النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
السابع في أكله عَّةٍ يوم الفطر قبل خروجه إلى صلاة العيد
وأما قول عائشة: ((لو رأى النبي عَِّ ما أحدث النساء بعده لمنعهن
المساجد)) فلا يعارض ذلك لندوره، إن سلمنا أن فيه دلالة على أنها أفتت بخلافه،
مع أن الدلالة فيه بأن عائشة أفتت بالمنع ليست صريحه.
وفي قول الطحاوي: ((إرهابًا للعدو)) نظر، لأن الاستنصار بالنساء والتكثر بهن
في الحرب دال على الضعف.
والأولى: أن يخص ذلك بمن يؤمن عليها وبها الفتنة، فلا يترتب على
حضورها محظور، ولا تزاحم الرجال في الطرق ولا في الجامع - قاله في فتح
الباري.
وكان عليه الصلاة والسلام يخرج العنزة يوم الفطر والأضحى فيركزها
فيصلي إليها. رواه النسائي وغيره.
وإذا علمت هذا فاعلم أن للمؤمنين في هذه الدار ثلاثة أعياد، عيد يتكرر
في كل أسبوع، وعيدان يأتيان في كل عام مرة من غير تكرار في السنة.
فأما العيد المتكرر فهو يوم الجمعة، وهو عيد الأسبوع، وهو مترتب على
إكمال الصلوات المكتوبات فيه فشرع لهم فيه عيدًا.
(وأما قول عائشة) في الصحيحين: (لو رأَى النبي ◌َّ ما أَحدث النساء بعده لمنعهن
المساجد) كما منعت نساء بني إسرائيل (فلا يعارض ذلك لندوره إن سلمنا أَن فيه دلالة على
أنها) أَي: عائشة (أَفتت بخلافه مع أَن الدلالة فيه بأَن عائشة أفتت بالمنعِ ليست صريحة)
لأنها علقته على شيء لم يقع، إِذ لم يرو لو رأَى لاحتمل أن يزجرهن عما أحدثن ولا يمنعهن
المساجد.
(وفي قول الطحاوي: إِرهابًا للعدو نظر، لأَن الاستنصار بالنساء والتكثر بهن في الحرب
دال على الضعف، والأولى أن يخص ذلك بمن يؤمن عليها وبها الفتنة، فلا يترتب على
حضورها محظور ولا تزاحم الرجال في الطرق ولا في الجامع، قاله في فتح الباري) في
العيدين (وكان عليه الصلاة والسلام يخرج العنزة) بفتح المهملة والنون والزاي (يوم) عيد
(الفطر والأضحى فيركزها) بضم الكاف، يثبتها (فيصلي إليها، رواه النسائي وغيره).
(وإِذا علمت هذا فاعلم أَن للمؤمنين في هذه الدار ثلاثة أَعياد) هي (عيد يتكرر في
كل أُسبوعَ وعيدان يأتيان في كل عام مرة من غير تكرار في السنة، فأما العيد المتكرر فهو
يوم الجمعة وهو عيد الأسبوع وهو مترتب على إِكمال الصلوات المكتوبات فيه) أي

٨٢
السابع في أكله عَّةِ يوم الفطر قبل خروجه إلى صلاة العيد
وأما العيدان اللذان لا يتكرران في كل عام، وإنما يأتي كل واحد منهما في
العام مرة واحدة.
فأحدهما: عيد الفطر من صوم رمضان، وهو مترتب على إكمال صيام
رمضان، وهو الركن الثالث من أركان الإسلام ومبانيه، فإذا أكمل المسلمون صيام
شهر رمضان المفروض عليهم واستوجبوا من الله المغفرة والعتق من النار، فإن
صيامه يوجب مغفرة ما تقدم من الذنب، وآخره عتق من النار يعتق الله فيه من النار
من استحقها بذنوبه، شرع الله تعالى لهم عقب صيامهم عيدًا يجتمعون فيه على
شكر الله تعالى وذكره وتكبيره على ما هداهم له، وشرع لهم في ذلك العيد
الصلاة والصدقة، وهو يوم الجوائز يستوفي فيه الصائمون أجر صيامهم ويرجعون
بالمغفرة.
أُسبوع (فشرع لهم فيه عيدًا) سرورًا بإِكمال الصلوات.
(وأما العيدان اللذان لا يتكرران في كل عام، وإِنما يأتي كل واحد منهما في العام مرة
واحدة، فأَحدهما عيد الفطر من صوم رمضان وهو مترتب على إِكمال صيام رمضان، وهو
الركن الثالث من أركان الإسلام ومبانيه) بعد الشهادتين في قوله عَّه: ((بني الإِسلام على
خمس: شهادة أن لا إله إلاَّ الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان
والحج))، فقال رجلٍ: والحج وصيام رمضان، فقال ابن عمر: لا صيام رمضان والحج، هكذا
سمعت من رسول اللَّه عَّله، رواه مسلم من طريق سعد بن عبيدة عن ابن عمر.
قال الحافظ: فأفاد أن رواية حنظلة عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر في البخاري بتقديم الحج مروية بالمعنى إِما لأنه
لم يسمع، زاد ابن عمر: على الرجل لتعدد المجالس أو حضر ذلك ونسيه. انتهى، (فإذا أكمل المسلمون صيام شهر
رمضان المفروض عليهم، واستوجبوا من اللّه المغفرة والعتق من النار) كما جاء في
الحديث (فإِنَّ صيامه يوجب مغفرة ما تقدم من الذنب وآخره عتق من النار يعتق الله
فيه من النار من استحقها بذنوبه شرع) جواب ((إذا)). وفي نسخة: فشرع بالفاء على
القليل في جواب إِذا (اللَّه تعالى لهم عقب صيامهم عيدًا يجتمعون فيه على شكر
اللَّه تعالى، وذكره وتكبيره على ما هداهم له، وشرع لهم في ذلك العيد الصلاة
والصدقة وهو يوم الجوائز يستوفي فيه الصائمون أجر صيامهم ويرجعون بالمغفرة) فضلاً
من اللَّه سبحانه.

٨٣
السابع في أكله عَّة يوم الفطر قبل خروجه إلى صلاة العيد
والعيد الثاني عيد النحر: وهو أكبر العيدين وأفضلهما، وهو مترتب على
إكمال الحج، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام ومبانيه، فإذا أكمل المسلمون
حجهم غفر لهم، وإنما يكمل الحج بيوم عرفة، فإن الوقوف بعرفة ركن الحج
الأعظم، ويوم عرفة هو يوم العتق من النار، فيعتق الله فيه من النار من وقف بعرفة
ومن لم يقف بها من أهل الأمصار من المسلمين، فلذلك صار اليوم الذي يليه
عيدًا لجميع المسلمين في جميع أمصارهم، من شهد الموسم منهم ومن لم
يشهد، لاشتراكهم في العتق والمغفرة يوم عرفة، وشرع للجميع التقرب إليه تعالى
بالنسك بإراقة دماء ضحاياهم، فيكون ذلك اليوم شكرًا منهم لهذه النعم، والصلاة
والنحر الذي يجتمع في عيد النحر أفضل من الصلاة والصدقة في عيد الفطر،
ولهذا أمر رسول الله عَّه أن يجعل شكره لربه على إعطائه الكوثر أن يصلي لربه
وينحر.
وقد ضحى عَّ بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى الله تعالى
وكبر. رواه البخاري من حديث أنس، قال: ورأيته واضعًا قدمه على صفاحهما،
(والعيد الثاني عيد النحر، وهو أكبر العيدين وأَفضلهما وهو مترتب على إِكمال
الحج، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام ومبانيه) بعد الشهادتين (فإِذا أكمل المسلمون
حجهم غفِر لهم) كما وعد اللَّه تعالى (وإِنما يكمل الحج بيوم عرفة، فإِن الوقوف بعرفة ركن
الحج الأعظم) الذي يفوت الحج بفواته (ويوم عرفة هو يوم العتق من النار، فيعتق اللَّه فيه من
النار من وقف بعرفة ومن لم يقف بها من أَهل الأمصار من المسلمين، فلذلك صار اليوم
الذي يليه عيدًا لجميع المسلمين في جميع أمصارهم، من شهد الموسم منهم ومن لم
يشهد لاشتراكهم في العتق والمغفرة يوم عرفة، وشرع للجميع التقرب إليه تعالى بالنسك:)
العبادة (بإراقة دماء ضحاياهم، فيكون ذلك اليوم شكرًا منهم لهذه النعم والصلاة والنحر
الذي يجتمع في عيد النحر أفضل من الصلاة والصدقة في عيد الفطر، ولهذا أَمر
رسول اللَّه عَّه) أَي أَمره اللَّه (أَن يجعل شكره لربه على إِعطائه الكوثر) نهر في الجنة (أَن
يصلي لربه) العيد (وينحر) الضحية (وقد ضحى عَّ بكبشين أَملحين) بحاء مهملة تثنية أَملح
وهو الذي يخالط سواده بياض، والبياض أَكثر، وقال الأصمعي: هو الأغبر، وقال ابن الأعرابي:
الأبيض الخالص (أقرنين) تثنية أَقرن وهو الكبير القرن (ذبحهما بيده) الشريفة لأنه أَفضل، إِذ
الذبح عبادة وأَفضلها أَن يباشرها بنفسه إن كان يحسن ذلك كالمصطفى (وسمى اللَّه تعالى
و کېر، رواه البخاري من حديث أنس).

