النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ النَّوع الثَّالِث في ذكر سيرته عَِّ في الزكاة الناس إلى الصلاة، رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر. وفي رواية أبي داود من حديث ابن عباس، فرض عَ لّه زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين. وقال عَُّله: إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها، فجزأها ثمانية أجزاء. رواه أبو داود من حديث زياد ابن الحارث الصدائي. وهذه الثمانية الأجزاء يجمعها صنفان من الناس: أحدهما: من يأخذ لحاجته، فيأخذ بحسب شدة الحاجة وضعفها، وكثرتها وقلتها، وهم الفقراء والمساكين وفي الرقاب وابن السبيل. ولا على المسلم إخراجها عن عبده الكافر (وأمر بها) ندبًا (أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) أي: صلاة العيد، لأن القصد إغناء الفقراء عن الطلب وجاز تأخيرها إلى تمام يوم العيد، وحرم تأخيرها عنه إلاَّ لعذر كغيبة ماله أو المستحقين (رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر) من طرق. (وفي رواية أبي داود من حديث ابن عباس: فرض عَ ◌ِّ زكاة الفطر) أضيفت له لوجوبها بالفطر من رمضان، لكن هل المراد غروب شمسه لأنه وقت الفطر منه فتجب به أو طلوع فجر العيد، لأن الليل ليس محلاً للصوم وإنما يظهر الفطر الحقيقي بالأكل بعد الفجر فتجب به خلاف (طهرة) بضم الطاء (للصائم من اللغو والرفث وطعمة) بضم الطاء، أي: أكلة أو رزقًّا (للمساكين، وقال عَّ: إن اللَّه لم يرض بحكم نبي ولا غيره) من ملك مقرب أو جهبذ مجتهد (في) قسم (الصدقات) على مستحقيها (حتى حكم) هو تعالى (فيها فجزأها ثمانية أجزاء) في آية: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ [التوبة/٦٠]، (رواه أبو داود من حديث زياد بن الحرث الصدائي) بضم الصاد ودال مهملتين نسبة إلى صداء قبيلة من مذحج له صحبة ووفادة، قال: قال رجل: يا رسول الله أعطني من هذه الصدقة، فذكره ثم قال: ((فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك)). وروى ابن سعد عن زياد المذكور مرفوعًا: ((إن اللَّه لم يكل قسمها إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل حتى جزأها على ثمانية أجزاء، فإن كنت جزءًا منها أعطيتك، وإن كنت غنيًا عنها فإنما هي صداع في الرأس وداء في البطن)) (وهذه الثمانية الأجزاء يجمعها صنفان من الناس أحدهما من يأخذ لحاجته فيأخذ بحسب شدة الحاجة وضعفها وكثرتها وقلتها وهم الفقراء والمساكين وفي الرقاب وابن السبيل، والثاني: من يأخذ لمنفعته وهم العاملون عليها) من ٢٠٢ النَّوع الثَّالِث في ذكر سيرته عَّه في الزكاة والثاني: من يأخذ لمنفعته، وهم العاملون عليها والمؤلفة قلوبهم والغارمون أو لإصلاح ذات البين، والغزاة في سبيل الله، فإن لم يكن الآخذ محتاجًا، ولا فيه منفعة للمسلمين فلا سهم له في الزكاة. واعلم أن الأنبياء لا تجب الزكاة عليهم، لأنهم لا ملك لهم مع الله حتى تجب عليهم الزكاة فيه، وإنما يجب عليك زكاة ما أنت له مالك، إنما كانوا يشهدون ما في أيديهم من ودائع الله لهم يبذلونه في أوان بذله، ويمنعونه في غير محله، ولأن الزكاة إنما هي طهرة لما عساه أن يكون ممن وجبت عليه لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة/١٠٣]، والأنبياء عليهم السلام مبرؤون من الدنس، لوجوب العصمة لهم، ولهذا لم يوجب أبو حنيفة على الصبيان زكاة لعدم دنس المخالفة، والمخالفة لا تكون إلا بعد جريان التكليف، وذلك بعد البلوغ. وإذا كان أهل المعرفة بالله والمشاهدون لأحديته لا يشهدون لهم مع الله ملكا كما هو مشهور من حكاياتهم، فما ظنك بالأنبياء جاب وقاسم وكاتب وحاشر (والمؤلفة قلوبهم) ليسلموا أو يثبت إسلامهم أو يسلم نظراؤهم أو يذبوا عن المسلمين أقوال (والغارمون) أهل الدين إن استدانوا لغير معصية أو تابوا وليس لهم وفاء (أو لإصلاح ذات البين) ولو أغنياء عندهم (والغزاة في سبيل الله، فإن لم يكن الآخذ محتاجًا ولا فيه منفعة للمسلمين فلا سهم له في الزكاة، واعلم أن الأنبياء لا تجب الزكاة عليهم) لا يرد عليه قوله تعالى ﴿وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيًا﴾ [مريم/٣١]، لأن المراد بها على هذا التطهير من الرذائل (لأنهم لا ملك لهم مع اللَّه حتى تجب عليهم الزكاة فيه، وإنما يجب عليك زكاة ما أنت له مالك، إنما كانوا يشهدون ما في أيديهم من ودائع اللَّه لهم يبذلونه في أوان بذله ويمنعونه) من صرفه (في غير محله، ولأن الزكاة إنما هي طهرة لما) أي: الإنسان، فاستعمل ما للعاقل على القليل. وفي نسخ: لمن (عساه أن يكون ممن وجبت عليه لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾) من الذنوب (والأنبياء عليهم السلام مبرؤون من الدنس لوجوب العصمة لهم، ولهذا لم يوجب أبو حنيفة على الصبيان زكاة لعدم دنس المخالفة) الموجب للتطهير (والمخالفة لا تكون إلاَّ بعد جريان التكليف وذلك بعد البلوغ) والعقل (وإذا كان أهل المعرفة باللّه والمشاهدون لأحديته لا يشهدون لهم مع اللَّه ملكًا كما هو مشهور من حكاياتهم، فما ظنك بالأنبياء والرسل وأهل التوحيد) بالرفع مبتدأ (والمعرفة) عطف على ٢٠٣ النَّوع الثَّالِث في ذكر سيرته عَّةِ في الزكاة والرسل، وأهل التوحيد والمعرفة إنما غرفوا من بحارهم واقتبسوا من أنوارهم. انتهى ملخصًا من كتاب ((التنوير)) للعارف الكبير أبي الفضل بن عطاء الله الشاذلي، أذاقنا الله حلاوة مشربه. تنبيه: ما حكي أن الشافعي وأحمد بن حنبل كانا جالسين، إذ أقبل شيبان الراعي، فقال أحمد بن حنبل للشافعي: أريد أن أسأل هذا المشار إليه في هذا الزمن، فقال الشافعي: لا تفعل، فقال: لا بد من ذلك، فقال: يا شيبان ما تقول فيمن نسي أربع سجدات من أربع ركعات؟ فقال: يا أحمد، هذا قلب غافل عن الله تعالى، يجب أن يؤدب حتى لا يعود إلى مثل ذلك. قال: فخر أحمد مغشيًا عليه، ثم أفاق فقال له: ما تقول فيمن له أربعون شاة، ما زكاتها؟ فقال: على مذهبنا أو على مذهبكم؟ فقال: أوهما مذهبان؟ قال: نعم، أما على مذهبكم ففي الأربعين شاة التوحيد (إنما غرفوا من بحارهم) خبر المبتدأ (واقتبسوا من أنوارهم. انتهى ملخصًا من كتاب التنوير) في إسقاط التدبير (للعارف الكبير أبي الفضل بن عطاء اللَّه الشاذلي أذاقنا اللَّه حلاوة مشربة). وفي الأنموذج ذكر لملك من خصائصه عَّهِ أنه كان لا يملك الأموال إنما كان له التصرف والأخذ بقدر کفایته. وعند الشافعي وغيره: يملك، ثم نقل بعد قليل كلام ابن عطاء اللَّه هذا، فقال شارحه هذا كما ترى بناه ابن عطاء اللَّه على مذهب إمامه أن الأنبياء لا يملكون ومذهب الشافعي خلافه. (تنبيه: ما حكي أن الشافعي وأحمد بن حنبل كانا جالسين، إذ أقبل شيبان الراعي) من أكابر العارفين والزهاد العابدين الأمي، وكان إذا سئل عن شيء من القرءان أو الفقه أجاب بجواب متين، وإذا حضرت الجمعة خط على غنمه خطًّا فلا تتحرك ولا يعرض لها شيء حتى يعود. (فقال أحمد بن حنبل للشافعي: أريد أن أسأل هذا المشار إليه) بالولاية (في هذا الزمن) لأعلم ما عنده (فقال الشافعي: لا تفعل) خشي أن يجيبه بخلاف ظاهر الشرع فيسوء اعتقاده فيه (فقال: لا بد من ذلك، فقال: يا شيبان ما تقول فيمن نسي أربع سجدات من أربع ركعات، فقال: يا أحمد هذا قلب غافل عن اللَّه تعالى يجب أن يؤدب حتى لا يعود إلى مثل ذلك) فأجابه بخلاف ظاهر الشرع، لكن حصل منه اعتبار لأحمد (قال: فخري أحمد مغشيًا عليه، ثم أفاق فقال له: ما تقول فيمن له أربعون شاة ما زكاتها؟، فقال: على مذهبنا) معاشر الصوفية (أو على مذهبكم) أيها الفقهاء؟ (فقال: أوهما مذهبان؟، قال: نعم، أما على مذهبكم ففي ٢٠٤ النَّوع الثَّالِث في ذكر سيرته عَّ في الزكاة شاة، وأما على مذهبنا فالعبد لا يملك مع سيده شيئًا. فقد نقل شيخنا في ((المقاصد الحسنة)) عن ابن تيمية أن ذلك باطل باتفاق أهل المعرفة، لأن الشافعي وأحمد لم يدركا شيبان الراعي والله أعلم. انتهى. وقد كان عَّ إذا أتاه قوم بصدقة قال: ((اللهم صل على آل فلان))، فأتاه أبو أوفى بصدقته فقال: ((اللهم صل على آل أبي أوفى)). رواه البخاري ومسلم. واختلف في أول وقت فرض الزكاة. فذهب الأكثرون إلى أنه وقع بعد الهجرة، فقيل: كان في السنة الثانية قبل فرض رمضان، أشار إليه النووي في باب السير من الروضة. وجزم ابن الأثير في التاريخ بأن ذلك كان في التاسعة، وفيه نظر: لما في حديث ضمام بن ثعلبة، وحديث وفد عبد القيس، ومخاطبة أبي سفيان مع هرقل وكان في أول السابعة، وقال فيها: يأمرنا بالزكاة. الأربعين شاة شاة، وأما على مذهبنا فالعبد لا يملك مع سيده شيئًا، فقد نقل شيخنا في المقاصد الحسنة عن ابن تيمية) الحافظ أحمد (أن ذلك باطل باتفاق أهل المعرفة، لأن الشافعي وأحمد لم يدركا شيبان الراعي، والله أعلم انتهى) .(وقد كان عَّ إذا أتاه قوم بصدقة) أي: الزكاة (قال: اللهم صل على آل فلان) ولأبي ذر على فلان بدون آل كما في الفتح: (فأتاه) بالقصر (أبو أوفى) بفتح الهمزة والفاء بينهما واو ساكنة اسمه علقمة بن خالد بن الحرث الأسلمي شهد هو وابنه عبد اللَّه بيعة الرضوان تحت الشجرة (بصدقته، فقال: اللهم صلّ على آل أبي أوفى) يريد أبا أوفى نفسه، لأن الآل يطلق على ذات الشيء، كقوله في قصة أبي موسى: ((لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود))، وقيل لا يقال ذلك إلاّ في حق الرجل. الجليل القدر (رواه البخاري) في الزكاة وغيرها (ومسلم) عن ء د اللَّه بن أبي أوفى، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة سنة سبع وثمانين. (واختلف في أول وقت فرض الزكاة، فذهب الأكثرون إلى أنه وقع بعد الهجرة، فقيل: كان في السنة الثانية قبل فرض رمضان، أشار إليه النووي في باب السير من الروضة، وجزم ابن الأثير في التاريخ بأن ذلك) أي: فرضها (كان في التاسعة وفيه نظر لما في حديث ضمام) بكسر المعجمة مخففًا (ابن ثعلبة) بمثلثة. (وفي حديث وفد عبد القيس) أسقط من الفتح وفي عدة أحاديث ذكر الزكاة (ومخاطبة أبي سفين) صخر بن حرب (مع هرقل وكان في أول السابعة وقال فيها: يأمرنا ٢٠٥ النَّوعِ الثَّالِث في ذكر سيرته عَِّ في الزكاة وقوى بعضهم ما ذهب إليه ابن الأثير بما وقع في قصة ثعلبة بن حاطب المطولة ففيها: لما أنزلت آية الصدقة بعث النبي عَّ له عاملاً: فقال: ما هذه إلا الجزية أو أخت الجزبة، والجزية إنما وجبت في التاسعة، فتكون الزكاة في التاسعة. لكنه حدیث ضعيف لا يحتج بمثله. وادعى ابن خزيمة في صحيحه أن فرضها كان قبل الهجرة، واحتج بما أخرجه من حديث أم سلمة في قصة هجرتهم إلى الحبشة، وفيها: أن جعفربن أبي طالب قال للنجاشي في جملة ما أخبره به عن الرجل: الذي يأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، انتهى. وفي الاستدلال بذلك نظر، لأن الصلوات الخمس لم تكن فرضت بعد، ولا صيام رمضان، فيحتمل أن تكون مراجعة جعفر لم تكن في أول ما قدم على النجاشي، وإنما أخبره بذلك بعد مدة قد وقع فيها ما ذكر من فريضة الصلاة والصيام، وبلغ ذلك جعفرًا فقال: يأمرنا، بمعنى يأمر أمته، وهو بعيد جدًا. وأولى ما بالزكاة) أسقط من الفتح، لكن يمكن تأويل كل ذلك كما سيأتي في آخر الكلام (وقوى بعضهم ما ذهب إليه ابن الأثير بما وقع في قصة ثعلبة بن حاطب المطولة، ففيها: لما أنزلت آية الصدقة بعث النبي عَّ عاملاً) يجبي الصدقات، فمر بثعلبة وسأله الصدقة وأقرأه الكتاب الذي فيه الفرائض (فقال) ثعلبة: (ما هذه إلا الجزية أو أخت الجزية) أي: شبيهتها (والجزية إنما وجبت في التاسعة، فتكون الزكاة في التاسعة) وهو استدلال قوي لو صح الحديث،(لكنه حديث ضعيف لا يحتج بمثله) إذ لا حجة في ضعيف (وادعى ابن خزيمة في صحيحه أن فرضها كان قبل الهجرة، واحتج بما أخرجه من حديث) سلمة بن الفضل عن ابن إسحق بسنده إلى (أم سلمة) هند (في قصة هجرتهم إلى الحبشة، وفيها أن جعفر بن أبي طالب) الهاشمي (قال للنجاشي في جملة ما أخبره به عن الرجل الذي يأمرنا) لفظ الحافظ عن النبي عَّه ويأمرنا (بالصلاة والزكاة والصيام. انتهى. (وفي الاستدلال بذلك نظر، لأن الصلوات الخمس لم تكن فرضت بعد) أي: في ذلك الوقت (ولا صيام رمضان، فيحتمل أن تكون مراجعة جعفر لم تكن في أول ما قدم على النجاشي، وإنما أخبره