النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ الباب الثاني في ذكر صلاته عَّ الجمعة وليوم الجمعة من الخواص ما يبلغ العشرين، ذكرها ابن القيم في ((الهدي النبوي)) لا أطيل بذكرها سيما وليست من غرضي. وهو أفضل أيام الأسبوع، كما أن يوم عرفة أفضل أيام العام، وكذلك ليلة القدر وليلة الجمعة، ولهذا كان لوقفة الجمعة يوم عرفة مزية على سائر الأيام. وقال أبو أمامة بن النقاش: يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم النحر أفضل أيام العام، قال: وغیر هذا لا يسلم قائله من اعتراض یعجز عن دفعه. انتھی. وعن أبي هريرة عن النبي عَّهِ أنه قال: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، كانت ليلة الجمعة، قال: ((هذه ليلة غراء ويوم الجمعة يوم أزهر))، فيحتمل أنه يقول: هذا كله عند دخول الليلة وهو الظاهر، فيوم في يوم الجمعة مرفوع، ويحتمل نصبه إن كان يقوله عند دخول يومها أما ليلة الجمعة فمنصوب لا غير كما تبين من رواية البيهقي، ثم الحديث ضعفه البيهقي ثم النووي وغيرهما، فمن قال: لم يصح في فضل رجب غيره لم يصب. (وليوم الجمعة من الخواص ما يبلغ العشرين، ذكرها ابن القيم في الهدي النبوي لا أطيل بذكرها، سيما وليست من غرضي،) لعل مراده ما سلم لابن القيم وإلا ففي الفتح ذكر ابن القيم في الهدي ليوم الجمعة اثنتين وثلاثين خصوصية، فسرد - أعني في الفتح - سنًا وعشرين قم، قال: وذكر فيها أشياء أخر فيها نظر وترك أشياء يطول تتبعها (وهو أفضل أيام الأسبوع، كما أن يوم عرفة أفضل أيام العام، وكذلك ليلة القدر) أفضل ليالي السنة، (وليلة الجمعة) أفضل ليالي الأسبوع، (ولهذا كان لوقفة الجمعة يوم عرفة مزية) فضيلة تميز بها (على سائر الأيام) لجمعه فضل الأسبوع والعام. (وقال أبو أمامة بن النقاش: يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم النحر أفضل أيام العام) فخالف من فضل يوم عرفة عليه، (قال: وغير هذا لا يسلم قائله من اعتراض يعجز عن دفعه. انتهى.) وفي شرح مسلم للمصنف: صرح أئمتنا الشافعية بأن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم عرفة أفضل أيام السنة، وفي أفضل الأيام مطلقًا وجهان، أصحهما يوم عرفة، ومقتضى حديث خير يوم طلعت فيه الشمس تفضيله مطلقًا كما هو الوجه الثاني. (وعن أبي هريرة، عن النبي عٍَّ أنه قال: نحن الآخرون) زمانًا في الدنيا، (السابقون) أهل الكتاب وخيرهم منزلة وكرامة (يوم القيامة) في الحشر والحساب والقضاء لنا قبل الخلائق وفي دخول الجنة، وفي حديث حذيفة عند مسلم: نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم ٤٨١ الباب الثاني في ذكر صلاته عَّالِ الجمعة بيد أنهم أوتو الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا تبع: اليهود غدًا))، والنصارى بعد غد، رواه البخاري. وفي رواية ابن عيينة عن أبي الزناد عند مسلم: ((نحن الآخرون ونحن القيامة المقضي لهم قبل الخلائق، وقيل: المراد بالسبق هنا إحراز فضيلة اليوم السابق بالفضل وهو يوم الجمعة، وهو وإن كان مسبوقًا بسبت قبله، لكنه لا يتصور اجتماع الأيام الثلاثة متوالية إلا ويكون يوم الجمعة سابقًا، وقيل: المراد السبق إلى القبول والطاعة التي حرمها أهل الكتاب، فقالوا: سمعنا وعصينا والأول أقوى؛ قاله الحافظ. (بيد أنهم) أي: اليهود والنصارى (أوتوا الكتاب) أي: التوراة والإنجيل، فاللام للجنس (من قبلنا،) وفي رواية مسلم: غير أن كل أمة أوتيت الكتاب من قبلنا، وهذا شامل لجميع الكتب السماوية بدليل كل أمة، ثم خص اليهود والنصارى بالذكر، لأنهم أقرب زمانًا وكتابهم أقوى تبيانًا واختلافهم أوضح بطلانا. قال الحافظ: وسقط من الأصل، أي: البخاري قوله وأوتيناه من بعدهم وهي ثابتة في رواية أبي زرعة الدمشقي عن أبي اليمان شيخ البخاري، فيه: أخرجه الطبراني في مسند الشاميين، وكذا لمسلم من طريق ابن عيينة عن أبي الزناد ورواه البخاري تامًا بعد أبواب من وجه آخر عن أبي هريرة، فقول القرطبي المراد بالكتاب التوراة فيه نظر، لقوله: وأوتيناه من بعدهم، فلو أريد التوراة ما صح الإخبار لأنا إنما أوتينا القرآن. (ثم هذا،) أي: يوم الجمعة (يومهم الذي فرض اللَّه عليهم) تعظيمه، وهذه رواية الحموي للبخاري، ورواه الأكثر الذي فرض عليهم بالبناء للمجهول، وأشير إليه بهذا، لأنه ذكر في أول الكلام عند مسلم، من طريق آخر عن أبي هريرة، ومن حديث حذيفة قالا: قال مَّ أضل اللَّه عن الجمعة من كان قبلنا الحديث، كما أفاده الحافظ، (فاختلفوا فيه:) هل يلزم تعينه أم يسوغ إبداله بغيره، فاجتهدوا فأخطأوا، (فهدانا اللَّه له) بجهتي البيان والتوفيق، (فالناس لنا تبع) فيه (اليهود،) أي: تبعية اليهود (غدا) يوم السبت، (و) تبعية (النصارى بعد غد) يوم الأحد، كذا قدره ابن لملك ليسلم من الأخبار بظرف الزمان عن الجثة وسبقه إلى نحو ذلك عياض قال الحافظ وهو أوجه من قول القرطبي نصب غدًا ظرفًا متعلقًا بمحذوف تقديره اليهود يعظمون غدا، و کذا قوله بعد غد ولا بد من هذا التقدير، لأن ظرف الزمان لا يخبر به عن الجثة ولابن خزيمة عن سعيد المقبري عن أبي هريرة فهو لنا ولليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد، والمعنى؛ أنه لنا بهداية اللَّه ولهم باختيارهم وخطئهم في اجتهادهم، (رواه البخاري) بهذا اللفظ أول الجمعة عن أبي اليمان عن شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. ٤٨٣ الباب الثاني في ذكر صلاته عَ لِّ الجمعة السابقون)). أي الآخرون زمانًا، والأولون منزلة. والمراد باليوم: يوم الجمعة. وقوله: ((بيد) - بفتح الموحدة إسكان المثناة من تحت وفتح الدال المهملة - المهملة - أي: غير. وإذا عرف هذا، فقوله تعالى: ﴿إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه﴾ [النحل/١٢٤] أي على نبيهم موسى حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت، (وفي رواية) سفين (بن عيينة عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان عن الأعرج عن أبي هريرة، (عند مسلم) قال: قال عَّةُ ((نحن الآخرون ونحن السابقون))) بعطف إحدى الصفتين على الأخرى إيذانًا بأن كل واحدة منهما مستقلة في بيان الفضيلة، و کرر نحن إيماء إلى أن لكل واحد من هذين الوصفين اختصاصًا بهذه