٨٤
السابع في أكله عَّ يوم الفطر قبل خروجه إلى صلاة العيد
يقول: (بسم الله والله أكبر)).
وعن عائشة: أنه عَِّ أمر بكبش يطأ في سواد، ويبرك في سواد، فأتى به
ليضحي به، فقال: ((يا عائشة، هلمي المدية))، ثم قال: ((اشحذيها بحجر)) ففعلت،
ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه، قال: ((بسم الله اللهم تقبل من محمد
وآل محمد ومن أمة محمد»، ثم ضحى به. رواه مسلم.
وعن جابر: ذبح النبي عَّه يوم النحر كبشين أقرنين أملحين موجوعين، فلما
وجههما قال: ((إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض، على ملة إبراهيم
( قال) أَنس أيضًا كما رواه البخاري وابن ماجه في الأضاحي، ومسلم والنسائي في
الذبائح (ورأيته) عَُّلّ حال كونه (واضعًا قدمه) الشريفة (على صفاحهما) بكسر الصاد المهملة،
وجمع وإِن كان وضعه على صفحتيهما إِما باعتبار أن الصفحتين من كل واحدة في الحقيقة
موضوع عليهما قدمه المباركة، لأَن إِحداهما مما يلي الأخرى مما يلي الرجل، وإما أنه من باب
قطعت رؤوس الكبشین.
وقالٍ في الفتح: الصفاح الجوانب، والمراد الجانب الواحد من وجه الأُضحية، وإِنما ثني
إشارة إلى أنه فعلٍ ذلك في كل منهما، فهو من إضافة الجمع إِلى المثنى بإرادة التوزيع (يقول:
بسم الله والله أكبر) وفيه وضع الرجل على صفحة عنقها الأيمن ليكون أثبت له وأمكن لئلا
تضطرب الذبيحة برأسها فتمنعه من كمال الذبح أَو تؤذيه.
(وعن عائشة أَنه ◌َِّ أَمر بكبش بِطأ) يمشي (في سواد) أَي: قوائمه سود (ويبرك في
سواد) أَي أَن ملاقي محل بروكه على الأرض من بدنه أسود، زاد في رواية: وينظر في سواد،
أي: محاجره سود، وقد قيل: إِن هذا هو المراد بالأملح، أَي: أَن مواضع هذه منه سود وما عدا
ذلك أبيض، واختار ذلك لحسن منظره وشحمه وطيب لحمه، لأنه نوع يتميز به عن جنسه
(فأتى به ليضحي به، فقال: (يا عائشة هلمي المدية))) السكين (ثم قال: ((اشحذيها) بشين
معجمة فحاء مهملة فذال معجمة، سنيها (بحجر))، ففعلت) ما أَمر به (ثم أَخذها) أَي المدية
(وأَخذ الكبش فأَضجعهِ ثم ذبحه، قال: بسم اللَّهِ اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أُمة
محمد، ثم ضحى به) فأَشرك آله وأمته معه في الأجر (رواه مسلم).
(وعن جابر) قال: (ذبح النبي عَّةٌ يوم النحر كبشين أَقرنين أُملحين موجوءين) بالجيم
والهمز أَي: مخصيين، ففيه جواز التضحية بالخصي (فلما وجههما قال: إني وجهت وجهي:)
قصدت بعبادتي (للذي فطر) خلق (السماوات والأرض) أي اللَّه حال كوني (على ملة إِبراهيم)

٨٥
السابع في أكله عٍَّ يوم الفطر قبل خروجه إلى صلاة العيد
حنيفًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب
العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين، اللهم منك ولك عن
محمد وأمته، بسم الله والله أكبر))، ثم ذبح. رواه أبو داود وابن ماجه والدارمي.
وفي رواية لأحمد والترمذي: ذبح بيده وقال: ((بسم الله والله أكبر، اللهم
هذا عني وعمن لم يضح من أمتي)).
فهذه أعياد المسلمين في الدنيا، وكلها عند إكمال طاعات مولاهم الملك
الوهاب، وحيازتهم لما وعدهم من جزيل الأجر والثواب، فليس العيد لمن لبس
الجديد، إنما العيد لمن طاعاته تزيد، وليس العيد لمن تجمل باللباس والمركوب،
وإنما العيد لمن غفرت له الذنوب، في ليلة العيد تفرق خلع العتق والمغفرة على
العبيد، فمن ناله منها شيء فهو سعيد، وإلا فهو مطرود بعيد.
وأما أعياد المؤمنون في الجنة، فهو أيام زيارتهم ربهم عز وجل، فيزورونه
ويكرمهم غاية الكرامة، ويتجلى لهم فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئًا هو أحب
في أصل التوحيد والدعوة إليه برفق والمجادلة مع كل أَحد بحسب فهمه (حنيفًا) مائلاً إِلى
الدين القيم (وما أنا من المشركين) به (إن صلاتي ونسكي:) عبادتي (ومحياي:) حياتي
(ومماتي) موتي (اللَّه رب العالمين لا شريك له) في ذلك (وبذلك) أَي: التوحيد (أُمرت وأَنا
أَول المسلمين) من هذه الأمة (اللهم منك) هذا المضحى به (ولك عن محمد وأُمته، بسم
اللَّه والله أكبر، ثم ذبح، رواه أبو داود وابن ماجه والدارمي) عبد الله بن عبد الرحمن.
(وفي رواية لأحمد والترمذي) عن جابر: (ذبح) عَِّ (بيده وقال: بسم الله والله
أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي) شاملٍ للموجودين فمن بعدهم إلى آخر الزمن،
وظاهر عمومته ولو لم يضح مع القدرة وهو متجه، لأنها سنة لا يعصى بتركها (فهذه أَعياد
المسلمين في الدنيا، وكلها عند إِكمال طاعات مولاهم الملك الوهاب وحيازتهم لما
وعدهم من جزيل الأجر والثواب) وهو لا يخلف الميعاد (فليس العيد لمن لبس الجديد)
كما يظنه أبناء الدنيا (إِنما العيد لمن طاعاته تزيد، وليس العيد لمن تجمل باللباس
والمركوب، وإنما العيد لمن غفرت له الذنوب في ليلة العيد، تفرق خلع): جمع خلعة وهو
ما يمنح من الثياب (العتق والمغفرة على العبيد، فمن ناله منها شىء فهو سعيد).
وفي نسخ: فهو له عيد (وإِلاَّ فهو مطرود بعيد) عن ذلك والعياذ بالله (وأما المؤمنون في
الجنة) أي: أعيادهم (فهو أيام زيارتهم ربهم عز وجل، فيزورونه ويكرمهم غاية الكرامة

