النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
الفصل الثاني في صلاته عَّله صلاة الاستسقاء
عن أنس: أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار
القضاء ورسول الله عَّ قائم يخطب، فاستقبل رسول الله عَّه قائمًا، ثم قال: يا
رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، قال: فرفع
الحافظ: لم أقف على تسميته في حديث، ولأحمد عن كعب بن مرة: ما يمكن أن يفسر هذا
المبهم بأنه كعب، وللبيهقي مرسلاً: ما يمكن أن يفسر بأنه خارجة بن حصن الفزاري، لكن رواه
ابن ماجه عن شرحبيل بن السمط أنه قال لكعب بن مرة: يا كعب حدثنا عن رسول اللَّه عَّهِ،
فقال: جاء رجل إلى النبي عَّةِ، فقال: يا رسول اللَّه استسق اللّه، فرفع يده، فقال: اللهم اسقنا ...
الحديث، ففي هذا أنه غير كعب، وزعم بعضهم أنه أبو سفين بن حرب وهم، لأنه جاء في واقعة
أخرى قبل إسلامه، وينفي زعمه قوله: يا رسول اللَّه، فإن أبا سفين لا يقولها قبل إسلامه، وفي
رواية عن أنس: جاء أعرابي من أهل البادية (دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو
دار القضاء) فسرها بعضه بدار الإمارة وليس كذلك، وإنما هي دار عمر بن الخطاب، سميت
بذلك لأنها بيعت في قضاء دينه وكان يقال لها دار قضاء دين عمر، ثم طال ذلك، فقيل: دار
القضاء، أخرجه الزبير بن بكار عن ابن عمر.
وروى عمر بن شية عن ابن أبي فديك، عن عمه: كانت القضاء لعمر، فأمر عبد اللَّه
وحفصة أن يبيعاها عند وفاته في دين كان عليه، فباعاها من معوية، فكانت تسمى دار القضاء،
قال: وأخبرني عمي أن الخوخة الشارعة فيها غربي المسجد هي خوخة الصديق وقد صارت بعد
ذلك إلى مرون وهو أمير المدينة، فلعلها شبهة من قال إنها دار الإمارة، وجاء في تسميتها قول
آخر، رواه عمر بن شية عن سهلة بنت عاصم، قالت: كانت دار القضاء لعبد الرحمن بن عوف،
سميت بذلك لأن عبد الرحمن اعتزل فيها ليالي الشورى حتى قضي الأمر، فباعها بنو
عبد الرحمن من معوية. قال عبد العزيز بن عمران: وكانت فيها الدواوين وبيت المال، ثم صيرها
السفاح رحبة للمسجد.
(ورسول اللَّه ◌َّر قائم يخطب) بالمدينة (فاستقبل) الرجل (رسول اللَّه عَ لّ) حال كونه
(قائمًا، ثم قال: يا رسول اللَّه هلكت الأموال).
وفي رواية: المواشي، وهي المراد بالأموال هنا لا الصامت، وفي أخرى: هلك الكراع
بضم الكاف، يطلق على الخيل وغيرها، وفي رواية: هلكت الماشية، هلك العيان هلك الناس،
وهو من العام بعد الخاص، والمراد بهلاكهم عدم وجود ما يعيشون به من الأقوات المفقودة
بحبس المطر (وانقطعت السبل) بضمتين جمع سبيل الطرق، لأن الإبل ضعفت لقلة القوت عن
السفر، أو لأنها لا يجد في طريقها من الكلأ ما يقيم أودها، وقيل: المراد نفاد ما عند الناس من

١٢٢
الفصل الثاني في صلاته عَبد صلاة الاستسقاء
رسول الله عَّله يديه ثم قال: ((اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا))، قال أنس: ولا
والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين ((سلع)) من بيت ولا
الطعام أو قلته، فلا يجدون ما يحملونه إلى الأسواق.
وفي رواية: قحط المطر بفتح القاف والحاء، وحكي بضم فكسر، أي: قل، وفي أخرى:
واحمر الشجر كناية عن يبس ورقها لعدم شربها الماء أو لانتثاره فيصير أعوادًا بلا ورق، وكلها
في الصحيح وأمحلت الأرض.
قال الحافظ: وهذه الألفاظ يحتمل أن الرجل قالها كلها، وأن بعض الرواة روى شيئًا مما
قاله بالمعنى، فإنها متقاربة، فلا يكون غلطًا كما قاله صاحب المطالع وغيره.
(فادع اللَّه) فهو (يغيثنا) يجوز ضم أوله من الإغاثة وفتحه من الغيث، ويرجح الأول قوله:
((اللهم أغثنا)، كذا في الفتح، وقال المصنف على مسلم الرواية بضم أوله من أغاث رباعيًا، وهذه
رواية الأكثر، ولأبي ذر: أن يغيثنا، وفي رواية: يغثنا بالجزم، وفي رواية: أن يسقينا، وأخرى:
فاستسق ربك.
(قال) أنس: (فرفع رسول الله ێێ یدیه) زاد النسائي: رفع الناس أيديهم معه يدعون، زاد
في رواية للبخاري: حذاء وجهه، وابن خزيمة: حتى رأيت بياض إبطيه، وفي أخرى للبخاري: فمد
يديه ودعا، وفي أخرى له: فنظر إلى السماء (ثم قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا) هكذا
في رواية للشيخين: أغثنا، وذكر الجملة ثلاثًا.
وفي رواية للبخاري: ((اللهم اسقنا))، وذكرها ثلاث مرات، وفي أخرى له: ((اللهم اسقنا)»
مرتين والأخذ بالزائد أولى، ويرجحهما أنه عَِّ كان إذا دعا دعا ثلاثًا كما في البخاري وغيره،
والرواية: أغثنا بالهمزة، قال قُسم بن ثابت: كذا رواه لنا موسى بن لهرون، وجائز أنه من الغوث أو
الغيث، والمعروف لغة غثنا من الغوث، وقال ابن القطاع: غاث اللَّه عباده غيثًا وغيائًا، سقاهم
المطر وأغاثهم: أجاب دعاءهم، ويقال: أغاث وغاث بمعنى والرباعي أعلى، ويحتمل أن معنى أغثنا
أعطنا غوثًا وغيئًا.
(قال أنس: ولا) بالواو للأكثر، ولأبي ذر: فلا (واللَّه) بالفاء، وفي أخرى: وأيم اللَّه،
وحذف الفعل، أي: ولا ترى واللَّه، لأنه يدل عليه قوله: (ما نرى في السماء من سحاب)
مجتمع (ولا قزعة) بقاف فزاي فعين مهملة مفتوحات، أي: سحاب متفرق.
قال ابن سيده: القزع قطع من السحاب رقاق، زاد أبو عبيد: وأكثر ما يجيء في الخريف
وهو بالنصب على التبعية لسحاب من جهة المحل، وبالجر على التبعية له من جهة اللفظ (وما
بيننا وبين سلع) بفتح المهملة وسكون اللام، وحكي فتحها وعين مهملة جبل معروف بالمدينة
(من بيت ولا دار) يحجبنا عن رؤيته إشارة إلى أن السحاب كان مفقودا لا مستترًا ببيت ولا

