النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
ذکر سياق صلاته مێ بالليل
وفي سنن ابن ماجه، إسناد ضعيف، عن علي مرفوعًا: ((إذا كان ليلة النصف
من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارًا، فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس
إلى سماء الدنيا، فيقول: ألا مستغفر فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلي
وابن أبي شيبة والترمذي وابن ماجه والبيهقي، كلهم من طريق الحجاج بن ارطاة عن يحيى بن
أبي كثير عن عروة عن عائشة.
(وقال الترمذي: إنَّ البخاري ضعفه) لفظ الترمذي غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من
حديث الحجاج، وسمعت محمدًا يضعف هذا الحديث، وقال: يحيى لم يسمع من عروة
والحجاج لم يسمع من يحيى. انتهى.
وهو مسلم في الثاني: وأما سماع يحيى من عروة، فنفاه أيضًا أبو زرعة وأبو حاتم فيما
ظنه، وأثبته ابن معين، والمثبت مقدم على النافي، وقول الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه
تقصير، فقد جاء من ثلاث أوجه غيره، كما بينه الحافظ الزين العراقي، وبالجملة فبعضها يعضد
بعضًا، فيرتقي إلى الحسن لغيره، ولذا قال ابن رجب؛ أنه من أمثلها، قال: ومن أمثلها أيضًا
حديث معاذ، رفعه: يطلع اللَّه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن،
فإن ابن حبان قد صححه و کفی به عمادًا. انتهى.
وفيه رد على قول ابن دحية لم يصح في ليلة نصف شعبان شىء إلا أن يريد نفي الصحة
الاصطلاحية، فإن حديث معاذ هذا حسن لا صحيحٍ، وقد رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي،
ورواه ابن ماجه من حديث أبي موسى بلفظ: إن الله ليطلع ... الخ، ورواه البزار والبيهقي من
حديث أبي بكر، قال الحافظ، المنذر وإسناده لا بأس به، (وفي سنن ابن ماجه بإسناد ضعيف،)
كما جزم به المنذري والعراقي مبينا وجه ضعفه، لكن ليس فيه كذاب ولا وضاع وله شواهد
تدل على ثبوت أصله، (عن علي) أمير المؤمنين (مرفوعًا) عن النبي ◌َّةِ: ((إذا كان) كذا في
النسخ، ووجد بخط الحافظين الزين العراقي والسيوطي: كانت (ليلة النصف من شعبان، فقوموا
ليلها،) أي: أحيوه بالعبادة وانصبوا أقدامكم لله قانتين، (وصوموا نهارًا) استحبابًا فيهما، (فإن اللَّه
تعالى ينزل) بفتح التحتية (فيها لغروب الشمس،) أي: عند غروب شمس رابع عشر شعبان،
أي: تواريها في مغيبها، واللام للتوقيت نحو كتبته لخمس خلون، والمعنى؛ أن وقت نزوله مقارن
غروب الشمس (إلى سماء الدنيا) من قبيل مسجد الجامع والقياس السماء الدنيا كما في عدة
أحاديث أخر نزول رحمة ومزيد لطف وإجابة دعوة وقبول معذرة لا نزول حركة وانتقال تعالى اللَّه
عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، وبقوله: لغروب الشمس علم مزيتها على غيرها من الليالي، فإن
النزول الإلهي من الثلث الأخير أو من نصف الليل، (فيقول: ألا) بفتح الهمزة وخفة اللام حرف

٥٦٢
ذكر سياق صلاته منێێ بالليل
فأعافيه، ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر)) انتهى.
تنبيه يدل على تحقق ما بعده، وتوكيده (مستغفر فأغفر له) ذنوبه فلا أعاقبه عليها، والظاهر أن
المراد بالاستغفار الاستغفار المقرون بالتوبة المتوفرة الشروط، ولذا قيل: الاستغفار من غير اقلاع
توبة الكذابين، وروى البيهقي مرفوعًا: ((المستغفر من الذنب وهو مقیم علیه کالمستهزیء بربه»،
فإن لم يكن توبة فالمرجو من اللَّه المغفرة إذا سألها العبد بخلوص رغبة وكسر قلب، كما أشار
إلى ذلك الغزالي، بقوله: الاستغفار الذي هو توبة الكذابين هو الاستغفار بمجرد اللسان بدون
شركة القلب فيه، كما يقال بحكم العادة وعند الغفلة: أستغفر اللَّه من غير تأثر قلبه، فإنه يرجع
لمجرد حركة اللسان ولا جدوى له، فإن أضيف إليه تضرع القلب وابتهاله في طلب المغفرة
بإخلاص فهو حسنة في نفسها تصلح لدفع السيئة، وعليه يحمل حديث: ما أصر من استغفر ولو
عاد في اليوم سبعين مرة، ثم قال: بل الاستغفار باللسان فقط حسنة أيضًا، إذ حركة اللسان عن
غفلة خير من حركته في تلك الساعة بغيبة أو فضول، سيما في الليالي الفاضلة كليلة النصف،
وإنما هو نقص بالإضافة إلى عمل القلب؛ ولذا لما قال بعضهم لأبي عشمن المغربي: لساني
يجري بالذكر والقرآن وقلبي غافل، قال له: أحمد اللَّه الذي استعمل جارحة من جوارحك في
ذكره، (ألا مسترزق) طالب رزق (فأرزقه،) فإني أنا الكريم المتكفل بأرزاق العباد وفيه توبيخ
على غفلة عن السؤال، لا سيما في مواطن الإجابة.
وفي الترمذي وغيره، مرفوعًا: أنه منٍ لم يسأل الله يغضب عليه، ولأبي يعلى مرفوعًا:
((سلوا اللَّه في كل شىء حتى الشسع، فإن اللَّه إن لم ييسره لم يتيسر))، (ألا مبتلي فأعافيه) من
بلائه، خص هذه الثلاثة بالذكر، لأنها مدار كل مطلوب، أما على جلب الملائم وهو ديني
أو دنيوي، وأشار بالاستغفار إلى الأول، وبطلب الرزق إلى الثاني، وأما على دفع ما لا يلائم،
وإليه أشار بسؤال العافية وزاد قوله: (ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر))) قصدًا لمزيد التعمم،
وإشارة إلى كثرة الجود والعطاء والإفضال والإنعام في تلك الليلة والإذن فيها بالدعاء بكل نافع
في الدين أو الدنيا ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، كما في حديث: ومثلهما كل ما لا يجوز
الدعاء به.
قال الزين العراقي: مزية ليلة نصف شعبان مع أن اللَّه ينزل كل ليلة فيغفر لمن استغفر،
ويعتق من النار من شاء أنه ذكر مع النزول فيها وصفا آخر، وهو أن يعتق من النار بعدد شعر غنم
كلب، وليس ذلك فى نزول كل ليلة، ولأن النزول كل ليلة موقت بشطر الليل أو ثلثه وفيها من
الغروب، فحصلت المزية على تقدير صحة الحديث في باطن الأمر، وإلا فلا يصح شىء من
طرقه. (انتهى).