٨٦
الفصل الأول في صلاته عَِّ الكسوف
إليهم من ذلك وهو الزيادة، فليس للمحب عيد سوى قرب محبوبه.
إن يومًا جامعًا شملي بهم ذاك عيدي ليس لي عيد سواه
الباب الثاني
في النوافل المقرونة بالأسباب
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول
في صلاته عَّةٌّ الكسوف
الكسوف لغة: التغير إلى السواد، يقال: كسفت الشمس: إذا اسودت وذهب
شعاعها.
ويتجلى لهم فينظرون إليه) كما ثبت في الأحاديث الصحاح (فما أعطاهم شيئًا هو أَحب
إليهم من ذلك، وهو الزيادة) المذكورة في قوله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى﴾، [يونس/
٢٦]، وزيادة فالحسنى الجنة، والزيادة هي النظر إلى اللَّه تعالى كما في حديث مسلم: (فليس
للمحب عيد سوى قرب محبوبه) له، وأنشد لغيره:
(إن يومًا جامعًا شملي بهم ذاك عيدي ليس لي عيد سواه
الباب الثاني
(في النوافل المقرونة الأسباب، وفيه أربعة فصول)
(الفصل الأول: في صلاته عَِّ الكسوف) بالكاف للشمس والقمر، أَو بالخاء للقمر،
وبالكاف للشمس.
وفي مسلم عن عروة: ((لا تقولوا كسفت الشمس، ولكن قولوا خسفت))، لكن الأحاديث
الصحيحة تخالفه لثبوتها بلفظ الكسوف في الشمس من طرق كثيرة، والمشهور في استعمال
الفقهاء الكسوف للشمس والخسوف للقمر، واختاره ثعلب، وذكر الجوهري أنه أَفصح، وحكى
عكسه وغلطه عياضٍ لثبوته بالخاء في القرآن، وقيل: يقال بهما في كل منهما وبه جاءت
الأحاديث، ولا شك أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف إِذ (الكسوف لغة التغير إِلى
السواد) والخسوف النقصان أَو الذل، فإِذا قيل: في الشمس كسفت أَو خسفت، لأنها تتغير
ويلحقها النقص ساغ، وكذلك القمر، ولا يلزم من ذلك ترادفهما (يقال: كسفت الشمس) بفتح
الكاف، وحكي ضمها وهو نادر (إِذا اسودت وذهب شعاعها) وقيل: بالكاف في الابتداء،
وبالخاء في الانتهاء، وقيل بالكاف لذهاب جميع الضوء وبالخاء لبعضه، وقيل: بالخاء لذهاب

٨٧
الفصل الأول في صلاته عَّهِ الكسوف
عن قبيصة بن المخارق قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله عَليه
فخرج فزعًا يجر ثوبه وأنا معه يومئذ بالمدينة، فصلى ركعتين فأطال فيهما القيام،
ثم انصرف وانجلت، ثم قال: إنما هذه الآيات يخوف الله تعالى بها عباده، فإذا
رأيتموها فصلوا. رواه أبو داود والنسائي.
وفي قوله عليه الصلاة والسلام ((يخوف الله تعالى بها عباده) رد على من
يزعم من أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادي لا يتأخر ولا يتقدم، إذ لو كان كما
يقولون لم يكن في ذلك تخويف.
كل اللون وبالكاف لتغيره (عن قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة (ابن المخارق) بضم الميم
وتخفيف المعجمة ابن عبد اللَّه الهلالي، صحابي سكن البصرة (قال: كسفت الشمس على
عهد) أَي: زمن (رسول اللَّه عَُّ، فخرج فزعًا يجرِ ثوبه) زاد في رواية للبخاري: مستعجلاً،
وللنسائي: من العجلة، ولمسلم عن أسماء: ففزع فأَخطأً يدرع حتى أدرك بردائه، يعني أنه أراد
لبس ردائه فلبس الدرع من شغل خاطره بذلك، وفيه أن جر الثوب إنما يذم ممن قصد به الخيلاء
(وأَنا معه يومئذ بالمدينة، فصلى ركعتين فأَطال فيهما القيام ثم انصرف وانجلت) بنون
وجيم، أَي: صفت، وهذا محتمل أنها انجلت قبل السلام وأنها انجلت بعده، لكن في حديث
عائشة في الصحيحين: وانجلت الشمس قبل أن ينصرف وهذه صريحة لا تقبل التأويل، وفي
حديث أَبي بكرة عند البخاري: فصلى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس.
قال الحافظ: استدل به على إِطالة الصلاة حتى تنجلي، وأَجاب الطحاوي بأَنّه قال فيه:
وصلوا ودعوا، فدل على أنه سلم من الصلاة قبل الانجلاء ليتشاغل بالدعاء حتى تنجلي، وقرره
ابن دقيق العيد بأَنه جعل الغاية لمجموع الأمرين، ولا يلزم منه أنه غاية لكل منهما على انفراده،
فجاز أن يمتد الدعاء إِلى غاية الانجلاء بعد الصلاة فيصير غاية للمجموع، ولا يلزم منه تطويل
الصلاة، أَي: عن سنتها ولا تكريرها.
(ثم قال: إِنما هذه الآيات) أي: الكسوف والخسوف والزلازل (يخوف الله تعالى بها
عباده، فإذا رأيتموها فصلوا، رواه أبو داود والنسائي) وهو بنحوه.
وأبسط منه في الصحيحين من حديث عائشة وابن عباس والبخاري من حديث أبي بكرة.
(وفي قوله عليه الصلاة والسلام: يخوف اللَّه تعالى بها عباده رد على من يزعم من
أَهل الهيئة أن الكسوف أمر عادي) جرت به العادة (لا يتأخر ولا يتقدم، إِذ لو كان) ذلك (كما
يقولون لم يكن في ذلك تخويف) لزعمهم أَنِهِ إِذا حصل للشمس أَو القمر شىء من الأسباب
والعلامات التي زعموها وقع الكسوف الشمس أو القمر، فإِذا شاهدوه لم يخافوا، لأن نفوسهم

٨٨
الفصل الأول في صلاته عَِّ الكسوف
وقد رد عليهم ابن العربي وغيره، بما في حديث أبي موسى عند البخاري،
حيث قال فيه: فقام فزعًا يخشى أن تكون الساعة، قالوا: فلو كان الكسوف
بالحساب لم يقع الفزع، ولو كان بالحساب لم تكن للأمر بالعتق والصدقة
مطمئنة بوقوعه جازمون بذلك.
(وقد رد عليهم ابن العربي وغيره) لفظ الفتح وغير واحد من أَهل العلم (بما في حديث
أبي موسى عند البخاري) ومسلم (حيث قال فيه:) أوله كسف الشمس (فقام) النبي عَّه.
(فزعًا) بكسر الزاي صفة مشبهة، ويجوز الفتح على أَنه مصدر بمعنى الصفة (يخشى أن تكون
الساعة) بالضم على أَن كان تامة، أي: يخشى أَن تحضر الساعة أَو ناقصة، والساعة اسمها
والخبر محذوف أو العكس، قيل فيه جواز الإِخبار بما يوجبه الظن من شاهد الحال، لأَن سبب
الفزع يخفى عن المشاهد لصورة الفزع، يحتمل أن الفزع لغير ما ذكر؛ فعلى هذا يشكل هذا
الحديث من حيث إن للساعة مقدمات كثيرة لم تكن وقعت، كفتح البلاد واستخلاف الخلفاء
وخروج الخوارج، ثم الأشراط كطلوع الشمس من مغربها والدابة والدجال والدخان وغير ذلك،
ويجاب عن هذا باحتمال أن قصة الكسوف وقعت قبل إِعلام النبي عَّهِ بهذه العلامات، أو لعله
خشي أن يكون ذلك بعض المقدمات، أو أن الراوي ظن أن الخشية لذلك، وكانت لغيره كعقوبة
تحدث كما كان يخشى عند هبوب الريح، هذا حاصل ما ذكره النووي تبعًا لغيره.
وزاد بعضهم: أَن المراد بالساعة غير يومِ القيامة، أَيٍ: الساعة التي جعلت علامة على أَمر
من الأُمور، كموته عٍَّ أَو غير ذلك، وفي الأول نظر، لأن قصة الكسوف متأخرة جدًا، لأَن
موت إِبراهيم كان في العاشرة باتفاق وقدٍ أَخبر عَّهِ بكثير من الأشراط والحوادث قبل ذلك، وأَما
الثالث فتحسين الظن بالصحابي يقتضي أنه لا يجزم بذلك إِلاَّ بتوقيفٍ، وأَما الرابع فلا يخفى بعده
وأقر بها الثاني، فلعلهِ خشي أن يكون الكسوف مقدمة لبعض الأشراط كطلوع الشمس من
مغربها، ولا يستحيل أن يتخلل بين الكسوف والطلوعِ أَشياء مما ذكر، وتقع متوالية بعضها إثر
بعض مع استحضارِ قوله تعالى ﴿وما أمر الساعةِ إِلَّ كلمح البصر﴾، [النحل/١٦]، أَو هو
أقرب، ثم ظهر لي أنه يحتمل أن يخرج على مسألة دخول النسخ في الأخبار، فإِن قيل به جاز
ذلِك وزال الإشكال، وقيل: لعله قدر وقوع الممكن لولا ما أعلمه اللَّه تعالى بأنه لا يقع قبل
الأَشراط تعظيمًا منه لأَمر الكسوفِ ليبين لمن يقع له من أمته ذلك كيف يخشى ويفزع، لا سيما
إذا وقع لهم ذلك بعد حصول الأشراط أَو أَكثرها، وقيل: لعل حالة استحضار إمكان القدرة غلبت
على استحضار ما تقدم من الشروط، لاحتمال أن تلك الأشراط مشروطة بشرط لم يتقدم ذكره،
فيقع المخوف بلا شرط لفقد الشرط، قاله الحافظ.
(قالوا: فلو كان الكسوف بالحساب لم يقع الفزع) لعل وجه التبري أنه يجوز أن يكون

