النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
الباب الثاني في ذكر صلاته عَّةِ الجمعة
خطب على عصا، وعند أبي داود بإسناد حسن: أنه عَّه قام متوكئًا على قوس أو
عصا.
قالوا: والحكمة في التوكؤ على نحو السيف، الإشارة إلى أن هذا الدين قام
بالسلاح، ولهذا قبضه باليسرى كعادة من یرید الجهاد به.
ونازع فيه العلامة ابن القيم في ((الهدي النبوي)) إذ قال: إن الدين لم يقم
إلا بالقرآن والوحي. كذا قال فالله أعلم.
وكان عَِّ إذا صعد المنبر سلم. رواه ابن ماجه.
وكان عَِّ يخطب قائمًا ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائمًا، رواه مسلم من
(وعند أبي داود بإسناد حسن أنه عَّةٍ قام متوكفًا على قوس أو عصا) في خطبة
الجمعة، (قالوا) تبرأ منه لرد ابن القيم له كما يأتي، (والحكمة في التوكؤ على نحو السيف،)
أي: السيف ونحوه من آلة الحرب، كالقوس، وتأويله بأن النحو هنا المماثل، أي: على ما يشبه
السيف وليس بسيف، لأن النحو لغة المثل حتى لا يخالف ابن القيم، إنما يتم مع بعده لو كان
قائل هذه الحكمة يقول بالنفي، وإنما قالوا بالأثبات بلا مستند، فأنكره ابن القيم عليهم (الإشارة
إلى أن هذا الدين قام بالسلاح) والسيف من أعظمه، (ولهذا قبضه باليسرى كعادة من يريد
الجهاد به، ونازع فيه العلامة ابن القيم في الهدى النبوي،) يعني: كتابه المسمى بزاد المعاد
في هدى خير العباد، (إذ قال) ما لفظه: لم يحفظ أنه عَِّ توكأ على سيف، وكثير من الجهلة
يظن أنه كان يمسك السيف على المنبر إشارة إلى قيام الدين به وهو جهل قبيح، لأن الوارد
العصا والقوس ول (أن الدين لم يقم إلا بالقرآن والوحي،) وأما السيف فلمحق المشركين
والمدينة التي كانت خطبته فيها إنما افتتحت بالقرآن، هذا كلامه برمته، وتبرأ منه المصنف بقوله:
(كذا قال فالله أعلم).
لكن قد أقره جماعة، فإنما يتم رده لو ثبت أنه توكأ على سيف، وتجويز أن ذلك هو
الظاهر لحرصه على بعث السرايا، والغزو لا يجدي نفعًا، إذ طلب النقل لا يدفعه تجويز العقل
(وكان عَّةٍ إذا صعد المنبر) للخطبة (سلم) على الناس، وبه تمسك الشافعية في سنية
ذلك، (رواه ابن ماجه) عن جابر وسنده ضعيف جدًا كما قاله الحافظ، وقال الزيلعي: حديث واه
وسأل عنه ابن أبي حاتم أباه فقال: هذا موضوع، ومن ثم لم يأخذ به لملك ولا أبو حنيفة.
(وكان عَّ يخطب) يوم الجمعة حال كونه (قائمًا، ثم يجلس) بعد فراغه من الأولى،

٥٠٢
الباب الثاني في ذكر صلاته عَّ الجمعة
رواية جابربن سمرة.
وفي رواية له: كانت له عَّ خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكر
الناس.
وفي حديث ابن عمر عند أبي داود: كان عليه الصلاة والسلام يخطب
خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب، ثم
يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب.
(ثم يقوم فيخطب) الخطبة الثانية حالة كونه (قائمًا، رواه مسلم من رواية جابر بن سمرة،)
وزاد: فمن نبأك أنه كان يخطب جالسًا فقد كذب، فقد واللَّه صليت معه أكثر من ألفي صلاة،
واستشكل صلاته معه ◌َّ ألفي جمعة تثنية ألف، إذ هو محال، لأن ذلك إنما يكون في نيف
وأربعين سنة والنبي ◌َّة لم يصل هذا المقدار من الجمع، وأجيب: بأنه لعله اعتبر أعداد
الركعات، وعد الخطبتين ركعتين، فإذا صلى معه عَّ له الجمعة عشر سنين وشيئًا، ولا بعد في
مداومته معه، ذلك القدر حصل له ألفا صلاة جمعة بعدد الركعات بعد كل ركعة، وجعل الخطبة
ركعتين، وأهل الحجاز يسمون الركعة صلاة، والصلاة ركعة، وقد أخرجه النسائي وابن ماجه
بدون قوله: والله ... الخ.
(وفي رواية له) لمسلم: قبل هذه عن جابر بن سمرة، قال: (كانت له) اختصار لقوله:
للنبي ( خطبتان) يوم الجمعة (يجلس بينهما يقرأ) فيهما (القرآن ويذكر الناس) بآلاء اللّه
تعالى والجنة والنار والمعاد، ويأمرهم بالتقوى ويبين مواقع رضا الله وموارد غضبه، فهو استئناف
لبيان ما كان يقوله في الخطبتين، كأنه قيل: ماذا كان يقوله فيهما، ويأتي أنه كان يقرأ ﴿ق
والقرآن المجيد﴾ [ق: ١] الآية، وأنه قرأ ﴿ونادوا يا لملك ليقض علينا ربك﴾ [الزخرف: ٧٧]
فليس متعلقًا بقوله: يجلس بينهما وإلا نافی قوله بعده ثم يجلس، فلا يتكلم.
(وفي حديث ابن عمر عند أبي داود: كان عليه الصلاة والسلام يخطب خطبتين)
وفصل ما أجمل، فقال: (كان يجلس إذا صعد المنبر) جلسة الاستراحة (حتى يفرغ المؤذن،
ثم يقوم فيخطب) الخطبة الأولى، (ثم يجلس) للفصل بين الخطبتين، (فلا يتكلم) جهرًا، فلا
ينافي رواية ابن حبان أنه كان يقرأ فيه، أي: الجلوس.
وقال الحافظ: مفاده أن الجلوس بينهما لا كلام فيه وليس فيه نفي أن يذكر الله أو يدعوه
سرًا.
وقال المصنف: يستحب أن يكون جلوسه بينهما قدر سورة الاخلاص تقريبًا لاتباع
السلف والخلف، وأن يقرأ فيه شيئًا من كتاب اللَّه للاتباع، رواه ابن حبان: (ثم يقوم فيخطب)

٥٠٣
الباب الثاني في ذكر صلاته عَّ الجمعة
قال ابن المنذر: الذي عليه أهل العلم من علماء الأمصار: الخطبة قائمًا.
ونقل غيره عن أبي حنيفة: أن القيام في الخطبة سنة وليس بواجب.
وعن مالك رواية أنه واجب فإن تركه أساء وصحت الخطبة.
وعند الباقين: أن القيام شرط، يشترط للقادر كالصلاة، واستدلوا بحديث
جابر بن سمرة، وبمواظبته عَ على القيام، وبمشروعية الجلوس بين الخطيتين، فلو
كان القعود مشروعًا في الخطبتين ما احتيج إلى الفصل بالجلوس. ولأن الذي نقل
عنه الجلوس، وهو معاوية، كان معذورًا، فعند ابن أبي شيبة من طريق الشعبي: أن
معاوية إنما خطب قاعدًا لما كثر شحم بطنه.
الخطبة الثانية.
(قال ابن المنذر: الذي عليه أهل العلم) سقط من قلمه ((جل) قبل (أهل)) وهو في
الفتح (من علماء الأمصار الخطبة قائمًا) وجوبًا، (ونقل غيره عن أبي حنيفة ان القيام في
الخطبة سنة وليس بواجب).
(وعن لملك رواية أنه واجب، فإن تركه أساء،) أي: عصي لترك الواجب (وصحت
الخطبة،) لأن وجوبه ليس شرطًا على هذه الرواية، (وعند الباقين) من الأئمة (أن القيام شرط)
للصحة (يشترط للقادر كالصلاة).
(واستدلوا بحديث جابر بن سمرة) المتقدم قريبًا (وبمواظبته عَ على القيام) كما قال
جابر بن سمرة: فمن نبأك أنه كان يخطب جالسًا فقد كذب، (وبمشروعية الجلوس بين
الخطبتين) اتفاقًا إنما الخلاف في سنيته ووجوبه، (فلو كان القعود مشروعًا) أي: جائزًا (في
الخطبتين ما احتيج إلى الفصل بالجلوس) لكن في جعل هذا دليلاً نظر، إذ القيام مشروع
باتفاق والقائلون بأنه سنة أجازوا الجلوس ولم يوجبوه، فلهم أن يقولوا إنما يشرع الجلوس بينهما
لمن خطب قائمًا، (ولأن الذي نقل عنه الجلوس وهو معوية كان معذورًا،) وهو أول من جلس
على المنبر، (فعند ابن أبي شيبة من طريق) عامر (الشعبي أن مطوية إنما خطب قاعدًا لما كثر
شحم بطنه) ولحمه، وحيث كان الجلوس للعذر صحت الخطبة وجاز الاقتداء به.
زاد الحافظ: وأما من احتج به بأنه لو كان شرطًا ما صلى من أنكر ذلك مع القاعد فجوابه
أنه محمول على أن من صنع ذلك خشي الفتنة، أو أن الذي قعد قعد باجتهاد كما قالوا في اتمام
عثمن الصلاة في السفر، وقد أنكره ابن مسعود ثم صلى خلفه فأتم معه واعتذر بأن الخلاف شر.
انتھی.