٥٦٣
ذکر سياق صلاته ێ بالليل
وقد كان التابعون من أهل الشام، كخالد بن معدان، ومكحول يجتهدون ليلة
النصف من شعبان في العبادة، وعنهم أخذ الناس تعظيمها، ويقال: إنهم بلغهم في
ذلك آثار إسرائيلية، فلما اشتهر ذلك عنهم اختلف الناس فيه فمنهم من قبله منهم،
وقد أنكر ذلك أكثر العلماء من أهل الحجاز، منهم عطاء، وابن أبي مليكة
عبد الله، ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول
أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا: إن ذلك كله بدعة.
واختلف علماء أهل الشام في صفة إحيائها على قولين:
أحدهما: إنه يستحب إحياؤها جماعة في المساجد، وكان خالد بن معدان،
ولقمان بن عامر يلبسون فيها أحسن ثيابهم ويتبخرون ويكتحلون ويقومون في
(وقد كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان) (بفتح فسكون) الكلاعي الحمصي،
سمع أبا أمامة وثوبان والمقدام وكثير بن مرة وخلقًا كثيرًا، يقال: لقي سبعين صحابيًا وهو ثقة
عابد يرسل كثيرًا، روى له الجماعة، مات سنة ثلاث ومائة، ويقال سنة أربع وثمان ومائة
(ومكحول) الدمشقي، ثقة، فقيه، كثير الإرسال، روي عن أنس وأبي أمامة وواثلة وغيرهم، خرج
له مسلم والأربعة مات سنة بضع عشرة ومائة، زاد غير المصنف ولقمان بن عامر، (يجتهدون
ليلة النصف من شعبان في العبادة، وعنهم أخذ الناس تعظيمها، ويقال: إنهم بلغهم في
ذلك آثار اسرائيلية، فلما اشتهر ذلك عنهم اختلف الناس فيه، فمنهم من قبله منهم) ومنهم
من أباه.
(وقد أنكر ذلك أكثر العلماء من أهل الحجاز، منهم عطاء) بن أبي رباح مفتي مكة
ومحدثها (وابن أبي مليكة عبد اللَّه))) بفتح العين ابن عبيد اللَّه، بضمها ابن عبد اللَّه، بفتحها ابن
أبي مليكة، يقال: اسمه زهير التيمي المدني، ثقة، فقيه، من رجال الجميع، أدرك ثلاثين من
الصحابة، (ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب
ملك وغيرهم) من الشافعية، والمراد بعضهم، وإلا فأكثرهم لم يتعرضوا لذلك أصلاً، (وقالوا: إن
ذلك كله بدعة) إذ لم يأت فعله عن النبي ◌َّه ولا عن أحد من أصحابه.
(واختلف علماء أهل الشام) القائلون بذلك (في صفة إحيائها على قولين: أحدهما أنه
يستحب إحياؤها جماعة في المساجد، وكان خالد بن معدان ولقمان بن عامر) الحمصي
التابعي، روى عن أبي أمامة وغيره (يلبسون) من إطلاق الجمع على الاثنين، وإلا فالقياس يلبسان
(فيها أحسن ثيابهم ويتبخرون) بالعود ونحوه، (ويكتحلون ويقومون في المسجد ليلتهم

٥٦٤
ذكر سياق صلاته معێ بالليل
المسجد ليلتهم تلك، ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك، وقال في قيامها في
المسجد جماعة: ليس ذلك ببدعة، نقله عنهم حرب الكرماني في مسائله.
والثاني: أنه يكره الاجتماع لها في المساجد للصلاة والقصص والدعاء، ولا
يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه، وهذا قول الأوزاعي إمام أهل الشام
وفقیھهم وعالمهم.
ولا يعرف للإمام أحمد كلام في ليلة النصف من شعبان، ويتخرج في
استحباب قيامها عنه روايتان من الروايتين عنه في قيام ليلتي العيد، فإنه في رواية
لم يستحب قيامها جماعة، لأنه لم ينقل عن النبي عَّه ولا عن أصحابه فعلها،
واستحبها في رواية لفعل عبد الرحمن بن زيد بن الأسود، وهو من التابعين. وكذلك
قيام ليلة النصف من شعبان لم يثبت فيها شيء عن النبي عَّةٍ ولا عن أصحابه،
إنما ثبت عن جماعة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام. انتهى ملخصًا من
اللطائف.
تلك، ووافقهم إسحق بن راهويه على ذلك، وقال في قيامها في المسجد جماعة ليس
ذلك ببدعة، نقله عنهم حرب الكرماني في مسائله، والثاني: أنه يكره الاجتماع لها في
المساجد للصلاة والقصص والدعاء، ولا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه)
للأحاديث المصرحة بطلب قيامها وإن كانت مفرداتها ضعيفة، لأنه لم يشتد ضعفها، واندرجت
تحت مطلق الأمر بقيام الليل.
قال ابن رجب: (وهذا) أقرب وهو (قول الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمر و (إمام أهل
الشام وفقيههم وعالمهم.)
قال الحاكم: كان إمام عصره عمومًا وأهل الشام خصوصًا، (ولا يعرف للإمام أحمد
كلام في ليلة النصف من شعبان، ويتخرج في استحباب قيامها عنه روايتان من الروايتين
عنه في قيام ليلتي العيد، فإنه في رواية لم يستحب قيامهما جماعة، لأنه لم ينقل عن
النبي عَّةٍ ولا عن أصحابه فعلها، واستحبها في رواية لفعل عبد الرحمن بن زيد بن الأسود
وهو من التابعين، وكذلك قيام ليلة النصف من شعبان لم يثبت فيها شىء عن النبي عَّه.
ولا عن) أحد من (أصحابه، إنما ثبت عن طائفة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام)
فيتخرج عن أحمد القولان على قياس قوليه في العيد. (انتهى ملخصًا من اللطائف) لابن
رجب.

٥٦٥
ذکر سیاق صلاته مێ بالليل
وأما قوله تعالى في سورة الدخان: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾،
[الدخان/٣] فالمراد بها إنزاله تعالى القرآن في ليلة القدر، كما قال تعالى: ﴿إِنا
أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١]، وكان ذلك في شهر رمضان، كما قال
تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾، [البقرة/١٨٥].
قال الحافظ ابن كثير: ومن قال إنها ليلة النصف من شعبان، كما روي عن
عكرمة، فقد أبعد النجعة، فإن نص القرآن أنها في رمضان. وأما الحديث الذي
(وأما قوله تعالى في سورة الدخان: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾، فالمراد بها إنزاله
تعالى القرآن في ليلة القدر، كما قال تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾،) الشرف والعظم،
(وكان ذلك في شهر رمضان كما قال تعالى: ﴿شهر رمضان، الذي أنزل فيه القرآن﴾،) من
اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا.
(قال الحافظ ابن كثير: ومن قال إنها) أي: الليلة المباركة (ليلة النصف من شعبان،
کما روي) عند ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم (عن عكرمة) في قوله تعالى: ﴿فيها يفرق
كل أمر حكيم﴾ [الدخان: ٤]، قال: في ليلة النصف من شعبان يبرم أمر السنة وينسخ الأحياء من
الأموات ويكتب الحجاج، فلا يزاد فيهم أحد ولا ينقض منهم أحد، (فقد أبعد النجعة) (بضم
فسكون)، أي: أغرب في القول حيث تكلم بكلام بعيد، وأصل الانتجاع الذهاب لطلب الكلام
في موضعه، (فإن نص القرآن أنها،) أي: الليلة المباركة (في رمضان،) لقوله: في ليلة القدر مع
قوله: الذي أنزل فيه القرآن؛ ولذا قال الجمهور: الفرق إنما يكون في ليلة القدر، وروى الحاكم
وصححه عن ابن عباس، قال: حتى إنك ترى الرجل يمشي في الأسواق، وقد وقع اسمه في
الموتى، ثم قرأ ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ إلى آخرها، قال: يعني ليلة القدر، ففي تلك الليلة
يفرق أمر السنة إلى مثلها من قابل موقوف حكمه الرفع، لأنه لا يقال رأيا، فلا معدل عنه وتبع
عكرمة شرذمة قليلة؛ وبالجملة فهو قول ضعيف جدًا؛ بل قال ابن العربي وغيره: إنه باطل، وفي
الكشاف قيل: أي جمعًا بين القولين يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة،
أي نصف شعبان، ويقع الفراغ في ليلة القدر، فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكئيل ونسخة الحروب
والزلازل والصواعق والخسف إلى جبريل، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا،
وهو ملك عظيم ونسخة المصائب إلى ملك الموت. انتهى.
وروى البغوي عن ابن عباس، أنه قال: إن اللَّه يقضي الأقضية ليلة النصف من شعبان، ثم
يسلمها إلى الملائكة في ليلة القدر، وهذا إن صح يؤيد الجمع المذكور ويعكر على جمع
بعضهم أن ابتداء ذلك يكون ليلة نصف شعبان وتمامه في ليلة القدر، ثم دفع ابن كثير عن نفسه