٨٩
الفصل الأول في صلاته عَلَِّ الكسوف
والصلاة معنى، يعني حديث أسماء عند البخاري ((لقد أمر النبي عَ لّه بالعتاقة في
كسوف الشمس)) وكما عنده أيضًا من حديث عائشة مرفوعًا ((فإذا رأيتم ذلك
فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا)) فإن ظاهر الأحاديث أن ذلك يفيد التخويف،
وأن كل ما ذكر من أنواع الطاعات يرجى أن يدفع به ما يخشى من أثر يدفع
الكسوف.
ومما نقض به ابن العربي وغيره أيضًا أنهم يزعمون: أن الشمس لا تنكسف
على الحقيقة وإنما يحول القمر بينها وبين أهل الأرض عند اجتماعهما في
العقدتين. فقال: ((هم يزعمون أن الشمس أضعاف القمر في الجرم فكيف يحجب
الكبير الصغير إذا قابله؟ أم كيف يظلم الكثير بالقليل لا سيما وهو من جنسه؟
علامة عادية على أمر مفزع يحدث في العالم عند حدوثه (ولو كانٍ بالحساب لم تكن للأمر
بالعتق والصدقة والصلاة معنى، يعني) الحافظ بهذا (حديث أسماء) بنت أبي بكر (عند
البخاري) من أفراده: (لقد أمر النبي عَّ بالعتاقة) بفتح العين المهملة أمرٍ ندب (في كسوف)
بالكاف (الشمس) ليرفع اللَّه به البلاء عن عباده، وهل يقتصر على العتاقة، أو هي من باب التنبيه
بالأَعلى على الأدنى، الظاهر الثاني لقوله تعالى: ﴿وما نرسل بالآيات إِلاَّ تخويفًا﴾ [الإسراء/
٥٩] الآية، فإِذا كان من التخويف فهي داعية إِلى التوبة والمسارعة إِلى جميع أفعال التوكل على
قدر الطاقة، ولما كان أَشد ما يخوَّف به النار جاء الندب بأَعلى شيء يتقي به النار، لحديث:
((من أَعتق رقبة مؤمنة أَعتق اللَّه بكل عضو منها عضوًا منه من النار))، فمن لم يقدر على ذلك
فليعمل على الحديث العام وهو: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة)) ويأخذ من وجوه البر ما أمكنه، قاله
ابن أبي جمرة.
(وكما عنده) أي: البخاري (أيضًا) وكذا مسلم (من حديث عائشة مرفوعًا: فإذا رأيتم
ذلك) أي: الكسوف (فادعوا اللَّه) ولبعض رواة البخاري: فاذكروا اللَّه (وكبروا وصلوا) صلاة
الكسوف (وتصدقوا) بالعتق وغيره (فإِن ظاهر الأحاديث أَن ذلك يفيد التخويف) لأَن الصدقة
تدفع العذاب أو تخففه، والدفع والتخفيف فرع عن وجود، فكأنه بين أَن الكسوف يخشى منه
عذاب، فأَمر بالصدقة ونحوها لدفعه (وأن كل ما ذكر من أنواع الطاعات يرجى أَن يدفع به
ما يخشى من أثر الكسوف) فكيف زعموا أنه سبب عادي (ومما نقض به ابن العربي وغيره
أيضًا) دعواهم ذلكِ (أَنهم يزعمون أن الشمس لا تنكسف على الحقيقة وإنما يحول القمر
بينها وبين أهل الأرض عند اجتماعهما) الشمس والقمر (في العقدتين فقال: هم يزعمون أن
الشمس أضعاف القمر في الجرم، فكيف يحجب الكبير الصغير) بالرفع فاعل (إِذا قابله؟ أَم

٩٠
الفصل الأول في صلاته عَّةِ الكسوف
وكيف يحجب الأرض نور الشمس.
وقد وقع في حديث النعمان بن بشير وغيره للكسوف سبب آخر غير ما
يزعم أل الهيئة، وهو ما أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة
والحاكم، بلفظ: إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما
آيتان من آيات الله، وإن الله تعالى إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له.
وقد استشكل الغزالي هذه الزيادة، وقال: أنها لم تثبت، فيجب تكذيب
ناقلها، قال: ولو صحت لكان تأويلها أهون من مكابرة أمور قطعية لا تصادم أصلاً
من أصول الشريعة.
قال ابن بزيزة: وهذا عجب منه، كيف يسلم دعوى الفلاسفة ويزعم أنها لا
تصادم الشريعة، مع أنها مبنية على أن العالم كروي الشكل، وظاهر الشرع يعطي
كيف يظلم الكثير بالقليل، لا سيما وهو من جنسه، وكيف يحجب الأرض نور الشمس)
وهي في زاوية منها، لأنهم يزعمون أَن الشمس أكبر من الأرض بتسعين ضعفًا، هكذا في الفتح
قبل قوله: (وقد وقع في حديث النعمان بن بشير وغيره: للكسوف سبب آخر غير ما يزعم أَهل
الهيئة، وهو ما أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة والحاكم بلفظ: إِن
الشمس والقمر لا ينكسفان) بنون بين الياء والكاف يقال: كسفت وانكسفت، وأنكرها القزاز
والجوهري، حيث نسبها للعلامة، والحديث يرد عليه (لموت أحد) قاله لما مات ابنه إبراهيم
وقال الناس: إِنما كسفت لموته إِبطالاً لهذا الاعتقاد، وفائدة قوله: (ولا لحياته) معٍ أَن السياق إنما
ورد في حق من ظن أنه للموت، دفع توهم أنه لا يلزم من كونه سببًا للفقد أن يكون سببًا
للإِيجاد، فعمم الحكم لدفع هذا التوهم (ولكنهما آيتان من آياتِ اللَّه) الدالة على وحدانيته
وعظيم قدرته، أو على تخويف عباده من سطوته وبأُسه (وأَن اللَّه تعالى إذا تجلى) ظهر
(لشيء من خلقه خشع له) فصرح بأن سبب الكسوف التجلي زيادة على التخويف، وكل
منهما خلاف زعم أَهل الهيئة أنه عادي.
(وقد استشكل الغزالي هذه الزيادة) أي: وأَن اللَّه الخ (وقال: أَنها لم تثبت) إِذ
الأحاديث في الصحيحين وغيرهما عن جمع من الصحابة بدونها (فيجب تكذيب ناقلها، قال:
ولو صحت لكان تأويلها أَهون:) أَسهل (من مكابرة أُمور قطعية لا تصادم أَصلاً من أُصول
الشريعة.
(قال) محمد (بن بزيزة) بموحدة مفتوحة وزاي مكررة، وزن سفينة الفقيه المالكي
المشهور (وهذا عجب منه) أي: الغزالي (كيف يسلم دعوى الفلاسفة ويزعم أنها لا تصادم