١٢٣
الفصل الثاني في صلاته عَ لَّهِ صلاة الاستسقاء
دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم
أمطرت. قال: فلا والله ما رأينا الشمس سبتًا، قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب
غيره، وللبخاري: قال أنس: وإن السماء لهي مثل الزجاجة، أي: لشدة صفائها، وذلك مشعر بعدم
السحاب أيضًا.
(قال) أنس: (فطلعت) أي: ظهرت (من ورائه) أي: سلع (سحابة) وكأنها نشأت من جهة
البحر، لأن وضع سلع يقتضي ذلك (مثل الترس) أي: مستديرة لا مثله في القدر، لأن في رواية
أبي عوانة: فنشأت سحابة مثل رجل الطائر وأنا أنظر إليها، وهذا يشعر بأنها كانت صغيرة.
وفي رواية: فهاجت ريح أنشأت سحابًا ثم اجتمع، وأخرى: فنشأ السحاب بعضه إلى
بعض، وأخرى حتى ثار السحاب أمثال الجبال، أي: لكثرته، وفيه: ثم لم ينزل عن منبره حتى
رأينا المطر يتحادر على لحيته وكلها في الصحيح، وهذا يدل على أن السقف وكف لأنه كان
من جريد النخل (فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت) بالهمز رباعيًّا، وهذا يشعر بأنها
استمرت مستديرة حتى انتهت إلى الأفق، فانبسطت حينئذ وكأن فائدته تعميم الأرض بالمطر.
(قال: فلا والله ما رأينا الشمس سبتًا) بفتح السين وسكون الموحدة وفوقية كناية عن
استمرار الغيم الماطر، وهذا في الغالب، وإلاّ فقد يستمر المطر والشمس بادية، وقد تحجب
الشمس بغير مطر.
قال الحافظ: كذا رواه الأكثر بلفظ: سبتا أحد الأيام، أي: أسبوعان من تسمية الشيء
باسم بعضه، كما يقال جمعة، ويقال أراد قطعة من الزمان، قاله في النهاية.
وقال المحب الطبري: أي: جمعة، وفيه تجوز، لأن السبت الأول لم يكن مبتدأ، ولا
الثاني منتهى، وعبر أنس بذلك لأنه من الأنصار وكانوا جاوروا اليهود، فأخذوا بكثير من
اصطلاحهم، وإنما سموا الأسبوع سبتًا لأنه أعظم الأيام عند اليهود، كما أن الجمعة كذلك عند
المسلمين.
وقال ثابت في الدلائل: الناس يقولون معناه من سبت إلى سبت، وإنما هو قطعة من الزمان،
وصحفه الداودي فرواه: ستًا، بكسر السين وشد الفوقية، ورد بأنه لم ينفرد به، فقد رواه الحموي
والمستملي هنا ستًا، وكذا رواه سعيد بن منصور وأحمد من وجهين آخرين عن أنس، وكان من
ادعى التصحيف استبعد اجتمع قوله ستًا مع قوله في رواية للبخاري سبعًا وليس بمستبعد، لأن من
قال سنًا أراد ستة أيام تامة، ومن (قال): سبعًا أضاف إليها يومًا ملفقًا من الجمعتين، وقد رواه لملك
عن شريك عن أنس، بلفظ: فمطرنا من جمعة إلى جمعة، وللبخاري عن إسحق عن أنس: فمطرنا
يومئذ، ومن الغدو من بعد الغد والذي يليه حتى الجمعة الأخرى.
(ثم دخل رجل من ذلك الباب) الذي دخل منه السائل أولاً (في الجمعة المقبلة) أي:

١٢٤
الفصل الثاني في صلاته عَّةٍ صلاة الاستسقاء
في الجمعة المقبلة، ورسول الله عَّم قائم يخطب، فاستقبله قائمًا، فقال: يا
رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا، قال: فرفع
رسول الله عَّه يديه ثم قال: ((اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب
وبطون الأودية ومنابت الشجر))، قال: فانقطعت فخرجنا نمشي في الشمس. قال
الثانية (ورسول اللَّه عَ ◌ّ قائم) حال كونه (يخطب، فاستقبله قائمًا) نصب على الحال من
الضمير المرفوع في استقبله لا من المنصوب (فقال: يا رسول اللَّه هلكت الأموال) أي:
المواشي بعدم الرعي، أو عدم ما يكنها لكثرة الماء.
وفي رواية النسائي: من كثرة الماء (وانقطعت السبل) لتعذر سلوك الطريق من كثرة الماء،
ولابن خزيمة: واحتبس الركبان، وفي رواية: تهدمت البيوت، وأخرى: هدم البناء وغرق المال،
فهو بسبب غير السبب الأول (فادع اللَّه يمسكها عنا) بالجزم جواب الأمر والرفع، أي: فهو
يمسكها.
وفي رواية: أن يمسكها، أي: الأمطار، أو السحابة، أو السماء، والعرب تطلق على المطر
سماء.
وفي رواية: أن يمسك عنا الماء، وأخرى: أن يرفعها عنا، وأخرى: فادع ربك أن يحبسها
عنا فضحك، وفي رواية: فتبسم لسرعة ملام ابن آدم.
(قال: فرفع رسول اللَّه عَلِّ يديه) بالتثنية (ثم قال: اللهم) اجعل، أو امطر (حوالينا) بفتح
اللام (ولا) تنزله (علينا) أي اصرفه عن الأبنية والدور، وهو بيان المراد بقوله: حوالينا لأنها
تشمل الطرق التي حولهم، فأخرجها بقوله: ((ولا علينا)).
قال الطيبي: في إدخال الواو هنا معنى لطيف، لأنه لو أسقطها لكان مستسقيًا للأكام وما
معها فقط، ودخول الواو يقتضي أن طلب المطر على المذكورات ليس مقصود العينة، ولكن
ليكون وقاية من أذى المطر، فليست الواو مخلصة للعطف، ولكنها للتعليل، كقولهم: تجوع
الحرة ولا تأكل بثديها، فإن الجوع ليس مقصود العينة، ولكن لكونه مانعًا من الرضاع بأجرة، إذ
كانوا يكرهون ذلك آنفًا. انتهى.
(اللهم) أنزله (على الآكام) بزنة الجبال (والظراب) بوزنه، وفي رواية للبخاري: والجبال
(وبطون الأودية) أي: ما يتحصل فيه الماء لينتفع به، قيل: لم يسمع أفعلة جمع فاعل إلاَّ أودية
جمع واد وفيه نظر (ومنابت الشجر:) جمع منبت بكسر الموحدة، أي: ما حولها مما يصلح أن
ينبت فيه، لأن نفس المنبت لا يقع عليه المطر، وفيه الأدب في الدعاء، حيث لم يدع برفع
المطر مطلقًا لاحتمال الحاجة إلى استمراره، فاحترز فيه بما يقتضي رفع الضرر وإبقاء النفع، ومنه
استنبط أن من أنعم اللّه عليه بنعمة لا ينبغي أن يسخطها لعارض، بل يسأل اللَّه رفع العارض.

١٢٥
الفصل الثاني في صلاته عَّهِ صلاة الاستسقاء
شريك: فسألت أنس بن مالك: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري. رواه مسلم.
وفي رواية له قال: فما يشير بيده إلى ناحية إلا تفرجت، حتى رأيت المدينة
في مثل الجوبة، وسال وادي قناة شهرًا. ولم يجىء أحد من ناحية إلا أخبر بجود.
(قال) أَنس: (فانقطعت) أَي: السماء أَو السحابة الماطرة، أَي: أَمسكت عن المطر عن
المدينة، وفي رواية لملك: فانجابت عن المدينة انجياب الثوب، أي: خرجت عنها كما يخرج
الثوب عن لابسه، وفي رواية: فما هو إِلاَّ أَن تكلم عَلَّه بذلك تمزق السحاب حتى ما نرى منه
شيئًا، أَي: في المدينة، وللبخاري: فجعل السحاب يتصدع عن المدينة، يريهم اللَّه كرامة نبيه
وإجابة دعوته (فخرجنا نمشي في الشمس).
(قال شريك) بن عبد الله بن أبي ثمر: (فسأَلت أَنس بن ملك) لما حدثه بهذا الحديث
(أَهو) أَي: السائل الثاني (الرجل الأول؟، قال: لا أَدري) مقتضى هذا أَنه لم يجزم بالتغاير مع أَنّه
عبر ثانية عنه بقوله ((رجل))، الظاهر في أَنه غير الأول، لأَن النكرة إِذا تكررت دلت على التعدد،
فالظاهر أَن هذه القاعدة أَغلبية، لأَن أَنشًا من أَهل اللسان وقد تعددت.
وللبخاري عن إسحق وقتادة، وغيرهما عن أَنسٍ: فقام ذلك الرجل أو غيره، ومقتضاه أَنْه
كان يشك فيه، وله عن يحيى بن سعيد، عن أنس: فَأَتَيِ الرجل فقال: يا رسولِ اللَّه، ولأَبِي عوانة
عن حفص عن أَنس: فما زلنا نمطر حتىٍ جاء ذلك الأعرابي في الجمعة الأخرى، وأصله في
مسلم، ومقتضاه الجزم بأنه واحد، فلعل أَنسًا كان يتردد تارة ويجزم أُخرى باعتبار ما يغلب على
ظنه كما أَفاده الحافظ.
(رواه مسلم) من طريق إسماعيل بن جعفر عن شريك عن أنس، وكذا رواه البخاري من
طريقه ومن طريق ملك ومن طريق أَبي ضمرة، ثلاثتهم عن شريك عن أنس، وله طرق عند
البخاري أكثر من مسلم، فما هذا الإِيهام من المصنف أنه تفرد به.
(وفي رواية له) لمسلم، وكذا البخاري هنا وفي الجمعة، كلاهما من طريق الأوزاعي عن
إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس قال: أَصابت الناس سنةٍ على عهد رسول اللَّه عَ لَّه
فبينا رسول اللَّه عَّ يخطب الناس على المنبر يوم الجمعة إِذ قام أعرابي، فقال: يا رسول الله
هلك المال وجاع العيال، وساق الحديث بمعناه.
وفيه (قال) أَنْس: (فما يشير) عَُّ (بيده إلى ناحية) من السماء (إِلاَّ تفرجت) بفتح
الفوقية والفاء والراء المشددة والجيم، أي: إِلاَّ تقطع السحاب وزال عنها امتثالاً لأمره (حتى
رأيت المدينة في مثل الجوبة) بجيم وموحدة كما يأتي (وسال وادي قناة) بفتح القاف والنون
المخففة: واد من أودية المدينة عليه مزارع، والإِضافة بيانية، أي: واد هو قناة، أي: مسمى بهذا

