النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
الفصل الخامس فيما كان عَهّة يقوله بعد انصرافه من الصلاة
فيحمل ما ورد من الدعاء بعد الصلاة على أنه كان يقوله بعد أن يقبل على
أصحابه بوجهه الشريف، فقد كان عليه السلام يسرع الانفتال إلى المأمومين،
و کان ینفتل عن يمينه وعن شماله.
وقال ابن مسعود: رأيته عٍَّ كثيرًا ينصرف عن يساره، رواه الشيخان. وقال
أنس أكثر ما رأيته عَّ ينصرف عن يمينه رواه مسلم.
الزين بن المنير استديار الإمام المأمومين إنما هو لحق الإمامة، فإذا انقضت الصلاة زال السبب،
فاستقبالهم حينئذ يرفع الخيلاء والترفع على المأمومين، وقال غيره: حكمة ذلك تعريف الداخل
بانقضاء الصلاة، إذ لو بقي الإمام على حاله لا وهم أنه في التشهد مثلاً، وما اقتضاه من جعل
ظهره للقبلة ليس بمراد، فقد روى أبو داود عن يزيد بن الأسود: كان عَّ إذا انصرف انحرف،
أي إلى جهة شقه الأيمن أو الأيسر، والأفضل جعل يمينه إلى المحراب ويساره إلى الناس عند
الحنفي، وعكسه عند الشافعي، ورجح بعضهم الصفة الأولى في محراب المدينة، لأنه إن فعل
الثانية استدبر النبي عٌَّ وهو قبلة آدم، فمن بعده من الأنبياء، (فيحمل ما ورد من الدعاء بعد
الصلاة على أنه كان يقوله بعد أن يقبل على أصحابه بوجهه الشريف،) وإقباله إنما كان بعد
الاستغفار (فقد كان عليه السلام يسرع الانفتال،) بنون فضاء ففوقيةٍ، أي: الانصراف (إلى
المأمومين، وكان ينفتل) ينصرف (عن يمينه). كثيرًا (وعن شماله) قليلاً لبيان الجواز، فلا ينافي
أن الأفضل التیامن.
(وقال ابن مسعود) لا يجعل أحدكم للشيطان شيئًا، ولمسلم: جزءًا من صلاته يرى أن
حقًّا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه، لقد (رأيته عَّهُ كثيرًا ينصرف عن يساره،) استنبط منه ابن
المنير أن المندوب قد ينقلب مكروها إذا خيف على الناس أن يرفعوه عن رتبته، لأن التيامن
مستحب في كل شىء أي من أمور العبادة، لكن لما خشي ابن مسعود أن يعتقد وجوبه أشار إلى
كراهته.
وقال أبو عبيدة لمن انصرف عن يساره: هذا أصاب السنة يريد والله أعلم حيث لم يلزم.
التيامن على أنه سنة مؤكدة أو واجب، وإلا فمن يظن أن التياسر سنة حتى يكون التيامن بدعة،
إنما البدعة في رفع التيامن عن رتبته، (رواه الشيخان) عن ابن مسعود، لكن لفظ مسلم عنه: أكثر
ما رأيت رسول الله عێ﴾ ینصرف عن شماله، (وقال أنس: أکثر ما رأيته منێ ينصرف عن يمينه،
رواه مسلم) من طريق اسمعيل بن عبد الرحمن السدي، قال: سألت أنشًا كيف أنصرف إذا
صليت عن يميني أو عن يساري، قال: أما أنا فأكثر ما رأيت رسول اللَّه عَّهِ ينصرف عن يمينه.
قال الحافظ: رواية البخاري يعني لحديث ابن مسعود لا تعارض حديث أنس، يعني: لأن

٤٦٢
الفصل الخامس فيما كان عَّهِ يقوله بعد انصرافه من الصلاة
وقالت أم سلمة: كان عَّ إذا سلم مكث في مكانه يسيرًا، قال الزهري:
فنرى - والله أعلم - لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال رواه البخاري.
رواية البخاري دلت على كثرة انصرافه عن يساره وهو لا يستلزم أنه الأكثر بل يشعر بأن الأكثر،
انصرافه عن يمينه وهو ما ذكره أنس، قال - أعني الحافظ: أما رواية مسلم، أي: لحديث مسعود
فظاهرها التعارض، لأنه عبر في كل منهما بصيغة أفعل؛ وجمع النووي بينهما، بأنه مَّدٍ كان
يفعل تارة هذا وتارة هذا، فأخبر كل بما اعتقد انه الأكثر، وإنما كره ابن مسعود أن يعتقد وجوب
الانصراف عن اليمين، وجمع الحافظ بحمل حديث ابن مسعود على حالة الصلاة في المسجد،
لأن حجره عَّ كانت من جهة يساره، وحمل حديث أنس على ما سوى ذلك كحال السفر، ثم
إذا تعارض اعتقاد ابن مسعود وأنس رجح ابن مسعود، لأنه أعلم وأسن وأجل وأكثر ملازمة
للنبي عَّه وأقرب إلى ترقبه في الصلاة من أنس؛ وبأن في حديث أنس من تكلم فيه وهو
السدي، وبأنه متفق عليه بخلاف حديث أنس في الأمرين، وبأن رواية ابن مسعود توافق ظاهر
الحال، لأن حجر النبي عٍَّ كانت على جهة يساره كما مر، ثم ظهر لي أنه يمكن الجمع بوجه
آخر، وهو أن من قال: كان أكثر انصرافه عن يساره نظر إلى هيئته في حال الصلاة، ومن قال:
كان أكثر انصرافه عن يمينه نظر إلى هيئته في حال استقباله القوم بعد سلامه من الصلاة، فعلى
هذا لا يختص الانصراف بجهة معينة، ومن ثم قال العلماء: يستحب الانصراف إلى جهة حاجته،
لكن إذا استوت الجهتان في حقه فاليمين أفضل لعموم الأحاديث المصرحة بفضل التيامن
کحدیث عائشة: کان یحب التیامن الخ انتهى.
(وقالت أم سلمة) أم المؤمنين: (كان عٍَّ إذا سلم) من الصلاة (مكث في مكانه)
الذي صلى فيه (يسيرا).
(قال الزهري) محمد بن مسلم راوي الحديث عن هند بنت الحرث عن أم سلمة
(فنرى) (بضم النون)، أي: نظن (والله أعلم) أن مكثه عَلّة في مكانه (لكي ينصرف النساء قبل
أن يدركهن الرجال،) وفي لفظ: لكي ينفذ من ينصرف من النساء، وفي أخرى: لكي ينفذ
النساء قبل أن يدركهن من انصرف من القوم، (رواه البخاري) في مواضع ثلاثة متقاربة، وفي كل
موضع ذكر تعليل الزهري كما ذكرت واختلاف ألفاظه من الرواة والمعنى واحد.
قال الحافظ: وفي الحديث مراعاة الإمام أحوال المأمومين واحتياط في اجتناب ما قد
يقضي إلى المحذور، واجتناب مواقع التهم وكراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرقات فضلاً عن
البيوت، ومقتضى التعليل المذكور أن المأمومين إذا كانوا رجالاً فقط لا يستحب هذا المكث،