٥٠٤
الباب الثاني في ذكر صلاته عَِّ الجمعة
واستدل الشافعي لوجوب الجلوس بين الخطبتين بما تقدم، وبمواظبة
النبي عٍَّ على ذلك، مع قوله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
وكان عَّه يقول بعد الثناء: ((أما بعد» كما قاله البخاري.
وليس مراده أن أحدًا أنكر على معوية ثم صلى معه حتى يعترض بأنه لا حاجة لذلك بعد
حمله على أنه كان لعذر، إنما مراده ما قدمه قبل ذلك بقرب في جملة أدلة الجمهور على وجوب
القيام بقوله، وبحديث كعب بن عجرة أنه دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب
قاعدًا، فأنكر عليه وتلا وتركوك قائمًا.
وفي رواية ابن خزيمة: ما رأيت كاليوم قط إمام يؤم المسلمين، يخطب وهو جالس، يقول
ذلك مرتين. انتهى. فكان كعبا صلى معه بعد إنكاره عليه مع كونه لا عذر له لأحد الأمرين
المذكورين، ولا يشكل تنظيره بأن القيام هنا شرط عند المنكر بخلاف قصر السفر فرخصة يجوز
العدول عنها إلى الاتمام، كما اعترضه بعض بهذا، لأن مراده مطلق التنظير لخشية الفتنة أو
الاجتهاد وإن اختلف حكم المسألتين.
قال الحافظ: وروى ابن أبي شيبة عن طاووس قال: أول من خطب قاعدًا معوية حين كثر
شحم بطنه، وهذا معضل يعضده ما روى سعيد بن منصور عن الحسن، قال: أول من استراح في
الخطبة يوم الجمعة عثمن، وكان إذا أعيا جلس ولم يتكلم حتى يقوم، وأول من خطب جالسًا
معوية.
وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أن النبي عَّهِ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يخطبون
يوم الجمعة قيامًا حتى شق على عثمن القيام، فكان يخطب قائمًا ثم يجلس، فلما كان معوية
خطب الأولى جالسًا والأخرى قائمًا، ولا حجة في ذلك لمن أجاز الخطبة قاعدًا، لأنه تبين أن
ذلك لضرورة. انتهى.
(واستدل الشافعي لوجوب الجلوس بين الخطبتين) الذي قال الأكثر والأئمة الثلاثة أنه
سنة (بما تقدم) من قوله في حديث ابن عمر: ثم يجلس فلا يتكلم، (وبمواظبة النبي عَّه على
ذلك مع قوله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))).
وتعقبه ابن دقيق العيد؛ بأن ذلك يتوقف على ثبوت أن إقامة الخطبتين داخلة تحت كيفية
الصلاة، وإلا فهو استدلال بمجرد الفعل.
(وكان عَِّ يقول بعد الثناء) على اللَّه تعالى ((أما بعد))، كما قاله البخاري) بمعناه حيث
ترجم باب من قال في الخطبة بعد الثناء، أما بعد رواه عكرمة عن ابن عباس عن النبي عَبه، قال
الزين بن المنير: يحتمل أن ((من)) موصولة بمعنى الذي، والمراد به النبي عَّه، ويحتمل أنها شرطية

٥٠٥
الباب الثاني في ذكر صلاته عَّ} الجمعة
وكان مَِّ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، حتى كأنه
منذر جيش يقول: صبحكم مساكم، ويقول: ((بعثت أنا والساعة كهاتين))، ويقرن
والجواب محذوف، أي: فقد أصاب السنة، وعلى التقديرين، فينبغي للخطباء أن يستعملوها تأسيًا
واتباعًا. انتهى ملخصًا.
وقد ذكر البخاري في الترجمة ستة أحاديث، أولها حديث أسماء في كسوف الشمس،
وفيه: فحمد اللَّه بما هو أهله ثم قال: ((أما بعد))؛ ثانيها: حديث عمرو بن تغلب (بفوقية فمعجمة)
في قسم النبي عَّهِ مالا، فأعطى رجالا وترك رجالاً، فبلغه أن الذين ترك عتبوا، فحمد الله وأثنى
عليه، ثم قال: ((أما بعد)؛ ثالثها: حديث عائشة في صلاة الليل، وفيه: فتشهد ثم قال: ((أما بعد،
فإنه لم يخف علي مكانكم، لكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها))؛ رابعها: حديث أبي
حميد الساعدي أنه قام عشية بعد الصلاة، فتشهد وأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: (أما بعد)،
خامسها: حديث المسور بن مخرمة: قام رسول اللَّه عَّله، فسمعته حين تشهد يقول: ((أما بعد))؛
سادسها: حديث ابن عباس: صعد معَِّ المنبر وكان آخر مجلس جلسه ... الحديث، وفيه:
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((أما بعد)) ... الحديث في الوصية بالأنصار.
قال الحافظ: وقد تتبع طرق الأحاديث التي فيها اما بعد الحافظ عبد القادر الرهاوي،
فرواها عن اثنين وثلاثين صحابيًّا، منها ما أخرجه عن المسور بن مخرمة: كان النبي عَّهِ إِذا
خطب خطبته، قال: أما بعد ورجاله ثقات، وظاهره المواظبة على ذلك، ويستفاد من الأحاديث
أنها لا تختص بالخطب، بل تقال في صدر الرسائل والمصنفات.
(وكان عَّ إذا خطب) أي: وعظ (احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه) ليتوجه
الناس إلى استماع كلامه بجوامع هممهم، ويعرفون أن ذلك في الإبلاغ مهم جدًا، بحيث
أنه مَّ يبلغه بغاية الجد ونهاية الاجتهاد، ويبذل وسعه، لا سيما إذا كانت الخطبة مشتملة على
ذكر الساعة وقربها. وفيه أن على الخطيب أن يعلي صوته ليسمع جميع من في مجلس وعظه،
وأن تكون حركاته وأفعاله مطابقة لأقواله، فإن مطابقة قوله لفعله وموافقة علنه لسره هو الداعي إلى
قبول أمره ونهيه والمفضي إلى استماع حلوه ومره، فإن سامع النصح إذا رأى الناصح فاعلاً ما أمر
به، تاركًا ما نهى عنه بادر إلى قبول نصيحته، وأما اشتداد غضبه عَ له، فیحتمل كما قال عياض
أن يكون لأمر خولف فيه شرعه، ويحتمل أن يريد أن صفته صفة الغضبان برفعه صوته مبالغة في
تبليغ ما يخطب.
ويؤيد هذا قوله (حتى كأنه منذر جيش،) أي: كمن ينذر قومًا من جيش عظيم قصد
الإغارة عليهم، فكما أن المنذر يرفع صوته وتحمر عيناه ويشتد غضبه على تغافلهم، كذلك
حاله مَِّ عند الإنذار، (يقول: صبحكم) العدو، أي: أتاكم وقت الصباح (مساكم) العدو، أي:

