترسل ليقع مع ذلك التدبر، كما أمره
تعالى (﴿ورتل القرءان ترتيلاً﴾﴾ [المرسل/٤] (حتى تكون أطول من أطول منها) إذا قرئت،
بلا ترتيل، أي حتى يكون الزمن الذي صرفه في قراءتها أطول من الزمن الذي صرفه في قراءة
الطويلة.
(رواه مسلم) من طريق مالك وغيره، وهو في الموطأ (وقال البراء) بن عازب رضي اللّه
تعالى عنهما: (كان) عَّهِ (يقرأ في العشاء والتين) بالواو حكاية، ولبعض الرواة بالتين
(والزيتون) أي بهذه السورة في الركعة الأولى.
ففي رواية للشيخين أيضًا عن البراء أنه عٍَّ كان في سفر، فقرأ في العشاء في إحدى

٥٢
النَّوع السَّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
أحسن صوتًا أو قراءة منه عَّه. رواه الشيخان.
فقد كانت قراءته عَ ل ترتيلاً لا هَذَا ولا عجلة، بل قراءة مفسرة حرفًا: حرفًا،
وكان يقطع قراءته آية آية، وكان يمد عند حروف المد، وكان يتغنى بقراءته، ويرجع
صوته بها أحيانًا، كما رجع يوم الفتح في قراءة ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾.
وحكى عبد الله بن مغفل ترجيعه: آآآثلاث مرات، ذكره البخاري.
وإذا جمعت هذا الحديث إلى قوله: ((زينوا القرءان بأصواتكم)) وقوله: ((ليس
الركعتين والتين والزيتون، والنسائي، فقرأ في الركعة الأولى، وفي كتاب الصحابة لابن السكن عن
ورقة بن خليفة رجل من أهل اليمامة.
قال: سمعنا بالنبي عَّهِ، فأتيناه، فعرض علينا الإِسلام، فأسلمنا، وأسهم لنا، وقرأ في
الصلاة بالتين والزيتون و﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾.
قال الحافظ: يمكن إن كانت، أي القراءة في الصلاة التي عين البراء أنها العشاء، أنه قرأ
في الأولى بالتين، وفي الثانية بالقدر.
قال البراء: (فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا، أو قراءة) شك الراوي (منه عَلَّهُ) بل هو
الأحسن على مدلول اللفظ عرفًا، وإن صدق لغة بالمساوي.
(رواه الشيخان) وأصحاب السنن (فقد كانت قراءته عليه الصلاة والسلام ترتيلاً،
لا هذا) بفتح الهاء، والذال المعجمة، أي سرعة، ونصبه على المصدر، كما في النهاية، وغيرها،
فقوله (ولا عجلة) تفسير (بل قراءة مفسرة حرفًا حرفًا) بل حديثه كذلك، كما قالت عائشة: ما
كان رسول اللّه عَّ ليسرد سرد كم هذا، بل كان يحدث حديثًا، لو عده العاد لأحصاه (وكان يقطع
قراءته آية آية) أي يقف على فواصل، إلا الآي، كما مر (وكان يمد عند حروف المد، وكان
يتغنى بقراءته، ويرجع صوته أحيانًا، كما رجع يوم الفتح) لمكة (في قراءة إنا فتحنا لك.
فتحًا مبينًا، وحكى عبد الله بن مغفل) بميم مضمومة، فمعجمة، ففاء ثقيلة مفتوحتين المزني من
أصحاب الشجرة (ترجيعة آآآثلاث مرات) الغرض منه إنه كان يقطع قراءته آية آية، كتقطيع من
نطق بهذه الألفات ثلاث مرات مبينة كذا، قاله شيخنا: (ذكره) أي رواه (البخاري) في مواضع،
ومسلم، وغيرهما (وإذا جمعت هذا الحديث إلى قوله) عَ له: («زينوا القرءان بأصواتكم))).
