النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ النَّوع السّادِس في ذكر حجه وعمره عزّ ورواه أبو داود وابن حبان من طريق عطاء عن ابن عباس أنه قال: يا زيد بن أرقم، هل علمت أن رسول الله عَّهِ .. فذكره. واتفقت الروايات كلها على أنه رده عليه، إلا ما رواه ابن وهب والبيهقي من طريقه بإسناد حسن من طريق عمرو بن أمية: أن الصعب أهدى للنبي عَّ عجز حمار وحش، وهو بالحجفة، فأكل منه وأكل القوم، قال البيهقي، إن كان هذا محفوظًا فلعله رد الحي وقبل اللحم. قال في فتح الباري: وفي هذا الجمع نظر، فإن كانت الطرق كلها محفوظة فلعله رد حيًا لكونه صيد لأجله، ورد اللحم تارة لذلك، وقبله تارة أخرى حيث علم أنه لم يصده لأجله. وقد قال الشافعي في ((الأم)): إن كان الصعب أهدى حمارًا حيًّا لحم حمار. وقال الترمذي: روى بعض أصحاب الزهري لحم حمار وحش وهو غير محفوظ ونحوه للبيهقي وزاد، وقد قال ابن جريج: قلت لابن شهاب الحمار عقير، قال: لا أدري، ومنهم من جمع بحمل أهدى حمارًا على أنه من إطلاق اسم الكل على البعض ويمتنع عكسه، لأن إطلاق الرجل على الحيوان كله لا يعهد، إذ لا يطلق على زيد أصبع ونحوه، إذ شرط إطلاق اسم البعض على الكل التلازم، كالرقبة على الإنسان والرأس، فإنه لا إنسان دونهما بخلاف نحو الرجل والظفر وبغير ذلك كما يأتي للمصنف (ورواه أبو داود) والنسائي (وابن حبان من طريق عطاء عن ابن عباس أنه قال: يا زيد بن أرقم هل علمت أن رسول اللَّه عَّه) أهدي إليه عضو صيد فلم يقبله، وقال: ((أنا حرم)، قال: نعم، فقوله: (فذكره) أي: بنحو رواية مسلم. (واتفقت الروايات كلها على أنه رده عليه إلاّ ما رواه ابن وهب) عبد اللَّه في جامعه (والبيهقي من طريقه) أي: ابن وهب (بإسناد حسن من طريق) أي: حديث (عمرو) بفتح العين (ابن أمية) الضمري الصين (أن الصعب أهدى للنبي عَ له عجز حمار وحش وهو بالجحفة، فأكل منه وأكل القوم). متقرية (قال البيهقي: إن كان هذا) الحديث (محفوظًا، فلعله رد الحي وقبل اللحم قال في فتح الباري: وفي هذا الجمع نظر، فإن كانت الطرق كلها محفوظة فلعله رد حيًا لكونه صيد لأجله ورد اللحم تارة لذلك) وهو ما في الطرق المتقدمة. (وقبله تارة أخرى حيث علم أنه لم يصده لأجله) وهو ما في حديث عمرو بن أمية. (وقد قال الشافعي في الأم: إن كان الصعب أهدى حمارًا حيًا فليس للمحرم أن ٣٦١ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَلَيه فليس للمحرم أن يذبح حمار وحش، وإن كان أهدى له لحمًا فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له فرده عليه. ونقل الترمذي عن الشافعي: أنه رده لظنه أنه صيد من أجله فتركه على وجه التنزه، ويحتمل أن يحمل القبول المذكور في حديث عمرو بن أمية على وقت آخر، وهو حال رجوعه عَّ له من مكة، ويؤيده: أنه جزم بوقوع ذلك في الجحفة، وهو في غيرها من الروايات: بالأبواء أو بودان. وقال القرطبي: يحتمل أن يكون الصعب أحضر الحمار مذبوحًا لا حيًا ثم قطع منه عضوًا بحضرة النبي عَّهِ فقدمه له، فمن قال: أهدى حمارًا أراد بتمامه مذبوحًا لا حيًا، ومن قال: لحم حمار أراد ما قدمه للنبي عَّه قال: ويحتمل أن يكون من أراد حمارًا، أطلق وأراد بعضه مجازًا، قال: ويحتمل أنه أحفره له حيًّا، فلما رده عليه ذكاه وأتاه بعضو منه ظنًا أنه إنما رده عليه لمعنى يختص بجملته، فأعلمه بامتناعه أن حكم الجزء حكم الكل. قال: والجمع مهما يذبح حمار وحش، وإن كان أهدى له لحمًا، فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له فرده علیه) لأنه لا يجوز للمحرم لحم ما صيد له. (ونقل الترمذي عن الشافعي أنه رده لظنه أنه صيد من أجله فتركه على وجه التنزه، ويحتمل أن يحمل القبول) بموحدة بعد القاف (المذكور في حديث عمرو بن أمية على وقت آخر، وهو حال رجوعه عَّهِ من مكة، ويؤيده أنه جزم بوقوع ذلك في الجحفة وهو في غيرها من الروايات، قال: بالأبواء أو بودان) فكأنه لما رده لأنه محرم أهدي له بعدما حل فقبله وهذا جمع حسن. (وقال القرطبي: يحتمل) في طريق الجمع بين الروايات السابقة (أن يكون الصعب أحضر الحمار مذبوحًا) بتمامه (لا حيًّا، ثم قطع منه عضوًا بحضرة النبي عَّ فقدمه له، فمن قال: أهدي حمارًا، أراد بتمامه مذبوحًا لا حيًا، ومن قال: لحم حمار أراد ما قدمه للنبي عَّله) وهذا جمع متجه، إذ ليس في رواية حمار تصريح بأنه حي إنما هو ظاهر فقط. (قال: ويحتمل أن يكون من أراد حمارًا أطلق) اسم الكل (وأراد بعضه مجازًا) من إطلاق الكل على البعض وهو سائغ ويمتنع عكسه كما مر (قال: ويحتمل أنه أحضره له حيًّا، فلما رده عليه ذكاه وأتاه بعضو منه ظنًا أنه إنما رده عليه لمعنى يختص بجملته، فأعلمه بامتناعه) من قبوله (أن حكم الجزء حكم الكل) في أنه لا يحل للمحرم، وهذا الجمع قريب وفيه إبقاء اللفظ على المتبادر منه الذي ترجم عليه البخاري إذا أهدي للمحرم حمارًا وحشيًا حيًّا ٣٦٣ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره علّ. أمكن أولى من توهيم بعض الرواة. وقال النووي: قال الشافعي وآخرون: ويحرم تملك الصيد بالبيع والهبة ونحوهما، وفي ملكه إياه بالإرث خلاف، وأما لحم الصيد فإن صاده المحرم أو صيد له فهو حرام، سواء صيد له بأذنه أو بغير إذنه، وإن صاده حلال لنفسه ولم يقصد به المحرم، ثم أهدى من لحمه للمحرم أو باعه لم يحرم عليه، هذا مذهبنا، وبه قال مالك وأحمد وداود، وقال أبو حنيفة: لا يحرم عليه ما صيد له بغير إعانة منه، وقالت طائفة: لا يحل له لحم الصيد أصلاً، سواء صاده، أو صاده غيره له، قصده أو لم يقصده، فيحرم مطلقًا. حكاه القاضي عياض عن علي وابن عمر وابن عباس لقوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾ [المائدة/٩٦]، قالوا: والمراد بالصيد المصيد، ولظاهر حديث الصعب بن جثامة، فإنه عَّ رده وعلل رده عليه بأنه محرم، ولم يقل: بأنك صدته لنا. لم يقبل مع أنه لم يقل في الحديث حيًّا، فكأنه فهمه من قوله حمارًا (قال: والجمع مهما أمكن أولى من