النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره علّ وقد اختلف في علة ذلك: فروى أبو داود من حديث ابن عباس: أنه عَّه. قدم مكة وهو يشتكي، فطاف على راحلته، وفي حديث جابر عند مسلم: أنه عَ له طاف راكبًا ليراه الناس ويسألوه. فيحتمل أنه فعل ذلك الأمرين. قال ابن بطال: فيه جواز دخول الدواب التي يؤكل لحمها المسجد إذا احتيج إلى ذلك، لأن بولها لا ينجسه بخلاف غيرها من الدواب. وتعقب: بأنه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز مع الحاجة، بل ذلك دائر مع التلويث وعدمه، فحيث يخشى التلويث يمتنع الدخول، وقد قيل: إن ناقته عليه السلام كانت منوقة، أي مدربة معلمة، فيؤمن معها ما يحذر من التلويث. (وقد اختلف في علة ذلك) أي: سببه، فإن الطواف راكبًا لا يجوز بلا عذر، فمنعه لملك وكرهه الشافعي، وطواف المصطفى راكبًا إنما كان لعذر اختلف فيه. (فروى أبو داود من حديث) يزيد بن أبي زياد عن عكرمة، عن (ابن عباس أنه سَّهِ قدم مكة) في حجة الوداع (وهو يشتكي) أي: به مرض (فطاف على راحلته). (وفي حديث جابر عند مسلم: أنه عَّ طاف راكبًا ليراه الناس ويسألوه) نقل بالمعنى وإلا فلفظ مسلم: ما قد رأيت آنفًا، وله في رواية تلو السابقة عن جابر: طاف عَّه في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس ويشرف وليسألوه، فإن الناس غشوه بفتح الشين ازدحموا عليه. (فيحتمل أن يكون فعل ذلك للأمرين) المرض ومشاهدة الناس له فيسألوه عن أمر دينهم ويأخذوا عنه مناسكهم فلا خلف بين الخبرين. قال الولي العراقي: لكن لم يصح ذلك عن ابن عباس، فإن يزيد بن أبي زياد لا يحتج به. قال البيهقي: وقد تفرد بزيادة قوله: وهو يشتكي فلم يوافق عليها. (قال ابن بطال: فيه جواز دخول الدواب التي يؤكل لحمها المسجد) بقياس بقية ما يأكل على البعير (إذا احتيج إلى ذلك، لأن أبوالها لا تنجسه) ولا أروائها ولا يؤمن ذلك من البعير، فلو كانت نجسة لما عرض المسجد له (بخلاف غيرها من الدواب ) التي لا تؤكل. (وتعقب بأنه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز مع الحاجة) إذ الفعل إنما دل الجواز للحاجة (بل ذلك دائر مع التلويث وعدمه، فحيث يخشى التلويث يمتنع الدخول) وحيث لا يخشى يجوز (و) لا يراد أن ذلك لا يؤمن من الناقة، لأنه (قد قيل: إن ناقته عليه السلام كانت منوّقة، أي: مدربة) مذللة (معلّمة) مروضة (فيؤمن معها ما يحذر من التلويث) وهي ٣٨٢ النَّوع الشّادِس في ذكر حجه وعمره يعلّم. قال بعضهم: وهذا كان - والله أعلم - في طواف الإفاضة، لا في طواف القدوم، فإن جابرًا حكى عنه الرمل في الثلاثة الأول، وذلك لا يكون إلا مع المشي، ولم يقل أحد رملت به راحلته، وإنما قالوا: رمل، أي بنفسه. وقال الشافعي: أما سعيه الذي طاف لقدومه فعلى قدميه. انتهى ولما استلم عَِّ الحجر مضى على يمينه، فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا. وكان ابتداء الرمل في عمرة القضية، لما قدم عَّه وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حمى يثرب، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم غداً قوم قد وهنتهم الحمى، ولقوا منها شدة، فجلسوا مما يلي الحجر، وأمرهم النبي عَ لَّه أن يرملوا سائرة، وتعقب بأن ذلك لم يثبت إنما أبداه الحافظ احتمالاً، وللصحيحين أن أم سلمة طافت على البعير لمرضها بأمره عَّهِ فترجى بعض أنه كان منوّقًا أيضًا وليس بشيء. (قال بعضهم: وهذا) أي: طوافه راكبًا (كان والله أعلم في طواف الإفاضة لا في طواف القدوم، فإن جابرًا حكى عنه الرمل في الثلاثة الأول) فقال في سياق حجة الوداع عند مسلم: حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا، يعني بلا إسراع. وللشيخين عن ابن عمر: كان عَّ﴾ إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثًا ومشى أربعًا. قال المصنف وغيره: الطواف الأول الذي يعقبه السعي لا طواف الوداع. (وذلك لا يكون إلاَّ مع المشي، ولم يقل أحد رملت به راحلته، وإنما قالوا: رمل، أي: بنفسه) على المتبادر (و) لذا قال الشافعي: أما سعيه الذي طاف لقدومه فعلى قدميه. انتهى، ولما استلم عَّ الحجر مضى على يمينه) أي: يمين نفسه فيكون البيت عن يساره (فرمل:) أسرع في مشيه بدون جري (ثلاثًا ومشى أربعًا) كما في مسلم عن جابر: (وكان ابتداء الرمل) بفتح الراء والميم هو الإسراع. وقال ابن دريد: هو شبيه بالهرولة، وأصله أن يحرك الماشي منكبيه في مشيته (في عمرة القضية) سنة سبع (لما قدم عَّ وأصحابه مكة وقد وهنتهم) بفوقية بعد النون يستعمل لازمًا، كقوله تعالى: ﴿وهن العظم مني﴾ [مريم/٤]، ومتعديًا كما في الحديث، أي: أضعفتهم (حمى يثرب) بمثلثة ممنوع الصرف علم المدينة النبوية في الجاهلية والموضع رفع على الفاعلية (فقال المشركون) من قريش: (إنه يقدم) بفتح الدال مضارع قدم بكسرها، أي: يرد (عليكم غدًا قوم قد وهنتهم الحمى ولقوا منها شدة فجلسوا) أي: قريش (مما يلي الحجر) بكسر فسكون (وأمرهم) أي: الصحابة (النبي ◌َّ أن يرملوا) بضم الميم (ثلاثة أشواط:) جمع شوط، أي: ٣٨٣ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عليّ. ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين ليرى المشركون جلدهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا. رواه الشيخان وغيرهما من حديث ابن عباس. ولما كان في حجة الوداع رمل عَّله وأصحابه، فكان سنة مستقلة. قال الطبري: فقد ثبت أنه عليه السلام رمل ولا مشرك يومئذ بمكة، يعني في حجة الوداع، فعلم أنه من مناسك الحج، إلا أن تاركه ليس تاركًا لعمل، بل لهيئة مخصوصة، فكان كرفع الصوت بالتلبية، فمن لبى خافضًا صوته لم يكن تاركًا للتلبية بل لصفتها، فلا شىء عليه. انتهى. فلو ترك الرمل في الثلاث لم يقضه في الأربع، لأن هيئتها السكينة فلا تغير، والله أعلم. الطوفة حول الكعبة (ويمشوا) في كل واحد من الثلاثة (ما بين الركنين) اليمانيين حيث لا يراهم المشركون (ليرى المشركون) بفتح الياء والراء، وفي رواية: ليرى المشركين بضم الياء _وكسر الراء (جلدهم) بفتح الجيم واللام قوّتهم لهذا الفعل، لأنه أقطع في تكذيبهم وأبلغ في نكايتهم. (فقال المشركون) بعضهم لبعض: (هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم:) أضعفتهم (هؤلاء أجلد من كذا وكذا، رواه الشيخان وغيرهما) كأبي داود والنسائي (من حديث ابن عباس) واللفظ لمسلم (ولما كان في حجة الوداع رمل عَ له وأصحابه) كما جاء في أحاديث صحيحة (فكان سنة مستقلة) وإن