رواه أحمد، والبخاري، وفي كتاب خلق الأفعال، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه،
وصححه، وابن حبان، والحاكم كلهم من حديث البراء، وعلقه البخاري في آخر صحيحه في
كتاب التوحيد، وابن حبان أيضًا، وغيره، عن أبي هريرة، والطبراني، والدارقطني بسند حسن، عن
ابن عباس، وأبو نعيم، عن عائشة بسند ضعيف، والبزار، عن عبد الرحمن بن عوف بسند ضعيف

٥٣
النَّوع السَّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
منا من لم يتغن بالقرءان))، وقوله: ((ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الصوت
يتغنى بالقرءان)) أي ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقرءان يتلوه يجهر
به، يقال منه: أذِن يأْذَن أَذَانًا بالتحريك. علمت أن هذا الترجيع منه عليه الصلاة
والسلام كان اختيارًا، لا اضطرارًا لهز الناقة له، فإن هذا لو كان لأجل هز الناقة
لما كان داخلاً تحت الاختيار، فلم يكن عبد الله بن مغفل يحكيه ويفعله اختيارًا
ليتأسى به وهو يرى هذا من هز الراحلة له حتى ينقطع صوته، ثم يقول: كان يرجع
في قراءته، فينسب الترجيع إلى فعله، ولو كان من هز الراحلة لم يكن منه فعل.
یسمی ترجیعًا.
وقد استمع عليه الصلاة والسلام ليلة لقراءة أبي موسى الأشعري، فلما أخبره
(وقوله) عَّله: ((ليس منا))) أي من العالمين بسنتنا الجارين على طريقتنا (من لم يتغن بالقرءان)
أي يحسن صوته به، لأنه أوقع في النفوس، وأدعى إلى الاستماع، والإصغاء، وهو، كالحلاوة
التي تجعل في الدواء لتنفيذه إلى أمكنة الداء، وكالأفاويه التي يطيب بها الطعام، ليكون الطبع
أُدعى قبولاً له، لكن بشرط أن لا يغير اللفظ، ولا يخل بالنظم، ولا يخفي حرفًا، ولا يزيد حرفًا،
والإِحرم إجماعًا، قال ابن أبي مليكة: فإن لم يكن حسن الصوت حسنه، ما استطاع، وهذا
الحديث رواه البخاري في التوحيد، عن أبي هريرة وأحمد، وأبو داود، وابن حبان، والحاكم، عن
سعد بن أبي وقاص، وأبو داود، عن أبي لبابة، والحاكم، عن ابن عباس، وعن عائشة (وقوله)
عَّه في الصحيحين، والسنن من حديث أبي هريرة: ((ما أذن))) بفتح الهمزة، وكسر المعجمة.
كما ضبطه النووي، وغيره، أي ما استمع (لشىء) بشين معجمة (كإذنه لنبي حسن الصوت
يتغنى بالقرءان، أي ما استمع اللّه لشيء، كاستماعه لنبي يتغنى بالقرءان، أي يتلوه يجهر به،
يقال منه أذِن) بفتح أوله، وكسر ثانيه (يأذَن) بفتح الذال (أُذَانًا بالتحريك) أي فتح الهمزة،
والذال مصدر، هو مجاز عن تقريب القارىء، وإجزال ثوابه، وقبول قراءته، ولا يجوز حمله على
الإصغاء، لأنه محال عليه تعالى، ولأن سماعه، لا يختلف (علمت أن هذا الترجيع) الواقع (منه
عليه الصلاة والسلام) في الفتح (كان اختيارًا، لا اضطرارًا لهز الناقة له) كما دعاه بعضهم
(فإن هذا، لو كان لأجل هز الناقة، لما كان داخلاً تحت الاختيار، فلم يكن عبد الله بن
مغفل يحكيه) حيث، قال آآآ ثلاث مرات، وعنه أيضًا لولا أن يجتمع الناس حولي لرجعت لكم،
كما رجع عَّة (ويفعله اختيارًا ليتأسى) يقتدي (به، وهو يرى هذا من هز الراحلة له حتى
ينقطع صوته، ثم يقول: كان يرجع في قراءته، فينسب الترجيع إلى فعله، ولو كان من هز
الراحلة لم يكن منه فعل يسمى ترجيعًا) لعدم اختياره (وقد استمع عليه الصلاة والسلام ليلة

٥٤
النَّوع السَّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
بذلك قال: لو كنت أعلم أنك تسمعه لحبرته لك تحبيرًا. أي حسنته وزينته
بصوتي تزيينًا.