الأمة لا يوجد في غيرها، لا أن حصولهما جميعًا مختص بهم فقط ويحصل لغيرهم واحد منهما، فهذه الأمة وإن كانت آخر الأمم صورة فهم أولهم حقيقة، قاله الولي العراقي. (أي: الآخرون زمانًا والأولون منزلة،) وفي نسخة: والسابقون، لكن الذي في الفتح الأولون وهي أنسب، لأن المراد تفسير السابقون في الحديث بالأولون في كل شىء يوم القيامة، (والمراد باليوم) في قوله: ثم هذا يومهم (يوم الجمعة) لذكره أولا في بعض طرق الحديث، (وقوله: بيد، بفتح الموحدة وإسكان المثناة من تحت وفتح الدال المهملة، أي: غير) وزنا ومعنى، وبه جزم الخليل والكسائي ورجحه ابن سيده، وعن الشافعي: معنى بيد من أجل، واستبعده عياض ولا بعد فيه؛ بل معناه انا سبقنا بالفضل إذ هدينا للجمعة مع تأخرنا في الزمان، بسبب أنهم ضلوا عنها مع تقدمهم، ويشهد له ما في فوائد ابن المقري عن أبي صالح عن أبي هريرة، بلفظ: نحن الآخرون في الدنيا ونحن أول من يدخل الجنة، لأنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وفي موطأ سعيد بن عفير عن لملك عن أبي الزناد، بلفظ: ذلك بأنهم أوتوا الكتاب. وقال الداودي: هي بمعنى على أو مع، قال القرطبي: إن كانت بمعنى غير فنصب على الاستثناء، وإن كانت بمعنى مع فنصب على الظرف، وقال الطيبي هي للاستثناء وهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم، والمعنى: نحن السابقون للفضل، غير أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ووجه التأكيد ما أدمج فيه من معنى النسخ، لأن الناسخ هو السابق في الفضل وإن تأخر الوجود، وبهذا التقرير يظهر قوله نحن الآخرون مع كونه أمرًا واضحًا، قاله الحافظ، (وإذا عرف هذا فقوله تعالى ﴿إنما جعل السبت﴾،) أي: تعظيمه والتخلي فيه للعبادة (﴿على الذين اختلفوا فيه﴾، ٤٨٤ الباب الثاني في ذكر صلاته عَّ الجمعة فاختلافهم في السبت كان اختلافًا على نبيهم في ذلك اليوم لأجله. فإن قيل: هل في العقل وجه يدل على أن يوم الجمعة أفضل من السبت والأحد، وذلك لأن أهل الملل اتفقوا على أنه تعالى خلق العالم في ستة أيام، وبدأ الخلق والتكوين في يوم الأحد، وتم يوم الجمعة، فكان الفراغ في يوم السبت، فقالت اليهود: نحن نوافق ربنا في ترك الأعمال، فعينوا السبت لهذا المعنى، وقالت النصارى: مبدأ الخلق والتكوين يوم الأحد، فنجعل هذا عيدًا لنا، فهذان اليومان معقولان، فما الوجه في جعل يوم الجمعة عيدًا؟ فالجواب: إن يوم الجمعة هو يوم الكمال والتمام، وحصول الكمال والتمام يوجب الفرح الكامل والسرور العظيم، فجعل يوم الجمعة يوم أولى من هذا الوجه والله أعلم. قال ابن بطال: وليس المراد في الحديث أنه فرض عليهم يوم الجمعة بعينه أي: على نبيهم موسى حيث أمرهم بالجمعة،) فناظروه وقالوا: السبت أفضل (فاختاروا السبت،) فأوحى الله إليه دعهم وما اختاروا لأنفسهم (فاختلافهم في السبت كان اختلافًا على نبيهم في ذلك اليوم لأجله،) فإنما أمروا أولا بالجمعة صريحًا، (فإن قيل: هل في العقل وجه يدل على أن يوم الجمعة أفضل من السبت والأحد، وذلك لأن أهل الملل اتفقوا على أنه تعالى خلق العالم في ستة أيام، وبدأ الخلق والتكوين في يوم الأحد) وختمه في يوم الجمعة، (فكان الفراغ في يوم السبت، فقالت اليهود: نحن نوافق ربنا في ترك الأعمال) ونتفرغ للعبادة، (فعينوا السبت لهذا المعنى،) فألزموا به وشدد عليهم أمره. (وقالت النصارى: مبدأ الخلق والتكوين يوم الأحد، فنجعل هذا عيدًا لنا،) لأن بدء الخلق موجب للشكر والعبادة، (فهذان اليومان معقولان،) فعظمهما اليهود والنصارى لحكمة عقلية بزعمهم، (فما الوجه) من جهة العقل (في جعل يوم الجمعة عيدًا، فالجواب أن يوم الجمعة هو يوم الكمال والتمام، وحصول الكمال والتمام يوجب الفرح الكامل والسرور العظيم،) ألفاظ متقاربة المعاني، (فجعل يوم الجمعة يوم عيد أولى) أحق (من هذا الوجه) العقلي (والله اعلم). وقال البيضاوي: لأن اللَّه تعالى خلق الإنسان للعبادة وكان خلقه يوم الجمعة، فالعبادة فيه أولى، ولأنه تعالى أوجد في سائر الأيام ما ينتفع به الإنسان، وفي يوم الجمعة أوجد الإنسان نفسه والشكر على نعمة الوجود أهم وأحرى. ٤٨٥ الباب الثاني في ذكر صلاته معَِّ الجمعة فتركوه، لأنه لا يجوز لأحد أن يترك ما فرض الله تعالى عليه وهو مؤمن، وإنما يدل - والله أعلم - أنه فرض عليهم يوم من الجمعة، ووكل إلى اختيارهم ليقوموا فيه لشريعتهم فاختلفوا فيه ولم يهتدوا ليوم الجمعة. كذا قال، ولكن قد روى ابن أبي حاتم عن اسمعيل السدي التصريح بأنه فرض عليهم يوم الجمعة بعينه، فأبوا، ولفظه: ((إن الله فرض على اليهود يوم الجمعة فأبوا، وقالوا: يا موسى اجعل لنا يوم السبت فجعل عليهم)). وليس ذلك بعجيب من مخالفتهم، كما وقع لهم في قوله تعالى: ﴿ادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة﴾، [البقرة/٥٨] وهم القائلون: ﴿سمعنا وعصينا﴾، [البقرة/٩٣]. (قال ابن بطال: وليس المراد في الحديث أنه فرض عليهم يوم الجمعة بعينه،) أي: بالنص عليه (فتركوه، لأنه لا يجوز لأحد أن يترك ما فرض اللَّه تعالى عليه وهو مؤمن، وإنما يدل) الحديث (واللَّه أعلم أنه فرض عليهم يوم من الجمعة، ووكل) تعيينه (إلى اختيارهم ليقوموا فيه لشريعتهم، فاختلفوا فيه،) أي الأيام هو (ولم يهتدوا ليوم الجمعة) الذي هو أفضل الأيام وذهلوا عن الفضائل الواقعة فيه كخلق آدم وغير ذلك، وعن تلك الحكم العقلية الثلاثة، (کذا قال) ابن بطال. قال الحافظ: ومال إليه عياض، ورشحه بأنه لو كان فرض عليهم بعينه لقيل: فخالفوا بدل فاختلفوا، وقال النووي: يمكن أنهم أمروا به صريحًا، فاختلفوا هل يلزم بعينه ويسوغ إبداله بيوم آخر، فاجتهدوا في ذلك فاخطأوا انتهى. ويشهد له ما رواه الطبري بإسناد صحيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه﴾ [النحل: ١٢٤]. قال: أرادوا الجمعة فأخطأوا وأخذوا السبت مكانه، ويحتمل أن يراد بالاختلاف اختلاف اليهود والنصارى في ذلك، (ولكن قد روى ابن أبي حاتم) بإسناد صحيح (عن اسمعيل السدي،) بضم المهملة (التصريح بأنه فرض عليهم يوم الجمعة بعينه فأبوا، ولفظه: ((إن اللَّه فرض على اليهود يوم الجمعة، فأبوا وقالوا: يا موسى اجعل لنا يوم السبت،) لفظ السدي كما في الفتح؛ إن اللَّه لم يخلق يوم السبت شيئًا