النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عد ◌ّ.
وفي رواية أبي داود والنسائي: أرسل النبي عٍَّ بأم سلمة ليلة النحر فرمت
الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت. فكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون رسول
الله عَّةٍ، تعني عندها.
وعند مسلم: بعث أم حبيبة من جمع بليل.
وفي رواية البخاري ومسلم والنسائي عن ابن عباس قال: أرسلني رسول الله
عَ بِّ مع ضعفة أهله فصلينا الصبح بمنى ورمينا الجمرة.
شركتها في الوصف لما روي أنها قالت: سابقته عَلِ فسبقته، فلما ربيت اللحم سبقني (رواه)
أي: المذكور من الروايتين (البخاري) ومسلم وغيرهما.
(وفي رواية أبي داود والنسائي) مخالف لقول الولي العراقي: انفرد به أبو داود من بين
الأئمة الستة، وأخرجه الحاكم وقال: على شرطهما ولم يخرجاه عن عائشة أنها قالت: (أرسل
النبي عَّهِ بأم سلمة) بحذف المفعول، أي: ناسًا بأم سلمة، أي: أنها ذهبت مع غيرها، أو الباء
زائدة، أي: أرسل أم سلمة، قاله الولي العراقي (ليلة النحر فرمت الجمرة) أي: جمرة العقبة
(قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت:) طافت طواف الإفاضة (فكان ذلك اليوم) اسم كان، وخبرها
(اليوم الذي يكون رسول اللَّه عَ له، تعني: عندها) كأن عائشة حذفت ذكر الخبر اعتمادًا على
العلم به، فاستعان بعض الرواة في إثباته بتعني، ويحتمل أنها ذكرته فسقط من أصله أو خفي عليه
لبعده، أو نحو ذلك، قاله الولي.
وفي رواية للبيهقي: كان يومها فأحب أن توافقه أو توافيه، واحتج به الشافعي ومن وافقه
على دخول وقت الرمي بنصف الليل، لأن في رواية أمرها أن توافي صلاة الصبح بمكة، ولا يمكن
ذلك إلاَّ إذا وقع الرمي في أوائل النصف الثاني.
وقال غيره: لا يدخل إلاَّ بطلوع الفجر، وإنما هذا رخصة لأم سلمة خاصة، فلا يجوز
لغيرها أن يرمي قبل الفجر، قاله الخطابي، ويؤيده كون ذلك اليوم يوم نويتها منه معَّه، وله: أن
يخص من شاء بما شاء.
(وعند مسلم: بعث أم حبيبة) رملة أم المؤمنين، ولفظ مسلم عن شوّال: أنه دخل على
أم حبيبة، فأخبرته أن النبي عَّه بعث بها (من جمع) مزدلفة (بليل) ولمسلم أيضًا عنها: كنا
نغلس من جمع إلى منى.
(وفي رواية البخاري ومسلم) بمعناه (والنسائي) واللفظ له (عن ابن عباس، قال:
أرسلني رسول اللَّه عَّه) زاد في رواية لمسلم: بسحر (مع ضعفة) جمع ضعيف (أهله) أي:

٤٢٢
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَجِ.
وفي الموطأ والصحيحين والنسائي عن أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند
المزدلفة، فقامت تصلي ساعة ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: لا، ثم
صلت ساعة ثم قالت: هل غاب القمر؟ فقلت: نعم، قالت: فارتحلوا، إن
رسول الله عَ لّه قد أذن للظُعن والظُعن - بالضم -: النساء في الهوادج.
وقد اختلف السلف في ترك المبيت بالمزدلفة؛ فقال علقمة والنخعي
والشعبي: من تركه فاته الحج، وقال عطاء والزهري وقتادة والشافعي والكوفيون
النساء والصبيان (فصلينا الصبح بمنى ورمينا الجمرة).
وعند الطحاوي عن ابن عباس، قال عَّ للعباس ليلة المزدلفة: ((اذهب بضعفائنا ونسائنا
فليصلوا الصبح بمنى ويرموا جمرة العقبة قبل أن يصيبهم دفعة الناس)).
(وفي الموطأ) بمعناه (والصحيحين والنسائي) عن عبد اللَّه مولى أسماء (عن أسماء) بنت
أبي بكر الصديق (أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة) في حجة حجتها بعد النبي سعَ ◌ّله (فقامت
تصلي) فصلت (ساعة) من الليل (ثم قالت: يا بني) تصغير تحبيب لمولاها عبد الله بن كيسان
راوي الحديث (هل غاب القمر؟) قال الأبي: الظاهر أن سؤالها عن مغيبه لطلب الستر، لأنه وإن
لم يدفع الناس فقد يحضر الموسم من ليس بحاج، ويحتمل أنه لتعلم ما بقي من الليل لتدفع في
آخره (قلت: لا، فصلت ساعة، ثم قالت: هل غاب القمر؟، قلت: نعم) غاب (قالت:
فارتحلوا) بكسر الحاء أمر من الارتحال.
وفي رواية مسلم: قالت: ارحل بي، وأسقط من الحديث: فارتحلنا ومضينا حتى رمت
الجمرة، ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها، فقلت لها: يا هنتاه ما أرانا إلاّ قد غسلنا، قالت:
يا بني (إن رسول اللَّه عَّ قد أذن للطعن) كذا رواه البخاري بالظن في قوله: أرانا بضم الهمزة، أي: أظننا،
ورواه مسلم: لقد غسلنا بالجزم.
وفي رواية لملك: لقد جئنا منى بغلس، فقالت: قد كنا نصنع مع ذلك من هو خير منك
(والطعن بالضم) للظاء المعجمة والعين المهملة وقد تسكن: جمع ظعينة (النساء في الهوادج)
ثم أطلق على المرأة مطلقًا قاله الحافظ.
وفي شرح المصنف لمسلم: أصل الظعينة الهودج تكون فيه المرأة على البعير، سميت
المرأة به مجازًا واشتهر هذا المجاز حتى غلب وخفيت الحقيقة وظعينة الرجل امرأته، وفيه دلالة
على أنه لا يجب البيات بالمزدلفة، إذ لو وجب لم يسقط بالعذر كوقوف عرفة.
(وقد اختلف السلف في ترك المبيت بها، فقال علقمة والنخعي) إبراهيم (والشعبي)
عامر، والثلاثة من التابعين: (من تركه فاته الحج) قالوا: ويجعل إحرامه عمرة كما في الفتح.