وهذا الحديث يرد على من قال: إن قوله: ((زينوا القرءان بأصواتكم)) من
باب القلب، أي: زينوا أصواتكم بالقرءان، فإن القلب لا وجه له. قال ابن الأثير:
ويؤيد ذلك تأييدًا لا شبهة فيه حديث ابن عباس: أن رسول الله عَّه قال: لكل
شيء حلية، وحلية القرءان حسن الصوت. والله أعلم.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة اختلافًا كثيرًا يطول ذكره، وفصل
النزاع في ذلك أن يقال: إن التطريب والتغني على وجهين:
أحدهما: ما اقتضته الطبيعة وسمحت به من غير تكلف ولا تمرين وتعليم،
بل إذا خلا في ذلك وطبعه، واسترسلت طبيعته، جاءت بذلك التطريب والتلحين،
لقراءة أبي موسى الأشعري) عبد الله بن قيس كان حسن الصوت جدًا، وحسبك قوله عَ لّه له:
((يا أبا موسى لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود)) (فلما أخبره بذلك) بقوله: لو رأيتني، وأنا
أسمع قراءتك البارحة، كما في رواية لمسلم. (قال: لو علمت أنك تسمعه لحبرته لك
تحبيرًا، أي حسنته، وزينته بصوتي تزيينًا، وهذا الحديث يرد على من قال إن قوله: ((زينوا
القرءان بأصواتكم» من باب القلب، أي زينوا أصواتكم بالقرءان، فإن القلب، لا وجه له) بل له
وجه، لأنه ورد كذلك أخرج الحاكم عن البراء مرفوعًا: «زينوا أصواتكم بالقرءان، فإن الصوت
الحسن يزيد القرءان حسنًا».
(قال ابن الأثير: ويؤيد ذلك) أي حمله على أن الصوت يحسن القرءان (تأييدًا، لا شبهة
فيه حديث ابن عباس) إنما رواه البزار، والبيهقي، عن أنس، والطبراني، عن أبي هريرة (أن
رسول اللّه عَل قال: ((لكل شيء حلية وحلية القرءان حسن الصوت) لأن الحلية حليتان حلية
تدرك بالعين وحلية تدرك بالسمع ومرجع ذلك كله إلى جلاء القلب وذلك على قدر نية
القارىء))، لكن هذا الحديث ضعفه ابن حبان، والذهبي، والحافظ النور الهيثمي من الوجهين،
وبينوا وجه الضعف، فلا تأييد به (والله أعلم).
(وقد اختلف العلماء في هذه المسألة اختلافًا كثيرًا يطول ذكره، وفصل) أي قطع
(النزاع في ذلك أن يقال التطريب، والتغني على وجهين أحدهما، ما اقتضته الطبيعة،
وسمحت به من غير تكلف، ولا تمرين) اعتياد، ومداومة (ولا تعليم) من معلم (بل إذا خلى
في ذلك، وطبعه) مفعول معه (واسترسلت طبيعته) أي استمرت في العمل على حالها (جاءت

٥٥
النَّوع السّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
فهذا جائز وإن أعانته طبيعته على فضل تزيين وتحسين، كما قال أبو موسى
للنبي عَّهِ: لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرًا. والحزين ومن هاجه الطرب
والحب والشوق لا يملك من نفسه دفع التحزين والتطريب في القراءة. ولكن
النفوس وتستجليه وتستملحه لموافقة الطبع وعدم التكلف والتصنع، فهو مطبوع لا
متطبع، وكلف لا متكلف، فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويسمعونه، وهو
التغني المحمود، وهو الذي يتأثر به التالي والسامع.
والوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعة من الصنائع، ليس في الطباع
السماحة به، بل لا يحصل إلا بتكلف وتضنع وتمرن، كما يتعلم أصوات الغناء
بأنواع الألحان البسيطة والمركبة على إيقاعات مخصوصة وأوزان مخترعة لا تحصل
إلا بالتعلم والتكلف، فهذه هي التي كرهها السلف وعابوها وأنكروا القراءة بها
بذلك التطريب والتلحين، فهذا جائز، وإن أعانته طبيعته على فضل) أي زيادة (تحسين
وتزيين) مبالغة، فيما قبله (كما قال أبو موسى للنبي عَّله: لو علمت أنك تسمع لحبرته لك
تحبيرًا، والحزين، ومن هاجه) حركه (الطرب، والحب) ميل القلب للمحبوب لمعنى
يستحسنه فيه (والشوق) نزاع النفس مصدر شاقة (لا يملك من نفسه رفع التحزين والتطريب
في القراءة، ولكن النفوس تقبله، وتستجلبه) بجيم، وموحدة (وتستملحه) أي تعده مليحًا
(لموافقة الطبع، وعدم التكلف، والتصنع، فهو مطبوع، لا متطبع) بضم الميم، وكسر الباء
المشددة، أي متشبه (وكلف) بكسر اللام، أي محب لذلك مولع به (لا متكلف) بكسر اللام
مشددة، أي طالب أن تكون تلك الصفة قائمة به (فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه،
ويسمعونه، وهو التغني المحمود الذي يتأثر به التالي) القارىء (والسامع) له.
(والوجه الثاني، ما كان من ذلك صناعة من الصنائع ليس في الطباع) الجبلة التي
خلق عليها (السماحة به، بل لا يحصل، إلا بتكلف، وتصنع، وتمرن، كما يتعلم أصوات الغناء
بأنواع الألحان البسيطة، والمركبة على إيقاعات مخصوصة، وأوزان مخترعة، لا تحصل، إلا
بالتعلم، والتكلف، فهذه) أي القراءة على هذه الحالة (هي التي كرهها السلف، وأنكروا
القراءة بها).
زاد في شرحه للبخاري عقب نحو هذا، وقد علم، مما ذكرنا أن ما أحدثه المكلفون
بمعرفة الأوزان، والموسيقى في كلام اللّه من الألحان، والتطريب، والتغني المستعمل في الغناء
بالغزل على إيقاعات مخصوصة، وأوزان مخترعة أن ذلك من أشنع البدع، وأسوئها، وأنه يوجب

٥٦
النّوع السَّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
وبهذا التفصيل يزول الاشتباه، ويتبين الصواب من غيره، وكل من له علم
بأحوال السلف يعلم قطعًا أنهم برآء من القراءة بألحان الموسيقى المكلفة التي هي
على إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة، وأنهم اتقى الله من أن يقرؤوا بها
ويسوغوها، ويعلم قطعًا أنهم كانوا يقرؤون بالتحزين والتطريب، ويحسنون أصواتهم
بالقرءان، ويقرؤونه بسجاياهم تارة، وتطريبًا أخرى، وهذا أمر في الطباع، ولم ينه عنه
الشارع مع شدة تقاضي الطباع له، بل أرشد إليه وندب إليه عَّله، وأخبر عن
استماع الله لمن قرأ به، وقال: ((ليس منا من لم يتغن بالقرءان)) وليس المراد
الاستغناء به عن غيره كما ظنه بعضهم، ولو كان كذلك لم يكن لذكر حسن
الصوت والجهر به معنى. والمعروف في كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء الذي
هو حسن الصوت بالترجيع، كما قال الشاعر:
تغن بالشعر أما كنت قائله إن الغناء لهذا الشعر مضمار
على سامعهم النكير، وعلى التالي التعزير (وبهذا التفصيل يزول الاشتباه، ويتبين الصواب من
غيره، وكل من له علم بأحوال السلف يعلم قطعًا، بأنهم برءاء) جمع بريء (من القراءة.