توهيم بعض الرواة) كما هو القاعدة عند المحدثين. (وقال النووي: قال الشافعي وآخرون: ويحرم تملك الصيد) سواء كان ملكًا لغير المحرم وأخذه منه (بالبيع) أي: الشراء (والهدية ونحوهما) كالعارية والصدقة، أو كان مباحًا أخذه من البادية (وفي ملكه إياه بالإرث خلاف) أرجحه عندهم أنه يملكه ولا يؤمر بإزالة ملكه عنه، لأنه لم يملكه اختيارًا ولا قصر بعدم إرساله قبل الإحرام. (وأما لحم الصيد فإن صاده المحرم أو صيد له فهو حرام سواء صيد له بإذنه أو بغير إذنه، وإن صاده حلال لنفسه ولم يقصد به المحرم، ثم أهدى من لحمه للمحرم أو باعه) أو تصدق به عليه (لم يحرم) أكله على المحرم (هذا مذهبنا وبه قال لملك وأحمد وداود وقال أبو حنيفة: لا يحرم عليه ما صيد له بغير إعانة منه) لظاهر حديث أبي قتادة: أنه صاد. لأجلهم، ورد بأنه يحتاج إلى تصريح بذلك. (وقالت طائفة: لا يحل له لحم الصيد أصلاً سواء صاده أو صاده غيره له قصده أو لم يقصده فيحرم مطلقًا، حكاه القاضي عياض عن علي وابن عمر وابن عباس، لقوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾﴾ [المائدة/٩٦] (قالوا: والمراد بالصيد المصيد فلا فرق بین أن یصیده محرم أو حلال. (ولظاهر حديث الصعب بن جثامة، فإنه عَّ رده وعلل رده عليه بأنه محرم ولم يقل ٣٦٤ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه. واحتج الشافعي وموافقوه: بحديث أبي قتادة المذكور في صحيح مسلم، فإنه عَّلِ قال في الصيد الذي صاده أبو قتادة وهو حلال، قال للمحرمين: (هو حلال فكلوه)). وفي الرواية الأخرى قال: ((فهل معكم منه شيء)؟ قالوا: معنا رجله، فأخذها رسول الله عَةٍ فأكلها. ولما مرَّ عَّ بوادي عسفان قال: ((يا أبا بكر، أي واد هذا))؟ قال وادي عسفان قال: ((لقد مؤَّ به هود وصالح على بكرين أحمرين خطامهما الليف، بأنك صدته لنا) وأجيب بأن تعليله بذلك لا يمنع كونه صيد له، لأن الصعب كان عالمًا بأنه معدّه يمر به فحمله على أنه صاده لأجله ولأنه بين الشرط المحرم للصيد على الإنسان إذا صيد له وهو الإحرام وقبل عَّ حمار البهري وفرقه على الرفاق كما في الموطأ، لأنه كان يتكسب بالصيد فحمله على عادته في أنه لم يصد لأجله، وعن الآية الكريمة بحملها على الاصطياد وعلى لحم ما صيد للمحرم للأحاديث المبينة للمراد بها كحديث أبي قتادة، وحديث جابر. رفعه: صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم، رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وسكت عليه أبو داود وصححه الحاكم والرواية يصاد بالألف على لغة: ألم يأتيك والأنباء تنمي. (واحتج الشافعي وموافقوه بحديث أبي قتادة) الحرث بن ربعي (المذكور في صحيح مسلم، فإنه عَِّ قال في الصيد الذي صاده أبو قتادة) وهو حمار وحش (وهو حلال قال:) أعادها الطول الفصل (للمحرمين هو حلال فكلوه) لأنه لم يصده لكم بل لنفسه، ولأحمد والطيالسي وأبي عوانة، فقال: كلوا واطعموني. (وفي الرواية الأخرى) في الصحيحين وغيرهما (قال) عَّهِ: ((فهل معكم منه شيء)) من لحمه (قالوا: معنا رجله، فأخذها رسول اللَّه عَلَّه فأكلها). وللبخاري: فناولته العضد فأكلها حتى تعرقها. وفي رواية: فدفعنا له الذراع فأكل منها، وجمع بأنه أكل من الأمرين. (ولما مر عَّ بوادي عسفان) بضم العين وإسكان السين المهملتين قرية جامعة قرب مادة (قال: يا أبا بكر أي واد هذا؟، قال: وادي عسفان) ظاهر الاستفهام أنه لا يعلم أنه وادي عسفان، ويحتمل أنه استنطاق، ولا يرد أن عادتهم أن يقولوا في الاستنطاق اللَّه ورسوله أعلم، لأن ذلك في الأمور العلمية وهذا خبر عن محسوس، ولا يرد أنهم قالوا ذلك حين قال: أي بلد هذا، أي شهر هذا، وهما محسوسان لأن ذلك استجلاب لما عسى أن يخبرهم بما لا يعلمون، أشار إليه الأبي وغيره. (قال: لقد مر به هود وصالح) عليهما الصلاة والسلام (على بكرين أحمرين) أي: أن ٣٦٥ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه وأزرهما العباء وأرديتهما النمار يلبون يحجون البيت العتيق)). رواه أحمد. وفي رواية مسلم من حديث ابن عباس، لما مر بوادي الأزرق قال: ((كأني أنظر إلى موسى هابطًا من الثنية واضعًا أصبعيه في أذنيه مارًا بهذا الوادي، وله جؤار إلى الله بالتلبية)). ووادي الأزرق خلف أمج - بفتح الهمزة والميم والجيم - قرية ذات مزارع، بينه وبين مكة ميل واحد. ولم يعين في رواية البخاري الوادي، ولفظه: ((أما موسى كأني أنظر إليه إذا انحدر من الوادي يلبي)). كل واحد منهما مر في زمن مروره على بكر أحمر، إذ هو متقدم على صالح بزمان (خطامهما) بكسر المعجمة وفتح المهملة حبلهما المشدود على خطمهما وهو مقادم أنفهما وفمهما (الليف) تواضعًا للَّه تعالى جبلة جبل عليها الأنبياء، ونسخة خطمهما تحريف (وأزرهما العباء) بمهملة (وأرديتهما النمار:) جمع نمرة بردة من صوف تلبسهما الأعراب (يلبون يحجون البيت العتيق) الكعبة (رواه أحمد) في مسنده. (وفي رواية مسلم) في أواخر كتاب الإيمان (من حديث ابن عباس: لما مر) عَّ (بوادي الأزرق) في حجة الوداع، ففي رواية لمسلم أيضًا عن ابن عباس قال: سرنا مع رسول اللَّه عَ لَله بين مكة والمدينة، فمررنا بواد فقال: أي واد هذا؟، قالوا: وادي الأزرق الحديث، إذ النبي عَّةٍ لم يسر لمكة بعد فتحها إلاّ لحجة الوداع، وابن عباس قبل فتحها كان مع أبويه بمكة (قال: ((كأني أنظر إلى موسى هابطًا من الثنية) الطريق في الجبل (واضعًا أصبعيه في أذنيه) بالتثنية فيهما (مارًا بهذا الوادي وله جؤار) بضم الجيم وهمزة مفتوحة ممدودة فراء، أي: صوت مرتفع، قال تعالى: ﴿ثم إليه تجأرون﴾، أي: ترفعون أصواتكم، قال أبو نعيم: الجزار صوت فيه استغاثة (إلى اللَّه بالتلبية)) ووادي الأزرق خلف أمج - بفتح الهمزة والميم وبالجيم - قرية ذات مزارع بينه) أي: أمج (وبين مكة ميل واحد ولم يعين في رواية البخاري الوادي، ولفظه: أما موسى كأني أنظر إليه) جواب أما، والأصل: فكأني، فحذف الفاء وهو حجة على من قال من النحاة: لا يجوز حذفها لا أن يقال حذفها من الراوي، وقد جوز ابن لملك حذفها في السعة وخصه بعضهم بالضرورة (إذ انحدر) بدون ألف، ولبعض الرواة بإثباتها وأنكرها بعضهم وغلط راويها. قال عياض: وهو غلط منه، إذ لا فرق بين إذا وإذ هنا، لأنه وصفه حالة انحداره فيما ٣٦٦ النَّوع السادس في ذكر حجه وعمره عَّه. قال المهلب: هذا وهم من بعض رواته، لأنه لم يأت في أثر ولا خبر أن موسى حي، وأنه سيحج، وإنما أتى ذلك عن عيسى فاشتبه على الراوي، ويدل عليه قوله في الحديث الآخر: ((ليهلن ابن مريم بفج الروحاء)). انتهى. وهو تغليط للثقات بمجرد التوهم، وقد ذكر البخاري الحديث في اللباس من صحيحه بزيادة ذكر إبراهيم فيه أفيقال: إن الراوي الآخر قد غلط فزاده؟ وفي رواية مسلم المتقدمة ذكر يونس، أفيقال: إن الراوي الآخر قد غلط فزاد يونس؟ وتعقب أيضًا: بأن توهيم المهلب للراوي وهم منه، وإلا فأي فرق بين موسى وعيسى؟ لأنه لم يثبت أن عيسى منذ رفع إلى السماء نزل إلى الأرض، وإنما ثبت أنه سينزل. مضى (من الوادي) وادي الأزرق كما علم من رواية مسلم (يلبي) بصوت عال. (قال المهلب: هذا وهم من بعض رواته لأنه لم يأت في أثر ولا خبر أن موسى حي وأنه سيحج، وإنما أتى ذلك عن عيسى فاشتبه على الراوي، ويدل عليه قوله في الحديث الآخر: ليهلن ابن مريم بفج) بفاء وجيم، أي: طريق (الروحاء) بالمد. (انتهى، وهو) كما قال الحافظ (تغليط للثقات بمجرد التوهم. (وقد ذكر البخاري الحديث في) كتاب (اللباس من صحيحه بزيادة ذكر إبراهيم فيه) ولفظه عن مجاهد، قال: كنا عند ابن عباس فذكروا الدجال أنه قال مكتوب بين عينيه كافر، فقال ابن عباس: لم أسمعه قال ذلك، ولكنه قال: أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم، وأما موسى فرجل عادم جعد على جمل مخطوم بخلبة بضم الخاء المعجمة ولام ساكنة وموحدة، أي: ليف كأني أنظر ... الخ، وكذا رواه مسلم من هذا الوجه بلفظه (أفيقال: إن الراوي قد غلط فزاده) بهمزة الاستفهام الإنكاري. (وفي رواية مسلم المتقدمة ذكر يونس) ولفظه: ثم أتى على ثنية هرشاء، فقال: أي ثنية هذه؟، قالوا: ثنية هرشاء، قال: كأني أنظر إلى يونس بن متى على ناقة حمراء جعداء عليه جبة من صوف خطام ناقته خلبة وهو يلبي (أفيقال إن الراوي الآخر قد غلط، فزاد يونس) لأنه إذا قيل ذلك ارتفع الوثوق بالروايات الصحيحة بلا مستند بل مجرد التوهم. (وتعقب أيضًا) والمتعقب الزين بن المنير في الحاشية كما في الفتح (بأن توهيم المهلب للراوي وهم منه وإلاَّ فأي فرق بين موسى وعيسى، لأنه لم يثبت أن عيسى منذ رفع إلى السماء نزل إلى الأرض، وإنما ثبت أنه سينزل، وأجيب:) والمجيب الحافظ (بأن ٣٦٧ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره ◌َّ وأجيب: بأن المهلب أراد أن عيسى لما ثبت أنه سينزل كان كالمحقق، فقال: ((كأني أنظر إليه)) ولهذا استدل المهلب بحديث أبي هريرة الذي فيه ((ليهلن ابن مريم بالحج)). وقد اختلف في معنى قوله: ((كأني أنظر إليه)). فقيل: إن ذلك رؤيا منام تقدمت له فأخبر عنها لما حج عندما تذكر ذلك، ورؤيا الأنبياء وحي. وقيل: هو على الحقيقة، لأن الأنبياء أحياء عند ربهم يرزقون. فلا مانع أن يحجوا في هذه الحالة، كما في صحيح مسلم عن أنس: أنه رأى موسى قائمًا في قبره يصلي. قال القرطبي: حببت إليهم العبادة، فهم يتعبدون بما يجدونه من دواعي أنفسهم لا بما يلزمون به، كما يلهم أهل الجنة الذكر. ويؤيده أن عمل الآخرة ذكر ودعاء لقوله تعالى: ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم﴾ [يونس/١٠] الآية. المهلب أراد أن عيسى لما ثبت أنه سينزل كان كالمحقق، فقال: كأني أنظر إليه، ولهذا استدل المهلب بحديث أبي هريرة الذي فيه ليهلن ابن مريم بالحج) يعني: وإن كان هذا الذي أراده ليس بشيء لأنه مجرد توهم. (وقد اختلف في معنى قوله: كأني أنظر إليه، فقيل: إن ذلك رؤيا منام تقدمت له، فأخبر عنها لما حج عندما تذكر ذلك ورؤيا الأنبياء وحي) قال الحافظ: وهذا هو المعتمد عندي لما سيأتي في أحاديث الأنبياء من التصريح بنحو ذلك في أحاديث أخر، وكون ذلك كان في المنام والذي قبله ليس ببعيد. (وقيل: هو على الحقيقة لأن الأنبياء أحياء عند ربهم يرزقون) بالأولى من الشهداء (فلا مانع أن يحجوا في هذه الحالة كما في صحيح مسلم) في المناقب (عن أنس أنه) عَّهِ (رأى موسى قائمًا في قبره يصلي). (قال القرطبي: حببت إليهم العبادة، فهم يتعبدون بما يجدونه من دواعي أنفسهم لا بما يلزمون به) بلام وزاي، فالموت إنما يرفع التكليف لا العمل (كما يلهم أهل الجنة الذكر، ويؤيده؛ أن عمل الآخرة ذكر ودعاء لقوله تعالى: ﴿دعواهم فيها﴾) أي: طلبهم لما يشتهونه في الجنة أن يقولوا (﴿سبحانك اللهم﴾) أي: يا اللَّه، فإذا ما طلبوه بين أيديهم (الآية، لكن تمام ٣٦٨ النّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَلفيه لكن تمام هذا التوجيه أن يقول: المنظور إليه هي أرواحهم، فلعلها مثلت له في الدنيا كما مثلت له ليلة الإسراء، وأما أجسادهم فهي في القبور. قال ابن المنير وغيره: يجعل الله لروحه مثالاً، ويرى في اليقظة كما يرى في النوم. وقيل: كأنه مثلت له أحوالهم التي كانت في الحياة الدنيا، كيف تعبدوا، وكيف حجوا، وكيف لبوا، ولهذا قال: كأني .. وقيل: كأنه أخبر بالوحي عن ذلك، فلشدة قطعه به قال: ((كأني أنظر إليه)). انتھی. وقد ذكرت في مقصد الإسراء من ذلك ما يكفي والله الموفق. ولما نزل عَّه بسرف خرج إلى أصحابه فقال: ((من لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه الهدي فلا)). هذا التوجيه أن يقول المنظور إليه هي أرواحهم، فلعلها مثلت له في الدنيا كما مثلت:) صورت بصورة أجسادهم (له ليلة الإسراء) في أحد الوجوه (وأما أجسادهم فهي في القبور). (قال ابن المنير وغيره: يجعل اللَّه لروحه مثالاً ويرى في اليقظة كما يرى في النوم، وقيل: كأنه مثلت له أحوالهم التي كانت في الحياة الدنيا كيف تعبدوا وكيف حجوا وكيف لبوا، ولهذا قال: كأني) والإتيان بالتشبيه يفيد ذلك (وقيل: كأنه أخبر بالوحي عن ذلك، فلشدة قطعه به قال: كأني أنظر إليه) فأخبر عنهم كالمشاهد، قال الأبي: ويؤيد هذا وما قبله قوله: وعليه جبة صوف، إذ لا يلبس الصوف في الآخرة. (انتهى). (وقد ذكرت في مقصد الإسراء من ذلك ما يكفي، واللّه الموفق) لا غيره (ولما نزل عَ لته بسرف) بفتح المهملة وكسر الراء وفاء لا ينصرف للعلمية والتأنيث موضع على عشرة أميال، وقيل أكثر، وقيل أقل من مكة (خرج إلى أصحابه، فقال: من لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها) أي: حجته (عمرة فليفعل) العمرة (ومن كان معه الهدى فلا) يفعل، أي: لا يجعلها عمرة، فحذف الفعل المجزوم بلا الناهية خيرهم أولاً بين الفسخ وعدمه ملاطفة لهم وإيناسًا بالعمرة في أشهر الحج، ثم حتم عليهم الفسخ بعد ذلك وأمرهم به أمر عزيمة وكره ترددهم في قبوله ثم قبلوه. ففي مسلم عن عائشة: فدخل علي وهو غضبان، فقلت: من أغضبك أدخله اللَّه النار؟، قال: ((أو ما شعرت أني أمرت الناس بأمر، فإذا هم يترددون). ٣٦٩ النَّوع السّادِس في ذكر حجه وعمره عَّ. وحاضت عائشة بسرف فدخل عليها ګ وهي تبكي، فقال: «ما يبكيك يا هنتاه))، قالت: سمعت قولك لأصحابك فمنعت العمرة، قال: ((وما شأنك))؟ قالت: لا أصلي، قال: ((فلا يضرك، إنما أنت امرأة من بنات آدم، كتب الله عليك ما كتب عليهن، فكوني في حجتك، فعسى الله أن يرزقكيها)). رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. وفي رواية قالت عائشة: خرجنا مع رسول الله عٍَّ لا نذكر إلا الحج، حتى جئنا سرف، فطمثت، فدخل علي رسول الله عَّه وأنا أبكي، فقال: ((ما يبكيك))؟ فقلت: والله لوددت أني لم أكن خرجت العام، فقال: ((مالك، لعلك وفي البخاري عن جابر، فقال لهم: ((أحلوا من إحرامكم واجعلوا التي قدمتم بها متعة)، قالوا: وقد سمينا الحج، فقال: ((فعلوا ما أقول لكم)). (وحاضت عائشة بسرف فدخل عليها عَد. وهي تبكي، فقال: ما يبكيك يا هنتاه) بفتح الهاء وقد تسكن ففوقية فألف فهاء ساكنة كناية عن شيء لا يذكر باسمه (قالت: سمعت قولك لأصحابك فمنعت العمرة) أي: إعمالها من طواف وسعي (قال: ((وما شأنك))؟، قالت: لا أصلي) كنت عن الحيض بالحكم الخاص به، وهو امتناع الصلاة أدبًا منها لما في التصريح به من الإخلال بالأدب، وقد ظهر أثر ذلك في بناتها المؤمنات، فكلهن يكنين عن الحيض بحرمان الصلاة، أي تحريمها أو غير ذلك (قال: ((لا يضرك))) بكسر الضاد وخفة التحتية من الضير، وفي رواية: يضرك بضم الضاد وشد الراء من الضرر (إنما أنت امرأة من بنات ادم كتب اللَّه عليكَ ما كتب عليهن) سلاها بهذا وخفف همها، أي: أنك لست مختصة بذلك بل كل بنات ادم يكون ذلك منهن (فكوني في حجتك) أي: اثبتي وداومي عليها (فعسى الله أن يرزقكيها))) مفردة بياء متولدة من إشباع كسرة الكاف وهي في لسان المصريين شائعة، قاله في المصابيح، وفي الكرماني: يرزقكها بغير ياء، وفي بعضها: بإشباع كسرة الكاف ياء والضمير للعمرة، قاله المصنف (رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي). (وفي رواية) لهؤلاء الأربعة أيضًا (قالت عائشة: خرجنا مع رسول اللَّه عٍَّ لا نذكر إلاّ الحج) لفظ مسلم، ولهما: لا نرى إلاّ أنه الحج، وفي رواية: مهلين بالحج، ولمسلمٍ أيضًا: لبينا بالحج (حتى جئنا سرف فطمئت) بمثلثة، أي: حضت (فدخل عليّ رسول اللَّه عٍَّ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟، فقلت: والله لوددت:) تمنيت (أني لم أكن خرجت) وفي رواية: حججت (العام، فقال: ما لك لعلك نفست) بفتح النون وقد تضم وكسر الفاء، أي: حضت ٣٧٠ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عدّ له. نفست))؟ قلت: نعم، قال: ((هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاج، غير أن تطوفي بالبيت حتى تطهري». الحديث. وقد اختلف فيما أحرمت به عائشة، أولاً كما اختلف: هل كانت متمتعة أم مفردة؟ وإذا كانت متمتعة فقيل: إنها كانت أحرمت أولاً بالحج، وهو ظاهر هذا الحديث. وفي حجة الوداع من المغازي عند البخاري، من طريق هشام ابن عروة عن أبيه قالت: وكنت فيمن أهل بعمرة. وزاد أحمد من وجه آخر عن الزهري: ولم أسق هديًا، وفي رواية الأسود عنها قالت: خرجنا مع رسول الله معي ◌ّ نلبي لا نذكر حجًا ولا عمرة. (قلت: نعم) نفست، وأفادت الروايتان أنها قالت: نعم لا أصلي (قال: ((هذا شيء كتبه اللَّه على بـ ت ءادم) وأنت واحدة منهن، أي: امتحنهن وتعبدهن بالصبر عليه (افعلي ما يفعل الحاج) من المناسك (غير أن لا تطوفي بالبيت))) لا زائدة، إذ غير عدم الطواف هو نفس الطواف أو تطوفي مجزوم بلا، أي: لا تطوفي ما دمت حائضًا بدليل قوله: (حتى تطهري)، وأن على هذا الوجه الثاني مخففة من الثقيلة وفيها ضمير الشأن ... (الحديث). (وقد اختلف فيما أحرمت به عائشة أولاً كما اختلف هل كانت) أي: صارت (متمتعة أو مفردة؟ وإذا كانت متمتعة، فقيل: إنها كانت أحرمت أولاً) بالحج (وهو ظاهر هذا الحدیث). (وفي حجة الوداع من) كتاب (المغازي عند البخاري) وفي أبواب العمرة أيضًا (من طريق هشام بن عروة عن أبيه) عنها (قالت: وكنت فيمن أهل بعمرة، وزاد أحمد من وجه آخر عن الزهري) عن عروة عنها (ولم أسق،هديًا، وفي رواية الأسود) بن يزيد النخعي (عنها قالت: خرجنا مع رسول اللَّه عَِّ نلبي لا نذكر حجًا ولا عمرة) أي: بالنطق، بل بالنية فقط أو إحرامًا مهمًا لما روي أنه عَّه أحرم ميهمًا حتى أوحى إليه بالتعيين، والأول أظهر لتصريحها أنها أهلت بعمرة، فيبعد احتمال الإبهام، قاله المازري. وقال عياض: هو الذي لا يتأول غيره لأنها صرحت في غير حديث أنهم أهلوا بالحج، ولا يصح أنه عَ ﴿ أحرم مبهمًا، لأن رواية جابر وغيره تخالفه. انتهى. زاد الحافظ: فادعى إسمعيل القاضي وغيره: أن هذا، يعني المروي، أنها أحرمت بعمرة غلط من عروة، والصواب رواية القسم والأسود وعروة، عنها: أنها أهلت بالحج مفردًا، وتعقب بأن قول عروة عنها أهلت بعمرة صريح، وقول الأسود وغيره عنها: لا نرى إلاّ الحج ليس صريحًا ٣٧١ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّ ويحتمل في الجمع أن يقال: أهلت عائشة بالحج مفردة، كما صنع غيرها من الصحابة، ثم أمر النبي ◌َّةٍ أن يفسخوا الحج إلى العمرة، ففعلت عائشة ما صنعوا، فصارت متمتعة، ثم لما دخلت مكة وهي حائض ولم تقدر على الطواف لأجل الحيض أمرها أن تحرم بالحج. وقال القاضي عياض: واختلف في الكلام على حديث عائشة، فقال: لملك ليس العمل على حديث عروة عن عائشة عندنا قديمًا ولا حديثًا. قال ابن عبد البر: يريد ليس العمل به في رفض العمرة وجعلها حجًّا، بخلاف جعل الحج عمرة، فإنه وقع للصحابة. واختلف في جوازه من بعدهم، لكن أجاب جماعة من العلماء عن ذلك باحتمال أن يكون معنى قوله: ((ارفضي عمرتك)) أي اتركي التحلل منها وأدخلي عليها الحج، فتصير قارنة، ويؤيده قوله في رواية المسلم ((وأمسكي عن العمرة)) أي عن أعمالها. في إهلالها بحج مفرد، فالجمع بينهما أنها ذكرت ما عهدوه من ترك الاعتمار في أشهر الحج، فبين لهم وجوه الإحرام فأحرمت بعمرة كما رواه عروة، وهو أعلم الناس بحديثها، ووافقه جابر عند مسلم، وكذا رواه طاوس ومجاهد عنها، قال: (ويحتمل في الجمع) أيضًا (أن يقال: أهلت عائشة بالحج مفردًا كما صنع غيرها من الصحابة) وعلى هذا ينزل حديث الأسود ومن وافقه (ثم أمر النبي عَّةٍ) أصحابه (أن يفسخوا الحج إلى العمرة، ففعلت عائشة ما صنعوا فصارت متمتعة) وعلى هذا ينزل حديث عروة (ثم لما دخلت مكة وهي حائض ولم تقدر على الطواف لأجل الحيض أمرها أن تحرم بالحج) فصارت قارنة. (وقال القاضي عياض) في شرح قوله علّله لعائشة: «انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة))، وفي رواية: ((ارفضي عمرتك)) كما في الصحيحين وغيرهما. (واختلف في الكلام على حديث عائشة، فقال لملك: ليس العمل على حديث عروة عن عائشة عندنا قديمًا ولا حديثاً). (قال ابن عبد البر: يريد) لملك: (ليس العمل به في رفض العمرة وجعلها حجًا بخلاف جعل الحج عمرة، فإنه وقع للصحابة) بأمره عَ له (واختلف في جوازه من بعدهم) ويأتي للمصنف بسطه (لكن أجاب جماعة من العلماء عن ذلك باحتمال أن يكون معنى قوله: ((ارفضي عمرتك))، أي: اتركي التحلل منها وادخلي عليها الحج فتصير قارنة). (ويؤيده قوله في رواية لمسلم: ((وأمسكي عن العمرة)، أي: عن أعمالها) والإمساك ٣٧٢ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه. وإنما قالت عائشة: ((وأرجع بحج)) لاعتقادها أن إفراد العمرة بالعمل أفضل، كما وقع لغيرها من أمهات المؤمنين. واستبعد هذا التأويل لقولها في رواية عطاء عنها ((وأرجع أنا بحجة ليس معها عمرة)) أخرجه أحمد. وهذا يقوي قول الكوفيين: إن عائشة تركت العمرة وحجت مفردة، وتمسكوا في ذلك قوله لها ((دعي عمرتك))، وفي رواية ((اقضي عمرتك)) ونحو ذلك. واستدلوا به على أن للمرأة إذا أهلت بالعمرة متمتعة فحاضت قبل أن تطوف أن تترك العمرة وتهل بالحج مفردًا كما صنعت عائشة. لكن في رواية عطاء عنها ضعف، والرافع للإشكال في ذلك ما رواه مسلم من حديث جابر أن عائشة أهلت بعمرة، حتى إذا كان بسرف حاضت فقال لها النبي عَّ ◌ُله: ((أهلي بالحج)) حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وسعت، فقال: ((قد حللت من حجتك وعمرتك))، فقالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حين حججت، قال: فأعمرها من التنعيم. ليس برفض (وإنما قالت عائشة:) يرجع الناس بحج وعمرة (وأرجع بحج لاعتقادها أن إفراد العمرة بالعمل أفضل كما وقع لغيرها من أمهات المؤمنين). (واستبعد هذا التأويل لقولها في رواية عطاء) بن أبي رباح (عنها: وأرجع أنا بحجة ليس معها عمرة، أخرجه أحمد؛) فإنه ظاهر في أنها حجة مفردة (وهذا يقوي قول الكوفيين) الحنفية ومن وافقهم؛ (أن عائشة تركت العمرة وحجت مفردة، وتمسكوا في ذلك بقوله) عَ ليه (لها: «دعي عمرتك))، وفي رواية: ((ارفضي عمرتك))، ونحو ذلك) كقوله: ((انقضي رأسك وامتشطي)). (واستدلوا به على أن للمرأة إذا أهلت بالعمرة متمتعة) أي: وحدها (فحاضت قبل أن تطوف أن تترك العمرة وتهل بالحج مفردًا كما صنعت عائشة، لكن في رواية عطاء عنها ضعف) فلا ينهض الاستدلال (والرافع للإشكال في ذلك ما رواه مسلم من حديث جابر: أن عائشة أهلت بعمرة حتى إذا كانت بسرف حاضت، فقال لها النبي عَد) يوم التروية حين دخل وهي تبكي: (أهلي بالحج حتى إذا طهرت) بفتح الهاء وضمها والتاء ساكنة، فلفظ جابر: ففعلت، ووقفت المواقف حتى إذا طهرت (طافت بالكعبة وسعت، فقال) عَ له: ((قد حللت من حج وعمرتك))) جميعًا كما في الرواية، فهذا صريح في أن عمرتها لم تبطل ولم تخرج منها (فقالت: يا رسول اللَّه إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حين حججت) ٣٧٣ النَّوع الشَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه ولمسلم من طريق طاوس عنها: فقال لها النبي عٍَّ: ((طوفك يسعك لحجك وعمرتك)) فهذا صريح في أنها كانت قارنة، لقوله: ((قد حللت من حجك وعمرتك، وإنما أعمرها من التنعيم تطييبًا لقلبها لكونها لم تطف بالبيت لما دخلت معتمرة، وقد وقع في رواية لمسلم: وكان عَّهِ رجلاً سهلاً إذا هويت الشىء تابعها عليه. ثم قال عَِّ لأصحابه: ((من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا)). وإنما قال لهم هذا القول بعد إحرامهم بالحج، وفي منتهى سفرهم ودنوهم من مكة بسرف، كما جاء في رواية عائشة، أو بعد طوافه بالبيت كما جاء في فأتيت بطواف واحد، قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن كما في مسلم (فأعمرها) بهمزة قطع والجزم أمرًا (من التنعيم، ولمسلم من طريق طاوس، عنها: فقال لها النبي عَّه: ((طوافك يسعك لحجك وعمرتك))) أي يكفيك بمعنى يجزئك لهما. وفي رواية مجاهد عنها عند مسلم: فقال لها عَّة: ((يجزىء عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك». (فهذا صريح في أنها كانت قارنة) ولم ترفض العمرة، وإنما تركت إتمام عملها (لقوله: قد حللت من حجك وعمرتك) ولقوله: طوافك يسعك