النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ الَّوع الخَامِس في ذكر اعتكافه عَِّ واجتهاده في العشر الأخير من رمضان ومنها: أنه كان يوقظ أهله للصلاة في ليالي العشر دون غيره من الليالي. ومنها: تأخير الفطور إلى السحور، ففي حديث أنس وعائشة أنه عَّةِ كان في ليالي العشر يجعل عشاءه سحورًا، ولفظ حديث عائشة: كان عَّة إذا كان رمضان قام ونام فإذا دخل العشر شد المئزر واجتنب النساء، واغتسل بين الأذانين، وجعل العشاء سحورًا، أخرجه ابن أبي عاصم. ولفظ حديث أنس: كان إذا دخل العشر الأخير من رمضان طوى فراشه واعتزل النساء وجعل عشاءه سحورًا. وإسناد واختلف أيضًا في حصول الثواب المرتب عليها لمن قامها وإن لم يظهر له شيء، وقاله الطبري والمهلب وابن العربي وغيرهم: أو يتوفق على كشفها له، وإليه ذهب الأكثر، وفرعوا على اشتراط العلم أنه يختص بها شخص دون آخر وإن كانا في بيت واحد. قال الزين بن المنير: يجوز أنها كرامة لمن شاء اللّه، فيختص بها قوم دون قوم النبي عد له. لم يحضر العلامة ولم ينف الكرامة، وكان في السنة التي حكاها أبو سعيد نزول المطر ونحن نرى كثيرًا من السنين ينقضي رمضان بلا مطر مع اعتقادنا أنه لا يخلو رمضان من ليلة القدر، ولا نعتقد أنه لا يراها إلاَّ من رأى الخوارق، بل فضل اللَّه واسع ورب قائم لم يحصل منها إلاَّ على العبادة دون رؤية خارق، وآخر رأى الخوارق بلا عبادة والعابد أفضل، والعبرة إنما هي بالاستقامة لاستحالة أن تكون إلاَّ كرامة بخلاف الخارق، فقد يقع كرامة وقد يقع فتنة. انتهى. (ومنها أنه كان يوقظ أهله للصلاة في ليالي العشر دون غيره من الليالي) قال الأبي: الأظهر في إحيائه عَّمِ أنه كان في البيت، لقوله: وأيقظ أهله، ولحديث: ((صلاة أحدكم في بيته أفضل إلاّ المكتوبة))، وحمله ابن عبد السلام على أنه كان في المسجد. (ومنها: تأخير الفطور) أي: العشاء (إلى السحور، ففي حديث أنس وعائشة، أنه يعدّل كان في ليالي العشر الأواخر من رمضان (يجعل عشاءه سحورًا). (ولفظ حديث عائشة: كان ◌ٍَّ إذا كان) أي: وجد (رمضان قام) تهجد (ونام، فإذا دخل العشر) الأواخر (شد المئزر) حقيقة (واجتنب النساء) فلم يقربهن (واغتسل بين الأذانين) ليلة الحادي والعشرين ليتلقى العشر تام التهيؤ للعبادة لا ليلة عشرين، لأنه منابذ لقولها: إذا دخل العشر (وجعل العشاء سحورًا) مع فطره برطب أو تمر أو ماء عند الغروب (أخرجه ابن أبي عاصم). (ولفظ حديث أنس: كان إذا دخل العشر الأخير من رمضان طوى فراشه) الذي ينام عليه (واعتزل النساء) لم يقربهن (وجعل عشاءه سحورًا) أي: أخره إلى وقت السحور، لأنه أنشط للعبادة (وإسناد الأول مقارب، والثاني) وأخرجه الطيراني (فيه حفص بن غياث) بمعجة ٣٢٢ النّوع السّادِس في ذكر حجه وعمره ؛ الأول مقارب، والثاني فيه حفص بن غياث، وقال فيه ابن عدي: إنه من أنكر ما لقيت له. لكن يشهد له حديث الوصال المخرج في الصحيح كما قدمته. ومنها: اغتساله عليه السلام بين العشاءين: المغرب والعشاء، روي من حديث علي، وفي إسناده ضعف. النَّوعِ السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَ ◌ّه اعلم أن الحج حلول بحضرة المعبود، ووقوف بساحة الجود، ومشاهدة لذلك المشهد العلي الرحماني، والمام بمعهد العهد الرباني، ولا يخفى أن نفس الكون بتلك الأماكن شرف وعلو، وأن التردد في تلك المواطن فخار وسمو، فإن مكسورة فتحتية فألف فمثلثة النخعي الكوفي، ثقة، فقيه من رجال الجميع، لكن تغير حفظه قليلاً في الآخر. (وقال فيه ابن عدي: أنه) أي: هذا الحديث: (من أنكره ما لقيت له، لكن يشهد له حديث الوصال المخرج في الصحيح كما قدمته) فيه نظر، إذ الشاهد أن يكون الحديث الشاهد بمعنى الحديث المشهود له وهذا ليس بمعناه، إذ الوصال عبارة عن ترك الأكل يومين فأكثر، وهذا قال: إنه تعشى وقت السحور. نعم يشهد له ويعضده حديث عائشة الذي قبله. (ومنها: اغتساله عليه السلام بين العشاءين المغرب والعشاء) بالخفض بدل. (روي من حديث علي وفي إسناده ضعف) لكن يقويه حديث عائشة الذي قال إسناده مقارب. (النوع السادس: في ذكر حجه وعمره) بضم ففتح جمع عمرة (عَـ (اعلم أن الحج حلول بحضرة المعبود) أي: القصد منه التقرب إليه تعالى، فإذا أخلص فيه وعمل بحديث: أن تعبد الله كأنك تراه كان بمنزلة من حل في حضرته، لأنه حيث صور نفسه كالرائي له اتصف بتلك الصفة (ووقوف بساحة الجود) أي: كرمه سبحانه شبهه بمال كثير بفضاء واسع، من دخله تمكن من أخذ ما شاء منه، والقصد أن المخلص به، فكان حجه مبرورًا يصل إلى مراده من شمول الرحمة العامة المقتضية لغفران ذنوبه فضلاً منه سبحانه (ومشاهدة لذلك المشهد العلي الرحماني وإلمام بمعهد العهد الرباني، ولا يخفى أن نفس الكون) الوجود والحلول (بتلك الأماكن شرف وعلو) للحال فيها (وأن التردد في تلك المواطن فخار وسمو) ارتفاع، فهو بمعنى علو حسنه اختلاف اللفظ (فإن المحال المحترمة لم تزل تفرغ) ٣٢٣ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّهِ المحالَّ المحترمة لم تزل تفرغ على الحال فيها من سجال وصفها بفيض غامر، وحسبك في هذا ما يحكى في أبيات عن مجنون بني عامر حيث قال: رأى المجنون في البيداء كلبًا فحر عليه للإحسان ذيلاً فلاموه على ما كان منه وقالوا لم منحت الكلب نيلاً فقال دعوا الملام فإن عيني رأته مرة في حي ليلاً فينبغي للعبد أن يهتم بأمر الحج ويبادر إليه، وينهض فاتر عزمه إنهاضًا يحثه عليه، ولا يتوانى في غسل أدران سيئات العمر بصابون المغفرة، ولا يتكاسل عن البدار، فيعرضه للفوات بركوب عمياء المخاطرة. أي: تصب بضم أوله من أفرغ (على الحال فيها من سجال) بجيم، أي: إدلاء مملوءة (وصفها بفيض غامر) بغين معجمة (وحسبك في هذا ما يحكى في أبيات عن مجنون بني عامر) قيس بن معاذ أو مهدي بن الملوح العامري، شغف بحب ليلى العامرية ومنع أهلها أن يتزوجها ومنع السلطان مروان بن الحكم أن ينزل بمحل تحله ليلى، ونسب إلى الجنون لجعله الحب سب الجنون في قوله: جننا على ليلى وجنت بغيرنا وأخرى بنا مجنونة لا نريدها وهو من الشعراء