النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عدّله رواية جابر عند مسلم. واختلف أين صلى عَِّ الظهر يومئذٍ، ففي رواية جابر عند مسلم: أنه عليه السلام صلى بمكة، وكذا قالت عائشة. وفي حديث ابن عمر - في الصحيحين - أنه عَّ أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى. فرجح ابن حزم في كتاب حجة الوداع له قول عائشة وجابر، وتبعه على ذلك جماعة، لأنهما اثنان، وهما أولى من الواحد، ولأن عائشة أخص الناس به، ولها من القرب والاختصاص ما ليس لغيرها، ولأن سياق الناس به، ولها من القرب والاختصاص ما ليست لغيرها، ولأن سياق جابر لحجته عَّه من أولها إلى آخرها أتم سياق، وأحفظ للقصة وضبطها، حتى ضبط جزئياتها، حتى أقرّ منها ما لا يتعلق زمزم وهم يسقون ويعملون فيها، فقال: اعملوا فإنكم على عمل صالح، ثم قال: لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه، يعني: عاتقه، وأشار إلى عاتقه، رواه البخاري، وأجيب بأنه قد روي أبو داود عن عكرمة نفسه، عن ابن عباس أنه عَِّ أناخ فصلى ركعتين، فلعل شربه من زمزم كان بعد ذلك، ولعل عكرمة إنما أنكره لنهيه عنه، لكن في البخاري عن علي أنه عَّه شرب قائمًا (لكن لم يعين فيها) أي: رواية ابن عباس لا من طريق عكرمة ولا من طريق الشعبي (حجة الوداع ولا غيرها) فتح مكة (إنما التعيين في رواية جابر عند مسلم) يعني: فلولاها لأمكن الجمع بأنه في إحداهما شرب وهو على البعير، وفي الأخرى قائمًا، وقد علم الجمع بإمكان أنه لما نزل وصلى شرب قائمًا فلا خلاف. (واختلف أين صلى) النبي (عَِّ الظهر يومئذ) أي: يوم النحر (ففي رواية جابر عند مسلم؛ أنه عليه السلام صلى بمكة) ولفظه: فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر، وكذا قالت عائشة عند أبي داود وغيره. (وفي حديث ابن عمر في الصحيحين؛ أنه عَّةٍ أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى) فهذا تعارض (فرجح ابن حزم في كتاب حجة الوداع له) أي: مؤلفه فيها (قول عائشة وجابر وتبعه على ذلك جماعة) بأربعة أوجه (لأنهما اثنان وهما أولى من الواحد، و) ثانيها (لأن عائشة أخص الناس به ولها من القرب والاختصاص ما ليس لغيرها، و) ثالثها: (لأن سياق جابر لحجته عَِّ من أولها إلى آخرها أتم سياق و) هو (أحفظ للقصة، وضبطها حتى ضبط جزئياتها حتى أقر) بقاف وراء ثقيلة، أي: أثبت (منها ما لا يتعلق بالمناسك). ٤٦٢ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَ لَّه. بالمناسك، وهو نزوله في الطريق فبال عند الشعب وتوضأ وضوءًا خفيفًا، فمن ضبط هذا القدر فهو لضبط مكان صلاته الظهر يوم النحر أولى، وأيضًا: فإن حجة الوداع كانت في ((آذار)) وهو تساوي الليل والنهار، وقد دفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منى، وخطب بها الناس، ونحر بها بدنه وقسمها، وطبخ له من لحمها وأكل منه، ورمى الجمرة، وحلق رأسه وتطيب ثم أفاض، وطاف وشرب من ماء زمزم، ووقف عليهم وهم يسقون، وهذه أعمال يظهر منها أنها لا تنقضي في مقدار يمكن معه الرجوع إلى منى بحيث يدرك الظهر في فصل آذار. ورجحت طائفة أخرى قول ابن عمر: بأنه لا يحفظ عنه في حجته عَّ له أنه صلى الفرض بجوف مكة، بل إنما كان يصلي بمنزله بالمسلمين مدة مقامه بمكة، وبأن حديث ابن عمر متفق عليه، وحديث جابر من إفراد مسلم، فحديث ابن عمر أُصح منه، فإن رواته أحفظ وأشهر، وبأن حديث عائشة قد اضطرب في وقت طوافه، فروي عنها أنه طاف نهارًا، وفي رواية عنها: أن أخر الطواف إلى الليل، وفي رواية عنها: أنه أفاض من آخر يومه، فلم تضبط فيه وقت الإفاضة، ولا مكان الصلاة. وفي نسخة: حتى أمرا منها، أي: حتى ضبط أمرًا لا يتعلق بالمناسك (وهو نزوله في الطريق، فبال عند الشعب وتوضأ وضوءًا خفيفًا، فمن ضبط هذا القدر فهو يضبط صلاته الظهر يوم النحر أولى و) رابعها (أيضًا، فإن حجة الوداع كانت في آذار وهو تساوي الليل والنهار وقد دفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منى، وخطب بها الناس ونحر بها بدنه) المائة (وقسمها وطبخ له من لحمها وأكل منه ورمى الجمرة وحلق رأسه وتطيب، ثم أفاض وطاف وشرب من ماء زمزم ووقف عليهم وهم يسقون، وهذه أعمال يظهر منها أنها لا تنقضي في مقدار يمكن معه الرجوع إلى منى بحيث يدرك الظهر في فصل آذار) بهمزتين فذال معجمة فألف فراء. قال في القاموس: الشهر السادس من الشهور الرومية (ورجحت طائفة أخرى قول ابن عمر) بأمور أربعة: أحدها: (بأنه لا يحفظ عنه في حجته عَّ؛ أنه صلى الفرض بجوف مكة، بل إنما كان يصلي بمنزله بالمسلمين مدة مقامه بمكة، و) الثاني: (بأن حديث ابن عمر متفق عليه) أي: رواه البخاري ومسلم (وحديث جابر من إفراد مسلم) التي انفرد بها عن البخاري (فحديث ابن عمر أصح منه: فإن رواته أحفظ وأشهر) ولاتفاق الشيخين عليه. (و) الثالث: (بأن حديث عائشة قد اضطرب في وقت طوافه، فروي عنها أنه طاف نهارًا). (وفي رواية) لأحمد وأبي داود والترمذي (عنها: أنه) عَّ. (أخر الطواف إلى الليل، ٤٦٣ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّ. وأيضًا: فإن حديث ابن عمر أصح منه بلا نزاع، لأن حديث عائشة من رواية محمد بن إسحق، عن عبد الرحمن بن القاسم، وابن إسحق مختلف في الاحتجاج به، ولم يصرح بالسماع، بل عنعنه، فلا يقدم على حديث عبد الله بن عمر، انتهى. ثم رجع ◌َّه إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى وفي رواية) عند أبي داود (عنها: أنه) عَِّ (أفاض) أي: طاف طواف الإفاضة (من آخر يومه) والجمع وإن أمكن بين رواياتها الثلاث بأن قولها إلى الليل، أي: إلى قربه بدليل قولها في الرائية الثانية من آخر يومه وذلك بالنهار، وهو الرواية الأولى (فلم تضبط فيه وقت الإفاضة ولا مكان الصلاة) فتقدم رواية من ضبط. (و) الرابع: (أيضًا بأن حديث ابن عمر أصح منه بلا نزاع، لأن حديث عائشة من رواية محمد بن إسحق) بن يسار (عن عبد الرحمن بن القسم) بن محمد، عن أبيه، عنها (وابن إسحق مختلف في الاحتجاج به) أي: بروايته، فمنهم من