١٢٦
الفصل الثاني في صلاته عَّهِ صلاة الاستسقاء
وقوله: ((يغيثنا)) بفتح أوله، يقال: غاث الله البلاد يغيثها، إذا أرسل عليها
المطر.
الاسم.
ذكر محمد بن الحسن المخزومي أَن أَول من سماه وادي قناة تبع اليماني، وللبخاري في
الجمعة من هذا الوجه، وسال الوادي قناة، وأَعرب بالضم بدل على أَن قناة اسم الوادي.
قال الحافظ: ولعله من تسمية الشيء باسم ما جاوره، وقرأَت بخط الرضي الشاطبي:
الفقهاء يقولونه بالنصب والتنوين يتوهمونه قناة من القنوات، وليس كذلك، وهذا الذي أنكره جزم
به بعض الشراح، وقال: هو على التشبيه، أي: سال مثل القناة (شهرًا) هو من أبعد أمد المطر
المصلح للأرض المتوعرة الجبلية، لأنه يتمكن في تلك الأيام لطولها الري فيها، لأنها بارتفاعها
لا يثبت الماء عليها فيبقى فيها حرارةٍ، فإِذا دام سكب المطر عليها قلَّت الحرارة وخصبت
الأرض (ولم يجيء أَحد من ناحية إِلاَّ أَخبر بجود) بفتح الجيم وسِكون الواوِ المطر العزير،
وهذا يدل على أن المطر استمر فيما سوى المدينة، فقد يشكل بأنه استلزم أَن قول السائل
هلكت الأموال وانقطعت السبل لم يرتفع الإهلاك ولا القطع وهو خلاف مطلوبه، ويمكن الجواب
بأن المراد أَن المطر استمر حول المدينة من الأكام والظراب وبطون الأودية لا في الطريق
المسلوكة، ووقوع المطر في بقعة دون بقعة كثير ولو كانت تجاورها، وإذا جاز ذلك جازٍ أَن
يوجد لماشية أماكن تكنها وترعى فيها، بحيث لا يضرها ذلك المطر، فيزول الإِشكال، أفاده
الحافظ.
(وقوله: يغيثنا بفتح أوله) من الغيث (يقال: غاث اللَّه البلاد يغيثها إِذا أَرسل عليها
المطر) كذا اقتصر هنا على الفتح مع أن الحافظ جوز ضمه من الإِغاثة، ورجحه بقوله: اللهم
أغثنا، وفي شرح مسلم للمصنف الرواية بضم أوله من أَغاث رباعيًا، وكذا قوله: اللهم أغثنا
بالهمزة، والمشهور في كتب اللغة: غاث اللَّه الناس يغيثهم بفتح أوله، وإنما يقال: أَغاث في طلب
المعونة، فقيل: هو طلب المعونة لا الغيث، وقيل: هو طلب الغيث، والمعنى هنا: هب لنا غيئًا
وارزقنا غيثًا، فإن قلت في المحل: ينبغي أن يطلب الغيث لا المعونة، وإدخال الهمزة على
المتعدي غير فصيح لعدم الاحتياج إِلى الهمزة، نص عليه الزمخشري وغيره، أَجيب بأَنّه لما كان
الواجب في كل الأحوال تفويض الأمر إلى الكبير المتعال وهو عالم بما يصلح لعباده في كل
وقت كان طلب المعونة في كشف الضر وعدم تعيين طريق الكشف من طلب غيث ونحوه غاية
الأدب ونهاية حسن الطلب.
وأَما الوجه الثاني فغير الفصيح، إنما هو إدخال الهمزة على المتعدي واستعماله بمعناه الأول

١٢٧
الفصل الثاني في صلاته عَّهِ صلاة الاستسقاء
وقوله: من باب كان نحو دار القضاء، هي دار عمر بن الخطاب وسميت
بذلك لأنها بيعت في قضاء دينه.
وقوله: (هلكت الأموال))، وفي رواية كريمة وأبي ذر عن الكشميهني: هلكت
المواشي، وهي المراد بالأموال هنا. وفي رواية البخاري: هلك الكراع - بضم
الكاف ــ وهو يطلق على الخيل وغيرها، وفي البخاري أيضًا: هلكت الماشية، هلك
العيال، هلك الناس، وهو من ذكر العام بعد الخاص. والمراد بهلاكهم: عدم وجود
ما يعيشون به من الأقوات المفقودة بحبس المطر. وانقطعت السبل: لأن الإبل
ضعفت لقلة القوت عن السفر، أو لكونها لا تجد في طريقها من الكلأ ما يقيم
قبل دخول الهمزة، لأَنه يقع مستغنى عنه، أَما لو تغير المعنى بعد الدخول فهو فصيح قطعًا، ولا
يبعد أن يكون المعنى هنا دلنا على الغيث، أي: على طريق طلبه وكيفية تحصيله، كما قيل في
الفرق بين سقيته وأَسقيته أَن معنى الثاني دللته على الماء. انتهى.
(وقوله: من باب كان نحو دار القضاء هي دار عمر بن الخطاب، وسميت بذلك لأَنها
بيعت في قضاء دينه) الذي كان أَنفقه من بيت المال، وكان ستة وثمانين ألفًا كما في
البخاري، وكتبه على نفسه وأَوصى ابنه عبد اللَّه أَن يبيع فيه ما له، فباع ابنه هذه الدار مِن معوية،
ومر لذلك مزيد، وقول آخر في سبب تسميتها دار القضاء وأنها لا وجود لها الآن، لأَن السفاح
أول خلفاء بني العباس جعلها رحبة للمسجد.
(وقوله: هلكت الأموال، وفي رواية: كريمة) بنت أحمد المروزية أَحد رواة البخاري، عن
الكشميهني (وأَبي ذر) الحافظ عبد بلا إضافة ابن محمد الهروي، كلاهما (عن الكشميهني)
بضم الكاف وإسكان المعجمة وفتح الهاء وكسرها، نسبة إِلى قرية بمرو، واسمه محمد بن
مكِي بن محمد أَحد رواةٍ البخاري، عن محمد بن يوسف الفربري: (هلكت المواشي) بدل
الأموال (وهي المراد بالأموال هنا) لا الصامت، وأُطلق على المواشي الأموال لأنها أَعظم أَموال
العرب، فأطلق المال وأَراد معظمه على أنه يحتمل أَن يريد أَعم من المواشي، فإِن هلاك الزرع
والشجر أيضًا بعدم المطر، قاله المصنف على مسلم.
(وفي رواية البخاري) في الجمعة: (هلك الكراع - بضم الكاف ـ وهو يطلق على
الخيل وغيرها، وفي البخاري أيضًا) عن يحيى بن سعيد، عن أنس: (هلكت الماشية هلك)
ولبعض الرواة: هلكت بالتأنيث (العيال هلك الناس، وهو من ذكر العام بعد الخاص) الذي هو
العيال (والمراد بهلاكهم عدم وجود ما يعيشون به من الأقوات المفقودة بحبس المطر) لا
الهلاك الحقيقي، وهو معنى قوله: (وانقطعت السبل، لأن الإِبل ضعفت لقلة القوت عن السفر،