٥٠٦
الباب الثاني في ذكر صلاته منَّـ
* الجمعة
بين أصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: ((أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير
الهدي هدي محمد عَل وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في
أتاكم وقت المساء، والمراد الإنذار بإغارة العدو في الصباح أو المساء، (ويقول) عَّلة: ((بعثت
أنا والساعة) بالرفع والنصب روايتان، فالنصب مفعول معه والرفع عطف على تاء بعثت وحسن
للتأکید بالضمير المتفصل (کهاتین ویقرن) بضم الراء على المشهور الفصیح، وحکی کسرها،
قاله النووي بين أصبعيه السبابة والوسطى) بيانًا لقوله: ((كهاتين))، ورجح النصب؛ بأن التشبيه واقع
في اتصال الساعة بمبعثه على أن شريعته متصلة بالساعة، وأنه لا نبي بعده، كما أنه لا أصبع بين
هاتين الأصبعين وأنهما متصلتان، ورجح الرفع بأن التشبيه واقع في التفاوت الذي بين رؤوس
هاتين الأصبعين.
والمعنى: أن قيام الساعة قرب لزمان بعثه، كقرب التفاوت بين رؤوس هاتين الأصبعين،
وأن الزمان المتخلل بين بعثه وقيام الساعة قليل، كما أن التفاوت بين رؤوس هاتين الأصبعين
قليل، ويؤيد هذا ما رواه الترمذي عن أنس رفعه: ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) وأشار بعض رواته
بالسبابة والوسطى فما فضل إحداهما على الأخرى، فهذا صريح في أن التشبيه واقع في التفاوت
بين الأصيعين لا في الاتصال وأخرج أيضًا عن المستورد بن شداد مرفوعًا: ((بعثت في نفس
الساعة فسبقتها كما سبقت هذه هذه لأصبعيه السبابة والوسطى. (ويقول: ((أما بعد، فإن خير
الحديث كتاب الله) القرآن، سماه حديثًا لنزوله منجما لا لكونه ضد القديم (وخير الهدي هدي
محمد) يضم الهاء وفتح الدال فيهما وبفتح الهاء وسكون الدال فيهما. قال النووي: ضبطناه
بالوجهين، وكذا ذكره جماعة بالوجهين، قال عياض: رويناه في مسلم بالضم، وفي غيره بالفتح،
وبه ذكره الهروي وفسره بالطريق، أي: أحسن الطريق طريق محمد (عَّله) يقال: فلان حسن
الهدي، أي: الطريقة والمذهب، وأما على رواية الضم، فمعناه الدلالة والإرشاد وهو الذي يضاف
إلى الرسل والقرآن والعباد، قال تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ [الشورى: ٥٢]،
وقال تعالى: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ [الإسراء: ٩].
وقال (هدى للمتقين﴾ [البقرة: ٢]، وإذا أضيف إلى اللَّه فهو بمعنى التأييد والتوفيق
والعصمة، كقوله: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن اللَّه يهدي من يشاء﴾ [القصص: ٥٦].
قال المصنف: وعلى التحقيق يرجع الكل إلى معنى واحد إذ لكل بخلق اللَّه وقدرته
وإرادته، وإنما يضاف إلى المخلوق لأنه كاسبه وواسطة في الإيصال، قال: ويرجح رواية الفتح
والسكون مناسبته لقوله: (وشر الأمور محدثاتها،) بفتح الدال، فإن المراد بها التي ليس لها في
الشرع أصل يشهد لها بالصحة والجواز، قال: ويرجح المشهورة، أي: ضم الهاء وفتح الدال، بأنه

٥٠٧
الباب الثاني في ذكر صلاته عَِّ الجمعة
النار)، ثم يقول: ((أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك
دينًا أو ضياعًا فإليَّ وعليَّ). رواه مسلم والنسائي من حديث جابر.
وفي رواية لمسلم: كانت خطبته عَّله يوم الجمعة: «نحمد الله ونثني
عليه))، ثم يقول على أثر ذلك، وقد علا صوته، وذكر نحوه.
لما ذكر بعد كتاب اللَّه علم أن المراد الإرشاد الحاصل منه عَّله بتبليغ ذلك الكتاب الذي هو
خير الحديث وإيضاحه وتبيينه وهي الهداية المزيلة للضلال من العالمين، (وكل بدعة ضلالة)
هي لغة: ما عمل من غير مثال سابق، واستعمل في الشرع بهذا المعنى أيضًا، وتنقسم إلى واجبة
كعلم أدلة المتكلمين للرد على الملاحدة والمبتدعة، ومندوبة كتصنيف الكتب وبناء المدارس
والربط، ومباحة كالتبسط في الأطعمة والأشربة، ومحرمة كالقراءة بالألحان المخرجة للقريان،
ومكروهة كأكثر الأشياء المنصوص على كراهتها.
قال النووي: فالحديث من العام المخصوص ولا ينافيه تأكيده بكل، لأنها لا تمنع
التخصيص، كقوله تعالى: ﴿تدمر كل شىء﴾ [الأحقاق: ٢٥] (وكل ضلالة في النار))، ثم
يقول) عَّةٍ: ((أنا أولى) أحق (بكل مؤمن من نفسه) في كل شىء من أمور الدين والدنيا،
وحكمه أنفذ عليهم من حكمهم، فعليهم أن يبذلوها دونه ويجعلوها فداءه، أو هو أولى بهم، أي:
أرأف بهم وأعطف عليهم وأنفع لهم، (من) مات و(ترك مالا فلأهله) وارثه، (ومن ترك دينا) لا
وفاء له، (أو) ترك (ضياعًا،) بفتح الضاد عيالا عالة وأطفالاً لا قدرة لهم على القيام بمصالحهم،
فهم محتاجون إلى كافل يقوم بهم، (فإلي وعلي))) يحتمل أنهما راجعان إلى كل واحد من
المذكورين قبلهما، أي: من ترك ضياعًا فلهم المجيء إلي ويكون القيام بمصالحهم علي، ومن
ترك دينا فلصاحبه التوجه إلي ويكون اداؤه علي، وعبر (بعليّ)) الدالة على الوجوب إيماء إلى عظم
أمر الضياع وشدة القيام بمصالحهم وبيان التفاوت بينه وبين أداء الدين، فإن فيه بقاء النفس وهو
أقوى المهمات، وفيه إشعار بأن ذلك تبرع بالنسبة إلى الدين فلصاحبه الإبراء، وتحصل المثوبة
بذلك بخلاف أمر الضياع، فالقيام بمصالحهم واجب قطعًا. (رواه مسلم والنسائي من حديث)
عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن (جابر) بن عبد اللَّه.
(وفي رواية لمسلم) من طريق سليمن بن بلال عن جعفر، عن أبيه، عن جابر قال:
(كانت خطبته عَّ يوم الجمعة نحمد الله ونثني عليه) بما هو أهله، (ثم يقول على أثر
ذلك) بكسر الهمزة وسكون المثلثة، (وقد علا) ارتفع (صوته وذكر نحوه) لفظ مسلم، ثم ساق
الحديث بمثله وفرق بين اللفظين عند المحدثين فإذا قالوا بمثله يريدون بلفظه وإذا قالوا نحوه
أرادوا أنه بغير لفظه كما بينه في الفتح.