إلى آخره (وإنما أعمرها من التنعيم تطييبًا لقلبها لكونها لم تطف بالبيت لما دخلت معتمرة) كما قالت: إني أجد في نفسي ... الخ. (وقد وقع في رواية لمسلم) في حديث جابر الإشارة إلى ذلك، حيث قال: (وكان عَّه رجلاً سهلاً) خلقه كما قال تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ [القلم/٤]، (إذا هويت) بفتح الهاء وكسر الواو وفتح التحتية أحبت (الشيء) ولا نقص فيه من جهة الدين كطلبها الاعتمار (تابعها) أي: وافقها (عليه) حسن عشرة، إذ هو أولى من امتثل وعاشروهن بالمعروف (ثم قال) كما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة، قالت: خرجنا مع النبي عَ له فأهللنا بعمرة، ثم قال النبي (عَّ لأصحابه: من كان معه هدي) بإسكان الدال على الأفصح اسم لما يهدى إلى الحرم من النعم (فليهل بالحج مع العمرة) أي: يضيفه إليها فيصير قارنًا (ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا) بضم التحتية وفتحها وكسر الحاء، لأن القارن يعمل عملاً واحدًا (وإنما قال لهم هذا القول بعد إحرامهم بالحج في منتهى سفرهم ودنوهم) أي: قربهم (من مكة بسرف كما جاء في رواية عائشة أو بعد طوافه بالبيت كما جاء في رواية جابر) عند ٣٧٤ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَ ◌ّ رواية جابر، ويحتمل تكرار الأمر بذلك في الموضعين. وإن العزيمة كانت آخرًا حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة. وفي رواية قالت عائشة: فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج، حتى قدمنا مكة فقال عَّله: ((من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه، ومن أحرم بحج فليتم حجه). وهذا الحديث ظاهر في الدلالة لأبي حينفة وأحمد وموافقيهما، في أن المعتمر المتمتع إذا كان معه الهدي لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر. ومذهب مالك والشافعي وموافقيهما أنه إذا طاف وسعى وحلق حل من عمرته وحل له كل شيء في الحال، سواء أكان ساق هديًا أم لا. واحتجوا بالقياس على من لم يسق الهدي، وبأنه تحلل من نسكه فوجب أن يحل له كل شيء، كما لو تحلل المحرم بالحج. مسلم (ويحتمل) كما قال عياض في الجمع بينهما (تكرار الأمر بذلك في الموضعين، وأن العزيمة) التصميم عليهم بذلك (كانت آخرًا حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة) ففعلوا. (وفي رواية) لمسلم وغيره (قالت عائشة:) خرجنا مع رسول اللَّه عَّ له عام حجة الوداع (فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج) فقولها في الرواية السابقة: فأهللنا بعمرة ليس إخبارًا عن فعل جميع الناس، بل عن حالها وحال من كان مثلها في الإحرام بعمرة (حتى قدمنا مكة، فقال النبي عَّ: من أحرم بعمرة ولم يهد) بضم الياء، أي: لم يسق هديًا إلى الحرم من الأنعام (فليحلل) بسكون اللام الأولى وكسر الثانية وفتح التحتية وضمها (ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه، ومن أحرم بحج) وحده (فليتم حجه، وهذا الحديث ظاهر في الدلالة لأبي حنيفة وأحمد وموافقيهما في أن المعتمر المتمتع إذا كان معه الهدي لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر). (ومذهب مالك والشافعي وموافقيهما؛ أنه إذا طاف وسعى وحلق حل من عمرته وحل له كل شيء في الحال، سواء كان ساق هديًا أم لا؟، واحتجوا بالقياس على من لم يسق الهدي) فإنه يحل باتفاق، والجامع بينهما أن كلا منهما صار حلالاً بالفراغ من أعمالها؛ (وبأنه تحلل من نسكه فوجب أن يحل له كل شيء كما لو تحلل المحرم بالحج) وحده، فإنه يحل له كل شيء وهي احتجاجات قوية. ٣٧٥ النَّوع الشَّادِس في ذكر حجه وعمره عزّ وأجابوا عن هذه الرواية بأنها مختصرة من الرواية التي ذكرها مسلم عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله عَُّلِ عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله عَّةٍ: ((من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا)) فهذه الرواية مفسرة للمحذوف من الرواية التي احتج بها أبو حنيفة وتقديرها: ومن أحرم بعمرة فليهل بالحج ولا يحل حتى ينحر هديه، ولا بد من هذا التأويل، لأن القصة واحدة، والراوي واحد فتعين الجمع بين الروايتين بما ذكر والله أعلم. ولما بلغ عَّه ذا طوى - بضم الطاء وفتحها، وقيدها الأصيلي بالكسر - عند آبار الزاهر،، بات بها بي الثنيتين، فلما أصبح صلى الغداة ثم اغتسل. رواه البخاري. وللنسائي: كان عَِّ ينزل بذي طوى، يبيت به حتى يصلي صلاة الصبح (وأجابوا عن هذه الرواية بأنها مختصرة من الرواية التي ذكرها) أي: رواها (مسلم) والبخاري وأبو داود والنسائي، كلهم من طريق لملك عن ابن شهاب عن عروة (عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول اللَّه عٍَّ عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة) إخبار عن حالها ومن شابهها لا عن جميع الناس، فلا ينافي حديثها الآخر أنهم تنوعوا إلى الأوجه الثلاثة. (ثم قال رسول اللّه عَ ل: من كان معه هدي فليهل) بلام واحدة في الصحيحين وغيرهما (بالحج مع العمرة، ثم لا يحل) بفتح الياء وضمها وكسر الحاء (حتى يحل منهما جميعًا، فهذه الرواية مفسرة للمحذوف من الرواية التي احتج بها أبو حنيفة) ومن وافقه (وتقديرها: ومن أحرم بعمرة فليهل بالحج) يدخله عليها (ولا يحل حتى ينحر هديه) لأنه صار قارنًا (ولا بد من هذا التأويل لأن القصة واحدة، والراوي واحد) وهو عائشة (فتعين الجمع بين الروايتين بما ذكر، والله أعلم) بالحق في ذلك (ولما بلغ عَِّ ذا طوى بضم الطاء وفتحها وقيدها الأصيلي بالكسر) فهي مثلثة وبه صرح المجد. وقال الكرماني: الفتح أفصح واد معروف (عند آبار الزاهر) الذي في الفتح يعرف اليوم بيثر الزاهر وهو مقصور منوّن وقد لا ينوّن، ونقل الكرماني؛ أن في بعض الروايات حتى إذا حاذى طوى بحاء مهملة بغير همز وفتح الذال، قال: والأول هو الصحيح، لأن اسم الموضع ذو طوى لا طوى فقط (بات بها بين الثنيتين) ليلة الأحد لأربع خلون من