٤٢٣
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّيه
وإسحق: عليه دم، ومن بات بها لم يجز له الدفع قبل النصف.
وقال مالك: إن مر بها فلم ينزل فعليه دم، وإن نزل فلا دم عليه متى دفع.
انتھی.
ولما طلع الفجر صلى النبي ◌َّهِ الفجر حين تبين الصبح بأذان وإقامة.
وفي سنن البيهقي والنسائي بإسناد صحيح على شرط مسلم أنه عَ ◌ّهِ قال
الفضل بن العباس غداة يوم النحر: التقط لي حصى، فالتقط له حصيات مثل
(وقال عطاء والزهري وقتادة) التابعيون (والشافعي والكوفيون وإسحق) بن راهويه:
(عليه دم ومن بات بها لم يجز له الدفع قبل) مضي (النصف) الأول من الليل.
(وقال لملك:) البيات بها مستحب، و(إن مر بها فلم ينزل فعليه دم، وإن نزل) ولو
بقدر حط الرحل (فلا دم عليه متى دفع انتهى)، وحجت حديث أسماء كما علم.
(ولما طلع الفجر) صبيحة المزدلفة (صلى النبي عَّ الفجر) أي: الصبح (حين تبين)
أي: ظهر (الصبح) كما في مسلم في حديث جابر، ولفظه: وصلى بها المغرب والعشاء بأذان
واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما، ثم اضطجع عَ ◌ّة، حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له
الصبح (بأذان وإقامة) وما في الصحيحين وأبي داود والنسائي عن ابن مسعود: ما رأيت
النبي عَّهِ صلى صلاة إلاّ لميقاتها إلاّ صلاتين صلاة المغرب والعشاء بجمع وصلى الفجر يومئذ
قبل ميقاتها.
فقال العلماء: معناه قبل وقتها المعتاد في كل يوم مبالغة في التبكير ليتسع الوقت لفعل
ما يستقبل من المناسك، لأنه كان يؤخرها في غير هذا اليوم حتى يأتيه بلالاً، وليس المراد أن
صلاها قبل طلوع الفجر، فإنه لا يجوز بإجماع، ويدل على ذلك رواية للبخاري عقب هذه عن
ابن مسعود نفسه، ثم صلى الفجر حين طلع الفجر.
وله والنسائي: حين بزغ الفجر، وكذا قوله: إلاَّ بجمع أراد الوقت المعتاد؛ فإنه لما أخر
المغرب فصلاها مع العشاء كان وقت العشاء وقتًا لها، فلم يصلها إلاَّ بوقتها إلاَّ أنه غير الوقت
المعتاد، وقوله: إلاّ بجمع.
قال الولي: وكذا بعرفات أيضًا في الظهرين كما عند النسائي عن ابن مسعود: ما رأيت
النبي عَّهِ صلى صلاة إلاّ لوقتها إلاّ بجمع وعرفات، فلم يحفظ راوي هذه الرواية ذكر عرفات
وحفظه غيره، والحافظ حجة على الناس. انتهى.
(وفي سنن البيهقي والنسائي بإسناد صحيح على شرط مسلم) ولذا أخرجه الحاكم
في المستدرك، كلهم عن عبد الله بن عباس (أنه عَِّ قال للفضل بن عباس) أكبر ولده، وبه

٤٢٤
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عدّله.
حصى الخذف . - وهو بالمعجمتين- ولم يكسرها كما يفعل من لا علم عنده.
وفي رواية للنسائي قال عَّ ◌ُلِّ لابن عباس، غداة النحر وهو عليه السلام على
راحلته: ((هات إلقط لي))، فلقط حصيات مثل حصى الخذف، فلما وضعهن في
يده قال: ((بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلوّ في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلوّ
في الدين)).
قال العلماء: وفي هذا الحديث دليل على استحباب أخذ الحصيات بالنهار،
وهو رأي البغوي؛ قال: ويكون ذلك بعد صلاة الصبح، ونص عليه الشافعي في
كان يكنى (غداة) ظرف لقال، أي: قال له أول (يوم النحر: التقط لي حصى، فالتقط له
حصيات مثل حصى الخذف وهو بالمعجمتين) الأولى وهي الخاء مفتوحة والثانية ساكنة
وآخره فاء، وروي بحاء مهملة وهو الرمي بالحصى بالأصابع، كانت العرب ترمي بها في الصغر
لعبًا تجعلها بين السبابة والإبهام من اليد اليسرى ثم تقذف بسبابة اليمنى.
وقيل: تجعلها بين السبابتين وفي أن قدرها فولة أو نواة أو دون الأنملة طولاً وعرضًا خلاف
(ولم يكسرها) من الجبل (كما يفعل من لا علم عنده) بالسنة (من لقطها).
(وفي رواية النسائي) عن عبد الله بن عباس: (قال عليه السلام لابن عباس) أي: الفضل:
(غداة النحر وهو عليه السلام على راحلته) ناقته القصواء (هات) بكسر التاء، أي: أعطني هذا
أصله، لكن المراد هنا (ألقط) بضم الهمزة والقاف من باب نصر وناولني ما تلقطه (فلقط
حصيات مثل حصى الخذف، فلما وضعت في يده) عَّةِ (قال: بأمثال هؤلاء) فارموا (وإياكم
والغلقّ بمعجمة مضمومة (في الدين) أي: بالتشديد فيه، ومجاوزة الحد والبعث عن غوامض
الأشياء والكشف عن عللها وغوامض متعبداتها (فإنما هلك من كان قبلكم) من الأمم (بالغلوّ في
الدين) والسعيد من اتعظ بغيره، وهذا عام في جميع أنواع الغلوّ في الاعتقادات والأعمال، والغلوّ
مجاوزة الحد بأن يزاد في مدح الشيء، أو ذمه على ما يستحقه، ونحو ذلك، والنصارى أكثر
غلوًّا في الاعتقاد والعمل من سائر الطوائف وإياهم نهى اللَّه بقوله: ﴿لا تغلوا في دينكم﴾ [النساء/
١٧١]، وسبب هذا النهي رمي الجمار وهو داخل فيه مثل الرمي بالحجارة الكبار بناء على أنه
بلغ من الصغار، ثم علله بما يقتضي أن مجانبة هديهم مطلقًا أبعد عن الوقوع فيما به هلكوا، وأن
المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه الهلاك، قاله بعض العلماء.
(قال العلماء: وفي هذا الحديث دليل على استحباب أخذ الحصيات بالنهار، وهو
رأي البغوي قال: ويكون ذلك بعد صلاة الصبح) عملاً بظاهر هذا الحديث.

٤٢٥
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه
(الأم)) و(الإملاء) لكن الجمهور كما قال الرافعي: على استحباب الأخذ بالليل
لفراغهم فيه، وهل يستحب أن يلتقط جميع ما يرمي به في الحج، وبه جزم في
(التنبيه)) وأقره عليه النووي في تصحيحه. لكن الأكثرون كما قال الرافعي، على
استحباب الأخذ ليوم النحر خاصة، ونص عليه الشافعي أيضًا، قال في شرح
((المهذب)). والاحتياط أن يزيد فربما سقط منه شيء انتهى.
ثم ركب النبي عَّه القصواء، حتى أتى المشعر الحرام، فرقى عليه فاستقبل
القبلة، فحمد الله وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا، فدفع قبل
أن تطلع الشمس.
(ونص عليه الشافعي في الأم والإملاء، لكن الجمهور كما قال الرافعي على
استحباب الأخذ بالليل لفراغهم فيه) أي: عدم شغلهم بشيء (وهل يستحب أن يلتقط جميع
ما يرمى به في الحج، وبه جزم في التنبيه وأقره النووي في تصحيحه) هو من تتمة السؤال،
فحاصله هل هو الراجح أو غيره.
وفي نسخة: به جزم بلا واو فهي جواب السؤال (لكن الأكثرون كما قال الرافعي على
استحباب الأخذ ليوم النحر خاصة، ونص عليه الشافعي أيضًا، قال في شرح المهذب:
والاحتياط أن يزيد) على ما يأخذه ليوم النحر (فربما سقط منه شيء. انتهى).
ثم عاد المصنف لحديث مسلم عن جابر فقال عقب قوله سابقًا: حتى تبين له
الصبح بأذان وإقامة. (ثم ركب النبي عَّهِ القصواء) لا يخالف بين هذا وبين قوله سابقاً،
وهو على راحلته هات، لأن ركوبه كان بعد الصبح، فلما ركب قال للفضل: هات ... الخ،
فلم يذكره جابر، كما أن ابن عباس لم يذكر وقت ركوبه فذكر كل واحد منهما ما لم
يذكر الآخر (حتى أتى المشعر الحرام) بفتح الميم والعين كما في القرءان، وحكى الجوهري
كسر الميم، وقيل: إنه لغة جميع العرب، وقال ابن قرقول: كسرها لغة لا رواية قبل لم يقرأ بها
شاذًا، وقيل: قرىء سمي المشعر لأنه معلم للعبادة، والحرام لأنه من الحرم أو لحرمته وهو جبل
من جبال المزدلفة (فرقي عليه فاستقبل القبلة، فحمد الله وكبره وهلله ووحده) فهو أحق من يعمل بقوله:
﴿فاذكروا اللَّه عند المشعر الحرام﴾ [البقرة/١٩٨] (فلم يزل واقفًا حتى أسفر) الفجر
(جدًا) حال، أي: مبالغًا، أو صفة مصدر محذوف، أي: إسفارًا بليغًا (فدفع قبل أن تطلع
الشمس).
(وفي رواية غير جابر) وهو عمر بن الخطاب: كما رواه ابن جرير الطبري عن عمرو بن