المبرزين وإمام المتيمين، ومن الغريب ما نقله ابن القيم في روضة العاشق عن الجنید؛ أن مجنون بني عامر کان من أحباء اللّه تعالى، ستر شأنه بجنونه بلیلی (حيث قال: (رأى المجنون في البيداء كلباً (فحر عليه للإحسان ذيلاً فسلاموه على ما كان منه وقالوا: لم منحت الكلب ليلاً فقال: دعوا الملام فإن عيني رأته مرة في حي ليلى) البيداء المفازة وللإحسان، أي: لأجله (فينبغي للعبد أن يهتم بالحج ويبادر إليه، وينهض:) يحرك (فاتر عزمه) أي: عزمه الفاتر (إنهاضًا يحثه عليه) بالاجتهاد في أسبابه والسعي إليه وإن بعدت المسافة وناله مشقة (ولا يتوانى) يتكاسل (في غسل أدران) أوساخ (سيئات العمر بصابون المغفرة) بالحج المبرور الذي يغسلها فيزيل أثرها كما يزيل الصابون أثر الأوساخ الحسية (ولا يتكاسل عن البدار فيعرضه للفوات بركوب عمياء المخاطرة) أي: المجازفة من إضافة الصفة للموصوف، أي: بركوب المخاطرة التي هي كالناقة العمياء في أن من تلبس بها وقع في الهلاك، كما أن الراكب للناقة العمياء يقع بواسطة سيرها كيف اتفق في الطرق الصعبة المؤدية إلى هلاكه. ٣٢٤ النَّوع السّادِس في ذكر حجه وعمره مَاليه وروى ابن عباس أنه معَ له قال: ((من أراد الحج فليتعجل)). رواه أبو داود. وفي حديث علي بن أبي طالب، أنه عَّه قال: ((من ملك راحلة وزادًا يبلغه إلى بيت الله الحرام، فلا يحج فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا. الحديث رواه الترمذي. وخطب عليه السلام فقال: ((يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجو)). رواه مسلم والنسائي من حديث أبي هريرة. (وروى ابن عباس أنه عَّله. قال: من أراد الحج) أي: قدر على أدائه، لأن الإرادة مبدأ الفعل وهو مسبوق بالقدرة، فأطلق أحد سببي الفعل وأراد الآخر والعلاقة الملابسة، لأن معنى قوله: (فليتعجل:) فليغتنم الفرصة إذا وجد الاستطاعة قبل عروض مانع، والأمر للاستحباب على القول بالتراخي. قال الكشاف: التفعل بمعنى الاستقبال غير عزيز منه التعجل بمعنى الاستعجال والتأخر بمعنى الاستئخار (رواه أبو داود) وأحمد والحاكم والبيهقي، وقال الحاكم: صحيح، وأبو صفوان مهران راويه عن ابن عباس لم يجرح، لكن قال ابن بطال: إنه مجهول، وتبعه الذهبي في المهذب والحافظ في التقريب. (وفي حديث علي بن أبي طالب؛ أنه عَِّ قال: من ملك راحلة وزادًا يبلغه إلى بيت اللَّه الحرام فلا يحج فلا) يبعد (عليه) أي: عنه لتهاونه في الدين مع قدرته أن تسوء خاتمته فيؤديه إلى (أن يموت يهوديًا أو نصرانيًّا) والعياذ باللّه (الحديث) بقيته: وذلك أن اللَّه يقول: ﴿وللَّه على الناس حج البيت﴾ [آل عمران/٩٧] (رواه الترمذي) وفي إسناده ضعف لكن له شواهد. وقال الأبي: وهو محمول عند أهل السنة من جحد وجوبه، لأن تركه لغير عذر إنما هو معصية، ونحن لا نكفر بالذنب، وكان ابن عرفة يقول: أشد شيء فيه قوله تعالى: ﴿ومن كفر فإن اللَّه غني عن العالمين﴾ [آل عمران/٩٧]، من حيث إنه في مقابلة: ﴿وللَّه على الناس حج البيت﴾ [آل عمران/٩٧]، ولكنه محمول على ما تقدم. انتهى. (وخطب عليه السلام فقال: ((يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج) في القرءان (فحجوا))، رواه مسلم والنسائي من حديث أبي هريرة) وبقيته عندهما، فقال رجل: أكل عام يا رسول اللَّه؟، فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال عَ له: ((لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه). ٣٢٥ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّ وفي رواية النسائي، من حديث ابن عباس مرفوعًا: ((إن الله كتب عليكم الحج))، فقال الأقرع بن حابس التميمي: كل عام يا رسول الله؟ فقال: ((لو قلت نعم لوجبت)) الحديث. فوجوب الحج معلوم من الدين بالضرورة، وقد أجمعوا على أنه لا يتكرر إلا لعارض كالنذر. (وفي رواية النسائي من حديث ابن عباس مرفوعًا: ((إن الله كتب) فرض (عليكم الحج))، فقال الأقرع بن حابس التميمي: كل عام) بتقدير همز الاستفهام، أي: أكل عام يجب حجة على المستطيع (فقال: ((لو قلت نعم لوجبت))) حجة كل عام. قال القاضي عياض: فيه ما كان عليه عَّه من الرأفة بالأمة، وفيه أن له أن يحكم باجتهاده. قال النووي: ويجب المانع بأنه لعله كان بوحي ... (الحديث) تتمته: «ثم إذا لا تسمعون ولا تطيعون ولكنها حجة واحدة)). وفي حديث أنس عند ابن ماجه: ((لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لم تقوموا بها ولو لم تقوموا بها عذبتم)). قال المازري: قيل: الأمر يقتضي التكرار، وقيل: لا يقتضيه، وقيل: بالوقف، فيما زاد على المرة الواحدة، لأن السائل تردد في فهم قوله: فحجوا، بين التكرار والمرة الواحدة، ولذا سأل: ولو كان عنده لأحدهما لم يسأل، ولقال له النبي عَّةٍ: لا حاجة للسؤال عن هذا، بل أيد سؤاله وبيّ له، ويحتمل أن التكرار عند السائل من وجه آخر، لأن الحج لغة قصد فيه تكرار. قال النووي: وقد يجيب الآخر بأنه إنما سأل استظهارًا أو احتياطًا .. قال الأبي: الخلاف المذكور في اقتضاء الأمر التكرار إنما هو في صيغة الأمر في غير الحج، أما قوله: فحجوا فلا خلاف أنه ليس للتكرار، وللإجماع على أن وجوبه مرة في العمر، والقول بالوقت فيما زاد على الواحدة مذهب الباقلاني. وفي الاحتجاج له بالحديث نظر، والقول بالتكرار إنما هو مع إمكان الفعل، وإلاَّ لزم أن یفعل الفعل دائمًا. انتهى. (فوجوب الحج معلوم من الدين بالضرورة) فيكفر جاحده (وقد أجمعوا على أنه لا يتكرر) وجوبه (إلاَّ لعارض كالنذر). قال ابن العربي: وشذ بعض فأوجبه كل عام لحديث: على كل مسلم في كل سنة أن يأتي بيت الله الحرام وروايته حرام، يعني أنه موضوع، وبعض: فأوجبه كل خمسة أعوام لخبر ابن ٣٢٦ التّر النّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره. واختلفوا: هل هو على الفور، أو التراخي؟ فقال الشافعي وأبو يوسف وطائفة: هو على التراخي، إلى أن ينتهي إلى حال يظن فواته لو أخره عنها. وقال مالك وأبو حنيفة وآخرون: هو على الفور. واختلفوا أيضًا في وقت ابتداء وجوبه فقيل: قبل الهجرة، وهو شاذ، وقيل: بعدها، ثم اختلف في سنته. فالجمهور على أنها سنة ست، لأنه نزل فيها قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة/١٦٩]، وهذا ينبني على أن المراد بالإتمام ابتداء الفرض. ويؤيده قراءة علقمة ومسروق وإبراهيم النخعي بلفظ ((وأقيموا)) رواه الطبري بأسانيد صحيحة عنهم. وقيل: المراد بالإتمام الإكمال بعد الشروع، وهذا يقتضي تقدم فرضه قبل ذلك. وقد وقع في قصة ضمام ذكر الأمر بالحج وقد كان قدومه على ذكره الواقدي سنة خمس، وهذا يدل - إن ثبت - على تقدمه على سنة خمس، أو أبي شيبة وابن حبان مرفوعًا: ((إن اللَّه تعالى يقول: إن عبدًا صححت له جسمه ووسعت عليه في التأكيد في مثل هذه المدة)). (واختلفوا هل هو على الفور) فيجب بأول عام الاستطاعة (أو التراخي، فقال الشافعي وأبو يوسف وطائفة: هو على التراخي إلى أن ينتهي إلى حال يظن فواته لو أخره عنها) فیجب فورًا. (وقال ملك وأبو حنيفة وآخرون: هو على الفور، واختلفوا أيضًا في وقت ابتداء وجوبه، فقيل: قبل الهجرة وهو شاذ، وقيل: بعدها، ثم اختلف في سنته، فالجمهور على أنها سنة ست) من الهجرة (لأنه نزل فيها قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾) [البقرة/١٩٦]، (وهذا ينبني على أن المراد بالإتمام ابتداء الفرض) فمعنى ﴿أتموا﴾ ائتوا تامًا ولو بقي على ظاهره لم يدل على وجوب الشروع فيه، إذ يكون معناه: إذا شرعتم في الحج وأحرمتم به فأتموه، والآية إنما سيقت للدلالة على وجوبه بأن يشرع فيه ويتمه. (ويؤيده قراءة علقمة ومسروق وإبراهيم النخعي بلفظ: وأقيموا، رواه الطبري) محمد بن جرير، ونسخه الطبراني تصحيف (بأسانيد صحيحة عنهم، وقيل: المراد بالإتمام الإكمال بعد الشروع، وهذا يقتضي تقدم فرضه قبل ذلك، وقد وقع في قصة ضمام) بكسر الضاد مخففًا (ذكر الأمر بالحج وقد كان قدومه على ما ذكره الواقدي سنة خمس، وهذا يدل إن ٣٢٧ النَّوع الشَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّهـ وقوعه فیھا. وقالت طائفة: إنه تأخر نزل فرضه إلى التاسعة والعاشرة. واحتجوا: بأن صدر سورة آل عمران نزل عام الوفود، وفيه قدم وفد نجران على رسول الله عَ ليه وصالحهم على أداء الجزية، والجزية نزلت عام تبوك سنة تسع وفيها نزل صدر سورة آل عمران، وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى التوحيد. ويدل عليه أن أهل مكة وجدوا في أنفسهم بما فاتهم من التجارة مع المشركين لما أنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس﴾ الآية [التوبة/٢٨] فأعاضهم الله من ذلك بالجزية، ونزول هذه الآية والمناداة بها إنما كان في سنة تسع، وبعث الصديق يؤذن بذلك في مكة في موسم الحج، وإردافه بعلي. وفي الترمذي من حديث جابر: أن النبي عَّهِ حج ثلاث حجج، حجتين قبل أن يهاجر وحجة بعدما هاجر معها عمرة، فساق ثلاثًا وستين بدنة، ثم جاء ثبت على تقدمه على سنة خمس أو وقوعه فيها) قبل قدوم ضمام. (وقالت طائفة: إنه تأخر نزول فرضه إلى التاسعة) عند قوم (والعاشرة) عند آخرين فهو إشارة إلى قولين. (واحتجوا بأن صدر) أي: أول (سورة آل عمران نزل عام الوفود) وذلك في السنة التاسعة (وفيه قدم وفد نجران على رسول اللَّه عَّةٍ وصالحهم على أداء الجزية، والجزية نزلت عام تبوك سنة تسع، وفيها نزل صدر سورة آل عمران وناظر أهل الكتاب) أي: أهل نجران (ودعاهم إلى التوحيد). (ويدل عليه أن أهل مكة) الذين أسلموا (وجدوا في أنفسهم) حرجًا ومشقة (بما فاتهم من التجارة مع المشركين) بالامتناع من معاملتهم (لما أنزل اللَّه تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس﴾، الآية فأعاضهم) بفتح الهمزة وعين مهملة، أي: أعطاهم (الله من ذلك) أي: بدل ما فاتهم من الربح الذي كان يحصل لهم بمبايعة المشركين ومعاملتهم (بالجزية) المأخوذة من الكفار وإن لم يكونوا مشركين (ونزول هذه الآية والمناداة بها) بمكة (إنما كان في سنة تسع، وبعث الصديق يؤذن بذلك في موسم الحج وإردافه بعلي) بن أبي طالب أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. (وفي الترمذي من حديث جابر: أن النبي عَّ حج ثلاث حجج: حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعدما هاجر معها عمرة، فساق) معه من المدينة (ثلاثًا وستين بدنة، ثم جاء علي من اليمن ببقيتها)، أي المائة كما يأتي للمصنف، وفي الصحيحين عن علي أنه عَّةِ أهدى مائة بدنة، وفي مسلم وغيره عن جابر: ثم انصرف عَّه إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستين بيده ثم أعطى ٣٢٨ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّه. علي من اليمن ببقيتها، فيها جمل في أنفه برة من فضة فنحرها، الحديث. وعن ابن عباس: حج ◌َ ◌ِّ قبل أن يهاجر ثلاث حجج. أخرجه الحاكم وابن ماجه. وهو مبني على عدد وفود الأنصار إلى العقبة بمنى بعد الحج، وهذا لا يقتضي نفي الحج قبل ذلك. وقد أخرج الحاكم بسند صحيح إلى الثوري، أن النبي عَّهِ حج قبل أن یهاجر حججًا. وقال ابن الجوزي: حج حججًا لا يعلم عددها، وقال ابن الأثير: كان عليه السلام يحج كل سنة قبل أن يهاجر. وقال جابر في حديثه الطويل - كما في رواية مسلم -: مكث عَ لّه تسع عليًا فنحر ما غبر (فيها جمل في أنفه برة) بضم الموحدة وفتح الراب الخفيفة وهاء حلقة (من فضة فنحرها، الحديث) وفيه إهداء الذكر. وحكي عن ابن عمر كراهته في الإبل. (وعن ابن عباس: حج عٍَّ قبل أن يهاجر ثلاث حجج، أخرجه ابن ماجه والحاكم، وهو مبني على عدد وفود الأنصار إلى العقبة بمنى بعد الحج). زاد الحافظ: فإنهم قدموا أولاً فتواعدوا، ثم ثانيًا فبايعوا البيعة الأولى، ثم ثالثًا فبايعوا البيعة الثانية (وهذا لا يقتضي نفي الحج قبل ذلك) فهذا بعد النبوّة وقبلها لا يعلمه إلاَّ اللَّه. (وقد أخرج الحاكم بسند صحيح إلى الثوري) سفين بن سعيد؛ (أن النبي عَّ حج قبل أن يهاجر حججًا:) جمع حجة. (وقال ابن الجوزي: حج حججًا لا يعلم عددها). (وقال ابن الأثير: كان عليه السلام يحج كل سنة قبل أن يهاجر). قال الحافظ: الذي لا ارتياب فيه أنه لم يترك الحج وهو بمكة قط، لأن