بألحان الموسيقى) بكسر القاف (المكلفة التي هي على إيقاعات، وحركات موزونة
معدودة محدودة، وأنهم أتقى لله من أن يقرؤوا بها، ويسوغوها) أي يجوزوها (ويعلم قطعًا،
أنهم كانوا يقرؤون بالتحزين، والتطريب، ويحسنون أصواتهم بالقرءان، ويقرؤونه بسجاياهم)
بسين، وجيم جمع سجية، أي بطبائعهم (تارة) وفي نسخة بشجي، بمعجمة، وجيم مقصور، أي
حزن (وتطريب أخرى) بأن يقصدوا تحسين قراءتهم مع مراعاة الأنغام المقتضية لذلك (وهذا أمر
في الطباع، ولم بينه عنه الشارع مع شدة تقاضي) أي طلب (الطباع له، بل أرشد إليه، وندب
إليه عَلّه، وأخبر عن استماع اللّه تعالى لمن قرأ به) بقوله: ((ما أذن اللّه لشيء)) الحديث
(وقال ليس منا) أي على سنتنا وهدينا (من لم يتغن بالقرءان، وليس المراد الاستغناء به عن
غيره، كما ظنه بعضهم) بل معناه من لم يحسن صوته به (ولو كان كذلك لم يكن لذكر
حسن الصوت، والجهر به) في حديث ما أذن اللّه لشيء، كإذنه لنبي حسن الصوت يتغنى
بالقرءان، أي يجهر به (معنى والمعروف في كلام العرب أن التغني، إنما هو الغناء) بكسر
المعجمة، والمد (الذي هو حسن الصوت بالترجيع، قال الشاعر:)
(تغن بالشعر أمنا كنت قائله إن الغناء لهذا الشعر مضمار)
أي كالميدان الذي تجري فيه الخيل، فيظهر فيها الحسن من غيره يغني، أنه إذا استعمل

٥٧
النَّوع السَّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
وروى ابن أبي شيبة عن عقبة بن عامر مرفوعًا: «تعلموا القرءان وتغنوا به
واكتبوه)) الحديث. والله أعلم.
وقد صح أنه عَّهِ سمع أبا موسى الأشعري يقرأ فقال: ((لقد أوتي هذا مزمارًا
من مزامير آل داود)). يعني من مزامير داود نفسه، كما ذكره أهل المعاني. وفي
طريق آخر - كما تقدم - أن أبا موسى قال: يا رسول الله، لو علمت أنك تسمع
لحبرته لك تحبیرًا.
قال ابن المنير: فهذا يدل على أنه كان يستطيع أن يتلو أشجى من المزامير
على هذا الوجه حصل به بسط نفس، كاللذة الحاصلة للمتسابقين في الميدان، لكن رجح التور
بشتي القول، بأن المراد به الاستغناء، واعترض الأول، بأن المعنى ليس من أهل سنتنا، أو ممن
تبعنا في أمرنا، وهو وعيد، ولا خلاف بين الأمة أن قارىء القرءان مثاب في غير تحسین صوته،
فكيف يجعل مستحقًا للوعيد.
قال الطيبي: ويمكن حمله على معنى التغني، أي ليس منا معاشر الأنبياء من لم يحسن
صوته بالقرءان، ويسمع اللّه منه، بل يكون من جملة من هو نازل عن مرتبتهم، فيثاب على قراءته،
كسائر المسلمين، لا على تحسين صوته، كالأنبياء، ومن تعبهم فيه.
