النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ الفصل الرابع في ذكر سجوده عَّ للسهو في الصلاة فقلت: هو هذا، فقالوا: هذا طلحة بن عبيد الله. رواه أبو داود والبيهقي في سننهما، وابن خزيمة في صحيحه، وعين الصلاة المغرب. وقال ابن خزيمة: وهذه القصة غير قصة ذي اليدين، لأن المعلم للنبي عَّ. في هذه القصة طلحة بن عبيد الله، ومخبره في تلك القصة ذو اليدين، والسهو منه عليه الصلاة والسلام في قصة ذي اليدين إنما كان في الظهر أو العصر، وفي هذه القصة إنما كان السهو في المغرب لا في الظهر ولا في العصر. وعن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن رسول الله عَّ انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله عَ ليه (أصدق ذو اليدين))؟ فقال الناس: نعم، فقام عَّه فصلى ركعتين أخريين ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع ثم كبر فسجد مثل سجوده للصلاة (قلت: لا) أعرفه (إلا أن أراه، فمر بي، فقلت: هو هذا، فقالوا: هذا طلحة بن عبيد الله) التيمي أحد العشرة؛ وفي هذا السياق دليل على أن معوية بن حديج شاهد ذلك فهو صحابي، (رواه أبو داود والبيهقي في سننهما وابن خزيمة في صحيحه، وعين) في روايته (الصلاة المغرب) بالنصب بدل، أي: قال صلى المغرب. (وقال ابن خزيمة: وهذه القصة غير قصة ذي اليدين، لأن المعلم،) أي: المخبر (للنبي عَّهُ في هذه القصة طلحة بن عبيد اللَّه،) بضم العين، (ومخبره في تلك القصة ذو اليدين، و) لأن (السهو منه عليه الصلاة والسلام في قصة ذي اليدين إنما كان في الظهر أو العصر) على ما مر؛ (وفي هذه القصة إنما كان السهو في المغرب لا في الظهر ولا في العصر) فافترقا لهذين الوجهين. (وعن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه عَّ انصرف،) أي: سلم (من اثنتين،) أي: ركعتين، (فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة،) بفتح القاف وضم الصاد، أي: أصارت قصيرة، وبضم القاف وكسر الصاد، أي: أقصرها اللَّه روايتان. قال النووي: الأول أكثر وأرجح (أم نسيت يا رسول اللَّه) فيه دلالة على ورعه، لأنه لم يجزم بشيء بلا علم، بل استفهم لأنه زمان نسخ، (فقال رسول اللَّه عَ لّم: «أصدق ذو اليدين))) فيما قال، (فقال الناس،) أي: الصحابة الذين صلوا معه: (نعم) صدق، وفي رواية لمسلم قالوا: صدق لم تصل إلا ركعتين، (فقام عَّهُ) أي: اعتدل وهي كناية عن الدخول في الصلاة، (فصلى ركعتين أخريين) بتحتيتين بعد الراء، (ثم سلم، ثم كبر). قال القرطبي: فيه دلالة على أن التكبير للإحرام لإتيانه بثم المقتضية للتراخي فلو كان ١ ٤٤٢ الفصل الرابع في ذكر سجوده معٍَّ للسهو في الصلاة أو أطول، ثم رفع. وفي رواية سلمة بن علقمة، قلت لمحمد - يعني ابن سيرين - في سجدتي السهو تشهد؟ فقال: ليس في حديث أبي هريرة. رواه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والترمذي والسنائي. قال الحافظ ابن حجر: لم يقع في غير هذه الرواية لفظ ((القيام)) وقد استشكل بأنه مَّدٍ كان قائمًا. وأجيب: بأن المراد بقوله: ((فقام)) أي اعتدل، لأنه كان مستندًا إلى الخشبة كما مر . وقد يفهم من قول محمد بن سيرين عن التشهد: ((ليس في حديث أبي التكبير للسجود لكان معه، وتعقب بأن ذلك من تصرف الرواة ففي رواية للبخاري فصلى ما ترك ثم سلم ثم كبر وسجد فأتي بواو المصاحبة التي تقتضي المعية وهو مردود بأن الحديث واحد وليست رواية الواو بأولى من رواية الفاء في قوله: (فسجد) المقتضية لعدم المعية، فالواو من تصرف الرواة، ويؤيده أن من عبر بالفاء أثبت وأتقن (مثل سجوده) للصلاة (أو أطول) منه، (ثم رفع) من سجوده، (ثم كبر فسجد) ثانية (مثل سجوده للصلاة