٤٢٦
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّله
وفي رواية غير جابر: وكان المشركون لا ينفرون حتى يطلع الشمس، وإن
رسول الله عَّله كره ذلك، فنفر قبل طلوع الشمس.
وفي حديث علي عند الطبري: لما أصبح عَ لّه بالمزدلفة غدا فوقف على
قزح وأردف الفضل ثم قال: ((هذا الموقف وكل المزدلفة موقف))، حتى إذا أسفر
دفع.
وفي رواية جابر: وأردف عَِّ الفضل بن العباس، قال: وكان رجلاً حسن
الشعر أبيض وسيمًا، فلما دفع عَِّ مرت ظعن يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن،
ميمون، قال: شهدت عمر صلى بجمع الصبح، ثم قال: (وكان المشركون لا ينفرون حتى تطلع
الشمس، وأن رسول اللَّه عَ لِّ كره ذلك فنفر قبل طلوع الشمس).
ولابن جرير أيضًا: فدفع بعد صلاة القوم المغلسين بصلاة الغداة، والحديث في البخاري
عن عمرو بن ميمون: شهدت عمر صلى بجمع الصبح، ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا
يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير وأن النبي عَّ خالفهم، ثم أفاض قبل أن تطلع
الشمس، وعدل عنه المصنف للفظ الذي ذكره لصراحته، فإن قوله: ثم أفاض يحتمل عمر
ويحتمل النبي عطفًا على خالفهم، وهو المعتمد بدليل روايتي ابن جرير: وأشرق بفتح فسكون
أمر من الإشراق وثبير منادى اسم جبل.
(وفي حديث علي عند الطبري: لما أصبح عَّةٍ بالمزدلفة غدا فوقف على قزح)
بضم القاف وفتح الزاي وحاء مهملة جبل صغير بالمزدلفة لا ينصرف للعدل والعلمية كعمر،
صرح به في النهاية وهو المشعر الحرام (وأردف الفضل) بن عباس (ثم قال: هذا الموقف)
الأفضل الذي وقفت فيه (وكل المزدلفة موقف حتى إذا أسفر دفع) من قزح إلى منى، فهذا
أيضًا صريح في أنه دفع قبل طلوع الشمس، وبهذه الأخبار أخذ الجمهور باستحباب الوقوف إلى
الإسفار واستحبه لملك قبله، واحتج له بعض أصحابه بأنه عَ ◌ّةٍ لم يعجل الصلاة إلا ليدفع قبل
الشمس، فكل من بعد دفعه من طلوعها كان أولى.
(وفي رواية جابر) في حديثه الطويل في الحجة النبوية عند مسلم وغيره، تلو قوله آنفًا
قبل أن تطلع الشمس (وأردف عَّهِ الفضل بن العباس، وكان رجلاً) هكذا ثبت لفظ رجلاً في
مسلم وأبي داود (حسن الشعر أبيض وسيمًا) بفتح الواو وكسر المهملة حسنًا وضيئًا، فوصفه
بوصف من يفتن به (فلما دفع عَّ) من المزدلفة (مرت ظعن) بضمتين نساء (يجرين) قال
المصنف: بفتح الياء وضمها وسكون الجيم (فطفق:) شرع (الفضل ينظر إليهن، فوضع

٤٢٧
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَ ◌ّ
فوضع رسول الله عَّل يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر
ينظر، فحول رسول الله عَّه يده من الشق الآخر على وجه الفضل، فصرف وجهه
من الشق الآخر ينظر.
وفي رواية: كان الفضل رديف رسول الله عَ له فجاءته امرأة من خثعم
تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله عَ لّه يصرف وجه
الفضل إلى الشق الآخر، قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج
أدركت أبي شيخًا كبيرًا، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم.
وذلك في حجة الوداع، رواه الشيخان وغيرهما.
رسول اللَّه عَّ يده على وجه الفضل) ليمنعه من النظر إليهن وخوفًا عليه وعليهن من الفتنة
(فحوّل الفضل وجهه إلى الشق) بكسر المعجمة (الآخر ينظر) إليهن (فحوّل رسول اللَّه عَلَّه.
يده من الشق الآخر على وجه الفضل، فصرف وجهه من الشق الآخر ينظر) من غلبة الطبع.
(وفي رواية: كان الفضل رديف رسول اللَّه عَّ) زاد في رواية للبخاري: على عجز
راحلته (فجاءته امرأة) قال الحافظ: لم تسم (من خثعم) بفتح المعجمة وسكون المثلثة وفتح
المهملة غير مصروف للعلمية والتأنيث باعتبار القبيلة (تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر)
المرأة (إليه).
قال القرطبي: هذا النظر بمقتضى الطباع فإنها مجبولة على النظر إلى الصورة الحسنة.
(فجعل عَّهِ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر) الذي ليس فيه المرأة منعًا له عن
مقتضى الطبع وردًّا إلى مقتضى الشرع.
قال الأبي: الأظهر أن صرفه ليس للوقوع في المحرم كما يعطيه كلام عياض والنووي
وإنما هو لخوف الوقوع كما يعطيه كلام القرطبي وبين استفتاءها، بقوله: (إن فريضة اللَّه على
عباده في الحج أدركت أبي) لم يسم أيضًا (شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة)
صفة بعد صفة أو من الأحوال المتداخلة أو شيخًا بدل لأنه موصوف، أي: وجب عليه الحج وحصل له المال
في هذه الحال والأول أوجه، قاله الطيبي: (أفأحج) أي: أيصح أن
أنوب فأحج (عنه؟، قال: نعم) حجي عنه (وذلك في حجة الوداع).
وفي رواية للبخاري: يوم النحر.
وفي الترمذي وأحمد ما يدل على أن السؤال وقع عند المنحر بعد الفراغ من الرمي (رواه
الشيخان وغيرهما) كأبي داود والنسائي من طرق كلها عن الزهري عن سليمن بن يسار عن

٤٢٨
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عليّ
وقد روي أيضًا من حديث عبد الله بن عباس، لكن رجح البخاري رواية
الفضل لأنه كان رديف النبي عَ ◌ِّ حينئذ، وكان عبد الله بن عباس تقدم إلى منى
مع الضعفة، فكأن الفضل حدث أخاه بما شاهد في تلك الحالة، ويحتمل أن يكون
سؤال الخثعمية وقع بعد رمي جمرة العقبة، فحضره عبد الله بن عباس، فنقله تارة
عن أخيه لكونه صاحب القصة، وتارة عما شاهده، ويؤيده ما في الترمذي: أن
السؤال المذكور وقع عند المنحر، بعد الفراغ من الرمي، وأن العباس كان شاهدًا.
وفيه: أنه عليه السلام لوى عنق الفضل، فقال العباس: يا رسول الله، لويت
عنق ابن عمك، قال: ((رأيت شابًا وشابة فلم آمن عليهما من الشيطان)).
عبد الله بن يسار، ثم اختلف أصحاب الزهري، فقال شعيب عنه، عن سليمن، عن ابن عباس، عن
الفضل: أن امرأة ... فذكره، أخرجه الشيخان فجعله شعيب من مسند الفضل وتابعه معمر عن
الزهري.
(وقد روي) لعله رويا بالتثنية عائدة على الشيخين، وإلاّ فالتعبير بروى يوهم ضعفه وأنهما
لم يروياه لقوله: قبل رواه الشيخان مع أنهما روياه (أيضًا) في الصحيحين (من حديث) لملك وابن
عيينة وأكثر أصحاب ابن شهاب عنه عن سليمن عن (عبد الله بن عباس) قال: كان الفضل ...
فذكره فجعلوه من مسند عبد اللَّه.
(لكن رجح البخاري) فيما نقله عنه الترمذي (رواية الفضل) أي: أنه من مسنده (لأنه)
ظاهره أن التعليل من الترمذي وليس كذلك، فقد قال الحافظ: وكأنه رجح هذا لأنه (كان رديف
النبي ◌َّ له حينئذ، وكان) أخوه (عبد الله بن عباس تقدم إلى منى مع الضعفة، فكأن) بالتشديد
(الفضل حدث أخاه بما شاهده في تلك الحالة) ومن المعلوم أن هذا اختلاف لا يضر، ولذا
أخرجه الشيخان من الوجهين، إذ محصله أنه أسنده تارة وأرسله أخرى، ومرسل الصحابي له
حكم الوصل.
(و) لكن ليس هذا بمتعين، فإنه (يحتمل أن يكون سؤال الخثعمية وقع بعد رمي جمرة
العنبة، فحضره عبد الله بن عباس، فنقله تارة عن أخيه) الفضل (لكونه صاحب القصة، وتارة
عما شاهده) وهذا أوجه.
(ويؤيده ما في الترمذي) من حديث جابر (أن السؤال المذكور) من الخثعمية (وقع
عند المنحر بعد الفراغ من الرمي) لجمرة العقبة (وأن العباس) والدهما (كان شاهدًا) حاضرًا
(وفيه؛ أنه عليه السلام لوى عنق الفضل، فقال العباس: يا رسول اللَّه لويت عنق ابن عمك)
أي: لم، فهو استفهام حقيقي عن حكمة ذلك (قال: رأيت شابًا وشابة فلم آمن عليهما