فاجعله لنا، ((فجعل عليهم). وليس ذلك بعجيب من مخالفتهم،) فقد عهدت لهم صريحًا (كما وقع لهم في قوله تعالى: ﴿ادخلوا الباب﴾،) أي: باب القرية وهي بيت المقدس أو أريحاء (﴿سجدا﴾) منحنين، (﴿وقولوا﴾) مسئلتنا (﴿حطة﴾) أي: أن تحط عنا خطايانا، فقالوا: حبة في شعرة ودخلوا يزحفون على ٤٨٦ . الباب الثاني في ذكر صلاته معَّله الجمعة ويحتمل قوله ((فهدانا الله له)) بأن نص لنا عليه، وأن يراد الهداية إليه بالاجتهاد، ويشهد للثاني ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول الله عَ ليه وقبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يومًا يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فهلم فلنجعل لنا يومًا نجتمع فيه نذكر الله تعالى ونصلي ونشكره، فجعلوه يوم العروبة. واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ، وأنزل الله بعد ذلك: ﴿إِذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [الجمعة/٩]. وهذا وإن كان مرسلاً فله شاهد بإسناد حسن أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وصححه ابن خزيمة من حديث أستاههم (وهم القائلون ﴿سمعنا﴾) قولك (﴿وعصينا﴾) أمرك، (ويحتمل قوله: ((فهدانا اللَّه له)) بأن نص لنا عليه، وأن يراد الهداية إليه بالاجتهاد) الذي طابق الصواب، (ويشهد للثاني ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين، قال: جمع) بالتشديد، أي: شهد الجمعة (أهل المدينة) كما يقال عيدوا إذا شهدوا العيدين (قبل أن يقدمها رسول اللَّه عَ لّ﴾. وقبل أن تنزل الجمعة،) أي: فرضها بقوله تعالى: ﴿إِذ نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر اللَّه﴾. (فقالت الأنصار) بين به سبب تجميعهم، فالفاء للسببية، (إن لليهود يومًا يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فهلم فلنجعل لنا يوما نجتمع فيه نذكر اللَّه تعالى ونصلي ونشكره) على نعمه، (فجعلوه يوم العروبة واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة، فصلى بهم يومئذ) ركعتين، فإن قيل المشروع حينئذ الظهر، والاكتفاء عنها بركعتين إنما يكون بتوقيف لا بالاجتهاد، فالجواب أن الصلاة فرضت أولاً ركعتين كما في الصحيحين عن عائشة، وإنما زيد في صلاة الحضر بعد الهجرة إما بقليل أو بنحو عام كما مر، فالذي اجتهدوا فيه إنما هو الخطبة قبل الصلاة لا الركعتان اللتان هما الظهر، فلا ضير في تقديم حمد ووعظ قبل صلاتهما، أما على انها فرضت أربعًا كما في مسلم عن ابن عباس، فالسؤال وارد اللهم إلا أن يقال يحتمل أن أسعد علم بأنها فرضت بمكة، ولم يتمكن عَ لّه من إقامتها فيها على نحو ما يأتي قريبًا للمصنف. (وأنزل اللَّه بعد ذلك) أي: بعد الهجرة النبوية للمدينة. (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة) فاسعوا إلى ذكر اللَّه وذروا البيع﴾ [الجمعة: ٩] الآية، ذنيها أن الجمعة فرض، لأن الأذان من خواص الفرائض، ولأنه لا ينهى عن المباح نهي تحريم إلا إذا أفضى إلى ترك واجب، ويضاف إلى ذلك التوبيخ على قطعها والآية مدنية، فيدل على أنها إنما فرضت بالمدينة وعليه الأكثر، وقال الشيخ أبو حامد: فرضت بمكة، قال الحافظ: وهو غريب. ٤٨٧ الباب الثاني في ذكر صلاته مَّ الجمعة كعب بن مالك قال: كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم رسول الله عَ ليه المدينة أسعد بن زرارة. فمرسل ابن سيرين يدل على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد، ولا يمنع ذلك أن النبي عَّ علمه بالوحي وهو بمكة، فلم يتمكن من إقامتها ثَمّ، ولذلك جمَّع بهم أول ما قدم المدنية. انتهى. وقال ابن إسحاق: لما قدم عليه الصلاة والسلام المدينة أقام بقباء، في بني عمرو بن عوف، يوم الإثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس، وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة، فأدركته الجمعة في بني سالم، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة وذلك قبل تأسس مسجده. (وهذا وإن كان مرسلاً) لأن ابن سيرين من التابعين (فله شاهد بإسناد حسن أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة) وغير واحد، كما في الفتح (من حديث كعب بن لملك) الأنصاري أحد الثلاثة الذين خلفوا، (قال: كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم رسول اللَّه عَّ المدينة أسعد بن زرارة،) بضم الزاي النجاري، شهد العقبات الثلاثة ومات في شوال سنة احدى من الهجرة بالمدينة، وصلى عليه النبي عَّة، (فمرسل ابن سيرين يدل على أن أولئك الصحابة) أسعد ومن معه، (اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد، ولا يمنع ذلك أن النبي عَّ علمه بالوحي وهو بمكة فلم يتمكن من إقامتها ثم) أي: هناك، أي: بمكة لغلبة المشر کین حينئذ. زاد الحافظ: وقد ورد فيه حديث ابن عباس عند الدارقطني، (ولذلك جمع بهم أول ما قدم المدينة) كما حكاه ابن اسحق وغيره، فقد حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوفيق. (انتهى) كلام فتح الباري بما زدته عنه من أول قوله، يحتمل قوله: فهدانا اللَّه بلفظه وما قبله عن ابن بطال ... الخ منه أيضًا ببعض تصرف. (وقال) محمد (بن اسحق) امام المغازي (لما قدم عليه الصلاة والسلام المدينة أقام بقباء،) بضم القاف (في بني عمرو بن عوف) من الأنصار (يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس وأسس مسجدهم) الذي أسس على التقوى، (ثم خرج يوم الجمعة فأدركته الجمعة في بني سالم، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة، وذلك قبل تأسيس مسجده) عٍَّ (وكان عٍَّ يصلي الجمعة حين ٤٨٨ الباب الثاني في ذكر صلاته عَّهِ الجمعة وكان عَّهِ يصلي الجمعة حين تميل الشمس. رواه البخاري من حديث أنس، وفي رواية: إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة - يعني الجمعة - وفي رواية سهل بن سعد عند البخاري ومسلم: كنا نصلي معن عَّ﴾. الجمعة ونقيل بعد الجمعة. تميل الشمس) عن كبد السماء وفيه إشعار بمواظبته على ذلك. وأما رواية حميد التي بعدها في البخاري عن أنس: كنا نبكر بالجمعة ونقيل بعد الجمعة، فظاهره أنهم كانوا يصلونها باكر النهار، لكن طريق الجمع أولى من دعوى التعارض، والتبكير يطلق على