زال سببه، ولذا هم عمر بتركه ورجع وفعله اتباعًا للفعل النبوي، فقال: إنما كنا رأينا به المشركين وقد أهلكهم اللَّه، ثم قال شيء صنعه النبي عد ◌ّله فلا نحب أن نتركه كما في الصحيحين، فرجع عما هم به لاحتمال أن له حكمة لم نطلع عليها، ومن جهة المعنى أن الرامل إذا رمل تذكر السبب فيذكر نعمة اللَّه على إعزاز الإسلام وأهله. (قال الطبري: فقد ثبت أنه عليه السلام رمل ولا مشرك يومئذ بمكة، يعني في حجة الوداع، فعلم أنه من مناسك الحج إلاَّ أن تارکه ليس تاركًا لعمل) بالإضافة (بل) تاركًا (لهيئة) صفة (مخصوصة فكان كرفع الصوت بالتلبية، فمن لبى خافضًا صوته ولم يكن تاركًا للتلبية بل لصفتها فلا شيء عليه. انتهى) كلام الطبري. (فلو ترك الرمل في الثلاث) الأول (لم يقضه في الأربع) الباقية (لأن هيئتها السكينة في تغير، واللّه أعلم) بالحكم، وحقيقة الحكمة فيه (ولما فرغ عَّله من طوافه) في (المقام) ٣٨٤ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّة. ولما فرغ عَّله من طوافه أتى المقام، فقرأ ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة/١٢٥] فصلى ركعتين والمقام بينه وبين البيت، فقرأ فيهما بـ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد﴾، ثم رجع إلى الركن الذي فيه الحجر فاستلمه. ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ((﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة/١٥٨]، أبدأ بما بدأ الله به))، فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت واستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز كما رواه مسلم وأبو داود في الحديث الطويل عن جابر، بلفظ: ثم تقدم إلى مقام إبراهيم (فقراً واتخذوا) بكسر الخاء أيها الناس، وقرأ نافع وابن عامر: بفتح الخاء، خبر (من مقام إبراهيم) الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت (مصلى) مكان صلاة بأن يصلوا خلفه ركعتي الطواف (فصلى ركعتين والمقام بينه وبين البيت، فقرأ فيهما) بعد الفاتحة (بقل يا أيها الكافرون) في الأولى (وقل هو الله أحد) في الثانية (ثم رجع) بعد الصلاة (إلى الركن الذي فيه الحجر) الأسود (فاستلمه ثم خرج من الباب) المقابل للصفا أثر الركعتين (إلى الصفا، فلما دنا): قرب (من الصفا قرأً ﴿إن الصفا والمروة﴾) جبلان بمكة (﴿من شعائر اللَّه﴾) أعلام دينه: جمع شعيرة (أبدأ) بصيغة الخبر على الرواية المشهورة (بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا) اعتبارًا بتقديم المبدوء به في التلاوة، الظاهر في أن حكمه مقدم على ما بعده، فلو بدأ الساعي بالمروة لم يعتد به عند الجمهور ولملك والشافعي، وأصرح منه رواية النسائي: ((ابدؤوا بما بدأ اللَّه به)) بصيغة الأمر للجمع، واحتج به من قال: إن الواو لا ترتب، إذ لو رتبت لم يحتج إلى هذا التوجيه، ومن قال: ترتب لامتثاله عَّ ذلك (فرقي) بكسر القاف ويجوز فتحها وهي لغة، أي: صعد (عليه حتى رأى البيت واستقبل القبلة فوحد اللَّه وكبره) أي: قال: اللَّه أكبر، وقوله: (وقال: لا إله إلاَّ اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد) زاد في رواية أبي یحیی: يحيي ويميت (وهو على كل شيء قدير). قال الطيبي: يحتمل أنه قول آخر غير التوحيد والتكبير وأن يكون كالتفسير له والبيان والتكبير وإن لم يكن ملفوظًا به، لكن معناه مستفاد من هذا القول، أي: لأن معنى التكبير التعظيم، قال: ووحده حال مؤكدة من اللَّه، كقوله تعالى: ﴿هو الحق مصدقًا﴾ [فاطر/٣١]، وقوله تعالى: ﴿شهد اللَّه أنه لا إله إلاَّ هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط﴾ [آل عمران/١٨]، في أحد الوجهين، ويجوز أن تكون مفعولاً مطلقًا ولا شريك له كذلك حال أو مصدر اهـ. ٣٨٥ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره ێ وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي رمل، حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة. وفي حديث أبي الطفيل عند مسلم وأبي داود، قال: قلت لابن عباس، أخبرني عن الطواف بين الصفا والمرة راكبًا، أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة، قال: صدقوا وكذبوا، قلت: وما قولك صدقوا وكذبوا؟ قال: إن رسول الله عَ له كثر (لا إله إلاَّ الله وحده أنجز وعده ونصر عبده) محمدًا عَّه على أعدائه (وهزم الأحزاب) الذين تحزبوا عليه يوم الخندق (وحده) من غير قتال من المسلمين ولا سبب من جهتهم (ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات) سقط لفظ مثل في نسخ وهي ثابتة في مسلم وأبي داود. قال الطيبي: ثم تقتضي التراخي وأن يكون الدعاء بعد الذكر وبين تقتضي التعدد والتوسط بين الذكر بأن يدعو بعد قوله: ﴿على كل شيء قدير﴾ [البقرة/٢٥٥]، الدعاء فتمحل من قال لما فرغ من قوله: ﴿وهزم الأحزاب وحده﴾،، دعا بما شاء ثم قال مرة أخرى هذا الذكر، ثم دعا حتى فعل ذلك ثلاثًا، فهذا إنما يستقيم على التقديم والتأخير بأن يذكر قوله: ثم دعا بين ذلك بعد قوله: قال مثل هذا ثلاث مرات، وتكون ثم للتراخي في الإخبار لا تأخر زمان الدعاء عن الذكر، ويلزم أن يكون الدعاء مرتین اهـ. (ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت) بشد الموحدة، قال عياض: الرواية الواصلة علينا من جميع نسخ مسلم بإثبات لفظة إذا وهكذا في جميع أصول شيوخنا، والانصباب مجاز من قولهم: صب الماء فانصب، أي: انحدرت (قدماه في بطن الوادي رمل) بفتحتين وفي الموطأ سعى، أي: مشى بقوة، أي: أسرع في المشي (حتى إذا صعدنا) بكسر العين، أي: ارتفعت قدماه من بطن المسيل إلى المكان العالي (مشى) المشي المعتاد (حتى أتى المروة) ففعل على المروة كما فعل على الصفا كما في مسلم وأبي داود، أي: من الاستقبال والتوجه والتكبير والدعاء. (وفي حديث أبي الطفيل) عامر بن واثلة بمثلثة الكناني الليثي آخر الصحابة موتًا (عند مسلم وأبي داود، قال) أبو الطفيل: (قلت لابن عباس: أخبرني عن الطواف) أي: السعي (بين الصفا والمروة راكبًا أسنة) بهمزة الاستفهام (هو) أم لا؟ (فإن قومك يزعمون:) يقولون على غير يقين وتحقيق كما في المشارق (أنه) أي: السعي راكبًا (سنة، قال: صدقوا) في: أنه عَّ سعى راكبًا (وكذبوا) في أن الركوب سنة (قلت: وما قولك صدقوا وكذبوا) فإنه تناقص ٣٨٦ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره . عليه الناس، يقولون: هذا محمد، هذا محمد، حتى خرج العواتق من البيوت. قال: وكان رسول الله عَّه لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثر عليه ركب، والمشي والسعي أفضل. هذا لفظ رواية. وفي أوله ذكر الرمل في طواف البيت. وعند أبي داود أن قريشًا قالت زمن الحديبية: دعوا محمدًا وأصحابه حتى يموتوا موت النغف، فلما صالحوه على أن يجيئوا من العام المقبل، فيقيموا ثلاثة بحسب الظاهر (قال: إن رسول اللَّه عَّ﴾ كثر عليه الناس) في السعي بين الصفا والمروة (يقولون: هذا محمد هذا محمد) بالتكرار مرتين (حتى خرج العواتق من البيوت:) جمع عاتق، وهي البكر البالغ أو المقاربة للبلوغ، أو التي لم تتزوج، سميت بذلك لأنها عتقت من استخدام أبويها فيما تستخدم فيه الصغيرة من الدخول والخروج والتصرف (قال: وكان رسول اللّه عَّه لا يضرب) بالبناء للمفعول نائبه (الناس بين يديه، فلما كثر عليه) الناس (ركب) للعذر المذكور (والمشي والسعي أفضل) من الركوب (هذا لفظ رواية). فأما رواية أبي داود فيأتي لفظها: ويستفاد من هذا أنه مشى في ابتداء السعي وركب في بقيته، وهو أحسن ما جمع به بين الأحاديث المختلفة في ذلك. (وفي أوله) عند مسلم: (ذكر الرمل في طواف البيت) ولفظه عن أبي الطفيل: قلت لابن عباس: أرأيت هذا الرمل بالبيت ثلاثة أطواف ومشي أربعة أطواف أسنة هو، فإن قومك يزعمون أنه سنة، قال: فقال: صدقوا وكذبوا، قلت: ما قولك صدقوا وكذبوا؟، قال: إن رسول اللّه عَ لِّ قدم مكة، فقال المشركون: إن محمدًا وأصحابه لا يستطيعون أن يطوفوا بالبيت من الهزال وكانوا يحسدونه، فأمرهم عٍَّ أن يرملوا ثلاثًا ويمشوا أربعًا. (و) لفظه (عند أبي داود) قلت لابن عباس: يزعم قومك أنه عَّ ◌ُلّه قد رمل بالبيت وأن ذلك سنة، قال: صدقوا وكذبوا، قلت: وما صدقوا وكذبوا؟، قال: صدقوا قد رمل وكذبوا ليس بسنة (أن قريشًا قالت زمن الحديبية: دعوا:) اتركوا (محمدًا وأصحابه حتى يموتوا موت النغف:) بفتح النون والغين المعجمة وبالفاء دود في أنوف الإبل والغنم واحده نغفة. قال أبو عبيد: وهو أيضًا دود أبيض يكون في التّوى إذا أنقع وما سوى ذلك من الدود فليس بنغف، قاله الجوهري. (فلما صالحوه على أن يجيئوا) هو عَّله وأصحابه للعمرة، وفي نسخة من أبي داود: أن یحجوا. قال الولي العراقي: والأولى أوجه لأنهم لم يحجوا تلك المرة، وإنما اعتمروا إلاَّ أن يراد بالحج مدلوله اللغوي وهو القصد. ٣٨٧ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه. أيام، فقدم عَّ ◌ُلّهِ فقال لأصحابه. ((أرملوا بالبيت))، وفيه: طاف عَِّ بين الصفا والمروة على بعير، لأن الناس كانوا لا يدفعون ولا يصرفون عنه، فطاف على بعير ليسمعوا كلامه، وليروا مكانه، وتناله أيديهم الحديث. وكان عَّهِ إِذا وصل إلى المروة رقى عليها، واستقبل البيت وكبر الله ووحده، وفعل كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة قال: ((لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة))، فقام سراقة بن جعشم فقال: يا رسول الله، (من العام المقبل فيقيموا) بمكة (ثلاثة أيام، فقدم عَّه) والمشركون من قبل تعيقعان (فقال لأصحابه: ((ارملوا) بضم الميم أمر من رمل بزنة أطلبوا، أي أسرعوا في المشي مع تقارب الخطا (بالبيت))) ثلاثًا وليس بسنة، كذا في الرواية من قول ابن عباس على مذهبه، وخالفه غيره لأنه معَِّ رمل في حجة الوداع وقال: ((خذوا عني مناسككم)). (وفيه) أي: أبي داود في بقية هذا الحديث عقب قوله: وليس بسنة، قلت: يزعم قومك أن رسول اللَّه عَ لّ طاف بين الصفا والمروة على بعير، وإن ذلك سنة، قال: صدقوا وكذبوا، قلت: ما صدقوا وما كذبوا، قال: صدقوا قد (طاف) رسول الله (عَّةُ) أي: سعى (بين الصفا والمروة على بعير، لأن الناس كانوا) لفظه في أبي داود وكذبوا ليس بسنة، كان الناس (لا يدفعون) بالبناء للمفعول (عنه عَّه ولا يصرفون عنه) بصاد مهملة وفاء كما رأيته في أبي داود بخط الولي من الصرف وهو ما في النسخ الصحيحة، فقراءته بضاد معجمة وموحدة تصحيف (فطاف على بعير ليسمعوا كلامه وليروا مكانه وتناله أيديهم ... الحديث). كذا في نسخة: مع أنه لم يبق شيء منه، واعلم أن المصنف لو قال عقب قوله: أولاً هذا لفظ رواية مسلم، ولفظ أبي داود: فذكره بلفظه لكان أفيد من هذا التقطيع وما كان يزيد به الكتاب (وكان ◌َِّ إذا وصل إلى المروة رقي) بكسر القاف وتفتح (عليها واستقبل البيت وكبر اللَّه ووحده وفعل كما فعل على الصفا) كما أفاده قول جابر في حديثه الطويل: حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا، وعقب ذلك بقوله: (حتى إذا كان آخر طوافه على المروة) كان تامة، وجواب إذا: قوله (قال: ((لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة) أي: لو عن لي هذا الرأي الذي رأيته آخرًا وأمرتكم به في أول أمري لما سقت الهدي، أي: لما جعلت عليّ هديا وأشعرته وقلدته وسقته بين يدي، فإن من ساقه لا يحل حتى ينحره، وإنما ينحره يوم النحر فلا يصح له فسخ الحج بعمرة ومن لا هدي معه يجوز له فسخه، وهذا صريح في أنه عَُّ لم يكن متمتعًا. ٣٨٨ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره مـ ألعامنا هذا، أم لأبد؟ فشبك عَّ الله أصابعه واحدة في الأخرى وقال: ((دخلت العمرة في الحج هكذا)) - مرتين-، ((لا بل لأبد أبد)). وهذا معنى فسخ الحج إلى العمرة. قال النووي: وقد اختلف في هذا الفسخ، هل هو خاص بالصحابة تلك السنة خاصة، أم باق لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة؟ فقال أحمد وطائفة من أهل الظاهر: ليس خاصًا، بل هو باق إلى يوم القيامة فيجوز لكل من أحرم بالحج وليس معه هدي أن يقلب إحرامه ويتحلل بأعمالها. قال الخطابي: إنما قال هذا استطابة لنفوس أصحابه لئلا يجدوا في أنفسهم أنه أمرهم بخلاف ما يفعله في نفسه، وفيه استعمال لو في القرب وتطييب النفوس (فمن) جواب شرط محذوف، أي: إذا تقرر ما ذكرت من أني أفردت الحج وسقت الهدي فلم أتمكن من الإحلال إلاَّ بعد النحر، فمن (كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها) أي: الحجة (عمرة))، فقام سراقة) بضم السين وراء خفيفة وقاف ابن ملك (بن جعشم) بضم الجيم وسكون المهملة وضم المعجمة وفتحها، لغة حكاها الجوهري وغيره الكناني المدلجي، تقدم مرارًا وهو الذي ساخت قوائم فرسه في قصة الهجرة وأسلم في الفتح. (فقال: يا رسول اللَّه ألعامنا هذا أم الأبد، فشبك رسول اللَّه عَِّ أصابعه واحدة) نصب بعامل مضمر، أي: جاعلاً واحدة منها (في الأخرى) والحال مؤكدة (وقال: ((دخلت العمرة في الحج هكذا)) مرتين) هذا لفظ مسلم وأبي داود في الحديث