٤٦٣
الفصل الخامس فيما كان ◌َّه يقوله بعد انصرافه من الصلاة
وقالت عائشة: كان إذا أسلم لا يقعد إلا مقدار ما يقول: ((اللهم أنت السلام
ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام)). رواه مسلم.
وهذا الحديث يتمسك به من قال إن الدعاء بعد الصلاة لا يشرع.
والجواب: إن المراد بالنفي المذكور نفي استمراره عليه السلام جالسًا
على هيئته قبل السلام إلا بقدر أن يقول ما ذكر.
وعليه حمل ابن قدامة حديث عائشة، فذكر الحديث المسوق بقوله، (وقالت عائشة: كان) عَّ.
(إذا سلم) من الصلاة (لا يقعد) في مصلاه (إلا مقدار ما يقول اللهم أنت السلام،) أي السلام
من كل ما لا يليق بجلال الربوبية وكمال الألوهية، (ومنك) لا من غيرك، لأنك أنت (السلام)
الذي تعطي السلامة لا غيرك وإليك يعود السلام، وكل ما يشاهد من سلامة، فإنها لم تظهر إلا
منك ولا تضاف إلا إليك، (تباركت يا ذا الجلال) العظمة (والإكرام) الاحسان، أي: تعاظمت
وارتفعت شرفًا وعزة وجلالاً.
قال البيضاوي: إنما ذلك في صلاة بعدها راتبة، أما التي لا راثبة بعدها كالصبح فلا قال
غيره لما صح أنه عَّ كان يقعد بعد الصبح في مصلاه حتى تطلع الشمس، (رواه مسلم)
وأصحاب السنن الأربعة، (وهذا الحديث يتمسك به من قال: إن الدعاء بعد الصلاة لا يشرع)
للحصر بأنه إنما كان يقعد بقدر ما يقول ذلك.
(والجواب أن المراد بالنفي المذكور) بقوله لا يقعد (نفي استمراره عليه السلام
جالسًا على هيئته قبل السلام إلا بقدر أن يقول ما ذكر) فليس نفيًا مطلقًا حتى يكون حجة
لعدم مشروعية الدعاء، وقال الحافظ: يؤخذ من مجموع الأدلة أن للإمام أحوالاً، لأن الصلاة إما
أن تكون مما يتطوع بعدها أو لا، الأول اختلف هل يتشاغل قبل التطوع بالذكر المأثور عليه
الأكثر أو يبدأ بالتطوع وعليه الحنفية، وحجة الجمهور حديث مطوية: إذا صليت الجمعة فلا
تصلها بصلاتك حتى تتكلم أو تخرج، فإن النبي عَّه أمرنا بذلك، ويؤيده تقييده في الأخبار
الصحيحة بدبر الصلاة، وزعم بعض الحنابلة أن المراد بدبر الصلاة ما قبل السلام، تعقب بحديث
ذهب أهل الدثور، ففيه يسبحون دبر كل صلاة وهو بعد السلام جزمًا، فكذا ما شابهه، وأما
الصلاة التي لا يتطوع بعدها، فيتشاغل الإمام ومن معه بالذكر المأثور ولا يتعين له مكان، بل إن
شاؤوا انصرفوا وذكروا، وإن شاؤوا مكثوا وذكروا، وعلى الثاني إن كان الإمام عادة أن يعلمهم أو
يعظهم، فيستحب أن يقبل عليهم جميعًا، وإن كان لا يزيد على الذكر المأثور فهل يقبل عليهم
جميعًا، أو ينفتل فيجعل يمينه من قبل المأمومين ويساره من قبل القبلة ويدعو الثاني، هو الذي

٤٦٤
الفصل الخامس فيما كان عَّ يقوله بعد انصرافه من الصلاة
وكان يقول: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو
على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا
جزم به أكثر الشافعية، ويحتمل أن قصر زمن ذلك أن يستمر مستقبلاً للقبلة، لأنها أليق بالدعاء،
ويحمل الأول على ما لو طال الذكر والدعاء. انتھی.
(وكان) عَبُّ (يقول) في دبر كل صلاة مكتوبة كما في البخاري ولمسلم: كان إذا فرغ
من الصلاة وسلم، وله أيضًا: إذا قضى الصلاة (لا إله إلا اللَّه) بالرفع خبر لا، أو على البدل من
الضمير المستتر في الخبر المقدر، أو من اسم لا باعتبار محله قبل دخولها عليه (وحده) نصب
حال، أي منفردًا (لا شريك له) تأكيد لوحده، فالمتصف بالوحدانية لا شريك له (له الملك،)
بضم الميم، أي: أصناف المخلوقات (وله الحمد).
زاد الطبراني من طريق آخر رواته ثقات عن المغيرة: يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده
الخير (وهو على كل شىء قدير) ولأحمد والنسائي وابن خزيمة أنه مَّةٍ كان يقول ذلك ثلاث
مرات: (اللهم لا مانع لما أعطيت،) أي: الذي أعطيته، أي: أردت إعطاءه، وإلا فبعد الإعطاء
من كل أحد لا مانع، إذ الواقع لا يرتفع (ولا معطي لما منعت،) أي: الذي منعته.
زاد عبد بن حميد في مسنده: ولا إرادة لما قضيت، لكن حذف قوله: ولا معطي لما
منعت، ورواه الطبراني تامًا من وجه آخر، وقد أجاز البغداديون ترك تنوين الاسم المطول فأجاز،
وإلا طالع جبلاً أجروه في ذلك مجرى المضاف، كما أجرى مجراه في الاعراب.
قال الجمال بن هشام: وعلى ذلك يتخرج الحديث؛ قال البدر الدماميني: بل يتخرج على
قول البصريين أيضًا بجعل مانع اسم لا مفردًا مبنيًّا معها، إما لتركبه معها تركيب خمسة عشر،
وإما لتضمنه معنى من الاستغراقية على الخلاف المعروف في المسألة والخبر محذوف، أي:
لا مانع لما أعطيت واللام للتقوية، فلك أن تقول تتعلق، وأن تقول لا تتعلق، وكذا القول في: ولا
معطي لما منعت، وجوز الحذف ذكر مثل المحذوف، فحسنه دفع التكرار، فظهر بذلك أن
التنوين على رأي البصريين ممتنع، ولعل السر في العدول عن تنوينه إرادة التنصيص على
الاستغراق، ومع التنوين يكون الاستغراق ظاهرًا لا نصًا. انتهى.
(ولا ينفع ذا الجد، منك الجد) بفتح الجيم فيهما في جميع الروايات ومعناه الغنى كما
نقله البخاري عن الحسن أو الحظ، وقيل: أبو الأب، أي: لا ينفع أحدًا نسبه، وعن أبي عمرو
الشيباني؛ أنه رواه بالكسر، وقال: معناه ذا الاجتهاد اجتهاده، وأنكره الطبري ووجهه القزاز؛ بأن
الاجتهاد في العمل نافع، لأن اللَّه قد دعا الخلق إليه، فكيف لا ينفع عنده، قال: فيحتمل أن
المراد الاجتهاد في طلب الدنيا وتضييع أمر الآخرة، وقال غيره: لعل المراد لا ينفع بمجرده
ما لم يقارنه القبول، وذلك لا يكون إلا بفضل الله ورحمته، وقيل: المراد السعي التام في الحرص

٤٦٥
الفصل الخامس فيما كان عَّ يقوله بعد انصرافه من الصلاة
الجد منك الجد)). رواه الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة.
وكان يقول بأعلى صوته: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله
أو الإسراع في الهرب.
قال النووي: الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور، أنه بالفتح، وهو الحظ في الدنيا
بالمال أو الولد، أو العظمة أو السلطان، والمعنى: لا ينجيه حظه منك وإنما ينجيه فضلك
ورحمتك، ومن قوله: منك بمعنى البدل، كقوله تعالى: ﴿أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة﴾
[التوبة: ٣٨]، أي بدل الآخرة، جزم به الخطابي واختاره في المغنى، وفي الصحاح: معنى من
هنا عندك، أي: لا ينفع ذا الغنى عندك غناه، وإنما ينفعه العمل الصالح.
وقال بعضهم: ليست للبدل ولا بمعنى عند؛ بل المعنى من قضائك أو سطوتك أو عذابك،
وقال ابن دقيق العيد: يجب تعلق قوله منك ينتفع مضمنا معنى يمنع وما قاربه، ولا يجوز تعلقه
بالجد، كما يقال: حظي منك كبير، لأن ذلك نافع وفيه استحباب، هذا الذكر عقب الصلوات
لما اشتمل عليه من ألفاظ التوحيد ونسبة الأفعال إلى اللَّه تعالى، والمنع والإعطاء وتمام القدرة،
(رواه الشيخان) البخاري في الصلاة والاعتصام والرقاق والقدر والدعوات ومسلم في الصلاة،
وكذا أبو داود والنسائي، كلهم (من حديث المغيرة بن شعبة) أن مطوية كتب إلى المغيرة اكتب
إليّ ما سمعت النبي ◌َّه يقول خلف الصلاة، فأملي المغيرة على كاتبه وراد أن النبي عَّه.
كان، فذكره وفيه العمل بالمكاتبة وإجراؤها مجرى السماع في الرواية ولو لم تقترن بالإجازة
والاعتماد على خبر الواحد.
وعند البخاري في القدر قال: وراد، ثم قدمت بعده على مطوية، فسمعته يأمر الناس بذلك،
ففيه المبادرة إلى امتثال السنن واتباعها، وزعم بعضهم أن مطوية كان سمع الحديث المذكور،
وإنما أراد الاستثبات من المغيرة وكان حينئذ نائبه على الكوفة، واحتج بما في الموطأ من وجه
آخر عن معوية أنه قال على المنبر: أيها الناس إنه لا مانع لما أعطَى اللّه، ولا معطي لما منع الله،
ولا ينفع ذا الجد منه الجد، من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، ثم قال: سمعت هؤلاء
الكلمات من رسول اللَّه عَّه على هذه الأعواد، (وكان يقول بأعلى صوته) لفظ مسلم: كان
ابن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلم، فذكر الحديث، وفي آخره: كان رسول اللَّهُ مَّه
يهلل بهن في دبر كل صلاة، وفي رواية له: كان ابن الزبير يخطب على المنبر ويقول: كان
رسول اللَّه عٍَّ إذا سلم يقول في دبر الصلوات أو الصلاة، فذكره ولم يقع فيه لفظ بأعلى صوته،
فكأن المصنف أخذه من قوله يهلل بهن، لأن الإهلال رفع الصوت (لا إله إلا الله وحده
لا شريك له) عقلاً ونقلاً، وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، ولا تتخذوا إلهين اثنين