١٢٨
الفصل الثاني في صلاته معَّهِ صلاة الاستسقاء
أودها.
و ((الآكام)) بكسر الهمزة، وقد تفتح وتمد: جمع ((أكمة)) - بفتحات -: التراب
المجتمع، وقيل: الجبل الصغير، وقيل: ما ارتفع من الأرض.
و((الظراب)) بكسر الظاء المعجمة، جمع ((ظرب)) - بكسر الراء -: الجبل
المنبسط ليس بالعالي.
وقوله: ((مثل الجوبة)) بفتح الجيم، وسكون الواو، وفتح الموحدة، هي
الحفرة المستديرة الواسعة، والمراد بها هنا: الفرجة في السحاب.
و ((الجود)): المطر الغزير.
وقوله: ((قناة شهرًا)): أي جرى فيه المطر من الماء شهرًا.
أَو لكونها لا تجد في طريقها من الكلأ ما يقيم أَودها) بواو ودال مهملة، أَي: اعوجاجها
المعنوي بالجوع.
زاد الحافظ، وقيل: المراد نفاذ ما عند الناس من الطعام أَو قلته، فلا يجدون ما يحملونه،
يجلبونِه إلى الأسواق (والآكام - بكسر الهمزة وقد تفتح وتمد -: جمع أكمة، بفتحات)
ظاهره أنها مفردة كل منهما.
وفي المصباح جمع أَكمة أَكامٍ مثل جبل وجبال، وجمع الآكام أكم بضمتين مثل كتاب
وكتب، وجمع أَكم الآكام مثل عنق وأعناق (التراب المجتمع) قاله ابن البرقي.
وقال الداودي: هو أكبر من الكدية، وقال القزاز: هِي التي من حجر واحد وهو قول
الخليل. (وقيل: الجبل الصغير، وقيل: ما ارتفع من الأرض) وقال الخطابي: هي الهضبة
الضخمة، وقال الثعالبي: الأكمة أَعلى من الرابية (والظراب - بكسر الظاء المعجمة -) وآخره
موحدة: (جمع ظرب بكسر الراء) زاد الحافظ: وقد تسكن (الجبل المنبسط ليس بالعالي)
قاله القزاز.
وقال الجوهري: الرابية الصغيرة (وقوله: مثل الجوبة بفتح الجيم وسكون الواو وفتح
الموحدة - هي الحفرة المستديرة الواسعة، والمراد بها هنا الفرجة في السحاب) زاد
الحافظ.
وقال الخطابي: المراد بها هنا الترس، وضبطها الزين بن المنير تبعًا لغيره بنون بدل
الموحدة، ثم فسره بالشمس إذا ظهرت في خلال السحاب، لكن جزم عياض بأَن من قاله بالنون
فقد صحف (والجود) بفتح الجيم وإسكان الواو (المطر الغزير، وقوله: قناة شهراً، أي: جرى

١٢٩
الفصل الثاني في صلاته عليه صلاة الاستسقاء
وفي هذا دليل عظيم على عظم معجزته عليه الصلاة والسلام، وهو أن سخرت
السحاب له كلما أشار إليها امتثلت أمره بالإشارة دون كلام، لأن كلامه عليه
الصلاة والسلام مناجاة للحق تعالى، وأما السحاب فبالإشارة، فلولا الأمر لها
بالإطاعة له عليه الصلاة والسلام لما كان ذلك، لأنها أيضًا - كما جاء- مأمورة
حيث تسير، وقدر ما تقيم، وأين تقيم. ويرحم الله الشقراطسي فلقد أحسن حيث
قال:
دعوت للخلق عام المحل مبتهلاً أفديك بالخلق من داع ومبتهل
صعَّدت كفيك إذ كفَّ الغمام فما صوبت إلا بصوب الواكف الهطل
أراق بالأرض ثجمًا صوب ريقه
فيه المطر من الماء شهرًا) وهذا كله التقطه المصنف من فتح الباري.
(وفي هذا) الحديث (دليل عظيم على عظم معجزته عليه الصلاة والسلام، وهو أن
سخرت السحاب له، كلما أشار إليها امتثلت أمره بالإِشارة دون كلام، لأَن كلامه عليه
السلام مناجاة للحق تعالى، وأَما السحاب فبالإشارة، فلولاً الأمر لها) من اللَّه تعالى (بالإِطاعة
له عليه السلام لما كان) أي: وجد (ذلك، لأنها أيضًا كما جاء مأمورة حيث تسيراً أَي:
بالسير في المكان الذي تسير فيه (وقدر) نصب بنزع الخافض، أي: وبقدر (ما تقيم وأين تقيم).
وفي الفتح فيه علم من أعلام النبوَّة في إِجابة اللَّه دعاء نبيه عقبه أو معه ابتداء في
الاستسقاء وانتهاء في الاستصحاء وامتثال السحابِ أَمره بمجرد الإِشارة، وأَن الدعاء برفع الضرر
لا ينافي التوكل وإِن كان مقام الأفضل التفويض، لأَنه ◌َّه كان عالمًا بما وقع لهم من الجدب
وأَخر السؤال في ذلكِ تفويضًا لربه، ثم أجابهم إِلى الدعاء لما سألوه بيانًا للجواز وتقرير السنة
هذه العبادة الخاصة، أَشار إِلى ذلك ابن أبي جمرة.
(ويرحم اللَّه الشقراطسي، فلقد أَحسن حيث قال: دعوتٍ للخلق عام المحل) بفتح
الميم وإسكان المهملة: الجدب (مبتهلاً) مجتهد في الدعاء (أفديك بالخلق من داع) في
موضع نصب على التمييز (ومبتهل) عطف عليه (صعدتٍ) بالتشديد، أَي: رفعت (كفيك) أَي:
يديك (إذ كف الغمام) أَي: ماؤه، وقيل: بضم الكاف، أَي منع ماء السحاب (فما صوَّبت) أي:
وضعت كفيك (إِلاَّ بصوب) مصدرها المطر إذا نزل إلى الأرض (الواكف) القاطر (الهطل)
المنسكبِ، أَي: ما وضعت كفيك إِلاّ ووضعك إياهما ملتبس بالمطر، مصاحب له، مرهون به
(أَراق بالأرض ثجًا) بفتح المثلثة والجيم الثقيلة وصبًا شديدًا مصدر من معنى أَراق: (صود،
ريقه) بشد الياء بعدها قاف، أَي: الواكف، أي: أَفضله أَو أَوله، وقد يخفف الریق کھین وهین،

١٣٠
الفصل الثاني في صلاته عَّهِ صلاة الاستسقاء
فحل بالروض نسجًا رائق الحلل
زهر من النور حلت روض أرضهم زهرًا من النَّور ضافي النبت مكتمل
من كل غصن نضير مورق خضر
تحية أحيت الأحياء من مضر
وكل نور نضيد مونق خضل
بعد الضرورة تروي السبل بالسبل
لولا دعاؤك بالإقلاع لم تزل
دامت على الأرض سبعًا غير مقلعة
لكنه هنا بالتثقيل فقط للوزن (فحل) من الحلول، أي: ذلك المطر (بالروض) جمع روضة
(نسجًا) مصدر في موضع الحال، أَي: ناسجًا (رائق) أَي: معجب (الحلل) جمع حلة شبه
ما يحدث عقب المطر من النبات المختلف ألوانه بالحلل (زهر) بيض مضيئة: جمع أَزهر (من
النور) أَي الضوء، وكأنه إِشارة إِلى البرق (حلت) من التحلية تلك الزهر (روض أَرضهم) مفعول
أُول، لحلت (زهرًا) مفعول ثان لحلت على نزع الخافض، أي: بزهر - بإِسكان الهاء وفتحها ،
ولكن يتعين السكون للوزن (من النور) بفتح النون (ضافي النبت:) واسعه وسابغه: وسکن یاء
(ضافي)) ضرورة والفتحة مقدرة فيها، لأنه صفة زهرًا (مكتمل) تام بالجر، وحقه النصب لأنه
صفة زهرًا باعتباره موضعه لأَّنه بنزع الخافض، فكأنه قال بزهر مكتمل كقول زهير:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ولا سابق شيئًا إِذا كان آتيا
كأنه قال: لست بمدرك ولا سابق (من كل غصن نضير) ناعم حسن (مورق خضر، وكل
نور نضيد) متراكب، أي: منضود بعضه على بعض (مونق) معجب (خضل) بمعجمتين، ندي
مبتل، أَيٍ: أَنه ريان بذلك المطر، وقيل: الخضل الناعم، وقيل: النعمة وهو يرجع إلى المعنى
الأَول، لأَن النبتِ إِذا كان نديًا فهو ناعم، وهذا البيت مرصع كله ومجنس تجنيس المضارعة
وهو الجمع بين ألفاظ متفرقة في أكثر حروفها وذلك نضير ونضيد ومورق ومونق وخضر وخضل
(تحية) بالرفع على الابتداء، أي: هل أو تلك الدعوة تحية من الحيا وهو المطر والنصب على
معنى حيا ذلك المطر الأَرض تحية جعله لما أَسدى إِليها من النضارة، كالمسلم عليها، أَو أقام
وقعه عليها مقام التحية والإِحياء (أَحيت الأحياء) القبائل جمع حي (من مضر) بن نزار بن معد بن
عدنان (بعد الضرورة) الحاصلة لهم من الجدب (تروي السبل) بإسكان الباء للوزن وفيها الضم
أيضًا، الطرق جمع سبيل (بالسبل) بفتح السين المهملة والموحدة، المطر، أَي: تروي تلك
التحية الطرق بالمطر، وإِذا رويت الطرق كانت المزارع وأصول الشجر أكثر ريًا لقبولها كل
ما يرد عليها من الماء (دامت) آثار تلك التحية (على الأرض سبعًا) من الأيام، لأنها بقيت من
الجمعة إلى الجمعة (غير مقلعة) ممسكة عن المطر (لولا دعاؤك بالإقلاع) الإمساك (لم تزل)
أَي: استمرت ولم تقلع.