٥٦٦
ذکر سياق صلاته ێ بالليل
رواه عبد الله بن صالح عن الليث عن عقيل عن الزهري، أخبرني عثمان بن
محمد بن المغيرة بن الأخنس قال: قال رسول الله عَّله: ((تقطع الآجال من شعبان
إلى شعبان حتى إن الرجل لينكح ويولد له وقد أخرج اسمه في الموتى)). فهو
حديث مرسل، ومثله لا يعارض به النصوص. انتهى.
وأما قيامه عليه الصلاة والسلام في شهر رمضان، وهو الذي يسمى
بالتراويح: جمع ترويحة، وهي المرة الواحدة من الراحة، وسميت بذلك لأنهم أول
ما يرد على تصويب؛ أن الليلة المباركة ليلة القدر من حديث ((تقطع الآجال من شعبان)) بأنه
حديث ضعيف وإن رواه البيهقي وغيره، فقال: (وأما الحديث الذي رواه عبد اللَّه بن صالح)
المصري (عن الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بالتصغير ابن خالد (عن الزهري) بن شهاب،
قال: (أخبرني عثمن بن محمد بن المغيرة بن الأخنس) (بالفتح وإسكان المعجمة) الثقفي
الأخنسي الحجازي، صدوق، له أوهام، روى له الأربعة. (قال: قال رسول اللَّه مَّ تقطع
الآجال من شعبان إلى شعبان،) أي: تميز وتفرد أسماء من يموت تلك الليلة إلى مثلها من العام
القابل عن أسماء من لم يمت في تلك المدة، لكن يسلم ذلك إلى ملك الموت في ليلة القدر،
كما مر عن ابن عباس، ونقله القرطبي عنه بلفظ: ان ابن عباس قال: إن اللَّه تعالى يقضي الأقضية
في ليلة النصف من شعبان ويسلمها إلى مدبرات الأمور في ليلة القدر، وهم أربعة من الملائكة:
إسرافيل وميكئيل وجبرائيل وعزرائيل (حتى إن الرجل لينكح) المرأة (ويولد له) الولد، (وقد خرج
اسمه في) ديوان (الموتى) وحتى إن المرأة لتنكح وتحمل وتلد، وقد خرج اسمها في ديوان
الموتى، فاكتفى بأحد النظيرين عن الآخر للقطع بعدم الفارق. وظاهر قوله: ((تقطع الآجال))، أن
ذلك لا يختص بالآدميين، ولا يضر قوله: ((حتى إن الرجل)) ... الخ، لأنه خص النوع الإنساني
لشرفه بالقوة الفاهمة المدركة للخطاب، (فهو حديث مرسل،) لأن عثمن بن محمد من صغار
التابعين، وقد وصله الديلمي من وجه آخر عن عثمن بن محمد المذكور، عن سعيد بن المسيب،
عن أبي هريرة قال ابن المديني: عثمن روى عن ابن المسيب مناكير، ولذا قال: (ومثله لا
يعارض به النصوص. انتهى). كلام ابن كثير، أي: لإرساله وللاختلاف في عثمن، فوثقة ابن معين
وضعفه غيره.
وقال بعض الحفاظ: إرساله أصح من وصله وله شاهد عن ابن مردويه بسند فيه مقال،
(وأما قيامه عليه الصلاة والسلام في شهر رمضان وهو الذي يسمى بالتراويح جمع ترويحة
وهي المرة الواحدة من الراحة،) كتسليمة من السلام، (وسميت) الصلاة جماعة في ليالي
رمضان (بذلك،) أي: تراويح، (لأنهم أول ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون بين كل
٠

٥٦٧
ذکر سیاق صلاته ێ بالليل
ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون بين كل تسليمتين.
فعن عائشة رضي الله عنها كان رسول الله عَّ إذا دخل العشر الأواخر من
رمضان أحيا الليل وأيقظ أهله، وجد وشد المثزر. رواه البخاري ومسلم وأبو داود
والنسائي.
ولمسلم: قالت: كان عَّهِ يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، وفي
تسليمتين) من صلاتين وكل تسليمة من ركعتين.
قال الليث: قدر ما يصلي الرجل كذا كذا ركعة، (فعن عائشة رضي الله عنها: كان
رسول اللَّه عَّةٍ إذا دخل العشر الأواخر،) أي: عشر الليالي الأواخر، إما وحدها أو بأيامها،
فغلب المؤنث على المذكر، ولذا حذفت الهاء، لكن لفظ الأواخر ليس في حديث عائشة، بل
في حديث علي عند ابن أبي شيبة، كما صرح به المصنف كغيره بلفظ: العشر الأخير (من
رمضان أحيا الليل) استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها، أو أحيا معظمه لقولها في الصحيح: ما
علمته قام ليلة حتى الصباح، (وأيقظ أهله) للصلاة والعبادة، (وجد:) اجتهد في العبادة زيادة
على العادة، (وشد المئزر) (بكسر الميم وسكون الهمزة) أي: إزاره، قيل: هو كناية عن شدة
جده واجتهاد في العبادة، كما يقال: فلان يشد وسطه ويسعى في كذا، وفيه نظر، فإنها عطفت
شد المئزر على الجد، وهو يقتضي التغاير، والصحيح أن المراد به اعتزال النساء، وبهذا فسره
السلف والأئمة المتقدمون، وجزم به عبد الرزاق عن الثوري، واستشهد بقول الشاعر:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم عن النساء ولو باتت بأطهار
ويحتمل أن يراد الاعتزال والتشمير معًا، فلا ينافي في شد المئزر حقيقة، ولابن أبي عاصم
بإسناد مقارب عن عائشة: كان عَّةٍ إذا كان رمضان قام ونام، فإذا دخل العشر شد المئزر
واجتنب النساء، وللطبراني عن أنس: كان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان طوى فراشه واعتزل
النساء، (رواه البخاري) في الصوم، لكن بلفظ: كان إذا دخل العشر الأواخر شد مئزره وأحيا ليله
وأيقظ أهله، قال المصنف: من باب الاستعارة شبه القيام فيه بالحياة في حصول الانتفاع التام،
أي: أحيا ليله بالطاعة، أو أحيا نفسه بسهره فيه، لأن النوم أخو الموت وأضافه إلى الليل اتساعًا،
لأن النائم إذا حيى باليقظة حيى ليله بحياته، (ومسلم) في الصوم واللفظ له، (وأبو داود
والنسائي) في الصلاة وابن ماجه في الصوم، (ولمسلم) عن عائشة، (قالت: كان ◌َّ يجتهد
في رمضان) في أنواع العبادات، فللبيهقي، عنها: كان إذا دخل رمضان تغير لونه وكثرت صلاته
وابتهل في الدعاء وانتسف لونه، ولابن سعد عنها، والبيهقي عن ابن عباس: كان إذا دخل
رمضان أطلق كل أسير وأعطى كل سائل (ما لا يجتهد في غيره) من الشهور، (و) يجتهد (في