قريشًا في الجاهلية لم يكونوا يتركون الحج، وإنما يتأخر منهم من لم يكن بمكة أو عاقه ضعف، وإذا كانوا وهم على غير دين يحرصون على إقامة الحج ويرونه من مفاخرهم التي امتازوا بها على غيرهم من العرب، فكيف يظن أنه عَّهِ يتركه، وقد ثبت أن جبير بن مطعم رآه عَّه في الجاهلية واقفًا بعرفة، وأنه من توفيق اللَّه له وثبت دعاؤه قبائل العرب إلى الإسلام بمنى ثلاث سنين متوالية. انتھی. (وقال جابر) بن عبد اللَّه (في حديثه الطويل) الذي ساق فيه حجة الوداع تامة سياقًا ٣٢٩ النَّوع الشَّادِس في ذكر حجه وعمره ◌َّ سنين لم يحج ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله عَّله حاج. فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله عَليه، ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه فأتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله عَّله: كيف أصنع؟ قال: ((اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي))، فصلى رسول الله عَّه في المسجد، ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على حسنًا (كما في رواية مسلم) وأبي داود: (مكث عَّار) بالمدينة بعد الهجرة (تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة) بضم الهمزة وكسر الذال المشددة، أي: أعلموا بذلك، ويجوز أن يكون بفتح الهمزة مبنيًّا للفاعل، أي: النبي عَّله، باعتبار أنه الآمر بالتأذين؛ (أن رسول اللَّه عَ لِّ حاج) يجوز فيه فتح الهمزة وكسرها (فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم:) يقتدي (برسول اللَّه ◌َّ ويعمل مثل عمله). قال عياض: هذا يدل على أنهم كلهم أحرموا بالحج، لأنه معَّهِ أحرم به وهم لا يخالفونه، ولذا قال جابر: وما عمل به من شيء عملنا به، ومثله توقفهم عن التحلل بالعمرة ما لم يتحلل حتى أغضبوه واعتذر إليهم، ومثله تعليق علي وأبي موسى إحرامهما على إحرامه عَ له. (فخرجنا معه فأتينا ذا الحليفة) ميقات أهل المدينة على ستة أميال منها، وقيل: سبعة، حكاهما في المشارق (فولدت أسماء بنت عميس) بمهملتين مصغر الصحابية الفاضلة (محمد ابن أبي بكر الصديق (فأرسلت) أسماء (إلى الرسول عَّله: كيف أصنع؟) الظاهر أنها أرسلت زوجها الصديق، ويدل له رواية الموطأ؛ أن أسماء ولدت محمد بن أبي بكر، فذكر ذلك أبو بكر لرسول اللَّه عَِّ (قال: ((اغتسلي واستفري) بمثلثة بعد الفوقية، أي: احتجزي (بثوب) تشده على موضع الدم ليمنع السيلان، هكذا الرواية في مسلم وأبي داود بالمثلثة، ولبعض رواة أبي داود بالذال المعجمة بدل المثلثة، أي: استعملي طيبًا لإزالة هذا الشيء عنك، أي: رائحة الدم مأخوذ من الدفر بالتحريك وهو كل ريح ذكية من طيب أو نتن. قال المنذري: والمشهور بالمثلثة (وأحرمي) وفيه صحة إحرام النفساء والحائض وهو مجمع عليه، وصحة اغتسالهما للإحرام وإن كان الدم جاريًا. قال الخطابي: وإنما أمرها بذلك وإن كان اغتسالها لا يصح للتشبه بالطاهرات، كما أمر من أكل يوم عاشوراء بإمساك بقية النهار، وقال غيره للتنبيه على أن الغسل من سنن الإحرام: (فصلى رسِول اللَّه ◌ٍَّ في المسجد) أي: مسجد ذي الحليفة ركعتين سنة الإحرام عند جميع العلماء إلاَّ أن الحسن البصري استحب كون الإحرام بعد صلاة فرض، قال: لأنه روي أن هاتين الركعتين کانتا صلاة الصبح، نقله عیاض وغيره. ٣٣٠ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عد ◌ّه البيداء، نظرت مدَّ بصري بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله عَ ليه بين أظهرنا وعليه ينزل القرءان، وهو يعرف تأويله، وما عمل من شيء عملنا به. قال النووي: والصواب قول الجمهور، وهو ظاهر الحديث، قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: هما سنة لو تركها فاتته الفضيلة ولا إثم عليه، فلو أحرم بوقت نهى لم يركعهما على المشهور، وفي وجه: يركعهما فيه، لأن سببهما إرادة الإحرام وقد وجد (ثم ركب) ناقته (القصواء) بفتح القاف والمد، وللعذري في مسلم بالضم والقصر، وهو خطأ قاله عياض. وقال ابن بري: يقال بالفتح والمد، ويقال بالفتح والقصر، ولا يقال في صفة الناقة بالضم والقصر، وإنما يقال في تأنيث الأقصى، ومر الخلاف في أن القصواء غير الجدعاء والعضباء أو الكل أسماء لناقة واحدة، لقوله هنا: ركب القصواء، وقوله في آخر الحديث: خطب على العضباء. وفي غير مسلم: خطب على ناقته الجدعاء، وفي حديث آخر: على ناقة خرماء، وفي آخر: مخضرمة، فهذا يدل على أنها ناقة واحدة (حتى إذا استوت به ناقته على البيداء) بالمد، أي: المكان العالي قدام ذي الحليفة بقربها إلى جهة مكة، سميت بيداء لأنها لا بناء بها ولا أثر (نظرت مد بصري) هكذا في جميع الروايات في مسلم وأبي داود مد، أي: منتهى، وذكر بعض اللغويين أن الصواب مدی. قال النووي: وليس كذلك، بل هما لغتان مدى أشهر. (بين يديه من راكب وماش) فيه جواز الحج، كذلك وهو إجماع، وإنما الخلاف في الأفضل، فقال الجمهور: الركوب للاقتداء به عَّهِ، ولأنه أعون على القيام بالمناسك، ولأنه أكثر نفقة، وبه قال لملك في المشهور: وهو الأصح عند الشافعية، ورجح طائفة من المذهبين المشي. (و) نظرت (عن يمينه مثل ذلك و) نظرت (عن يساره مثل ذلك و) نظرت (من خلفه مثل ذلك) فهو بنصب مثل في الثلاث. قال الولي: ضبطناه بالنصب في الثلاث، ويجوز الرفع على الاستئناف، والمراد أنه حضر معه خلق كثير، وقد قيل: إنهم أربعون ألفًا (ورسول اللَّه عٍَّ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرءان) بضم أوله كما ضبطناه، ومعناه: الحث على التمسك بما يخبرهم به من فعله في تلك الحجة. انتھی. (وهو يعرف تأويله) على الحقيقة (وما عمل من شيء عملنا به) زيادة في الحث على التمسك بما يخبرهم به. ٣٣١ النَّوعِ السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَئية وفي رواية عند النسائي: قال جابر: خرج رسول الله عٍَّ لخمس بقين من ذي القعدة وخرجنا معه، حتى أتى ذا الحليفة الحديث. وكان خروجه عليه السلام من المدينة بين الظهر والعصر، فنزل بذي الحليفة، فصلى بها العصر ركعتين، ثم