٤٦٦
الفصل الخامس فيما كان عَّ يقوله بعد انصرافه من الصلاة
الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد
إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن الجميل، لا إله إلا الله مخلصين له
الدین ولو كره الكافرون، رواه مسلم من حديث عبد الله بن الزبير.
وعن سعد ابن أبي وقاص أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات ويقول: إن رسول الله
مَ اللّه كان يتعوذ بهن دبر الصلاة اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ
إنما هو إله واحد قل هو الله أحد في آيات أخر، (له الملك وله الحمد) في الأولى والآخرة
(وهو على كل شىء قدير لا حول) لا تحول عن المعصية (ولا قوة) على الطاعة (إلا بالله،)
هكذا فسره النبي عَّه. وقال: هكذا أخبرني جبريل (لا إله إلا الله) أعاده تلذذًا بذكره، (ولا نعبد
إلا إياه،) أي: نخصه بالعبادة (له النعمة) مفرد بمعنى الجمع، أي: النعم السوابغ التي لا تحصى
بالعد، (وله الفضل وله الثناء،) بمثلثة فنون والمد الوصف بالمدح (الحسن الجميل لا إله
إلا اللّه مخلصين) حال مع أنه جمع، واللَّه واحد على تقدير محذوف هو نعبده مخلصين، ومن
« ذف الفعل وما اتصل به من مفعول أو فاعل قوله تعالى: ﴿والذين تبوأوا الدار والإيمان﴾
[الحشر: ٩]، قالوا: تقديره واعتقدوا الإيمان، أي: جعلوه ملجأ لهم في عبادتهم، (له الدين) بأن
لا نعبد معه غيره ولا نذكر غيره معه من أهل أو مال أو غيرهما، بل نعبده ونذكره دون كل
مخلوق (ولو كره الكافرون))) إفرادنا إياه بالعبادة وعادونا لذلك وأظهروا العداوة، (رواه مسلم)
في الصلاة (من حديث عبد الله بن الزبير بن العوام أمير المؤمنين.
(وعن سعد بن أبي وقاص) لملك الزهري أحد العشرة؛ (أنه كان يعلم بنيه هؤلاء
الكلمات) الخمس، وفي رواية قال: تعوذوا بكلمات كان النبي عَّ يتعوذ بهن، وفي أخرى؛
عن سعد كان يأمر بهؤلاء الخمس ويحدثهن عن النبي عَّة، وفي أخرى: كان سعد يأمر بخمس
ويذكرهن عن النبي عَّه؛ أنه كان يأمر بهن والكل في البخاري، (ويقول: إن رسول اللَّه عَّه.
كان يتعوذ بهن) عبودية وإرشادًا لأمته (دبر،) بضم الدال والموحدة وقد تسكن، أي: عقب
(الصلاة: ((اللهم إني أعوذ) أستجير وأعتصم، ولفظه لفظ الخبر ومعناه الدعاء، ففيه تحقيق
الطلب كما قيل في غفر اللَّه لك بلفظ الماضي.
(بك) بباء الالصاق المعنوي، إذ لا يلتصق شىء باللّه ولا صفاته، لكنه التصاق تخصيص؛ كأنه
خص اللَّه بالاستعاذة، قال الفخر: ولم يقل بالله أعوذ مع أن تقديم المعمول يفيد الحصر عند طائفة،
لأن الإتيان بلفظ الاستعاذة امتثال للأمر، وقال غيره: لأن تقديم المعمول تفنن وانبساط والاستعاذة
هرب إلى اللّه تعالى وتذلل (من الجبن،) بضم فسكون ضد الشجاعة (وأعوذ بك من البخل)
بضم فسكون، ويفتحتين بمعنى واحد، وبالثاني: قرأ الكسائي وحمزة ضد الكرم، أي: بشىء من

٤٦٧
الفصل الخامس فيما كان مَّةٍ يقوله بعد انصرافه من الصلاة
بك من البخل، أوعوذ بك من أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر»
رواه رواه البخاري.
وعن زيد بن أرقم: قال كان رسول اللَّه عَّهِ في دبر كل صلاة: اللهم ربنا ورب كل
الخير سواء كان مالاً أو علمًا أو جاهًا أو نحو ذلك، والجواد إما بالنفس ويسمى شجاهة ويقابلها
الجبن، وإما بالمال ويسمى سخاوة ويقابلها البخل، ولا تجتمع السخاوة والشجاعة إلا في نفس
كاملة، ولا ينعدمان إلا في نفس تناهت في النقص، فاستعاذ منهما كما لا يخفى، (وأعوذ بك
من أرذل العمر) بذال معجمة الهرم الشديد المضعف للقوة والعقل والفهم الذي فيه تناقص
الأحوال من الخرف وضعف الفكر حتى لا يعلم ما كان يعلم قبل، وهو أسوأ العمر.
قال الطيبي: المطلوب عند المحققين من العمر التفكر في آلاء اللَّه ونعمائه تعالى من خلق
الموجودات فيقوموا بواجب شكرها بالقلب والجوارح؛ والخرف المعافي لهما كالشىء الرديء،
فينبغي أن يستعاذ منه، وفي روايات للبخاري: وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، (وأعوذ بك من
فتنة الدنيا،) يعني: فتنة الدجال كما عند البخاري في بعض المواضع، وقائل ذلك كما عند
الاسماعيلي عبد الملك بن عمير وهو راوي الحديث عن مصعب بن سعد عن أبيه؛ وفي إطلاق
فتنة الدنيا على الدجال إشارة إلى أن فتنته أعظم الفتن الكائنة في الدنيا (وعذاب القبر) من إضافة
المظروف إلى ظرفه وهو ما فيه من الأهوال والشدائد في رواية و((أعوذ بك من عذاب القبر»،
(رواه البخاري) في كتاب الدعوات في ثلاثة مواضع متقاربة وفي غيره وفي بعضها اختلاف
بالتقديم والتأخير ولا يضر ذلك.
(وعن زيد بن أرقم قال: كان رسول اللَّه عَّ يقول في دبر) بضمتين، قال الأزهري: دبر
الأمر، يعني بضمتين ودبره، يعني: بضم فسكون آخره وادعى أبو عمرو الزاهد أنه لا يقال بالضم
إلا للجارحة، ورد بمثل قولهم أعتق غلامه عن دبر، أي: عقب (كل صلاة) ظاهره يشمل الفرض
والنفل، لكن حمل أكثر العلماء حديث تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين
على الفرض لقوله في رواية لمسلم مكتوبة حملاً للمطلقات عليها، والظاهر أن يقال مثله في
هذا الحديث، وهل يكون التشاغل بعد المكتوبة بالراتبة بعدها فاصلا بينها وبين الذكر المذكور
أو لا.
قال الحافظ: محل نظر، قال: ومقتضى الحديث أن الذكر المذكور يقال عند فراغ
الصلاة، فان تأخر وقل بحيث لا يعد معرضًا، أو نسي، أو تشاغل بما ورد أيضًا بعد الصلاة كآية
الكرسي فلا يضر، ((اللهم) يا (ربنا و) يا (رب كل شىء) في النداء، بلفظ: ((رب)) بعد ((اللهم))