٤٢٩
النَّوع الشَّادِس في ذكر حجه وعمره عد اله
وظاهر هذا أن العباس كان حاضرًا لذلك، فلا مانع أن يكون ابنه عبد الله
أيضًا كان معه.
وفي هذا الحديث دلالة على جواز النيابة في الحج عمن لا يستطيع من
الأحياء، خلافًا لمالك في ذلك، ولمن قال: لا يحج عن أحد مطلقًا كابن عمر،
ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أنه لا يجوز أن يستنيب من يقدر على الحج
بنفسه في الحج الواجب، وأما النفل فيجوز عند أبي حنيفة خلافًا للشافعي. وعن
أحمد روايتان. انتهى
وفي رواية ابن عباس: أن أسامة قال: كنت ردف النبي عٍَّ من عرفة إلى
الشيطان).
قال النووي: هذا يدل على أن وضع يده الشريفة على وجه الفضل كان لدفع الفتنة عنه
وعنها. انتهى.
وبه رد الولي قول النووي نفسه في حديث مسلم السابق وحرمة النظر إلى الأجنبية وتغيير
المنكر باليد لمن قدر عليه، فقال: إن أراد عند خوف الفتنة فهو محل وفاق، وإن أراد الأعم من
خوفها وأمنها، ففي حالة أمنها خلاف مشهور للعلماء ولا يصح الاستدلال بالحديث على التحريم
لاحتماله لكل منهما.
(وظاهر هذا أن العباس كان حاضرًا لذلك، فلا مانع أن يكون ابنه عبد اللَّه أيضًا كان
معه) فحدث عن مشاهدة لا أنه أرسل الحديث.
(وفي هذا الحديث دلالة على جواز النيابة في الحج عمن لا يستطيع من الأحياء،
خلافًا لملك في) كراهة (ذلك).
قال عياض: ولا حجة فيه على الوجوب، لأن قولها: إن فريضة اللَّه لا توجب دخول أبيها
في ذلك الفرض إنما ظاهر الحديث أنها أخبرت أن فرض الحج مع الاستطاعة نزل وأبوها غير
مستطيع، فسألت: هل لها أن تحج عنه ويكون له في ذلك أجر؟، ولا يخالفه قوله: نعم، وفي
رواية: فحجي عنه لأنه أمر ندب وإرشاد ورخصة لها أن تفعل لما رأى من حرصها على تحصيل
الخير لأبيها (و) خلافًا (لمن قال: لا يحج عن أحد مطلقًا كابن عمر) عبد اللّه.
(ونقل ابن المنذر وغيره: الإجماع على أنه لا يجوز) أي: يحرم (أن يستتيب من يقدر
على الحج بنفسه في الحج الواجب، وأما النفل فيجوز عند أبي حنيفة خلافًا للشافعي،
وعن أحمد روايتان) كالمذهبين.
(وفي رواية ابن عباس) عبد اللَّه (أن أسامة) ابن زيد (قال: كنت ردف) بكسر الراء

٤٣٠
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه
المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، فكلاهما قال: لم يزل النبي معدّلاتيه
يلبي حتى رمى جمرة العقبة. رواه الشيخان وغيرهما.
وفي رواية جابر: فلما أتى عَِّ بطن محسر حرك ناقته وأسرع السير قليلاً.
قال الأسنوي: سببه أن النصارى كانت تقف فيه، كما قاله الرافعي، أو
العرب، كما قاله في الوسيط، فأمرنا بمخالفتهم. قال: وظهر لي فيه معنى آخر، وهو
أنه مكان نزل فيه العذاب على أصحاب الفيل القاصدين هدم البيت، فاستحب فيه
وسكون الدال (النبي عَّ) على عجز ناقته (من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف) النبي عَ ◌ّه.
(الفضل) بن عباس (من المزدلفة إلى منى، فكلاهما) أي: أسامة والفضل (قال: لم يزل) أي:
استمر (النبي عَّةٍ يلبي حتى رمى جمرة العقبة) أي: أتم رميها، لما رواه ابن خزيمة عن الفضل:
أفضت مع النبي ◌َّه من عرفات، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة يكبر مع كل حصاة، ثم
قطع التلبية مع آخر حصاة.
قال ابن خزيمة: هذا حديث صحيح مفسر لما أبهم في الرواية الأخرى، وأن المراد بقوله:
حتى رمى جمرة العقبة، أي: أتم رميها.
وقال أبو حنيفة والشافعي: والأكثر يقطعها عند رمي أول حصاة.
وعن أحمد: روايتان.
وقال لملك: يقطعها إذا راح إلى مصلى عرفة.
قال ابن القسم: وذلك بعد الرواح، وراح يريد الصلاة، وإليه ذهب علي وعائشة وسعد بن
أبي وقاص، رواه عنهم ابن المنذر وسعيد بن منصور بأسانيد صحيحة وقاله الأوزاعي والليث.
قال الحافظ في ذكر أسامة: إشكال لما في مسلم عنه، وانطلقت أنا في سباق قريش على
رحلي، فإن مقتضاه أن أسامة سبق إلى رمي الجمرة فيكون إخباره بالتلبية مرسلاً، لكن لا مانع أنه
يرجع مع النبي عَّه إلى الجمرة أو يقيم بها حتى يأتي النبي عَّه، وأيد ذلك بحديث أم
الحصين الآتي (رواه الشيخان وغيرهما).
(وفي رواية جابر) في حديثه الطويل: (فلما) لفظه حتى (أتى بطن محسر) بضم الميم
وفتح الحاء وكسر السين المشددة المهملتين موضع بين مزدلفة ومنى (حرك ناقته وأسرع السير
قليلاً).
(قال الإسنوي: سببه) أي: الإسراع (أن النصارى كانت تقف فيه كما قاله الرافعي، أو
العرب كما قاله في الوسيط فأمرنا بمخالفتهم، قال: وظهر لي فيه معنى آخر) في حكمته
(وهو أنه مكان نزل فيه العذاب على أصحاب الفيل القاصدين هدم البيت) في قول الأصح