بات بها، وصلى بها المغرب والعشاء والصبح والظهر، وكان نساؤه كلهن معه، فطاف عليهن كلهن تلك الليلة ثم اغتسل غسلاً ثانيًا لإحرامه، غير غسل الجماع الأول. وفي الترمذي، عن خارجة بن زيد عن أبيه: تجرد عَّه لإهلاله واغتسل. وفي الصحيحين: أن عائشة طيبته بذريرة، وفي رواية قالت: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارقه عليه السلام وهو محرم، وفي رواية قالت: طيبته عند (وفي رواية عند النسائي، قال جابر: خرج رسول اللَّه ◌َّ لخمس بقين من ذي القعدة وخرجنا معه حتى أتى ذا الحليفة .. الحديث) فزاد في هذه الرواية: تاريخ الخروج (وكان خروجه عليه الصلاة والسلام من المدينة بين الظهر والعصر، فنزل بذي الحليفة فصلى بها العصر ركعتين) قصرًا (ثم بات بها، وصلى بها المغرب والعشاء والصبح والظهر، وكان نساؤه) التسع (كلهن معه، فطاف عليهن) أي: جامعهن (كلهن تلك الليلة ثم اغتسل غسلاً ثانيًا لإحرامه) الذي هو سنة فيه (غير غسل الجماع الأول) أي: جنسه فيشمل الاغتسالات التسع، لما ورد أنه كان من عادته عَّل أن يغتسل عند كل واحدة. (وفي الترمذي عن خارجة بن زيد) الأنصاري المدني الفقيه الثقة (عن أبيه) زيد بن ثابت الصحابي الشهير، قال: (تجرد عَّلام) من مخيط الثياب (لإهلاله) أي: إحرامه (واغتسل) للإحرام. (وفي الصحيحين) البخاري في اللباس، ومسلم في الحج (أن عائشة طيبته) عَّه (بذريرة) بذال معجمة وراءين بينهما تحتية ساكنة نوع من الطيب مركب يجعل فيه مسك، وقيل: هو فئات طيب يجاء به من الهند وهو مما يذهيه الغسل قاله المصنف على مسلم. ولفظ الصحيحين عن عائشة، قالت: طيبت رسول اللَّه عَّه بيدي بذريرة في حجة الوداع للحل والإحرام. (وفي رواية) للشيخين أيضًا (قالت) عائشة: (كأني أنظر إلى وبيص) بفتح الواو وكسر الموحدة بعدها تحتية ساكنة فصاد مهملة، أي: بريق أثر (الطيب) وزعم الإسمعيلي أن الوبيص زيادة على البريق، وأن المراد به التلؤلؤ، قال: وهو يدل على وجود عين باقية لا الريح فقط، وأشارت بقولها كأني إلى قوّة تحققها لذلك بحيث إنها لكثرة استحضارها له كأنها ناظرة إليه (في مفارقه عليه الصلاة والسلام:) جمع مفرق بفتح الميم وكسر الراء وفتحها كما جزم به ٣٣٢ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّ إحرامه، ثم طاف في نسائه، ثم أصبح محرمًا، زاد في رواية: ينضخ طيبًا. وفي رواية: طيبته طيبًا لا يشبه طيبكم، تعني لا بقاء له. وهذا يدل على استحباب التطيب عند إرادة الإحرام، وأنه لا بأس باستدامته بعد الإحرام، ولا يضر بقاء لونه ورائحته، وإنما يحرم في الإحرام ابتداؤه، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأبي يوسف وأحمد بن حنبل، وحكاه الخطابي عن الجوهري، وفي المشارق يقال: بفتح الراء والميم وكسرهما. قال الولي العراقي: فإن كان كل من فتح الميم وكسرها، يقال مع كل من فتح الراء وكسرها ففيه أربع لغات. قال الجوهري: هو وسط الرأس الذي يفرق فيه الشعر، وفي المشارق هو مكان فرق الشعر من الجبين إلى دائرة وسط الرأس، قيل: ذكرته بصيغة الجمع تعميمًا لجوانب الرأس التي يفرق فيها الشعر، لكن في رواية لمسلم في الحج، والبخاري في الغسل مفرق بالإفراد (وهو محرم) الواو للحال، وفي رواية لمسلم: بدله وذلك طيب إحرامه. (وفي رواية) لهما أيضًا (قالت: طيبته عند إحرامه) أي عند إرادته. (وفي رواية) للشيخين أيضًا (قالت: طيبته عند) إرادة (إحرامه، ثم طاف في نسائه) أي: جامعهن في ليلة واحدة (ثم أصبح محرمًا، زاد في رواية) لهما أيضًا (ينضخ) بالخاء المعجمة أو المهملة روايتان (طيبًا) نصب على التمييز، أي: من جهة الطيب، أي: يفور منه الطيب على رواية الإعجام ومنه عينان نضاختان، أي: تعم رائحته وتدرك إدراكًا كثيرًا، ورواية الإهمال معناها تقارب ذلك، وقيل: بالمعجمة أقل من المهملة، وقيل: بعكسه. (وفي رواية) للنسائي عن عائشة (طيبته طيبًا لا يشبه طيبكم، تعني لا بقاء له) كما قاله بعض رواته عند النسائي، ورده الحافظ بما لأبي داود عن عائشة: كنا نضمخ وجوهنا بالمسك المطيب قبل أن نحرم فنعرق، فيسيل على وجوهنا ونحن مع رسول اللَّه عَّ فلا ينهانا، فهذا صريح في بقاء عين الطيب، ولمسلم: بطيب فيه مسك، وله أيضًا: كأني أنظر إلى وبيص ال سك، وللشيخين: بأطيب ما أجد، وللطحاوي بالغالية الجيدة، فهذا يدل على أن قولها لا يشبه طيبكم، أي: أطيب منه لا كما فهمه القائل. انتهى. لكن ولو دل على ذلك لا حجة فيه لأنه أذهب الغسل عينه (وهذا يدل على استحباب التطيب عدد إرادة الإحرام وأنه لا بأس باستدامته بعد الإحرام ولا يضر بقاء لونه ورائحته، وإنما يحرم في الإحرام ابتداؤه وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأبي يوسف) يعقوب (وأحمد بن حنبل، وحكاه الخطابي عن أكثر الصحابة، وحكاه النووي عن جمهور العلماء ٣٣٣ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّ أكثر الصحابة، وحكاه النووي عن جمهور العلماء من السلف والخلف. وذهب مالك: إلى منع التطيب قبل الإحرام بما تبقى رائحته بعده، لكنه قال: إن فعل فقد أساء ولا فدية عليه. وعن عائشة قالت: كان رسول الله عَ لله إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بخطمي وأشنان، رواه الدارقطني. وفي حديث أنس عند أبي داود والترمذي: أنه عَّهِ صلى الظهر ثم ركب راحلته، فلما علا على جبل البيداء أهل. من السلف والخلف) أجمع من هذا كله قول الحافظ، وهو قول الجمهور (وذهب ملك) والزهري وجماعة من الصحابة والتابعين (إلى منع التطيب قبل الإحرام بما) أي: بطيب (تبقى رائحته بعده، لكنه قال: إن فعل أساء ولا فدية عليه). وفي رواية عنه: تجب، وأجابوا عن الحديث بأجوبة، منها: أنه أذهبه الغسل لرواية مسلم طيبته عند إحرامه ثم طاف على نسائه ثم أصبح محرمًا، فقد ظهرت علة تطيبه أنه لمباشرة النساء وغسله بعده لجماعهن ثم للإحرام أذهبه، فإنه كان يتطهر من كل واحدة قبل معاودته للأخرى، وأي طيب يبقى بعد اغتسالات كثيرة، ويكون قولها: ثم أصبح محرمًا ينضخ طيبًا فيه تقديم وتأخير، أي: طاف على نسائه ينضخ طيبًا، ثم أصبح بنية الإحرام. وفي الصحيحين: أن الذي طيبته به ذريرة وهي مما يذهبها الغسل ولا تبقى عينها بعده، وقولها: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارقه وهو محرم، المراد أثره لا جرمه، قاله عياض بمعناه، ورده النووي بأنه تأويل مخالف للظاهر بلا دليل وهو عجيب، فإن عياضًا ذكر دليله كما ترى، ومنها: أن الطيب للإحرام من خصائصه عَّالله للقاء الملائكة، ولأن المحرم إنما منع منه لأنه من دواعي النكاح وكان هو أملك الناس لأربه ففعله، والدليل على الخصوصية مخالفة فعله لنهيه عن الطيب، وأما قول عائشة: كنا نضمخ وجوهنا بالمسك المطيب الحديث السابق فلا صراحة فيه ببقاء عينه لأنهن اغتسلن والغسل يذهبه. (وعن عائشة قالت: كان رسول اللَّه عَّه إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بخطمي) بكسر الخاء المعجمة أكثر من فتحها والياء مشددة (وأشنان) بضم الهمزة والكسر لغة معرب، ويقال له بالعربية الحرض بضمتين (رواه الدارقطني). (وفي حديث أنس عند أبي داود والترمذي: أنه سَّهِ صلى الظهر) بذي الحليفة (ثم ركب راحلته:) ناقته (فلما علا) ارتفع (على جبل البيداء) بالمد فوق علمي ذي الحليفة لمن صعد من الوادي، قاله أبو عبيد البكري وغيره. ٣٣٤ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عليه. وفي رواية ابن عمر، عند البخاري ومسلم وغيرهما: ما أهل إلا من عند المسجد، يعني مسجد ذي الحليفة. وفي رواية: ما أهل إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره. وفي رواية: حين وضع رجله في الغرز، واستوت به راحلته قائمًا، أهل من عند مسجد ذي الحليفة. قال الولي العراقي: ضبطناه قبل في أصلنا من أبي داود بفتح المهملة وسكون الموحدة وهو المستطيل من الرمل، وقيل: الضخم منه والذي في محفوظنا جبل بفتح الجيم والباء وهو معروف (أهل) أي: أحرم، ويعارضه حديث الصحيحين وأبي داود والترمذي والنسائي عن أنس: صلى رسول اللّه عَ لِ الظهر بالمدينة أربعًا وصلى العصر في ذي الحليفة ركعتين، ثم بات بذي الحليفة حتى أصبح، فلما ركب راحلته واستوت به أهل، وجمع بينهما بأنه أهل عند ركوب دابته الإهلال المقترن بالإحرام، ثم أهل ثانيًا حين وصل إلى البيداء، ثم لا تخالف بين تصريحه في الرواية التي في المصنف بأن ركوبه بعدما صلى الظهر، وبين ظاهر رواية الجماعة، إذ ليس فيها أنه ارتحل بعد الصبح، وإنما قال: فلما ركب ولم يبين الوقت الذي وقع فيه ركوبه، وقد بينه في الرواية الأخرى فلا تعارض. (وفي رواية ابن عمر) عبد اللَّه (عند البخاري ومسلم وغيرهما) كأبي داود والترمذي والنسائي، كلهم من طريق لملك وغيره عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول اللَّه عَِّ فيها: (ما أهل) رسول اللَّه عَ لَّه (إلاَّ من عند المسجد، يعني: مسجد ذي الحليفة). (وفي رواية) لمسلم من طريق حاتم بن إسمعيل عن موسى عن سالم، قال: كان ابن عمر إذا قيل له الإحرام من البيداء التي تكذبون فيها على رسول اللَّه (ما أهل) رسول اللَّه عَلَّه (إلاَّ من عند الشجرة) ولا خلف، فالشجرة سمرة عند المسجد (حين قام به بعيره) أي: ناقته. (وفي رواية) عند مسلم وابن ماجه وأبي عوانة من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع، عن ابن عمر: (حين وضع) عَّ (رجله في الغرز) بفتح المعجمة وإسكان الراء وزاي منقوطة الركاب للإبل (واستوت به راحلته) أي: استقرت. قال الجوهري: استوى على ظهر دابته، أي: استقر (قائمًا) أي: مستويًا على ناقته، أو وصفه بالقيام لقيام ناقته. وفي الصحيحين من طريق صالح بن كيسان عن نافع، عن ابن عمر: أهل حين استوت به راحلته قائمة (أهل من عند مسجد ذي الحليفة). ٣٣٥ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عليـ وفي رواية جابر - عند أبي داود والترمذي - أنه عَِّ لما أراد الحج أذن في الناس فاجتمعوا له، فلما أتى البيداء أحرم. وفي حديث ابن جبير - عند أبي داود - قال: قلت لابن عباس: عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله عَّه في إهلال رسول الله عَّله حين أوجب!؟ فقال: إني لأعلم الناس بذلك، إنها إنما كانت من رسول الله عَ له حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا. خرج عَِّ حاجًا فلما صلى بمسجده في ذي الحليفة ركعتيه أوجبه في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام فحفظته عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل، وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون إليه أرسالاً، فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل فقالوا: إنما أهل رسول الله عَ ليه (وفي رواية جابر عند أبي داود والترمذي أنه عَي لما أراد الحج أذن) بالبناء للمفعول أو الفاعل (في الناس فاجتمعوا له، فلما أتى البيداء أحرم) وقد كان ابن عمر ينكر على ابن عباس قوله في البخاري: ركب راحلته حتى استوت به على البيداء أهل، قاله الحافظ. قال: (و) قد أزال الإشكال ما (في حديث) سعيد (بن جبير عند أبي داود) من طريق ابن إسحق: حدثني خصيف بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير (قال: قلت لابن عباس: عجبت لاختلاف أصحاب رسول اللَّه عٍَّ في) محل (إهلال رسول اللَّه عَ ◌ٍّ حين أوجب) أي: ألزم نفسه ما أحرم به، ومنه قول عمر؛ أنه أوجب بختيًا، أي: أهداه في حج أو عمرة، كأنه ألزم نفسه به (فقال: إني لأعلم الناس بذلك أنها إنما كانت من رسول اللّه عَّ حجة واحدة) أي: بعد الهجرة وإلاّ فقد حج قبلها مرات، ويحتمل أن يريد أن المتنازع فيه حجة واحدة، فهو تقرير السؤال سعيد بن جبير وتقوية لإشكاله، قاله الشيخ ولي الدين العراقي: (فمن هناك اختلفوا) وبين وجه اختلافهم، وأنه ليس بخلاف حقيقي، بقوله: (خرج عَّ له حاجًا فلما صلى بمسجده في ذي الحليفة ركعتيه) سنة الإحرام (أوجبه) أي: الإحرام (في مجلسه، فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه فسمع ذلك منه أقوام فحفظته عنه ثم ركب فلما استقلت به ناقته) أي: حملته. قال ابن الأثير: يقال: استقل الشيء