١٣١
الفصل الثاني في صلاته عَّالله صلاة الاستسقاء
وقوله في الحديث ((سبتًا)): أي من السبت إلى السبت.
وقوله: ((ثم دخل رجل)) الظاهر أنه غير الأول، لأن النكرة إذا تكررت دلت
على التعدد، وفي رواية ابن إسحق: فقام ذلك الرجل أو غيره، وفي رواية لمسلم:
فتقشعت عن المدينة فجعلت تمطر حواليها وما تمطر بالمدينة قطرة، فنظرت إلى
المدينة وإنها لفي مثل الاكليل - وهو بكسر الهمزة وسكون الكاف: كل شيء دار
من جوانبه، واشتهر لما يوضع على الرأس فيحيط به، وهو من ملابس الملوك
(وقوله في الحديث: سبتًا، أَي: من السبت إِلى السبت) تجوّرًا، لأَن السبت الأول لم
يكن مبتدأ ولا الثاني منتهى كما مر.
(وقوله: ثم دخل رجل، الظاهر) منه (أنه غير الأول، لأَن النكرة إِذا تكررت دلت على
التعدد) كقوله تعالى: ﴿فإِنَّ مع العسر يسرا، إِن مع العسر يسرا﴾ [الشرح/٥، ٦]، ولذا قال عَ له:
((لن يغلب عسر يسرّين)).
(وفي رواية ابن إسحق) بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس: (فقام ذلك الرجل أَو غيره) رواه
البخاري هنا، وله في الأدب عن قتادة عن أنس مثله، وعنده في الجمعة عن أنس مثله، ومر قريبًا
أَنه لما سأَله شريك: أَهو ذلك الرجل أَو غيره؟، قال: لا أدري، وكل ذلك يقتضي أنه كان يشك.
قال الحافظ: فالظاهر أَن القاعدة المذكورة محمولة على الغالب، لأَن أَنسا من أَهل
اللسان، وللبخاري عن يحيى بن سعيد عن أنس: فأتى الرجل فقال: يا رسول اللَّه، ومثلٍ لأبي
عوانة عن حفص عن أنس، بلفظ: فما زلنا نمطر حتى جاء ذلك الرجل في الجمعة الأخرى،
وأَصله في مسلم، وهذا يقتضي الجزم بكونه واحدًا، فلعل أنسًا كان يتردد تارة، ويجزم أُخرى
باعتبار ما يغلب على ظنه.
(وفي رواية لمسلم) وكذا البخاري، كلاهما عن ثابت عن أنس إلاّ أن لفظ مسلم:
(فتقشعت) بفتح الفوقية والقاف والشين المعجمة المشددة والعين المهملة، أي: زالت، ولفظ
البخاري: فتكشطت بفتح التاء والكاف والشين المعجمة المشددة والطاء المهملة، أَي:
تكشفت، ولبعض رواته: فكشطت على البناء للمفعول (عن المدينة فجعلت تمطر) بفتح أوله
وضم ثالثه، ولأبي ذر، بضم أوله وكسر ثالثه (حواليها وما تمطر بالمدينة) بفتح الفوقية وضم
الطاء (قطرة) بالرفع فاعل تمطر، وضبطه النووي بضم أوله ونصب قطرة.
قال أنس: (فنظرت إلى المدينة وإِنها لفي مثل الإكليل) ولأحمد من هذا الوجه: فتغوّر
ما فوق رؤوسنا من السحاب حتى كأَنا في إكليل (وهو - بكسر الهمزة وسكون الكاف - كل
شيء دار من جوانبه واشتهر لما يوضع على الرأس فيحيط به وهو من ملابس الملوك

١٣٢
الفصل الثاني في صلاته عَّهِ صلاة الاستسقاء
کالتاج۔۔
وفي رواية له أيضًا: فألف الله بين السحاب وملتنا حتى رأيت الرجل الشديد
تهمه نفسه أن يأتي أهله، وفي رواية له أيضًا: فرأيت السحاب يتمزق كأنه الملاء
حين تطوى.
والملاء: بضم الميم والقصر وقد يمد جمع ملاءة وهي ثوب معروف.
واستدل بهذا الحديث على جواز الاستسقاء بغير صلاة مخصوصة، وعلى
أن الاستسقاء ليس فيه صلاة. فأما الأول فقال به الشافعي، وأما الثاني فقال به أبو
حنيفة، وتعقب: بأن الذي وقع في هذه القصة مجرد دعاء، لا ينافي مشروعية
الصلاة لها، وقد ثبت في واقعة أخرى كما تقدم، والله أعلم.
كالتاج).
وفي رواية له) لتمسلم (أَيْضًا) عن ثابت عن أنس: (فأَلف اللَّه بين السحاب وملتنا) بفتح
التميم واللام المخففة ومكون الفوقية فنون فألف، كذا لبعض رواة مسلم.
قال عياض: لعل معناه أَوسعتنا مطرًا، وفي بعضها: وملأَّتنا بالهمزة، وفِي أَكثرها: ومكثنا
بالكاف والمثلثة، أي: على هذه الحالة من مجيء المطر من السحاب المتألف، وفي بعضها:
وهلتنا بهاء ولام ثقيلة مفتوحتين، أي: أَمطرتنا السماء (حتى رأيت الرجل الشديد تهمه نفسه أن
يأتي أَهْلة).
قال النووي: ضبطنا تهمه بضم التاء مع كسر الهاء وبفتح التاء مع ضم الهاء، يقال: همه
الشيء إِذا اهتم له.
"(وفي رواية له) لمسلم (أَيْضًا) عن ثابت عن أنس: (فَأَلِف اللَّه بين السحاب وملتا) بفتح
"يتمزق) بشد الزاي (كأنه الملاخين تطوى) شبه انقشاع السحاب عن المدينة بالملاءة المنشورة
إِذا طويت (والملا بضتم التميم والقصر وقد يمد: جمع ملاءة وهي ثوب معروف) كالملحفة
والزيطة.
(واستدل بهذا الحديث على جواز الاستسقاء بغير صلاة مخصوصة، وعلى أن
الاستسقاء ليس) لفظ الفتح لا تشرع (فيه صلاة، فأما الأول فقال: به الشافعي) وكرهه سفين
"الثوري (وأَما الثاني فقال به أبو حنيفة، وتعقب بأَن الذي وقع في هذه القصة مجرد دعاء
لا ينافي مشروعية الصلاة لها، وقد ثبت في واقعة أخرى كما تقدم) فلا دلالة فيه على
عدم مشروعية الصلاة (وَاللَّه أَعْلمْ).

١٣٣
الفصل الثاني في صلاته عَلّهِ صلاة الاستسقاء
الثالث: استسقاؤه عَ لّه على منبر المدينة.
روى البيهقي في الدلائل من طريق يزيد بن عبيد السلمي قال: لما قفل
رسول الله عَّله من غزوة تبوك أتاه وفد بني فزارة، بضعة عشر رجلاً، فيهم
خارجة بن حصن، والحر بن قيس، وهو أصغرهم، فنزلوا في دار رملة بنت الحرث
من الأنصار، وقدموا على إبل عجاف وهم مسنتون، فأتوا مقرين بالإسلام، فسألهم
(الثالث: استسقاؤه عَِّ على منبر المدينة. روى البيهقي في الدلائل) النبوية (من
طريق يزيد) بتحتية فزاي (ابن عبيد) بضم العين (السلمي) بضم السين ذكره ابن شاهين في
الصحابة، وأخرج هذا الحديث ووقع له في سياقه عن أبي وجزة يزيد بن عبيد السلمي،
وأبو وجزة بفتح الواو وسكون الجيم بعدها زاي، وغلطه في الإِصابة بأن أبا وجزة تابعي مشهور،
سكن المدينة، ومات سنة ثلاثين ومائة، لكنه مشهور بالسعدي.
وقد أَخرج هذا الحديث الواقدي من الوجه الذي رواه منه ابنٍ شاهين، فقال في سياقه عن
أبي وجزة السعدي، وحكى المرزباني عن المبرد أَبا وجزة سلمي الأصل، وإنما قيل له، السعدي،
لأنه نزلٍ في بني سعد، قلت: والحديث المذكور من مراسيله وهو في السنن عن أَبي وجزة عن
عمر بن أبي سلمة ربيب النبي عَـ
:(قال: لما قفل) أَي: رجع (رسول اللَّه عٍَّ من غزوة تبوك) في رمضان سنة تسع (أَتاه
وفد بني فزارة) بفتح الفاء والزاي فألف فراء فتاء تأنيث قبيلة من قيس عيلان (بضعة عشر رجلاً
فيهم خارجة بن حصن) بكسر فسكون ابن حذيفة أَخو عيينة بن حصن وهو والد أَسماء بن
خارجة الذي كان بالكوفة.
ذكر الواقدي أنه ارتد بعد المصطفى ومنع الصدقة، ثم تاب وقدم على أبي بكر (والحر)
بضم المهملة وشد الراء (ابن قيس) بن حصن بن حذيفة الفزاري.
وفي البخاري عن ابن عباس: قدم عيينة بن حصن، فنزل على ابن أخيه الحربن قيس،
وكان من النفر الذين يدنيهم عمر ... الحديث (وهو أصغرهم، فنزلوا في دار رملة بنت الحرث
من الأنصار) كذا في النسخ.
قال الحافظ: أبوها الحدث بدال بعد الحاء المهملتين لا براء قبلها ألف، كما عند
ابن سعد وغيره، والحدث هو ابن ثعلبة بن زيد الأنصارية النجارية الصحابية زوجة معاذ بن عفراء،
كانت دارها دار الوفود (وقدموا على إِبل عجاف) بكسر المهملة وخفة الجيم، أَي: بلغت
النهاية في الهزال جمع أَعجفٍ على غير قياس حملاً على نظيره وهو ضعاف أَو على ضده وهو
سمان، والقياس أَعجف مثل أحمر وحمر (وهم مسنتون) بميم مضمومة فمهملة ساكنة فنون