٩١
الفصل الأول في صلاته عَّةِ الكسوف
خلاف ذلك والثابت من قواعد الشرع أن الكسوف أثر الإرادة القديمة وفعل الفاعل
المختار، فيخلق في هذين الجرمين النور متى شاء والظلمة متى شاء من غير توقف
على سبب أو ربط باقتران، والحديث الذي رده الغزالي قد أثبته غير واحد من أهل
العلم، وهو ثابت من حيث المعنى أيضًا، لأن النورية والإضاءة من عالم الجمال
الحسي، فإذا تجلت صفة الجلال انطمست الأنوار لهيبته، ويؤيده قوله تعالى:
﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا﴾، [الأعراف/١٤٣] انتهى.
ويؤيد هذا الحديث ما رويناه عن طاوس أنه نظر إلى الشمس وقد
انكسفت فبكى حتى كاد أن يموت، وقال: هي أخوف لله منا.
وقال ابن دقيق العيد: ربما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل الحساب
ينافي قوله: ((يخوف الله تعالى بهما عباده)، وليس بشىء، لأن الله تعالى أفعالاً على
حسب العادة، وأفعالاً خارجة عن ذلك، وقدرته تعالى حاكمة على كل سبب، يقتطع ما
شاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض، وإذا ثبت ذلك فالعلماء بالله
الشريعة، مع أنها مبنية على أَن العالم كروي الشكل، وظاهر الشرع يعطي خلاف ذلك،
والثابت من قواعد الشرع أَن الكسوف أَثر الإِرادة القديمة وفعل الفاعل المختار، فيخلق في
هذين الجرمين النور متى شاء والظلمة متى شاء من غير توقف على سبب أو ربط باقتران)
كما زعموا، (والحديث الذي رده الغزالي قد أثبته غير واحد من أهل العلم) بالحديث وصححوه
من حيث السند (وهو ثابت من حيث المعنى أيضًا، لأن النورية) أي كون الشيء منيرًا
(والإضاءة) كونه مضياً (من عالم الجمال الحسي) المشاهد بحاسة البصر (فإذا تجلت صفة
الجلال انطمست الأنوار لهيبته، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فلما تجلى ربه﴾) أي: ظهر من نوره
قدر نصف أَملة الخنصر كما في حديث صححه الحاكم (﴿للجبل جعله دكّا﴾) [الأعراف/
١٤٣]، أي: مدكوكًا مستويًا بالأرض. (انتهى) كلام ابن بزيزة.
(ويؤيد هذا الحديث) أَي: قوله: وإِن اللَّه إِذا تجلى لشيء من خلقه خشع له (ما رويناه
عن طاوس أنه نظر إلى الشمس وقد انكسفت، فبكى حتى كاد أن يموت وقال: هي أَخوف
للّه منا) وخوفها وهي جماد يخلق الإِدراك فيها، بل قد يخلق فيها حياة تدرك بها.
(وقال ابن دقيق العيد: ربما يعتقد بعضهم أَن الذي يذكره أَهل الحساب ينافي قوله
يخوَّف اللَّه تعالى بهما عباده وليس بشىء، لأَن للَّه تعالى أَفعالاً على حسب العادة) كالشبع
والري بالأَكل والشرب (وأَفعالاً خارجة عن ذلك، وقدرته تعالى حاكمة على كل سبب يقتطع
ما شاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض، وإِذا ثبت ذلك فالعلماء بالله تعالى لقوّة

٩٢
الفصل الأول في صلاته عَِّ الكسوف
تعالى لقوة اعتقادهم في عموم قدرته تعالى على خرق العادة وأنه تعالى يفعل ما
يشاء إذا وقع شيء غريب، حدث عندهم الخوف لقوة ذلك الاعتقاد، وذلك لا
يمنع أن يكون هناك أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله خرقها.
وحاصله: أن الذي يذكره أهل الحساب إن كان حقًّا في نفس الأمر لا
ينافي كون ذلك مخوفًا لعباد الله تعالى. قاله في فتح الباري.
وعن ابن عباس قال: انخسفت الشمس على عهد رسول الله عَةٍ فقام قيامًا
طويلاً، نحوًا من قراءة سورة البقرة، ثم ركع ركوعًا طويلاً، ثم رفع فقام قيامًا
طويلاً، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم
رفع، ثم سجد، ثم قام قيامًا طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلاً
وهو دون الركوع الأول ثم رفع فقام قيامًا طويلاً وهو دون القيام الأول ثم ركع
ركوعًا طويلاً وهو دون الركوع الأول ثم رفع ثم سجد ثم انصرف وقد انجلت
اعتقادهم في عموم قدرته تعالى على خرق العادة، وأنه تعالى يفعل ما يشاء إذا وقع شيء
غريب، حدث عندهم الخوف لقؤَّة ذلك الاعتقاد، وذلك لا يمنع أن يكون هناك أسباب
تجري عليها العادة إِلى أَنِ يشاء اللَّه خرقها، وحاصله أَن الذي يذكره أهل الحساب إِن
كان حقًّا في نفس الأمر) لأَن أَصله مبني على تخمين وحدس (لا ينافي كون ذلك مخوّفاً
لعباد اللَّه تعالى، قاله في فتح الباري) رحمه اللَّه تعالى.
(وعن ابن عباس) قال الحافظ: كذا في الموطأ وفي جميع من أَخرجه من طريق لملك،
ووقع في رواية اللؤلؤي لسنن أبي داودٍ عن أَبي هريرة بدل ابن عباس وهو غلط.
(قال: إِنخسفت) بنون بعد ألف الوصل ثم خاء (الشمس على عهد رسول اللَّه عَ لَّه)
زاد الموطأ ومسلم: فصلى رسول اللَّه عَِّ والناس معه (فقام قيامًا طويلاً نحوًا من قراءة سورة
البقرة، ثم ركع ركوعًا طويلاً، ثم رفع) من الركوع (فقام قيامًا طويلاً وهو دون القيام الأَوّل،
ثم ركع ركوعًا طويلاً وهو دون الركوع الأوّل، ثم رفع رأسه من الركوع (ثم سجد) سجدتين، فما أطال
فيهما نحو الركوع، كما دلت عليه الأحاديث: (ثم قام قيامًا طويلاً وهو دون القيام الأوّل، ثم ركع ركوعًا
طويلاً وهو دون الركوع الأوّل، ثم رفع فقام قيامًا طويلاً وهو دون القيام الأَوّل، ثم ركع ركوعًا طويلاً
وهو دون الركوع الأوّل، ثم رفع، ثم سجد) سجدتين طويلتين.
. قال ابن بطال: لا خلاف أَن الركعة الأولى بقياميها وركوعيها أَطول من الثانية بقياميها
ور کوعیھا.

٩٣
الفصل الأول في صلاته عَّةِ الكسوف
الشمس، فقال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا يخسفان لموت
أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله))، فقالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت
شيئًا في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت؟ قال: ((إني رأيت الجنة فتناولت منها
عنقودًا، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أر منظرًا كاليوم قط
وقال النووي: اتفقوا على أَن القيام الثاني وركوعه أَقصر من القيام الأَول وركوعه فيهما،
واختلفوا في القيام الأوّل من الثانية وركوعه هل هما أَقصر من القيام الثاني من الأولى وركوعه،
أَو هما سواء؟، قيل: وسبب هذا الخلاف فهم معنى قوله، وهو دون القيام الأوَّل: هل المراد به
الأوَّل من الثانية ويرجعٍ إِلى الجميع، فيكون كل قيام دون ما قبله، ورواية الإِسمعيلي تعين الثاني
ولفظه الأول، فالأول أَطول، ويرجحه أَيضًا أَنه لو كان المراد بقوله القيام الأول أُول قيام من
الأولى، لكان القيام الثاني والثالث مسكوتًا عن مقدارهما، فالأول أكثر فائدة، قاله الحافظ (ثم
انصرف) من الصلاة (و) الحال أنه (قد انجلت الشمس) قبل انصرافه، وذلك بين جلوسه في
التشهد والسلام كما في حديث ابن عمر.
وفي الصحيح: ثم جلس ثم جلى عن الشمس (فقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات
اللَّه تعالى لا يخسفان) بفتح الياء وسكون الخاء وكسر السين، ويجوز ضم أوله وفتح السين.
وحكى ابن الصلاح منعه (لموت أحد ولا لحياته) بل هما مخلوقان لا تأثير لهما في
أَنفسهما فضلاً عن غيرهما (فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله، فقالوا: يا رسول اللَّه رأيناك تناولت)
كذا للأكثر بصيغة الماضي، وللكشميهني تناول بضم اللام بحدف إحدى التاءين وأصله: تتناول
(شيئًا في مقامك هذا) ولأحمد بإسناد حسن عن جابر: فلما قضى الصلاة قال له أبي بن كعب
شيئًا صنعته في الصلاة لم تكن تصنعه، فذكر نحو حديث ابن عباس إِلاَّ أن في حديث جابر أنه
كان في الظهر أو العصر، فإِن كان محفوظًا فهي قصِةٍ أُخِرى كمَا في الفتح: (ثم رأيناك
تكعكعت) بكافين مفتوحتين بعد كل عين مهملة ساكنة، أَي تأخرت، يقال: كع الرجل إِذا نكص
على عقبيه.
قال الخطابي: أَصله تكععت، فاستثقلوا اجتماع ثلاث عينات، فأَبدلوا من إِحداها حرفًا
مكررًا، وهذه رواية الموطأ ومسلمٍ من طريقه وله من طريق غيره: كففت بفاءين خفيفتين،
ولبعض رواة البخاري: كعكعت كالأول لكن بلا تاء أَوله.
(قال: ((إني رأيت الجنة) رؤية عين أَو علم، كما يأتي للمصنف (فتناولت منها عنقودًا)
أَي: وضعت يدي عليه بحيث كنت قادرًا على تحويله، لكن لم يقدر لي قطعه (ولو أَصبته)
وفي رواية: ولو أَخذته (لأكلتم منه) أَي: من العنقود (ما بقيت الدنيا) لأَن ثمار الجنة لا