بذلك بعد مدة قد وقع فيها ما ذكر من فريضة الصلاة والصيام، وبلغ ذلك جعفرًا، فقال: يأمرنا بمعنى يأمر أمته وهو بعيد جدًا) إذ الأصل عدم التقدير (وأولى ٢٠٦ النَّوع الثَّالِث في ذكر سيرته عَّ في الزكاة حمل عليه حديث أم سلمة هذا - إن سلم من قدح في إسناده - أن المراد بقول جعفر ((يأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام)) أي في الجملة، ولا يلزم ذلك أن يكون المراد بالصلاة الصلوات الخمس ولا بالصيام صيام شهر رمضان، ولا بالزكاة هذه الزكاة المخصوصة ذات النصاب والحول. ومما يدل على أن فرض الزكاة كان قبل التاسعة حديث أنس في قصة ضمام بن ثعلبة وقوله: ((أنشدك الله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟)) وكان قدوم ضمام سنة خمس، وإنما الذي وقع في التاسعة بعث العمال لأخذ الصدقات، وذلك يستدعي تقدم فريضة الزكاة قبل ذلك. ومما يدل على أن فرض الزكاة وقع بعد الهجرة اتفاقهم على أن صيام رمضان إنما فرض بعد الهجرة، لأن الآية الدالة على فرضيته مدنية بلا خلاف. وثبت عند أحمد وابن خزيمة والنسائي وابن ماجه والحاكم من حديث قيس بن سعد بن عبادة قال: أمرنا رسول الله عَّ له بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، ثم نزلت ما حمل عليه حديث أم سلمة هذا إن سلم من قدح في إسناده) لأن سلمة بن الفضل فيه مقال، وفي التقريب أنه صدوق كثير الخطأ. انتهى. وقد رواه يونس بن بكير عن ابن إسحق فلم يذكر الزكاة (أن المراد بقول جعفر يأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، أي: في الجملة، ولا يلزم من ذلك أن يكون المراد بالصلاة الصلوات الخمس) بل مطلق صلاة (ولا بالصيام شهر رمضان) بل مطلق صيام (ولا بالزكاة هذه الزكاة المخصوصة ذات النصاب والحول) بل أراد مطلق صدقة أو التطهير من الرذائل (والله أعلم. (ومما يدل على أن فرض الزكاة كان قبل التاسعة حديث أنس في قصة ضمام) بالكسر مخففًا (ابن ثعلبة) بمثلثة (وقوله: أنشدك اللَّه آللَّه) بالمد (أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا، وكان قدوم ضمام سنة خمس) من الهجرة (وإنما الذي وقع في) السنة (التاسعة بعث العمال): جمع عامل (لأخذ الصدقات وذلك يستدعي تقديم فريضة الزكاة قبل ذلك، ومما يدل على أن فرض الزكاة وقع بعد الهجرة اتفاقهم على أن صيام رمضان، إنما فرض بعد الهجرة، لأن الآية الدالة على فرضيته) وهي ﴿كتب عليكم الصيام﴾ [البقرة/١٨٣] (مدنية بلا خلاف، وثبت عند أحمد وابن خزيمة والنسائي وابن ماجه والحاكم من حديث قيس بن سعد بن عبادة) الخزرجي الصحابي ابن الصحابي (قال: أمرنا ٢٠٧ النّوع الثَّالِث في ذكر سيرته عَِّ في الزكاة فرضية الزكاة، فلم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله. إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح، إلا أبا عمار، الراوي عن قيس بن سعد، وقد وثقه أحمد وابن معين. وهو دال على أن فرض صدقة الفطر كان قبل فرض الزكاة، فيقتضي وقوعها بعد فرض رمضان. قاله الحافظ أبو الفضل بن حجر. وكان عَّلَّه يقبل الهدية ويثيب عليها. رواه البخاري من حديث عائشة. وإذا أتي بطعام سأل عنه أهدية أم صدقة، فإن قيل: صدقة قال لأصحابه: رسول اللَّه عَ لى بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، ثم نزلت فرضية الزكاة) للأموال (فلم يأمرنا) بصدقة الفطر (ولم ينهنا) عنها (ونحن نفعله) وبهذا احتج لإبراهيم بن علية وأبي بكر الأصم لقولهما: إن صدقة الفطر منسوخة، والكافة على أن وجوبها لم ينسخ، وأجابوا بأن نزول فرض لا يوجب سقوط فرض آخر لاحتمال الاكتفاء بالأمر الأول (إسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح إلاَّ أبا عمار) الكوفي اسمه عريب بفتح المهملة ابن حميد كما في الفتح (الراوي عن قيس بن سعد، وقد وثقه أحمد وابن معين وهو دال على أن فرض صدقة الفطر كان قبل فرض الزكاة، فيقتضي وقوعها بعد فرض رمضان). زاد في الفتح وذلك بعد الهجرة وهو المطلوب (قاله الحافظ أبو الفضل بن حجر) وزاد: ووقع في تاريخ الإسلام في السنة الأولى فرضية الزكاة، وقد أخرج البيهقي في الدلائل حديث أم سلمة المذكور من طريق المغازي لابن إسحق من رواية يونس بن بكير عنه وليس فيه ذكر الزكاة، وابن خزيمة أخرجه من طريق ابن إسحق، لكن من طريق سلمة بن الفضل عنه، وفي سلمة مقال. (وكان عَِّ يقبل الهدية) إلاَّ لعذر كما رد على الصعب بن جثامة الحمار الوحشي، وقال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم (ويثيب) أي: يجازي، واصل الإثابة تكون في الخير والشر، لكن العرف خصها بالخير (عليها) بأن يعطي بدلها فيندب التأسي به، وظاهره أنه كان يقبلها من المؤمن والكافر، وقد جاء أنه قبل هدية المقوقس وغيره من أهل الكتاب (رواه البخاري) في الهبة (من حديث عائشة) وكذا رواه أحمد وأبو داود في البيوع، وزاد فيه الغزالي: ولو أنها جرعة لبن أو فخذ أرنب. قال الحافظ العراقي: وفي الصحيحين ما هو بمعناه (و) كان (إذا أتي بطعام) زاد في رواية أحمد: من غير أهله (سأل عنه) من أتى به؟ (أهدية؟) بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: أهذا، وبالنصب بتقدير أجئتم به هدية (أم صدقة) بالرفع والنصب (فإن قيل) هو (صدقة) أو جئنا ٢٠٨ النَّوع الثَّالِث في ذكر سيرته عَ ◌ّ في الزكاة ((كلوا)) ولم يأكل، وإن قيل هدية ضرب بيده فأكل معهم. رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة. وقال عليه الصلاة والسلام لعائشة: ((هل عندكم شيء). فقالت: لا، إلا شيء بعثت به إلينا نسيبة من الشاة التي بعثت بها إليها من الصدقة، قال: ((إنها بلغت محلها)). رواه البخاري ومسلم. وقوله: ((محلها)) بكسر الحاء، أي زال عنها حكم الصدقة وصارت حلاً لنا. وأتى بلحم قد تصدق به على بريرة فقال: ((هو عليها صدقة، ولنا هدية))، رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. به صدقة (قال لأصحابه: كلوا ولم يأكل) هو معهم لحرمتها عليه (وإن قيل: هدية ضرب بيده) أي: مدها (فأكل معهم) دون تحاش عنه تشبيهًا للمد بالذهاب سريعًا في الأرض فعداه