٥٦٨
ذکر سياق صلاته من بالليل
العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في غيره.
وفي رواية الترمذي: كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في
غيره.
وعنها: أن رسول الله عَّله صلى في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى
من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة فلم يخرج إليهم عليه الصلاة
والسلام فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا
أني خشيت أن تفرض عليكم، وذلك في رمضان. رواه البخاري ومسلم وأبو داود.
العشر الأواخر منه) زيادة على اجتهاده فيه من أوله (ما لا يجتهد في غيره) من العشرين قبله،
قيل: الأولى في غيرها، لأن العشر اسم لمجموع الليالي والأيام وهي مؤنثة تغليبًا للمؤنث هنا
على المذكر، لكثرة دوران العدد على ألسنة العرب، ومنه يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا
كما في المصباح، وهو مردود بصحة هذا عن عائشة في مسلم، وهي من الفصاحة بمكان،
واحتمال أنه من تغيير الرواة، وفيهم: من ليس بعربي يمنع الاحتجاج بالأحاديث الصحيحة فلا
يلتفت إليه، لا سيما وقد جاء على الأصل من تغليب المذكر.
(وفي رواية الترمذي) عنها: (كان يجتهد في العشر الأواخر:) جمع آخرة (ما لا يجتهد
في غيره،) أي: يجتهد في العبادة في رمضان ويزيد فيها في العشر الأخير، فهو بمعنى ما قبله إذ
المخرج متحد، (وعنها،) أي: عائشة: (أن رسول اللَّه عَّ- صلى) صلاة الليل (في المسجد)
ذات ليلة من ليالي رمضان.
وفي رواية للبخاري: صلى في حجرته وليس المراد بها بيته، بل الحصير التي كان
يحتجز بها بالليل في المسجد فيجعلها على باب بيت عائشة، فيصلي فيه ويجلس عليه كما
جاء صريحًا عند البخاري في اللباس: كان يحتجز حصيرًا بالليل فيصلي عليه، ويبسطه بالنهار
فيجلس عليه، ولأحمد عن عائشة: فأمرني أن أنصب له حصيرًا على باب حجرتي، ففعلت،
فخرج (فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من) الليلة (القابلة،) ولبعض الرواة من القابل بالتذكير،
أي: الوقت، ولأحمد من الليلة المقبلة، (فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة، فلم يخرج
إليهم عليه الصلاة والسلام) رفقاً بهم، (فلما أصبح،) أي: خرج لصلاة الصبح، (قال) بعدما
صلاها كما في الرواية التالية: (قد رأيت الذي صنعتم) من الاجتماع للصلاة (ولم يمنعني من
الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم) فتعجزوا عنها، (وذلك في رمضان) من
قول عائشة.
وفي رواية: خشيت أن يفرض عليكم قيام هذا الشهر، (رواه البخاري ومسلم وأبو داود).

٥٦٩
ذكر سياق صلاته منێ بالليل
وفي رواية للبخاري ومسلم، أنه عَِّ خرج من جوف الليل فصلى بصلاته
رجال، فأصبح الناس يتحدثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم فخرج عليه الصلاة
والسلام في الليلة الثانية فصلوا بصلاته، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل
المسجد الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته، فلما كان في الليلة الرابعة عجز
المسجد عن أهله، فلم يخرج إليهم عَّهِ، فطفق رجال منهم يقولون: أفلا يخرج
إليهم، حتى خرج لصلاة الفجر، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، ثم تشهد
(وفي رواية للبخاري ومسلم) عن عائشة (أنه عَّةُ خرج) من حجرته (من جوف الليل
فصلى بصلاته رجال) مقتدين بها، (فأصبح الناس يتحدثون بذلك، فاجتمع) في الليلة الثانية
(أكثر منهم،) برفع أكثر فاعل اجتمع، (فخرج عليه الصلاة والسلام في الليلة الثانية، فصلوا
بصلاته، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد في الليلة الثالثة، فخرج) عَـ
(فصلوا بصلاته،) وفي لفظ: فصُلي، فصلوا بصلاته، وفي آخر: فصلى بصلاته، بضم الصاد مبنى
للمفعول وإسقاط فصلوا أيضًا، (فلما كان في الليلة الرابعة عجز،) أي: ضاق (المسجد عن
أهله،) ولأحمد: امتلأ المسجد حتى اغتص بأهله، وله أيضًا: غص المسجد بأهله، (فلم يخرج
إليهم عَّة، فطفق رجال منهم يقولون: أفلا يخرج إليهم:) أي: إلى القوم الذين ينتظرونه،
وكأنهم أرادوا غير أنفسهم، فلم يقولوا إلينا، أو هو التفات، ولأحمد: حتى سمعت ناسًا منهم
يقولون: الصلاة، وله أيضًا فقالوا: ما شأنه، وفي حديث زيد بن ثابت: ففقدوا صوته وظنوا أنه قد
تأخر، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم، وفي لفظ عن زيد: فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب،
رواهما البخاري.
قال ابن عبد البر تفسر هذه الليالي المذكورات في حديث عائشة بما رواه النعمان ابن
بشير، فذكر حديثه الآتي قريبًا في المتن، ثم قال: وأما عدد ما صلى، ففي حديث ضعيف عن
ابن عباس أنه صلى عشرين ركعة والوتر، أخرجه ابن أبي شيبة، وروى جابر أنه عليه الصلاة
والسلام صلی بهم ثمان ركعات ثم أوتر، وهذا أصح.
وقال الحافظ: لم أر في شىء من طرق حديث عائشة بيان عدد صلاته في تلك الليالي،
٤ في رمضان ثم أوتر، فلما
لكن روى ابن خزيمة وابن حبان عن جابر: صلى بنا رسول اللَّه
كانت القابلة اجتمعنا في المسجد ورجونا أن يخرج إلينا حتى أصبحنا، ثم دخلنا فقلنا: يا
رسول اللَّه الحديث، فإن كانت القصة واحدة احتمل إن جابرًا ممن جاء في الليلة التالية، فلذا
اقتصر على وصف ليلتين (حتى خرج لصلاة الفجر،) أي: الصبح، (فلما قضى الفجر،) أي: أتم
صلاته (أقبل على الناس) بوجهه الوجيه (ثم تشهد) في صدر الخطبة، (فقال: ((أما بعد، فإنه

٥٧٠
ذكر سياق صلاته معَّه بالليل
فقال: ((أما بعد؛ فإنه لم يخف علي شأنكم الليلة، ولكني خشيت أن تفرض عليكم
صلاة الليل فتعجزوا عنها)).
وفي رواية بنحوه ومعناه مختصرًا. قال: وذلك في رمضان.
قال في فتح الباري: ظاهر هذا الحديث أنه عَِّ توقع ترتب افتراض الصلاة
بالليل جماعة على وجود المواظبة عليها، وفي ذلك إشكال وقد بناه بعض
المالكية على قاعدتهم في أن الشروع ملزم، وفيه نظر لأن وجوبه.
وأجاب المحب الطبري: بأنه يحتمل أن يكون الله عز وجل أوحى إليه:
إنك إن واظبت على هذه الصلاة معهم افترضتها عليهم، فأحب التخفيف عنهم.
لم يخف عليَّ شأنكم،) لفظ مسلم ولفظ البخاري: مكانكم (الليلة، ولكني خشيت أن
تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها) (بكسر الجيم مضارع عجز بفتحها) أي: تشق
: ليكم فتتركوها مع القدرة عليها، وليس المراد العجز الكلي، لأنه يسقط التكليف من أصله.
(وفي رواية) للبخاري في الصيام (بنحوه، ومعناه مختصرًا) بلفظ: أن رسول اللَّه عَّلّ.
صلى وذلك في رمضان، قال المصنف كغيره، ساقه هنا مختصرًا جدًا، فذكر كلمة من أوله
وشيئًا من آخره، وساقه تامًا في أبواب التهجد.
(قال: وذلك في رمضان) من قول عائشة رضي اللَّه عنها، (قال في فتح الباري: ظاهر
هذا الحديث؛ أنه عَّله توقع ترتب افتراض الصلاة بالليل جماعة على وجود المواظبة عليها
وفي ذلك إشكال،) لأن المواظبة على النوافل لا تقتضي ذلك، فقد واظب على رواتب الفرائض
وتابعه أصحابه ولم تفرض.
(وقد بناه بعض المالكية على قاعدتهم في أن الشروع ملزم) للاتمام (وفيه نظر، لأن
وجوبه) بالشروع لا يخرجه عن كونه نفلاً لا يلزمه أن يأتي به قبل أن يشرع فيه، والكلام هنا في
خوف وجوب الابتداء به إذا وجدت المواظبة عليه.
(وأجاب المحب الطبري) الحافظ أحمد المكي تبعًا للباجي؛ (بأنه يحتمل أن يكون اللّه
عز وجل أوحى إليه أنك إن واظبت على هذه الصلاة معهم افترضتها عليهم، فأحب
التخفيف عنهم) فترك ذلك.
زاد الباجي: ويحتمل انه عَّ ظن أن ذلك سيفرض عليهم لما جرت عادته أن ما داوم
عليه على وجه الاجتماع من القرب فرض على أمته. انتهى.
وتعقب بأنه واظب على رواتب الفرائض وتابعه أصحابه، ولم تفرض.