٥٠٨
الباب الثاني في ذكر صلاته معـ
الجمعة
وفي أخرى: كان يخطب الناس يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول:
((من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله)).
ثم ذكر نحو ما تقدم.
وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: ما أخذت: ﴿ق والقرءان
المجيد﴾، [ق/١]. إلا عن لسان رسول الله عَّ يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا
خطب الناس. رواه مسلم.
وعن الحكم بن حزن الكلفي قال: قدمت إلى النبي ◌َّهُ سابع سبعة، أو
تاسع تسعة، فلبثنا عنده أيامًا، شهدنا فيها الجمعة، فقام عَّه متوكًا على قوس، أو
قال على عصا، فحمد الله وأثنى عليه، كلمات خفيفات طيبات مباركات، ثم
(وفي) رواية (أخرى) لمسلم أيضًا من طريق سفين عن جعفر عن أبيه عن جابر قال:
(كان) عَّ: (يخطب الناس) بضم الطاء (يحمد اللَّه ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول: ((من
يهد اللَّه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وخير الحديث كتاب اللَّه)). ثم ذكر نحو ما
تقدم) لفظ مسلم ثم ساق الحديث بمثل حديث الثقفي.
(وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان) الأنصارية صحابية مشهورة وهي أخت عمرة بنت
عبد الرحمن لأمها، روت عنها عمرة، (قالت:) لقد كان تنورنا وتنور رسول اللَّه عَّه واحدًا سنتين
أو ثلاثة و(ما أخذت) أي: حفظت (﴿ق والقرآن المجيد﴾) أي: السورة بتمامها (إلا عن
لسان رسول اللَّه عَّة يقرؤها كل) يوم (جمعة على المنبر إذا خطب الناس،) قال العلماء:
سبب اختيار ((ق) لأنها مشتملة على ذكر الموت والبعث وأحوالهما وفيها المواعظ البليغة
والزواجر الأكيدة، قاله النووي: وقال المصنف وقال المظهري: أراد به أول السورة لا جميعها
لأن جميعها، لم يقرأ في الخطبة، كذا قال: فليتأمل؛ (رواه مسلم) من طرق. (وعن الحكم بن
حزن،) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي ونون (الكلفي،) بضم الكاف وفتح اللام، ثم فاء من
بني كلفة بن عوف بن نصر بن مطوية بن بكر بن هوازن، صحابي، قليل الحديث، قال مسلم:
لم يرو عنه إلا شعيب بن رزيق الطائفي، قال: كنت جالسًا عند الحكم وله صحبة من
رسول اللَّه عَّةٍ، فأنشا يحدثنا، (قال: قدمت إلى النبي ◌َّ- سابع سبعة أو تاسع تسعة)) شك
الراوي، قال: فأذن لنا، فدخلنا، فقلنا: أتيناك يا رسول اللَّه لتدعو لنا بخير، فدعا لنا بخير، وأمر بنا
فأنزلنا وأمر لنا بشىء من تمر، والساق إذ ذاك دون قال: (فلبثنا عنده أيامًا شهدنا فيها الجمعة،
فقام عَّ متوكفًا على قوس، أو قال على عصا،) شك الراوي (فحمد الله وأثنى عليه
كلمات) نصب بنزع الخافض، أي: بكلمات أو ضمن اثني معنى ذكر كلمات (خفيفات،)

٥٠٩
الباب الثاني في ذكر صلاته منِّ الجمعة
قال: ((يا أيها الناس، إنكم لن تفعلوا أو لن تطيقوا كل ما أمرتكم به، ولكن سددوا
وأبشروا)). رواه أحمد وأبو داود.
وعن يعلى بن أمية قال: سمعت رسول الله عَّه يقرأ على المنبر: ((﴿ونادوا
يا مالك ليقض علينا ربك﴾))، [الزخرف/٧٧]. رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي الدرداء قال: خطبنا رسول الله عَّ يوم الجمعة فقال: ((توبوا إلى
الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشتغلوا، وصلوا الذي بينكم
أي: قليلات اللفظ (طيبات مباركات) لكثرة معانيها وبلاغة ألفاظها، (ثم قال: يا «أيها الناس
انكم لن تفعلوا أو لن تطيقوا،) شك الراوي (كل ما أمرتكم به) لعجزكم عنه، (ولكن سددوا)
بمهملات، أي: لازموا الصواب من القول والفعل (وأبشروا) من اللّه بالقبول والثواب على ذلك،
(رواه أحمد وأبو داود) وأبو يعلى وغيرهم، (وعن يعلى بن أمية) التميمي حليف قريش، (قال:
سمعت رسول اللَّه عَّ له يقرأ على المنبر، ((﴿ونادوا يا ملك﴾) اسم خازن النار، وقرىء: يا مال
بكسر اللام على الترخيم، وفيه إشعار بأنهم لضعفهم لا يستطيعون تأدية اللفظ بتمامه، ولله در من
قال:
ما كان أغنى أهل نار جهنم عن قولهم يا مال وسط جحيم
عجزوا عن استكمال لفظة لملك فلأجل ذا نادوه بالترخيم
(﴿ليقض علينا ربك﴾) ليمتنا، قال المصنف في شرح مسلم: يحتمل أنه عَّةٍ قرأ هذه
الآية فقط، وأنه قرأ السورة كلها. انتهى.
والثاني بعيد جدًا، فإن قيل كيف نادوا مع قوله ﴿لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون﴾
[الزخرف: ٧٥]، أي: ساكتون سكوت يأس، أجيب بأنها أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة، فتختلف
بهم الأحوال، فيسكتون أوقاتًا لغلبة اليأس عليهم، ويستغيثون أوقاتًا لشدة ما بهم، (رواه البخاري)
في موضعين من بدء الخلق، وفي التفسير (ومسلم) في الجمعة، (وعن أبي الدرداء، قالٍ:
خطبنا رسول اللَّه عَّةٍ يوم الجمعة، فقال:) زاد في رواية جابر: ((يا أيها الناس)) («توبوا إلى اللَّه)
وإن كنتم من الكاملين قيامًا بحق العبودية وإعظاما للربوبية لا رغبة في الثواب ولا رهبة من
العذاب، وفي رواية جابر: ((توبوا إلى ربكم)) (قبل أن تموتوا) والموت قد يأتي على غفلة،
فالواجب تعجيل التوبة، (وبادروا،) أي: سابقوا وعجلوا من المبادرة وهي الإسراع (بالأعمال
الصالحة) النافعة عند اللَّه (قبل أن تشتغلوا عنها) بنحو مرض وهرم، وللبيهقي عن أبي أمامة،
رفعه: بادروا بالأعمال هرمًا ناغصًا وموتًا خالشًا ومرضًا حابسًا وتسويفًا مؤيسًا (وصلوا) بكسر
الصاد وضم اللام من الوصل (الذي بينكم وبين ربكم تسعدوا).

٥١٠
الباب الثاني في ذكر صلاته عَّ الجمعة
وبين ربكم تسعدوا، وأكثروا الصدقة ترزقوا، وأمروا بالمعروف تخصبوا، وانهوا عن
المنكر تنصروا، يا أيها الناس إن أكيسكم أكثركم ذكرًا للموت، وأكرمكم
أحسنكم استعدادًا له، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور، والإنابة
إلى دار الخلود، والتزود لسكنى القبور، والتأهب ليوم النشور))، رواه ...
ورواه ابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله مختصرًا بنحوه.
وفي مراسيل أبي داود عن الزهري قال: كان صدر خطبة النبي عَّهُ:
((الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله
وفي رواية جابر: يكثر ذكره لكم، فسعادتهم بكثرة ذكره لهم (وأكثروا الصدقة،) زاد جابر
في السر والعلانية (ترزقوا:) يكثر رزقكم ويزيد ببركتها، وفي رواية جابر: تؤجروا وتحمدوا
وترزقوا وتنصروا وتجبروا، (وأمروا بالمعروف تخصبوا،) بضم التاء وكسر الصاد من أخصب،
أي: يكثر خير أرضكم (وانهوا عن المنكر تنصروا) على عدوكم، (أيها الناس ان أكيسكم،)
أي: أعقلكم وأفطنكم (أكثركم ذكرًا للموت) لوقوعه لا محالة، (وأكرمكم:) أفضلكم
(أحسنكم استعدادًا له) بالأعمال الصالحة وترك المخالفة (ألا) بالفتح والتخفيف، (وإن من
علامات العقل التجافي،) بجيم وفاء التباعد (عن دار الغرور) الدنيا (والإنابة) الرجوع (إلى
دار الخلود) الآخرة (والتزود لسكنى القبور) بالأعمال الحسنة (والتأهب) الاستعداد (ليوم
النشور) البعث (رواه). كذا في نسخ وبعده بياض.
(ورواه ابن ماجه) والبيهقي (من حديث جابر بن عبد الله مختصرًا) بدون قوله: وأمروا
بالمعروف إلى هنا (بنحوه،) وزاد عقب قوله ((وتنصروا وتجبروا)) ((واعلموا أن اللَّه قد افترض
عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة
فريضة مكتوبة من وجد إليها سبيلاً، فمن تركها في حياتي أو بعد موتي جحودًا بها واستخفافًا
بحقها وله إمام عادل أو جائر فلا جمع اللَّه له شمله ولا بارك له في أمره ألا ولا صلاة له ألا ولا
وضوء له ألا ولا حج له ألا ولا بر له حتى يتوب، فمن تاب تاب الله عليه ألا لا تؤمن امرأة رجلاً
ولا يؤم أعرابي مهاجرًا ولا يؤم فاجر مؤمنًا إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه وسطوته)» هذا تمام
حديث جابر عند ابن ماجة والبيهقي.
(وفي مراسيل أبي داود عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب، (قال: كان صدر خطبة
النبي عَّله) أي: أولها ((الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا،)
خصها لشدتها وقوتها وتزيينها، (من يهد اللَّه فلا مضل له ومن يضلل اللَّه فلا هادي له،) إذ