(وروى ابن أبي شيبة) وأحمد برجال الصحيح (عن عقبة بن عامر) الجهني (مرفوعًا
تعلموا القرءان) أي احفظوه، وتفهموه (وتغنوا به) أي اقرؤوه بتحزن، وترقيق، وحسن صوت،
وليس المراد قراءته بالألحان، والنغمات (واكتبوه الحديث) بقيته، فوالذي نفسي بيده، لهو أشد
تفلتا من المخاض في العقل.
(والله أعلم) بمراد رسوله (وقد صحّ) في الصحيحين، وغيرهما (أنه عَُّ سمع أبا موسى
الأشعري يقرأ، فقال: ((لقد أوتي هذا)).
وفي رواية للبخاري: ((يا أبا موسى، لقد أوتيت (مزمارًا من مزامير آل داود))) في حسن
الصوت بالقراءة (يعني من مزامير داود نفسه، كما ذكره أهل المعاني) فآل مقحمة، لأنه لم
يرو أن أحدًا من آل داود أعطى من حسن الصوت ما أعطى داود، والمزامير جمع مزمار، بكسر
الميم الآلة المعروفة أطلق اسمها على الصوت للمشابهة، فشبه حسن صوته، وحلاوة نغمته
بصوت المزمار (وفي طريق آخر، كما تقدم أن أبا موسى، قال: يا رسول اللّه، لو علمت أنك
تسمع لحبرته) حسنته (لك تحبيرًا) تحسينًا.
(قال ابن المنير: فهذا يدل على أنه كان يستطيع أن يتلو أشجى) أي أشد (من

٥٨
النّوع السابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
عند المبالغة في التحبير، لأنه قد تلا مثلها وما بلغ الحد، فكيف لو بلغ حد
استطاعته.
وقد ذان داود إذا أراد أن يتكلم على بني إسرائيل يجوع سبعة أيام لا يأكل
ولا يشرب ولا يأتي النساء، ثم يأمر سليمان فينادي في الضواحي والنواحي والآكام
والأودية والجبال: إن داود يجلس يوم كذا، ثم يخرج له منبرًا إلى الصحراء،
فيجلس عليه، وسليمان قائم على رأسه، فتأتي الإنس والجن والطير والوحش
والهوام والعذارى والمخدرات يسمعون الذكر، فيأخذ في الثناء على الله بما هو
أهله، فتموت طائفة من المستمعين، ثم يأخذ في النياحة على المذنبين فتموت
طائفة، فإذا استجر الموت بالخلق قال له سليمان: يا نبي الله، قد استجر الموت
بالناس، وقد مزقت المستمعين كل ممزق، فيخر داود مغشيًا عليه، فيحمل على
سريره إلى بيته، وينادي منادي سليمان: أيها الناس، من كان له مع داود قريب أو
المزامير) في إدخال الحالة الحاصلة للسامع عند سماع المزامير (عند المبالغة في التحبير،
لأنه قد تلا مثلها) بنص المصطفى (وما بلغ الحد، فكيف، لو بلغ حد استطاعته) وقد روى ابن
أبي داود بسند صحيح، عن أبي عثمن النهدي قال: دخلت دار أبي موسى الأشعري، فما
سمعت صوت صنج، ولا بربط، ولا ناي أحسن من صوته الصنج، بفتح الصاد المهملة، فنون
ساكنة، فجيم آلة من نحاس، كالطبقتين يضرب بأحدهما على الآخر، ويربط بموحدتين بينهما
آخره، طاء مهملة توزن جعفر فارسي معرب آلة، كالعود، والناي، بنون بغير همز المزمار (وقد
كان داود، إذا أراد أن يتكلم على بني إسرائيل) أي يعظهم، ويذكرهم بأحوال الآخرة (يجوع
سبعة أيام، لا يأكل، ولا يشرب، ولا يأتي النساء ثم، يأمر سليمن) ابنه (فينادي في
الضواحي) بضاد معجمة (والنواحي) عطف تفسير (والآكام، والأودية، والجبال) مر بيانها في
الاستسقاء (أن داود يجلس يوم، كذا، ثم يخرج له منبرًا) أي شيئًا مرتفعًا (إلى الصحراء،