٤٦٨
الفصل الخامس فيما كان ◌َّة يقوله بعد انصرافه من الصلاة
شيء، أنا شهيد أنك الرب وحدك لا شريك لك، اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا
شهيد أن محمدًا عبدك ورسولك، اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أن العباد
كلهم إخوة، اللهم ربنا ورب كل شيء، اجعلني مخلصًا لك وأهلي في كل ساعة
من الدنيا والآخرة، يا ذا الجلال والإكرام اسمع واستجب، الله أكبر الله أكبر، الله
نور السماوات والأرض، الله أكبر حسبي الله ونعم الوكيل، الله أكبر الله أكبر. رواه
الجامع لمعاني الأسماء مزيد الاستعطاف والتذلل، لأنه مقام دعاء (أنا شهيد،) فعيل بمعنى فاعل
(إنك الرب وحدك لا شريك لك) في شىء، (اللهم ربنا ورب كل شىء أنا شهيد أن محمدًا
عبدك ورسولك) قدم العبودية، لأن له مزيد شرف بها، ولأنه كان عبدًا قبل أن يكون رسولاً كما
ورد، (اللهم ربنا ورب كل شىء أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة) في الوجود والعبودية ﴿إن كل
من في السموات والأرض إلا ءاتي الرحمن عبدًا﴾ [مريم/٩٢]، وقال ابن رسلان: لأن أباهم آدم
وحواء، وأنهم كلهم إخوة في الدين لا شرف لبعضهم على بعض إلا بالتقوى وزيادتها. انتهى.
فحمل العباد على بني آدم ثم على المؤمنين مع أن قوله العباد عام، لا سيما وقد أكده
بكلهم، (اللهم ربنا ورب كل شىءٍ اجعلني مخلصًا،) أي: وفقني للإخلاص (لك وأهلي).
أقاربه وأزواجه (في كل ساعة من الدنيا والآخرة) بإعطائنا فيها ثواب المخلصين (يا ذا
الجلال) العظمة (والإكرام) الإحسان (اسمع واستجب) عطف تفسير، إذ المراد بطلب السماع
استجابة الدعاء كما قالوا في سمع الله لمن حمده.
وقال ابن رسلان: اسمع دعائي واللَّه تعالى يسمع كل مسموع لا يغرب عن إدراكه
مسموع وإن خفي؛ لكن المراد سماع مخصوص بالإقبال على الداعي والإحسان إليه واستجب،
أي: أجب دعائي (اللّه أكبر، الله أكبر) مرتين كما في أبي داود، فلا عبرة بما في نسخ ثلاثًا وفيه
التكبير عقب الصلاة.
وفي الصحيحين عن ابن عباس: كنت أعرف انقضاء صلاة النبي عَّه بالتكبير، ولمسلم:
ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول اللَّه مَّةٍ إلا بالتكبير.
قال عياض: الظاهر أنه لم يكن يحضر الجماعة، لأنه كان صغيرًا ممن لا يواظب على
ذلك ولا يلزم به، فكان يعرف انقضاءها بالتكبير.
وقال غيره: يحتمل انه حاضر في أواخر الصفوف، فكان لا يعرف انقضاءها بالتسليم، وإنما
يعرفه بالتكبير.
قال ابن دقيق العيد: ويؤخذ منه أنه لم يكن هناك مبلغ جهير الصوت يسمع من بعد (اللَّه
نور السموات والأرض،» أي: منورهما أو هادي أهلهما أو منور قلوب المؤمنين أو ذو بهجة

٤٦٩
الفصل الخامس فيما كان عَّ يقوله بعد انصرافه من الصلاة
أبو داود وأحمد.
ورأيت في كتاب ((الهدي)) لابن القيم: وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة
مستقبل القبلة، سواء للمنفرد والإمام والمأموم، فلم يكن ذلك من هدي النبي عليه.
أصلاً، ولا روي عنه بأسناد صحيح، ولا حسن، وخص بعضهم ذلك بصلاتي
الفجر والعصر، ولم يفعله النبي عٍَّ ولا الخلفاء بعده، ولا أرشد إليه أمته، وإنما هو
استحسان رآه من رآه عوضًا عن السنة بعدهما.
قال: وغاية الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها، وأمر بها فيها، قال:
وهذا هو الأليق بحال المصطفى، فإنه مقبل على ربه مناجيه، فإذا سلم منها
انقطعت المناجاة وانتهى موقفه وقربه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب
وجمال أو خالق النور، إذ النور عرض تعالى اللَّه عنه (اللَّه أكبر حسبي اللَّه) كافي (ونعم الوكيل)
هو (اللَّه أكبر، الله أكبر) مرتين، (رواه أبو داود وأحمد،) وكذا النسائي، كلهم من طريق
أبي مسلم البجلي عن زيد والبزار والطبراني برجال ثقات.
عن أنس: كان عَِّ إذا صلى وفرغ من صلاته مسح بيمينه على رأسه، وفي لفظ على
جبهته، وقال: ((بسم اللَّه الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، اللهم أذهب عني الهم والحزن»، وفي
لفظ: الغم والحزن، وللبزار وأبي يعلى بسند ضعيف عن أنس: ما صلى بنا رسول اللَّه عَِّ صلاة
مكتوبة قط إلا قال حين أقبل علينا بوجهه: ((اللهم إني أعوذ بك من كل عمل يخزيني، وأعوذ
بك من كل صاحب يرديني، وأعوذ بك من كل أمل يلهيني، وأعوذ بك من كل فقر ينسيني،
وأعوذ بك من كل غنى يطغيني)). ولأبي يعلى عن أبي سعيد: كان عٍَّ يقول بعدما يسلم:
(«سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين؛ وللطبراني عن
ابن عباس: كنا نعرف انصراف رسول اللَّه عَ ل بقوله ﴿سبحان ربك رب العزة﴾ إلى آخر السورة
(ورأيت في كتاب الهدي لابن القيم، وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل
القبلة سواء للمنفرد والإمام والمأموم فلم يكن ذلك من هدى النبي عَّه، ولا روي عنه
بإسناد صحيح ولا حسن، وخص بعضهم ذلك بصلاتي الفجر،) أي: الصبح (والعصر ولم
يفعله النبي عَّهِ ولا الخلفاء بعده، ولا أرشد إليه أمته، وإنما هو استحسان رآه من رآه
عوضًا من السنة بعدهما،) لأنه لا يتنفل بعدهما، فالمعنى بدلاً من السنة التي تفعل بعد غيرهما.
(قال) ابن القيم: (وغاية الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها) يأتي
رده، (قال: وهذا هو الأليق بحال المصطفى فإنه مقبل على ربه مناجيه) في الصلاة، (فإذا
سلم منها انقطعت المناجاة وانتهى موقفه وقربه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب

٤٧٠
الفصل الخامس فيما كان عَّه يقوله بعد انصرافه من الصلاة
منه وهو مقبل عليه، ثم يسأله إذا انصرف عنه.
ثم قال: لكن الأذكار الواردة بعد المكتوبة يستحب لمن أتى بها أن يصلي
على النبي عَِّ بعد أن يفرغ منها، ويدعو بما شاء ويكون دعاؤه عقب هذه العبادة
الثانية، وهي الذكر الوارد بعد المكتوبة، لا لكونه دبر المكتوبة، انتهى.
وقد كان في خاطري من دعواه (النفي مطلقًا)) شيء لما يأتي، ثم رأيت
شيخ مشايخنا إمام الحفاظ أبا الفضل بن حجر تعقبه فقال:
وما ادعاه من النفي مطلقًا مردود، فقد ثبت عن معاذ بن جبل أن النبي عَّه.
قال له: ((يا معاذ والله إني لأحبك، فلا تدع دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني
منه) قربًا معنويًا (وهو مقبل عليه، ثم يسأله إذا انصرف عنه) وهذا ليس بشىء، فإنه معَّه
لا ينصرف عن اللَّه قط وعلى التنزل، وإن حال الصلاة أقوى فالآثار باقية فأحب أن لا يخليها من الدعاء.
(ثم قال: لكن الأذكار الواردة بعد المكتوبة) كآية الكرسي والتسبيح والتحميد والتكبير،
واللهم أنت السلام إلى آخره، ولا إله إلا اللَّه إلى آخره (يستحب لمن أتى بها أن يصلي على
النبي عَّ بعد أن يفرغ منها ويدعو بما شاء ويكون دعاؤه عقب هذه العبادة الثانية وهي
الذكر الوارد) بيان للعبادة الثانية، أي: المأتي بها (بعد المكتوبة لا لكونه دبر المكتوبة) فابن
القيم إنما أنكر الدعاء بعد الصلاة وهو غير الذكر، إذ لا يستطيع إنكاره مع أنه في الصحيحين
والسنن وغيرها، فلو أنكره نسب إلى الجهل مع كونه من سراة المحدثين، فلا يتخيل تناف بين
كلاميه كما ظنه من قال قوله، لكن الأذكار ... الخ، أي: عند من يستعملها اعتمادًا على ما رآه
فلا ينافي قوله قبل، فلم يكن ذلك من هدي النبي ... الخ، فإنه عجب إذ اسم الإشارة عائد على
قوله، وأما الأدعية وما هنا إذكار، فأي تناف يظن حتى يدفع بما يؤدي إلى تجهيل مثل ابن القيم،
مع أنه أثبته بقوله: الاذكار الواردة، وبقوله وهي الذكر الوارد. (انتهى).
(وقد كان في خاطري من دعواه النفي) لا لكونه (مطلقًا) كما فهم كثير، لأنه
قيده بقوله بعد السلام مستقبل القبلة (شىء لما يأتي) من الأحاديث المصرحة بخلافه،
لكن لم أقدم على رده حتى رأيت كلام الحفاظ، كما قال: (ثم رأيت شيخ مشايخنا
إمام الحافظ أبا الفضل بن حجر تعقبه، فقال: وما ادعاه من النفي مطلقًا) للإِمام
والمأموم والمنفرد (مردود، فقد ثبت عن معاذبن جبل أن النبي عَ ﴾. قال له: ((يا معاذ
واللّه) أقسم تأكيدًا وتقوية للخبر زيادة في تبشيره، (إني لأحبك) بلام التأكيد، (فلا تدع)
تترك (دبر كل صلاة) أي: عقبها (أن تقول اللهم أعني على