١٣٤
الفصل الثاني في صلاته عَّلله صلاة الاستسقاء
رسول الله عَ ◌ّه عن بلادهم فقالوا: يا رسول الله أسنت بلادنا، وأجدب جنابنا،
وغرث عيالنا وهلكت مواشينا، فادع ربك أن يغيثنا، وتشفع لنا إلى ربك، ويشفع
ربك إليك، فقال عَّله: سبحان الله !! ويلك، أنا شفعت إلى ربي، فمن ذا الذي
يشفع ربنا إليه، لا إله إلا هو العلي العظيم، وسع كرسيه السموات والأرض، وهو
يئط من عظمته وجلاله كما يئط الرحل الجديد. فقال عَّةٍ: ((إن الله ليضحك من
مكسورة، أي مجدبون وإضافته إليهم، تجوّز. وروى مشتيون بشين معجمة ففوقية، أَي: داخلون
في الشتاء وحينئذ يقل طعامهم (فأتوا مقِرِين بالإسلام، فسأَلهم رسول اللَّه عَِّ عن بلادهم) أَيٍ:
عن أحوالها (فقالوا:) وفي رواية: فقال أحدهم، قال في النور: لا أَعرفه، وقال الحافظ: الظاهر أنه
خارجة لأنه كبير الوفد، ولذا سمي من بينهم. انتهى، ولا يلزم من كونه كبيرهِم أَن يكون هو
القائل: (يا رسول اللَّه أَسنت) بفتح الهمزة وسكون المهملة ونون فوقية، أي: أَجدبت (بلادنا)
أصابتها السنة وهي الجدب (وأجدب جنابنا) بفتح الجيم وخفة النون فألف فموحدة الغناء
وما قرب من محلة القوم، فعطفه بلا تاء على أَسنت من عطف الجزء على الكل، إِن أريد بجنابنا
ما حول بيوتنا ومباين أن أُريد به ما يقرب من بلادهم وقراءته جناننا بنونين أو بنون وفوقية
تصحيف، فأَرض العرب لم يكن بها جنان، وفي تعبيره بأسنت وأجدب تفنن لأنهما متساويان
(وغرث) بفتح المعجمة وكسر الراء ومثلثة جاع (عيالنا) لقلة ما يأكلون.
وفي نسخ: وغرثت بزيادة تاء، وتركها أظهر لأن عيال الرجل من يعول ولو ذكورًا فهو
مذكر (وهلكت مواشينا) لعدم ما تأكله (فادع ربك أن يغيثنا) بفتح أوله من الغيث، أي: يمطرنا
وبضمه من الإغاثة وهي الإجابة (وتشفع:) توسل (لنا إلى ربك) بما بينك وبينه من السر، يقال:
شفعت في الأمر شفعًا وشفاعة طالبته بوسيلة أو ذمام (ويشفع ربك إليك، فقال ◌َله: سبحان
اللَّه) تعجبًا من ذلك (ويلك) كلمة عذاب خاطبه بها زجرًا وتنفيرًا عن العود لمثلها، وإن عذر
لقرب عهده بالإسلام (أنا شفعت إلى ربي) بفتح الفاء من باب منع كما في اللغة.
قال في النور: وهو بديهي كالشمس إلاَّ أني أخبرت أن بعض الأروام كسرها (فمن
ذا الذي يشفع ربنا إليه) استفهام بمعنى النفي (لا إله إلا هو العلي) فوق خلقه بالقهر (العظيم)
الكبير (وسع كرسيه السموات والأرض).
قال في النور: الصواب أن الكرسي غير العلم خلافًا لزاعمه ولزاعم أنه القدرة وأنه موضع
قدميه، وإنما هو المحيط بالسموات والأرض وهو دون العرش كما جاءت به الآثار (وهو) أي:
الكرسي (يئط) بفتح التحتية وكسرة الهمزة وشد الطاء يصوت (من عظمته وجلاله كما يئط
الرحل) بحاء مهملة (الجديد))) بالجيم (فقال عَ لَّهِ: ((إن اللَّه ليضحك) يدر رحمته ويجزل

١٣٥
الفصل الثاني في صلاته عَّةٍ صلاة الاستسقاء
شفقكم وقرب غيائكم))، فقال الأعرابي: أويضحك ربنا يا رسول الله؟ قال: ((نعم)،
فقال الأعرابي: لن نعدم يا رسول الله من رب يضحك خيرًا. فضحك عَّ ◌ُله من
قوله، فقام عَّ فصعد المنبر وتكلم بكلمات ورفع يديه، وكان رسول الله عَ له لا
يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء، فرفع يديه حتى رُأَي | بياض
مثوبته، فالمراد لازمه أو الضحك فيه وما أشبهه التجلي والظهور حتى يرى بعين البصيرة في الدنيا
وفي الآخرة بعين البصر، يقال: ضحك الشيب إذا ظهر قال الشاعر:
لا تعجبي يا هند من رجل ضحك المشيب برأسه فبكى
(من شفقكم) بفتح المعجمة والفاء بعدها قاف،أي: خوفكم، يقال: أشفقت من كذا
بالألف حذرت، قال الجوهري: أشفقت عليه فأنا مشفق وشفيق، فإذا قلت: شفقت منه، فإنما
تعني حذرته وأصلهما واحد.
زاد في رواية: وأزلكم بفتح الهمزة وسكون الزاي، يعني ضيقكم (و) من (قرب) بضم
فسكون (غيائكم) أي: أن الله تعالى يضحك من حصول الفرج لكم متصلاً بشدة الخوف
والضيق، وهذا قاله عَّله قبل صعود المنبر والدعاء، فيكون علمه بالوحي فبشرهم به (فقال
الأعرابي: أوَيضحك ربنا يا رسول اللَّه؟، قال: ((نعمٍ))، فقال الأعرابي: لن نعدم) بفتح النون
وسكون العين وفتح الدال، أي: لن نفقد (يا رسول اللَّه من رب يضحك خيرًا) لما جرت العادة
به أن العظيم إذا سئل شيئًا فضحك أو نظر إلى السائل نظرة حلوة حصل ما يؤمله منه
(فضحك عٍَّ من قوله) لأنه رضيه وأعجبه (فقام ◌َِّ فصعد) بكسر العين مضارعه يصعد
بفتحها (المنبر وتكلم بكلمات) أي: دعا بدعوات لم يحفظها الراوي كلها لقوله بعد كان،
مما حفظٍ من دعائه (ورفع يديه) بالتثنية (وكان رسول اللَّه عَّهُ لا يرفع يديه في شيء من
الدعاء إلاَّ في الاستسقاء) مثله في حديث أنس عند الشيخين.
قال الحافظ: ظاهره نفي الرفع في كل دعاء غير الاستسقاء، وهو معارض بالأحاديث
الثابتة بالرفع في غير الاستسقاء وهي كثيرة جمعها المنذري في جزء مفرد، أورد منها النووي في
شرح المهذب قدر ثلاثين حديثًا، وأفردها البخاري بترجمة في كتاب الدعوات وساق فيها عدة
أحاديث، فذهب بعضهم إلى أن العمل بها أولى، وحمل حديث أنس على نفي رؤيته، وذلك
لا يستلزم نفي رؤية غيره، وذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس لأجل الجمع بأن يحمل النفي
على صفة مخصوصة، أما الرفيع البليغ ويدل عليه قوله: حتى رئي بياض إبطيه، ويؤيده أن غالب
الأحاديث التي رويت في رفع البدن في الدعاء، إنما المراد بها مد اليدين وبسطهما عند الدعاء،
وكأنه عند الاستسقاء مع ذلك زاد: فرفعهما إلى جهة وجهه حتى حاذياه، وبه حينئذ يرى بياض