الطويل عن جابر في الحجة النبوية، وإدخال الأصابع بعضها في بعض وتكريرها مرتين إما بالقول أو بالفعل يستدعي إدخال أحد النسكين في الآخر، ويؤيده حديث ابن عباس فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة، وقوله: ((لا) أي: ليس لعامنا هذا (بل لأبد أبد))) أي لآخر والأبد الدهر، وفي رواية: بل لا أبد الأبد (وهذا معنى فسخ الحج إلى العمرة) عند أحمد، والظاهر به. وقال الجمهور: معنى الحديث جواز فعل العمرة في أشهر الحج إلى يوم القيامة، وأن القصد إبطال زعم الجاهلية منع ذلك. (قال النووي: وقد اختلف في هذا الفسخ هل هو خاص بالصحابة تلك السنة خاصة) ممنوع حتى للصحابة بعدها (أم باق لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة، فقال أحمد وطائفة من أهل الظاهر: ليس خاصًا بل هو باق إلى يوم القيامة، فيجوز لكل من أحرم بالحج وليس معه هدي أن يقلب إحرامه عمرة ويتحلل بأعمالها) فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر، حتى بالغ ٣٨٩ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَ ل وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السلف والخلف: هو مختص بهم في تلك السنة، لا يجوز بعدها، وإنما أمروا به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج. ومما يستدل به الجماهير، حديث أبي ذر في مسلم: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد عّ لّ خاصة. يعني فسخ الحج إلى العمرة. وفي النسائي عن الحارث بن بلال عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت فسخ الحج إلى العمرة لنا خاصة، أم للناس عامة؟ فقال رسول الله عَ له: ((بل لنا خاصة)). بعض الحنابلة فقال: نحن نشهد اللَّه لو أحرمنا بحج لزمنا فرضًا فسخه إلى عمرة تفاديًا من غضب رسول اللَّه عَّةٍ، ففي السنن عن البراء بن عازب أنه عَ ◌ّه خرج وأصحابه فأحرمنا بالحج، فلما قدمنا مكة، قال: اجعلوها عمرة، فقالوا: قد أحرمنا بالحج فكيف نجعلها عمرة، قال: ((انظروا ما آمركم به فافعلوا)»، فرددوا القول عليه فغضب ... الحديث. (وقال لملك والشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السلف والخلف: هو مختص بهم في تلك السنة، لا يجوز بعدها وإنما أمروا به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج) وأنها من أفجر الفجور، فكسر سورة ما استحبكم في نفوسهم من الجاهلية من إنكاره بحملهم على أنفسهم. (ومما يستدل به الجماهير حديث أبي ذر في مسلم) قال: (كانت المتعة في الحج) أي: فسخ الحج إلى العمرة (لأصحاب محمد عَ له) في تلك السنة (خاصة) وهي حجة الوداع، فلا يجوز بعد ذلك لهم ولا لغيرهم. وعند أبي داود: أن أبا ذر كان يقول فيمن حج ثم فسخها بعمرة لم يكن ذلك إلاَّ للركب الذين كانوا مع رسول اللَّه عَلَه. قال الولي العراقي: وأبو ذر لا يقول هذا إلاّ عن توقيف. (وفي النسائي) وأبي داود وابن ماجه من طريق عبد العزيز الدراوردي عن ربيعة (عن الحرث بن بلال) المزني المدني، قال: قال في التقريب: مقبول. وقال الولي العراقي: لا نعرفه بأكثر مما في هذا الإسناد أنه روى عن أبيه، وروى عنه ربيعة وليس له إلاّ هذا الحديث في الكتب الثلاثة، ولا نعلم أحدًا وثقه فهو مجهول عينًا وحالاً. وقال المنذري: شبيه المجهول (عن أبيه) بلال بن الحرث المزني أبي عبد الرحمن المدني، صحابي، مات سنة ستين وله ثمانون سنة. (قال: قلت: يا رسول الله أرأيت) أي: أخبرني (فسخ الحج إلى العمرة لنا خاصة أم للناس عامة، فقال رسول اللَّه عٍَّ: ((بل لنا خاصة))) وأجاب الحنابلة عن هذا بقول أحمد: ٣٩٠ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّ. قال: وأما الذي في حديث سراقة: ألعامنا هذا أم لأبد؟ فقال: ((لا، بل لأبد أبد)) فمعناه: جواز الاعتمار في أشهر الحج، والقران كما سبق تفسيره. فالحاصل من مجموع طرق الأحاديث: أن العمرة في أشهر الحج جائزة إلى يوم القيامة، وكذلك القران، وأن فسخ الحج إلى العمرة مختص بتلك السنة، والله أعلم، انتهى حديث لا يثبت، وقال أيضًا: لا أقول به ولا يعرف هذا الرجل، يعني الحرث بن بلال ولم يروه غير الدراوردي، وأما الفسخ فرواه أحد وعشرون صحابيًا وأين يقع بلال بن الحرث منهم، وتعقب بأنه لا معارضة بينه وبينهم حتى يرجح لأنهم أثبتوا الفسخ للصحابة وبلال بن الحرث موافقهم، وزاد زيادة لا تخالفهم، وأما تعليله بتفرد الدراوردي به عن ربيعة، وتفرد ربيعة بن الحرث فهذا غير قادح، فإنهما ثقتان وتفرد الثقة لا يضر، ولذا سكت عليه أبو داود فهو عنده صالح، فلم يبق إلاَّ تفرد الحرث به عن أبيه ولم يعلم توثيقه، لكن ينجبر ذلك بحديث أبي ذر، فإنه وإن لم يصرح برفعه لكنه له حكم الرفع، إذ لا يقوله إلاَّ عن توقيف على أن ابن حبان يرى أن من لم يوثق ولم يجرح ثقة. وقد قال الحافظ في تقريبه: إنه مقبول، أي: في الرواية وهي من ألفاظ التعديل، ولذا لم يتجرأ الحافظ المنذري على أن يقول مجهول عينًا وحالاً، بل قال شبيه المجهول ولو سلم أنه لا يصلح للحجية، فحديث ابن عباس المتفق عليه: كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ... الحديث صريح في أن سبب الأمر بالفسخ هو قصد ما استقر في نفوسهم في الجاهلية بتقرير الشرع بخلافه. وقد قال الخطابي: اتفق عوام أهل العلم على أنه إذا أفسد حجه مضى فيه مع الفساد ... أهـ، يعني: فإذا لم يجز فسخ الحج الفاسد، فالصحيح أولى بعدم تجويزه. (قال) النووي: (وأما الذي في حديث سراقة: ألعامنا هذا أم لأبد، فقال: لا بل لأبد أبد، فمعناه جواز الاعتمار في أشهر الحج والقران) أي: وجواز القران (كما سبق تفسيره) في كلام النووي، وأن تفسيره بفسخ الحج إلى العمرة ضعيف، لكن تعقب بأن سياق السؤال يقوّي تفسيره بذلك فإنه الظاهر منه. (فالحاصل من مجموع طرق الأحاديث؛ أن فعل العمرة في أشهر الحج جائزًا إلى يوم القيامة وكذلك القران) باتفاق فيهما (وأن فسخ الحج إلى العمرة مختص بتلك السنة) عند الجمهور، وقيل: وأجمع عليه الصحابة إلّ ابن عباس ولم يعلم له موافق من الصحابة (واللّه أعلم. انتھی) کلام النوري. ٣٩١ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَليه وفي رواية للنسائي أيضًا: لا تصح المتعتان إلا لنا خاصة، يعني متعة النساء ومتعة الحج، يعني فسخ الحج إلى العمرة، ومتعة النساء: هي نكاح المرأة إلى أجل، كان ذلك مباحًا، ثم نسخ يوم خيبر، ثم أبيح يوم فتح مكة ثم نسخ في أيام الفتح، واستمر تحريمه إلى يوم القيامة. وقد كان فيه خلاف في العصر الأول، ثم