يستقله إذا رفعه وحمله. قال الولي: فعليه الباء في به زائدة، لأنه متعد بنفسه (أهل) أي: رفع صوته بالتلبية (وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون إليه أرسالاً) بفتح الهمزة جمع رسل بفتحتين وأصله من الغنم والإبل من عشرين إلى خمس وعشرين كما في النهاية، والمراد هنا أفواجًا وفرقًا متقطعة يتبع بعضهم بعضًا (فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل) فظنوا أنه مبدأ إحرامه (فقالوا: ٣٣٦ النَّوع السّادِس في ذكر حجه وعمره عّد. حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول الله عَّهِ، فلما علا على شرف البيداء أهل، وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا إنما أهل حين علا على شرف البيداء، وأيم الله لقد أوجب في مصلاه، وأهل حين استقلت به ناقته، وأهل حين علا على شرف البيداء. قال سعيد بن جبير: فمن أخذ بقول عبد الله بن عباس أهل في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه، وهو مذهب أبي حنيفة، والصحيح من مذهب الشافعي أن الأفضل أن يحرم إذا انبعثت به راحلته. قال ابن القيم: ولم ينقل عنه عَّله أنه صلى للاحرام ركعتين غير فرض الظهر، انتهى. قلت: ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أنه معَّه كان يركع بذي الحليفة إنما أهل رسول اللَّه عٍَّ حين استقلت به راحلته، ثم مضى رسول اللَّه عَّ فلما علا) ارتفع (على شرف البيداء:) موضع بقرب ذي الحليفة وهي اسم لكل مفازة لا شيء بها لكنها صارت علمًا بالغلبة على هذا الموضع والشرف المكان العالي، وفي المشارق: البيداء هي الشرف الذي أمام ذي الحليفة. قال الولي: فعلى هذا تكون إضافة الشرف للبيداء من إضافة الشيء إلى نفسه (أهل وأدرك ذلك منه أقوام، فقالوا: إنما أهل حين علا على شرف البيداء) ظنًا أنه ابتداء إحرامه (وأيم الله لقد أوجب في مصلاه) على نفسه الحج (وأهل) أي: لبى رافعًا صوته (حين استقلت به ناقته، وأهل حين علا على شرف البيداء). (قال سعيد بن جبير: فمن أخذ بقول عبد اللَّه بن عباس) وجواب من قوله: (أهل في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه) هذا تمام الحديث في أبي داود (وهو مذهب أبي حنيفة) وهو قول ضعيف للشافعي (والصحيح من مذهب الشافعي) ولمملك والجمهور؛ (أن الأفضل أن يحرم إذا انبعثت به راحلته) وأجابوا عن حديث ابن عباس هذا بأنه ضعيف، كما قال النووي والمنذري: وإن سكت عليه أبو داود، لأن فيه خصيف بن عبد الرحمن، ضعفه الجمهور ووثقه ابن معين وأبو زرعة، وعلى تسليم توثيقه فقد عارضه حديث ابن عمر وأنس في الصحيحين وغيرهما؛ أنه إنما أهل حين استوت به ناقته قائمة، وقد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك، وإنما الخلاف في الأفضل. (قال ابن القيم: ولم ينقل عنه عَّ أنه صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر. انتهى، قلت: ثبت في الصحيحين عن ابن عمر؛ أنه عٍَّ كان يركع بذي الحليفة ركعتين) ٣٣٧ النَّوع السّادِس في ذكر حجه وعمره مُـ ركعتين، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل. قال النووي: فيه استحباب صلاة ركعتين عند إرادة الإحرام، ويصليهما قبل الإحرام، ويكونان نافلة. هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا ما حكاه القاضي وغيره عن الحسن البصري أنه يستحب كونهما بعد صلاة فرض، قال: لأنه روي أن هاتين الركعتين كانتا صلاة الصبح، والصواب ما قاله الجمهور وهو ظاهر الحديث. وقد اختلفت روايات الصحابة في حجه عَّله حجة الوداع، وهل كان مفردًا أو قارنًا أو متمتعًا؟ وروي كل منها في البخاري ومسلم وغيرهما. واختلف الناس في ذلك على ستة أقوال: أحدها: أنه حج مفردًا لم يعتمر معه. سنة الإحرام (ثم إذا استوت به الناقة قائمة) قال التوربشتي: أي: رفعته مستويًا على ظهرها، وتعقبه الطيبي بأن استوى إنما يعدي بعلى لا بالباء، فقوله به حال، وكذا قوله قائمة، أي: استوت ناقته قائمة متلبسة به عَّ له (عند مسجد ذي الحليفة أهل) أي: رفع صوته بالتلبية عند الدخول في الإحرام، والمتبادر أن الركعتين للإحرام لا الظهر المقصورة. ولذا (قال النووي: فيه استحباب صلاة ركعتين عند إرادة الإحرام ويصليهما قبل الإحرام يكونان نافلة، هذا مذهبنا ومذهب كافة العلماء إلاَّ ما حكاه القاضي) عياض (وغيره عن الحسن البصري؛ أنه يستحب كونهما بعد صلاة فرض، قال: لأنه روي أن هاتين الركعتين كانتا صلاة الصبح) وتعقب بأن هذا لم يثبت (والصواب ما قاله الجمهور وهو ظاهر الحدیث) فلا یعدل عنه. (وقد اختلفت روايات الصحابة في حجه عَّ حجة الوداع وهل) الواو الزائدة، وفي نسخ: إسقاطها (كان مفردًا أو قارنًا أو متمتعًا، وروي كل منها في البخاري ومسلم وغيرهما) فالشيخان عن ابن عمر، وجابر ومسلم عن عائشة وابن عباس أنه عَّ أفرد الحج، والبخاري من عمر، والشيخان عن أنس، ومسلم عن عمران بن حصين، وأبو داود عن البراء، والنسائي عن علي، وأحمد عن أبي طلحة أنه كان قارنًا، والشيخان عن ابن عمر، وعائشة وأبي موسى وابن عباس ومسلم عن ابن عباس أنه كان متمتعًا، وثم روايات أخر: لا أطيل بها. (واختلف الناس في ذلك على ستة أقوال: أحدها: أنه حج مفردًا لم يعتمر معه) أي: الحج، أي: أنه استمر مفردًا حتى حل منه ٣٣٨ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره علَّم. الثاني: حج متمتعًا تمتعًا حل منه ثم أحرم بعده بالحج، كما قاله القاضي أبو يعلى وغيره. الثالث: أنه حج متمتعًا تمتعًا لم يحل فيه لأجل سوق الهدي ولم يكن قارنًا. الرابع: أنه حج قارنًا قرانًا طاف له طوافين وسعى له سعيين. الخامس: أنه حج حجًا مفردًا، اعتمر بعده من التنعيم. السادس: أنه معَّالِ حج قارنًا بالحج والعمرة ولم يحل حتى حل منهما جميعًا، وطاف لهما طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا وساق الهدي. واختلفوا أيضًا في إحرامه على ستة أقوال: أحدها: أنه لبى بالعمرة وحدها، واستمر عليها. بمنى ولم يعتمر تلك السنة، قال الحافظ: وهو مقتضى من رجح أنه كان مفردًا. (الثاني: حج متمتعًا