لم يحتج به وطعن فيه كثير من الأئمة، ومنهم من احتج به بشرط أن يصح بالسماع لأنه مدلس، فهنا لا حجة به اتفاقًا (و) ذلك : أنه (لم يصرح به بالسماع، بل عنعنه) أي: الحديث، فقال عن عبد الرحمن بن القسم: (فلا يقدم على حديث عبد الله بن عمر) لأن رواته ثقات حفاظ مشاهير. (انتهى). وقد جمع النووي بين الحديثين أي: حديث جابر وابن عمر باحتمال أنه صلى الظهر بمكة أول الوقت، ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك، فيكون متنفلاً بالظهر الثانية التي بمنى، كذا قال بناء على مذهبه من صحة اقتداء المفترض بالمتنفل، ثم ذكر أنه طاف قبل الزوال، قال: وما ورد عن عائشة وغيرها أنه أخر الزيارة إلى الليل فمحمول على أنه عاد للزيارة مع نسائه لا لطواف الإفاضة، قال: ولا بد من هذا التأويل للجمع بين الأحاديث. وتعقبه الولي بأن ظاهر حديث أبي داود، عنها: أفاض من آخر يومه حين صلى الظهر أنه طاف بعد صلاة الظهر، أي: حين فرغ منها لا حين شرع فيها، إذ لا يجمع بين الصلاة والطواف في زمن واحد. (ثم رجع عَّ إلى منى فمكث) بفتح الكاف وضمها (بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة) أي: جنسها، إذ المراد الثلاث جمرات كما صرح به بعد (إذا زالت الشمس) فورًا، زاد ابن ماجه: قدر ما إذا فرغ رميه صلى الظهر. قال الولي: فذكر مكثه الليالي ورميه الجمرة بالنهار، فكان ينبغي أن يقول ليالي أيام ٤٦٤ النّوع السادس في ذكر حجه وعمره عَ اليه. والثانية، فيطيل القيام فيهما ويتضرع، ويرمي الثالثة فلا يقف عندها. رواه أبو داود من حديث عائشة. وعن ابن عمر - عند الترمذي -: كان عَِّ إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهبًا وراجعًا. وفي رواية أبي داود: وكان يستقبل القبلة في الجمرتين الدنيا والوسطى، ويرمي جمرة العقبة من بطن الوادي الحديث. واستأذنه عَِّ العباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى، من أجل التشريق وأيامها، والجواب أنه إنما اقتصر على الليالي لأن بها يقع التاريخ، وأيضًا؛ فإنه أتم الليالي الثلاث بخلاف الأيام فلم يتمها، بل ارتحل في اثناء اليوم الثالث (كل جمرة بسبع حصيات یکبر مع كل حصاة). وفي الصحيح عن ابن عمر: يكبر على أثر كل حصاة (ويقف عند الأولى) التي تلي مسجد الخيف (والثانية: فيطيل القيام فيهما) إلاَّ أنه في الأولى أكثر، ولابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عطاء، قال: كان ابن عمر يقوم عند الجمرتين مقدار ما يقرأ سورة البقرة (ويتضرع) يبتهل إلى اللّه تعالى بالدعاء، وفي الصحيح عن ابن عمر: ويدعو (ويرمي الثالثة) جمرة العقبة (فلا يقف عندها) قيل: لضيق المكان بالجبل، وقيل وهو الأصح أن دعاءه كان في نفس العبادة قبل الفراغ منها، فلما رمى الثالثة فرغت العبادة، والدعاء فيها أفضل منه بعد فراغها (رواه أبو داود من حديث عائشة) قالت: أفاض عَّ. من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فذكره، وفيه ابن إسحق، لكن المنكر منه إنما هو أوله كما مر، وأما بقيته فله شواهد في الصحيحين من حديث ابن مسعود وابن عمر. (وعن ابن عمر عند الترمذي: كان عَّةٍ إذا رمى الجمار) الثلاث (مشى إليها ذاهبًا وراجعًا)، فأما الجمرة التي ترمى وحدها يوم النحر فرماها وهو راكب كما عند أحمد وغيره. (وفي رواية أبي داود) عن ابن عمر: (وكان يستقبل القبلة في الجمرتين الدنيا) قال الحافظ: بضم الدال وكسرها، أي: القريبة إلى جهة مسجد الخيف وهي أول الجمرات التي ترمى من ثاني يوم النحر (والوسطى ويرمى جمرة العقبة من بطن الوادي). وكذا رواه ابن مسعود في الصحيحين، ولابن أبي شيبة وغيره عن عطاء، أن النبي عَّه. كان يعلو إذا رمى الجمرة وجمع الحافظ بينهما بإمكان أن التي ترمي من بطن الوادي هي جمرة العقبة، لأنها عند الوادي بخلاف الجمرتين الأخيرتين، ويوضحه قوله في حديث ابن مسعود: حين رمى جمرة العقبة استبطن الوادي ... (الحديث) وهو في البخاري مطوّلاً. (واستأذنه عَّلِ العباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى) ليلة الحادي عشر ٤٦٥ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّ. السقاية فأذن له، رواه البخاري ومسلم من رواية ابن عمر، وفي رواية الإسماعيلي: رخص رسول الله عٍَّ للعباس أن ييبت بمكة ليالي منى من أجل سقايته. وفيه دليل على وجوب المبيت بمنى، وأنه من مناسك الحج، لأن التعبير بـ ((الرخصة)) يقتضي أن يقابلها: العزيمة، وأن الإذن وقع للعلة المذكورة، وإذا لم توجد أو ما في معناها لم يحصل الإذن وبالوجوب قال الجمهور: وفي قول للشافعي، وهو رواية عن أحمد، وهو مذهب الحنفية: أنه سنة. ووجوب الدم بتركه مبني على هذا الخلاف. ولا يحصل المبيت إلا بمعظم الليل، وهل يختص الإذن بالسقاية، وبالعباس؟ الصحيح العموم، والعلة في ذلك إعداد الماء للشاربين. والليلتين بعدها، ووقع عند أحمد أن يبيت تلك الليلة بمنى وكأنه عنى ليلة الحادي عشر، لأنها تعقب يوم الإفاضة، قاله الحافظ: (من أجل السقاية) أي: سقايته المعروفة بالمسجد الحرام (فأذن له) ففيه استئذان الأمراء والكبراء في المصالح الطارئة وبدار من استؤذن إلى الإذن عند ظهور المصلحة (رواه البخاري ومسلم) وغيرهما (من حديث ابن عمر) عبد اللَّه. (وفي رواية الإسمعيلي) عنه: (رخص رسول اللَّه عَّ للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته) فعبر برخص (وفيه دليل على وجوب المبيت بمنى وأنه من مناسك الحج، لأن التعبير بالرخصة يقتضي أن مقابلها عزيمة) فيدل على الوجوب (وأن الإذن وقع للعلة المذكورة) السقاية (وإذا لم توجد، أو ما في معناها) كالرعاء (لم يحصل الإذن) لأن الحکم یدور مع العلة (وبالوجوب). (قال الجمهور) ومنهم لملك والشافعي وأحمد في رواية (وفي قول للشافعي وهو رواية عن أحمد) وهي الصحيحة في مذهبه (وهو مذهب الحنفية أنه سنة) واستدلوا بأنه لو كان واجبًا لما رخص للعباس وفيه نظر كما علم (ووجوب الدم بتركه مبني على هذا الخلاف) فمن أوجبه أوجب الدم ومن لم يوجبه فلا (ولا يحصل