١٣٦
الفصل الثاني في صلاته عٍَّ صلاة الاستسقاء
ابطيه، وكان مما حفظ من دعائه:
((اللهم اسق بلدك وبهيمتك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت، اللهم
اسقنا غيئًا مغيثًا مريئًا مربعًا طبقًا واسعًا، عاجلاً غير آجل نافعًا غير ضار، اللهم سقيا
رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا
إبطيه، وأما على صفة اليدين في ذلك لما رواه مسلم عن ثابت عن أنس؛ أنه عَّهِ استسقى،
فأشار بظهر كفيه إلى السماء، ولأبي داود عن أنس: كان يستسقي هكذا، ومد يديه وجعل
بطونهما مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه.
قال النووي: قال العلماء: السنة في كل دعاء لرفع بلاء أن يرفع يديه جاعلاً ظهور كفيه
إلى السماء، وإذا دعا بسؤال شيء، وتحصيله أن يجعل بطون كفيه إلى السماء، وقال غيره:
الحكمة في الإشارة بظهور الكفين في الاستسقاء دون غيره التفاؤل بتقلب الحال ظهر البطن،
كما قيل في تحويل الرداء، أو هو إشارة إلى صفة المسؤول وهو نزول السحاب إلى الأرض.
انتھی.
(فرفع يديه حتى أُنْيَ) براء مكسورة، فهمزة مفتوحة ممدودًا، وبضم الراء وكسر الهمزة
(بياض إبطيه) وهو من خصائصه دون غيره.
قال أبو نعيم: بياض إبطيه من علامات نبوته (وكان مما حفظ) بالبناء للمفعول (من
دعائه: اللهم اسق) بوصل الهمزة وقطعها ثلاثي ورباعي (بلدك) أي: أهل بلدك (وبهيمتك) أي:
جنسها.
قال المصباح: البهيمة كل ذات أربع من دواب البر والبحر، وكل حيوان لا يمير فهو بهيمة
والجمع البهائم (وانشر رحمتك) ابسط مطرك ومنافعه على عبادك تلميح لقوله تعالى: ﴿وهو
الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته﴾ [الشورى/٢٨] (واحي بلدك الميت)
بالتخفيف والتشديد التي لانبات بها بالمطر تلميحًا لقوله تعالى: ﴿فأحيينا به بلدة ميتًا﴾ [ق/١١] الآية
(اللهم اسقنا غيثًا) مطرًا (مغيثًا) لنا من هذه الشدة (مريئًا) محمود العاقبة لا ضرر فيه
(مربعًا) بضم الميم وإسكان الراء وكسر الموحدة وعين مهملة أو بفوقية بدل الموحدة من رتعت
الدابة إذا أكلت ما شاءت، أو هو بفتح الميم وكسر الراء وسكون التحتية ومهملة من المراعة
وهي الخصب (طبقًا) بفتحتين، أي: مستوعبًا للأرض منطبقًا عليها (واسعًا) كالتأكيد لطبقًا
(عاجلاً غير آجل، نافعًا غير ضار) بزرع ولا مسكن ولا حيوان، آدمي أو بهيمة (اللهم سقيا)
بضم السين (رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق) نقص وإذهاب بركة، وأتى
بهذا وإن استفيد من نافعًا غير ضار لأنه مقام طلب من الجواد والمطلوب فيه الإطناب، واللَّه

١٣٧
الفصل الثاني في صلاته عَّهِ صلاة الاستسقاء
على الأعداء)).
فقام أبو لبابة ابن عبد المنذر فقال: يا رسول الله إن التمر في المربد،
فقال عَّهِ: ((اللهم اسقنا))، فقال يا رسول: إن التمر في المربد، ثلاث مرات، فقال
عليه الصلاة والسلام: ((اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانًا يسد ثعلب مربده
بإزاره)).
قال: فلا والله ما في السماء من قزعة ولا سحاب، وما بين المسجد وسلع
من بناء ولا دار، فطلعت من وراء سلع سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء
انتشرت، وهم ينظرون، ثم أمطرت، فوالله ما رأوا الشمس سبتا، وقام أبو لبابة عريانًا
يسد ثعلب مربده بإزاره لئلا يخرج التمر منه.
فقال الرجل: يا رسول الله - يعني الذي سأله أن يستسقي لهم -: هلكت
يحب الملحين في الدعاء، ولذا قال: (اللهم اسقنا الغيث) المطر بالتعريف إشارة إلى أن
المطلوب بالغيث الموصوف بهذه الصفات (وانصرنا على الأعداء) الكفار بإجابة الدعاء وإقامة
الحجة والغلبة في قتالهم (فقام أبو لبابة) بشير، وقيل: رفاعة، ووهم من سماه مرون (ابن
عبد المنذر) الأنصاري المدني أحد النقباء، عاش إلى خلافة علي (فقال: يا رسول اللَّه إن التمر
في المربد) الموضع الذي يجفف فيه التمر كالجرين فنخشى عليه الغرق (فقال عَ له: اللهم
اسقنا، فقال: يا رسول اللَّه إن التمر في المربد) قال ذلك (ثلاث مرات، فقال عليه الصلاة
والسلام: اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانًا يسد ثعلب مربده:) ثقبه الذي يسيل منه ماء
المطر (بإزاره) من عجلته لكثرة المطر وخوفه على تمره لم يتمكن من تحصيل ما يسده به غير
إزاره.
(قال) الراوي: (فلا واللَّه ما في السماء من قزعة) بفتحات سحاب متفرق (ولا سحاب)
مجتمع (وما بين المسجد) النبوي الذي دعا على منبره بهذا الدعاء (وسلع) الجبل المعروف
بالمدينة (من بناء ولا دار) يحجبنا عن رؤيته، إشارة إلى فقد السحاب (فطلعت من وراء سلع
سحابة مثل الترس) في الاستدارة (فلما توسطت السماء انتشرت، وهم) أي: الحاضرون
(ينظرون) ذلك (ثم أمطرت) واستمرت جمعة، كما قال: (فوالله ما رأوا الشمس سبتًا) بفتح
فموحدة ساكنة ففوقية (وقام أبو لبابة عريانًا) إلاَّ من ساتر عورته (يسد ثعلب مربده بإزاره لئلا
يخرج التمر منه) فاستجاب الله دعاء رسوله (فقال الرجل: يا رسول اللّه، يعني: الذي سأله أن
يستسقي لهم) تقدم أن صاحب النور قال: لا أعرفه وأن صاحب الفتح استظهر أنه خارجة بن

١٣٨
الفصل الثاني في صلاته عَ له صلاة الاستسقاء
الأموال، وانقطعت السبل. فصعد عَِّ المنبر فدعا ورفع يديه مدًا، حتى رُئِيَ
بياض ابطيه ثم قال: ((اللهم حوالينا ولا علينا، على الأكام والظراب وبطون الأودية
ومنابت الشجر)). فانجابت السحابة عن المدينة كانجياب الثوب.
و («الأطيط)) صوت الأقتاب، يعني: أن الكرسي ليعجز عن حمله وعظمته عزَّ
وجلَّ، إذ كان معلومًا أن أطيط الرجل بالراكب إنما يكون لقوة ما فوقه، وعجزه عن
احتماله، وهذا مثل لعظمة الله تعالى وجلاله، وإن لم يكن أطيط وإنما هو كلام.
تقريبي، أريد به تقرير عظمته تعالى.
وقوله: ((طبقًا)) بفتح الطاء والموحدة، أي مالئًا للأرض مغطيًا لها، يقال:
غيث طبق أي عام واسع.
حصن لأنه كبيرهم، ولذا سمى دونهم، وأن ذلك ليس بلازم (هلكت الأموال) المواشي
(وانقطعت السبل) الطرق (فصعد ◌َّلِ المنبر، فدعا ورفع يديه مدًا حتى رُئِيَ ابياض إبطيه،
ثم قال: اللهم حوالينا) بفتح اللام وفيه حذف تقديره اجعل، أو امطر، والمراد به صرف المطر
عن الأبنية والدور (ولا علينا) بيان للمراد بحوالينا، لأنها تشمل الطرق، فأخرجها بقوله:
((ولا علينا)) (على الأكام) بكسر الهمزة (والظراب) بكسر المعجمة وموحدة (وبطون الأودية)
التي يتحصل فيها الماء لينتفع به (ومنابت الشجر) أي: ما حولها مما يصلح أن ينبت فيه
(فانجابت) بنون فجيم خرجت (السحابة عن المدينة كانجياب الثوب) أي: كخروج الثوب
عن لا بسه.
قال في الفتح: وقد ذكر بعض هذا الحديث، وأفادت هذه الرواية صفة الدعاء المذكور
في حديث أنس والوقت الذي وقع ذلك فيه انتهى، وفيه بعد لأن الرجل الداخل في حديث أنس
دخل والنبي عية يخطب خطبة الجمعة، فسأله وهو يخطب، وظاهر هذه الرواية أنهم دخلوا وهو
جالس بالمسجد، فكلموه فيه، فقام فصعد المنبر ولا يلزم من شبه هذه القصة بتلك اتحادهما،
لا سيما والمخرج مختلف (والأطيط صوت الأقتاب) بقاف: جمع قتب (يعني: أن الكرسي)
المحيط بالسموات والأرض (ليعجز عن حمله وعظمته عز وجل، إذ كان معلومًا أنَّ أطيط)
تصويت (الرجل) بحاء مهملة (بالراكب) عليه (إنما يكون لقوة ما فوقه) في التأثير (وعجزه عن
احتماله، وهذا مثل لعظمة اللّه تعالى وجلاله وإن لم يكن) يوجد (أطيط) والجملة حالية بدليل
قوله: (وإنما هو كلام تقريبي) للفهم (أريد به تقرير عظمته تعالى) للعقول (وقوله: طبقًا بفتح
الطاء) المهملة (والموحدة) والقاف (أي: مالًا للأرض مغطيًا لها، يقال: غيث طبق) بفتحتين