أو أطول) منه، (ثم رفع) من السجدة الثانية. (وفي رواية سلمة بن علقمة) التميمي أبي بشر البصري، المتوفى سنة تسع وثلاثين ومائة، (قلت لمحمد: يعني ابن سيرين) البصري (في) بتقدير همزة الاستفهام، أي: أني (سجدتي السهو تشهد، فقال: ليس في حديث أبي هريرة رواه،) أي: المذكور من الروايتين (البخاري، ورواه (مسلم ولهلك) في الموطأ، أي: اللفظ الأول إذ لم يرويا قول سلمة بن علقمة المذكور (وأبو داود والترمذي والنسائي). (قال الحافظ ابن حجر: لم يقع في غير هذه الرواية لفظ القيام) المذكور بقوله: فقام (وقد استشكل بأنه عبد كان قائمًا) كما في الحديث السابق، ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد. (وأجيب بأن المراد بقوله: فقام، أي: اعتدل لأنه كان مستندًا إلى الخشبة كما مره) زاد الحافظ: أو هو كناية عن الدخول في الصلاة، وقال ابن المنير: فيه إيماء إلى أنه أحرم، ثم جلس، ثم قام، کذا قال وهو بعید جدا. انتهى. ولا بعد فيه فضلاً عن قوته، إذ غاية ما قال فيه إيماء، (وقد يفهم من قول محمد بن ٤٤٣ الفصل الرابع في ذكر سجوده عَّي للسهو في الصلاة هريرة)) أنه ورد في حديث غيره. وهو كذلك: فقد رواه أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم من طريق أشعث بن عبد الملك عن محمد بن سيرين عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين أن النبي عَّهِ صلى بهم، فسها فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم. قال الترمذي: حسن غريب، وقال الحاكم صحيح على شرطهما. وقال ابن حبان: ما روى ابن سيرين عن خالد غير هذا الحديث، وضعفه البيهقي وابن عبد البر وغيرهما. ووهموا رواية أشعث لمخالفته غيره من الحفاظ عن ابن سيرين، فزيادة أشعث شاذه. سيرين عن التشهد ليس في حديث أبي هريرة أنه ورد في حديث غيره وهو كذلك فقد رواه أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم من طريق أشعث) بمعجمة فمهملة فمثلثة (ابن عبد الملك) الجمراني، بضم المهملة البصري، يكنى أبا هانىء ثقة، فقيه، مات سنة ثنتين وأربعين، وقيل: سنة ست وأربعين ومائتين (عن محمد بن سيرين عن خالد) بن مهران (الحذاء، بفتح المهملة وشد الذال المعجمة، قيل له ذلك لأنه كان يجلس عندهم، وقيل: لأنه كان يقول اخذ على هذا النحو ثقة برسل، أشار حماد بن زيد إلى أن حفظه تغير لما قدم من الشام وعاب عليه بعضهم دخوله في عمل السلطان، (عن أبي قلابة) بكسر القاف والتخفيف عبد اللَّه بن زيد الجرمي البصري، ثقة، فاضل، كثير الإرسال. قال العجلي: فيه نصب يسير، مات بالشام هاربًا من القضاء سنة أربع ومائة، وقيل: بعدها (عن أبي المهلب) الجرمي المصري عم أبي قلابة، اسمه عمرو أو عبد الرحمن بن مطوية، أو ابن عمرو، وقيل: النضر، وقيل: معوية، ثقة من كبار التابعين. (عن عمران بن حصين: أن النبي ◌َّ- صلى بهم، فسها فسجد سجدتين) للسهو (ثم تشهد ثم سلم). (قال الترمذي: حسن غريب،) أي: تفرد به راويه، (وقال الحاكم: صحيح على شرطهما،) أي: الصحيحين وفيه نظر، إذ لم يرويا لأشعث؛ نعم علق له البخاري، (وقال ابن حبان: ما روى ابن سيرين عن خالد) الحذاء (غير هذا الحديث) وهو من رواية الأكابر عن الأصاغر كما في الفتح، (وضعفه،) أي: هذا الحديث (البيهقي وابن عبد البر وغيرهما، ووهموا راويه أشعث لمخالفته غيره من الحفاظ عن ابن سيرين،) فإن المحفوظ عنه في حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد. وروى السراج من طريق سلمة بن علقمة أيضًا في هذه القصة: قلت لابن سيرين: فالتشهد، قال: لم أسمع في التشهد شيئًا، وكذا المحفوظ عن خالد الحذاء بهذا الإسناد في ٤٤٤ الفصل الرابع في ذكر سجوده عَّ للسهو في الصلاة