٩٤
الفصل الأول في صلاته معَِّ الكسوف
أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء))، قالوا: بم يا رسول الله قال: بكفرهن، قيل: أيكفرن
بالله؟ قال: ((يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله
مقطوعة ولا ممنوعة، وإذا قطعت خلفت في الحال، فلا مانع أن يخلق اللَّه مثل ذلك في الدنيا
إِذا شاء، والفرق بين الدارين في وجوب الدوام وجوازه وبين سعيد بن منصور في روايته؛ أن
التناول المذكور كان حال قيامه الثاني من الركعة الثانية (ورأيت النار) قبل رؤية الجنة،
فلعبد الرزاق: عرضت على النبي عَّه النار فتأخر عن مصلاه حتى أَن الناس ليركب بعضهم
بعضًا، وإِذا رجع عرضت عليه الجنة، فذهب يمشي حتى وقف في مصلاه.
ولمسلم من حديث جابر: «لقد جيء بالنار حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من
لفحها، وفيه: ثم جيء بالجنة، وذلك حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي هذا، وزاد
فيه: ما من شيء توعدونه إِلاَّ قد رأيته في صلاتيِ هذه).
وفي حديث سمرة عند ابن خزيمة: لقد رأيت منذ قمت أُصلي ما أَنتم لاقون في دنياكم
وآخرتكم (فلم أَر منظرًا) بفتح الظاء (كاليوم) أَي: الوقت الذي هو فيه (قط أَفظع) أَقْبح وأشنع
وأسوأ صفة للمنصوب، أي: لم أر منظرًا مثل منظر رأيته اليوم، فحذف المرئي وأدخل كاف
التشبيه على اليوم لبشاعة ما رأَى فيه، وبعده عن المنظر المألوف.
وقيل: الكاف اسم، والتقدير: ما رأيت مثل منظر هذا اليوم منظرًا (ورأَيت أَكثر أَهلها
النساء) هذا يفسر وقت الرؤية في قوله لهن في خطبة العيد: ((تصدقن فإني رأَيتكن أكثر أهل
النار))، واستشكل مع حديث أبي هريرة: ((إِن أدنى أهل الجنة منزلة من له زوجتان من الدنيا))،
فمقتضاه أَن النساء ثلثا أهل الجنة، وأجيب بحمله على ما بعد خروجهن من النار، أَو أَنه خرج
مخرج التغليظ والتخويف، وعورض بأخباره علِّ بالرؤية الحاصلة.
وفي حديث جابر: وأكثر من رأيت فيها النساء اللاتي إِن ائتمن أفشين، وإِن سئلن بخلن،
وإِن سأَلْن أَلحفن، وإِن أَعطينِ لم يشكرن، فدل على أن المرئي في النار منهن من اتصف
بصفات ذميمة (قالوا: بم) كن أَكثر أَهل النار (يا رسول اللَّه؟، قال: بكفرهن) بموحدة، فيه وفي
بم للسببية رواية البخاري من طريق لملك ومسلم من طريقه وطريق غيره، ولأكثر رواة الموطأ: لم
قال: لكفرهن، باللام فيهما، والمعنى واحد (قيل: أَيكفرن بالله) بهمزة الاستفهام (قال: يكفرن
العشير) أي: الزوج، أي: إِحسانه هذا هو المحفوظ عن الملك بلا واو عند جميع الرواة، عنه: إِلاّ
١
يحيى بنٍ يحيى الأندلسي، فقال: ويكفرن بالواو لم يزدها غيره، قاله ابن عبد البر، فأَشار إِلى أَنَها
شاذة، لأن المحفوظ يقابله الشاذ، وهو ما خالف الراوي فيه الملأ.
وقال الحافظ: اتفقوا على أن الواو غلط منه، فإِن كان المراد من تغليطه كونه خالف غيره
من الرواة فهو كذلك، وأُطلق على الشذوذ غلطًا، وإِن كان المراد فساد المعنى فليس كذلك،

٩٥
الفصل الأول في صلاته عَّه الكسوف
ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط)). رواه البخاري ومسلم.
وقوله: ((ورأيت الجنة والنار)) قال القاضي عياض: يحتمل أنه رآهما رؤية
عين، بأن كشف الله له عنهما، وأزال الحجب بينه وبينهما، كما فرج له عن المسجد
الأقصى حين وصفه، ويكون قوله عليه الصلاة والسلام: ((في عرض هذا الحائط))
- كما في رواية : في جهته وناحيته، ويحتمل أن تكون رؤية علم وعرض وحي
لأَن الجواب طابق السؤال، وزاد: وذلك أنه أَطلق لفظ النساء، فعم المؤمنة والكافرة، فلما قيلٍ:
يكفرن بالله أجاب بقوله: ويكفرن العشير .. الخ، كأنه قال: نعم يقع منهن الكفر باللَّه وغيره، لأن
منهن من يكفرن باللَّه ومنهن من يكفرن الإِحسان.
قال: وقال ابن عبد البر: وجه رواية يحيى أَن يكون الجواب لم يقع على وفق سؤال
السائل لإِحاطة العلم بأن من النساء من يكفرن باللَّه، فلم يحتج إِلى جوابه، لأن المقصود في
الحديث خلافه.
قال الكرماني: لم يعد كفر العشير - بالياء - كما عدى الكفر باللَّه، لأَن كفر العشير لا
يتضمن معنى الاعتراف.
(ويكفرن الإِحسان) كأَنه بيان لقوله: ((يكفرن العشير)، لأَن المراد كفر إِحسانه لا كفر
ذاته، فالجملة مع الواو مبنية للأولى، نحو: أَعجبني زيد وكرمه، والمراد بكفر الإحسان تغطيته أو
جحده، ويدل عليه قوله: (لو أحسنت إِلى إِحداهن الدهر) نصب على الظرفية (كله) أَي: مدة
عمر الرجل أَو الزمان مبالغة (ثم رأت منك شيئاً) قليلاً لا يوافق غرضها من أي نوع كان، فالتنوين
للتقليل (قالت: ما رأيت منك خيرًا قط) بيان للتغطية المذكورة ولو شرطية لا امتناعه.
قال الكرماني: ويحتمل أَنها المتناهية بأن يكون الحكم ثابتًا على التعيين والمظروف
المسكوت عنه أولى من المذكور، وليس المراد خطاب رجل بعينه، بل كل من يتأتى أَن
يخاطب فهو خاص لفظًا عام معنى (رواه البخاري) عن القعنبي (ومسلم) عن إسحق بن عيسى،
كلاهما عن لملك، ومسلم أيضًا من طريق حفص بن ميسرة، كلاهما عن زيد بن أسلم، عن
عطاء بن يسار، عن ابن عباس (وقوله: ورأيت الجنة والنار).
(قال القاضي عياض: يحتمل أنه رآهما رؤية عين) بصرية حقيقية (بأَن كشف اللَّه له
عنهما وأزال الحجب بينه وبينهما) فرآهما على حقيقتهما، وطويت المسافة بينهما (كما فرج
له عن المسجد الأقصى حين وصفه) لقريش (ويكون قوله عليه السلام في عرض) بضم العين
(هذا الحائط كما في رواية في جهته وناحيته) أَي أَنه انكشف له عنهما من هذه الجهة
(ويحتمل أن تكون رؤية علم وعرض وحي بإطلاعة وتعريفه من أمورهما) أمرًا (مفصلاً ما لم