٠
ذكر سياق صلاته معٌَّ بالليل
٥٧١
وقيل: خشي أن يظن أحد من الأمة من مداومته عليها الوجوب، قال
القرطبي: أي يظنونه فرضًا، فيجب على من ظن ذلك، كما إذا ظن المجتهد حل
شيء أو تحريمه فإنه يجب عليه العمل به.
وقد استشكل الخطابي أصل هذه الخشية، مع ما ثبت في حديث الإسراء،
من أن الله تعالى قال: هن خمس وهم خمسون لا يبدل القول لدي، فإذا أمن
التبديل كيف يقع الخوف من الزيادة، وهذا يدفع في صدور الأجوبة المتقدمة.
وأجاب عنه الخطابي: بأن صلاة الليل كانت واجبة عليه عَّهِ، وأفعاله
الشرعية يجب على الأمة الاقتداء به فيها - يعني عند المواظبة - فترك الخروج إليهم
لئلا يدخل ذلك في الواجب من طريق الأمر بالاقتداء به، لا من طريق إنشاء فرض
جديد زائد على الخمس، وهذا كما يوجب المرء على نفسه صلاة نذر، فتجب
(وقيل:) وهو احتمال ثالث للباجي أيضًا، (خشى أن يظن أحد من الأمة) بعده (من
مداومته عليها الوجوب).
(قال القرطبي: أي يظنونه فرضًا، فيجب على من ظن ذلك كما إذا ظن المجتهد
حل شىء أو تحريمه، فإنه يجب عليه العمل به) وهذا أقرب من الاحتمالين قبله.
(وقد استشكل الخطابي أصل هذه الخشية مع ما ثبت في حديث الإسراء من
أن الله تعالى قال: هن خمس) في الفعل (وهن خمسون) في الثواب، (لا يبدل القول لدي،
فإذا أمن التبديل كيف يقع الخوف من الزيادة،) إذ لو وقعت كانت تبديلاً وهو محال، (وهذا
يدفع في صدور الأجوبة المتقدمة،) أي: يرد به عليها، فتسقط شبه الأجوبة بأناس لها صدور
إذا قوبلت بأقوى منها سقطت، لكن المذكور هنا جوابان فقط، والحافظ إنما ذكر هذا بعد
ذكرهما، وذكر الاحتمال الذي زدته عن الباجي، وبعد ذكر قول ابن بطال: يحتمل أن هذا القول
صدر منه عَّله لما كان قيام الليل فرضًا عليه دون أمته، فخشي إن خرج إليهم والتزموه معه أن
يسوي بينهم وبينه في حكمه، لأن أصل الشرع المساواة بين النبي وأمته في العبادة، ويحتمل أنه
خشي من مواظبتهم عليها أن يضعفوا عنها فيعصي تاركها بترك اتباعه عَ له، فهذه خمسة أجوبة،
قال الحافظ: بعد ذكرها وجوابي الخطابي الآتيين وذكر الحديث الإلهي وهذا يدفع في صدور
هذه الأجوبة كلها، (وأجاب عنه،) أي الاشكال (الخطابي بأن صلاة الليل كانت واجبة
عليه مَّة، وأفعاله الشرعية يجب على الأمة الاقتداء به فيها، يعني: عند المواظبة) لا
مطلقًا، (فترك الخروج إليهم لئلا يدخل ذلك في الواجب من طريق الأمر بالاقتداء به) في
القرآن (لا من طريق إنشاء فرض جديد زائد على الخمس، وهذا كما يوجب المرء على

٥٧٢
ذكر سياق صلاته مَّ﴾ بالليل
عليه ولا يلزم من ذلك زيادة فرض في أصل الشرع.
قال: وفيه احتمال آخر، وهو أن الله تعالى قد فرض الصلاة خمسين، ثم
حط معظمها بشفاعة نبيه معَّله، فإذا عادت الأمة فيما استوهب لها والتزمت ما
استعفى لهم نبيهم عليه الصلاة والسلام منه، لم يستنكر أن يثبت ذلك فرضًا
علیھم.
قال الحافظ ابن حجر: وقد تلقى هذين الجوابين عن الخطابي جماعة كابن
الجوزي، وهو مبني على أن قيام الليل كان واجبًا عليه عَّهِ، وعلى وجوب
الاقتداء بأفعاله، وفي كل من الأمرين نزاع.
ثم أجاب عنه بثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل بمعنى جعل التهجد
في المسجد جماعة شرطًا في صحة النفل بالليل، قال: ويومىء إليه قوله في
حديث زيد بن ثابت: ((حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم
نفسه صلاة نذر فتجب عليه، ولا يلزم من ذلك زيادة فرض في أصل الشرع،) لأنه وجوب
عرض بالنذر على الناذر لا مطلقًا.
(قال) الخطابي: (وفيه احتمال آخر، وهو: أن اللَّه تعالى قد فرض الصلاة خمسين، ثم
حط معظمهما بشفاعة نبيه معَّة، فإذا عادت الأمة فيما استوهب لها، والتزمت ما استعفى لهم
نبيهم عليه الصلاة والسلام منه لم يستنكر أن يثبت ذلك فرضًا عليهم،) كما التزم ناس الرهبانية
من قبل أنفسهم، ثم عاب اللَّه عليهم التقصير فيها بقوله: ﴿فما رعوها حق رعايتها﴾ [الحديد: ٢٧]،
فخشي ◌َّ أن يكون سبيلهم سبيل أولئك، فقطع العمل شفقة عليهم، هذا بقية كلام الخطابي.
(قال الحافظ ابن حجر: وقد تلقى هذين الجوابين عن الخطابي جماعة كابن
الجوزي، وهو مبني على أن قيام الليل كان واجبًا عليه عَّةُ، وعلى وجوب الاقتداء
بأفعاله، وفي كل من الأمرين نزاع،) أي: اختلاف بين العلماء، (ثم أجاب) الحافظ (عنه،) أي:
الإشكال، فقال بعد قوله: وحديث هو خمس يدفع في صدور هذه الأجوبة كلها، وقد فتح
الباري (بثلاثة أجوبة) سواها.
(أحدها: انه يحتمل أنه يكون المخوف) منه (افتراض قيام الليل، بمعنى: جعل التهجد
في المسجد جماعة شرطًا في صحة النفل بالليل، قال: ويومىء) (بالهمزة لا" بالياء)، أي:
یشیر (إليه قوله في حديث زيد بن ثابت: حتى خشيت أن يكتب) يفرض (عليكم) قيام