٤٣١
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّل.
الإسراع لما ثبت في الصحيح أمره المار على ديار ثمود ونحوهم بذلك. وقال
غيره: وهذه كانت عادته عَّةٍ في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه، وسمي
وادي محسر لأن الفيل حسر فيه، أي أعبى وانقطع عن الذهاب. انتهى
ثم سلك عَّهِ الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى
الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة. رمى من بطن
الوادي، وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، واستقبل الجمرة، وكان رميه عَ ليه
يوم النحر ضحى، كما قاله جابر في رواية مسلم والترمذي وأبي داود والنسائي.
خلافه وأنهم لم يدخلوا الحرم، وإنما أهلكوا قرب أوله وأن رجلاً اصطاد، ثم فنزلت نار فأحرقته،
ولذا تسميه أهل مكة وادي النار، قاله في التحفة: (فاستحب فيه الإسراع لما ثبت في
الصحيح أمره المار على ديار ثمود ونحوهم بذلك، قال غيره: وهذه كانت عادته عَّ في
المواضع التي نزل فيها بأس اللَّه) تعالى: عذابه ونقمته (بأعدائه) الكافرين (وسمي وادي
محسر لأنه الفيل حسر فيه، أي: أعيا) وكل وتعب (وانقطع عن الذهاب. انتهى).
(ثم سلك عَّةِ الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى:) جمرة العقبة،
وهذا معنى قول الأصحاب: يذهب إلى عرفات في طريق ضب ويرجع في طريق الملزمين
ليخالف الطريق تفاؤلاً بتغيير الحال، قاله المصنف: (حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة)
هذا يدل على أنه كان هناك شجرة كما في الفتح (فرماها بسبع حصيات:) بسين فموحدة (يكبر
مع كل حصاة) أسقط من مسلم منها حصي الخذف.
قال المصنف: كذا في معظم الروايات، ونقله عياض عن أكثر الأصول، لكنه قال: صوابه
مثل حصي الخذف، يإثبات لفظة مثل، وكذا رواه غير مسلم وهو الذي في أصل ابن عيسى.
وأجاب النووي بأن حصي الخذف متصل بحصيات، أي: رماها بسبع حصيات حصي
الخذف، واعترض بينهما بقوله: يكبر مع كل حصاة منها.
قال الأبي، يريد النووي. إن حصى الخذف بدل من حصيات، والإضافة في حصى
الخذف للبيان بمعنى من مثلها في خاتم حديد، وتعقبه الهروي بأن حصى الخذف وقع مشبهًا به،
أي: كحصى أو مثل حصى، وحذف أداة التشبيه سائغ ولم يقل أحد أنه خطأ، أو أنه يحصل منه
لبس، بل قال أهل البيان: إنه أبلغ (رمى من بطن الوادي وجعل البيت عن يساره ومنى عن
يمينه، واستقبل الجمرة) حين رماها (وكان رميه عَّةٍ يوم النحر ضحى، كما قاله جابر في
رواية مسلم والترمذي وأبي داود والنسائي).

٤٣٢
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره علـ
وفي رواية أم الحصين، عند أبي داود: رأيت أسامة وبلالاً أحدهما آخذ
بخطام ناقة رسول الله عَّ والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة
العقبة.
وفي رواية النسائي: ثم خطب فحمد الله وأثنى عليه، وذكر قولاً كثيرًا.
وعن أم جندب: رأيته عليه الصلاة والسلام يرمي الجمرة من بطن الوادي،
وهو راكب، يكبر مع كل حصاة، ورجل من خلفه يستره، فسألت عن الرجل
فقالوا: الفضل بن العباس. وازدحم الناس فقال النبي عَّ له: ((يا أيها الناس، لا يقتل
بعضكم بعضًا، وإذا رميتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخذف)).
(وفي رواية أم الحصين:) بمهملتين مصغر الأحمسية الصحابية لم تسم، وسمى بعض
الرواة أباها إسحق، قال أبو عمر: لم أر لغيره (عند أبي داود) ومسلم، فالعزو له أولى، فإنه رواه
من طريق يحيى بن الحصين عن أم الحصين جدته، قالت: حججت مع النبي عَّهِ حجة الوداع،
فـ(رأيت أسامة وبلالاً وأحدهما آخذ) بالمد اسم فاعل (بخطام) بكسر المعجمة: (ناقة
رسول اللَّه عَ ◌ّه والآخر رافع ثوبه يستره) عَّ (من الحر).
وفي رواية لمسلم: من الشمس (حتى رمى جمرة العقبة).
(وفي رواية النسائي) عنها: (ثم خطب فحمد الله وأثنى عليه وذكر قولاً كثيرًا) كأنها
لم تحفظه أو لم ترد التحديث به، وهو في مسلم أيضًا قبل هذه بلفظ: قالت: فقال
رسول اللَّه عَ له قولاً كثيرًا، ثم سمعته يقول: إن أمر عليكم عبد مجدع، حسبتها قالت: أسود
يقودكم بكتاب اللَّه تعالى فاسمعوا له وأطيعوا.
(وعن أم جندب) الأزدية: لم تسم وهي أم سليمن بن عمرو بن الأحوص.
روى أحمد وأبو داود وابن ماجه وغيرهم عنها أنها قالت: (رأيته عليه الصلاة والسلام
يرمي الجمرة من بطن الوادي وهو راكب) ناقته (يكبر مع كل حصاة ورجل:) مبتدأ للوصف
بقوله: (من خلفه يستره) خبر، أي: من الحر.
قال الولي: أو من حصاة تقع عليه، أو ممن يزاحمه وهو لا يعرفه لكثرة الناس.
(فسألت عن الرجل، فقالوا: الفضل بن العباس) ووقع في رواية لابن سعد: العباس بن
عبد المطلب، والصواب الأول كما في الإصابة.
ولابن سعد عن بعض الصحابة: أن الذي كان يظلله بلال، وجمع باحتمال أنهما كانا
يتناوبان.
(وازدحم الناس، فقال النبي عَّه: ((يا أيها الناس لا يقتل بعضكم بعضًا) بالازدحام، ولم

٤٣٣
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَ ◌ّه.
وفي هذا دليل على جواز استظلال المحرم بالمحمل ونحوه، وقد مر
أنه عَّه ضربت له قبة من شعر بنمرة.
وفي رواية جابر عند مسلم وأبي داود قال: رأيته عَّه يرمي على راحلته يوم
النحر، وهو يقول: خذوا عني مناسككم لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه.
وفي رواية قدامة عند الترمذي رأيته يرمي الجمار على ناقة له صهباء، ليس
يقصد حقيقة القتل، إذ لم يكونوا ليفعلوه، إنما أراد أذى بعضهم لبعض بالمزاحمة، فسماه قتلاً
مجازًا بقرينة قول الراوي أولاً، وازدحم الناس، لكن قوله: ((وإذا رميتم الجمرة فارموا بمثل
حصى الخذف))) قد يدل على النهي عن القتل الحقيقي، بأن يرموا بحجارة كبار إذا أصابت
شخصًا قتلته، ولعل المراد الأمر؛ أن بناء على استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، قاله الولي
وأمرهم مع رميه بمثلها لأنهم كلهم لم يروا رميه لكثرتهم.
(وفي هذا دليل على جواز استظلال المحرم بالمحمل ونحوه، وقد مرأنه عَ له ضربت
له قبة:) خيمة (من شعر بنمرة) بفتح النون وكسر الميم الاستظلال بالخيمة والسقف مجمع
على جوازه كاستظلاله بيده، إنما الخلاف في تظليله بنحو الثوب على رأسه بلا مماساة فأجازه
الشافعي راكبًا أو ماشيًا.
وقال لملك وأحمد: لا يجوز، وأجابوا عن حديث أم الحصين ونحوه: بأنه استظلال
خفیف لا یکاد يدوم.
(وفي رواية جابر عند مسلم وأبي داود، قال: رأيته عَّ يرمي على راحلته يوم
النحر) ففيه استحباب رميها حين وصوله على الحالة التي وصلها عليها، إن راكبًا فراكب، وإن
ماشيًا فماش، وقاله لملك والشافعي (وهو يقول: ((خذوا عني مناسككم).
وفي رواية: لتأخذوا بلام مكسورة بعدها فوقية، قال النووي: هذه لام الأمر ومعناها: خذوا،
وتقديره هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال والأفعال والهيئات هي أمور الحج وهي
مناسككم، فخذوها عني واقبلوها واحفظوها واعملوا بها وعلموها الناس، فإني (لا أدري) ما
يفعل بي (لعلي) مستأنف، أي: أظن أني (لا أحج بعد حجتي هذه) ويحتمل أن لعل للتحقيق
كما يقع في كلام اللّه تعالى كثيرًا.
وقال النووي: فيه إشارة إلى توديعهم وإعلامهم بقرب وفاته وحثهم على الاعتناء بالأخذ
عنه وانتهاز الفرصة من ملازمته، وتعلم أمور الدين، وبهذا سميت حجة الوداع.
(وفي رواية قدامة) بضم القاف والتخفيف ابن عبد اللَّه بن عمار العامري الكلابي
صحابي قليل الحديث، قال البغوي: سكن مكة، وقال ابن السكن: أسلم قديمًا، ولم يهاجر،