٩٦
الفصل الأول في صلاته عَّةِ الكسوف
بإطلاعه وتعريفه من أمورهما مفصلاً ما لم يعرفه قبل ذلك اليوم. قال القاضي:
والأول أولى وأشبه بألفاظ الحديث، لما فيه من الأمور الدالة على رؤية العين،
كتناوله العنقود، وتأخره مخافة أن يصيبه لفح النار. انتهى.
واستشكل قوله: ((ولو أصبته)) مع قوله: ((تناولت)).
وأجيب: بحمل ((التناول)) على تكلف الأخذ، لا حقيقة الأخذ، وقيل:
المراد تناولته لنفسي ولو أخذته لكم، حكاه الكرماني، قال الحافظ ابن حجر:
وليس بجيد، وقيل: المراد بقوله تناولت: وضعت يدي عليه، بحيث كنت قادرًا
على تحويله، لكن لم يقدر لي قطفه، ولو أصبته، أي لو تمكنت من قطفه، ويدل
يعرفه قبل ذلك اليوم).
(قال القاضي) عياض: (والأول أولى وأَشبه بألفاظ الحديث لما فيه من الأُمور الدالة
على رؤية العين، كتناوله العنقود وتأخره مخافة أن يصيبه لفح النار) بفتح اللام وسكون الفاء
وحاء مهملة، لهبها وتأثيرها. (انتهى).
قال الحافظ: ويؤيد الحقيقة حديث أَسماء عند البخاري، بلفظ: دنت مني الجنة حتى لو
اجترأت عليها لجئتكم بقطاف من قطافها، ومنهم من حمله على أنها مثلت له في الحائط كما
تنطبع الصورة في المرآة، فرأَى جميع ما فيها، ويؤيده حديث أَنس عند البخاري في التوحيد: لقد
عرضت عليَّ الجنة آنفًا في عرض هذا الحائط وأَنا أَصِلي. وفي رواية: لقد مثلت، ولمسلم: لقِد
صورت، ولا يرد على هذا أن الانطباع إنما هو في الأجسام الصقيلة لأنه شرط عادي، فيجوز أن
تنخرق العادة خصوصًا للنبي عَ له، لكن هذه قصة أخرى وقعت في صلاة الظهر ولا مانع أَن يرى
الجنّة والنار مرتين، بل مرارًا على صور مختلفة، وأبعد من قال المراد بالرؤية رؤية العلم.
قال القرطبي: لا إِحالة في إبقاء هذه الأمور على ظواهرها، لا سيما على مذهب أهل السنة
فِي أَن الجنة والنار قد خلقتا ووجدتا، فيرجع إِلى أَن اللَّه تعالى خلق لنبيه عَّهِ إِدراكًا خاصًا
أدرك به الجنة والنار على حقيقتهما. انتهى.
(واستشكل قولهِ: ولو أَصبته مع قوله تناولت) إِذ التناول إصابة وأَخذ (وأَجيب بحمل
التناول على تكلف الأخذ لا حقيقة الأخذ، وقيل: المراد تناولته لنفسي ولو أَخذته لكم،
حكاه الكرماني).
(قال الحافظ ابن حجر: وليس بجيد) إِذ لا دليل عليه (وقيل: المراد بقوله: تناولت
وضعت يدي عليه بحيث كنت قادرًا على تحويله، لكن لم يقدر لي قطفه) أي: قطعه
مصدر قطف كضرب ونصر (ولو أَصبته أي: لو تمكنت من قطفه) بالفاء (ويدل عليه قوله في

٩٧
الفصل الأول في صلاته معَِّ الكسوف
عليه قوله في حديث عقبة بن عامر عند ابن خزيمة: أهوى بيده ليتناول شيئًا،
وفي حديث أسماء عند البخاري ((حتى لو اجترأت عليه) وكأنه لم يؤذن له في
ذلك فلم يجترىء عليه. قال ابن بطال: لم يأخذ العنقود لأنه من طعام الجنة، وهو
لا يفنى والدنيا فانية لا يجوز أن يؤكل فيها ما لا يفنى. انتهى.
وفي حديث أسماء بنت أبي بكر، عند البخاري ومسلم ومالك والنسائي
قال: ((ما من شيء كنت لم أره إلا قد رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار، ولقد
حديث عقبة بن عامر عند ابن خزيمة: أَهوى بيده ليتناول شيئًا).
(وفي حديث أَسماء) بنت أبي بكر (عند البخاري) في أوائل صفة الصلاة (حتى لو
اجترأْت عليه، وكأنه لم يؤذن له في ذلك فلم يجتريء عليه) بالهمز، وقيل: الإرادة مقدرة،
أَي: أَردت أَن أَتناول ثم لم أفعل، ويؤيده حديث جابر عند مسلم: ((ولقد مددت يدي وأَنَا أُريد
أَن أَتناول من ثمرها لتنظروا إليه، ثم بدا لي أَن لا أفعل)، وللبخاري من حديث عائشة: ((حتى لقد
رأَيتني أُرِيد آخذًا قطفًا من الجنة حين رأيتموني جعلت أَتقدم))، ولعبد الرزاق من طريق مرسلة:
(أَردت أَن آخذ منها قطفًا أَريكموه) فلم يقدر، ولأحمد من حديث جابر: ((فحيل بيني وبينه)).
(قال ابن بطال: لم يأخذ العنقود لأَنه من طعام) أَهل (الجنة، وهو لا يفنى والدنيا
فانية، لا يجوز أن يؤكل فيها ما لا يفنى. انتهى).
وقيل: لأنه لو رآه الناس لكان إيمانهم بالشهادة لا بالغيب، فيخشى أن يقع رفع التوبة، فلا
ينفع نفسًا إِيمانها، وقيل: لأن الجنة جزاء الأعمال، والجزاء بها لا يقع إِلاَّ في الآخرة.
وحكى ابن العربي في قانون التأويل عن بعض شيوخه أَن معنى قوله: ((لأكلتم منه .. )) الخ،
أَن يخلق في نفس الآكل مثل الذي أَكل دائمًا، بحيثٍ لا يغير عن ذوقه، وتعقب بأنه رأي فلسفي
مبني على أن الدار الآخرة لا حقائق لها، وإنما هي أَمِثال، والحق أَن ثمار الجنة لا مقطوعة
ولا ممنوعة، وإذا قطعت خلفت في الحال، فلا مانع أَن يخلق اللَّه مثل ذلك في الدنيا إِذا شاء،
والفرق بين الدارين في وجوب الدوامٍ وجوازه. انتهى من الفتح.
(وفي حديث أسماء بنت أبي بكر) الصديق (عند البخاري) من طريق الملك وغيره
(ومسلم) من طرق (ولهلك) في الموطأ (والنسائي) أنها قالت: أتيت عائشة حين خسفت
الشمس، فإذا الناس قيام يصلون، وإذا هي قائمة تصلي، فقلت: ما للناس! فأَشارت بيدها نحو
السماء، فقلت: آية! فَأَشارت برأسها أن نعم، قالت: فقمت حتى تجلاني الغشي، وجعلت أَصب
فوق رأسي ماء، فلما انصرف عَّمِ حمد الله وأثنى عليه، ثم (قال: ما من شىء) من الأشياء
(كنت لم أره إلاّ قد رأيته) رؤية عين حقيقة (في مقامي) بفتح الميم (هذا) صفة مقامي،