ذي الحجة (فلما أصبح صلى الغداة) أي: الصبح (ثم اغتسل) لدخول مكة ثم دخل مكة (رواه البخاري) وكذا مسلم من حديث ابن عمر. (وللنسائي) عنه: (كان عَّهِ ينزل بذي طوى يبيت به حتى يصلي صلاة الصبح حين ◌َ الله ٣٧٦ النَّوع السّادِس في ذكر حجه وعمره حين يقدم إلى مكة. ومصلى رسول الله عَّ ذلك، على أكمة خشنة غليظة، ليس في المسجد الذي بنى ثَمَّ، ولكن من أسفل ذلك على أكمة خشنة غليظة. وفي الصحيحين: أنه عَّ دخلها من أعلاها. وفي حديث ابن عمر في الصحيح: كان عَّهِ يدخل مكة من الثنية العليا، يعني أعلى مكة من كداء - بفتح الكاف والمد، قال أبو عبيد: لا يصرف - وهذه الثنية هي التي ينزل منها إلى المعلاة - مقبرة أهل مكة - وهي التي يقال لها: الحجون - بفتح الحاء المهملة وضم الجيم -. ولم يقع أنه عَِّ دخل مكة ليلاً إلا في عمرة الجعرانة، فإنه عَّةٍ أحرم من يقدم إلى مكة) ظرف لقوله: ينزل (ومصلى) بضم الميم، أي: مكان صلاة كما في مسلم والنسائي، فحرف من جعلها: فصلى (رسول اللّه عٍَّ ذلك على أكمة) بفتحات تل أو ما دون الجبل أو موضع أشد ارتفاعًا مما حوله (خشنة غليظة) قيد بها لأنها تكون غليظة وغير غليظة (ليس في المسجد الذي بنى، ثَمّ) أي: هناك (ولكن أسفل من ذلك على أكمة خشنة) ضد ناعمة (غليظة) ضد رقيقة، وهذا رواه مسلم بلفظه من حديث ابن عمر: إلاَّ أنه لم يقل خشنة إنما قال: على أكمة غليظة أولاً وثانيًا، فلعل هذا عذر المصنف في قصر عزوه للنسائي. (وفي الصحيحين) عن عائشة (أنه معَّ) لما جاء إلى مكة (دخلها من أعلاها) وخرج من أسفلها. (وفي حديث ابن عمر في الصحيح) للبخاري ومسلم: (كان عَّهِ يدخل مكة من الثنية العليا) بضم العين تأنيث الأعلى، زاد في رواية التي بالبطحاء (يعني: أعلى مكة من كداء بفتح الكاف والمد) وإهمال الدال والتنوين و(قال أبو عبيد: لا يصرف) للعلمية والتأنيث على إرادة البقعة (وهذه الثنية هي التي ينزل منها إلى المعلاة مقبرة أهل مكة وهي التي يقال لها الحجون بفتح الحاء المهملة وضم الجيم). قال الحافظ: وكانت صعبة المرتقى، فسهلها معوية ثم عبد الملك ثم المهدي على ما ذكره الأزرقي، ثم سهل في عصرنا هذا سنة إحدى عشرة وثمانمائة موضع منها، ثم سهلت كلها في زمن سلطان مصر الملك المؤيد في حدود العشرين وثمانمائة وكل عقبة في جبل أو طريق تسمى ثنية. وبقية الحديث: وخرج من الثنية السفلى (ولم يقع أنه عٍَّ دخل مكة ليلاً إلاَّ في ٣٧٧ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّ﴾. الجعرانة، ودخل مكة ليلاً، فقضى أمر العمرة ثم رجع ليلاً فأصبح بالجعرانة كبائت كما رواه أصحاب السنن الثلاثة، من حديث محرش الكعبي. وعن عطاء قال: إن شئتم فادخلوا مكة ليلاً، إنكم لستم كرسول الله عَّله، إنه كان إمامًا، فأحب أن يدخلها نهارًا ليراه الناس. رواه النسائي. ثم دخل عَِّ مكة لأربع خلون من ذي الحجة. ودخل المسجد الحرام ضحى من باب بني عبد مناف، وهو باب بني شيبة، والمعنى فيه أن باب الكعبة في جهة ذلك الباب، والبيوت تؤتى من أبوابها، وأيضًا: فلأن جهة باب الكعبة أشرف الجهات الأربع، كما قال ابن عبد السلام في ((القواعد)). وكان عليه الصلاة والسلام إذا رأى البيت قال: ((اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا ومهابة وبرّا)). رواه الثوري عن أبي سعيد الشامي عن مكحول. عمرة الجعرانة) بعد انصرافه من قسم غنائم حنين؛ (فإنه عَِّ أحرم من الجعرانة ودخل مكة ليلاً فقضى) أي: فعل (أمر العمرة) الطواف والسعي والحلق (ثم رجع ليلاً فأصبح بالجعرانة كبائت) أي: كأنه بات بها (كما رواه أصحاب السنن الثلاثة) أبو داود والترمذي والنسائي (من حديث محرش) بضم الميم وفتح المهملة، وقيل: إنها معجمة وكسر الراء فشين معجمة (الكعبي) الخزاعي الصحابي نزيل مكة، وبه تمسك من قال: إن دخولها نهارًا وليلاً سواء في الفضل، وأجاب القائل بفضل النهار، بأنه دخلها في تلك المرة ليلاً لبيان الجواز. (وعن عطاء) بن أبي رباح أنه (قال: إن شئتم فادخلوا مكة ليلاً إنكم لستم كرسول اللَّه عَِّ إنه كان إمامًا) قدوة للناس (فأحب أن يدخلها نهارًا ليراه الناس، رواه النسائي). قال الحافظ: قضيته أن من كان إمامًا يقتدى به استحب له أن يدخلها نهارًا (ثم دخل عليه الصلاة والسلام مكة لأربع خلون من ذي الحجة) كما في حديث: (ودخل المسجد الحرام ضحى من باب بني عبد مناف وهو باب بني شيبة، والمعنى) أي: السر والحكمة (فيه أن باب الكعبة في جهة ذلك الباب والبيوت تؤتى من أبوابها) كما في التنزيل (وأيضًا: فلأن جهة باب الكعبة أشرف الجهات الأربع كما قاله) العز (بن عبد السلام في القواعد) وهما حكمتان لطيفتان (وكان عليه الصلاة والسلام إذا رأى البيت، قال: ((اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا ومهابة وبرًا))، رواه الثوري) سفين بن سعيد (عن أبي سعيد الشامي) ٣٧٨ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَلَه وروى الطبراني عن حذيفة بن أسيد قال: كان عَّةٍ إِذا نظر إلى البيت قال: ((اللهم زد بيتك هذا تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا وبرًا ومهابة، وزد من شرفه وعظمه ممن حجه واعتمره تعظيمًا وتشريفًا وبرًا مهابة)). ولم يركع عليه الصلاة والسلام تحية المسجد، إنما بدأ بالطواف لأنه تحية البيت كما صرح به كثير من أصحابنا، وليس بتحية المسجد. ثم استلم عَّ الحجر الأسود، وفي رواية جابر عند البخاري: ((استلم الركن)، والاستلام افتعال من السلام، أي التحية، قاله الأزهري، وقيل امن السلام مجهول من السابعة كما في التقريب (عن مكحول) الشامي ثقة، فقيه، تابعي، كثير الإرسال. (وروى الطبراني) في الكبير (عن حذيفة بن أسيد) بفتح الهمزة الغفاري، من أصحاب الشجرة، مات سنة اثنتين وأربعين (قال: كان عَّه إذا نظر إلى البيت قال: ((اللهم زد بيتك هذا) أضافه إليه لمزيد التشريف، وأتى باسم الإشارة للتفخيم (تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا وبرًا ومهابة:) إجلالاً