٤٧١
الفصل الخامس فيما كان ◌َّ يقوله بعد انصرافه من الصلاة
على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)). أخرجه أبو داود والنسائي.
وحديث زيد بن أرقم: سمعته علّ يدعو في دبر الصلاة: ((اللهم ربنا ورب
كل شيء» .. أخرجه أبو داود والنسائي.
وحديث صهيب رفعه: كان عَّلِّ يقول إذا انصرف من الصلاة: ((اللهم
أصلح لي ديني) ... أخرجه النسائي وصححه ابن حبان. وغير ذلك.
فإن قيل: المراد بدبر الصلاة قرب آخرها وهو التشهد، قلت: قد ورد الأمر
بالذكر دبر الصلاة، والمراد به بعد السلام إجماعًا، فكذا هذا حتى يثبت ما
يخالفه، وقد أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة: قيل يا رسول الله أي الدعاء
أسمع؟ قال: ((جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبات، وقال: حسن، وأخرج
ذكرك وشكرك وحسن عبادتك،) إذ لولا إعانته تعالى ما قدر العبد على شىء.
(أخرجه أبو داود والنسائي) وصححه ابن حبان والحاكم، (و) ثبت (حدیث زید بن
أرقم: سمعته عَّ يدعو في دبر) أي: عقب (الصلاة: ((اللهم ربنا ورب كل شىء»، أخرجه
أبو داود والنسائي) ومر آنفًا بتمامه، (وحديث صهيب رفعه: كان عَّ يقول إذا انصرف من
الصلاة) بالتسليم منها ((اللهم أصلح،) بهمزة قطع وكسر اللام (لي ديني) الذي هو عصمة
أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معاذي، اللهم إني أعوذ
برضاك من سخطك، وبعفوك من نقمتك، وأعوذ بك منك، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي
لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد))، هذا تمام الحديث الذي (أخرجه النسائي) وأبو يعلى
(وصححه ابن حبان،) ونحوه في مسلم من حديث أبي هريرة لكن ليس فيه أنه كان يقوله إذا
انصرف من الصلاة، فلذا لم يعزه له (و) ثبت (غير ذلك).
(فإن قيل: المراد بدبر الصلاة قرب آخرها وهو التشهد،) فلا يرد ذلك على ابن القيم،
(قلت: قد ورد الأمر بالذكر دبر الصلاة) بالتسبيح والتحميد والتكبير، (والمراد به بعد السلام
إجماعًا) لفظ الحافظ جزمًا، (فكذا هذا حتى يثبت ما يخالفه) ولم يثبت، فتعين أنه بعده.
(وقد أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة) صدى بن عجلان، (قيل: يا رسول الله،
أي: الدعاء أسمع،) أي: أوفق لاستماع الدعاء وأولى بالإجابة، (قال: جوف الليل الأخير،) أي:
دعاء جوف الليل، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فصار مرفوعًا، وروي جوف
بالنصب على الظرف، أي: الدعاء جوف الليل، ويجوز الجر على مذهب من يرى حذف
المضاف وترك المضاف إليه على إعرابه، وأما الأخير فعلى الأحوال الثلاثة يتبع جوف في إعرابه.

٤٧٢
الفصل الخامس فيما كان ◌َّهُ يقوله بعد انصرافه من الصلاة
الطبراني من رواية جعفر بن محمد الصادق قال: الدعاء بعد المكتوبة أفضل من
الدعاء بعد النافلة، كفضل المكتوبة على النافلة.
قال: وفهم كثير من الحنابلة أن مراد ابن القيم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقًا،
وليس كذلك، فإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد استمرار استقبال المصلي القبلة،
وإيراده عقب السلام، وأما إذا انفتل بوجهه أو قدم الأذكار المشروعة فلا يمتنع عنده
الإتیان بالدعاء حينئذ. انتهى.
وكان عليه السلام حين تقام الصلاة في المسجد إذا رآهم قليلاً جلس، وإذا
قال التوريشتي: وقال الطيبي إنما يستقيم جوابًا إذا أضمر في السؤال اسم مكان كما فعل
في النهاية.
حيث قال، أي: الساعات أسمع، أي: أوفق لاستماع الدعاء فيه وأولى بالاستجابة وهو من
باب نهاره صائم وليله قائم أو تضمر في الجواب الدعاء كما فعله التوربشتي، (ودبر الصلوات
المكتوبات،) فصرح بخلاف ما نفاه ابن القيم.
(وقال) الترمذي: حديث (حسن، وأخرج الطبراني من رواية جعفر بن محمد الصادق)
نعت لجعفر لصدقه في مقاله وأبوه يلقب بالباقر لبقره العلم.
(قال: الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة) فضلاً (كفضل المكتوبة على
النافلة،) وهذا يدل على شهرة ذلك في التابعين وأتباعهم، ومثله إنما هو توقيف.
(قال) الحافظ: (وفهم كثير من الحنابلة أن مراد ابن القيم نفى الدعاء بعد الصلاة
مطلقًا) سواء بقي مستقبلاً وقاله عقب السلام أم لا (وليس كذلك، فإن حاصل كلامه أنه نفاه
بقيد استمرار استقبال المصلي القبلة، وإيراده عقب السلام) لقوله أوّل كلامه: وأما الدعاء
بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة، لكن قوله بعد، وغاية الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها
فيها وأمر بها فيها ظاهر في نفي الدعاء بعدها مطلقًا كما فهمه الكثير، إلا أن قوله آخرًا إنه بعد
فعل الأذكار الواردة يصلي على النبي ويدعو، يؤيد ما فهمه الحافظ، كما أفاده بقوله: (وأما إذا
انفتل،) أي: انصرف (بوجهه أو قدم الأذكار المشروعة فلا يمتنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذ)
بدليل آخر كلامه وأوله، ولا ينافيه قوله: وغاية ... الخ؛ لأن مراده حيث لم ينفتل أو يذكر الوارد.
(انتهى) كلام الحافظ.
(وكان عليه السلام حين تقام الصلاة في المسجد،) لعل المراد إذا دخل وقت الإقامة
عادة وإلا فالنظر في إقامتها للإمام، فلا يقيم المؤذن إلا بإذنه، (إذا رآهم قليلاً جلس) حتى

٤٧٣
الفصل الخامس فيما كان عَّ يقوله بعد انصرافه من الصلاة
رآهم جماعة صلى. رواه أبو داود.
وقال أبو مسعود البدري: كان عَّمِ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: استووا
ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم.
رواه مسلم.
وقال ابن عباس: قام رسول الله عَّه يصلي فقمت عن يساره، فأخذ بيدي
من وراء ظهره يعدلني كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن. رواه البخاري
يتكاملوا، (وإذا رآهم جماعة) كثيرة (صلى) بهم، (رواه أبو داود) في سننه، (وقال أبو مسعود)
عقبه (بالقاف)، ابن عمرو الأنصاري (البدري))) لأنه شهد غزوة بدر في قول جماعة، وإليه أشار
البخاري ورجحه الحافظ، وقيل: لم يشهدها وإنما نسب إليها لأنه نزلها: (كان عَّ يمسح مناكبنا
في الصلاة،) أي: جنس المناكب بأن يمسح منكب من قرب منه (ويقول) للجميع (استووا،)
أي: اعتدلوا ندبًا في صفوف الصلاة، بأن تقوموا على سمت واحد، لأن تسوية الصفوف من
شأن الملائكة، ولأن تقديم البعض ربما أو غر صدور الباقين وشوّش خشوعهم، كما أشار إليه
بقوله: (ولا تختلفوا،) أي: لا يتقدم بعضكم على بعض في الصفوف (فتختلف قلوبكم).
وفي رواية: صدوركم، قال الطيبي: بنصب تختلف من قبيل لا تدن من الأسد فيأكلك،
وفيه أن القلب تابع للأعضاء، فإن اختلف اختلف، وإذا اختلف فسد ففسدت الأعضاء، لأنه
رئيسها (ليلني،) بكسر اللامين والأولى لام الأمر وبعد الثانية ياء مفتوحة وشد النون، وبحذف
الياء وخفة النون روايتان ذكرهما النووي وغيره، أفصحهما حذفها للجازم، والثانية لغة صحيحة
قليلة فليست بغلط كما زعم الطيبي، أي: ليقرب مني من الولي وهو القرب (منكم أولوا
الأحلام،) جمع حلم بالكسر وهو التأني والتثبت في الأمور، (والنهى) جمع نهية، بالضم وهي
العقل، سمي بذلك لأنه ينهى صاحبه عن القبيح قاله في المجموع وغيره.
وفي شرح مسلم: النهي العقول وأولوا الأحلام العقلاء، وقيل: البالغون، فعلى الأول يكون
اللفظان بمعنى ولاختلاف اللفظ عطف أحدهما على الآخر تأكيدًا، وعلى الثاني معناه البالغون
العقلاء انتهى.
وفي الرياض: أهل الحلم هم أهل الفضل، فمعناه الفاضلون (ثم الذين يلونهم) في ذلك
الوصف، قال ذلك ثلاثًا كما (رواه مسلم) وأحمد والنسائي.
(وقال ابن عباس:) بت عند خالتي ميمونة، فذكر الحديث بطوله إلى أن قال: ثم (قام
رسول اللَّه ◌َُّ يصلي) بالليل، (فقمت عن يساره، فأخذ بيدي من وراء ظهره) عَّ
(يعدلني) بضم الياء وإسكان العين وكسر الدال، (كذلك من وراء ظهره) الشريف (إلى الشق