٥١١
الباب الثاني في ذكر صلاته عَِّ الجمعة
فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا
عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرًا ونذيرًا بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد
رشد، ومن يعصهما فقد غوى. نسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله
ويتبع رضوانه ويجتنب سخطه)).
وعنده أيضًا عنه قال: بلغنا عن رسول الله عَّ أنه كان يقول إذا خطب:
((كل ما هو آت قريب، لا بعد لما هو آت، يريد الله أمرًا، ويريد الناس أمرًا، ما
شاء الله كان ولو كره الناس، ولا مبعد لما قرب الله، ولا مقرب لما أبعد الله، لا
يكون شيء إلا بإذن الله عز وجل)).
وقال جابر بن عبد الله: كان عٍَّ إذا خطب يوم الجمعة يقول بعد أن يحمد
الله ويصلي على أنبيائه: ((أيها الناس، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم.
الأمر كله في قبضته وتحت إرادته سبحانه، (وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا عبده
ورسوله، أرسله بالحق بشيرًا) للمؤمنين (ونذيرًا) للعاصين (بين يدي الساعة،) أي: قدامها
بقرب (من يطع الله ورسوله فقد رشد،) بفتح الشين المعجمة وكسرها، (ومن يعصهما فقد
غوى) بفتح المعجمة والواو، قال عياض: وقع في رواية لمسلم بكسر الواو وفتحها، والصواب
الفتح وهو من الغي، وهو الانهماك في الشر، ومر أن من خصائصه عَّ أن له أن يجمع اللَّه
ورسوله في ضمير واحد بخلاف غيره، فلا ينافي قوله للذي خطب عنده، فقال: ومن يعصهما
فقد غوى، فقال عَّله: ((بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله))) رواه مسلم، وهذا
المرسل قد رواه أبو داود بإسناد صحيح عن ابن مسعود، قال: علمنا رسول اللَّه عَّ خطبة
الحاجة ((الحمد لله))، فذكره بلفظه إلا أنه قال ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر اللّه
شيئًا، فإِنما عدل المصنف إلى المرسلِ لقوله أوله كان صدر خطبة النبي عَّةٍ، أما المسند فصدره
بأنه علمهم خطبة الحاجة، (نسأل اللَّه ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله ويتبع رضوانه
ويجتنب سخطه)،) الظاهر أنه من كلام الزهري، ويحتمل أنه من المرفوع تعليمًا للأمة، (وعنده)
أي: أبي داود (أيضًا عنه))) أي: الزهري، (قال: بلغنا عن رسول اللَّه عَّةٍ أنه كان يقول إذا
خطب) بعد الحمد والثناء ((كل ما هو آت قريب لا بعد لما هو آت،) وإن أبطأ (يريد اللَّه أمرًا
ويريد الناس أمرًا ما شاء اللَّه كان) وجد لا محالة (ولو كره الناس، ولا مبعد لما قرب اللَّه،
ولا مقرب لما أبعد اللَّه، لا يكون شىء إلا باذن اللَّه عز وجل).
(وقال جابر بن عبد اللّه) رضي الله عنهما: (كان عَّ إذا خطب يوم الجمعة يقول بعد
أن يحمد اللَّه) يثني عليه بما هو أهله (ويصلي على أنبيائه: ((أيها الناس إن لكم معالم،) أي:

٥١٢
الباب الثاني في ذكر صلاته عَّة الجمعة
نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، إن العبد المؤمن بين مخافتين، بين أجل قد مضى لا
يدري ما الله قاض فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله صانع فيه، فليأخذ العبد
من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل
الممات، والذي نفسي بيده، ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا من دار
إلا الجنة أو النار، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم)).
وعن عمرو أن النبي ◌َِّ خطب يومًا فقال: ((ألا إن الدنيا عرض حاضر،
يأكل منها البر والفاجر، ألا وإن الآخرة أجل صادق يقضي فيها ملك قادر، ألا وإن
الخير كله بحذافيره في الجنة، ألا وإن الشر كله بحذافيره في النار، ألا فاعملوا
مظان تستدلون بها على معرفة الحق من الباطل، أو هي جمع معلم مصدر ميمي بمعنى العلم، أي:
أن لكم علومًا، (فانتهوا إلى معالمكم،) أي: علومكم فلا تتجاوزوها، ويوافقه قول الحسن
البصري: يا أيها الناس إن لكم علمًا، فانتهوا إلى علمكم))، (وإن لكم نهاية، فانتهوا إلى
نهايتكم) فلا تعدوها، (إن العبد المؤمن بين مخافتين،) وبينهما بقوله: (بين أجل قد مضى لا
يدري ما اللَّه قاض) حاكم (فيه،) هل يحاسب ويعاقب على ما فعل فيه أو يعفو عنه، (وبين أجل
قد بقي لا يدري ما اللَّه صانع فيه،) أيوفقه فيه أم لا، (فليأخذ العبد من نفسه لنفسه) بأن
يحاسبها على أفعالها ويقطع عن العصيان ويتوب (ومن دنياه لآخرته) بالأعمال الصالحة، (ومن
الشبيبة قبل الكبر) المانع من كثرة العبادة، (ومن الحياة قبل الممات، والذي نفسي بيده)
قسم كان يقسم به كثيرًا (ما بعد الموت من مستعتب،) بضم فسكون ففتح الفوقيتين بينهما عين
ساكنة اسم مفعول من استعتب، أي: طلب منه الاعتاب وهو إزالة العتب وهو اللوم، (وما بعد الدنيا
من دار إلا الجنة) للمتقين، (أو النار) للفجار، (أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم).
(وعن عمرو) بن العاصي (أن النبي عَّي خطب يومًا، فقال:) زاد الطبراني من حديث
شداد: ((أيها الناس)) ((ألا إن الدنيا عرض،) بفتحتين متاع (حاضر يأكل منها البر،) أي التقي
(والفاجر،) أي: العاصي ولو بالكفر، (ألا) بالفتح والتخفيف للتنبيه (وإن الآخرة أجل) في
حديث شداد وعد (صادق يقضي،) أي: يحكم، وبه عبر شداد (فيها ملك قادر) على كل
شیء.
زاد في حديث شداد: ((يحق الحق ويبطل الباطل، أيها الناس كونوا أبناء الآخرة ولا تكونوا
أبناء الدنيا فإن كل أم يتبعها ولدها)) هذا آخر رواية شداد.
(ألا وإن الخير كله بحذافيره،) أي: بجميعه (في الجنة، ألا وإن الشر كله بحذافيره)
جمع حذفور كعصفور (في النار، ألا فاعملوا وأنتم من اللّه على حذر،) أي: خوف، ولا تغتروا