ارتفع وأجمعوا على تحريمه. وكان عَ لِّ مدة مقامه بمنزله الذي نزل فيه بالمسلمين بظاهر مكة، يقصر الصلاة فيه، وكانت مدة إقامته بمكة قبل الخروج إلى منى أربعة أيام ملفقة، لأنه قدم في الرابع، وخرج في الثامن، فصلى بها إحدى وعشرين صلاة، من أول ظهر الرابع إلى آخر ظهر الثامن، ومن يوم دخوله عَّه مكة وخروجه يوم النفر الثاني من منى إلى الأبطح عشرة أيام سواء. (وفي رواية للنسائي أيضًا) ومسلم، كلاهما عن أبي ذر، قال: (لا تصح المتعتان إلاَّ لنا) معشر الصحابة في حجة الوداع (خاصة يعني متعة النساء ومتعة الحج، يعني: فسخ الحج إلى العمرة) والتفسير بقوله: يعني إلى آخره وقع في سياق الحديث عن مسلم والنسائي (ومتعة النساء هي نكاح المرأة إلى أجل كان ذلك مباحًا ثم نسخ يوم خيبر). قال عياض: تحريمها يوم خيبر صحيح لا شك فيه، وقد قال بعضهم: إنها مما تناوله الإباحة والتحريم والفسخ مرتين كالقبلة (ثم أبيح يوم فتح مكة) لطول غيبتهم عن النساء (ثم نسخ في أيام الفتح) لمكة (واستمر تحريمه إلى يوم القيامة، وقد كان فيه خلاف في العصر الأول) قبل آخر خلافة عمر (ثم ارتفع وأجمعوا على تحريمه) في أواخر خلافة عمر. وفي رواية لأبي داود: أنه نهى عن متعة النساء في حجة الوداع. قال القاضي عياض: الصحيح أن الواقع فيها إنما هو تجديد النهي لاجتماع الناس وليبلغ الشاهد الغائب ولإتمام الدين والشريعة كما قرر غير شيء يومئذ ... اهـ. (وكان عَّةِ مدة مقامه بمنزله الذي نزل فيه بالمسلمين بظاهر مكة يقصر) بضم الصاد (الصلاة فيه، وكانت مدة إقامته بمكة) أي: بظاهرها (قبل الخروج إلى منى أربعة أيام ملفقة، لأنه قدم في الرابع) وهو يوم الأحد من ذي الحجة (وخرج في الثامن) يوم الخميس (فصلى بها إحدى وعشرين صلاة من أول ظهر الرابع إلى آخر ظهر الثامن) يعارضه ما يأتي أنه صلى ظهر الثامن بمنى وهو الصحيح (ومن يوم) ابتداء (دخوله عليه الصلاة والسلام مكة وخروجه يوم النفر الثاني من منى إلى الأبطح:) بألف فموحدة فطاء فحاء مهملتين مسيل واسع فيه دقاق ٣٩٢ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره مَّ. وقدم علي من اليمن على رسول الله عٍَّ فقال له: ((بما أهللت))؟ فقال: بما أهل به رسول الله عَّله، فقال: ((لولا أن معي الهدي لأحللت)). رواه الشيخان من حديث أنس. وفي حديث البراء عند الترمذي والنسائي: دخل علي على فاطمة رضي الله عنهما فوجدها قد نضحت البيت بنضوح فغضب. فقالت: ما لك؟ فإن رسول الله عَّله قد أمر أصحابه فأحلوا، قال: قلت لها إني أهللت بإهلال رسول الله عَّهِ قال: فأتيته فقال لي رسول الله عَُّله: ((كيف صنعت))؟ وقال له: ((انحر من البُذْن سبعًا وستين، أو ستًا وستين، وأمسك لنفسك ثلاثًا وثلاثين أو أربعًا وثلاثين، وأمسك من كل بدنة منها بضعة)). وفي رواية جابر عند مسلم: فوجد فاطمة ممن حل، ولبست ثوبًا صبيغًا الحصى (عشرة أيام سواء، وقدم علي) مكة (من اليمن) لأنه كان بعث إليها (على رسول اللَّه عَلِّ، فقال له: ((بما أهللت))؟) أي: أحرمت، وإثبات ألف ما الاستفهامية مع دخول الجار عليها قليل، ورواه أبو ذر بحذفها على الكثير السائغ نحو: فيم أنت من ذكراها عم يتساءلون (قال: بما) أي: الذي (أهل به رسول اللَّه عَّهُ، فقالوا: لولا أن معي الهدى لأحللت) من الإحرام وتمتعت، لأن صاحب الهدي لا يتحلل حتى يبلغ الهدي محله وهو يوم النحر (رواه الشيخان) والترمذي (من حديث أنس) بن لملك. (وفي حديث البراء) بن عازب (عند الترمذي والنسائي) وأبي داود (دخل علي على فاطمة رضي اللَّه عنهما فوجدها قد نضحت) بفتح النون والضاد المعجمة، أي: رشت (البيت بنضوح) بفتح النون وضاد معجمة وحاء مهملة ضرب من الطيب تفوح رائحته، قاله الولي العراقي (فغضب) لظنه أنها باقية على الإحرام (فقالت: ما لك فإن رسول اللَّه عَلٍَّ قد أمر أصحابه) أي: كثيرًا منهم (فأحلوا، قال: قلت لها: إني أهللت بإهلال النبي عَّةٍ) أي: بما أهل به (قال: فأتيته، فقال رسول اللَّه عَّ: كيف صنعت) في الإهلال، فأخبره بأنه أهل بما أهل به (وقال له: انحر من البدن سبعًا وستين أو ستًا وستين) شك الراوي: (وأمسك لنفسك ثلاثًا وثلاثين أو أربعًا وثلاثين) شك (وأمسك) لي، كما زاده في رواية أبي داود (من كل بدنة منها بضعة:) بفتح الموحدة وتكسر وتضم وسكون المعجمة قطعة لنأكل منها. (وفي رواية جابر عند مسلم) وأبي داود عقب قوله المتقدم: ((لا بل لأبد أبد)) وقدم علي من اليمن ببدن النبي عَّةِ (فوجدنا فاطمة ممن حل) وظاهر هذا أن البدن للمصطفى، وفي ٣٩٣ النّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَ ◌ّه. واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: أبي أمرني بهذا، فقال: صدقتْ صدقتْ مرتين، ماذا قلتَ حيت فرضت الحج؟ قال: قلت اللهم إنى أهل بما أهل به رسولك، قال: فإن معي الهدي فلا تحل. قال جابر: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي عَّه مائة. فحلَّ: الناس كلهم وقصروا إلا النبي معَّ ◌ُّه ومن كان معه هدي. النسائي: قدم علي من اليمن بهدي وساق عَّله من المدينة هديًا، فظاهره أن الهدي كان لعلي، فيحتمل أن عليًا قدم من اليمن بهدي لنفسه وهدي للنبي عَّةِ، فذكر كل راو واحدًا منهما (ولبست) بكسر الموحدة (ثيابًا صبيغًا) أي: مصبوغة غير بيض، فعيل بمعنى: مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث (واكتحلت، فأنكر ذلك عليها) لظنه أنها تابعة للنبي عَّ في إحرامه، ورأى أنه باق على إحرامه. زاد في رواية أبي داود: وقال من أمرك بهذا؟ (قالت: أبي أمرني بهذا) أي: بالإحلال الذي نشأ عنه اللبس والاكتحال لا بهما، إذ هما من المباح وهو غير مأمور به، أو أريد بالأمر الإباحة لا طلب الفعل، وحذف المصنف من الحديث في مسلم وأبي داود، قال: فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول اللَّه عَّه محرشًا على فاطمة للذي صنعت مستفتيًا لرسول اللَّه عَّ فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها (فقال: ((صدقت) فاطمة (صدقت)) مرتين) ففاعل قال النبي عَ ل: وصدقت بسكون التاء خلاف ما يوهمه اختصار المصنف أنه بكسرها وفاعل قال علي ولم يقنع علي بقولها: أبي أمرني، وخبر الواحدة مقبول لجواز أنه فهم أنه أمرها بالإحلال ولا يلزم منه لبس الصبيغ والاكتحال لقرب زمن الإحرام الماضي والذي تنشه، أو جوّز أن أمره لعموم الصحابة وأن لها أمرًا يخصها لأنها بضعة منه فلا تفعل إلاّ ما يفعله، أو فهم أنها ليست ممن لم يسق الهدي، لأن أباها وزوجها ساقاه فهي في حكم من ساقه، وفيه جواز قول الشخص أبي ولو كان معظمًا وأنه ليس تنقيصًا له فيؤخذ منه جواز قول الشريف جدي: يريد النبي عَّه، قاله الولي العراقي ملخصًا ثم قال عَ لَّ لعلي: ((ماذا قلت حين فرضت الحج))؟) أي: ألزمت نفسك بالإحرام (قال: قلت: ((اللهم إني أهل بما أهل به رسولك))) ففيه جواز الإحرام بما أحرم به غيره (قال: «فإنَّ معي الهدي فلا تحل»). (قال جابر: فكان جماعة) أي: جملة (الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي عَّه) من المدينة (مائة) من البدن (فحل الناس كلهم) أي: أكثرهم ومعظمهم، فهو عام أريد به الخصوص، لأن عائشة لم تحل ولم تكن ممن ساق الهدي (وقصروا كلهم) مع أن الحلق أفضل لأجل أن تبقى لهم بقية تحلق في الحج (إلاّ النبي ◌َّه ومن كان معه هدي) فلمّ ٣٩٤ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَ ليه فلما كان يوم التروية، وكان يوم الخميس ضحى، ركب عدّ وتوجه بالمسلمين إلى منى، وقد أحرم بالحج من كان أحل منهم، وصلى عَ لِّ بمنى: الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة، فسار على طريق ضب، ولا يشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، وكانت ((الحمس)) وهم قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة ويقولون نحن قطين الله، أي يحلوا (فلما كان يوم التروية) ثامن الحجة، وقوله: (وكان يوم الخميس ضحى ركب عَّ. وتوجه بالمسلمين إلى منى، وقد أحرم بالحج من كان أحل منهم) لم يقع ذلك في مسلم. ولأبي داود ولفظهما: فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج فركب رسول اللَّه (فصلى عَّله بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر) أي: الصبح كل صلاة لوقتها، وفيه ندب التوجه إلى منى يوم التروية، وكره لملك التقدم إليها قبله. وقال الشافعي: إنه خلاف السنة (ثم مكث قليلاً بمنى (حتى طلعت الشمس وأمر بقبة:) خيمة (من شعر فضربت له بنمرة:) بفتح النون وكسر الميم جبل عن يمين الخارج من مأزمي عرفة، وقوله: فضربت بالفاء والبناء للمفعول، هكذا رواه مسلم وأبو داود، وفي رواية لمسلم: تضرب. قال المصنف في شرحه صفة لقبة أو حال والتقدير أمر بضرب قبة بنمرة قبل قدومه إليها، فحذف المضاف وجعل الصفة دليلاً عليه (فسار على طريق ضب) بفتح الضاد المعجمة وشد الموحدة قرية على يمين الناس اليوم وليس في مسلم ولا في أبي داود على طريق ضب إنما فيهما: فسار رسول اللَّه عَّهِ (ولا يشك قريش، إلا أنه واقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة كما كانت قريش تصنع في الجاهلية) ظاهره أنه ليس لقريش شك في شيء إلاّ في وقوفه عند المشعر فإنهم يشكون فيه وليس المراد ذلك بل عكسه، وهو أنهم لا يشكون في أنه عٍَّ سيقف عند المشهر الحرام على ما كانت عادتهم من وقوفهم به ويقف سائر الناس بعرفة، فقال الأبي: الأظهر في إلاَّ أنها زائدة وأن في موضع نصب على إسقاط الجار، أي: ولا يشك قريش في أنه واقف عند المشهر، ثم انفصل المصنف عن حديث جابر بدون بيان إلى حديث آخر، فقال: (وكانت الحمس) بضم الحاء المهملة وسكون الميم وسين مهملة (وهم قريش ومن ودان دينها) أي: اتبعهم في دينهم ووافقهم عليه واتخذ له دينًا وعبادة. روي إبراهيم الحربي عن مجاهد، قال: الحمس قريش ومن كان يأخذ مأخذها من القبائل، كالأوس والخزرج وخزاعة وثقيف وعدوان وبني عامر بن صعصعة وبني كنانة إلاّ بني بكر ٣٩٥ النَّوع السّادِس في ذكر حجه وعمره ◌َلاتِ جيران بيته فلا نخرج من حرمه، وكان الناس كلهم يبلغون عرفات، وذلك قوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ [البقرة/١٩٩]. والأحمس لغة: الشديد في دينه لما شددوا على أنفسهم، كانوا إذا أهلوا بالحج لا يأكلون لحمًا ولا يضربون بيتًا من وبر ولا شعر، وإذا قدموا مكة وضعوا ثيابهم التي كانت عليهم. وعند الحربي أيضًا عن عبد العزيز بن عمران المدني، قال: سموا حمسًا لأنهم حمسًا بالكعبة، لأن حجرها أبيض يضرب إلى سواد. قال الحافظ: والأول أشهر وأكثر، وذكر الحربي عن أبي عبيدة معمر بن المثنى: كانت قريش إذا خطب إليهم الغريب، اشترطوا عليه أن ولدها على دينهم، فدخل في الحمس ثقيف وخزاعة وغيرهم، فعلم منه أن المراد من أمهاته قرشية لا جميع القبائل (يقفون بالمزدلفة ويقولون: نحن قطين اللّه:) بقاف وطاء جمع قاطن (أي: جيران بيته فلا نخرج من حرمه). قال سفين بن عيينة: وكان الشيطان قد استهواهم، فقال لهم: إنكم إن عظمتم غير حرمكم استخف الناس بحرمكم، فكانوا لا يخرجون منه، رواه الحميدي في مسنده (وكان الناس كلهم يبلغون عرفات) يقفون بها (وذلك قوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ [البقرة/ ١٩٩])، رواه بهذا السياق الإسماعيلي عن سفين بن عيينة من قوله، وظاهره أن المراد الإفاضة من عرفة، وظاهر سياق الآية أنها الإفاضة من مزدلفة لأنها ذكرت بثم بعد ذكر الأمر بالذكر عند المشعر الحرام، وأجاب بعض المفسرين بأن الأمر بالذكر عنده بعد الإفاضة من عرفات التي سيقت بلفظ الخبر تنبيهًا على المكان الذي تشرع الإفاضة منه، فالتقدير فإذا أفضتم اذكروا ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس لا من حيث كانت الحمس يفيضون، أو التقدير: فإذا أفضتم من عرفات إلى المشعر الحرام فاذكروا اللَّه عنده ولتكن من المكان الذي يفيض فيه الناس، ذكره الحافظ وأصل الحديث في الصحيحين، واللفظ لمسلم عن عائشة: كانت قريش ومن دان بدينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمون الحمس، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه عّ لّه أن يأتي عرفات فيقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ [البقرة/١٩٩]، ولهما أيضًا عن عائشة: الحمس هم الذين أنزل اللَّه فيهم: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ ... الحديث. قال الحافظ: عرف برواية عائشة أن المخاطب النبي عَّ والمراد بالناس هنا إبراهيم الخليل، وعنه المراد به الإمام وعن غيره ءادم وقريء شاذًا الناسي بكسر السين بوزن العاصي، أي: أن الإفاضة من عرفات كانت في شريعتهما، قال: والأول أصح. نعم الوقوف بعرفة موروث عن إبراهيم كما روي الترمذي وغيره عن يزيد بن شيبان، قال: ٣٩٦ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّ. وعن جبير بن مطعم قال: أضللت حمارًا لي في الجاهلية، فوجدته بعرفة، فرأيت رسول الله عَّه واقفًا بعرفات مع الناس، فلما أسلمت عرفت أن الله وفقه لذلك. وفي