وعظمة (وزد من شرفه وعظمه ممن حجه واعتمره تعظيمًا وتشريفًا وبرًا ومهابة)). قال الطبراني: تفرد به عمرو بن يحيى. قال الحافظ: وفيه مقال وشيخه عاصم بن سليمن وهو الكوزي متهم بالكذب، ونسب للوضع ووهم من ظنه عاصمًا الأحول. انتهى. (ولم يركع عليه الصلاة والسلام تحية المسجد إنما بدأ بالطواف لأنه تحية البيت، كما صرح به كثير من أصحابنا) وغيرهم (وليس بتحية المسجد). وفي المقاصد حديث: تحية البيت الطواف لم أره بهذا اللفظ، وفي الصحيح عن عائشة: أول شيء بدأ به النبي عَّالِ حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف ... الحديث، وفيه قول عروة الراوي عنها؛ أنه حج مع أبيه الزبير، فأول شيء بدأ به الطواف، ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلونه (ثم استلم عَِّ الحجر الأسود) أي: مسح يده عليه كما رواه الشيخان عن ابن عمر، قال: رأيت النبي عَ له حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف يضب ثلاثة أطواف من السبع. (وفي رواية جابر عند البخاري: استلم الركن) أي: الحجر الأسود (والاستلام افتعال من السلام) بالفتح (أي: التحية، قاله الأزهري) أبو منصور. (وقيل: من السلام بالكسر) للسين (أي: الحجارة، والمعنى أنه يومىء بعصاه إلى ٣٧٩ النّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَ ◌ّ. - بالكسر - أي الحجارة، والمعنى: أنه يومىء بعصاه إلى الركن حتى يصيبه، وكانت عصاه محنية الرأس، وهي المراد بقوله في الحديث بـ ((المحجن)). واعلم أن للبيت أربعة أركان: الأول له فضيلتان كون الحجر الأسود فيه، وكونه على قواعد إبراهيم، والثاني: الثانية فقط، وليس للآخرين شيء منها، فلذلك يقبل الأول، ويستلم الثان فقط، ولا يقبل الآخران ولا يستلمان. وروى الشافعي عن ابن عمر قال: استقبل رسول الله عَّ الحجر، فاستلمه ثم وضع شفتيه عليه طويلاً. وكان إذا استلم الركن قال: ((بسم الله والله أكبر))، وكلما أتى الحجر قال: ((الله أكبر))، رواه الطبراني. الركن حتى يصيبه وكانت عصاه محنية) معوجة (الرأس، وهي المراد بقوله في الحديث: بالمحجن) بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الجيم ونون والحجن الاعوجاج وبذلك سمي الحجون. (واعلم أن للبيت أربعة أركان: الأول: له فضيلتان كون الحجر الأسود فيه وكونه على قواعد إبرهيم) أي: أساس بنائه. (وللثاني:) وهو الركن اليماني (الثانية فقط وليس للآخرين شيء منها، فلذلك يقبل الأول) كما في الصحيحين عن ابن عمر؛ أنه عَبه قبل الحجر الأسود. وفي البخاري عن ابن عمر: رأيت رسول اللَّه عَ لَه يستلمه ويقبله (ويستلم الثاني فقط) لما في الصحيح عن ابن عمر أنه عَِّ كان لا يستلم إلاَّ الحجر والركن اليماني (ولا يقبل الآخران ولا يستلمان) اتباعًا للفعل النبوي لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم هذا على قول الجمهور. واستحب بعضهم تقبيل اليماني أيضًا، وأجاب الشافعي عن قول من قال كمطوية، وقد قبل الأربعة ليس شيء من البيت مجهورًا، فرد عليه ابن عباس، فقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة بأنا لم ندع استلامهما هجرًا للبيت وكيف يهجره وهو يطوف به، لكنا نتبع السنة فعلاً أو تركا ولو كان ترك استلامهما هجرًا لهما لكان ترك استلام ما بين الأركان هجرًا لها ولا قائل به. (وروى الشافعي عن ابن عمر قال: استقبل رسول اللَّه عَّم الحجر) الأسود (فاستلمه) أي: مسح يده عليه (ثم وضع شفتيه عليه طويلاً) يقبله، ومفاده استحباب الجمع بينهما (وكان إذا استلم الركن، قال: ((بسم اللَّه، والله أكبر))، وكلما أتى الحجر، قال: (الله أكبر))، رواه ٣٨٠ النَّوع السّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه وهل كان عليه الصلاة والسلام طائفًا على بعيره أم على قدميه؟ ففي مسلم عن عائشة: طاف النبي عَّه في حجة الوداع على بعيره. وفيه عن أبي الطفيل: رأيته عَّه يطوف بالبيت على بعيره. الطبراني) واستحب الشافعي والحنابلة وابن حبيب من المالكية أن يقول عند ابتداء الطواف واستلام الحجر: بسم اللَّه، والله أكبر، اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعًا لسنة محمد طباء. وروى الشافعي عن ابن أبي نجيح، قال: أخبرت أن بعض الصحابة قال: يا رسول اللَّه كيف نقول إذا استلمنا، قال: قولوا: ((بسم اللَّه، والله أكبر، إيمانًا باللّه وتصديقًا لإجابة محمد عَّل))، ولم يثبت ذلك كما قاله ابن جماعة وصح في أبي داود والنسائي وابن سعد والحاكم وابن حبان عن عبد الله بن السائب، قال: رأيت رسول اللّه عَّه يقول بين الركنين اليماني والحجر الأسود: ((ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)). قال ابن المنذر: لا نعلم خبرًا ثابتًا عنه عَّة يقال في الطواف غير هذا. وقال غيره: لم يدع عَِّ عند ظهر الكعبة وأركانها ولا وقت الطواف ذكرًا معينًا لا يفعله ولا بتعليمه، ولذا ذهب لملك إلى أنه يسن الدعاء بلا حد، وأنكر قول الناس: ((اللهم إيمانًا بك)) ... الخ. وروي أنه ليس عليه العمل كما في المدونة، أي: ولم يثبت به حديث كما علم. (وهل كان عليه الصلاة والسلام طائفًا على بعيره أم على قدميه، ففي مسلم عن عائشة: طاف النبي عَّهِ في حجة الوداع) حول الكعبة (على بعيره) يستلم الركن كراهية أن يضرب عنه الناس، هذا لفظ مسلم بتمامه. وفي الصحيحين عن ابن عباس: أنه عَّة طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بحجن. (وفيه) أي: مسلم (عن أبي الطفيل) عامر بن واثلة: (رأيته عَّ يطوف بالبيت على بعيره) لم يقع ذلك في مسلم عن أبي الطفيل، ولفظه: رأيت رسول اللَّه عَِّ يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن، وإنما فيه ذلك من حديث عائشة كما مر من حديث جابر، قال: طاف عَّله بالبيت في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه، لأن يراه الناس وليشرف ويسألوه، فإن الناس غشوه. نعم في أبي داود عن أبي الطفيل: رأيت النبي عَّة. يطوف بالبيت على راحلته.