المبيت إلاّ بمعظم الليل) وإنما اكتفى بساعة ليلة المزدلفة لكثرة المشقة التي قبلها والتي بعدها، فسومح في التخفيف للمشقة (وهل يختص الإذن بالسقاية وبالعباس) فلو عمل غيره سقاية لم يرخص له في المبيت لأجلها كما قيل به وهو جمود، وقيل: يدخل معه آلة، وقيل: فريقه وهم بنو هاشم (الصحيح العموم) فلا يختص بالعباس (والعلة في ذلك إعداد الماء للشاربين) قال الحافظ: وهل يختص ذلك بالماء أو يلحق به ما في معناه من الأكل وغيره محل احتمال. ٤٦٦ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه وجزم الشافعي، بإلحاق من له مال يخاف ضياعه، أو أمر يخاف فوته، أو مريض يتعهده، بأهل السقاية، كما جزم الجمهور: بإلحاق الرعاء خاصة، وهو قول أحمد. قالوا: ومن ترك المبيت لغير عذر وجب عليه دم عن كل ليلة. ثم أفاض عَِّ بعد ظهر يوم الثلاثاء - بعد أن أكمل رمي أيام التشريق، ولم يتعجل في يومين- إلى المحصب، وهو الأبطح، وحده: ما بين الجبلين إلى (وجزم الشافعي بإلحاق من له مال يخاف ضياعه أو أمر يخاف فوته أو مريض يتعهده بأهل السقاية) فلا دم عليهم في ترك المبيت لأنهم أصحاب أعذار فأشبهوا أهل السقاية (كما جزم الجمهور بإلحاق الرعاء) بكسر الراء والمد: جمع راع (خاصة) دون أولئك، لكنهم لم يجزموا بذلك بالإلحاق، إنما هو بالنص الذي رواه لملك وأصحاب السنن الأربع. وقال الترمذي: حسن صحيح عن عاصم بن عدي أن رسول اللَّه عَله أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى يرمون النحر ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين ثم يرمون يوم النفر. وفي لفظ لأبي داود أن النبي عَّهِ رخص للرعاء أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا (وهو قول أحمد) واختيار ابن المنذر. وقال المالكية: يجب الدم في المذكورات سوى الرعاء والسقاية، كما جزم به في الطراز المذهب لأنهما الوارد فيهما الرخصة، وأما الخائف ومن بعده فلا إثم عليهم للعذر، وأما الدم فعليهم كمن حلق رأسه وهو محرم للعذر فلا إثم عليه، وعليه الفدية والعذر إنما يرفع الإثم لا الدم إلاّ فيما ورد النص فيه. (قالوا) ضمير للمالكية، فأصل العبارة في فتح الباري. وقال المالكية: يجب الدم في المذكورات سوى الرعاء. قالوا: (ومن ترك المبيت لغير عذر) خاص وهو الرعاية والسقاية (وجب عليه دم عن کل ليلة). وقال الشافعي: عن كل ليلة إطعام مسكين، وقيل عنه التصدق بدرهم، وعن الثلاث دم وهو رواية عن أحمد، والمشهور عنه. وعن الحنفية: لا شيء عليه، هذا بقية كلام الفتح (ثم أفاض) دفع (عَِّ بعد ظهر يوم الثلاثاء بعد أن أكمل رمي أيام التشريق ولم يتعجل في يومين) لأنه الأفضل (إلى المحصب) بضم الميم وفتح الحاء والصاد الثقيلة مهملتين وموحدة (وهو الأبطح) ويقال له البطحاء أيضًا وهو مكان متسع بين مكة ومنى وهو إليها أقرب (وحده ما بين الجبلين إلى المقبرة وهو ٤٦٧ النّوع السّادِس في ذكر حجه وعمره عێ. المقبرة، وهو خيف بني كنانة، فوجد أبا رافع قد ضرب قبته هناك، وكان على ثَقَله، قال أبو رافع: لم يأمرني عَّل أن أنزل الأبطح حين خرج من منى، ولكني جئت فضربت فيه قبته فجاء فنزل: رواه مسلم. وفيه وفي البخاري، عن أنس أنه عليه السلام صلى الظهر والعصر يوم النفر بالأبطح. وفيهما من حديث أبي هريرة: أنه عَّ قال - من الغد يوم النحر، وهو بمنى -: نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر، يعني بذلك خيف بني كناية). قال عياض: وإلى منى يضاف، ودليله قول الشافعي وهو عالم مكة وأحوازها: يا راكبًا قف بالمحصب من منى واهتف بقاطن خيفها والناهض قال الأبي: وإنما يصح الاحتجاج به إذا جعل من منى في موضع الصفة للمحصب، أما إذا علق براكبًا فلا حجة فيه، وأبين منه قول مجنون بني عامر: وداع دعا إذا نحن بالخيف من منى فهيج لوعات الفؤاد وما يدري دعا باسم ليلى غيرها فكأنما أطار بليلى طائرًا كان في صدري قال: وظاهر قول لملك في المدونة إذا رحلوا من منى نزلوا بأبطح مكة وصلوا ... الخ، أنه ليس من منى (فوجد) مولاه (أبا رافع) اسمه أسلم في أشهر الأقوال العشرة (قد ضرب قبته) خيمته وكانت من شعر كما مر (وكان) أبو رافع (على ثقله) بفتح المثلثة والقاف، أي: متاعه (قال أبو رافع: لم يأمرني عَّةٍ أن أنزل الأبطح حين خرج من منى، ولكني جئت فضربت فيه قبته) توفيقًا من اللَّه (فجاء فنزل، رواه مسلم) وأبو داود وغيرهما. (وفيه) أي: مسلم. (وفي البخاري عن أنس؛ أنه عليه السلام صلى الظهر والعصر يوم النفر) بفتح النون وإسكان الفاء الانصراف من منى (بالأبطح). قال الحافظ: لا ينافي أنه لم يرم إلاّ بعد الزوال لأنه رمى فنفر ونزل المحصب فصلى الظهر به. (وفيهما) أي: الصحيحين (من حديث) الأوزاعي عن الزهري، عن أبي سلمة، عن (أبي هريرة أنه عَِّ قال من الغد يوم النحر) نصب على الظرفية (وهو بمنى) أي: قال في غداة يوم النحر حال كونه بمنى، ومقوله: (نحن نازلون غدًا خيف). ٤٦٨ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره. المحصب. وذلك أن قريشًا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي عَ﴾ .. وعن ابن عباس قال: ليس التحصيب بشىء، إنما هو منزل نزله رسول الله عَ ليه، أي: ليس التحصيب من أمر المناسك الذي يلزم فعله، لكن لمانزل به معَّه كان وفي رواية: بخيف (بني كنانة) والمراد بالغد هنا ثالث عشر ذي الحجة، لأنه يوم النزول بالمحصب فهو مجاز في إطلاقه كما يطلق أمس على الماضي مطلقًا، وإلاَّ فثاني العيد هو الغد حقيقة وليس مرادًا، قاله الكرماني (حيث تقاسموا:) تحالفوا (على الكفر) حال من فاعل تقاسموا، أي: في حال كفرهم (يعني بذلك المحصب) بوزن محمد (وذلك أن قريشًا وكنانة) فيه إشعار بأن كنانة من ليس قرشيًا، إذ العطف يقتضي المغايرة، فيترجع القول بأن قريشًا من ولد فهر بن لملك على القول بأنهم من ولد كنانة. نعم لم يعقب النضر غير لملك ولا لملك غير فهر، فقريش ولد النضر بن كنانة، وأما كنانة فأعقب من غير النضر، فلذا وقعت المغايرة، قاله الحافظ. (تحالفت) بحاء مهملة، والقياس