فعل الشىء في أول وقته أو تقديمه على غيره وهو المراد هنا، والمعنى أنهم كانوا يبدأون بالصلاة قبل القيلولة، بخلاف ما جرت به عادتهم في صلاة الظهر في الحر، فكانوا يقيلون ثم يصلون لمشروعية الإبراد، ولهذه النكتة أورد البخاري طريق حميد عن أنس عقب طريق عثمن بن عبد الرحمن، عنه قال ابن المنير: فسر البخاري حديث أنس الثاني بحديثه الأول إشارة منه إلى أنه لا تعارض بينهما. قال الحافظ: ولم يصرح البخاري برفع حديث أنس الثاني، وقد أخرجه الطبراني وابن حبان، فزادا فيه مع النبي ◌َّةٍ، (رواه البخاري من حديث أنس) وهو من إفراده عن مسلم کحديث: كنا نبكر بالجمعة. (وفي رواية) للبخاري أيضًا من إفراده: كان النبي عَّهِ (إذا اشتد البرد بكر بالصلاة،) صلاها في أول وقتها على الأصل، (وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة،) قال الراوي: (يعني الجمعة) قياسًا على الظهر لا بالنص، لأن أكثر الأحاديث تدل على التفرقة في الظهر، وعلى التبكير في الجمعة مطلقًا من غير تفصيل، ونحا البخاري إلى مشروعية الإبراد بالجمعة، ولم يثبت الحكم بذلك، وإنما قال: باب إذا اشتد الحر يوم الجمعة، لأن قوله يعني يحتمل أنه قول التابعي مما فهمه، وأن يكون من نقله فرجح عنده إلحاقها بالظهر، لأنها إما ظهر وزيادة أو بدل عن الظهر، قاله ابن المنير. (وفي رواية سهل بن سعد عند البخاري) في مواضع مطولاً ومختصرًا، بلفظه: (ومسلم) بمعناه قال: (كنا نصلي معه عَّ الجمعة ونقيل،) بفتح النون، أي: نستريح (بعد) صلاة (الجمعة،) ولفظ مسلم عن سهل: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد صلاة الجمعة في عهد رسول اللَّه عَّهِ، وإنما فعلوا ذلك عوضًا لما فاتهم من ذلك في وقته المعتاد لاشتغالهم بالتأهب للجمعة، ثم لحضورها، فلا حجة فيه لمن أخذ منه جواز صلاة الجمعة قبل الزوال، بل أخذ منه ٤٨٩ الباب الثاني في ذكر صلاته عَ ل الجمعة ثم اعلم أن الخطبة شرط في انعقاد الجمعة، لا تصح إلا بها، وقال سعيد بن جبير: هي بمنزلة الركعتين من صلاة الظهر، فإذا تركها وصلى الجمعة فقد ترك ركعتين من صلاة الظهر. ولم يكن يؤذن في زمانه عَِّ على المنار، وبين يديه، وإنما كان يؤذن بلال وحده بين يديه عَّة إذا جلس على المنبر، كما صرح به أئمة الحنفية والمالكية والشافعية وغيرهم. وعبارة البرهان المرغيناني من الحنفية في هدايته: وإذا صعد الإمام على المنبر جلس، وأذن المؤذن بين يدي المنبر، بذلك جرى التوارث، ولم يكن على عهد رسول الله عٍَّ إلا هذا الأذان. وعبارة ابن الحاجب من المالكية: ويحرم السعي عند أذان جلوس الخطبة، ابن المنير أن الجمعة بعده، لأن العادة في القائلة أن تكون قبله، فأخبر الصحابي أنهم كانوا يشتغلون بالتهيؤ للجمعة عوض القائلة، ويؤخرون القائلة حتى تكون بعد صلاة الجمعة، (ثم اعلم أن الخطبة) أي: جنسها، فشمل الخطبتين (شرط في انعقاد الجمعة لا تصح إلا بها،) ويأتي ما يدل على شرط تقديمها على الصلاة. (وقال سعيد بن جبير) التابعي: (هي بمنزلة الركعتين من صلاة الظهر، فإذا تركها وصلى الجمعة فقد ترك ركعتين من صلاة الظهر) أي: حكمه حكم من ترك ذلك، ومعلوم أنه لا تصح صلاته، وهذا يتأتى على القول بأنها بدل عن الظهر فهي ظهر مقصورة، وقيل: هي فرض يومها، وهو المرجح عند الشافعية، والقول: لأن مرجحان عند المالكية، وعليه: فإذا ترك الخطبة وصلى الجمعة لا تصح أيضًا، لكن لفقد شرطها الذي هو الخطبتان لا لنقص ركعتين كما يقول الأول. (ولم يكن يؤذن في زمانه عَّ على المنار) أي: المئذنة (وبين يديه، وإنما كان يؤذن بلال وحده بين يديه عَّه إذا جلس على المنبر كما صرح به أئمة الحنفية والمالكية والشافعية وغيرهم) من المجتهدين، فهو بالرفع عطف على أئمة، (وعبارة البرهان) أبي الحسن علي ابن أبي بكر (المرغيناني،) بفتح الميم وسكون الراء وكسر الغين المعجمة وتحتية ساكنة ونونين بينهما ألف نسبة إلى مرغينان مدينة بفرغانة بلد وراء نسا من خراسان، (من الحنفية في هدايته: وإذا صعد الإمام على المنبر جلس وأذن المؤذن بين يدي المنبر، بذلك جرى التوارث ولم يكن على عهد رسول اللَّه عٍَّ إلا هذا الأذان) دون الذي يفعل الآن قبله على المنابر، (وعبارة ابن الحاجب من المالكية: ويحرم السعي،) كذا في النسخ، والذي في ابن ٤٩٠ الباب الثاني في ذكر صلاته عَّ الجمعة وهو المعهود، فلما كان عثمان وكثروا أمر بالأذان قبله على الزوراء، ثم نقله هشام إلى المسجد، وجعل الآخر بين يديه. انتهى. ونحوه قال عبد الحق في ((تهذيب الطالب)). وأما قول ابن أبي زيد في رسالته: وهذا الأذان الثاني أحدثه بنو أمية. فقال شارحوه - الفاكهاني وغيره -: يعني الثاني في الأحداث وهو الأول في الفعل، قال: وكان بعض شيوخنا يقول: الأول هو الثاني، والثاني هو الأول ومنشؤه ما تقدم. الحاجب: ويحرم الاشتغال عن السعي، قال في التوضيح: الاشتغال بالبيع وغيره (عند أذان جلوس الخطبة،) أي: جلوس الاستراحة قبلها (وهو المعهود،) أي: في زمانه عَّه ولم يكن في زمانه يؤذن على المنار وبين يديه كما يفعل اليوم، قاله في التوضيح، ولما قرأ شيخنا هذا المحل سألني عن عبارة ابن الحاجب التي تحرفت على المصنف، وعن شرح لها فلم يكن عندي شىء، فقلت له: لعله أراد السعي في البيع والشراء والإجارة، وبين الصفوف ونحو ذلك من الأمور الممنوعة بالأذان الثاني في الفعل كما هو مذهب لملك فأمر بكتب ذلك، هذا وحذف المصنف من ابن الحاجب بعد قوله وهو المعهود قيل: مرة وقيل مرتين وقيل ثلاثًا. قال في التوضيح: القول بأنه مرة نقله ابن القسم عن ملك في المجموعة، ونقل في النوادر عن ابن حبيب؛ أنه كان المؤذنون ثلاثة واحد بعد واحد، (فلما كان) أي: صار (عثمن) خليفة فحذف الخبر، (وكثروا،) أي: الناس الذين يحضرون الجمعة بالمدينة (أمر بالأذان قبله،) أي قبل الأذان الذي بين يدي الخطيب (على الزوراء،) بفتح الزاي وسكون الواو فراء ممدودة، (ثم نقله هشام) بن عبد الملك وكان بعد عثمن بثمانين سنة (إلى المسجد،) أي: أمر بفعله فيه (وجعل الآخر) الذي يفعل بعد جلوس الخطيب على المنبر (بين يديه) مرة واحدة بمعنى أنه أبقاه بالمكان الذي يفعل فيه فلم يغيره بخلاف ما كان يفعل بالزوراء، فحوله إلى المسجد على المنار، (انتهى) كلام ابن الحاجب (ونحوه) نصب