رواية: كان رسول الله عَّ في الجاهلية يقف مع الناس بعرفة على جمل له، ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة فيقف معهم ويدفع إذا دفعوا. كنا وقوفًا بعرفة أتانا ابن مربع، فقال: إني رسول رسول اللَّه عَ له إليكم، يقول لكم: ((كونوا على مشاعركم فإنكم من إرث إبراهيم) ... الحديث، ولا يلزم من ذلك أن المراد خاصة، بل ما هو أعم من ذلك وسببه ما حكته عائشة، وأما ثم في الآية فقيل بمعنى الواو، واختاره الطحاوي، وقيل: لقصد التأكيد لا لمحض الترتيب، والمعنى: إذا أُفضتم من عرفات فاذكروا اللَّه عند المشعر الحرام، ثم اجعلوا إفاضتكم التي تفيضونها من حيث أفاض الناس لا من حيث كنتم تفيضون. قال الزمخشري: وموقع ثم هنا موقعها من قولك: أحسن إلى الناس، ثم لا تحسن إلى غير كريم فتأتي بثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم والإحسان إلى غيره، فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات بين لهم مكان الإفاضة، فقال: ثم أفيضوا التفاوت ما بين الإفاضتين، وإن إحداهما صواب والأخرى خطأ. قال الخطابي: تضمنت الآية الأمر بالوقوف بعرفة، لأن الإفاضة إنما تكون عن اجتماع قبلها، وكذا قال ابن بطال وزاد: وبين الشارع مبدأ الوقوف ومنتهاه ... اهـ. (وعن جبير بن مطعم) القرشي النوفلي الصحابي العالم بالأنساب (قال: أضللت حمارًا لي) أي: أضعته، أو ذهب هو، وفي الصحيحين، عنه: بعيرًا لي، فيحتمل التعدد (في الجاهلية) قبل إسلامه، فتطلبته (فوجدته بعرفة فرأيت رسول اللَّه عَِّ واقفًا بعرفات مع الناس، فلما أسلمت) يوم الفتح (عرفت أن اللَّه وفقه) عَّ (لذلك) أخرج هذا الحديث بهذا اللفظ إسحق بن راهويه في مسنده. (وفي رواية) له أيضًا ولابن خزيمة عن جبير: (كان رسول اللَّه) لفظه: رأيت رسول اللَّه (صَلّه في الجاهلية يقف مع الناس بعرفة على جمل له) زاد محمد بن إسحق في مغازيه: قبل أن ينزل عليه الوحي (ثم يصبح مع قومه) قريش (بالمزدلفة فيقف معهم ويدفع إذا دفعوا) زاد ابن إسحق توفيقًا له من اللَّه. وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم، قال: أضللت بعيرًا لي فذهبت أطلبه يوم عرفة، فرأيت النبي عَّهِ واقفًا بعرفة، فقلت: هذا واللَّه من الحمس، فما شأنه ههنا، وعلم من الروايتين اللتين ساقهما المصنف أن هذا كان قبل إسلام جبير، فلذا أنكر عليه مخالفته لقومه لا كما ظن ٣٩٧ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه ولما بلغ طَّلِ عرفة وجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بـ ((القصواء)) فرحلت له، فركب فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: ((إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدميّ موضوع، ودماء السيهلي أن رؤية جبير لذلك كانت في حجة الوداع فاستشكله، ثم عاد المصنف إلى حديث جابر، فقال: (ولما بلغ عَّ عرفة) أي: قربها لقوله: (وجد القبة) ولفظه عقب قوله: كما كانت تصنع قريش في الجاهلية، فأجاز، أي: جاوز رسول اللَّه عَ لّه، أي: المزدلفة حتى أتى عرفة فوجد القبة (قد ضربت له بنمرة) وليست من عرفة (فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس) بغين معجمة مالت للزوال (أمر) عَّهُ (بالقصواء) بفتح القاف والمد تقدم الكلام فيها غير مرة (فرحلت) بضم الراء وكسر المهملة مخففة (له) أي: شد الرحل على ظهرها (فركب فأتى بطن الوادي) وهو عرنة بضم العين وفتح الراء المهملتين بعدها نون (فخطب الناس) ففيه أنه يستحب للإمام أن يخطب يوم عرفة في هذا الموضع، وبه قال الجمهور والمدنيون والمغاربة من ، المالكية وهو المشهور، فقول النووي خالف فيها المالكية فيه نظر، إنما هو قول العراقيين منهم والمشهور خلافه، واتفق الشافعية أيضًا على استحبابها خلافاً لما توهمه عياض والقرطبي. (وقال: ((إن دماء كم وأموالكم) زاد في بعض طرق هذا الحديث: وأعراضكم (حرام عليكم) معناه: أن دماء بعضكم على بعض حرام وأموال بعضكم على بعض حرام، وإن كان ظاهر اللفظ أن دم كل واحد حرام عليه نفسه ومال كل واحد حرام عليه نفسه، فليس بمراد؛ لأن | الخطاب للمجموع، والمعنى: فيه مفهوم ولا تبعد إرادة المعنى الثاني، أما الدم فواضح، وأما المال فمعنى تحريمه عليه تحريم تصرفه فيه على غير الوجه المأذون فيه شرعًا، قاله الولي العراقي. قال عياض: فيه أن تحريم الدماء والأموال على حد واحد ونهاية من التحريم، وفيه ضرب الأمثال وقياس ما لم يعلم على ما علم لقوله: (كحرمة يومكم هذا) يوم عرفة (في شهركم هذا) ذي الحجة (في بلدكم هذا) مكة لاتفاقهم على تحريم ذلك وتعظيمه ... اهـ. وفي تقديم اليوم على الشهر وهو على البلد الترقي، فالشهر أقوى من اليوم وهو ظاهر في الشهر لاشتماله على اليوم فاحترامه أقوى من احترام جزئه، وأما زيادة حرمة البلد فلأنه محرم في جميع الشهور لا في هذا الشهر وحده، فحرمته لا تختص به فهو أقوى منه. قال التوربشتي: أراد أموال بعضكم على بعض، وإنما ذكره مختصرًا اكتفاء بعلم المخاطبين حيث جعل أموالكم قرينة دمائكم، وإنما شبه تحريم ذلك باليوم والشهر والبلد، لأنهم يعتقدون أنها ٣٩٨ النَّوع السّادِس في ذكر حجه وعمره عَّ. الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع وأول ربًا أضع ربانا، محرمة أشد التحريم لا يستباح منها شيء، وفيه مع بيان حرمة الدماء والأموال تأكيد لحرمة تلك الأشياء التي شبه بتحريمها الدماء والأموال. وقال الطيبي: هذا من تشبيه ما لم تجر به العادة بما جرت به، لأنهم عالمون بحرمة الثلاث، كما في قوله: وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة كانوا يستبيحون دماءهم وأموالهم في الجاهلية في غير الأشهر الحرم ويحرمونها فيها، كأنه قيل: إن دماءكم وأموالكم محرمة عليكم أبدًا كحرمة الثلاث، ثم أتبعه بما يؤكده، فقال: (ألاً) بالفتح والتخفيف (أن كل شيء من أمر الجاهلية) الذي أحدثوه والشرائع التي شرعوها في الحج وغيره، قاله في المفهم: (تحت قدمي) بشد الياء مثنى (موضوع) أي: مردود وباطل حتى صار كاشيء الموضوع تحت القدمين (ودماء) بكسر الدال وبالهمز والمد (الجاهلية موضوعة). قال الولي: يمكن أنه عطف خاص على عام لاندراج دمائها في أمورها، ويمكن أنه لا يندرج لحمل أمورها على ما ابتدعوه وشرعوه، وإيجاب القصاص على القاتل ليس مما ابتدعوه، وإنما أريد قطع النزاع بإبطال ذلك لأن منها ما هو حق، ومنها ما هو باطل، وما يثبت وما لا يثبت (فإن أول دم أضع من دمائنا) أهل الإسلام، أي: أبدأ في وضع الدماء