٤٧٤
الفصل الخامس فيما كان ◌َّ يقوله بعد انصرافه من الصلاة
ومسلم.
وقال أنس: سقط النبي عَُّلِّ عن فرس، فَمُجُحِش شقه الأيمن، فدخلنا عليه
نعوده، فحضرت الصلاة فصلى بنا قاعداً، فصلينا وراءه قعودًا، فلما قضى الصلاة
الأيمن).
وفي رواية: فتناولني من خلف ظهره فجعلني على يمينه، وفي أخرى: فأخذ برأسي فأقامني
عن يمينه، وفي أخرى: فأدارني من خلفه حتى جعلني عن يمينه وأخذ بأذني اليمنى يفتلها.
زاد في رواية: محمد بن نصر، فعرفت أنه إنما صنع ذلك ليؤنسني بيده في ظلمة الليل،
ولمسلم: فقمت إلى جنبه الأيسر، فأخذني بيده فجعلني من شقه الأيمن، فجعلت إذا أغفيت
يأخذ بشحمة أذني، وفيه رد على من زعم أن أخذ الأذن إنما كان حال إدارته من اليسار إلى
اليمين تمسكًا برواية للبخاري، فأخذ بأذني فأدارني عن يمينه، لكن لا يلزم من إدارته على هذه
الصفة أن لا يعود إلى مسك أذنه لما ذكر من تأنيسه وإيقاظه، لأن حاله يقتضي ذلك لصغره،
(رواه البخاري) في مواضع مطوّلاً ومختصرًا (ومسلم) جامعًا طرقه وألفاظه مطولاً ومختصرًا في
صلاة الليل رحمهما الله.
(وقال أنس: سقط النبي ◌َّةِ عن فرس) ركبه في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة،
كما أفاده ابن حبان، ولأبي داود وغيره عن جابر: ركب عَّه فرسًا بالمدينة فصرعه على جذع
نخلة، (فجحش،) بضم الجيم وكسر الحاء المهملة وشين معجمة، أي: خدش، وقيل: الجحش
فوق الخدش، وحسبك أنه لم يقدر أن يصلي قائمًا، قاله ابن عبد البر.
(شقه الأيمن؛) بأن قشر جلده، فالخدش قشر الجلد، وفي رواية: سلقه وهي مفسرة
المحله من الشق الأيمن، لأن الخدش لم يستوعبه، فليست تصحيفًا كما زعم، (فدخلنا عليه
نعوده،) سمي من العائدين زيادة على أنس أبو بكر وجابر في مسلم وغيره وعمر في مصنف
عبد الرزاق، (فحضرت الصلاة) المكتوبة كما في حديث جابر عند أبي داود وغيره.
قال الحافظ: لكن لم أقف على تعيينها إلا أن في حديث أنس: فصلى بنا يومئذ، فكأنها
نهارية الظهر أو العصر، (فصلى بنا قاعدًا،) لأن قدمه انفكت كما رواه الاسمعيلي في حديث
أنس وأبو داود وابن خزيمة عن جابر، بلفظ: فصرعه على جذع نخلة فانفكت قدمه، ولا ينافي
جحش شقه لاحتمال وقوع الأمرين (فصلينا وراءه قعودًا) هذه رواية الزهري عن أنس وظاهرها
يخالف حديث عائشة في الصحيحين وصلى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا، ففي هذه
الرواية اختصار، كأنه اقتصر على ما آل إليه الحال بعد أمره لهم بالجلوس.
وفي الصحيح عن حميد عن أنس: فصلى بهم جالسًا وهم قيام، وفيها أيضًا اختصار، لأنه

٤٧٥
الفصل الخامس فيما كان مَّ يقوله بعد انصرافه من الصلاة
قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، حتى قال: وإذا صلى قاعدًا
فصلوا قعودًا أجمعون. زاد بعض الرواة: وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا. رواه البخاري
ومسلم.
قال الحميدي: ومعاني سائر الروايات متقاربة وزاد البخاري قوله: ((إذا صلى
جالسًا فصلوا جلوسًا)) هو في مرضه القديم. وقد صلى في مرضه الذي مات فيه
جالسًا والناس خلفه قيامًا لم يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من
أمره عێ انتھی.
لم يذكر قوله لهم اجلسوا، والجمع بينهما أنهم ابتدأوا الصلاة قيامًا، فأوماً إليهم أن اجلسوا،
فقعدوا، فنقل كل من الزهري وحميد أحد الأمرين، وجمعتهما عائشة، وكذا جابر في مسلم
وجمع بوجهين آخرين زيفهما الحافظ، (فلما قضى الصلاة،) أي: أتمها بالسلام.
وفي رواية: فلما انصرف (قال: إنما جعل الإمام) إمامًا (ليؤتم،) أي: يقتدى (به) ويتبع،
ومن شأن التابع أن لا يسبق متبوعه ولا يساويه ولا يتقدم عليه في موقفه، بل يراقب أحواله،
ويأتي على أثره بنحو فعله، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شىءٍ من الأحوال، (فإذا ركع
فاركعوا، حتى قال:) حذف منه، ((وإذا رفع فارفعوا، فإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا
ولك الحمد».
(وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا،) وفي رواية: ((فإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا (أجمعون)،)
بالواو في جميع طرق حديث أنس تأكيد لضمير الفاعل في قوله: فصلوا، وأخطأً من ضعفه، فإن
المعنى عليه، واختلف في حديث أبي هريرة، فرواه بعض رواته أجمعين بالياء نصب على الحال، أي:
جلوسًا مجتمعين، أو تأكيد لضمير مقدر منصوب، كأنه قيل: أعنيكم أجمعين أفاده الحافظ.
(زاد بعض الرواة: وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، رواه البخاري ومسلم) بطرق عديدة
وألفاظ متقاربة.
(قال الحميدي:) بضم الحاء عبد الله بن الزبير المكسي، (ومعاني سائر الروايات
متقاربة) وإن اختلفت ألفاظها، (وزاد البخاري،) أي: عن شيخه الحميدي المذكور، ولفظه: قال
أبو عبد الله، أي: البخاري، قال الحميدي: (قوله: إذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا، هو في
مرضه القديم) الحاصل له قبل مرض موته، (وقد صلى في مرضه الذي مات فيه) حال كونه
(جالسًا والناس خلفه قيامًا،) بالنصب على الحال، وفي رواية: قيام بالرفع، أي وهم قيام (لم
يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمره،) لفظ البخاري: من فعل النبي (عَّةُ) أي:
فما كان قبله منسوخ الحكم.