بالياء، وذلك لأن الصدقة منحة لثواب الآخرة، ففيها نوع ذل بخلاف الهدية فهي تمليك للغير إكرامًا، فلذا حلت له دون الصدقة (رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة) وكذا رواه النسائي. (وقال عليه الصلاة والسلام لعائشة:) لفظ الحديث عن أم عطية الأنصاري، قالت: دخلٍ النبي عَِّ على عائشة، فقال: (هل عندكم شيء) من الطعام (فقالت: لا) شيء منه عندنا (إلا شيء بعثت به إلينا نسيبة) بنون وسين مهملة وموحدة مصغر اسم أم عطية (من الشاة التي بعثت) بفتح التاء، أي: أنت (بها إليها). ففي رواية لمسلم عن أم عطية، قالت: بعث إليّ النبي عَِّ بشاة من الصدقة، فبعثت إلى عائشة منها بشيء (من الصدقة، قال: إنها بلغت محلها، رواه البخاري) في الزكاة في موضعين، وفي الهبة (ومسلم) في الزكاة (وقوله: محلها بكسر الحاء، أي: زال عنها حكم الصدقة وصارت حلاً لنا) كذا جزم بالكسر هنا، وفي شرحه للبخاري مع أن الحافظ قال: أي: أنها لما تصرفت فيها بالهدية لصحة ملكها لها انتقلت عن حكم الصدقة، فحلت محل الهدية، وكانت تحل له عَّه بخلاف الصدقة، وهذا تقرير ابن بطال بعد أن ضبطها محلها بفتح الحاء، وضبطها بعضهم بكسرها من الحلول، أي: بلغت مستقرها والأول أولى، وعليه حوّل البخاري في الترجمة يعني بقوله باب إذا تحوّلت الصدقة. انتهى. (وأتي) بضم الهمزة النبي عَّه (بلحم) في رواية مسلم: بلحم بقر (تصدق) بضم أوله (به على بريرة) بفتح الموحدة وكسر الراء الأولى (فقال: هو) أي: اللحم (عليها صدقة ولنا هدية) قدم لفظ عليها على المبتدأ لإفادة الاختصاص، أي: لا علينا الزوال وصف الصدقة وحكمها، لأنها صارت ملكًا لبريرة ثم صارت هدية، فالتحريم ليس لذات اللحم (رواه البخاري ٢٠٩ النوع الرابع في ذكر صيامه عد فيه. وفي حديث عائشة عند البخاري ومسلم: دخل عَّله وعلى النار برمة تفور، فدعا بالغداء، فأتي بخبز وأدم من أدم البيت، فقال: ((ألم أر برمة على النار تفور؟)) قالوا: بلى يا رسول الله، لكنه لحم تصدق به على بريرة، وأهدت إلينا منه، وأنت لا تأكل الصدقة، فقال: ((هو صدقة عليها، وهدية لنا)). النوع الرابع مِلىالله في ذكر صيامه عديدة. اعلم أن المقصود من الصيام إمساك النفس عن حبس عاداتها، وحبسها عن ومسلم وأبو داود والنسائي) مختصرًا هكذا عن أنس. (وفي حديث عائشة عند البخاري ومسلم: دخل عَ ل) حجرة عائشة (وعلى النار برمة) بضم الموحدة وإسكان الراء. قال ابن الأثير: هي القدر مطلقًا وجمعها برم، وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز (تفور) بالفاء (فدعا بالغداء فأتى بخبز وأدم من أدم البيت) بضم الهمزة وإسكان المهملة: جمع أدام وهو ما يؤكل مع الخبز، أي: شيء كان، والإضافة للتخصيص (فقال: ألم أر برمة) بهمزة الاستفهام التقريري (على النار تفور) زاد في رواية: فيها لحم (قالوا: بلى يا رسول اللَّه لكنه لحم تصدق به) بالبناء للمفعول (على بريرة وأهدت إلينا منه وأنت لا تأكل الصدقة) لحرمتها عليك، فلذا لم نأتك به (فقال: هو صدقة عليها وهدية لنا) منها، لأنه يسوغ للفقير التصرف في الصدقة بالإهداء والبيع وغير ذلك، كتصرف المالك في ملكه، فيجوز للغني ولو هاشميًّا أكلها وشراؤها، لأن التحريم إنما هو على الصفة لا على العين، فإذا تغيرت صفة الصدقة تغير حكمها. قال الأبي: لا يقال كونها أوساخ الناس ومطهرة للمال هو وصف لا تزيله الهدية بها، لأنا نقول: ليس وصفًا ذاتيًا حتى يقال: إنه لا يزول، وإنما هو وصف حكمي جعل بالشرع، وهو قد حکم بزواله. انتهى. واستدل به على جواز صدقة التطوّع لأزواجه عَّةٍ، لأنهم فرقوا بينه وبين أنفسهم ولم ينكره عليهم، بل أخبرهم أن تلك الهدية بعينها خرجت عن كونها صدقة بتصرف المتصدق علیه. (النوع الرابع: في ذكر صيامه عَّهِ: اعلم أن المقصود من الصيام إمساك) أي: منع (النفس عن حبس) أي: دنيء (عاداتها) من إضافة الصفة للموصوف، أي: عاداتها الخسيسة، ٢١٠ النوع الرابع في ذكر صيامه عد اله شهواتها، وفطامها عن مألوفاتها، فهو لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لرب العالمين من بين سائر أعمال العاملين، كما قال الله تعالى في الحديث الإلهي الذي رواه مسلم: ((كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به)). فأضافه تعالى له إضافة تشريف وتكريم، كما قال تعالى: ﴿ناقة الله﴾ [الشمس/٣] مع أن العالم كله له سبحانه. وقيل: لأنه لم يعبد غيره به، فلم يعظم الكفار في عصر من الأعصار معبودًا لهم بالصيام، وإن كانوا يعظمونه بصورة الصلاة والسجود وغيرهما. ففيه أن عادات النفس التي تألفها كلها خسيسة، فعلى الصائم المحافظة على مخالفتها بفعل المأمورات واجتناب المنهيات والاشتغال بالذكر والقرآن وأنواع القربات (وحبسها) أي: كفها (عن شهواتها) ولو مباحة (وفطامها) أي: منعها (عن مألوفاتها) من مستلذاتها (فهو لجام المتقين) المانع لهم تشبيهًا بلجام الدابة (وجنة) بضم الجيم مشددًا وقاية (المحاربين) ، نفسهم والشياطين (ورياضة الأبرار والمقربين وهو لرب العالمين من بين سائر أعمال العالمين، كما قال الله تعالى في الحديث الإلهي الذي رواه مسلم:) لا وجه لقصر عزوه له فقد رواه البخاري، كلاهما في الصوم عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه عَّ ◌ُله: ((قال اللَّه تعالى: (كل عمل ابن آدم له) أي: له فيه حظ ومدخل لاطلاع الناس عليه فهو يتعجل به ثوابًا من الناس، ویحوز به حظًا من الدنيا. وفي رواية: كل عمل ابن عادم مضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف (إلاَّ الصيام فهو خالص (لي) لا يعلم ثوابه غيري (وأنا أجزي) بفتح الهمزة (به) صاحبه بلا عدد ولا حساب، وهذا كقوله تعالى: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ [الزمر/١٠] الآية، والصابرون الصائمون في قول الأكثر، لأنهم يصبرون أنفسهم عن الشهوات وعند سمويه إلّ الصوم فإنه لا يدري أحد ما فيه. وقد اختلف في معناه مع أن الأعمال كلها للَّه وهو الذي يجزي بها، فقيل في معناه عشرة أوجه ذكر بعضها بقوله: (فأضافه اللَّه تعالى له إضافة تشريف وتكريم، كما قال تعالى: ﴿ناقة اللَّ﴾) وأن المساجد للَّه (مع أن العالم كله له سبحانه). قال الزين بن المنير: التخصيص في موضع التعميم في مثل هذا السياق لا يفهم منه إلاَّ التشريف والتعظيم. (وقيل ) وجه ذلك (لأنه لم يعبد غيره) تعالى (به) بالصوم (فلم يعظم الكفار في عصر من الأعصار معبودًا لهم بالصيام وإن كانوا يعظمونه بصورة الصلاة والسجود وغيرهما) ٢١١ النوع الرابع في ذكر صيامه عليه. قال في شرح تقريب الأسانيد: واعترض بما يقع من عباد النجوم وأصحاب الهياكل والاستخدامات فإنهم يتعبدون لها بالصيام. وأجيب: بأنهم لا يعتقدون أنها فعالة بأنفسها. وقيل: لأن الصوم بعيد من الرياء لخفائه، بخلاف الصلاة والحج والغزو، وغير ذلك من العبادات الظاهرات، قال في فتح الباري. معنى النفي في قولهم ((لا رياء فيه)) أنه لا يدخله الرياء بفعله، وإن كان قد يدخله الرياء بالقول، كمن يصوم ثم يخبر بأنه صائم، فقد يدخله الرياء من هذه الحيثية، فدخول الرياء في الصوم إنما يقع من جهة الإخبار، بخلاف بقية الأعمال، فإن الرياء يدخلها بمجرد فعلها. انتھی. كالطواف والصدقة والذبح. (قال) الولي العراقي (في شرح تقريب الأسانيد) للنووي: (واعترض بما يقع من عباد النجوم وأصحاب الهياكل والاستخدامات، فإنهم يتعبدون لها بالصيام، وأجيب بأنهم لا يعتقدون أنها فعالة بأنفسها) الذي في الفتح بأنهم لا يعتقدون إلهية الكواكب، وإنما يعتقدون أنها فعالة بنفسها وليس هذا الجواب بطائل، لأنهم طائفتان إحداهما تعتقد إلهية الكواكب وهم من كان قبل ظهور الإسلام وبقي منهم من بقي على كفره، والأخرى من دخل في الإسلام وبقي على تعظيم الكواكب وهم الذين أشیر إليهم. انتهى. (وقيل: لأن الصوم بعيد من الرياء لخفائه بخلاف الصلاة والحج والغزو وغير ذلك من العبادات الظاهرات) حكاه المازري ونقله عياض عن أبي عبيد، ويؤيده حديث الصيام لا رياء فيه، قال اللّه عز وجل: ((هو لي وأنا أجزي به)، رواه البيهقي عن أبي هريرة بإسناد ضعيف ولو صح لرفع النزاع. (قال في فتح الباري: معنى النفي في قولهم: لا رياء فيه أنه لا يدخله الرياء بفعله وإن كان قد يدخله الرياء بالقول كمن يصوم ويخبر بأنه صائم فقد يدخله الرياء من هذه الحيثية، فدخول الرياء في الصوم إنما يقع من جهة الإخبار) به رياء (بخلاف بقية الأعمال، فإن الرياء يدخلها بمجرد فعلها) على وجه الرياء. (انتهى) كلام الفتح وزاد فيه: وقد حاول بعض الأئمة إلحاق شيء من العبادات البدنية بالصوم، فقال: إن الذكر بلا إله إلاَّ اللَّه يمكن أن لا يدخله الرياء لأنه بحركة اللسان خاصة دون غيرها من أعضاء الفم، فيمكن أن الذاكر يقولها بحضرة الناس ولا يشعرون منه بذلك. ٢١٢ النوع الرابع في ذكر صيامه عَ اه. وعن شداد بن أوس مرفوعًا: ((من صام يرائي فقد أشرك)). رواه البيهقي. وقيل: لأنه ليس للصائم ونفسه منه حظ. وقيل: لأن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الرب تعالى، فلما تقرب الصائم إليه بما يوافق صفاته أضافه إليه، قال القرطبي معناه: أن أعمال العباد مناسبة لأحوالهم، إلا الصيام فإنه مناسب لصفة من صفات الحق، كأنه تعالى يقول: إن الصائم يتقرب إلي بأمر هو متعلق بصفة من صفاتي. أو لكون ذلك من صفات الملائكة، أو لأنه تعالى هو المنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته، بخلاف غيره من العبادات، فقد أظهر سبحانه بعض مخلوقاته على مقدار ثوابها، (وعن شداد بن أوس مرفوعًا: ((من صام يرائي) بأن أظهره لمن يراه من الناس وذلك إنما يكون بإخباره لهم كما علم (فقد أشرك))) أي: جعل للَّه شريكًا (رواه البيهقي) والمراد به وما شابهه أنه فعل كفعل من أشرك. (وقيل: لأنه ليس للصائم ونفسه) أي: مع نفسه (منه حظ) نصيب، قاله الخطابي وعياض وغيرهما، فإن أراد بالحظ الثناء عليه بالعبادة رجع لمعنى ما قبله، وبه أفصح ابن الجوزي فقال: لا حظ فيه للصائم بخلاف غيره، فله فيه حظ لثناء الناس عليه قاله الحافظ، أي: وإن أُريد عدم انبساط نفسه به أصلاً غالبًا بخلاف غيره من العبادات فيوجد للنفس فيها حظ، كالغسل فله حظ التبرد أو التدفي، وكالحج فله حظ التنقل والتفرج على الأمكنة، وهكذا فلا يرجع إليه، بل يكون غيره وهذا هو الظاهر. (وقيل: لأن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الرب تعالى، فلما تقرب الصائم إليه بما يوافق صفاته أضافه إليه) وإن كانت صفات اللَّه تعالى لا يشبهها شيء. (قال القرطبي: معناه) أي: هذا القول (أن أعمال العباد مناسبة لأحوالهم إلاَّ الصيام، فإنه مناسب لصفة من صفات الحق، كأنه تعالى يقول: إن الصائم يتقرب إليَّ بأمر هو يتعلق بصفة من صفاتي) فلذا توليت جزاءه (أو) يعني: وقيل: (لكون ذلك) صفة (من صفات الملائكة) لأنهم لا يأكلون ولا يشربون ولا يشتهون (أو) يعني: وقيل في معناه (لأنه تعالى هو المنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته بخلاف غيره من العبادات، فقد أظهر سبحانه بعض مخلوقاته على مقدار ثوابها) وهذا تعقبه القرطبي بأن صوم اليوم بعشرة، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر كما في الأحاديث، وهي نصوص في إظهار التضعيف، فضعف هذا الوجه، بل بطل، ورد بأنه يكتب كذلك، وأما قدر ثوابه فلا يعلمه إلاَّ اللَّه. ٢١٣ النوع الرابع في ذكر صيامه عَ ◌ّه ولذا قال في بقية الحديث: ((وأنا أجزي به)) وقد علم أن الكريم إذا أخبر بأنه يتولى بنفسه الجزاء اقتضى ذلك سعة العطاء، وإنما جوزي الصائم هذا الجزاء لأنه ترك (ولذا قال في بقية الحديث: ((وأنا أجزي به))، وقد علم) عادة (أن الكريم إذا أخبر بأنه يتولى بنفسه الجزاء اقتضى ذلك سعة العطاء) ولا أكرم من اللَّه سبحانه، وقول البيضاوي الاستثناء في قوله (إلاّ الصيام) من كلام غير محكي دل عليه ما قبله، والمعنى أن الحسنات يضاعف جزاؤها من عشرة أمثالها إلى سبعمائة إلاَّ الصيام فلا يضاعف إلى هذا القدر، بل ثوابه لا يقدر قدره ولا يحصيه إلاَّ اللَّه، ولذا تولى جزاءه بنفسه ولم يكله إلى غيره، تعقبه الطيبي بأنه مستثنى من كل عمل ابن ادم له وهو مروي عن اللَّه تعالى يدل عليه قوله: قال اللَّه. انتهى. فهذه