مفعول فعله، (قال:) وفاعله (عبد الحق في) كتاب (تهذيب الطالب). (وأما قول ابن أبي زيد في رسالته: وهذا الأذان الثاني أحدثه بنو أمية،) يعني عثمن ولو عبر به كان أولى، لأنه وإن كان أمويًا لكنه ثالث الخلفاء الراشدين وبنو أمية صار علمًا بالغلبة على من بعد علي وابنه الحسن، (فقال شارحوه) أي: كتاب الرسالة (الفاكهاني وغيره، يعني الثاني في الأحداث وهو الأول في الفعل) الذي يفعل على المنابر. (قال) الفاكهاني: (وكان بعض شيوخنا يقول الأول) في الفعل (هو الثاني) في ٤٩١ الباب الثاني في ذكر صلاته معَِّ الجمعة انتھی. وعبارة الزركشي - كغيره من الشافعية -: ويجلس الإمام على المستراح ليستريح من تعب الصعود، ثم يؤذن المؤذن بعد جلوسه، فإن التأذين كان حين، يجلس رسول الله عَّةٍ، ولم يكن قبله أذان، فلما كان زمن عثمان وكثر الناس، أمرهم بالتأذين ثانيًا، ثم يديم الجلوس إلى فراغ المؤذن، انتهى. وعن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي عَّه وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان وكثر الناس، زاد النداء الثالث على الزوراء، رواه البخاري وقال: الزوراء موضع بالسوق بالمدينة. الأحداث، (والثاني) في الفعل (هو الأول) في المشروعية، (ومنشؤه)،) أي: مبناه، وفي نسخ: ومفسره (ما تقدم) هو قوله، يعني الثاني ... الخ، (انتهى) كلام الفاكهاني. (وعبارة الزركشي كغيره من الشافعية، ويجلس الإمام على المستراح) محل الراحة وهو أعلى المنبر (ليستريح من تعب الصعود،) هذا أحد القولين في تعليله والثاني للأذان، فعليه لا يسن في العيد، إذ لا أذان لها، (ثم يؤذن المؤذن بعد جلوسه) للاستراحة، (فإن التأذين كان حين يجلس رسول اللَّه عَّ له ولم يكن قبله،) أي: قبل الأذان بين يديه (أذان، فلما كان زمن) خلافة (عثمن) أي: في أثنائها، (وكثر الناس) المسلمون الذين يحضرون الجمعة بالمدينة (أمرهم بالتأذين ثانيًا،) أي: بإحداث أذان ثان على الزوراء وإن كان الأول فعلاً، (ثم يديم الجلوس إلى فراغ المؤذن اهـ). (وعن السائب بن يزيد) بن سعيد الكندي، صحابي صغير، له أحاديث قليلة وحج به في حجة الوداع وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة، مات سنة إحدى وتسعين، وقيل: قبلها وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، (قال: كان النداء) الذي ذكره اللَّه في القرآن (يوم الجمعة أوله) بالرفع بدل من اسم كان، وخبرها قوله: (إذا جلس الإمام على المنبر). وعند ابن خزيمة عن السائب: كان ابتداء الأذان الذي ذكره اللَّه في القرآن يوم الجمعة إذا خرج الإمام وإذا أقيمت الصلاة (على عهد النبي عَّ﴾. وأبي بكر وعمر،) أي: مدة خلافتهما، (فلما كان عثمن) أي: خليفة (وكثر الناس،) زاد في رواية الإسمعيلي بالمدينة، وظاهره أن عثمن أمر بذلك في ابتداء خلافته، لكن في مستخرج أبي نعيم أن ذلك كان بعد مضي مدة من خلافته. (زاد النداء الثالث) بعد دخول الوقت (على الزوراء، رواه البخاري) من إفراده عن مسلم ٤٩٢ الباب الثاني في ذكر صلاته عَّهِ الجمعة وفي رواية له أيضًا: أن التأذين الثاني يوم الجمعة أمر به عثمان حين كثر أهل المسجد، وهو يفسر بما فسر به قول ابن أبي زيد السابق. وعند ابن خزيمة: كان الأذان على عهد رسول الله عَّةٍ وأبي بكر وعمر أذانين يوم الجمعة. قال ابن خزيمة: قوله ((أذانين)) يريد: الأذان والإقامة تغليبًا أو لاشتراكهما في الإعلام. وللنسائي: كان بلال يؤذن إذا جلس النبي عَِّ على المنبر، فإذا نزل أقام. وفي رواية وكيع عن ابن أبي ذئب: فأمر عثمان بالأذان الأول، ونحوه للشافعي من هذا الوجه. من طريق ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن السائب وله عنده طرق تدور على الزهري عن السائب. (وقال) البخاري عقب روايته في رواية أبي ذر له وحده: (الزوراء موضع بالسوق بالمدينة) على المعتمد، وجزم ابن بطال؛ بأنه حجر كبير عند باب المسجد وفيه نظر لما في رواية ابن خزيمة وابن ماجه، بلفظ: زاد النداء الثالث على دار في السوق يقال لها الزوراء وكان يؤذن له عليها، فإذا جلس على المنبر أذن مؤذنه الأول، فإذا نزل أقام الصلاة، وفي رواية: فأذنه مؤذن بالزوراء قبل خروجه ليعلم الناس أن الجمعة قد حضرت، وفي مسلم عن أنس أن نبي الله وأصحابه كانوا بالزوراء والزوراء بالمدينة عند السوق، قاله الحافظ. (وفي رواية له) للبخاري (أيضًا) من طريق عقيل عن ابن شهاب عن السائب (إن التأذين الثاني يوم الجمعة أمر به عثمن حين كثر أهل المسجد) النبوي في أثناء خلافته (وهو يفسر بما فسر به قول ابن أبي زيد السابق) إنه الثاني في الأحداث أول في الفعل. (وعند ابن خزيمة) عن الزهري عن السائب: (كان الأذان على عهد رسول اللَّه عَّ. وأبي بكر وعمر أذانين يوم الجمعة، قال ابن خزيمة قوله: أذانين يريد الأذان والإقامة تغليبًا،) لأنه شرعًا غير الإقامة، فغلب عليها فسماها باسمه (أو لاشتراكهما في الإعلام) فلا تغليب، لأن الأذان لغة الإعلام، وفي الإقامة إعلام بدخول وقت الصلاة كالأذان، فهو حقيقة لغوية في كل منهما، (وللنسائي) عن الزهري عن السائب: (كان بلال يؤذن إذا جلس النبي عَُّ على المنبر، فإذا نزل) عنه (أقام) الصلاة. (وفي رواية وكيع) بن الجراح، (عن ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن السائب عند ابن خزيمة: (فأمر عثمن بالأذان الأول) فعلا، (ونحوه للشافعي من ٤٩٣ الباب الثاني في ذكر صلاته علَّيّة الجمعة قال في فتح الباري: ولا منافاة بينهما، لأنه باعتبار كونه مزيدًا يسمى ثالثًا، وباعتبار كونه مقدمًا على الأذان والإقامة يسمى أولاً. وأما قوله في رواية البخاري: (إن التأذين الثاني))، فمتوجه بالنظر إلى الأذان الحقيقي لا الإقامة. وقال الشيخ خليل في ((التوضيح)). واختلف النقل: هل كان يؤذن بين يديه عليه الصلاة والسلام، أو على المنار؟ الذي نقله أصحابنا أنه كان على المنار، نقله ابن القاسم عن مالك في ((المجموعة)). ونقل ابن عبد البر فى كافية عن مالك أن الآذان بين يدي الإمام ليس من الأمر القديم. وقال غيره: هو أصل الأذان في الجمعة، وكذا نقل صاحب ((تهذيب الطالب)) والمازري. وفي ((الاستذكار): إن هذا اشتبه على بعض أصحابنا، فأنكر أن يكون الأذان هذا الوجه،) أي: عن وكيع ... الخ. (قال في فتح الباري: ولا منافاة بينهما لأنه باعتبار كونه مزيدًا يسمى ثالثًا) قبله الأذان بين يديه ثم الإقامة فهو ثالث، (وباعتبار كونه مقدمًا على الأذان) بين يدي الخطيب (والإقامة یسمی أولاً. (وأما قوله في رواية البخاري) المذكورة ثانيًا (إن التأذين الثاني) ليوم الجمعة أمر به عثمن حين كثر أهل المسجد (فمتوجه،) أي: منصرف أو منساق (بالنظر إلى الأذان الحقيقي لا الإقامة) فلا. (وقال الشيخ خليل) بن اسحق (في التوضيح) اسم شرحه على ابن الحاجب. (واختلف النقل هل كان يؤذن بين يديه عليه الصلاة والسلام أو على المنار الذي نقله أصحابنا أنه كان على المنار، نقله ابن القسم) عبد الرحمن (عن ملك في المجموعة) اسم كتاب. (ونقل ابن عبد البر في كافيه) اسم كتاب له في الفقه، (عن ملك أن الأذان بين يدي الإمام ليس من الأمر القديم، وقال غيره،) أي: غير لملك (هو أصل الأذان في الجمعة) الذي کان في العهد النبوي. (وكذا نقل صاحب تهذيب الطالب) لعبد الحق (والمازري، وفي الاستذكار) اسم ٤٩٤ الباب الثاني في ذكر صلاته عَّ الجمعة يوم الجمعة بين يدي الإمام كان في زمنه عليه الصلاة والسلام وأبي بكر وعمر، وأن ذلك حدث في زمن هشام. قال: وهذا قول من قل علمه، ثم استشهد بحديث السائب بن يزيد المروي في البخاري السابق، ثم قال: وقد رفع الإشكال فيه ابن إسحاق عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: كان يؤذن بين يدي النبي عَّ إذا جلس على المنبر يوم الجمعة وأبي بكر وعمر. وانتهى. والحكمة في جعل الأذان في هذا المحل ليعرف الناس بجلوس الإمام على المنبر فينصتون له إذا خطب. قاله المهلب. قال في فتح الباري: وفيه نظر، فإن في سياق محمد بن إسحاق عند الشرح الصغير على الموطأ لابن عبد البر (إن هذا اشتبه على بعض أصحابنا، فأنكر أن يكون الأذان يوم الجمعة بين يدي الإمام، كان في زمنه عليه الصلاة والسلام وأبي بكر وعمر وأن ذلك حدث في زمن هشام) بن عبد الملك، (قال:) وفي الاستذكار، (وهذا قول من قل علمه) بالأحاديث، وكأنه يعني الداودي، وفي فتح الباري تواردت الشراح على أن معنى قول الأذان الثالث أن الأولين الأذان والإقامة، لكن نقل الداودي أن الأذان أولا كان في سفل المسجد، فلما كان عثمن جعل من يؤذن على الزوراء، فلما كان هشام، يعني ابن عبد الملك جعل من يؤذن بين يديه فصاروا ثلاثة، فسمي فعل عثمن ثالثًا لذلك اهـ. وهذا الذي ذكره يغني ذكره عن تكلف رده، فليس له فيما قاله سلف، ثم هو خلاف الظاهر، فتسمية ما أمر به عثمن ثالثًا يستدعي سبق اثنين قبله، وهشام إنما كان بعد عثمن بثمانين سنة اهـ (ثم استشهد) في الاستذكار (بحديث السائب بن يزيد) بياء قبل الزاي، (المروي في البخاري السابق) قريبًا، (ثم قال) بعد ذكره. (وقد رفع الإشكال فيه ابن اسحق عن الزهري عن السائب بن يزيد، قال: كان يؤذن) بالبناء للمفعول والمؤذن بلال (بين يدي النبي عَّ إذا جلس على المنبر يوم الجمعة وأبي بكر وعمر اهـ.) كلام التوضيح، (والحكمة في جعل الأذان في هذا المحل،) أي: بين يدي الخطيب (ليعرف الناس بجلوس الإمام على المنبر، فينصتون،) بضم الياء من أنصت أكثر من فتحها من نصت كضرب، أي: فهم يستمعون (له إذا خطب، قاله المهلب،) وفي نسخة: فينصتوا بحذف النون عطفًا على يعرف. ٤٩٥ الباب الثاني في ذكر صلاته عَّلِّ الجمعة الطبراني وغيره في هذا الحديث: أن بلالاً كان يؤذن على باب المسجد، فالظاهر أنه كان لمطلق الإعلام لا لخصوص الإنصات. والذي يظهر أن الناس أخذوا بفعل عثمان في جمع البلاد إذ ذاك، لكونه كان حينئذٍ خليفة مطاع الأمر، لكن ذكر الفاكهي أن أول من أحدث الأذان الأول بمكة الحجاج وبالبصرة زياد. وفي تفسير جويبر عن الضحاك عن معاذ: أن عمر أمر مؤذنين أن يؤذنا للناس الجمعة خارجًا عن المسجد حتى يسمع الناس، وأمر أن يؤذن بين يديه كما كان في عهد النبي ◌َّه وأبي بكر، ثم قال عمر: نحن ابتدعناه لكثرة المسلمين. وهذا منقطع بين مكحول ومعاذ، ولا يثبت، وقد تواردت الأخبار أن عثمان (قال في فتح الباري: وفيه نظر، فإن في سياق محمد بن اسحق عند الطبراني وغيره) عن الزهري (في هذا الحديث) عن السائب (أن بلالاً كان يؤذن على باب المسجد، فالظاهر أنه كان لمطلق الإعلام لا لخصوص الإنصات،) نعم لما زيد الأذان الأول كان للإعلام، وكان الذي بين يدي الخطيب للإنصات، هذا حذفه من كلام الفتح، ثم قال فيه بعد قليل: (والذي يظهر أن الناس أخذوا بفعل عثمن في جميع البلاد، إذ ذاك لكونه كان حينئذ خليفة مطاع الأمر). وفي رواية للبخاري عن السائب: فأذن به على الزوراء، فثبت الأمر على ذلك، ولابن خزيمة: فثبت ذلك حتى الساعة، (لكن ذكر الفاكهي) في تاريخ مكة (أن أول من أحدث الأذان الأول بمكة الحجاج) بن يوسف الثقفي، (وبالبصرة زياد) ابن أبيه، وهذا استدراك على قوله: في جميع البلاد. زاد الحافظ: وبلغني أن أهل المغرب الأدنى الآن لا تأذين للجمعة عندهم سوى مرة. (وفي تفسير جويبر) تصغير جابر (عن الضحاك) بن زيادة الراوي عن برد بن سنان عن مكحول كما في الفتح قبل قوله: (عن معاذ) بن جبل (أن عمر أمر مؤذنين) بالتثنية بدليل قوله: (أن يؤذنا للناس الجمعة خارجًا عن المسجد حتى يسمع الناس، وأمر أن يؤذن بين يديه كما كان في عهد النبي عَّةٍ وأبي بكر، ثم قال عمر: نحن ابتدعناه،) أي: تعدد الأذان (لكثرة المسلمين،) فهذا يخالف حديث السائب، وبما أسقطه من قول الفتح عن برد بن سنان عن مكحول يتضح قوله، (وهذا منقطع بين مكحول ومعاذ ولا يثبت). قال الحافظ: لأن معاذًا كان خرج من المدينة إلى الشام في أول ما غزوا الشام، واستمر ٤٩٦ الباب الثاني في ذكر صلاته ◌َِّ الجمعة هو الذي زاده فهو المعتمد. وقد روى عبد الرزاق ما يقوي هذا الأثر عن ابن جريج قال: قال سليمان بن موسى: أول من زاد الأذان بالمدينة عثمان، فقال عطاء: كلا، إنما كان يدعو الناس ولا يؤذن غیر أذان واحد. انتھی. لكن عطاء لم يدرك عثمان بن عفان، فرواية من أثبت ذلك عنه مقدمة على إنكاره. ويمكن الجمع بأن الذي كان في زمن عمر بن الخطاب استمر على عهد عثمان، ثم رأى أن يجعله أذانًا وأن يكون على مكان عال، ففعل ذلك، فنسب إليه لكونه بألفاظ الأذان، وترك ما كان يفعله عمر لكونه مجرد