٥٧٣
ذکر سیاق صلاته ێ بالليل
به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم)) فمنعهم من التجمع في المسجد إشفاقاً عليهم
من اشتراطه، وأمن مع إذنه لهم في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم.
وثانيها: أن يكون المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية لا على الأعيان،
فلا يكون ذلك زائداً على الخمس، بل هو نظير ما ذهب إليه قوم في العيد
ونحوه.
وثالثها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام رمضان خاصة، فقد وقع
في حديث الباب أن ذلك كان في رمضان، وفي حديث سفيان بن حسين
((خشيت أن يفرض عليكم قيام هذا الشهر))، فعلى هذا يرتفع الإشكال لأن قيام
رمضان لا يتكرر كل يوم في السنة، فلا يكون ذلك قدرًا زائدًا على الخمس.
وأقوى هذه الأجوبة الثلاثة في نظري الأول.
وعن النعمان بن بشير قال: قمنا مع رسول الله عَّه في شهر ليلة ثلاث
الليل، (ولو كتب عليكم ما قمتم به) لغلبة النوم والكسل، (فصلوا أيها الناس في بيوتكم،
فمنعهم من التجميع في المسجد إشفاقًا) أي: خوفًا (عليهم من اشتراطه، وأمن مع إذنه لهم
في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم،) متعلق بقوله: أمن.
(وثانيها: أن يكون المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية لا على الأعيان،
فلا يكون زائدًا على الخمس) المفروضة على الأعيان، (بل هو نظير ما ذهب إليه قوم في
العيد ونحوه،) كصلاة الفرض جماعة أنه فرض كفاية وليس بزائد على الخمس.
(وثالثها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام رمضان خاصة) دون غيره، (فقد وقع
في حديث الباب) المذكور عن عائشة (أن ذلك كان في رمضان) بقولها: وذلك في رمضان.
(وفي حديث سفين بن حسين) أحد رواة هذا الحديث عن الزهري عن عروة، عن عائشة
عند أحمد: (خشيت أن يفرض عليكم قيام هذا الشهر،) أي: رمضان، (فعلى هذا يرتفع
الإشكال) من أصله، (لأن قيام رمضان لا يتكرر كل يوم في السنة، فلا يكون ذلك قدرًا زائدًا
على الخمس) الذي جاء منه الإشكال، (وأقوى هذه الأجوبة الثلاثة في نظري الأول)
لاعتضاده بحديث زيد بن ثابت، ويليه الثالث لاعتضاده بأن ذلك كان في رمضان، لا سيما
تصريح بعض طرقه بقوله: ((خشيت أن يفرض عليكم قيام هذا الشهر)).
(وعن النعمان بن بشير قال: قمنا مع رسول اللَّه عَّ في شهر رمضان ليلة ثلاث

٥٧٤
ذكر سياق صلاته معَّه بالليل
وعشرين إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل،
ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح، وكانوا يسمونه
السحور. رواه النسائي.
واختلف العلماء: هل الأفضل في صلاة التراويح أن تصلي جماعة في
المسجد، أو في البيوت فرادى؟
فقال الشافعي وجمهور أصحابه وأبو حنيفة وبعض المالكية وغيرهم: الأفضل
صلاتها جماعة، كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة، واستمر عمل المسلمين
عليه، لأنه من الشعائر الظاهرة، فأشبه صلاة العيد.
فإن قلت: قد ذكرت أن الحافظ ابن حجر حمل قوله عليه الصلاة والسلام: ((إني
خشيت أن تفرض عليكم)) على التجميع في المسجد، وقال: إنه أقوى الأجوبة.
فالجواب أنه معٍَّ لما مات حصل الأمن من ذلك، ورجح عمر التجميع لما في الاختلاف
من اختلاف من افتراق الكلمة، ولأن الاجتماع على واحد أنشط لكثير من المصلين.
وعشرين إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا
معه ليلة سبع وعشرين).
قال ابن عبد البر: وهذا الحديث يفسر به الليالي المذكورات في حديث عائشة، يعني:
لأن الأحاديث يفسر بعضها بعضًا، فليست غيرها (حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح وكانوا
يسمونه؛) أي: الفلاح (السحور) وكان فيه قلبًا، والأصل يسمون السحور الفلاح، (رواه النسائي)
في السنن.
(واختلف العلماء هل الأفضل في صلاة التراويح أن تصلى جماعة في المسجد، أو
في البيوت فرادى، فقال الشافعى وجمهور أصحابه وأبو حنيفة وبعض المالكية وغيرهم:
الأفضل صلاتها جماعة كما فعله عمر بن الخطاب) إذ جمعهم على أبي بن كعب (والصحابة
واستمر عمل المسلمين عليه، لأنه من الشعائر الظاهرة، فأشبه صلاة العيد) التي الأفضل
فعلها جماعة.
(فإن قلت: قد ذكرت أن الحافظ ابن حجر حمل قوله عليه الصلاة والسلام: أني
خشيت أن تفرض عليكم على التجميع في المسجد، وقال: إنه أقوى الأجوبة) وذلك
يصادم التعليل المذكور، (فالجواب أنه صلى الله عليه وسلم لما مات حصل الأمن ذلك،)
أي: خشية فرضها: (ورجح عمر التجميع لما في الاختلاف من اختلاف)، وفي نسخ (من افتراق الكلمة،

٥٧٥
ذكر سياق صلاته معَّ بالليل
وقال مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية وغيرهم: الأفضل صلاتها فرادى في
البيوت، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة))،
قالوا: وإنما فعلها عَّه في المسجد لبيان الجواز، أو لأنه كان معتكفًا.
وأما عدد الركعات التي كان عَِّ يصليها في رمضان، فعن أبي سلمة أنه
سأل عائشة: كيف كانت صلاة رسول الله عَّ في رمضان؟ قالت: ما كان يزيد
في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا فلا تسأل عن
حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا،
قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر؟ قالت: ((يا عائشة، إن عيني
ولأن الاجتماع على واحد أنشط لكثير من المصلين، وقال لملك
وأبو يوسف) يعقوب، (وبعض الشافعية وغيرهم: الأفضل صلاتها فرادى في البيوت، لقوله
عليه الصلاة والسلام: ((أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)،) ففي المسجد أفضل،
(قالوا: وإنما فعلها عٍَّ في المسجد) في الليالي الثلاث (لبيان الجواز، أو لأنه كان معتكفًا،)
ومحل فضلها فرادى في البيوت عند لملك ما لم تعطل المساجد وأن ينشط إلى فعلها وحده؛
(وأما عدد الركعات التي كان عَّةٍ يصليها في رمضان،) فهي إحدى عشر بالوتر، (فعن
أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (أنه سأل عائشة كيف كانت صلاة رسول اللَّه عَّ في)
ليالي (رمضان، قالت: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة،) أي:
غير ركعتي الفجر كما رواه القسم عنها، وفيه؛ أن صلاته كانت متساوية في جميع السنة،
ولا ينافيه حديثها: كان إذا دخل العشر يتهجد فيه ما لا يتهجد في غيره لحمله على تطويل
الركعات دون زيادة العدد، (يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن) أي: أنهن في نهاية من
كمال الحسن والطول مستغنيان بظهور ذلك عن السؤال عنه، (ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن
حسنهن وطولهن) يعني: أربعًا في الحسن والطول وترتيب القراءة ونحو ذلك، فلا ينافي أنه كان
يجلس في كل ركعتين ويسلم، لقوله عَّله: ((صلاة الليل مثنى مثنى))، ومحال أن يأمر بشىء
ويفعل خلافه، (ثم يصلي ثلاثًا) يوتر منها بواحدة والركعتان شفع؛ ففي مسلم عن عروة، عنها:
كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة.
وزاد في بعض طرق الحديث: يسلم من كل ركعتين، (قالت عائشة: فقلت) بقاء العطف
على السابق (يا رسول اللّه، أتنام قبل أن توتر) بهمزة الاستفهام الاستخباري، لأنها لم تعرف
النوم قبل الوتر، لأن أباها كان لا ينام حتى يوتر وكان يوتر أول الليل، فكان مقررًا عندها أن