٤٧٦
الفصل الخامس فيما كان عَّ يقوله بعد انصرافه من الصلاة
قال الشافعي وأبو حنيفة وجمهور السلف: لا يجوز للقادر على القيام أن
يصلي خلف القاعد إلا قائمًا، واحتجوا بأنه عَّهِ صلى في مرض موته بعد هذا
قاعدًا، وأبو بكر والناس خلفه قيامًا. وإن كان بعض العلماء زعم أن أبا بكر
رضي الله عنه كان هو الإمام، والنبي عَّهِ مقتد به، لكن الصواب أن ◌َ ◌ّهِ كان هو
الإمام.
وفي رواية: قال الحميدي: هذا منسوخ لأن النبي عَّهِ صلى في مرضه الذي مات فيه
والناس خلفه قيام لم يأمرهم بالقعود، قاله المصنف. (انتهى) كلام البخاري.
(قال الشافعي وأبو حنيفة وجمهور السلف،) ومنهم لملك في رواية عنه ضعيفة: (لا
يجوز للقادر على القيام أن يصلى خلف القاعد) لعذر (إلا قائمًا) فيجوز وتصح الصلاة،
(واحتجوا بأنه عَ ه صلى في مرض موته بعد هذا قاعدًا وأبو بكر والناس خلفه قيامًا)، فأقر
الصحابة على القيام خلفه وهو قاعد، وأنكر أحمد واسحق وغيرهما دعوى النسخ، وقالوا:
وإن صلى الإمام جالسًا صلى المأموم كذلك ولو قدر على القيام، قال أحمد: وفعله أربعة من
الصحابة بعده عن جابر وأبو هريرة وأسيد بن حضير وقيس بن فهد، بفتح القاف وسكون الهاء
الأنصاري، (وإن كان بعض العلماء) المانعين صلاة القائم خلف القاعد.
(زعم أن أبا بكر رضي الله عنه كان هو الإمام) وقد صلى قائمًا (والنبي عَّ مقتد به،)
فلا يرد نقضًا على قولهم بالبطلان (لكن الصواب أنه عَّةٍ كان هو الإمام،) والرواية المشهورة
عن ملك بطلان صلاة المأموم قائمًا بالقاعد، وقاله محمد بن الحسن، وقال: ذلك خاص
بالنبي ◌َُّ لحديث جابر الجعفي عن الشعبي مرفوعًا: ((لا يؤمن أحد بعدي جالسًا))، وتعقب بأن
جابرًا ضعيف مع إرساله، لكن قواه عياض؛ بأن الخلفاء الراشدين لم يفعله أحد منهم والنسخ
لا يثبت بعده عَّله، لكن مواظبتهم على ترك ذلك تشهد لصحة الحديث، قال: والحجة
للخصوصية أنه لا يصح التقدم بين يديه لنهي اللّه تعالى عن ذلك، ولأن الأئمة شفعاء ولا يكون
أحد شافعًا له، ولذا قال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول اللَّه
انتھی.
(ولا يشكل عليه صلاته خلف عبد الرحمن بن عوف وأبي بكر، لأن محل المنع إذا أمه هو
عليه السلام، أما إذا أم غيره وجاء وأبقاه، فلا منع بدليل قصتي أبي بكر وعبد الرحمن، إذ كل
منهما أم غيره لغيبته، فجاء وأبقاه والحق له، وإلى نحو هذا أشار ابن عبد البر، ونقل ابن العربي
عن بعض الأشياخ. أن الحال أحد وجوه التخصيص، وحاله عليه والتبرك به وعدم العوض عنه
تقتضي الصلاة معه على أي حال كان عليها، وليس ذلك لغيره ولا يرد عليه حديث: ((صلوا كما
رأيتموني أصلي)»، لأنه عام.

٤٧٧
الباب الثاني في ذكر صلاته عَدِ الجمعة
الباب الثاني
في ذكر صلاته علبة الجمعة
عن أنس بن مالك قال: أتى جبريل النبي عَ لّه بمرآة بيضاء فيها نكتة سوداء،
الباب الثاني في ذكر صلاته علبة الجمعة
بضم الميم على المشهور وقد تسكن، وقرأ بها الأعمش، وحكى الواحدي عن الفراء
فتحها، وحكى الزجاج كسرها كما في الفتح، وفي المصباح: هذه اللغات إذا أضيف إليها يوم؛
أما إن أريد بلفظ الجمعة الأسبوع فبسكون الميم لا غير.
قال الحافظ: اختلف في تسمية اليوم بذلك مع الاتفاق على أنه كان يسمى في الجاهلية
العروبة، بفتح المهملة وضم الراء وبالموحدة، فقيل: لأن كمال الخلق جمع فيه، ذكره
أبو حذيفة في المبتدأ وإسناده ضعيف، وقيل: لأن خلق آدم جمع فيه، ورد ذلك من حديث
سليمن أخرجه أحمد وابن خزيمة وغيرهما في أثناء حديث وله شاهد عن أبي هريرة، ذكره ابن
أبي حاتم موقوفًا باسناد قوي وأحمد مرفوعًا بإسناد ضعيف، وهذا أصح الأقوال، ويليه ما أخرجه
عبد بن حميد عن ابن سيرين بإسناد صحيح إليه في قصة تجميع الأنصار مع أسعد بن زرارة
وكانوا يسمعون يوم الجمعة يوم العروبة، فصلى بهم وذكرهم، فسموه الجمعة حین اجتمعوا إليه،
وقيل: لأن كعب بن لؤي كان يجمع قومه فيه، فيذكرهم ويأمرهم بتعظيم الحرم، ويخبرهم بأنه
سيبعث منه نبي، رواه الزبير بن بكار عن أبي سلمة بن عبد الرحمن مقطوعًا، وقيل: إن قصیا هو
الذي كان يجمعهم، ذكره ثعلب في أماليه، وقيل: لاجتماع الناس للصلاة فيه، وبه جزم ابن
خزم، فقال: إنه اسم إسلامي لم يكن في الجاهلية، وإنما كان يسمى العروبة وفيه نظر، فقد قال
أهل اللغة: إن العروبة اسم قديم كان الجاهلية، وقالوا: في الجمعة يوم العروبة، فالظاهر أنهم غيروا
أسماء الأيام السبعة بعد أن کانت تسمی: أُول أهون جبار دبار مؤنس عروبة شیار. انتهى.
(عن أنس بن ملك قال: أتى جبريل النبي عَّ بمرآة،) بزنة مفتاح آلة النظر، وجمعها
مراء وزن جوار وغواش (بيضاء فيها نكتة سوداء،) كذا في النسخ (بالنون)، والذي في مسند
الشافعي وكتة، قال أبو السعادات بن الأثير في شرحه: بفتح الواو وسكون الكاف، كالنقطة في
الشىء، يقال في عينه وكتة، ويقال للبسر إذا بدأ فيه الأرطاب قد وكت توكيتًا، ومعنى تشبيهه
الجمعة بالعمرآة البيضاء مثل في نقائها وصفائها وحسنها من بين الأيام، ويجوز أنه عنى بالوكتة
الساعة المخصوصة في الجمعة بالمدح تشبيها بوكتة البسر، لأن تلك النقطة التي تبتدىء
بالأرطاب أشرف ما في البسرة، كما أن الساعة التي في الجمعة أشرف ساعاتها، ويجوز أن يزيد
بها صلاة الجمعة التي تميز بها هذا اليوم على باقي الأيام، وأن يزيد بالو كتة أنها تزين المرآة