١٣٩
الفصل الثاني في صلاته عَ صلاة الاستسقاء
و ((المربد)): موضع يجفف فيه التمر.
و «ثعلبه)) ثقبه الذي يسيل منه ماء المطر.
وعن أنس بن مالك قال: جاء أعرابي إلى رسول الله عَ ◌ّله فقال: يا رسول الله
أتيناك وما لنا صبي يغط، ولا بعير يئط - أي مالنا بعير أصلاً لأن البعير لا بد أن
يئط - وأنشد:
أتيناك والعذراء يدمى لبابها وقد شغلت أم الصبي عن الطفل
من الجوع ضعفًا ما يمر ولا يحلى
وألقى بكفيه الفتى الاستكانة
سوى الحنظل العامي والعلهز الغسل
ولا شيء مما یأکل الناس عندنا
فليس لنا إلا إليك قرارنا وأين قرار الناس إلا إلى الرسل
فقام عَِّ يجر رداءه، حتى صعد المنبر، فرفع يديه إلى السماء ثم قال:
(أي: عام واسع) فكأنه قيل مستوعبًا للأرض منطبقًا عليها (والمربد) بكسر الميم وسكون الراء
وفتح الموحدة (موضع يجفف فيه التمر وثعلبه) بمثلثة ومهملة وموحدة (ثقبه) بمثلثة وقاف
(الذي يسيل منه ماء المطر).
وفي القاموس: الثعلب معروف، إلى أن قال: والحجر الذي يخرج منه ماء المطر من
الجرين.
(وعن أنس بن مالك قال: جاء أعرابي إلى رسول اللَّه عَّه، فقال: يا رسول اللَّه أنيناك
وما لنا صبي يغط) بفتح أوله وكسر المعجمة، أي: ينام كناية عن شدة جوعه، لأن الغطيط إنما
يقع غالبًا عند الشبع (ولا بعير يئط) بفتح أوله وكسر الهمزة (أي: ما لنا بعير أصلاً، لأن البعير
لا بد أن يئط) أي: يصوّت، فنفى اللازم لنفي الملزوم، لكن في الفتح والصحاح: أنه يئط من
ثقل الحمل عليه، فالمعنى: لا يئط لعدم ما يحمله، وهذا أيضًا يخالف مقتضى قوله: لا بد أن
يئط، أي: مثقلاً كان أم لا، ومر للمصنف آنفًا أن الأطيط صوت الأقتاب فهو مشترك، وبه صرح
الجوهري، فقال: الأطيط صوت الرحل والإبل من ثقل أحمالها ونحوه في القاموس.
(وأنشد) يقول: (أتيناك) بالقصر (والعذراء) بالمد البكر (يدمي لبابها) بموحدتين (وقد
شغلت أم الصبي عن الطفل) مع مزيد شفقتها عليه لشدة جوعها (وألقى بكفيه الفتى) أي:
الشجاع (الاستكانة) ذلة وخضوع (من الجوع ضعفًا) أي: لأجل الضعف (ما يمر) ينطق بشر
(ولا يحلى) ينطق بخير (ولا شيء مما يأكل الناس عندنا، سوى الحنظل العامي) نسبة إلى
العام (والعلهز:) بكسر المهملة والهاء بينهما لام سكنة ثم زاي (الغسل:) بكسر المعجمة
وسكون المهملة الرذل (فليس لنا إلاَّ إليك قرارنا، وأين فرار الناس إلاَّ إلى الرسل، فقام عَباخ.

١٤٠
الفصل الثاني في صلاته عَّةٍ صلاة الاستسقاء
((اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مربعًا غدقًا طبقًا نافعًا غير ضار، عاجلاً غير رائث، تملأ به الضرع
وتنبت به الزرع، وتحيي به الأرض بعد موتها. قال: فما رد عّ يديه إلى نحره حتى
ألقت السماء بأبراقها، وجاء أهل البطانة يضجون: الغرق الغرق، فقال عليه الصلاة
والسلام: ((حوالينا ولا علينا))، فانجابت السحابة عن المدينة حتى أحدق حولها
کالا كليل. وضحك عَّ حتى بدت نواجذه، ثم قال: «لله در أبي طالب، لو كان حيًّا
لقرت عيناه)). من ينشدنا قوله؟ فقال علي: يا رسول الله كأنك تريد قوله:
وأبيض يستسقي الغنمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يجر رداءه) من العجلة لما جبل عليه من الرأفة والرحمة (حتى صعد) بكسر العين (المنبر، فرفع
يديه) بالتثنية (إلى السماء، ثم قال: اللهم اسقنا) عمم الطلب فلم يقل اسقهم (غيثًا) مطرًا
(مغيثً) لنا من هذه الشدة (مربعًا غدقًا) بمعجمة فمهملة كثير القطر (طبقًا) بفتحتين (نافعًا غير
ضار، عاجلاً غير رائث) بمثلثة، أي: بطيء (تملأ به الضرع) للمواشي (وتنبت به الزرع وتحيي
به الأرض) بالنبات (بعد موتها) ييسها تشبيهًا بالحيوان الذي إذا مات ييس.
(قال) أنس: (فَما رد عَِّ يديه إلى نحره حتى ألقت السماء بأبراقها:) جمع برق
ما يلمع من السحاب (وجاء أهل البطانة) أي: الساكنون خارج المدينة (يضجون) يصيحون:
(الغرق الغرق) بالتكرير (فقال عليه السلام:) أنزل المطر (حوالينا ولا) تنزله (علينا،
فانجابت:) خرجت (السحابة عن المدينة حتى أحدق) أي: دار (حولها كالإكليل) المحيط
بالشيء (وضحك عَّهِ حتى بدت نواجذه) فرحًا بزوال الكرب عن أمته (ثم قال: لله درّ أبي
طالب، لو كان حيًا لقرّت عيناه): بردت وسكنت كناية عن السرور (من ينشدنا قوله فقال
علي: يا رسول اللَّه كأنك تريد قوله) في قصيدته الطويلة التي قالها لما تمالأت قريش على
النبي عَّ: ونفروا عنه من يريد الإسلام يذكرهم يده عليهم وبركته من صغره، وهي ثلاثة وثمانون
بيتًا عند ابن إسحق، وقال المصنف: عدة أبياتها مائة بيت وعشرة أبيات، وسبق منها جملة في
أوائل المقصد الأول (وأبيض) بفتح الضاد المعجمة مجرور برب مقدرة أو منصوب بإضمار،
أعني: أو أخص، والراجح أنه بالنصب عطفًا على سيد المنصوب في البيت الذي قبله وهو:
وما ترك قوم لا أبالك سيدًا بحوط الذمار غير ذرب مواكل
أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أبيض (يستسقي) مبني للمفعول (الغمام)
السحاب (بوجهه) أي: ذاته، أي يتوسل إلى الله به (ثمال) بكسر المثلثة وخفة الميم هو العماد
والملجأ والمطعم والمغيث والمعين والكافي أطلق على كل ذلك، ويصح إرادة الجميع هنا
(اليتامى عصمة للأرامل) أي: يمنعهم مما يضرهم والأرامل المساكين من رجال ونساء، ويقال