إعلام. وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة. فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الإنكار، وأن يكون أراد به: إنه لم يكن في زمنه عليه الصلاة والسلام، لأن كل ما لم يكن في زمنه عليه الصلاة والسلام يسمى بدعة، لكن منها ما يكون حسنًا، ومنها ما يكون غير ذلك. ثم إن إلى أن مات بالشام في طاعون عمواس. (وقد تواردت الأخبار أن عثمن هو الذي زاد فهو المعتمد) دون هذا الأثر، (و) لكن (قد روى عبد الرزاق ما يقوي هذا الأثر عن ابن جريج) عبد الملك، (قال: قال سليمن بن موسى) الأموي، مولاهم الدمشقي، صدوق، فقيه في حديثه بعض لين: (أول من زاد الأذان بالمدينة عثمن، فقال عطاء: كلا) ردع عن ذلك القول: (إنما كان عثمن يدعو الناس) للصلاة (ولا يؤذن غير أذان واحد اهـ. لكن عطاء لم يدرك عثمن بن عفان فرواية من أثبت ذلك عنه مقدمة على إنكاره،) ولا سيما وممن أثبت السائب وهو صحابي. وفي صحيح البخاري متصلاً: (ويمكن الجمع بأن الذي كان في زمن عمر بن الخطاب) ليس أذانًا، بل ذكرًا مجردًا يدعو به الناس إلى الصلاة، (استمر على عهد عثمن، ثم رأى أن يجعله أذانًا، وأن يكون على مكان عال، ففعل ذلك، فنسب إليه لكونه بألفاظ الأذان، وترك ما كان يفعله عمر لكونه مجرد إعلام،) وهذا وإن كان بعيدًا يحتمل لأجل الجمع على تقدير الصحة (وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر) عبد الله، (قال: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة، فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الإنكار، وأن يكون أراد به أنه لم يكن في زمنه عليه الصلاة والسلام، لأن كل ما لم يكن في زمنه عليه الصلاة والسلام ٤٩٧ الباب الثاني في ذكر صلاته مَّة الجمعة فعل عثمان رضي الله عنه كان إجماعًا سكوتيًا لأنهم لم ينكروه عليه. انتهى. وأول جمعة جمعها النبي عَّهِ بأصحابه - كما قدمناه في حديث الهجرة - في بني سالم بن عوف، في بطن وادٍ لهم، فخطبهم وهي أول خطبة خطبها بالمدينة وقال فيها: «الحمد لله أحمده، وأستعينه وأستغفره، وأستهديه وأومن به ولا أكفره، یسمی بدعة، لكن منها ما يكون حسنًا) كزيادة الأذان المذكور، (ومنها ما يكون غير ذلك، ثم إن فعل عثمن رضي اللّه عنه كان إجماعًا سكوتيًا، لأنهم لم ينكروه عليه اهـ) ما التقطه من فتح الباري بتقديم وتأخير، وفيه أيضًا: وتبين بما مضى أن عثمن أحدثه لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة قياسًا على بقية الصلوات، فألحق الجمعة بها وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب، وفيه استنباط معنى من الأصل لا يبطله، وأما ما أحدث الناس قبل وقت الجمعة من الدعاء إليها بالذكر والصلاة على النبي عَّه فهو في بعض البلاد دون بعض واتباع السلف الصالح أولى. واستدل البخاري بحديث السائب على الجلوس على المنبر قبل الخطبة خلافًا لبعض الحنفية، واختلف من أثبته هل هو للأذان أو لراحة الخطيب؛ فعلى الأول لا يسن في العيد، إذ لا أذان هناك، واستدل به أيضًا على التأذين قبل الخطبة وعلى ترك تأذين اثنين معا، وعلى أن خطبة الجمعة سابقة على الصلاة، ووجهه أن الأذان لا يكون إلا قبل الصلاة، وإذا كان يقع حين يجلس الإمام على المنبر دل على سبق الخطبة على الصلاة. وزاد البخاري وأبو داود والنسائي في بعض طرق حديث السائب: ولم يكن للنبي عَّه. مؤذن غير واحد وهو ظاهر في إرادة نفي تأذين اثنين معا، أو المراد أن الذي كان يؤذن هو الذي كان يقيم، أو المراد في الجمعة فلا يرد الصبح، وعرف بهذا الرد على قول ابن حبيب أنه عَّو كان إذا رقي المنبر وجلس أذن المؤذنون وكانوا ثلاثة واحدًا بعد واحد، فإذا فرغ الثالث قام وخطب، فإنه دعوى تحتاج إلى دليل، ولم يرد ذلك من طريق متصلة يثبت مثلها اهـ. (وأول جمعة جمعها النبي عَّةٍ بأصحابه كما قدمناه في حديث الهجرة في بني سالم بن عوف) من الأنصار (في بطن واد لهم) في مسجد لهم، وقدم المصنف في الهجرة اسم الوادي واسم المسجد وأنه لذلك سمي مسجد الجمعة، (فخطبهم) وصلى بهم وكانوا مائة، وقيل: أربعون كما مر. (وهي أول خطبة خطبها بالمدينة، وقال فيها: «الحمد اللَّه أحمد) جمع بين الجملتين الاسمية والفعلية إيماء لاستحقاقه الحمدين، وقدم الاسمية لأنها أكمل واتباعًا للقرءان، (وأُستعينه:) ٤٩٨ الباب الثاني في ذكر صلاته ◌َّ الجمعة وأعادي من يكفر به، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق والنور والموعظة والحكمة، على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنوٍ من الساعة، وقرب من الأجل. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى وفرط وضل ضلالاً بعيدًا؛ أوصيكم بتقوى الله، فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، واحذروا ما حذركم الله بنفسه، فإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه عون وصدق على ما يبتغون من الآخرة، ومن يصل الذي بينه وبين الله من أمره في السر أطلب إعانته في جميع الأمور، (وأستغفره) أطلب منه الغفران وهو الستر على الذنب؛ بأن يحول بينه وبينه كما هو اللائق بمقامه، (وأستهديه) أطلب منه الهداية، أي: الدوام عليها، أو المراد طلب ذلك لأمته (وأومن به ولا أكفره،) أي: لا أجحد شيئًا مما يجب له، ولا أجوز ما يستحيل عليه، تى به للرد على من يزعم أنه مؤمن به ويجعل له ولدًا کاليهود، أو يشرك بعبادته أحدًا کأهل الأوثان. (وأعادي من يكفر به،) لأنهما أعداؤه، والمحب يعادي عدو محبوبه، (وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له) تأكيد لوحده، (وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) لجميع العالمين، (أرسله بالهدى ودين الحق، والنور) القرآن (والموعظة) مواعظ القرآن، أو القول الرقيق (والحكمة) القرآن أو غيره (على فترة) انقطاع (من الرسل) إذ لم يكن بينه وبين عيسى رسول، ومدة ذلك ستمائة سنة كما في البخاري عن سلمن، وهو أصح ما قيل فيها (وقلة من العلم) بحيث لم يكن منه حين البعثة إلا بقايا من أهل الكتاب متفرقين في الأراضي، (وضلالة من الناس) بالكفر والمعاصي (وانقطاع من الزمان) أي: زمان الأنبياء (ودنو) قرب (من الساعة) القيامة (وقرب من الأجل) انتهاء مدة الدنيا. (من يطع الله ورسوله فقد رشد،) بفتح الشين المعجمة وكسرها، (ومن يعص الله ورسوله