٤٣٤
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه.
ضرب ولا طرد ولا إليك إليك.
ثم انصرف عَّهِ إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بدنة، ثم أعطى عليًا فنحر
وكان يسكن نجدًا وشهد حجة الوداع.
(عند الترمذي) قال: (رأيته) عَِّ (يرمي الجمار على ناقة له صهباء) بفتح المهملة
وإسكان الهاء فموحدة فألف وبالمد حمراء يعلوها سواد، ولعل هذا لون القصواء التي كان عليها
(ليس ضرب) للناس عنده (ولا طرد) للناس ليتنحوا عنه (ولا) قول (إليك إليك) كما يفعل
عند المتكبرين (ثم انصرف عَّ إلى المنحر) موضع معروف بمنى وكلها منحر كما في الحديث.
قال ابن التين: منحر النبي عَّله عند الجمرة الأولى التي تلي المسجد، فللنحر فيه فضيلة
على غيره لقوله: هذا المنحر وكل منى منحر.
(فنحر ثلاثًا وستين بدنة) واحدة بدن، كذا رواه ابن ماهان في مسلم، ورواه غيره بيده.
قال عياض: وكل صواب وبيده أصوب.
وقال النووي: كل جرى فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده الشريفة (ثم أعطى عليًا فنحر ما
غبر) بفتح المعجمة والموحدة والراء، أي: ما بقي من البدن وكانت مائة.
وفي أبي داود عن علي: لما نحر عَِّ بدنه نحر ثلاثين بيده وأمرني فنحرت سائرها،
وفيه أيضًا عن غرفة بن الحرث الكندي: شهدت مع رسول اللَّه عَّهِ وأتى البدن، فقال: ادعوا لي
أبا حسن، فدعي له علي، فقال: خذ بأسفل الحربة، وأخذ عَّ بأعلاها، ثم طعنا بها البدن، فلما
فرغ ركب وأردف عليًا، وجمع الحافظ ولي الدين باحتمال أنه عَلَّ انفرد بنحر ثلاثين بدنة،
وهي التي ذكرت في حديث علي، واشترك هو وعلي في نحر ثلاث وثلاثين بدنة وهي
المذكورة في حديث غرفة بغين معجمة مفتوحة، وقيل: مهملة، وقول جابر: نحر ثلاثًا وستين،
مراده: كل ما له دخل في نحره إما منفردًا به أو مع مشاركة علي، وجمع الحافظ بين حديثي
علي وجابر بأنه عَّمِ نحر ثلاثين ثم أمر عليًا أن ينحر فنحر سبعًا وثلاثين، ثم نحر عَِّ ثلاثًا
وثلاثين، قال: فإن ساغ هذا وإلاّ فما في الصحيح أصح، أي: مع مشاركة علي ليلتئم مع حديث
غرفة وإن لم يذكره.
وذكر بعضهم أن حكمة نحره ثلاثًا وستين بدنة بيده أنه قصد بها سني عمره، وهي ثلاث
وستون عن كل سنة بدنة، نقله عياض ثم قال: والظاهر أنه عَّ نحر البدن التي جاءت معه من
المدينة وكانت ثلاثًا وستين كما رواه الترمذي، وأعطى عليًا البدن التي جاءت معه من اليمن
وهي تمام المائة. انتهى.
وما في الصحيحين عن أنس: نحر النبي عَِّ بيده سبعة بدن، فلعلها التي اطلع هو عليها،

٤٣٥
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَ لّ.
ما غَبَرَ، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت،
فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها.
وفي رواية جابر عند مسلم: نحر عليه السلام عن نسائه بقرة.
وقالت عائشة: نحر ◌َّلِ عن آل محمد في حجة الوداع بقرة واحدة. رواه
أبو داود.
ووجهت أيضًا بأنه أراد سبعة أبعرة، ولذا ألحق بها الهاء، وهذا خبر من احتمال أنه ما نحر بيده
إلا سبعًا، لأن أحاديث جابر وعلي وغرفة مصرحة بخلافه.
(وأشركه) أي: عليًا (في هديه) في نفس الهدي، ويحتمل في نحره: (ثم أمر من كل
بدنة) من المائة (ببضعة) بفتح الموحدة وتضم وتكسر بقطعة من لحمها (فجعلت في قدر
فطبخت فأكلا) أي: النبي وعلي (من لحمها وشربا من مرقها).
قال المظهري: الضمير المؤنث يعود إلى القدر لأنها مؤنث سماعي.
قال الطيبي: ويحتمل عوده إلى الهدايا.
قال النووي: قالوا: لما كان الأكل من كل واحدة سنة، وفي الأكل من جميعها كلفة
ومشقة، جعلت في قدر ليكون تناوله من المرق كالأكل من جميعها، واتفقوا على أن الأكل من
الهدي والضحية ليس بواجب. انتهى.
ونحرها قائمة، كما يدل عليه ما في الصحيحين عن زياد بن جبير: رأيت ابن عمر أتى
على رجل قد أناخ بدنته ينحرها، قال: ابعثها قيامًا مقيدة سنة محمد عَّةٍ، وهذا مرفوع لقوله:
سنة.
(وفي رواية جابر عند مسلم: نحر عليه السلام عن نسائه بقرة) أي: جنس بقرة لا
بعير ولا غنم، فلا يخالف ما رواه النسائي عن عائشة، قالت: ذبح عنا عَّه يوم حجنا بقرة بقرة.
(وقالت عائشة: نحر عَِّ عن آل محمد في حجة الوداع بقرة واحدة، رواه أبو داود)
من طريق يونس عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة، وأعلها إسمعيل القاضي بأن يونس تفرد بقوله
واحدة، وخالفه غيره، وتعقبه الحافظ بأن يونس ثقة حافظ وتابعه معمر عند النسائي، بلفظ:
ما ذبح عن آل محمد في حجة الوداع إلاَّ بقرة.
وما روي عن النسائي عن عمار الدهني عن عبد الرحمن بن القسم عن أبيه، عن عائشة:
ذبح عنا عَّ يوم حجنا بقرة بقرة، فشاذ مخالف لما تقدم. انتهى.
ولا شذوذ فيه، فإن عمار الدهني بضم المهملة وإسكان الهاء ونون ثقة من رجال مسلم