٤٧٨
الباب الثاني في ذكر صلاته مَّ الجمعة
فقال النبي عَّةٍ: (ما هذه؟ فقال: هذه الجمعة فضلت بها أنت وأمتك، والناس لكم
فيها تبع - اليهود والنصارى - ولكم فيها خير، فيها ساعة لا يوافقها عبد
مؤمن يدعو الله بخير إلا أستجيب له، وهو عندنا يوم المزيد، فقال النبي ◌ّه يا
جبريل: وما يوم المزيد؟ فقال: إن ربك اتخذ في الفردوس واديًا أفيح فيه كثيب
من مسك، فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله ما شاء من ملائكته، وحوله منابر من نور
البيضاء كما يزين الخال الوجه الحسن، فشبه الوكتة بالخال. انتهى.
(فقال النبي عََّّد) لجبريل: (ما هذه، فقال: هذه الجمعة فضلت،) بضم الفاء مبني
للمفعول، أي: ميزت (بها أنت وأمتك) بكثرة الخصال الحميدة التي أعدت لكم فيها، (والناس
لكم فيها تبع اليهود والنصارى،) بدل من الناس، والمعنى أن لهما يومين بعد يوم الجمعة كما
في الحديث الآتي، فالناس لنا تبع اليهود غدًا، والنصارى بعد غد، (ولكم فيها خير) عظيم كما
يفيده التنوين، (وفيها ساعة) خفيفة كما في مسلم وللشيخين، وأشار عَّةِ بيده يقللها، (لا
يوافقها عبد مؤمن یدعو الله بخیر إلا استجیب له،) خرج بالخير غيره فلا يستجاب، ولأحمد من
حديث سعد بن عبادة: ما لم يسأل إثمًا أو قطيعة رحم، وهو نحو بخير والقطيعة من الإثم، فهو خاص
على عام اهتمامًا به، وفي تلك الساعة اثنان وأربعون قولاً، أرجحها قولان، أحدهما ما في مسلم
وأبي داود عن أبي موسى مرفوعًا: ((هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تنقضي الصلاة)، والثاني أنها
آخر ساعة في يوم الجمعة.
رواه لملك وأحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه هو وابن خزيمة وابن حبان
والحاكم، وقال: على شرط الشيخين عن عبد اللَّه بن سلام، ورواه أبو داود والنسائي والحاكم
بإسناد حسن عن جابر عن النبي عَّه، وابن جرير عن أبي هريرة عن النبي عَّهِ، إنها آخر ساعة بعد
العصر يوم الجمعة، ورجح كلا جماعة، واختار صاحب الهدي أنها منحصرة في أحد الوقتين، وأن
أحدهما لا يعارض الآخر، لاحتمال أنه مَِّ دل على أحدهما في وقت، وعلى أحدهما في وقت
آخر، وكذا قال ابن عبد البر الذي ينبغي الدعاء في الوقتين المذكورين، وسبقهما إلى نحو ذلك
الإمام أحمد وهو أولى في طريق الجمع؛ وما عدا هذين القولين إما موافق لهما أو لاحدهما،
أو ضعيف الإسناد، أو موقوف استند قائله إلى اجتهاد دون توقيف كما بسطه في الفتح.
(وهو عندنا) معشر الملائكة (يوم المزيد) الذي يقع فيه مزيد الإكرام لنا ولكم، كما بينه
بقوله: (فقال النبي عَلِ: ((يا جبريل وما يوم المزيد، فقال: إن ربك اتخذ في الفردوس واديًا
أفيح،) أي: واسعًا يقال فاح الوادي فهو أفيح على غير قياس والقياس فائح (فيه كثيب) مفرد
كثب بضم الكاف والمثلثة وهو التل، ونسخة الجمع تصحيف، فالذي في المسند بالإفراد (من
مسك فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله ما شاء من ملائكته) تعظيمًا لليوم وزيادة في إكرام هؤلاء

٤٧٩
الباب الثاني في ذكر صلاته مَِّ الجمعة
عليها مقاعد النبيين، وحفت تلك المنابر بمنابر من ذهب مكللة بالياقوت والزمرذ
عليها الشهداء والصديقون، فجلسوا من ورائهم على تلك الكتب، فيقول الله: أنا
ربكم، قد صدقتكم وعدي، فسلوني أعطكم، فيقولون: ربنا نسألك رضوانك،
فيقول: قد رضيت عنكم، ولكن ما تمنيتم ولدي مزيد، فهم يحبون يوم الجمعة لما
يعطيهم ربهم فيه من الخير، وفيه استوى ربك على العرش)). رواه الشافعي في
مسنده.
وروى مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله عَّه: ((خير يوم
طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج
الملائكة بما يعطيهم من الخير فيه (وحوله)،) أي: الكثيب، وعلى الجمع فالضمير للوادي، لكن
علم أنها تصحيف (منابر من نور عليها مقاعد النبيين) جمع نبي (وحفت تلك المنابر بمنابر
من ذهب مكللة بالياقوت) من الجواهر معرب، وأجوده الأحمر الرماني نافع للوسواس والخفقان،
وضعف القلب شربًا ولجمود الدم تعليقًا قاله القاموس (والزمرذ،) بزاي أوله وذال معجمة آخره.
قال المجد: بضمات وشد الراء الزبر جد معرب (عليها الشهداء والصديقون، فجلسوا
من ورائهم على تلك الكثب،) كذا في النسخ والذي في المسند على ذلك الكثيب بإشارة
المذكر وإفراد الكثيب، (فيقول الله: أنا ربكم قد صدقتكم،) بخفة الدال وشدها (وعدي) لكم
بالثواب، (فسلوني أعطكم) سؤالكم، (فيقولون: ربنا نسألك رضوانك)،) بكسر الراء وضمها لغة
قيس وتميم بمعنى الرضا وهو خلاف السخط، (فيقول: قد رضيت عنكم ولكم ما تمنيتم ولدي
مزيد) على ما تتمنون، ولا يخطر ببالكم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب
بشر، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين، (فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم ربهم
فيه من الخير) البالغ الغاية، (وفيه استوى ربك على العرش))) استواء يليق بجلاله، (رواه
الشافعي في مسنده) وهو الأحاديث التي أسندها الشافعي مرفوعها وموقوفها، ووقعت في
مسموع أبي العباس الأصم عن الربيع بن سليمان من كتاب الأم والمبسوط إلا أربعة أحاديث،
رواها الربيع عن البويطي عن الشافعي، التقطها محمد بن جعفر بن مطر النيسابوري من الأبواب
لأبي العباس الأصم، وقيل: بل جردها الأصم بنفسه ولم يرتبها، ولذا وقع فيها تكرار في غير ما
موضع قاله بعضهم.
(وروى مسلم من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه عَّه: ((خير يوم،) قال
القرطبي: خير وشر يستعملان للمفاضلة ولغيرها، فإذا كانتا للمفاضلة فأصلهما أخير وأشر بوزن
أفعل، وهي هنا للمفاضلة غير أنها مضافة لنكرة، موصوفة بقوله: (طلعت عليه الشمس يوم

٤٨٠
الباب الثاني في ذكر صلاته معَّ الجمعة
منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة)).
وروى البيهقي في الدعوات من حديث أنس: كان عَّهِ إذا دخل رجب
قال: ((اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان))، وكان يقول ليلة الجمعة:
((ليل أغر ويوم الجمعة يوم أزهر)).
الجمعة،) أي: إنه أفضل من كل يوم طلعت عليه شمسه لما فيه من الأمور العظام والأشياء
الجسام، كما أخبر عليه السلام ونص على بعضها بقوله: (فيه خلق آدم) الذي هو أصل البشر،
ومن ولده الأنبياء والأولياء والصلحاء وهذه نعم عظيمة، (وفيه أدخل الجنة،) وذلك أساس
النعمة ورأس المنحة وهو المقام الموعود للمقبلين على الطاعة، (وفيه أخرج منها) لا للطرد، بل
لقضاء أوطاره، ثم يعود إليها، قاله ابن العربي وقال الطيبي: فإن قيل دخوله الجنة فيه فضل لليوم،
فما الفضل في خروجه؟، أجيب: بأنه لما كان سببًا لتكثير النسل وبث عباد اللَّه تعالى في
الأرضين وإظهار عبادة اللَّه التي خلق الخلق لأجلها، وما أقيمت السموات والأرض إلا لها وكان
لا يتم ذلك إلا بخروجه منها كان أحرى بالفضل من استمراره فيها.
وعند مسلم في حديث آخر عن أبي هريرة مرفوعًا: «وخلق آدم في آخر ساعة من يوم
الجمعة)).
قال ابن كثير: فإن كان يوم خلقه يوم إخراجه، وقلنا الأيام الستة كهذه الأيام، فقد أقام في
الجنة بعض يوم من أيام الدنيا وفيه نظر، وإن كان إخراجه في غير اليوم الذي خلق فيه، وقلنا:
كل يوم بألف سنة، كما قال ابن عباس ومجاهد والضحاك واختاره ابن جرير فقد لبث هناك مدة
طويلة.
زاد في رواية لملك وأبي داود وغيرهما وفيه تيب عليه وفيه مات، فقبول توبته مظهر
لطف اللَّه تعالى به وكمال رحمته عليه، وفيه إرشاد لمن زل واقترف الإثم بالتوبة، وموته فيه
رجوعه إلى الأوطان وهو عاقبة كل حي وفيه راحة المؤمن من تعب الدنيا، (ولا تقوم الساعة إلا
في يوم الجمعة) وبه يعلم حال كل نفس وفيه الوصول إلى دار الثواب فهو سبب لتعجيل جزاء
الأنبياء والمؤمنين وإظهار كرامتهم وشرفهم فهو من الفضائل أيضًا.
(وروى البيهقي في الدعوات) والبزار وابن عساكر وأبو نعيم، كلهم (من حديث أنس:
كان عَِّ إذا دخل رجب قال: ((اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان)).
قال ابن رجب: فيه ندب الدعاء بالبقاء إلى الأزمان الفاضلة لإدراك الأعمال الصالحة فيها،
فإن المؤمن لا يزيده عمره إلا خيرًا، (وكان يقول ليلة الجمعة) نصب على الظرفية («ليل
أغر،) أي: صبيح (ويوم الجمعة يوم أزهر،) أي: نير مشرق، ولفظ رواية البيهقي: وكان إذا