٥١٣
الباب الثاني في ذكر صلاته مَّ الجمعة
وأنتم من الله على حذر، واعلموا أنكم معروضون إلى أعمالكم، فمن يعمل مثقال
ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره)). رواه الشافعي، وعند أبي نعيم في
الحلية نحوه.
واختلف: هل يجب الإنصات، ويمنع من جميع أنواع الكلام حال الخطبة،
أو لا؟
وعن الشافعي: في المسألة قولان مشهوران، وبناهما بعض الأصحاب على
الخلاف في أن الخطبتين بدل عن الركعتين أم لا؟ فعلى الأول يحرم، لا على
بالأعمال، فإن النافع هو المقبول ولا اطلاع عليه، ولأنه إذا وضع عدله على عبده لم يبق له
حسنة، (واعلموا أنكم معروضون،) كذا في نسخ بواو بين الراء والضاد من عرض.
وفي نسخ: معرضون بدون الواو، أي: منساقون من المحشر (إلى أعمالكم،) ومعرضون
عليها فتجازون عليها، إن خيرًا فخير وإن شرا فشر كما أفاده بقوله، (فمن يعمل مثقال) زنة
(ذرة) نملة صغيرة (خيرًا يره) يرى ثوابه، (ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) يرى جزاءه، (رواه
الشافعي، وعند أبي نعيم في الحلية نحوه،) وروى بعضه الطبراني من حديث شداد كما
علم.
(واختلف هل يجب الانصات ويمنع من جميع أنواع الكلام حال الخطبة أم لا)، كلام
مجمل يصدق بوجوبه لمن سمع، وغيره فيجري فيه الخلاف وبمن قرب من الإمام أو بعد عنه،
وبما إذا كان الكلام بعد الجلوس، وبما إذا كان قبله وتحرير محل الخلاف يعلم من حكاية
الأقوال الآتية، فذهب الجمهور إلى منع جميع أنواع الكلام حال الخطبة ولو لم يسمعها
الحديث المتفق عليه، ((إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوث)).
زاد في رواية أحمد: ((عليك بنفسك)) ولحديث علي رفعه: ((ومن دنا فلم ينصت فإن عليه
كفلین من الوزر))، أخرجه أحمد وغيره، لأن الوزر لا يترتب على من فعل مباخا، ولو كان مكروهًا
كراهة تنزيه.
(وعن الشافعي في المسألة قولان) في منعه وإباحته مع الكراهة (مشهوران) عنه، فلا
ينافي أن أرجحهما عند أصحابه الثاني، (وبناهما بعض الأصحاب على الخلاف في أن
الخطبتين بدل عن الركعتين أم لا، فعلى الأول يحرم) لحرمة الكلام في الصلاة (لا عدس
الثاني،) فلا يحرم، (والثاني هو الأرجح عندهم،) أي الشافعية، فيجوز مع الكراهة ولو السامع،

٥١٤
الباب الثاني في ذكر صلاته عَّة الجمعة
الثاني، والثاني هو الأرجح عندهم، فمن ثم أطلق من أطلق منهم إباحة الكلام،
حتى شنع من شنع عليهم من المخالفين.
وعن أحمد أيضًا روايتان.
وعنهما أيضًا: التفرقة بين من يسمع الخطبة وبين من لا يسمعها.
وأغرب ابن عبد البر فنقل الإجماع على وجوب الإنصات على من سمعها
إلا عن قليل من التابعين.
ودخل سليك الغطفاني، وهو عَِّ يخطب، فقال له عَّهِ: ((صليت))؟ قال:
(فمن ثم أطلق من أطلق منهم إباحة الكلام حتى شنع من شنع عليهم من المخالفين) في
إطلاق الإباحة بلا كراهة لما يلزم عليه من ترك الأحاديث مع كثرتها وصحتها.
(وعن أحمد أيضًا روايتان) بالحرمة والكراهة، (وعنهما) الشافعي وأحمد (أيضًا التفرقة
بين من يسمع الخطبة) فيسن له الإنصات، (وبين من لا يسمعها) فلا، لكن الأولى أن يشتغل
بالتلاوة والذكر، (وأغرب ابن عبد البر، فنقل الإجماع على وجوب الانصات على من سمعها
إلا عن قليل من التابعين،) ولفظ ابن عبد البر لا خلاف علمته بين فقهاء الأمصار في وجوب
الانصات على من سمعها في الجمعة، وأنه غير جائز أن يقول لمن سمعه من الجهال يتكلم
والإمام يخطب أنصت ونحوها أخذًا بهذا الحديث.
وروي عن الشعبي وناس قليل أنهم كانوا يتكلمون إلا في حين قراءة الإمام في الخطبة
خاصة، وفعلهم ذلك مردود عند أهل العلم، وأحسن أحوالهم أنه لم يبلغهم، الحديث نقله الحافظ،
وتعقبه بقوله: وللشافعي قولان، فذكر ما قدمه المصنف، ثم قال: واختلف إذا خطب بما لا ينبغي من
القول، وعلى ذلك يحمل ما نقل عن السلف من الكلام حال الخطبة؛ والذي يظهر أن من نفى
وجوبه أراد أنه لا يشترط في صحة الجمعة بخلاف غيره. انتهى.
وفيه نظر، إذ القائلون بوجوب الإنصات لا يجعلونه شرطًا في صحتها وعلى ما ظهر له
يكون الخلاف لفظيًا، وليس كذلك، وقد قال هو قبل ذلك - في حديث علي مرفوعًا عند
أحمد، و((من قال: صه، فقد تكلم ومن تكلم فلا جمعة له)) - ما نصه: قال العلماء: معناه
لا جمعة له کاملة للإجماع على إسقاط فرض الوقت عنه. انتھی.
(ودخل سليك) بمهملة مصغر، ويقع في نسخ: سقيمة أبو سليك، والصواب حذف أبو،
فإنه وقع في أكثر روايات الصحيحين عن جابر: جاء رجل بالإبهام.
وفي رواية لمسلم: دخل سليك وهو ابن هدبة، وقيل: ابن عمرو (الغطفاني،) بفتح
المعجمة، ثم المهملة بعدها فاء من غطفان بن سعد بن قيس عيلان، ووقع عند الطبراني: جاء

٥١٥
الباب الثاني في ذكر صلاته عَّةِ الجمعة
لا، قال: ((قم فاركع ركعتين، وأسرع فيهما لتسمع الخطبة)). رواه البخاري ومسلم
وأبو داود.
واستدل به على أن الخطبة لا تمنع الداخل من صلاة تحية المسجد.
وتعقب: بأنها واقعة عين لا عموم لها، فيحتمل اختصاصها بسليك، ويدل عليه
قوله في حديث أبي سعيد - عند أصحاب السنن: جاء رجل - والنبي عَّ يخطب -
في هيئة بذة، فقال له: ((أصليت))؟ قال: لا، قال: ((قم فصل ركعتين))، وحض الناس
على الصدقة عليه الحديث ... فأمره بأن يصلي ركعتين كي يراه بعض الناس وهو
النعمان بن نوفل، قال أبو حاتم الرازي وهو وهم من بعض الرواة في تسمية الآتي، وللطيراني أيضًا
عن أبي ذر؛ أنه أتى النبي ◌َّه وهو يخطب، فقال لأبي ذر: ((صليت ركعتين))، قال: لا،
الحديث، وفيه ابن لهيعة وشذ بقوله وهو يخطب، فالحديث المشهور عن أبي ذر أنه جاء إلى
النبي ◌َّه وهو جالس في المسجد، أخرجه ابن حبان وغيره.
ومن المستغرب ما حكاه ابن بشكوال أن الداخل المذكور يقال له أبو هدبة، فإن كان
محفوظًا فلعلها كنية سليك صادفت اسم أبيه، قاله الحافظ ملخصًا (وهو عََِّ يخطب).
زاد في رواية لمسلم: يوم الجمعة، (فقال له عَّله: ((صليت)،) كذا للأكثر بحذف همزة
الاستفهام، وثبتت للأصيلي، وكذا لمسلم، ولفظه: أصليت يا فلان، (قال: لا) ما صليت، (قال:
قم فاركع ركعتين،) وفي رواية: فصل ركعتين، وزاد في رواية لمسلم: وتجوز فيهما، بجيم
وزاي، يعني: خفف (وأسرع فيهما لتسمع الخطبة، رواه البخاري ومسلم وأبو داود) من طرق كلها
عن جابر بن عبد اللَّه (واستدل به على أن الخطبة لا تمنع الداخل من صلاة تحية المسجد،)
بل يستحب له فعلها كما ذهب إليه أحمد وإسحق وفقهاء المحدثين.
وحكي عن الحسن البصري وغيره من المتقدمين، وقال لملك والليث وأبو حنيفة والثوري
وجمهور السلف من الصحابة والتابعين: لا يصليهما، وهو مروي عن عمر وعثمن وعلي، حكاه
عياض؛ (وتعقب بانها واقعة عين) أي: مادة معينة (لا عموم لها، فيحتمل اختصاصها بسليك،
ويدل عليه قوله في حديث أبي سعيد) الخدري (عند أصحاب السنن) وغيرهم: (جاء رجل
(والنبي)) عَّ يخطب في هيئة بذة،) بفتح الموحدة والمعجمة الثقيلة، أي: رثة بالية، (فقال
له: ((أصليت))) بهمزة الاستفهام، (قال: لا) ما صليت، (قال: ((قم فصل ركعتين)) تحية
المسجد، أو قبلية الجمعة، (وحض) (بمهملة فمعجمة) حمل (الناس على الصدقة عليه) لبذاذته
(الحديث، فأمره بأن يصلي ركعتين كي يراه بعض الناس وهو قائم فيتصدق عليه،) وقد
فهموا ذلك فتصدقوا عليه بثوبين كما يأتي، فلا دلالة فيه على العموم.