٤٣٦
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَ ليه
ثم أتى رسول الله عَ لّه منزله بمنى، ثم قال للحلاق: ((خذ)، وأشار بيده إلى
جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس. وفي رواية: أنه قال للحلاق: ((ها))،
وأشار بيده إلى الجانب الأيمن، فقسم شعره بين من يليه، ثم أشار إلى الحلاق إلى
الجانب الأيسر فحلقه وأعطاه أم سليم. وفي أخرى: فبدأ بالشق الأيمن فوزعه
والأربعة فزيادته مقبولة، فإنه قد حفظ ما لم يحفظ غيره وزيادته ليست مخالفة لغيره، فإن رواية
معمر: ما ذبح إلاَّ بقرة أريد بها الجنس، أي: لا بعير ولا غنم حتى لا تخالف الرواية الصريحة أن
عن كل واحدة بقرة، فمن شرط الشذوذ أن يتعذر الجمع، وقد أمكن فلا تأييد فيها لرواية يونس
التي حكم القاضي بشذوذها، لأنه انفرد بقوله واحدة، وإسطعيل من الحفاظ لا يجهل أن يونس
ثقة حافظ، وإنما حكم بشذوذ روايتيه ومخالفة غيره له على القاعدة؛ أن الشاذ ما خالف الثقة فيه
الملأ، بل اكتفى الحاكم بالتفرد وإن لم يخالف كما في متن الألفية.
وقد رواه البخاري في الأضاحي ومسلم من طريق ابن عيينة عن عبد الرحمن بن القسم،
عن أبيه، عن عائشة: ضحى عَّله عن نسائه بالبقر، ورواه مسلم أيضًا عن عبد العزيز الماجشون
عن عبد الرحمن بسنده، بلفظ: أهدى.
قال الحافظ: والظاهر أن التصرف من الرواة، لأنه ثبت في الحديث ذكر النحو فحمله
بعضهم على الأضحية، لكن رواية أبي هريرة صريحة في أنه كان عمن اعتمر من نسائه، فقويت
رواية من رواه بلفظ: أهدى، وبان أنه للتمتع، فلا حجة فيه على قول: لملك لا ضحايا على أهل
منی.
(ثم أتى رسول اللَّه عَّه) بعد رمي الجمرة إلى (منزله) الذي نزل فيه (بمنى) ونحر، كما
في هذه الرواية: (ثم قال للحلاق: ((خذ» وأشار بيده إلى جانبه الأيمن) لأن الحلق هنا عبادة والتيامن فيها
مستحب (ثم الأيسر).
وعن أبي حنيفة: يقدم الأيسر، وأن اليمين هنا يمين الحلاق لأنه من باب النزع فيبدأ فيه
بالأيسر.
قال الأبي: ولا يخفى عليك أنه ليس من باب النزع بل هو عبادة، وفي بعض الطرق:
أضاف اليمين إلى النبي عَّهِ كما هو ظاهر أحاديث الباب.
(ثم جعل) عَِّ (يعطيه) أي: شعره (الناس) للتبرك به واستشفاعًا إلى اللَّه بما هو منه
وتقربًا بذلك إليه.
(وفي رواية؛ أنه) عليه السلام (قال للحلاق: ها) بألف بلا همز (وأشار بيده) الكريمة
(إلى الجانب الأيمن) فيه حذف تقديره احلق فحلق (فقسم شعره بين من يليه) من الصحابة
(ثم أشار إلى الحلاق إلى الجانب الأيسر فحلقه وأعطاه) أي: شعره (أم سليم) بنت ملحان

٤٣٧
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّ.
الشعرة والشعرتين بين الناس، ثم قال بالأيسر، فصنع مثل ذلك، ثم قال: ((ها هنا أبو
طلحة))؟ فدفعه إليه. وفي أخرى: رمى جمرة العقبة ثم انصرف إلى البدن فنحرها
والحجام جالس، وقال بيده عن رأسه، فحلق الشق الأيمن فقسمه بين من يليه، ثم
قال: ((احلق الشق الآخر))، فقال: ((أين أبو طلحة))؟ فأعطاه إياه. رواه الشيخان.
وعند الإمام أحمد: أنه استدعى الحلاق فقال له وهو قائم على رأسه
والدة أنس.
(وفي أخرى: فبدأ بالشق الأيمن) فحلقه (فوزعه الشعرة والشعرتين بين الناس، ثم قال:
بالأيسر، فصنع مثل ذلك، ثم قال: ههنا) بتقدير همزة الاستفهام (أبو طلحة) زيد بن سهل
الأنصاري (فدفعه) أي: الشعر (إليه).
(وفي أخرى:) أن رسول اللَّه عَّ (رمى جمرة العقبة، ثم انصرف إلى البدن) بضم
فسكون (فنحرها والحجام جالس، وقال) أي: أشار (بيده عن رأسه) احلق (فحلق شقه
الأيمن، فقسمه بين من يليه) من الناس (ثم قال: احلق الشق الآخر) الأيسر، فحلقه (فقال: أين
أبو طلحة؟، فأعطاه إياه) أي: المحلوق من الشق الأيسر (رواه) أي: المذكور من هذه الروايات
(الشيخان) من طرق مدارها على محمد بن سيرين، عن أنس.
وفي مسلم أيضًا: تلو هذه الروايات عن أنس، قال: لما رمى عَِّ الجمرة ونحر نسكه
وحلق، ناول الحالق شقه الأيمن، فحلق ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه، ثم ناوله الشق
الأيسر، فقال: احلق فحلقه فأعطاه أبا طلحة، فقال: اقسمه بين الناس، قال أبو عبد اللَّه الأبي:
إعطاؤه لأبي طلحة ليس بمخالف لقوله: اقسمه بين الناس، لاحتمال أن يكون أعطاه له ليفرقه
ويبقى النظر في اختلاف الروايات في الجانب الأيسر، ففي الأولى؛ أنه فرقه كالأيمن، وفي
الثانية؛ أنه أعطاه أم سليم، وفي الثالثة؛ أنه أعطاه أبا طلحة، وفي الرابعة؛ أنه أعطى شعر الشقين
لأبي طلحة، فيحتمل أنه أعطاه أم سليم لتعطيه لزوجها أبي طلحة ليفرقه.
ويحتمل أنه أعطى الشعر لأبي طلحة على أن يعطيه أبو طلحة لأم سليم لتفرقه على
النساء، وذكر الشعرة والشعرتين يدل على كثرة الحاضرين، وفيه التبرك بآثار الصالحين. انتهى.
وليس في جمعه المذكور شفاء وإنما قسم شعره في أصحابه ليكون بركة باقية بينهم
وتذكرة لهم، وكأنه أشار بذلك إلى اقتراب الأجل، وخص أبا طلحة بالقسمة التفاتًا إلى هذا
المعنى لأنه هو الذي حفر قبره ولحد له وبنى فيه اللبن، وفيه تخصيص الإمام الكبير بما يفرقه
عليهم من عطاء وهدية ونحوهما.
(وعند الإمام أحمد أنه) عَّ (استدعى الحلاق، فقال له وهو قائم على رأسه