٩٨
الفصل الأول في صلاته معَّةِ الكسوف
أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم، مثل أو قريبًا - لا أدري أي ذلك قالت أسماء -
من فتنة المسيح الدجال. يؤتى أحدكم في قبره يقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما
المؤمن أو الموقن - لا أدري أي ذلك قالت أسماء - فيقول: هو محمد رسول الله
جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا واتبعنا، هو محمد ثلاثًا، فيقال: نم صالحًا، قد
وتعسف من جعله خبر محذوف، أي: هو هذا المشار إليه (حتى الجنة والنار) ضبط بالحركات
الثلاث فيهما، كما قال الحافظ وغيره، فالرفع على أن حتى ابتدائية والجنة مبتدأ محذوف الخبر،
أي: مرئية والنار عطف عليه، والنصب على أنها عاطفة على الضمير المنصوب في رأيته، والجر
على أنها جارة أَو عاطفة على المجرور السابق، وهو شيء وإِن لزم عليه زيادة من مع المعرفة،
والصحيح منعه، لأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع، ولأن المقدر ليس كالملفوظ به،
ومفاد الأغنياء أَنه لم يرهما قبل، مع أنه رآهما ليلة المعراج وهو قبل الكسوفِ بزمان.
وأُجيب بأَن المراد هنا في الأرض بدليل قوله: في مقامي هذا، أَو باختلاف الرؤية (ولقد
أُوحى إليَّ أَنكم تفتنون:) تمتحنون وتختبرون (في قبوركم مثل) بلا تنوين (أَو قريبًا) بالتنوين،
وقوله: (لا أدري، أَي: ذلك) أَي: مثل أَو قريبًا (قالت أسماء) مقول فاطمة بنت المنذر بن الزبير
رواية الحديث عن جدتها أسماء (من فتنة المسيح الدجال) الكذاب.
قال الكرماني: وجه الشبه بين الفتنتين الشدة والهول والهموم.
وقال الباجي: شبهها بها لشدتها وعظم المحنة بها وعدم الثبات معها (يؤتى أَحدكم في
قبره) والآتي ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير، رواه الترمذي
وابن حبان، لكن قال منكر ونكير بدون أَل، وذكر بعض الفقهاء؛ أَن هذا اسم اللذين یسأَلان
المذنب، واسم اللذين يسألان المطيع بشر وبشير (يقال له: ما علمك) مبتدأ خبره (بهذا
الرجل؟) محمد عَّه، ولم يقل برسول اللَّه لئلا يكون تلقينا للحجة.
قال عياض: قيل: يحتمل أَنه مثلٍ للميت في قبره، والأَظهر أنه سمي له. انتهى، يعني: لأَنه
المتبادر من قوله في الصحيحين عن أنس، ((فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد))،
وكذا في رواية ابن المنكدر عن أسماء عند أحمد.
(فَأَما المؤمن أَو الموقن) أَي: المصدق بنبوته (لا أدري أَي ذلك، قالت أسماء:)
شكت فاطمة، قال الباجي: والأظهر أنه المؤمن، لقوله: فآمنا دون أيقنا، أو لقوله: لمؤمنا (فيقول:
هو محمد رسول اللَّه جاءنا بالبينات:) المعجزات الدالة على نبوّته (والهدى) الدلالة الموصلة
إِلى البغية (فأجبنا واتبعنا) بحذف ضمير المفعول فيهما للعلم به.
وفي رواية الموطأ والبخاري: فأَجبنا وآمنا واتبعنا (هو محمد ثلاثًا) هكذا في رواية مسلم،

٩٩
الفصل الأول في صلاته عَّةِ الكسوف
علمنا إن كنت لموقنا، وأما المنافق أو المرتاب - لا أدري أي ذلك قالت أسماء-
فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته.
وفي رواية: فرأى امرأة تخدشها هرة، ربطتها حتى ماتت جوعًا وعطشًا.
وفي رواية: فرأى عمرو بن مالك يجر قصبه في النار، وكان أول من غير
دين إبراهيم، ورأى فيها سارق الحاج يعذب.
ولفظه: فيقول: هو محمد رسول اللَّه جاءنا بالبينات والهدى، فأَجبنا واتبعنا ثلاث مرات (فيقال)
له: (نم) حال كونك (صالحًا) منتفعًا بأعمالك، إذ الصلاح كون الشيء في حد الانتفاع (قد
علمنا أن كنت لموقنًا) بالقاف، كذا رواه إِسمعيل بن أبي أويس في الموطأ، ولباقي رواته
لمؤمنا بالميم، وللترمذي من حديث أبي هريرة: ((فيقال له نم، فينام نومة العروس الذي لا يوقظه
إِلاَّ أَحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك ويفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين
ذراعًا، وينوَّر له كالقمر ليلة البدر)).
وفي حديث البراء: ((فينادي مناد من السماء: أَن صدق عبدي افرشوه من الجنة وافتحوا له
بابًا من الجنة وألبسوه من الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له مد بصره).
(وأَما المنافق) من لم يصدقٍ بقلبه بنبوَّته (أَو المرتاب) الشاك، قالت فاطمة: (لا أَدري
أَي ذلك قالت أسماء: فيقول: لا أَدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته) زاد الشيخان من
حديث أَنس: فيقولان: لا دريت ولا تليت، وفي حديث أبي هريرة: ويفتح له باب إلى النار
فيزداد حسرة وثبورًا، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه.
(وفي رواية) عن جابر: (فرأى امرأة) في النار (تخدشها هرة) بضم الدال جزاء لها على
فعلها، معها، ولا يكون ذلك تعذيبًا للهرة (ربطتها حتى ماتت جوعًا وعطشًا) ولمسلم من
حديث جابر: ((وعرضت عليَّ النار، فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذب في هرة لها ربطتها
فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض)).
وفي رواية له: ((ورأيت في النار امرأة حميرية سوداء طويلة ولم يقل من بني إسرائيل))، فإن
قيل: هذه الفعلة صغيرة فكيف عذبت عليها بالنار؟، أُجيب: بأنها أَصرت على فعلها، والإِصرار
على الصغيرة يصيرها كبيرة.
(وفي رواية) لمسلم عن جابر: (فرأَى) لفظه عقب قوله: خشاش الأرض، ورأيت أَبا ثمامة
(عمرو بن ملك يجر قصبه في النار).
قال الدارقطني: تقدم، أي: في مسلم في حديث يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة،
أن الذي رآه في النار عمرو بن لحي الذي سبب السوائب وهو الصواب (وكان أول من غير دين

١٠٠
الفصل الأول في صلاته عَّةِ الكسوف
قوله: ((قصبه)) بضم القاف وسكون الصاد، أي أمعاءه.
وفي رواية عائشة: ثم قال: ((يا أمة محمد، والله ما من أحد أغير من الله أن
إِبراهيم) فنصب الأوثان وبحر البحيرة وأَخواتها المذكورة في الآية (ورأَى فيها سارق) متاع
(الحاج يعذب) كما في حديث جابر عند مسلم: (ما من شيء توعدونه إِلاَّ قد رأيته في صلاتي
هذه، لقد جيء بالنار، وذلك حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها، وحتى رأيت
فيها صاحب المحجن يجر قصبه في النار، كان يسرق الحاج بمحجنه، فإِذا فطن له قال: إِنما
تعلق بمحجني، وإن غفل عنه ذهب به)).
(قوله: قصبه بضم القاف وسكون الصاد) المهملة (أَي: أمعاءه:) جمع معي، وهي
المصارين.
(وفي رواية عائشة) في الموطأ والصحيحين من طريقه: خسفت الشمس، فصلى
رسول اللَّه عَ لّه، فذكرت الحديث في صلاة الخسوف، وفيه: ثم انصرف وقد تجلت الشمس،
فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إِن الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه لا يخسفان
لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعو اللَّه وكبروا وتصدقوا (ثم قال: يا أمة محمد) فيه
معنى الإشفاق كما يخاطب الواحد ولده إِذا أَشفق عليه: يا بني، وكان قضية ذلك أَن يقول:
يا أُمتي، لكنه أظهر لحكمة لعلها أَن المقام مقام تحذير وتخويفٍ لما في الإِضافة إِلى المضمر
مِن الإِشعار بالتكريم، ومثله: يا فاطمة بنت محمد إِلى أَن قال: لا أُغني عنكّم من اللَّه شيئًا (واللّه)
أتى باليمين لإِرادة تأكيد الخبر وإِن كان لا ريب فيه (ما من أَحد أُغير) بالنصب خبر ومن زائدة،
ويجوز الرفع على لغة تميم، أَو هو بالخفض بالفتحة صفة لأَحد والخبر محذوف، أي: موجودًا
غير (من اللّه) أفعل تفضيل من الغيرة بفتح المعجمة، وهي لغة ما يحصل من الخمسة ما لا ثقة
وأَصله في الزوجين والأهلين، وذلك على اللَّه محال لأنه منزه عن كل تغير ونقص، فتعين حمله
على المجازِ، فقيل: لما كانت ثمرة الغيرة صون الحريم ومنعهم وزجر من يقصد إليهم، أُطلق
عليه ذلك لأنه منع من فعل ذلك وزجر فاعله وتوعد عليه، فهو من تسمية الشيء بما يترتب عليه.
وقال ابن فورك: المعنى ما أَحد أَكثر زجراً عن الفواحش من اللّه، وقال غيره: غيرة اللَّه
ما يغير حال العاصي بانتقامه منه في الدنيا والآخرة، أَو في إِحداهما.
وقال ابن دقيق العيد: أهل التنزيه في مثل هذا على قولين إِما ساكت وإما مؤوّل بأَن المراد
بالغيرة شدة المنع والحماية فهو من مجاز الملازمة.
وقال الطيبي وغيره: وجه اتصال هذه بقوله: فاذكروا اللَّه ... الخ، من جهة أَنِهم لما أَمروا
باستدفاع البلاء بالذكر والصلاة والصدقة ناسب ردعهم عن المعاصي التي هي من أسباب جلب
البلاء، وخص منه الزنا، لأنه أعظمها في ذلك، وقيل: لما كان من أقبح المعاصي وأَشدها تأثيرًا