٥٧٦
ذکر سیاق صلاته مێ بالليل
تنامان ولا ينام قلبي)). رواه البخاري ومسلم.
وأما ما رواه ابن أبي شيبة من حديث ابن عباس: كان عَُّ يصلي في
رمضان عشرين ركعة والوتر. فإسناده ضعيف. وقد عارضه حديث عائشة هذا، وهي
أعلم بحال النبي عٍَّ ليلاً من غيرها.
وقد كان الأمر من زمنه عليه السلام استمر على أن كل واحد يقوم
في رمضان في بيته منفردًا، حتى انقضى صدر من خلافة عمر.
وفي البخاري: أن عمر خرج ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس
أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال
لا نوم قبل الوتر، فأجابها عَل بأنه ليس كغيره، (فقال: ((يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام
قلبي)،) لأن القلب إذا قويت حياته لا ينام إذا نام البدن، وإنما يكون ذلك للأنبياء، كما قال تعـ
((إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا))، ولا يعارضه نومه بالوادي، لأن رؤية الفجر تتعلق
بالعين لا بالقلب كما سبق مبسوطًا، (رواه البخاري ومسلم) والسنن الثلاث، كلهم من طريق
ملك عن سعيد المقبري عن أبي سلمة به.
(وأما ما رواه ابن أبي شيبة) عبد اللَّه بن محمد بن إبراهيم وهو أبو شيبه (من حديث ابن
عباس: كان عَِّ يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر، فإسناده ضعيف،) وعبر عنه بعضهم
بمنكر والمنكر من أقسام الضعيف، فهما بمعنى فلا عليك من الخيالات العقلية، (وقد عارضه
حديث عائشة هذا) المتفق على صحته، (وهي أعلم بحال النبي عَّ ليلاً من غيرها،) فيقدم
حديثها لهذين الوجهين، (وقد كان الأمر من زمنه عليه السلام، استمر على أن كل واحد يقوم
في رمضان في بيته منفردًا حتى انقضى صدر،) أي: مدة نحو سنتين (من خلافة عمر) بن
الخطاب کما رواه ملك عن ابن شهاب.
(وفي البخاري) عن عبد اللَّه بن يوسف عن ملك عن ابن شهاب عن عروة عن
عبد الرحمن بن عبد (أن عمر خرج ليلة) لفظه، قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة (في
رمضان إلى المسجد) النبوي، (فإذا الناس أو زاع) (بفتح الهمزة وسكون الواو فزاي فألف فعين
مهملة) جماعات (متفرقون) نعت لفظي للتأكيد مثل نفخة واحدة، لأن الأوزاع الجماعات
المتفرقة لا واحد له من لفظه.
وقال ابن فارس والجوهري والمجد: الأوزاع الجماعات لم يقولوا متفرقون، فعليه يكون
النعت للتخصيص، أراد أنهم كانوا يتنقلون في المسجد بعد صلاته العشاء متفرقين، (يصلي

٥٧٧
ذکر سیاق صلاته ملے بالليل
عمر: إني لأرى لو جمعت هؤلاء على قارىء واحد لكان أجمع، ثم عزم فجمعهم
على أبي بن كعب، ثم خرج ليلة أخرى فإذا الناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال
عمر: نعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون، يريد آخر
الليل، وكان الناس يقومون أوله.
الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط) ما بين ثلاثة إلى عشرة، وهذا بيان
لما أجمله أولاً بقوله: أوزاع، (فقال عمر:) واللَّه (إني لأرى) من الرأي (لو جمعت هؤلاء على
قارىء واحد لكان أجمع،) لفظ الموطأ: لكان أمثل، أي: لأنه أنشط لكثير من المصلين ولما
في الاختلاف من افتراق الكلمة، (ثم عزم:) صمم على ما رآه، (فجمعهم على أبي بن كعب)
أي: جعله إمامًا لهم.
قال الباجي وابن التين وغيرهما: استنبط عمر ذلك من تقريره عَّله: من صلى معه تلك
الليالي وإنما كره لهم ذلك خشية أن تفرض عليهم، فلما مات عَّ أمن ذلك، وقال ابن عبد البر:
إنما سن عمر رضي الله عنه ما رضيه عَّه ولم يمنعه من المواظبة عليه إلا خشية أن يفرض على
أمته وكان بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا، فلما أمن ذلك عمر أقامها وأحياها في سنة أربع عشرة من
الهجرة، (ثم خرج) لفظ الرواية عن عبد الرحمن ثم خرجت معه (ليلة أخرى، فإذا الناس يصلون
بصلاة قارئهم،) أي: إمامهم، قال ابن عبد البر: فيه أن عمر كان لا يصلي معهم إما لشغله بأمر
النار وإما لانفراده بنفسه في الصلاة، (فقال: نعمت البدعة هذه،) قال الباجي: نعمت بالتاء على
مذهب البصرييين، لأن نعم فعل لا يتصل به إلا التاء، وفي نسخ: نعمة بالهاء وذلك على أصول
الكوفيين، وهذا تصريح منه بأنه أول من جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد، لأن البدعة
ما ابتدأ بفعلها المبتدع ولم يتقدمه غيره، فابتدعه عمر وتابعه الصحابة والناس إلى هلم جرا.
انتھی.
وقال ابن عبد البر: وصفها بنعمت، لأن أصل ما فعله سنة، وإنما البدعة الممنوعة خلاف
السنة انتهى. فسماها بدعة، لأنه عٍَّ لم يسن لها الاجتماع ولا كانت في زمن الصديق، وهي
لغة ما أحدث على غير مثال سبق وتطلق شرعًا على مقابل السنة، وهي ما لم يكن في العهد
النبوي، ثم تنقسم إلى الأحكام الخمسة، وحديث: ( کل بدعة ضلالة)) عام مخصوص، وقد رغب
فيها عمر بقوله: نعمت البدعة، وهي كلمة تجمع المحاسن كلها، كما أن بئس تجمع
المساوىء كلها وإذا أجمع الصحابة على ذلك مع عمر زال عنه اسم البدعة (والتي تنامون)
بفوقية، أي: الصلاة وتحتية، أي: الفرقة أو الجماعة التي ينامون (عنها أفضل من) الصلاة (التي
تقومون) بفوقية وتحتية كسابقه (يريد آخر الليل،) فهذا تصريح منه بأن الصلاة آخر الليل أفضل