٤٣٨
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره مَّ.
بالموسى، ونظر في وجهه، وقال: ((يا معمر، أمكنك رسول الله عَّ له من شحمة أذنه
وفي يدك الموسى))، قال: فقلت له: أما والله يا رسول الله، إن ذلك لمن نعم الله
عليَّ ومنَّه، قال أجل.
وقال البخاري: وزعموا أن الذي حلق للنبي عَّ معمر بن عبد الله بن
نضلة بن عوف. انتهى. وهو غند ابن خزيمة في صحيحه.
وعند الإمام أحمد: وقلم عَّ أظفاره وقسمها بين الناس.
وعنده أيضًا: من حديث محمد بن زيد، أن أباه حدثه، أنه شهد النبي عَّه.
عند المنحر ورجل من قريش وهو يقسم أضاحي، فلم يصبه شيء ولا صاحبه،
بالموسى ونظر في وجهه) ولفظ أحمد عن معمر: كنت أرجل لرسول اللَّه عَّ في حجة
الوداع ... الحديث، وفيه: فلما نحر عَِّ هديه بمنى أمرني أن أحلقه، فأخذت الموسى فقمت
على رأسه فنظر عَّه في وجهي (وقال: يا معمر أمكنك رسول اللَّه عٍَّ من شحمة أذنه وفي يدك
الموسى) عبر بالاسم الظاهر تشريفًا له بالرسالة والاستفهام تعجبي.
(قال) معمرٍ: (فقلت له) عليه السلام: (أما) بالفتح والتخفيف (والله يا رسول اللَّه إن
ذلك لمن نعم الله عليّ، ومنه قال: أجل) أي: نعم، وبقية خبر أحمد، قال عَّهِ: إذا أقر لك،
قال: ثم حلقت لرسول اللَّه عَّله وأقر بقاف وشد الراء، أي: أثبت لك حتى تحلق.
(وقال البخاري: وزعموا أن الذي حلق للنبي عَّ) وفي نسخة: النبي، أي: شعر رأس
النبي، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه (معمر بن عبد اللَّه) بن لملك (بن نضلة) بفتح
النون وإسكان المعجمة (ابن عوف) العدوي، صحابي كبير من مهاجرة الحبشة. (انتهى).
(وهو عند ابن خزيمة في صحيحه) وأحمد من حديث معمر كما علم، ورواه الطبراني
عن أم سلمة، قالت: حلق رأس رسول اللَّه عَظله يوم النحر معمر بن عبد اللَّه العدوي، وقيل:
الذي حلقه خراش بن أمية بن ربيعة الخزاعي، ثم الكلبي بموحدة مصغر نسبة إلى جد له
اسمه كليب، والمشهور الأول، فقد قال ابن السكن الخراش بن أمية: حديث واحد، وهو
قوله: أنا حلقت رأس رسول اللَّه عَّله عند المروة في عمرة القضية، وقال ابن الكلبي: حلقه
فيها أو في الحديبية.
(وعند الإمام أحمد: وقلم عَّ أظفاره) بعدما حل (وقسمها بين الناس) للتبرك.
(وعنده أيضًا من حديث محمد بن زيد: أن أباه حدثه أنه شهد النبي عَِّ عند
المنحر ورجل من قريش وهو) عَّهِ (يقسم أضاحي، فلم يصبه) أي: زيدًا (شيء) من

٤٣٩
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّ.
فحلق رسول الله عَّه رأسه في ثوبه فأعطاه شعره، فقسم منه على رجال وقلم
أظفاره وأعطاه صاحبه، وكان يخضب بالحناء والكتم.
وعن أبي هريرة: أن رسول الله عَّم قال: ((اللهم اغفر للمحلقين)، قالوا: يا
رسول الله، وللمقصرين، قال: ((اللهم اغفر للمحلقين)، قالوا: يا رسول الله،
وللمقصرين، قال: ((اللهم اغفر للمحلقين))، قالوا: يا رسول الله، وللمقصرين؟ قال:
((وللمقصرين)). رواه الشيخان.
وليس فيه تعيين: هل قاله عَّه في الحديبية أو في حجة الوداع؟
قالوا: ولم يقع في شيء من طرقه التصريح بسماعه لذلك من النبي عَّ،
ولو وقع لقطعنا بأنه كان في حجة الوداع لأنه شهدها ولم يشهد الحديبية.
الأضاحي (ولا صاحبه) القرشي لم يصبه شيء (فحلق رسول اللَّه عَّ رأسه) وجعل شعره (في
ثوبه، فأعطاه) أي: زيدًا (شعره) أي: بعضه (فقسم منه على رجال) وبحمله على بعضه لا
يخالف الأحاديث قبله، فإن ساغ هذا وإلا فما في الصحيح أصح (وقلم أظفاره وأعطاه صاحبه)
القرشي (وكان يخضب) بكسر الضاد (بالحناء) بالمد (والكتم) بفتحتين نبت فيه حمرة يخلط
بالوسمة ويخضب به للسواد، والوسمة بفتح الواو وكسر السين المهملة أفصح من سكونها، نبت
يخض بورقه كما في المصباح.
(وعن أبي هريرة: أن رسول اللَّه عَّ قال: اللهم اغفر للمحلقين، قالوا:) أي:
الصحابة، قال الحافظ: لم أقف في شيء من الطرق على الذي تولى السؤال في ذلك بعد
البحث الشديد (يا رسول اللَّه) قل (و) اغفر (للمقصرين) فالعطف على محذوف يسمى العطف
التلقيني، كقوله تعالى: ﴿قال إني جاعلك للناس إمامًا﴾ [البقرة/١٢٤]، قال: ومن ذريتي؟ (قال:
((اللهم اغفر للمحلقين))، قالوا: يا رسول اللَّه وللمقصرين؟، قال: (اللهم اغفر للمحلقين)،
قالوا: يا رسول اللَّه وللمقصرين؟، قال:) بعد الثالثة ((وللمقصرين)) فيه إعطاء المعطوف حكم
المعطوف عليه، ولو تخلل بينهما السكوت بلا عذر (رواه الشيخان) وروياه أيضًا من حديث
ابن عمر بطرق، إلاّ أن لفظه: ((اللهم ارحم المحلقين)) بدل اغفر، والمعنى واحد (وليس فيه
تعيين هل قاله عَّ في الحديبية) كما قاله ابن عبد البر (أو في حجة الوداع، قالوا: ولم يقع
في شيء من طرقه) أي: حديث أبي هريرة (التصريح) بالموضع ولا التصريح (بسماعه ذلك من
النبي عَّه، ولو وقع لقطعنا بأنه كان في حجة الوداع لأنه شهدها، ولم يشهد الحديبية)
لأنه إنما جاء بعدها (وقد وقع تعيين الحديبية من حديث جابر عند أبي قرة) بضم القاف وشد

٤٤٠
النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه
وقد وقع تعيين الحديبية من حديث جابر عند أبي قرة في ((السنن)) ومن
طريقه الطبراني في الأوسط، ومن حديث المسور بن مخرمة عند ابن إسحق في
المغازي.
وورد تعيين حجة الوداع من حديث أبي مريم السلولي عند أحمد وابن أبي
شيبة، ومن حديث أم الحصين عند مسلم، ومن حديث قارب بن الأسود الثقفي
عند أحمد وابن أبي شيبة، ومن حديث أم عمارة عند الحارث.
فالأحاديث التي فيها تعيين حجة الوداع أكثر عددًا، وأصح إسنادًا، ولهذا
قال النووي عقب أحاديث ابن عمر وأبي هريرة وأم الحصين: هذه أحاديث تدل
الراء (في) كتاب (السنن) له.
(ومن طريقه الطبراني في) معجمه (الأوسط، ومن حديث المسور) بكسر فسكون
(ابن مخرمة) يفتح فسكون.
(عند ابن إسحق) محمد (في المغازي) ومن حديث أبي سعيد عند أحمد وابن أبي
شيبة والطيالسي والطحاوي وابن عبد البر، بلفظ: سمعت رسول اللَّه عَ لّه يستغفر لأهل الحديبية
للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة، ومن حديث ابن عباس عند أحمد وابن ماجه وغيرهما.
(وورد تعيين حجة الوداع من حديث أبي مريم) لملك بن ربيعة (السلولي) بفتح المهملة
وضم اللام الخفيفة، صحابي دعا له النبي عَِّ أن يبارك له في ولده، فولد له ثمانون ولدًا، رواه
ابن منده.
(عند أحمد وابن أبي شيبة: ومن حديث أم الحصين) السلولية (عند مسلم) أنها
سمعت النبي عَّه في حجة الوداع: دعا للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة واحدة.
(ومن حديث قارب بن الأسود الثقفي عند أحمد وابن أبي شيبة، ومن حديث أم
عمارة) بضم العين الأنصارية (عند الحرث) بن أبي أسامة.
ومن حديث ابن عمر، قال: حلق عَِّ في حجة الوداع وأناس من أصحابه، وقصر بعضهم
فقال: ((اللهم ارحم المحلقين))، الحديث رواه البخاري هكذا في المغازي من طريق موسى بن
عقبة عن نافع عن ابن عمر.
(فالأحاديث التي فيها تعيين حجة الوداع أكثر عددًا) لأنهم خمسة من الذين عينوا
الحديبية لأنهم أربعة (وأصح إسنادًا) لأن بعضها في الصحيحين بخلاف الحديبية، فليس شيء
منها في واحد منهما.
(ولهذا قال النووي عقب أحاديث ابن عمر وأبي هريرة وأم الحصين: هذه الأحاديث