تحالفوا، لكن أتى بصيغة المفرد المؤنث باعتبار الجماعة (على بني هاشم وبني المطلب) أخي هاشم؛ (أن لا يناكحوهم) فلا تتزوج قريش وكنانة امرأة من بني هاشم وأخيه، ولا يزوجوا امرأة من نسائهم لأولاد أحد من الأخوين (ولا يبايعوهم) لا يبيعوا لهم ولا يشتروا منهم، ولأحمد: ولا يخالطوهم، وللإسمعيلي: ولا يكون بينهم وبينه شيء وهي أعم (حتى يسلموا) بضم فسكون فكسر مخففًا (إليهم النبي معَّةٍ). قال الحافظ: يختلج في خاطري أن قوله، يعني المحصب، إلى هنا من قول الزهري أدرجه في الخبر، فقد رواه شعيب في هذا الباب، يعني باب نزول النبي ◌َّه مكة من كتاب الحج وإبراهيم ابن سعد كما للبخاري في السيرة، ويونس عنده في التوحيد، كلهم عن ابن شهاب مقتصرين على المرفوع منه إلى قوله: على الكفر، ومن ثم لم يذكر مسلم في روايته شيئًا من .. لك اهـ، وبه تعلم تسامح المصنف في العزو لهما. (و) في الصحيحين أيضًا (عن ابن عباس، قال: ليس التحصيب) النزول في المحصب (بشيء إنما هو منزل نزله رسول اللَّه عَّه، أي: ليس التحصيب من أمر المناسك الذي يلزم فعله) إنما هو منزل نزله للاستراحة بعد الزوال، فصلى به الظهرين والعشاءين. وفي الصحيحين أيضًا عن عائشة: نزول الأبطح ليس بسنة إنما نزله عَّه لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج، أي: أسهل لتوجهه إلى المدينة ليستوعب في ذلك البطيء والمتعذر، ويكون مبيتهم وقيامهم في السحر ورحيلهم بأجمعهم إلى المدينة. ٤٦٩ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّ. النزول به مستحبًا اتباعًا له، لتقريره على ذلك. وقد فعله الخلفاء بعده، كما في مسلم. وعن أنس أن النبي عَّهِ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف به، رواه البخاري. وهذا هو طواف الوداع، ومذهب الشافعي أنه واجب يلزم بتركه دم على الصحيح: وهو قول أكثر العلماء. وقال مالك وداود: هو سنة لا شيء بتركه. واختلف في المرأة إذا حاضت بعدما طافت طواف الإفاضة، هل عليها طواف الوداع أم لا؟ وكان ابن عباس يرخص لها أن تنفر إذا أفاضت وكان ابن (لكن لما نزل ◌َّه به كان النزول به مستحبًا اتباعًا له لتقريره) أبا رافع (على ذلك، وقد فعله الخلفاء بعده كما في مسلم) عن ابن عمر: كان النبي ◌َ ◌ّه وأبو بكر وعمر ينزلون الأبطح، وفيه أيضًا عن ابن عمر أنه كان يرى التحصيب سنة. قال نافع: وقد فعله رسول اللَّه عَ لَّه والخلفاء بعده. قال الحافظ: فالحاصل أن من نفى أنه سنة كعائشة وابن عباس أراد أنه ليس من المناسك، فلا يلزم بتركه شيء، ومن أثبته كابن عمر أراد دخوله في عموم التأسي بأفعاله عَّه لا الإلزام بذلك. (وعن أنس: أن النبي ◌َّهِ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب) متعلق بقوله: صلى، وقوله: ثم رقد، عطف عليه (ثم ركب إلى البيت فطاف به) للوداع، فيستحب أن يصلي به الأربع صلوات ثم يرقد بعض الليل وإن لم يكن ذلك من المناسك، إذ لا يخلو شيء من أفعاله عَّ عن حكمة (رواه البخاري). وعنده نحوه من حديث ابن عمر: (وهذا هو طواف الوداع) بفتح الواو ويسمى طواف الصدر بفتح الدال لأنه يصدر عن البيت، أي: يرجع إليه. (ومذهب الشافعي أنه واجب يلزم بتركه دم على الصحيح وهو قول أكثر العلماء، وقال لملك وداود: هو سنة لا شيء) يلزم (بتركه) لا دم ولا غيره. (واختلف في المرأة إذا حاضت بعد ما طافت طواف الإفاضة) الذي هو الركن (هل عليها طواف الوداع أم لا؟) وإذا وجب هل يجبر بدم أم لا؟، كما في الفتح. وفي البخاري ومسلم عن ابن عباس: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلاَّ أنه خفف ٤٧٠ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره علَ عمر يقول في أول أمره: إنها لا تنفر، ثم قال في آخر أمره: إن رسول الله ـ رخص لهن. رواه الشيخان. وعن عائشة: أن صفية بنت حيي حاضت بعد أن أفاضت، فذكر ذلك لرسول الله عَ ليه عن الحائض. وفي مسلم عن ابن عباس: كان الناس ينصرفون من كل وجه، فقال ◌َّهِ: ((لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت)). (وكان ابن عباس يرخص لها) لفظ الصحيحين عن طاوس عن ابن عباس، قال: رخص للحائض. وفي النسائي عنه: رخص رسول اللَّه عَِّ للحائض (أن تنفر) بكسر الفاء (إذا أفاضت:) طافت للإفاضة قبل أن تحيض. (وكان ابن عمر يقول في أول أمره: أنها لا تنفر) حتى تطهر وتطوف للوداع (ثم قال في آخر أمره) قبل موته بعام، وهذا نقل بالمعنى، فلفظ الصحيح قال، أي طاوس: وسمعت ابن عمر يقول: إنها لا تنفر، ثم سمعته يقول بعد: (إن رسول اللَّه عَّ رخص لهن، رواه الشيخان). قال الحافظ: هذا من مراسيل الصحابة، فإن ابن عمر لم يسمعه من النبي عَّ﴾. يوضح ذلك ما رواه النسائي والطحاوي عن طاوس؛ أنه سمع ابن عمر يسأل عن النساء إذا حضن قبل النفر وقد أفضن يوم النحر، فقال: إن عائشة كانت تذكر أن رسول اللَّه عَّ رخص لهن وذلك قبل موته بعام. (وفي رواية الطحاوي: قبل موت ابن عمر بعام). (ولابن أبي شيبة؛ أن ابن عمر كان يقيم على الحائض سبعة أيام حتى تطوف طواف الوداع). قال الشافعي: كأن ابن عمر سمع الأمر بالوداع ولم يسمع بالرخصة أولاً، ثم سمع الرخصة فعمل بها). (وعن عائشة: أن صفية بنت حيي) أم المؤمنين (حاضت) في أيام منى ليلة النفر من منى كما في رواية للشيخين عن عائشة، وذلك (بعد أن أفاضت) يوم النحر، كما في رواية البخاري. (فذكر) كذا في النسخ بالبناء للمفعول، وفي الصحيح: فذكرت بسكون الراء وضمِ التاء، أي قالت عائشة: فذكرت (ذلك لرسول اللَّه عَّه) ففي رواية للبخاري: فقلت: يا رسول اللَّه إنها حائض (فقال: ((أحابستنا هي)؟) بهمزة الاستفهام (فقالوا:) ولفظ الموطأ: فقيل (إنها قد ٤٧١ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عليّ. فقال: ((أحابستنا هي))؟ قالوا: إنها قد أفاضت، قال: فلا إذًا. ومعنى أحابستنا هي؟ أي أمانعتنا من التوجه من مكة في الوقت الذي أردنا التوجه فيه؟ ظنًا منه عَّله أنها ما طافت طواف الإفاضة، وإنما قال ذلك لإنه كان لا يتركها ويتوجه ولا يأمرها بالتوجه معه وهي باقية على إحرامها، فيحتاج إلى أن يقيم حتى تطهر وتطوف وتحل الحل الثاني. وفي رواية: فحاضت صفية، فأراد النبي عَّهِ منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت يا رسول الله إنها حائض. فقال: ((أحابستنا هي))؟ الحديث. وهذا مشكل، لأنه عَّ إن كان علم أنها طافت طواف الإفاضة فكيف يقول: أحابستنا هى؟ وإن كان ما علم، فكيف يريد وقاعها قبل التحلل الثاني؟ أفاضت) قائل ذلك نساؤه، كما في رواية للشيخين عن عائشة، أنها قالت للنبي عَّله: إن صفية حاضت، فقال: ((لعلها تحبسنا ألم تكن طافت معكن))؟، قلن: بلى، ومنهن صفية كما للشيخين أيضًا عن عائشة أنه عَّم قال لصفية: (إنك لحابستنا أما كنت طفت يوم النحر)؟، قالت: بلى (قال: فلا) حبس علينا (إذًا) بالتنوين، أي: إذا أفاضت لأنها فعلت ما وجب عليها، فهذا نص في أنه ليس على الحائض طواف وداع. وما في أبي داود والنسائي مرفوعًا، أنه عليها، أجاب عنه الطحاوي بأنه منسوخ بحديث عائشة هذا وهو في الصحيحين وغيرهما بطرق عديدة. وبحديث أم سليم في الصحيحين أيضًا (ومعنى: أحابستنا هي، أي: أمانعتنا) لأن الحبس لغة المنع (من التوجه من مكة في الوقت الذي أردنا التوجه فيه ظنًا منه عَِّ أنها ما طافت طواف الإفاضة، وإنما قال ذلك لأنه كان لا يتركها ويتوجه) للمدينة (ولا يأمرها بالتوجه معه وهي باقية على إحرامها) جملة حالية (فيحتاج إلى أن يقيم حتى تطهر) بضم الهاء وفتحها (وتطوف وتحل الحل الثاني) بالطواف، ففيه أن أمير الحاج يلزمه تأخير الرحيل لأجل الحائض، وقيده لملك بيومين فقط، وفيه إكرام صفية بالاحتباس لها كما احتبس بالناس على عقد عائشة. (وفي رواية) للبخاري عن عائشة: حججنا فأفضنا يوم النحر (فحاضت صفية، فأراد النبي عَّه منها ما يريد الرجل من أهله) أي: الجماع وفيه حسن أدب عائشة في العبارة (فقلت) بضم تاء المتكلم: وهو عائشة: (يا رسول اللَّه إنها حائض، فقال: ((أحابستنا هي)؟، ... الحديث، وهذا مشكل، لأنه عَّةٍ إن كان علم أنها طافت طواف الإفاضة فكيف يقول: ٤٧٢ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره علّ ويجاب عنه: بأنه عَّ له ما أراد ذلك منها إلا بعد أن استأذنه نساؤه في طواف الإفاضة فأذن لهن، فكان بانيًا على أنها قد حلت، فلما قيل له: إنها حائض جوز أن يكون وقع لها قبل ذلك حتى منعها من طواف الإفاضة، فاستفهم عن ذلك، فأعلمته عائشة أنها طافت معهن فزال عنه ما خشيه من ذلك. انتهى. وقالت عائشة: يا رسول الله، أتنطلقون بحج وعمرة وأنطلق بحج؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج. رواه الشيخان. وفي رواية لمسلم أنها وقفت المواقف كلها، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال لها - يعني رسول الله عَ له -: ((قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا))، فقالت: يا رسول الله، إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت أحابستنا هي) وقد قال: فلا إذًا (وإن كان ما علم فكيف يريد وقاعها قبل التحلل الثاني) إذ هو لا يجوز (ويجاب عنه بأنه عَّة. ما أراد ذلك) أي: الوقاع (منها إلاَّ بعد أن استأذنه نساؤه في طواف الإفاضة فأذن لهن). وفي نسخة لها: أي لنسائه ومنهن صفية (فكان بانيًا على أنها قد حلت) فلذا أراد وقاعها (فلما قيل له إنها حائض، جوز أن يكون وقع لها قبل ذلك حتى منعها من طواف الإفاضة، فاستفهم عن ذلك) من نسائه ومنهن صفية (فأعلمته عائشة أنها طافت معهن، فزال عنه ما خشيه من ذلك. انتهى) وهذا من الفتح. (وقالت عائشة: يا رسول اللَّه أتنطلقون بحج؟) منفردة عن عمرة (وعمرة) منفردة عن حج (وأنطلق) أنا (بحج) غير مفرد، وإلا فهي كانت قارنة على الأصح كما سبق (فأمر) أخاها (عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم) تطييبًا لقلبها (فاعتمرت) منه (بعد الحج) في ذي الحجة (رواه الشيخان) من حديث جابر. (وفي رواية لمسلم) عن جابر (أنها) أهلت بعمرة حتى إذا كانت بسرف حاضت، فقال لها النبي عَّهُ: ((أهلي بالحج)، ففعلت و(وقفت المواقف كلها حتى إذا طهرت) بفتح الهاء وضمها وسكون التاء (طافت بالكعبة و) سعت بين (الصفا والمروة) أو سماه طوافًا مجازًا (ثم قال لها، يعني: رسول اللَّه عَّ: قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا) فهذا صريح في أن عمرتها لم تبطل، وأنها لم تخرج منها بل صارت قارنة (فقالت يا رسول اللَّه إني أجد في نفسي) حرجًا من أجل (أني لم أطف بالبيت حتى حججت) فأتيت بطواف واحد (قال: ٤٧٣ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه. حتى حججت، قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم، وذلك ليلة الحصبة. زاد في رواية: وكان عَّه رجلاً سهلاً، إذا هويت شيئًا تابعها عليه. وقد كانت عائشة قارنة، لأنها كانت قد أهلت بالعمرة، فحاضت فأمرها فأدخلت عليها الحج، وصارت قارنة، وأخبرها أن طوافها بالبيت وبين الصفا والمروة قد وقع عن حجها وعمرتها، فوجدت في نفسها أن يرجع صواحباتها بحج وعمرة مستقلتين، فإنهن كن متمتعات ولم يحضن ولم يَقْرِنَّ، وترجع هي بعمرة في ضمن حجتها، فأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم تطييبًا لقلبها. ثم ارتحل عَّ راجعًا إلى المدينة، فخرج من كدى - بضم الكاف مقصورًا - وهي عند باب شبيكة، بقرب شعب الشاميين من ناحية قعيقعان. فاذهب بها يا عبد الرحمن فاعمرها من التنعيم، وذلك ليلة الحصبة) بفتح الحاء وسكون الصاد المهملتين وفتح الموحدة، أي: ليلة المبيت بالمحصب. (زاد في رواية) لمسلم عن جابر: (وكان عَِّ رجلاً سهلاً) قال تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ [القلم/٤] (إذا هويت) بفتح فكسر ففتح أحبت (شيئًا) ولا نقض فيه من جهة الدين كطلبها الاعتمار (تابعها) أي: وافقها (عليه) حسن عشرة (وقد كانت) أي: صارت (عائشة قارنة، لأنها. كانت قد، أهلت بعمرة فحاضت) بسرف (فأمرها فأدخلت عليها الحج وصارت قارنة، وأخبرها أن طوافها بالبيت و) سعيها (بين الصفا والمروة قد وقع عن حجها وعمرتها) بقوله: ((قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا)) (فوجدت في نفسها أن يرجع صواحباتها:) ضرائرها (بحج وعمرة مستقلتين) كما قالت في بعض طرق الحديث: أيرجع صواحبي بحجة وعمرة وأرجع أنا بحجة؟ (فإنهن كن متمتعات ولم يحضن ولم يقرن وترجع هي بعمرة في ضمن حجتها) ليس لها عمل ظاهر (فأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم تطييبًا لقلبها) لا عوضًا عن عمرتها (ثم ارتحل عَّ راجعًا إلى المدينة، فخرج من كدى - بضم الكاف مقصورًا - وهي عند باب شبيكة بقرب شعب الشاميين من ناحية قعيقعان) الجبل المعروف، زاد الفتح: وكان نشأ هذا الباب عليها في القرن السابع، وقد اختلف في ضبط كدي وكداء، فالأكثر على أن العليا التي دخل منها بالفتح والمد، والسفلى التي خرج منها بالضم والقصر، وقيل بالعكس. قال النووي: وهو غلط. ٤٧٤ النَّوع السّادِس في ذكر حجه وعمره عَّ واختلف في المعنى الذي لأجله خالف عَّ اله بين طريقيه، فقيل: ليتبرك به كل من في طريقته، وقيل: الحكمة في ذلك المناسبة لجهة العلو عند الدخول لما فيه من تعظيم المكان، وعكسه الإشارة إلى فراقه، وقيل: لأن إبراهيم لما دخل مكة دخل منها. وقيل غير ذلك. وفي صحيح مسلم وغيره، من حديث ابن عباس: أنه عَّهِ لقي ركبًا وحكى الحميد عن أبي العباس العذري أن بمكة موضعًا ثالثًا يقال له كدى بالضم والتصغير يخرج منه إلى جهة اليمن. قال المحب الطبري: حققه العذري عن أهل اليمن بمكة، قال: وقد بني عليها باب مكة الذي يدخل منه أهل اليمن. (واختلف في المعنى الذي لأجله خالف عَّ بين طريقيه) حيث دخل من العليا التي هي كداء بالفتح والمد، وخرج من السفلى التي هي كدي بالضم والقصر كما في الصحيحين رغیرهما. (فقيل: ليتبرك به كل من في طريقيه) بالتثنية (وقيل: الحكمة في ذلك المناسبة لجهة العلو عند الدخول لما فيه من تعظيم المكان) المدخول إليه (وعكسه) في الخروج (الإشارة إلى فراقه، وقيل: لأن إبراهيم لما دخل مكة دخل منها، وقيل: غير ذلك) فقيل: لأنه معَّهِ خرج منها مختفيًا في الهجرة، فأراد أن يدخلها ظاهرًا، وقيل: لأن من جاء منها كان مستقبلاً للبيت، ويحتمل لأنه دخل منها يوم الفتح فاستمر على ذلك، وسبب ذلك قول أبي سفين بن حرب: لا أسلم حتى أرى النخيل تطلع من كداء، قال العباس: فقلت له: ما هذا؟، قال: شيء طلع بقلبي أن اللَّه لا يطلع الخيل هناك أبدًا، قال: فذكرت أبا سفين بذلك لما دخل عٍَّ من كداء، فذكره. وللبيهقي عن ابن عمر قال عَّم لأبي بكر: ((كيف قال حسان))، فأنشد: عدمت بنيتي إن لم تروها تثير النقع مطلعها كداء فتبسم وقال: (ادخلوها من حيث قال حسان))، قاله في الفتح. (وفي صحيح مسلم وغيره) كأبي داود والنسائي (من حديث ابن عباس أنه عَّةٍ لقي ركبًا بالروحاء) بفتح الراء وسكون الواو وحاء مهملة ممدودة. قال عياض في المشارق: من عمل الفرع بينها وبين المدينة نحو أربعين ميلاً، وفي مسلم: ستة وثلاثون، وفي كتاب ابن أبي شيبة: ثلاثون ميلاً، زاد في رواية أبي داود: فسلم عليهم قبل ٤٧٥ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه. بالروحاء، فقال: من القوم؟ فقالوا: المسلمون فقالوا من أنت قال: ((رسول الله))، فرفعت امرأة صبيًا لها من محفة فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: ((نعم ولك أجر)). ولما وصل عَِّ لذي الحليفة بات بها. قال بعضهم: إن نزوله لم يكن قصدًا، وإنما كان اتفاقيًا، حكاه القاضي إسماعيل في أحكامه عن محمد بن الحسن وتعقبه. والصحيح أنه كان قصدًا لئلا يدخل المدينة ليلاً. فلما رأى المدينة كبر ثلاثًا وقال: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون، لربنا قوله: (فقال: من القوم؟، فقالوا:) نحن (المسلمون، فقالوا: من أنت؟، قال: ((رسول اللّه))) هكذا في مسلم وغيره، فما في نسخ: نحن المسلمون يا رسول اللَّه خطأ نشأ عن سقط. قال عياض: يحتمل أن هذا اللقاء كان ليلاً فلم يعرفوه عَّله، ويحتمل كونه نهارًا لكونهم لم يروه قبل ذلك، فأسلموا في بلادهم ولم يهاجروا قبل ذلك (فرفعت امرأة صبيًا لها من محفة) بكسر الميم كما جزم به النووي وغيره. وحكى عياض في المشارق الكسر والفتح بلا ترجيح شبه الهودج إلاّ أنه لا قبة عليها. (فقالت: يا رسول اللَّه ألهذا حج؟، قال: ((نعم))) له حج، وزادها على السؤال: ((ولك أجر))) ترغيًا لها. قال عياض: وأجرها فيما تتكلفه من أمره في ذلك وتعليمه وتجنيبه ما يجتنب المحرم. وقال عمر: وكثيرون يثاب الصبي وتكتب حسناته دون السيئات. (ولما وصل عَِّ لذي الحليفة بات بها) حتى يصبح فيدخل المدينة كما في الصحيح. عن ابن عمر: كان عَّه إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة، وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي وبات حتى يصبح. (قال بعضهم: إن نزوله لم يكن قصدًا، وإنما كان اتفاقيًا، حكاه القاضي إسمعيل في أحكامه عن محمد بن الحسن) الشيباني (وتعقبه) بأنه ليس اتفاقيًا (والصحيح أنه كان قصدًا لئلا يدخل المدينة ليلاً) فيفجأ الناس أهاليهم على غير أهبة، فقد يرى منها ما يقبح عند اطلاعه فيكون سببًا إلى بغضها وفراقها، وقد جاء أنه عَِّ نهى أن يطرقوا النساء ليلاً، فطرق رجلان أهلهما فكلاهما وجد ما يكره. (ولما رأى المدينة كبر ثلاثً وقال: ((لا إله إلاّ اللَّه وحده) حال، أي: منفرد (لا شريك له) تأكيد لوحده، إذ المتصف بها لا شريك له (له الملك:) السلطان والقدرة وأصناف ٤٧٦ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)). ثم دخل المدينة نهارًا من طريق المعرَّس - بفتح الراء المشددة وبالمهملتين - وهو مكان معروف، وكل من المعرس والشجرة التي بات بها عَّه في ذهابه إلى مكة على ستة أميال من المدينة. انتهى ملخصًا من فتح الباري وغيره، والله أعلم. وأما عمره عَّةِ، والعمرة في اللغة: الزيارة. ومذهب الشافعي وأحمد وغيرهما: أنها واجبة كالحج، والمشهور عن المخلوقات (وله الحمد) زاد في رواية للطبراني: يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير (وهو على كل شيء قدير آيبون) بالرفع خبر محذوف، أي: نحن راجعون إلى اللَّه، وليس المراد الإخبار بمحض الرجوع فإنه تحصيل الحاصل، بل الرجوع في حالة مخصوصة وهي تلبسهم بالعبادة المخصوصة والاتصاف بالأوصاف المذكورة (تائبون) من التوبة وهي الرجوع عما يذم شرعًا، إلى ما يحمد شرعًا قاله تواضعًا أو تعليمًا لأمته، نحن (عابدون) نحن (ساجدون لربنا حامدون) كلها رفع بتقدير المبتدأ. وقوله: لربنا متعلق بساجدون أو بجميع الصفات على طريق التنازع (صدق اللَّه وعده) فيما وعد من إظهار دينه وغير ذلك، وهذا في سفر العزو ومناسبته للحج والعمرة قوله: ﴿لتدخلن المسجد الحرام﴾ [الفتح/٢٧] (ونصر عبده) محمدًا عَّ﴾. (وهزم الأحزاب وحده) من غير سبب من الآدميين، وهذا معنى الحقيقة، فإن العبد وفعله خلق لربه والكل منه وإليه، ولو شاء أن يبيد الكفار بلا قتال لفعل (ثم دخل المدينة نهارًا من طريق المعرس - بفتح الراء المشددة وبالمهملتين -) العين والسين (وهو مكان معروف) على طريق من أراد الوصول إلى مكة من المدينة وهو أسفل من ذي الحليفة، فهو أقرب إلى المدينة منها (وكل من المعرس والشجرة التي بات بها رسول اللَّه عَّ في ذهابه إلى مكة على ستة أميال من المدينة) لكن المعرس أقرب كما في الفتح. (انتهى ملخصًا من فتح الباري). (وغيره) جميع ما ذكره في مبحث الحج والذي من غيره قليل بالنسبة لما جاء به منه (واللَّه أعلم) بالحق فيما اختلف فيه من أمور الحج. (وأما عمره) بضم ففتح: جمع عمرة (عَّله) فأربع، فترك جواب أما اكتفاء بما بعده (والعمرة) بضم العين مع ضم الميم وإسكانها وبفتح العين وإسكان الميم (في اللغة الزيارة) وقيل: إنها مشتقة من عمارة المسجد الحرام، وقيل: هي لغة القصد إلى مكان عامر. (ومذهب الشافعي وأحمد وغيرهما) من أهل الأثر (أنها واجبة كالحج) مرة في العمر، ٤٧٧ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره علّ. المالكية أنها تطوع وهو قول الحنفية. وقد اعتمر عَّهِ أربع عمر، ففي الصحيحين وسنن الترمذي وأبي داود عن قتادة قال: سألت أنسًا: كم حج رسول الله عَّله؟ قال: حج حجة واحدة، واعتمر أربع عمر، عمرة في ذي القعدة، وعمرة الحديبية، وعمرة مع حجته، وعمرة لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة للَّه﴾ [البقرة/١٩٦]. قال ابن عباس: إنها لقرينتها في كتاب الله، أي: الفريضة، وكان الأصل قرينته، أي: الحج، وأجيب بأن دلالة الاقتران ضعيفة، وبأن المراد الإتمام بعد الشروع ولا نزاع فيه، وبأن الشعبي قرأ: والعمرة بالرفع، ففصل عطف العمرة على الحج فارتفع الإشكال. وأما حديث زيد بن ثابت مرفوعًا: ((الحج والعمرة فريضتان))، رواه الدارقطني والحاكم. وقال الصحيح عن زيد بن ثابت من قوله: فضعيف فيه إسمعيل بن مسلم ضعفوه. (والمشهور عن المالكية أنها تطوع) أي: سنة مؤكدة (وهو قول الحنفية) لحديث الحجاج بن أرطأة عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: سئل رسول اللَّه عَبِّ عن العمرة أواجبة هي؟، قال: لا وأن تعتمر فهو أفضل، أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح. وانتقد بأن الحجاج ضعيف، وأجاب الكمال بن الهمام بأنه لا ينزل عن درجة الحسن وهو حجة اتفاقًا، وإن قال الدارقطني: لا يحتج بالحجاج، فقد اتفقت الروايات عن الترمذي على تحسین حديثه هذا ولم ينفرد به، فقد رواه ابن جريج عن ابن المنكدر عن جابر وله طريق آخر عن جابر عند الطبراني في الصغير والدارقطني، وضعفه يحيى بن أيوب، وله شاهد عن أبي هريرة مرفوعًا: الحج جهاد والعمرة تطوّع، أخرجه ابن قانع. وقال ابن مسعود: الحج فريضة والعمرة تطوّع، أخرجه ابن أبي شيبة. انتهى ملخصًا. (وقد اعتمر عَّ أربع عمر) هذا دليل جواب أما، ولو عبر بالفاء كان الجواب. (ففي الصحيحين وسنن الترمذي وأبي داود عن قتادة، قال: سألت أنسًا كم حج رسول اللَّه عَ ◌ّه؟، قال: حجة واحدة) أي: بعد الهجرة، وأما قبلها فحج مرات كما أول الحج (واعتمر أربع عمر عمرة في ذي القعدة) التي تسمى عمرة القضاء (وعمرة الحديبية) التي صد عنها باتفاق، وكانت في ذي القعدة أيضًا كما في الصحيحين بطرق عن أنس، لفظ بعضها: أربع عمرة الحديبية في ذي القعدة حيث صده المشركون وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة حيث صالحهم وعجبت ممن وقف على هذا، وقال قوله عمرة في ذي القعدة هي التي صد عنها فإنه يكون عين قوله بعده وعمرة الحديبية، إذ هي التي صد عنها باتفاق (وعمرة مع حجته وعمرة الجعرانة) بكسر الجيم وسكون المهملة وخفة الراء وبكسر العين وشد الراء (إذ) أي: ٤٧٨ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره ◌َينة الجعرانة إذ قسم غنيمة حنين، هذا لفظ رواية الترمذي وقال: حسن صحيح. وفي رواية الصحيحين: اعتمر أربع عمر، كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته: عمرة الحديبية - أو زمن الحديبية - في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته. وعن محرش الكعبي: أنه عَُّلِّ خرج من الجعرانة ليلاً معتمرًا، فدخل مكة ليلاً فقضى عمرته ثم خرج من ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت، فلما زالت الشمس حين (قسم غنيمة) بالنصب معمول قسم من غير تنوين لإضافته إلى (حنين، هذا لفظ رواية الترمذي وقال: حسن صحيح). (وفي رواية الصحيحين) عن قتادة أن أنس بن ملك أخبره أن رسول اللَّه عَِّ (اعتمر أربع عمر، كلهن في ذي القعدة إلاّ التي مع حجته عمرة الحديبية أو زمن الحديبية) شك بعض الرواة في اللفظ الذي قاله وإن اتحد المعنى (في ذي القعدة) وهي التي صد عنها، ويأتي وجه تسميتها عمرة للمصنف (وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة) هي عمرة القضاء التي بدأ بها في رواية الترمذي (وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة و) الرابعة (عمرة مع حجته) في ذي الحجة، واستشكل قوله: إلا التي مع حجته، بأن الصواب حذفه لأنه عد التي مع حجته فكيف يستثنيها، وأجاب عياض بأن الرواية صواب، وكأنه قال في