سبعة أقوال حكاها المصنف في معناه. والثامن: أن معناه أحب العبادات إليَّ والمقدم عندي، ولذا قال أبو عمر: كفى به فضلاً للصيام على سائر العبادات. وروى النسائي: عليك بالصوم فإنه لا مثل له، لكن يعكر عليه الحديث الصحيح: ((واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة)). والتاسع: أن جميع العيادات يوفى منها مظالم العباد إلاَّ الصيام. قال سفين بن عيينة: إذا كان يوم القيامة يحاسب اللَّه عبده ويؤدي ما عليه من المظالم من عمله حتى لا يبقى له إلاَّ الصوم، فيحتمل اللَّه ما بقي من المظالم ويدخله بالصوم الجنة، أسنده البيهقي عنه، ورده القرطبي بأن ظاهر حديث المقاصد أنه يؤخذ كبقية الأعمال، ففيه المفلس: من يأتي يوم القيامة بصلاة وصدقة وصيام ويأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وأخذ مال هذا، فيؤخذ لهذا من حسناته ولهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقتضي ما عليه طرحت عليه سيئاتهم ثم طرح في النار. قال الحافظ: إن ثبت قول ابن عيينة أمكن تخصيص الصيام من ذلك، ويدل له حديث أحمد عن أبي هريرة رفعه: ((كل العمل كفارة إِلاّ الصوم، الصوم لي وأنا أجزي به))، ورواه أبو داود بلفظ: ((قال ربكم: كل العمل كفارة إلاَّ الصوم))، لكن يعارضه حديث حذيفة في الصحيحين: ((فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره يكفرها الصلاة والصيام والصدقة))، ويجاب بحمل الإثبات على كفارة شيء مخصوص والنفي على كفارة شيء آخر، فإنه مقيد بفتنة المال وما ذكر معها، لكن حمله البخاري على تكفير مطلق الخطيئة، فيكون المعنى إلاَّ الصيام فإنه كفارة وزيادة ثواب على الكفارة بشرط خلوصه من الرياء والشوائب. العاشر: أن الصوم لا يظهر فتكتبه الحفظة كما لا تكتب سائر أعمال القلوب، استند قائله ٢١٤ النوع الرابع في ذكر صيامه عليه. شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده. والمراد بالشهوة في الحديث شهوة الجماع لعطفها على الطعام والشراب، ويحتمل أن يكون من العام بعد الخاص، لكن وقع في رواية عند ابن خزيمة (يدع لذته من أجلي، ويدع زوجته من أجلي))، وأصرح منه ما روي (من الطعام والشراب والجماع من أجلي)). وللصيام تأثير عجيب في حفظ الأعضاء الظاهرة، وقوى الجوارح الباطنة، وحميتها عن التخليط الجالب للمواد الفاسدة، واستفراغ المواد الرديئة المانعة له إلى حديث واه جدًا، أورده ابن العربي في المسلسلات، ولفظه: ((قال اللَّه تعالى: الإخلاص سر من أسراري استودعته قلب من أحب لا يطلع عليه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده)، ويكفي في رده الحديث الصحيح في كتابة الحسنة لمن هم بها ولم يعملها، فهذا ما وقفت عليه من الأجوبة، وأقربها إلى الصواب أنه لا رياء فيه وأنه المنفرد بعلم قدر ثوابه، ويقرب منهما أنه لم يعبد به غير اللَّه وأنه لا يؤخذ في المظالم. انتهى ملخصًا. (وإنما جوزي الصائم هذا الجزاء لأنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده) كما قال في الحديث الصحيح في الموطأ: إنما يذر شهوته وطعامه وشرابه من أجلي. (والمراد بالشهوة في الحديث شهوة الجماع لعطفها على الطعام والشراب) في رواية البخاري بلفظ: يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل الصيام لي فيكون عطف مغاير (ويحتمل أن يكون من) عطف (العام بعد الخاص) إن جعلت الشهوة عامة (لكن وقع في رواية عند ابن خزيمة: يدع لذته) بالطعام والشراب (من أجلي ويدع زوجته من أجلي)، فهذا صريح في الأولى (وأصرح منه ما روي) عند الحافظ سموية: يترك شهوته (من الطعام والشراب والجماع من أجلي) امتثالاً لشرعي ذلك. قال الحافظ: قد يفهم الحصر التنبيه على الجهة التي يستحق بها الصائم ذلك وهو الإخلاص الخاص به حتى لو صام لغرض آخر كتخمة لا يحصل له ذلك الفضل، لكن المدار في هذه الأشياء على الداعي القوي الذي يدور معه الفعل وجودًا وعدمًا، ولا شك أن من لم يعرض له في خاطره شهوة شيء طول نهاره ليس في الفضل، لكن عرض له ذلك فجاهد نفسه في تركه (وللصيام) هكذا في نسخ وهي ظاهرة، وفي أخرى: وللصائم، أي: ولصوم الصائم أو للصوم من حيث صومه (تأثير عجيب في حفظ الأعضاء الظاهرة وقوى الجوارح الباطنة وحميتها) بكسر الحاء منعها (عن التخليط الجالب للمواد الفاسدة واستفراغ المواد الرديئة ٢١٥ النوع الرابع في ذكر صيامه عَايه من صحتها، فهو من أكبر العون على التقوى، كما أشار إليه تعالى بقوله ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ [البقرة/١٨٣] وقال عليه الصلاة والسلام - كما في البخاري -: ((الصوم جنة)) هي بضم الجيم، الوقاية والستر، أي: ستر من النار. وبه جزم ابن عبد البر، وفي النهاية: أي يقي صاحبه مما يؤذيه من الشهوات، وقال القاضي عياض: من الآثام. وقد اتفقوا على أن المراد بالصيام هنا صيام من سلم صاحبه من المعاصي قولاً وفعلاً. المانعة له من صحتها، فهو من أكبر العون على التقوى، كما أشار إليه تعالى بقوله:) يا أيها الذين آمنوا (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ يعني: الأنبياء والأمم من لدن ءادم وفيه توكيد للحكم وترغيب للفعل وتطييب للنفس ﴿لعلكم تتقون﴾ [البقرة/١٨٣] الآية) المعاصي، فإن الصوم يكثر الشهوة التي هي مبدؤها، كما قال عَ له: ((فعليه بالصوم فإنه له وجاء)). (وقال عليه السلام كما في البخاري) ومسلم، كلاهما من حديث أبي هريرة: (الصوم جنة وهي، بضم الجيم) وشد النون (الوقاية) بكسر الواو (والستر، أي: ستر من النار، وبه جزم ابن عبد البر) لأنه إمساك عن الشهوات والنار محفوفة بها، وقد رواه الترمذي بلفظ: جنة من النار، وأحمد بلفظ: جنة وحصن حصين من النار. (وفي النهاية) لابن الأثير جنة (أي: يقي صاحبه مما يؤذيه من الشهوات) لأنه يكسرها ويضعفها. (وقال القاضي عياض): جنة (من الآثام) أو من النار، أو من جميع ذلك، هذا بقية كلام القاضي، وبالأخير جزم النووي، والتفسيران متلازمان لأنه إذا كف عن المعاصي كان سترًا له من النار (وقد اتفقوا على أن المراد بالصيام هنا) في قوله: ((إلاَّ الصيام فهو لي وأنا أجزي به)) (صيام من سلم صاحبه من المعاصي قولاً وفعلاً). ونقل ابن العربي عن بعض الزهاد تخصيصه بصوم خواص الخواص، فإنه أربعة أنواع: صيام العوام وهو الصوم عن المفطرات وصيام خاص العوام وهو مع اجتناب المحرمات قولاً وفعلاً، وصيام الخواص وهو الصوم عن غير ذكر اللَّه وعبادته، وصيام خواص الخواص وهو الصوم عن غير اللَّه فلا فطر له إلى يوم لقائه. قال الحافظ: وهذا مقام عال، لكن في حصر المراد من الحديث في هذا النوع نظر لا يخفى. انتهى. ٢١٦ الأول فيما كان يخص عَ لَّه به رمضان من العبادات واختلف: هل الصوم أفضل أم الصلاة؟ فقيل الصوم أفضل الأعمال البدنية، لحديث النسائي عن أبي أمامة قال: أتيت النبي عَّه فقلت: يا رسول الله، مرني بأمر آخذه عنك قال: ((عليك بالصوم فإنه لا عدل له))، والمشهور تفضيل الصلاة، وهو مذهب الشافعي وغيره، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((واعلموا أن خير أعمالكم) الصلاة)) رواه أبو داود وغيره. ثم إن الكلام في صيامه عَ لّه على قسمين: القِسْمُ الأوّل في صيامه عَّةٍ شهر رمضان وفيه فصول: الأول فيما كان عاونة يخص به رمضان من العبادات وتضاعف جوده عليه صِلى الله الصلاة والسلام فيه اعلم أن ((رمضان)) مشتق من الرمض، وهو شدة الحر، لأن العرب لما أرادوا (واختلف هل الصوم أفضل أم الصلاة، فقيل: الصوم أفضل الأعمال البدنية) وإليه أوما أبو عمر (لحديث النسائي) بإسناد صحيح (عن أبي أمامة، قال: أتيت النبي عَلَّه، فقلت: يا رسول اللَّه مرني) بالنون في النسخ الصحيحة وهو الذي في النسائي، فما في نسخ: مر لي بلام بدل النون تحريف (بأمر آخذه عنك، قال: ((عليك بالصوم فإنه لا عدل))) بكسر العين، أي: لا مثل (له) في الأعمال. وفي رواية للنسائي أيضًا: ((فإنه لا مثل له). (والمشهور) عند الجمهور (تفضيل الصلاة) على الصيام وغيره (وهو مذهب الشافعي وغيره لقوله عليه الصلاة والسلام: ((واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة))، رواه أبو داود وغيره) وصححاه وهو نص صريح لا يقبل التأويل بخلاف خبر أبي أمامة (ثم إن الكلام في صيامه عَّة. على قسمين: (القسم الأول: في صيامه عَّ شهر رمضان وفيه فصول: الأول: فيما كان ◌َّ يخص به رمضان من العبادات، وتضاعف) زيادة (جوده عليه الصلاة والسلام فيه اعلم أن) لفظ ((رمضان)) مشتق من الرمض) بفتح الميم، قال المصباح: يقال ٢١٧ الأول فيما كان يخص عَّه به رمضان من العبادات أن يضعوا أسماء الشهور وافق أن الشهر المذكور شديد الحر فسموه بذلك، كما سمي الربيعان لموافقتهما زمن الربيع. أو لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها، وهو ضعيف لأن التسمية به ثابتة قبل الشرع. ورمضان أفضل الأشهر، كما حكاه الأسنوي عن قواعد الشيخ عز الدين بن عبد السلام. قال النووي: وقولهم إنه من أسماء الله تعالى ليس بصحيح، وإن كان قد جاء فيه أثر ضعيف، وأسماء الله تعالى توقيفية لا تثبت إلا بدليل صحيح. انتهى. وقد اختلف السلف: هل فرض صيام قبل صيام رمضان أم لا؟ فالجمهور - وهو المشهور عند الشافعية - أنه لم يجب صوم قط قبل رمضان، وفيه وجه - وهو قول الحنفية - أول ما فرض عاشوراء، فلما نزل رمضان نسخ. وسيأتي أدلة الفريقين رمض يومنا يرمض رمضًا من باب تعب (وهو شدة الحر، لأن العرب لما أرادوا أن يضعوا أسماء الشهور وافق أن الشهر المذكور شديد الحر فسموه بذلك) لموافقة الوضع الأزمنة، فقالوا: رمضان ثم كثر حتى استعملوها في الأهلة وإن لم توافق ذلك الزمن (كما سمي الربيعان الموافقتهما زمن الربيع) وذلك حين أربعت الأرض (أو لأنه يرمض) بفتح الميم (الذنوب، أي: يحرقها وهو ضعيف، لأن التسمية به ثابتة قبل الشرع) الذي عرف منه أنه يرمض الذنوب (ورمضان أفضل الأشهر كما حكاه الأسنوي عن قواعد الشيخ عز الدين بن عبد السلام). (قال النووي: وقولهم: إنه من أسماء اللَّه تعالى ليس بصحيح وإن كان قد جاء فيه أثر) أي: حديث مرفوع (ضعيف) وهو: لا تقولوا رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ولكن قولوا شهر رمضان أخرجه ابن عدي وضعفه. (وأسماء اللَّه تعالى توفيقية لا تثبت إلاَّ بدليل صحيح) زاد بعضهم: أو حسن. (انتهى) كلام النووي، وزاد: ولو ثبت أنه اسم لم يلزم كراهة، والصواب ما ذهب إليه المحققون أنه لا كراهة في إطلاق رمضان بقرينة وبلا قرينة. انتهى، وسبقه إلى نحو ذلك الباجي، فقال: إنه الصواب لقد جاء ذلك في أحاديث صحيحة، كقوله تعَّه: ((إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء)) ... الحديث. (وقد اختلف السلف هل فرض صيام قبل صيام رمضان أو لا، فالجمهور وهو المشهور عند الشافعية أنه لم يجب صوم قط قبل رمضان، وفيه وجه) أي: قول لبعض الشافعية (وهو قول الحنفية: أول ما فرض عاشوراء، فلما نزل رمضان نسخ) وجوبه وبقي ندبه (وسيأتي ٢١٨ الأول فيما كان يخص ◌َِّ به رمضان من العبادات في الكلام على صوم عاشوراء إن شاء الله تعالى. وقد كان فرض رمضان في السنة الثانية من الهجرة - كما تقدم - فتوفي سیدنا رسول الله عے وقد صام تسع رمضانات. ولما كان شهر رمضان موسم الخيرات ومنبع الجود والبركات لأن نعم الله تعالى فيه تزيد على غيره من الشهور، وكان سيدنا رسول الله عَ لَّه يكثر فيه من العبادات وأنواع القربات الجامعة لوجوه السعادات، من الصدقة والإحسان والصلاة والذكر والاعتكاف ويخص به من العبادات ما لا يخص به غير من الشهور، وكان جوده علّ يتضاعف في شهر رمضان على غيره من الشهور، كما أن جود ربه تعالى يتضاعف فيه أيضًا، فإن الله تعالى جبله على ما يحبه من الأخلاق الكريمة. وفي حديث ابن عباس عند الشيخين، قال: كان النبي عَةٍ أجود الناس، أدلة الفريقين في الكلام على صوم عاشوراء إن شاء اللَّه تعالى، وقد كان فرض رمضان) لليلتين خلتا من شعبان (في السنة الثانية من الهجرة كما تقدم، فتوفي سيدنا رسول اللَّه مد ته. وقد صام تسع رمضانات). قال ابن مسعود: صمنا مع النبي عَّم تسعًا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين، رواه أبو داود والترمذي ومثله عن عائشة عند أحمد پاسناد جيد. قال في