التي يستحق المسلمون ولايتها بأهل بيتي (دم ابن ربيعة بن الحرث) بن عبد المطلب واسم هذا الابن إياس، قاله الجمهور والمحققون، وقيل: حارثة، وقيل: تمام، وقيل: ءادم. قال الدارقطني: وهو تصحيف، ولبعض رواة مسلم وأبي داود دم ربيعة، وهو وهم، لأن ربيعة عاش حتى توفي زمن عمر سنة ثلاث وعشرين، وتأوله أبو عبيد بأنه نسبه إليه لأنه ولي دم ابنه وهو حسن ظاهر به تتفق الروايتان. (كان) هذا الابن طفلاً (مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل) بهاء مضمومة فمعجمة مفتوحة، قال الولي العراقي: ظاهره أنها تعمدت قتله، وذكر الزبير بن بكار أنه كان صغيرًا يحبو بين البيوت فأصابه حجر في حرب كانت بين بني سعد وبين ليث بن بكر، كذا ذكره عياض والنووي وغيرهما ساكتين عليه وهو مناف لقوله: فقتلته هذيل لأنهم غير بني ليث، إذ هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر وليث بن بكر بن عبد مناة بن كتانة بن خزيمة بن مدركة كما بينه أبو عبيد القُسم بن سلام في أنسابه. انتهى. (وربا الجاهلية موضوع) أي: الزائد على رأس المال، كما قال تعالى: ﴿وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم﴾ [البقرة/٢٧٩] وهذا إيضاح، إذ المقصود مفهوم من لفظ ربا، فإذا وضع الربا ٣٩٩ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عدّله. ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة من اللّه، ولكم عليهن أن لا يوطئن فمعناه وضع الزيادة، قاله النووي. قال الولي: ولا شك أن عطف هذا على أمر الجاهلية من الخاص على العام، لأنه من إحداثاتهم وشرعهم الفاسد (وأول ربا أضع) مبتدأ خبره (ربانا ربا العباس) بدل منه، أو خبر محذوف، أي: هو ربا العباس (بن عبد المطلب) وهكذا الرواية في مسلم وأبي داود، فما في نسخة: أضع من ربانا بزيادة من تحريف لم يوجد في الأصول (فإنه موضوع كله) يحتمل عود ضمير أنه لربا العباس تأكيدًا لوضعه، ويحتمل لجميع الربا، أي: ربا العباس موضوع، لأن الربا موضوع كله، قاله الولي: وإنما بدأ في وضع دماء الجاهلية ورباها من أهلِ الإسلام بأهل بيته ليكون أمكن في قلوب السامعين وأسد لأبواب الطمع في الترخيص (فاتقوا اللّه في النساء). قال الطيبي: هو عطف من حيث المعنى على دماءكم وأموالكم، أي: فاتقوا اللَّه في استباحة الدماء ونهب الأموال، وفي النساء: وهو من عطف الطلب على الخبر بالتأويل، كما عطف ﴿وامتازوا اليوم أيها المجرمون﴾ [البقرة/١٧٩]، على قوله: ﴿إِن أصحاب الجنة﴾ [یس/٥٥]. وقال الولي العراقي: يحتمل أن الفاء زائدة، لأن في رواية بدونها وأنها للسببية، لأنه لما قرر إبطال أمر الجاهلية وكان من جملتها منع النساء من حقوقهن وترك إنصافهن أمرهم بمتابعة الشرع في إنصافهن، فكأنه قيل: فبسبب إبطال أمر الجاهلية اتقوا اللَّه في النساء وأنصفوهن، فإن تركه من أمر الجاهلية، قال: وفي تحتمل السببية نحو فذلكن الذي لمتنني فيه والظرفية مجازًا نحو ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ [البقرة/١٧٩]، أي: أن النساء ظرف للتقوى المأمور بها (فإنكم أخذتموهن بأمانة اللَّه) أي: بأن اللَّه ائتمنكم عليهن، فيجب حفظ الأمانة وصيانتها بمراعاة حقوقها والقيام بمصالحها الدينية والدنيوية، قاله في المفهم. وفي كثير من أصول مسلم بأمان اللَّه بلا هاء، كما قال النووي وهو يقوّي أن في قوله: أخذتموهن دلالة على أنها كالأسيرة المحبوسة تحت زوجها وله التصرف فيها والسلطنة عليها، ويوافقه قوله في رواية أخرى: فإنهن عوان عندكم: جمع عانية وهي الأسيرة، لكنها ليست أسيرة خائفة كغيرها من الأسراء، بل هي أسيرة آمنة (واستحللتم فروجهن بكلمة من الله) أي: قوله: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة/٢٢٩]. قال الخطابي: هذا أحسن الوجوه. قال المازري: ويحتمل بإباحة اللَّه المنزلة في كتابه. ٤٠٠ النَّوع السّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما إن لا تضلوا بعده إن اعتصمتم قال عياض: قيل: هي التوحيد لا إله إلاَّ اللَّه محمد رسول اللَّه، إذ لا يحل لغير مسلم أن يتزوج مسلمة، وقيل: كلمة النكاح التي يستحل بها الفروج. انتهى، أي: الصيغ التي تنعقد بها من إيجاب وقبول، ورجح هذا في المفهوم، قال: فإن حكم اللَّه كلامه المتوجه للمحكوم عليه على جهة الاقتضاء أو التخيير. وكذا النووي، فقال: المراد بإباحة اللَّه والكلمة: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء/٣]، وهذا هو الصحيح. انتهى، ولما ذكر استحلال الزوج بكلمة الله وعلم منه تأكيد الصحبة بين الزوجين انتقل إلى بيان ما على كل واحد منهما من الحقوق، وبدأ بحق الأزواج لأنهم المخاطبون، فقال: (ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه) أي: تكرهون دخوله في بيوتكم سواء كرهتم ذاته أم لا، وعبر بفرش لأن الداخل يطأ فراش المنزل الذي يدخل فيه، أي: أنه ليس للزوجة أن تمكن أحدًا ولو امرأة أو محرمًا من دخول بيت زوجها إلاَّ إذا علمت عدم كراهية زوجها لذلك. هكذا حمله القرطبي والنووي على العموم (فإن فعلن ذلك) بدون رضاكم بلفظ صريح أو بقرائن، فلو شككن أنهم يكرهونه لم تمكن لأن الأصل المنع (فاضربوهن ضربًا غير) بالنصب (مبرح) بضم الميم وفتح الموحدة وكسر الراء المشددة وحاء مهملة، أي: غير شديد شاق من البرح وهو المشقة. وقال الخطابي: معنى الحديث أن لا يأذن لأحد من الرجال يدخل فيتحدث إليهن، وكان الحديث من الرجال إلى النساء من عادات العرب ولا يعدونه عيبًا ولا يعدونه ريبة، فلما نزلت آية الحجاب وصار النساء مقصورات نهى عن محادثتهن والقعود إليهن، وليس المراد بوطء الفرش هنا نفس الزنا لأنه محرم على الوجوه كلها، فلا معنى لاشتراط الكراهية فيه، ولو أريد الزنا لكان الضرب الواجب فيه هو المبرح الشديد والعقوبة المؤلمة من الرجم دون الضرب الذي ليس بمبرح، وذكر المازري وعياض نحوه، وقال الطيبي: ظاهر قوله: أن لا يوطئن فرشكم أحدًا مشعر بالكناية عن الجماع فعبر به عن عدم الإذن مطلقًا. انتهى. (ولهن عليكم) وجوبًا (رزقهن وكسوتهن) بكسر الكاف وضمها لغتان مشهورتان (بالمعروف) على قدر كفايتهن دون سرف ولا تقتير (وقد تركت فيكم ما إن لا تضلوا بعده) يحتمل أن إن زائدة وأنها شرطية حذف شرطها، أي: إن تمسكتم به لا تضلوا، لكن هذا تصحيف من المصنف أو نساخه، فالرواية في مسلم وأبي داود، ولفظها: ما لن تضلوا بعده (إن اعتصمتم به) أي: بعد التمسك به والعمل بما فيه، وفي هذا التركيب إبهام وتوضيح وذلك لبيان أن هذا