ذي القعدة منها ثلاث، والرابعة عمرة في حجته، أو المعنى كلها في ذي القعدة إلا التي في حجته كانت في ذي الحجة. (وعن محرش) بضم الميم وفتح المهملة، وقيل: إنها معجمة وكسر الراء بعدها معجمة، قال في الإصابة بكسر الراء الثقيلة، ضبطه ابن ماكولا تبعًا لهشام بن يوسف ويحيى بن معين، ويقال: بسكون الحاء المهملة وفتح الراء، وصوّبه ابن السكن تبعًا لابن المديني وهو ابن سويد ابن عبد اللَّه بن مرة الخزاعي الكعبي عداده في أهل مكة. وقال عمرو بن علي الفلاس: أنه لقي شيخًا بمكة اسمه سالم، فاكترى منه بعيرًا إلى منى، فسمعته يحدث بحديث محرش، فقال: هو جدي وهو محرش بن عبد اللَّه الكعبي، فقلت له ممن سمعته، فقال: حدثني به أبي وأهلنا. انتهى. وقد تحرر بجمعه الخزاعي (الكعبي) أنه منسوب إلى كعب بن عمرو بطن من خزاعة (أنه عَِّ خرج من الجعرانة ليلاً معتمرًا) زاد في رواية النسائي: فنظرت إلى ظهره كأنه سبيكة فضة (فدخل مكة ليلاً فقضى عمرته) أي: فعلها وأتمها نحو: فإذا قضيت الصلاة (ثم خرج من ٤٧٩ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه. من الغد، خرج في بطن سرف، حتى جاء مع الطريق، طريق جمع ببطن سرف، فمن أجل ذلك خفيت عمرته على الناس. رواه الترمذي وقال: حديث غريب. وعن ابن عمر قال: اعتمر النبي عَ ◌ّه قبل أن يحج، رواه أبو داود. وعن عروة بن الزبير قال: كنت أنا وابن عمر مستندين إلى حجرة عائشة، وإنا لنسمع ضربها بالسواك تستن، قال: فقلت يا أبا عبد الرحمن، اعتمر النبي عَّه. في رجب؟ قال: نعم، فقلت لعائشة: أي أمتاه، ألا تسمعين ما يقول أبو ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت، فلما زالت الشمس من الغد) لليلة المذكورة (خرج في بطن سرف حتى جاء مع الطريق طريق جمع بدل من الطريق (ببطن سرف) بفتح فكسر ففاء (فمن أجل ذلك خفيت عمرته) هذه (على الناس) وكانت سنة فتح مكة (رواه الترمذي وقال: حديث غريب) في الإصابة. قال الترمذي: حسن غريب ولا يعرف لمحرش عن النبي عَّله غيره وهو عند أبي داود والنسائي وغيرهما بسند حسن. (وعن ابن عمر قال: اعتمر النبي عَّة) زاد في رواية أحمد: عمرة كلها (قبل أن يحج، رواه أبو داود) وهو في صحيح البخاري عن عكرمة بن خالد أنه سأل ابن عمر عن العمرة قبل الحج، فقال: لا بأس. قال عكرمة: قال ابن عمر: اعتمر النبي عَّله قبل أن يحج، ولا خلاف في جواز ذلك، قاله أبو عمر. (وعن عروة بن الزبير، قال: كنت أنا وابن عمر) زاد في رواية: في المسجد (مستندين إلى حجرة عائشة وإنا لنسمع ضربها بالسواك تستن:) تتسوّك (قال) عروة: (فقلت: يا أبا عبد الرحمن) كنية ابن عمر (اعتمر النبي ◌َّل في رجب؟، قال: نعم) اعتمر فيه. وفي رواية للشيخين أيضًا عن مجاهد، قال: دخلت أنا وعروة المسجد، فإذا ابن عمر جالس إلى حجرة عائشة والناس يصلون الضحى في المسجد، فسألناه عن صلاتهم، فقال: بدعة، فقال له عروة: يا أبا عبد الرحمن كم اعتمر عَّله؟، فقال: أربع عمر، إحداهن في رجب، فكرهنا أن نكذبه ونرد عليه، وسمعنا استنان عائشة في الحجرة، قال عمرة (فقلت لعائشة: أي) نداء للقريب (أمتاه) بضم الهمزة وشد الميم ففوقية فألف فهاء مضمومة وهذا لفظ مسلم. وفي البخاري: يا أماه، قال الحافظ: كذا للأكثر بسكون الهاء، ولأبي ذر: يا أمه بسكون الهاء أيضًا بغير ألف، وهذا بالمعنى الأخص لأنها خالته، وبالمعنى الأعم لأنها أم المؤمنين (ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟، قالت) عائشة: (وما يقول؟، قلت: يقول اعتمر النبي عَّه. ٤٨٠ النَّوع السّادِس في ذكر حجه وعمره عَّايه عبد الرحمن؟ قالت: وما يقول؟ قلت: يقول اعتمر النبي عَّه في رجب، فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لعمري ما اعتمر في رجب، وما اعتمر من عمرة إلا وأنا معه. قال عروة: وابن عمر يسمع، فما قال: لا ولا نعم، سكت. وفي رواية أبي داود عن عروة عن عائشة قالت: إن رسول الله عَّه اعتمر عمرتين في ذي القعدة، وعمرة في شوال. وفي رواية له عن مجاهد قال: سئل ابن عمر: كم اعتمر النبي عَّ له قال: في رجب) وهذا يدل على أن عندهم علمًا، فسؤالهم امتحان ففيه جواز الامتحان، لكنه مذهب صحابي، وفي الاحتجاج به خلاف، وكان لملك إذا عرف أنه سؤال امتحان لا يجيب، ولا يحتج له بحديث أخبروني بشجرة لا يسقط ورقها، لأن ذلك من الشارع تعليم لما اشتمل عليه من الأحكام، وترجم عليه أبو نعيم باب إلقاء العالم المسألة على طلبته ليختبر أذهانهم، قاله أبو عبد الله الأبي، لكن في قوله مذهب صحابي نظر، إذ هو كما رأيت إنما فعله عروة ومجاهد وهما تابعيان اتفاقًا فلا حجة فيه بلا خلاف (فقالت: يغفر اللَّه لأبي عبد الرحمن) ذكرته بكنيته تعظيمًا له، ودعت له إشارة إلى أنه نسي (لعمري ما اعتمر) عَّ (في رجب) بالتنوين. (وما اعتمر من عمرة إلاّ وأنه) أي: ابن عمر (لمعه) حاضر. وفي رواية للبخاري: ما اعتمر إلا وهو شاهده، وما اعتمر في رجب قط، وقالت ذلك مبالغة في نسبته إلى النسيان، وإنما أنكرت عليه قوله: إحداهن في رجب (وابن عمر يسمع) كلامها (فما قال: لا، ولا نعم سكت) وسكوته يدل على أنه اشتبه عليه أو نسي أو شك، وبهذا أجيب عما استشكل من تقديم قول عائشة النافي على قول ابن عمر المثبت، وهو خلاف القاعدة المقررة، وهذا الحديث في الصحيحين واللفظ لمسلم. (وفي رواية أبي داود عن عروة، عن عائشة) أنها (قالت: إن رسول اللَّه عَ لِّ اعتمر عمرتين في ذي القعدة) هما عمرة القضية والتي قبلها (وعمرة في شوّال) يعني: عمرة الجعرانة، فهذا مخالف لقول أنس: كلهن في ذي القعدة، وجمع الحافظ بأن ذلك وقع في آخر شوّال وأول ذي القعدة، قال: ويؤيده ما رواه ابن ماجه بإسناد صحيح عن مجاهد عن عائشة: لم يعتمر النبي عََّّةٍ إلاّ في ذي القعدة. (وفي رواية له) أي: لأبي داود وكذا لأحمد (عن مجاهد قال: سئل ابن عمر: كم اعتمر النبي عَّهِ؟، قال: عمرتين، فبلغ ذلك عائشة، فقالت: لقد علم أن رسول اللَّه عَّ. اعتمر ثلاثًا سوى التي قرنها بحجة الوداع) ففي هذا أن اختلافهما في عدد العمرة وفي السابق