٥١٦
الباب الثاني في ذكر صلاته عَّ الجمعة
قائم فيتصدق عليه. وورد أيضًا ما يؤيد الخصوصية، وهو ما أخرجه ابن حبان وهو
قوله تعَّ لسليك في آخر الحديث: ((لا تعودن لمثلها))، وما يضعف الاستدلال به
على جواز التحية في تلك الحالة أنهم أطلقوا أن التحية تفوت بالجلوس.
فهذا ما عتل به من طعن في الاستدلال بهذه القصة على جواز التحية،
وكله مردود، لأن الأصل عدم الخصوصية، والتعليل بكونه عليه الصلاة والسلام
قصد التصدق عليه لا يمنع القول بجواز التحية، فإن المانعين منها لا يجوزون
التطوع لعلة التصدق. قال ابن المنير: لو ساغ ذلك لساغ مثله في التطوع عند
طلوع الشمس وسائر الأوقات المكروهة، ولا قائل به.
قال الحافظ: ويؤيده أن في هذا الحديث عند أحمد أن النبي معٍَّ قال: ((إن هذا الرجل
دخل المسجد في هيئة بذة، فأمرته أن يصلي ركعتين وأنا أرجو أن يفطن له رجل فيتصدق عليه)،
وعرف بهذه الرواية الرد على من طعن في هذا التأويل، فقال: لو كان كذلك لقال لهم: إذا رأيتم ذا
بذة فتصدقوا عليه، أو إذا كان أحد ذا بذة فليقم، فليركع حتى يتصدق الناس عليه؛ والذي يظهر
أنه معَّ كان يعتني في مثل هذا بالإجمال دون التفصيل كما كان يصنع عند المعاتبة.
(وورد أيضًا ما يؤيد الخصوصية، وهو ما أخرجه ابن حبان، وهو قوله تعَّةٍ لسليك في
آخر الحديث: ((لا تعودن لمثلها))،) لفظ ابن حبان لمثل هذا كما في الفتح، فنهيه عن العود
صريح في أنه خصه بذلك للبذاذة. (ومما يضعف الاستدلال به على جواز التحية في تلك
الحالة) أي: حالة الدخول والإمام يخطب، (أنهم،) أي: الشافعية (أطلقوا أن التحية تفوت
بالجلوس) وسليك قعد قبل أن يصلي كما في مسلم، (فهذا) المذكور من الأوجه (ما اعتل به
من طعن في الاستدلال بهذه القصة على جواز التحية) للداخل (وكله مردود، لأن الأصل
عدم الخصوصية) فيه نظر، إذ لم يجزم بالخصوصية إنما أبديت احتمالاً لكون القصة واقعة عين،
وتأيد هذا الاحتمال بحديث أبي سعيد وغيره فهو قادح في الاستدلال (والتعليل بكونه عليه
الصلاة والسلام قصد) بأمره بالركوع (التصدق عليه لا يمنع القول بجواز التحية، فإن المانعين
منها لا يجوزون التطوع لعلة التصدق).
(قال ابن المنير) في الحاشية: (لو ساغ ذلك لساغ مثله في التطوع عند طلوع
الشمس) وغروبها المحرم في الوقتين (وسائر الأوقات المكروهة، ولا قائل به) من المانعين
التحية والإمام يخطب واللازم ممنوع، وسنده أن المراد منع دلالة القصة على الجواز، لأنها قضية
عين محتملة أنها لعلة التصدق في خصوص هذه القضية وإن لم يقولوا بها حتى في جمعة غير
هذه فضلاً عن طلوع شمس ونحوه.

٥١٧
الباب الثاني في ذكر صلاته معَّهِ الجمعة
ومما يدل على أن أمره بالصلاة لم ينحصر في قصد التصدق، معاودته عليه
الصلاة والسلام بأمره بالصلاة في الجمعة الثانية بعد أن حصل له في الجمعة
الأولى ثوبان تصدق بهما عليه، فدخل بهما في الثانية فتصدق بأحدهما فنهاه
عَّهِ عن ذلك. أخرجه النسائي وابن خزيمة من حديث أبي سعيد أيضًا. ولأحمد
وابن حبان: أنه كرر أمره بالصلاة ثلاث مرات في ثلاث جمع، فدل على أن قصد
التصدق عليه جزء علة، لا علة كاملة.
وأما إطلاق من أطلق أن التحية تفوت بالجلوس، فقد حكى النووي في
شرح مسلم عن المحققين: أن ذلك فى حق العالم العامد، أما الجاهل والناسي
فلا، وحال هذا الداخل محمولة في المرة الأولى على أحدهما، وفي المرتين
الأخيرتين على النسيان.
والحامل للمانعين على التأويل المذكور أنهم زعموا أن ظاهره معارض للأمر
(ومما يدل على أن أمره بالصلاة لم ينحصر في قصد التصدق معاودته عليه الصلاة
والسلام بأمره بالصلاة في الجمعة الثانية بعد أن حصل له في الجمعة الأولى ثوبان تصدق
بهما عليه) بالبناء للمفعول، (فدخل بهما في الثانية، فتصدق بأحدهما، فنهاه عَّ عن ذلك)
التصدق بالثوب لاحتياجه للثوبین جميعًا.
(أخرجه النسائي وابن خزيمة من حديث أبي سعيد أيضًا ولأحمد وابن حبان أنه كرر
أمره بالصلاة ثلاث مرات في ثلاث جمع،) يحتمل أنه فعل ذلك بعد قعوده في كل من
الثلاث، لظنه أن الأمر في كل مرة خاص بها أو للنسيان كما يأتي، (فدل على أن قصد
التصدق عليه جزء علة لا علة كاملة) قد يمنع دلالته على ذلك، فإن أمره في الجمع الثانية
لكونه تصدق بأحد الثوبين، وقد علم أن الذي أبقاه لا يكفيه فأمره ليتصدق عليه فلعله لم يقع،
فأمره في الثالثة ليتصدق عليه فهو علة كاملة، ويكفي مثل هذا من جهة المانع؛ (وأما إطلاق من
أُطلق ان التحية تفوت بالجلوس، فقد حكى النووي في شرح مسلم عن المحققين ان
ذلك في حق العالم العامد،) لأنها نفل وهو يفوت بفوات وقته: (أما الجاهل والناسي فلا)
تفوت بجلوسه، (وحال هذا الداخل) سليك (محمولة في المرة الأولى على أحدهما) الجهل
أو النسيان، (وفى المرتين الأخيرتين على النسيان) قد لا يسلم هذا الحمل، إذ يحتمل أنه
عالم بأن الداخل والإمام يخطب لا يصلي التحية، وإن أمره في الأولى لعلة التصدق عليه، فلذا
جلس في الثانية حتى أمره، فكأنه فهم أنه للصدقة عليه أيضًا، فجلس في الثالثة، لا سيما وقد
قال له النبي عَّه في الأولى، ((لا تعودن لمثل هذا)، (والحامل للمانعين على التأويل