فيجلس عليه، وسليمن قائم على رأسه، فتأتي الإِنس، والجن، والطير، والوحش، والهوام،
والعذارى) جمع عذراء، أي الأبكار (والمخدرات يسمعون الذكر، فيأخذ في الثناء على الله،
بما هو أهله، فتموت طائفة من المستمعين) شوقًا إليه تعالى (ثم يأخذ في النياحة على
المذنبين، فتموت طائفة) من المذنبين خوفًا منه سبحانه (فإذا استجر الموت بالخلق) أي
انتشر فيهم، وكثر (قال له سليلمن: يا نبي الله، قد استجر) بفوقية، فجيم (الموت بالناس،
وقد مزقت المستعمين كل ممزق) أي فرقتهم تفريقًا تامًا، فممزق مصدر ميمي (فيخر داود
مغشيًا عليه، فيحمل على سريره إلى بيته، وينادي سليمن من كان له مع داود قريب، أو

٥٩
النَّوع السَّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
حميم فليخرج لافتقاده، فكانت المرأة تأتي بالسرير فتقف على زوجها أو أبيها أو أخيها،
فتدخل به المدينة، فإذا أفاق داود في اليوم الثاني قال: يا سليمان، ما فعل عباد
بني إسرائيل؟ فيقول له سليمان: قد مات فلان وفلان وهلم جرًا. فيضع داود يده
على رأسه وينوح ويقول: يا ربَّ داود، أغضبان أنت على داود حتى إنه لم يمت
فيمن مات خوفًا منك أو شوقًا إليك؟ فلا يزال ذلك دأبه إلى المجلس الآخر،
وأقام داود على ذلك ما شاء الله تعالى.
ولا يظن مما ذكرته من حال بني إسرائيل أنهم في ذلك أعلى من هذه
الأمة، فأما المزامير فحسبك ما ذكر من حال أبي موسى الأشعري رضي الله عنه،
وأما الموت من الموعظة شوقًا أو خوفًا فلنا فيه طريقان:
أحدهما: أن نقول إن القوة التي أوتيتها هذه الأمة تقاوم الأحوال الواردة
عليها فتتماسك الحياة، فلا تفنى القوة الجسمانية بل القوة الروحانية، والتأييدات
الإلهية. فلفرط قوة هذه الأمة - إن شاء الله تعالى - تقارب عند سلفها الصالح ما
بين حال سماع الموعظة وحال عدم سماعها، لتوالي أحوال الذكر وأطوار اليقين.
حميم) أي شقيق (فليخرج لافتقاده، فكانت المرأة تأتي بالسرير، فتقف على زوجها، أو
أبيها، أو أخيها، فتدخل به المدينة، فإذا أفاق داود في اليوم الثاني، قال: يا سليمن ما فعل
عباد) جمع عابد (بني إسرائيل، فيقول له: قد مات فلان، وفلان) يسميهم بأسمائهم (وهلم
جرًّا، فيضع داود يده على رأسه، وينوح، ويقول: يا رب داود أغضبان أنت على داود،
حتى أنه لم يمت، فيمن مات خوفًا منك، وشوقًا إليك، فلا يزال ذلك دأبه) عادته (إلى
المجلس الآخر، وأقام داود على ذلك، ما شاء اللّه تعالى) أي مدة مشيئته تعالى ذلك
(ولا يظن مما ذكرته من حال بني إسرائيل) في هذه القصة (أنهم في ذلك أعلى من هذه
الأَمة، فأما المزامير، فحسبك) كافيك (ما ذكر من حال أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه)
وهو واحد (وأما الموت من الموعظة شوقًا، أو خوفًا، فلنا فيه طريقان أحدهما أن نقول إن
القوة التي أوتيتها، هذه الأمة) المحمدية (تقاوم الأحوال الواردة عليها، فتتماسك الحياة،
فلا تفنى القوة الجسمانية) بكسر الجيم (بل القوة الروحانية) بضم الراء (والتأييدات الإلهية)
باقية مانعة لها من الفناء، فحذف الخبر للعلم به، مما قبله (فلفرط قوة هذه الأمة إن شاء الله