فقد غوى،) بفتح المعجمة والواو، أي انهمك في الشر (وفرط) قصر وضيع (وضل ضلالاً بعيدًا) صاحبه عن الحق. (أوصيكم بتقوى اللَّه فإنه) أي: الشأن، وفي نسخة: فإنها، أي: التقوى، وفي أخرى: فإن (خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه)، بضم الحاء، أي: يحمله (على الآخرة)، أي: على الأعمال النافعة له فيها، (وأن يأمره بتقوى اللَّه،) فإنها أقوى ما ينفعه وينجيه من العذاب (واحذروا:) خافوا (ما حذركم اللَّه بنفسه،) وفي نسخة: من نفسه، (فإن تقوى اللَّه لمن عمل به،) أي: بما حذر اللَّه منه، بأن امتثل أوامره واجتنب نواهيه (على وجل) (بفتحتين) (ومخافة من ربه عون) خبران، (وصدق على ما يبتغون:) يطلبون (من الآخرة) من ثوابها والنجاة من عقابها، (ومن يصل الذي بينه وبين الله من ٤٩٩ الباب الثاني في ذكر صلاته عَد الجمعة والعلانية لا ينوي به إلا وجه الله يكن له ذكرًا في عاجل أمره، وذخرًا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان مما سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدًا بعيدًا، ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد، هو الذي صدق قوله وأنجز وعده لا خلف لذلك فإنه يقول: ﴿ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد﴾ [ق: ٢٩]. فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله، في السر والعلانية، فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرًا، ومن يتق الله فقد فاز فوزًا عظيمًا، وإن تقوى الله توقي مقته وتوقي عقوبته وسخطه، وإن تقوى الله تبيض الوجه وترضي الرب، وترفع الدرجة، فخذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله، فقد علمكم بكتابه ونهج لكم سبيله، ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين. فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم وسماكم المسلمين، ليهلك من هلك عن بينة، وحي من أمره في السر والعلانية) الجهر، (لا ينوي به إلا وجه اللَّه؛) بأن يخلص للَّه فيه سرًا وجهرًا (يكن له ذكرًا في عاجل أمره، وذخرًا فيما بعد الموت) في القبر ويوم القيامة (حين يفتقر) يحتاج (المرء إلى ما قدم) في الدنيا من الأعمال الصالحة، (وما كان مما سوى ذلك) وهو السوء، (يود لو أن بينه وبينه أمدًا بعيدًا) غاية في نهاية البعد فلا يصل إليها (ويحذركم اللَّه نفسه) إن غضب عليكم أو يحذركم عقابه (والله رؤوف بالعباد،) ومنه تحذيرهم (هو الذي صدق قوله وأنجز وعده لا خلف لذلك، فإنه يقول ﴿ما يبدل﴾) ما يغير (﴿القول لدي وما أنا بظلام﴾) أي: بذي ظلم، إن الله لا يظلم مثقال ذرة (﴿للعبيد)) فأعذ بهم بغير جرم، (فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله))) بالمد خلاف العاجل (في السر والعلانية، فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرًا، ومن يتق اللَّه فقد فاز فوزًا عظيمًا:) نال غاية مطلوبه، (وإن تقوى اللَّه توقي،) بضم الفوقية وفتح الواو وكسر القاف المشددة، أي: تدفع (مقته) وغضبه (وتوقي عقوبته وسخطه،) أي: تحفظ المتقي من مخالفة أمره، (وإن تقوى اللّه تبيض الوجه) كما قال تعالى: ﴿وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة اللَّه هم فيها خالدون﴾ [آل عمران: ١٠٧]، (وترضي الرب وترفع الدرجة) عند اللَّه تعالى وعند خلقه (فخذوا بحظكم) نصيبكم (ولا تفرطوا في جنب الله،) أي: طاعته (فقد علمكم بكتابه ونهج لكم سبيله،) أي: بين لكم طريقه الموصلة إليه، وهي الأحكام الشرعية. (ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين،) أي: يظهره للخلق، (فأحسنوا) بالصدقة (كما أحسن اللَّه إليكم، وعادوا أعداءه) الكفار (وجاهدوا في اللَّه) لإقامة دينه (حق جهاده) باستفراغ الطاقة فيه، ونصب حق على المصدر ٥٠٠ الباب الثاني في ذكر صلاته عَّ الجمعة حي عن بينة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فأكثروا ذكر الله، واعملوا لما بعد الموت، فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس، ولا يملكون منه، الله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)». ذكر هذه الخطبة القرطبي في تفسيره، وغيره. وقد كان معَِّ يخطب متوكفًا على قوس أو عصا. وفي سنن ابن ماجه: أنه معٍَّ كان إذا خطب في الحرب خطب على قوس، وإذا خطب في الجمعة (هو اجتباكم) اختاركم لدينه، (وسماكم المسلمين ليهلك،) أي: يكفر (من هلك عن بينة،) أي: بعد حجة ظاهرة قامت عليه، (ويحيا:) يؤمن (من حي عن بينة ولا حول ولا قوة إلا بالله، فأكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد الموت، فإنه،) أي: الشأن (من يصلح ما بينه وبين اللَّه يكفه اللَّه ما بينه وبين الناس، ذلك بأن اللَّه يقضي) يحكم (على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس) ما أراد (ولا يملكون منه، اللَّه أكبر أعظم وأجل من أن يملك منه، (ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) ذكر هذه الخطبة القرطبي في تفسيره وغيره)، وفيا من البلاغة والفصاحة وعذوبة الألفاظ وسهولتها وقرب فهمها وقلة ألفاظها وكثرة معانيها والنطق بالقرآن قبل نزوله بلفظة تارة نحو ليهلك من هلك فإنها في غزوة بدر، وهي بعد هذه الخطبة، وكذلك يود لو أن بينه وبينه الآية، فإن السورة مدنية كلها وهذه الخطبة قبلها، وبمعناه أخرى، كقوله: والنور والموعظة والحكمة على فترة من الرسل، فإنها بمعانيها في سورة المائدة وهي من أواخر ما نزل، وكقوله: ((فإن تقوى اللَّه تبيض الوجه)) ... الخ، فإنها في آل عمران بمعناها، وغير ذلك مما لو أراد ذو البصيرة أن يجمع جزءًا حافلاً في شرحها لأمكنه ولا بدع ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾. [النجم: ٤]. (وقد كان عَلّ يخطب متوكئًا على قوس) تارة، (أو عصا) تارة أخرى، فأو للتنويع لا للشك، وفي أبي داود: كان إذا قام يخطب، أخذ عصا فتوكا عليها وهو على المنبر. (وفي سنن ابن ماجه) ومستدرك الحاكم وسنن البيهقي عن سعد القرظ؛ (أنه معتقد كان إذا خطب في الحرب خطب على قوس) مناسب، لأنه من آلات الحرب، ويقع في بعض نسخ سقيمة أو سيف، ولا وجود له في ابن ماجه ولا غيره، فهي خطأ، (وإذا خطب في الجمعة خطب على عصا) يرسم بالألف، لأنها منقلبة عن واو.