٥١٨
الباب الثاني في ذكر صلاته عَ ل الجمعة
بالإنصات والاستماع للخطبة.
وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن ذلك وعن غيره من أدلة المانعين بما يطول
ذكره، ثم قال: وهذه الأجوبة التي قدمناها تندفع من أصلها بعموم قوله عَّ ◌ُله في
حديث أبي قتادة: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين))
متفق عليه. قال: وورد أخص منه في حال الخطبة، ففي رواية شعبة عن عمرو بن
دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله عَّه وهو يخطب: ((إذا
أتى أحدكم والإمام يخطب، أو قد خرج فليصل ركعتين)) متفق عليه.
المذكور؛ أنهم زعموا أن ظاهره معارض للأمر بالإنصات والاستماع للخطبة).
قال ابن العربي: عارض قصة سليك ما هو أقوى منها، كقوله تعالى: ﴿وإذا قرىء القرآن
فاستمعوا له وأنصتوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقوله لعَّله: ((إذا قلت لصاحبك انصت والإمام يخطب
يوم الجمعة فقد لغوت)) متفق عليه؛ قال: فإذا امتنع الأمر بالمعروف وهو أمر اللاغي بالانصات
مع قصر زمنه، فمنع التشاغل بالتحية مع طول زمنها أولى.
(وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن ذلك) بأن المعارضة التي تؤول إلى إسقاط أحد
الدليلين إنما يعمل بها عند تعذر الجمع، والجمع هنا ممكن، أما الآية فليست الخطبة كلها
قرءانا، وأما ما فيها من القرآن، فالجواب عنه كالجواب عن الحديث وهو تخصيص عمومه
بالداخل، وأيضًا فمصلي التحية يجوز أن يطلق عليه أنه منصت، كقول أبي هريرة: سكوتك بين
التكبير والقراءة ما تقول فيه، فاطلق على القول سرًا سكوت، كذا قال. (و) أجاب (عن غيره من
أدلة المانعين) وهي عشرة (بما يطول ذكره،) مع أنه لا كبير فائدة فيه، إذ المذاهب تقررت، إنما
هو تشحيذ أذهان، (ثم قال: وهذه الأجوبة التي قدمناها تندفع من أصلها بعموم قوله عَّه في
حديث أبي قتادة: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)،) وهو ظاهر
في أن المراد بهما التحية (متفق عليه،) يعني أخرجه الشيخان ولا دفع، لأنه دخله التخصيص بما
إذا كان الداخل متطهرًا باتفاق، وبما إذا كان وقت جواز عند قوم ودخول التخصيص يضعف
الاستدلال بالعموم.
(قال: وورد أخص منه في حال الخطبة، ففي رواية شعبة) بن الحجاج أمير المؤمنين
في الحديث، (عن عمرو) بفتح العين (ابن دينار، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال
رسول اللَّه عَلَّه وهو يخطب: ((إذا أتى أحدكم والإمام يخطب) يوم الجمعة، (أو قد خرج)
يريد أن يخطب (فليصل ركعتين)). متفق عليه) أي: رواه مسلم والبخاري. (ولمسلم من

٥١٩
الباب الثاني في ذكر صلاته عند الجمعة
ولمسلم من طريق أبي سفيان عن جابر أنه قال ذلك في قصة سليك ولفظه
بعد قوله: ((فاركعهما وتجوّز)) فيهما، ثم قال: ((إذا أتى أحدكم يوم الجمعة والإمام
يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما».
قال النووي: هذا النص لا يتطرق إليه التأويل، ولا أظن عالمًا يبلغه هذا
الحدیث ويعتقده صحيحًا فيخالفه.
وقال العارف بالله أبو محمد بن أبي جمرة: هذا الذي أخرجه مسلم نص
في الباب لا يحتمل التأويل. انتهى.
وقد قال قوم: إنما أمره عَُّله بسنة الجمعة التي قبلها ومستندهم قوله عليه
الصلاة والسلام في قصة سليك - عند ابن ماجه ــ ((أصليت ركعتين قبل أن
تجيء؟)) لأن ظاهرة قبل أن تجيء من البيت، ولهذا قال الأوزاعي: إن كان صلى
في البيت قبل أن يجيء فلا يصلي إذا دخل المسجد.
وتعقب بأن المانع من صلاة التحية لا يجيز التنفل حال الخطبة مطلقًا،
طريق أبي سفين) طلحة بن نافع القرشي مولاهم المكي، (عن جابر أنه قال ذلك في قصة
سليك، ولفظه بعد قوله فاركعهما) لفظه من أوّله: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة
ورسول اللَّه عَ لِّ يخطب، فجلس، فقال له: يا سليك قم فاركع ركعتين، (وتجوّز،) أي: خفف
وأسرع (فيهما) لتسمع الخطبة، (ثم قال) عَّةٍ: ((إذا أتى أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب
فليركع ركعتين وليتجوز فيهما))،) فنص على تعميم الحكم بعد أمره لسليك.
ولذا (قال النووي: هذا النص لا يتطرق إليه التأويل، ولا أظن عالمًا يبلغه هذا
الحديث ويعتقده صحيحًا فيخالفه،) إذ لا يسعه مخالفته لا إن اعتقد عدم صحته لعلة أو شذوذ
إن كان صحيحًا فيخالفه، (وقال العارف بالله أبو محمد) عبد اللَّه (بن أبي جمرة:) بجيم وراء،
(هذا الذي أخرجه مسلم نص في الباب لا يحتمل التأويل انتهى).
(وقد قال قوم: إنما أمره عَّه بسنة الجمعة التي قبلها) لا بالتحية، (ومستندهم قوله
عليه الصلاة والسلام في قصة سليك عند ابن ماجه: ((أصليت ركعتين قبل أن تجىء))، لأن
ظاهره قبل أن تجىء من البيت،) ولو أريد التحية لم يحتج إلى استفهامه، لأنه قد رآه لما
دخل؛ (ولهذا قال الأوزاعي: إن كان صلى في البيت قبل أن يجىء فلا يصلي إذا دخل
المسجد،) لأنها لسنة الجمعة، وقد صلاها فلا يعيدها.
(وتعقب بأن المانع من صلاة التحية) والإمام يخطب (لا يجيز التنقل حال الخطبة

٥٢٠
الباب الثاني في ذكر صلاته مَِّ الجمعة
ويحتمل أن يكون معنى قوله: «قبل أن تجيء» أي إلى الموضع الذي أنت به الآن،
وفائدة الاستفهام، احتمال أن يكون صلاهما في مؤخر المسجد ثم تقدم لقرب من
سماع الخطبة، ويؤيده: أن في رواية مسلم ((أصليت الركعتين؟) بالألف واللام،
وهي للعهد، ولا عهد هناك أقرب من تحية المسجد، وأما سنة الجمعة التي قبلها
فيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى.
وكانت صلاته عَِّ الجمعة قصدًا، بين الطول والتخفيف، وخطبته قصدًا.
رواه مسلم والترمذي من رواية جابر بن سمرة. زاد في رواية أبي داود؛ يقرأ بآيات
مطلقًا، ويحتمل أن يكون معنى قوله قبل أن تجىء، أي: إلى الموضع الذي أنت به الآن،
وفائدة الاستفهام احتمال أن يكون صلاها في مؤخر المسجد، ثم تقدم ليقرب من سماع
الخطبة).
(ويؤيده أن في رواية مسلم: أُصليت الركعتين بالألف واللام وهي للعهد، ولا عهد
هناك أقرب من تحية المسجد،) كذا وقع في الفتح، ولفظ مسلم عن شيخيه قتيبة بن سعيد
وإسحق بن إبراهيم، عن سفين، عن عمرو، عن جابر: دخل رجل المسجد ورسول اللَّه عَّته.
يخطب يوم الجمعة، فقال: ((أصليت)، قال: لا، قال: قم فصل الركعتين)).
وفي رواية قتيبة قال: فصل ركعتين، فبين أن اختلاف شيخيه بالتعريف والتنكير إنما هو في
الأمر لا في الاستفهام؛ (وأما سنة الجمعة التي قبلها، فيأتي الكلام عليها إن شاء اللَّه تعالى)
في الفرع السابع في راتبة الجمعة في القسم الثاني من صلاته النافلة بما فيه طول، حاصله قول
الحافظ هنا: لم يثبت فيها شىء.
(وكانت صلاته عَّ الجمعة قصدا)، أي: متوسطة (بين الطول) الظاهر (والتخفيف)
الماحق، (وخطبته قصدا) بين الطول والقصر، فالتطويل في الخطبة ربما يفضي إلى الملال أو
يوقعها في آخر الوقت، وهذا لا يقتضي مساواة الخطبة للصلاة، فلا ينافي ما رواه مسلم، مرفوعًا:
((ان طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة))، ولا خلف
بين الحديثين، لأن طول الصلاة بالنسبة إلى الخطبة لا تطويلاً يشق على المأمومين، فهي حينئذ
قصد، أي: معتدلة، والخطبة قصد بالنسبة إلى وضعها، فالخطبة متوسطة بالنظر إلى الخطب،
وقصيرة نظرًا إلى الصلاة.
(رواه مسلم والترمذي من رواية جابر بن سمرة) الصحابي ابن الصحابي، مات بالكوفة
بعد سنة سبعين، (زاد في رواية أبي داود) لحديث جابر بن سمرة (يقرأ بآيات من القرآن) في