تعالى) للتبرك متعلق، بقوله (تقارب) ولو قال يتقارب كان أولى (عند سلفها الصالح، ما بين
حال سماع الموعظة، وحال عدم سماعها لتوالي الذكر، وأطوار اليقين، وقد قال بعضهم)

٦٠
النَّوع السَّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
وقد قال بعضهم: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينًا. فتماسك قوة السلف عند
واردات الأحوال هو الذي فرق بينهم وبين من قبلهم. ألا ترى أن داود وسليمان
(عليهما الصلاة والسلام - وهما أصحاب المزامير - لم يتفق لهما الموت كما اتفق
المن مات، وما ذلك من تقصيرهما في الخوف والشوق، ولكن من القوة الربانية
التي أمدهما بها. ولا خلاف أن داود عليه الصلاة السلام وإن لم يمت من الذكر
أفضل ممن مات من أمته، وأما نوحه على كونه لم يمت فذلك من التواضع الذي
يزيده شوقًا، لا من التقصير عن آحاد أمته، بل لارتفاعه عنهم درجات وزلفى، وإلى
هذه القوة الإلهية أشار أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقد رأى إنسانًا يبكي من
الموعظة فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب. عبر عن القوة بالقسوة تواضعًا،
.ومرتبته بحمد الله محفوظة ومنزلته مرفوعة.
علي بن أبي طالب علي، ما في المسايرة لابن الهمام، وغيرها، أو عامر بن قيس التابعي على ما
في الرسالة القشيرية، وقد يكون عليّ أول من قالها، وعامر تمثل بها (لو كشف الغطاء) عن
أحوال الآخرة، والحشر، والنشر، والوقوف بين يدي اللّه تعالى، وغيرها (ما ازددت) فيها (يقينًا)
ليقيني بها، فعبر عن حالته التي هو عليها من غلبة أحوال الآخرة على قلبه باليقين، فأخبر، أنه لو
عاين ذلك، ما ازداد يقينًا لتحققه له، قاله الأنصاري شيخ الإِسلام، وقال غيره: لأنه حصل عنده
من البراهين القطعية على حقيقة التوحيد، ومتعلقاته، والإِيمان، وصدق الرسل، فيما جاؤًا به ما
لا يزيد اليقين فيه عند رؤيته ذلك عيانًا (فتماسك قوة السلف عند واردات الأحوال هو الذي
فرق بينهم، وبين من قبلهم، ألا ترى أن داود، وسليمن عليهما الصلاة والسلام، وهما
أصحاب المزامير) إنما صاحبها داود، كما مر، فلعل نسبتها لسليمن أيضًا، لأنه كان يسمعها من
أبيه، ولم يتغير حاله (لم يتفق لهما الموت، كما اتفق لمن مات، وما ذلك من تقصيرهما في
الخوف، والشوق، ولكن من القوة الربانية التي أمدهما) اللّه تعالى (بها، ولا خلاف أن داود
عليه الصلاة والسلام، وإن لم يمت من الذكر أفضل، ممن مات من أمته) إذ محال أن يبلغ
ولي رتبة نبي (وأما نوجه على كونه، لم يمت، فذلك من التواضع الذي يزيده شوقًا، لا من
التقصير عن آحاد أمته، بل لارتفاعه عنهم درجات، وزلفى) قربى (وإلى هذه القوة الإلهية
أشار أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه، وقد رأى إنسانًا يبكي من الموعظة، فقال: هكذا كنا
حتى قست القلوب عبر عن القوة بالقسوة تواضعًا، ومرتبته بحمد اللّه محفوظة، ومنزلته
مرفوعة) فليست عنده قسوة (والطريق الثاني أن نقول، قد روى، ما لا يحصى كثرة عن هذه