تمتعًا حل منه ثم أحرم بعده بالحج، كما قاله القاضي أبو يعلى وغيره). (الثالث: أنه حج متمتعًا تمتعًا لم يحل فيه لأجل سوق الهدي ولم يكن) ابتداء (قارنًا) بمعنى أنه لم يحرم بالحج والعمرة معًا، إنما أحرم بالعمرة واستمر عليها لأجل الهدى إلى أن أدخل عليها الحج يوم التروية، كما قاله الطحاوي وابن حبان وغيرهما. (الرابع: أنه حج قارنًا قرانًا، طاف له طوافين وسعى له سعيين) وبه استدل الحنفية على أن ذلك يلزم القارن، وأجاب من اكتفى لهما بواحد بأنه لحصول الأفضل إن سلم أنه كان قارنًا وسلم أنه طاف طوافين وسعيين، وإنما جاء ذلك في أحاديث ضعيفة جدًا لا يقوم بشيء منها حجة والثابت في الموطأ والصحيحين والسنن عن عائشة، وأما الذين كانوا أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا. (الخامس: أنه حج حجًّا مفردًا اعتمر بعده) أي: بعدما حل منه (من التنعيم) أو غيره، وزعم ابن تيمية أن هذا غلط كما يجيء. (السادس: أنه عَّ حج قارنًا بالحج والعمرة ولم يحل حتى حل منهما جميعًا وطاف لهما طوافًا واحداً وسعيًا واحدًا وساق الهدي). (واختلفوا أيضًا في إحرامه على ستة أقوال) مغايرة، هذا لسابقه أنه في صفة ما فعله إلى التحلل وما هنا في صفة الإحرام وحده. (أحدها: أنه لبى بالعمرة وحدها واستمر عليها) حتى فرغ منها ثم حج فهو متمتع. ٣٣٩ النّوع الشَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّ. الثاني: أنه لبي بالحج وحده واستمر عليه. الثالث: أنه لبي بالحج مفردًا ثم أدخل عليه العمرة. الرابع: أنه لبى بالعمرة وحدها ثم أدخل عليها الحج. الخامس: أنه أحرم إحرامًا مطلقًا لم يعين فيه نسكًا، ثم عينه بعد إحرامه. السادس: أنه لبى بالحج والعمرة معًا. وقد أطنب أبو جعفر الطحاوي الحنفي في الكلام على ذلك، فإنه تكلم عليه في زيادة على ألف ورقة كما ذكره عنه جماعة من العلماء، وبينه ابن حزم في حجة الوداع بيانًا شافيًا، ومهده المحب الطبري تمهيدًا بالغًا، وأشار إليه القاضي عياض والنووي في شرحيهما لمسلم، ونقحه الحافظ ابن حجر مستوفيًا لكثير من مباحثه استيفاء كافيًا. (الثاني: أنه لبى بالحج وحده واستمر عليه) حتى فرغ منه. (الثالث: أنه لبى بالحج مفردًا ثم أدخل عليه العمرة) ويأتي الخلاف هل ذلك خاص به وبأصحابه في تلك السنة فقط أو عام. (الرابع: أنه لبى بالعمرة وحدها ثم أدخل عليها الحج) فصار قارًا. (الخامس: أنه أحرم إحرامًا مطلقًا لم يعين فيه نسكًا) ينتظر ما يؤمر به (ثم عينه بعد إحرامه) لما نزل عليه الحكم بذلك وهو على الصفا، كذا في الفتح، لكن قال القاضي عياض وأقره النووي: لا يصح قول من قال: أحرم إحرامًا مطلقًا مبهمًا، لأن رواية جابر وغيره من الصحابة في الأحاديث الصحيحة مصرحة بخلافه. (السادس: أنه لبى) ابتداء (بالحج والعمرة معًا) فهو قارن من أول إحرامه (وقد أطنب أبو جعفر الطحاوي الحنفي في الكلام على ذلك؛ فإنه تكلم عليه في زيادة على ألف ورقة، كما ذكره عنه جماعة من العلماء) منهم عياض، وزاد وتكلم معه في ذلك أيضًا أبو جعفر الطبري، ثم أبو عبد اللّه بن أبي صفرة، ثم أخوه المهلب والقاضي أبو عبد الله بن المرابط وأبو الحسن بن القصار البغدادي وابن عبد البر وغيرهم. (وبينه ابن حزم في حجة الوداع) من كتابه المحلى (بياناً شافيًا، ومهده المحب الطبري تمهيدًا بالغًا، وأشار إليه القاضي عياض والنووي) ناقلاً كلام عياض (في شرحيهما لمسلم) جوابًا لسؤال: كيف اختلف الصحابة في صفة حجته وهي واحدة، وكل يخبر عن مشاهدة في قضية واحدة (ونقحه الحافظ ابن حجر مستوفيًا لكثير من مباحثه استيفاء كافيًا) ٣٤٠ النَّوع السَّادِس في ذكر حجه وعمره عَّ والذي ذهب إليه الشافعي في جماعة: أنه عَِّ حج حجًا مفردًا لم يعتمر معه، واحتج بما في الصحيحين أن عائشة قالت: ((خرجنا مع رسول اللهٍعَلَ ◌ّه عام حجة الوداع، فمنا من أهلَّ بعمرة، ومنا من أهلَّ بحج وعمرة، ومنا أهلٌ بالحج وحده، وأهلَّ رسول الله عَّله بالحج)). فهذا التقسيم والتوزيع صريح في إهلاله بالحج وحده. وفي رواية لمسلم عنها: أنه معَِّ أهل بالحج وحده. ولمسلم أيضًا عن ابن عباس: أهل رسول الله عَّ ةٍ أفرد بالحج. ولابن ماجه عن جابر: أن رسول اللَّه عَ ◌ّم أفرد بالحج، وعن ابن عمر: أنه عَّلِ أفرد الحج. رواه البخاري. قالوا: وهؤلاء لهم قرب في حجة الوداع على غيرهم: فأما جابر، فهو أحسن الصحابة سياقًا لرواية حديث حجة الوداع، فإنه ذكرها من حين خروجه عٍَّ من المدينة إلى آخرها، فهو أضبط لها من غيره. وأما ابن عمر، فصح عنه أنه كان آخذًا بخطام ناقته عَِّ في حجة الوداع، وأنكر على من رجح قول أنس على قوله ويأتي قريبًا للمصنف ذكر غالبه (والذي ذهب إليه الشافعي في) أي: مع (جماعة) كلملك؛ (أنه عٍَّ حج حجًا مفردًا) يعني: حجة الوداع (لم يعتمر معه. (واحتج) من رجح أنه كان مفردًا (بما في الصحيحين) والسنن من طريق الموطأ (أن عائشة قالت: (خرجنا مع رسول اللَّه عَّهُ عام حجة الوداع) لأنه ودع الناس فيها (فمنا من أهلٌ بعمرة، ومنا من أهلَّ بحج وعمرة، ومنا من أهلُّ بالحج وحده، وأهلَّ رسول اللَّه عَّ بالحج))، فهذا التقسيم والتنويع صريح في إهلاله بالحج وحده، و) به صرح (في رواية لمسلم عنها) أي: عائشة؛ (أنه عَِّ أهل بالحج وحده، ولمسلم أيضًا عن ابن عباس: أهل رسول اللَّه عَّال. بالحج) وحده على المتبادر. (ولابن ماجه عن جابر: أن رسول اللَّه عَ لّ أفرد بالحج، وعن ابن عمر: أنّه عَ لّهِ أفرد بالحج، رواه البخاري، قالوا) أي: الأئمة الذين رجحوا أنه عَّلِ حج مفردًا (وهؤلاء) أي: الصحابة الأربع عائشة وابن عباس وجابر وابن عمر (لهم قرب) من المصطفى، وفي خط الولي العراقي عن النووي لهم مزية (في حجة الوداع على غيرهم) وفصل القرب أو المزية بقوله: (فأما جابر فهو أحسن الصحابة سياقًا لحديث: حجة الوداع، فإنه ذكرها) أي: أفعالها مفصلة (من حين خروجه ◌َّ من المدينة إلى آخرها، فهو أضبط لها من غيره) وحديثه في مسلم وأبي داود مطوّلاً. (وأما ابن عمر فصح عنه أنه كان آخذًا بخطام) بكسر الخاء المعجمة (ناقته عَّ في حجة