التحفة: وثوابهما واحد، ومحله في الفضل المرتب على رمضان من غير نظر لأيامه، أما ما يترتب على يوم الثلاثين من ثواب واجبه ومندوبه عند سحوره وفطره فهو زيادة يفوق بها الناقص، وكان حكمه أنه عَِّ لم يكمل له رمضان إلاَّ سنة واحدة، والبقية ناقصة زيادة تطمين نفوسهم على مساواة الناقص للكامل فيما قدمناه. انتهى. (ولما كان شهر رمضان موسم الخيرات ومنبع) بفتح الميم والباء (الجود) أي: المحل الذي يخرج منه بكثرة تشبيهًا بمنبع الماء، أي: مخرجه (و) منبع (البركات، لأن نعم الله تعالى فيه تزيد على غيره من الشهور، وكان سيدنا رسول اللّه عَ ◌ّ يكثر فيه من العبادات وأنواع القربات الجامعة لوجوه السعادات من الصدقة والإحسان والصلاة والذكر والاعتكاف، ويخص به من العبادات ما لا يخص به غيره من الشهور، وكان جوده عليه. يتضاعف في شهر رمضان على غيره من الشهور، كما أن جود ربه تعالى يتضاعف فيه أيضًا، فإن الله تعالى جبله على ما يحبه من الأخلاق الكريمة). (وفي حديث ابن عباس عند الشيخين) البخاري في بدء الوحي والصوم والصفة النبوية ٢١٩ الأول فيما كان يخص عَّهُ به رمضان من العبادات وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرءان، فلرسول الله عليـ أجود بالخير من الريح المرسلة. فبمجموع ما ذكر في هذا الحديث من الوقت وهو شهر رمضان، والمنزل وهو القرءان، والنازل به وهو جبريل، والمذاكرة وهي مدارسة القرءان، حصل له عليه الصلاة والسلام المزيد في الجود. وبدء الخلق وفضائل القرءان، ومسلم في الفضائل (قال: كان النبي عَّ أجود الناس:) أسخاهم على الإطلاق وهو من الصفات الحميدة. وفي الترمذي مرفوعًا: ((إن اللَّه جواد يحب الجود))، وقدم هذه الجملة على ما بعدها وإن كانت لا تتعلق بالقرءان على سبيل الاحتراس من مفهوم ما بعدها (وأجود) بدون كان رواية البخاري في الصوم وهي ترجح الرفع في روايته في بدء الوحي، بلفظ: وكان أجود (ما يكون) ما مصدرية، أي: أجود أكوانه يكون (في رمضان حين يلقاه جبريل) أفضل الملائكة وأكرمهم، كذا جزم به المصنف، زاد في رواية: وكان يلقاه كل ليلة من رمضان، يعني: منذ أنزل عليه، أو من فترة الوحي إلى آخر رمضان الذي توفي بعده (فيدارسه القرءان) بعضه أو معظمه. وفي الصحيحين من وجه آخر عن ابن عباس: كان عٍَّ إذا أتاه جبريل استمع، فإذا نطق جبريل قرأه النبي عَّهِ كما قرأ (فلرسول اللَّه عَ ل أجود بالخير من الريح المرسلة) أي المطلقة شبه المعنوي بالمحسوس تقريبًا لفهم سامعه، وذلك أنه أثبت له أولاً وصف الأجودية، ثم أراد أن يصفه بأزيد من ذلك فشبه جوده بالريح المرسلة، بل جعله أبلغ منها لأنها قد تسكن، واستعمل أفعل التفضيل في الإسناد الحقيقي والمجازي، لأن الجود منه عَ له حقيقي، ومن الريح مجازي وكأنه استعار للريح جودًا باعتبار مجيئها بالخير فأنزلها منزلة من جاد، وفي تقديم معمول أجود على المفضل عليه نكتة لطيفة هي أنه لو أخره لظن تعلقه بالمرسلة، وهذا وإن كان لا يتغير به المعنى المراد من الوصف بالأجودية إلا أنه تفوت به المبالغة، لأن المراد وصفه بزيادة الأجودية على الريح مطلقًا. (فبمجموع ما ذكر في هذا الحديث من الوقت وهو شهر رمضان والمنزل وهو القرآن والنازل به وهو جبريل والمذاكرة، وهي مدارسة القرءان حصل له عليه الصلاة والسلام المزيد في الجود) وهو الكرم، وفي شرح البخاري للمصنف يحتمل أن زيادة الجود بمجرد لقاء جبريل ومجالسته، ويحتمل أنها بمدارسته إياه القرآن وهو يحث على مكارم الأخلاق، وقد كان القرءان له عَّه خلقًا يرضى لرضاه ويسخط لسخطه ويسارع إلى ما حث عليه ويمتنع مما زجر عنه، فلذا كان يتضاعف جوده وأفضاله في هذا الشهر لقرب عهده بمخالطة جبريل ٢٢٠ الأول فيما كان يخص عَّ به رمضان من العبادات والمرسلة: المطلقة، يعني أنه في الإسراع بالجود أسرع من الريح، وعبر بالمرسلة إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة، إلى عموم النفع بجوده عَيّةٍ، كما تعم الريح المرسلة جميع ما تهب عليه. ووقع عند الإمام أحمد في آخر هذا الحديث لا يسأل شيئًا إلا أعطاه. وتقدم في ذكر سخائه عَِّ مزيد لذلك. وقد كان ابتداء نزول القرءان في شهر رمضان، وكذا نزوله إلى سماء الدنيا جملة واحدة، كان في رمضان كما ثبت في حديث ابن عباس فكان جبريل عليه الصلاة والسلام يتعاهده عَّه في كل سنة، فيعارضه بما نزل عليه من رمضان إلى رمضان، فلما كان العام الذي توفي فيه عَّلِ عارضه به مرتين، كما ثبت في الصحيح عن فاطمة الزهراء رضي الله عنها. وكثرة مدارسته القرءان، ولا شك أن المخالطة تؤثر وتورث أخلاقًا من المخالط، لكن إضافة ذلك إلى القرءان كما قال ابن المنير: آكد من إضافتها إلى جبريل عليه السلام بل جبريل، إنما تميز بنزوله بالوحي، فالإضافة إلى الحق أولى من الإضافة إلى الخلق لا سيما النبي عَّم على المذهب الحق أفضل من جبريل، فما جالس الأفضل إلا المفضول فلا يقاس على مجالسة الآحاد للعلماء. انتهى. (والمرسلة: المطلقة، يعني أنه في الإسراع بالجود أسرع من الريح، وعبر بالمرسلة إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة وإلى عموم النفع بجوده عدّ له، كما تعم الريح المرسلة جميع ما تهب عليه) وعبر بأفعل لأن الريح قد تسكن (ووقع عند الإمام أحمد في آخر هذا الحديث: لا يسأل شيئًا إلاّ أعطاه) وليست هذه الزيادة في الصحيح، وفيه عن جابر: ما سئل رسول اللَّه عَّ له شيئًا فقال لا، قاله الحافظ. وقد روى ابن سعد عن عائشة والبزار والبيهقي عن ابن عباس، قالا: كان عٍَّ إذا دخل رمضان أطلق كل أسير وأعطى كل سائل. (وتقدم في ذكر سخائه عَّ مزيد لذلك) من المقصد الثالث (وقد كان ابتداء نزول القرءان في شهر رمضان، وكذا نزوله إلى سماء الدنيا جملة واحدة كان في رمضان كما ثبت في حديث ابن عباس، فكان جبريل عليه السلام يتعاهده عٍَّ في كل سنة، فيعارضه بما نزل عليه من رمضان إلى رمضان، فلما كان العام الذي توفي فيه عٍَّ عارضه به مرتين كما ثبت في الصحيح عن فاطمة الزهراء رضي اللَّه عنها). قال الحافظ: وبهذا يجاب من سأل عن مناسبة إيراد هذا الحديث في بدء الوحي.