٥٧٨
ذکر سياق صلاته منێ﴾ بالليل
وإنما اختار أبياً لأنه كان أقرأهم، كما قال عمر.
وروى سعيد بن منصور من طريق عروة: أن عمر جمع الناس على أُبي بن
كعب، فكان يصلي بالرجال، وكان تميم الداري يصلي بالنساء.
وفي الموطأ: أمر عمر أُبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس في
رمضان.
وروى البيهقي بإسناد صحيح أن الناس كانوا يقومون على عهد عمر بن
الخطاب في شهر رمضان بعشرين ركعة.
من أوله، وقد أثنى اللَّه على المستغفرين بالأسحار.
وقال المفسرون في قول يعقوب: سوف أستغفر لكم ربي أخرهم إلى السحر، لأنه أقرب
للإجابة، (وكان الناس يقومون أوله،) ثم جعله عمر آخر الليل كما قاله ابن عبد البر، (وإنما اختار
أبيا لأنه كان أقرأهم،) وقد قال عَّ لّه: يؤم القوم أقرؤهم (كما قال عمر:) علي أقضانا وأبي
أقرؤنا وإنا لنترك أشياء من قراءة أبي قاله عبد البر.
(وروى سعيد بن منصور من طريق عروة) بن الزبير (أن عمر جمع الناس على أبي بن
كعب، فكان يصلي بالرحال وكان تميم) بن أوس ابن خارجة (الداري) الصحابي الشهير، أسلم
سنة تسع وأقام بالمدينة إلى أن قتل عثمن، فسكن بيت المقدس حتى مات سنة أربعين (يصلي
بالنساء،) ورواه محمد بن نصر في كتاب قيام الليل من هذا الوجه، فقال سليلمن بن أبي حثمة
بدل تمیم.
قال الحافظ: ولعل ذلك كان في وقتين (وفي الموطأ) عن محمد بن يوسف عن
السائب بن يزيد أنه قال: (أمر عمر بن الخطاب (أبي بن كعب وتميمًا الداري،) بالألف عند
أكثر رواة الموطأ، ومنهم: ابن القسم والقعنبي، ورواه يحيى الأندلسي ويحيى بن بكير وغيرهما
الديري، بالياء، وكلاهما صواب لاجتماع الوصفين له، فبالألف نسبة إلى جده الأعلى الدار بن
هانىء، وبالياء نسبة إلى دير كان فيه تميم قبل إسلامه، (أن يقوما للناس في رمضان) بإحدى
عشرة ركعة، وقد كان القارىء يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي وما كنا ننصرف إلا في
فروغ الفجر، هذا بقيته في الموطأ إلا أنه ليس فيه لفظ في رمضان، فلعل أصل عبارة المصنف،
أي: في رمضان بأي التفسيرية.
(وروى البيهقي بإسناد صحيح) عن السائب بن يزيد، (أن الناس كانوا يقومون على
عهد عمر بن الخطاب في شهر رمضان بعشرين ركعة، قال الحليمي: والسره) أي: الحكمة

٥٧٩
ذکر سیاق صلاته ێ بالليل
قال الحليمي: والسر في كونها عشرين أن الرواتب في غير شهر رمضان
عشر ركعات، فضوعفت لأنه وقت جد أو تشمير.
وفي الموطأ: بثلاث وعشرين ركعة. وجمع البيهقي بينهما بأنهم كانوا
یوترون بثلاث.
وفي الموطأ: عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنها إحدى عشرة،
وقال عبد العزيز: إحدى وعشرون.
والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال، ويحتمل أن ذلك
الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها، فحيث يطيل القراءة تقل الركعات
وبالعكس.
(في كونها عشرين أن الرواتب في غير شهر رمضان عشر ركعات،) يعني: المؤكدة، لأن
الرواتب عند الشافعية اثنان وعشرون منها عشرة مؤكدة، (فضوعفت لأنه،) أي: رمضان (وقت
جد أو تشمير) اعتناء بالعبادة.
(وفي الموطأ) عن يزيد بن رومان أنه قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب
في رمضان (بثلاث وعشرين ركعة، وجمع البيهقي بينهما بأنهم كانوا يوترون بثلاث) بعد
العشرين فلا خلف، (وفي الموطأ عن محمد بن يوسف) الكندي المدني الثقة الثبت (عن
السائب بن يزيد) (بتحتية فزاي) الكندي آخر من مات بالمدينة من الصحابة سنة إحدى وتسعين
(أنها إحدى عشرة) أي: أمر عمر أبيا وتميمًا بإحدى عشرة ومر لفظه قريبًا.
قال الباجي: لعل عمر أخذ ذلك من قول عائشة: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره
على إحدى عشرة ركعة، (وقال عبد العزيز) بن محمد الدراوردي عن محمد بن يوسف عن
السائب (إحدى وعشرون) وصححه ابن عبد البر، وزعم أن مالكًا تفرد بقوله: إحدى عشرة، وأنه
وهم، وليس كما قال، فقد رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن محمد بن يوسف، فقال:
إحدى عشرة، كما قال لملك، مع أن شرط الشذوذ تعذر الجمع، وقد قال ابن عبد البر نفسه:
يحتمل أن يكون ذلك أولاً، ثم خفف عنهم طول القيام ونقلهم إلى إحدى وعشرين، ونحوه قول
البيهقي: قاموا بإحدى عشرة ثم بعشرين وأوتروا بثلاث، وكذا نحوه قول المصنف.
(والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال،) فأمرهم أولاً بإحدى عشرة ثم
يإحدى وعشرين، (ويحتمل أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها، فحيث يطيل
القراءة تقل الركعات،) لأن تطويل القراءة أفضل، فأمرهم به أولاً (وبالعكس،) حيث تكثر

٥٨٠
ذكر سياق صلاته معَّه بالليل
وقد روى محمد بن نصر من طريق داود بن قيس، قال: أدركت الناس في
إمارة إبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز - يعني بالمدينة - يقومون بست وثلاثين
ركعة ويوترون بثلاث. وقال مالك: هو الأمر القديم عندنا.
وعن الزعفراني، عن الشافعي: رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين
ومکة بثلاث وعشرين، وليس في شيء من ذلك ضيق.
وعنه قال: إن أطالوا القيام وأقلوا السجود فحسن، وإن أكثروا السجود
وأخفوا القراءة فحسن، والأول أحب إلي. انتهى.
وهل يجوز لغير أهل المدينة صلاتها ستًا وثلاثين، قال النووي قال الشافعي:
لا يجوز ذلك لغيرهم، لأن لأهلها شرفًا بهجرته عليه الصلاة والسلام ومدفنه،
ويخالفه قول الحليمي: من اقتدى بأهل المدينة فقام بست وثلاثين فحسن أيضًا.
الركعات تقل القراءة تخفيفًا عليهم، واستدرك بعض الفضيلة بزيادة الركعات قاله الباجي بمعناه.
(وقد روى محمد بن نصر) المروزي (من طريق داود بن قيس) المدني الثقة الفاضل،
(قال: أدركت الناس في إمارة أبان بن عثمن) بن عفان (وعمر بن عبد العزيز، يعني: بالمدينة
يقومون بست وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث، وقال لملك:) الإمام (هو الأمر القديم عندنا)
بالمدينة: (وعن الزعفراني عن الشافعي: رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين وبمكة
بثلاث وعشرين وليس في شىء من ذلك ضيق،) لأنه نافلة، (وعنه قال: إن أطالوا القيام
وأقلوا السجود فحسن، وإن أكثروا السجود وأخفوا القراءة فحسن، والأول أحب إلي)
لقوله مَ له: أفضل الصلاة طول القنوت. (انتهى).
(وهل يجوز لغير أهل المدينة صلاتها ستًا وثلاثين، قال النووي: قال الشافعي لا يجوز
ذلك لغيرهم لأن لأهلها شرفًا بهجرته عليه السلام) إليها (ومدفئه) بها (ويخالفه: قول) الشافعي
فوقه ليس في شىء من ذلك ضيق، لأنه نافلة وقد أسنده عنه البيهقي، وقول (الحليمي: من
اقتدى بأهل المدينة فقام بست وثلاثين فحسن أيضًا،) لأنهم إنما أرادوا بما صنعوا الاقتداء بأهل
مكة في الاستكثار من الفضل، لا المنافسة كما ظن بعضهم، هكذا علله الحليمي نفسه.
قال المصنف: وإنما فعل أهل المدينة هذا إرادة مساواة أهل مكة، فإنهم كانوا يطوفون
سبعًا بين كل ترويحتين، فجعل أهل المدينة مكان كل سبع أربع ركعات وقد حكى الولي
العراقي أن والده الحافظ لما ولي إمامة مسجد المدينة أحيا سنتهم القديمة في ذلك مع مراعاة
ما عليه الأكثر، فكان يصلي التراويح أول الليل بعشرين ركعة على المعتاد، ثم يقوم آخر الليل في
المسجد بست عشرة ركعة فيختم في الجماعة في شهر رمضان ختمتين، واستمر على ذلك