لكن قد ورد في التشهد في سجود السهو عن ابن مسعود عند أبي داود والنسائي، وعن المغيرة عند البيهقي، وفي إسنادهما ضعف. فقد يقال إن الأحاديث الثلاثة في التشهد باجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن، قال العلائي: وليس ذلك ببعيد، وقد صح ذلك عن ابن مسعود من قوله: أخرجه ابن أبي شيبة. انتهى ملخصًا من فتح الباري. وفي رواية أبي سفيان عن أبي هريرة عند مسلم: صلى لنا رسول الله عَ ليه صلاة العصر، فسلم من ركعتين، فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت، فقال رسول الله عَّه: كل ذلك لم يكن، فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله. وفي رواية أبي داود من طريق حماد بن زيد عن هشام بن حسان عن ابن حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد كما أخرجه مسلم، (فزيادة أشعث شاذة) وإن كان ثقة، لأن محل قبول زيادة الثقة ما لم يكن من لم يزدها أوثق منه كما قال ابن عبد البر وغيره، ولهذا قال ابن المنذر: لا أحسب التشهد في سجود السهو يثبت. (لكن قد ورد في التشهد في سجود السهو عن ابن مسعود عند أبي داود والنسائي، وعن المغيرة) بن شعبة (عند البيهقي وفي إسنادهما ضعف، فقد يقال إن الأحاديث الثلاثة في التشهد باجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن) وإن كانت مفرداتها ضعيفة. (قال العلائي: وليس ذلك ببعيد) لما علم أن الاجتماع يكسب قوة، (وقد صح ذلك عن ابن مسعود من قوله: أخرجه ابن أبي شيبة. انتهى ملخصًا من فتح الباري) بمعنى أنه حذف منه ما لم يتعلق غرضه به لا التلخيص العرفي. (وفي رواية أبي سفين) اسمه وهب أو قزمان، بضم القاف وسكون الزاي، قال ابن سعد: ثقة قليل الحديث، روى له الستة (عن أبي هريرة عند مسلم) من طريق لملك عن داود بن الحصين، عن أبي سفين، عن أبي هريرة: (صلى لنا رسول اللَّه عَّه) فيه تصريح بحضور أبي هريرة القصة (صلاة العصر، فسلم من ركعتين، فقام ذو اليدين، فقال: أقصرت الصلاة يا رسول اللَّه أم نسيت، فقال رسول اللَّه مَّ: كل ذلك،) أي القصر والنسيان (لم يكن) واحد منهما، (فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول اللَّه) وهو النسيان كما قال الرواية الأخرى: بلى قد نسیت. (وفي رواية أبي داود من طريق حماد بن زيد) بن درهم البصري، ثقة، ثبت، فقيه (عن ٤٤٥ الفصل الرابع في ذكر سجوده عٍَّ للسهو في الصلاة سيرين عن أبي هريرة في هذا الحديث قال: فكبر ثم كبر وسجد للسهو. وهذا يؤيد من قال لا بد من تكبيرة الإحرام في سجود السهو بعد السلام، والجمهور على الاكتفاء بتكبيرة السجود، وهو ظاهر غالب الأحاديث. وقال أبو داود: لم يقل أحد: ((كبر ثم كبر)) إلا حماد بن زيد، فأشار إلى شذوذ هذه الرواية. ويحتمل أن تكون الخشبة المذكورة في هذا الحديث الجذع الذي كان عليه السلام يستند إليه قبل اتخاذ المنبر. وإنما وقع الاستفهام ((هل قصرت الصلاة؟)) لأن الزمان كان زمان النسخ. وقوله: ((فقال: لم أنس ولم تقصر)) صريح في نفي النسيان ونفي القصر. وفيه تفسير للمراد بقوله في رواية أبي سفيان المتقدمة ((كل ذلك لم يكن)، وتأييد لما قاله أصحاب المعاني أن لفظ ((كل)) إذا تقدمت وعقبها النفي كان نفيًا لكل فرد لا للمجموع، بخلاف ما إذا تأخرت، كأن يقول: لم يكن كل ذلك، ولهذا هشام بن حسان) الأزدي أبي عبد اللَّه البصري، ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومائة، روى له الجماعة (عن ابن سيرين، عن أبي هريرة في هذا الحدیث، قال: فکېر) للإحرام، (ثم کېر) للهوى (وسجد للسهو، وهذا يؤيد من قال: لا بد من تكبيرة الإحرام في سجود السهو بعد السلام،) كملك؛ فإنه قال: إنه واجب، لكن لا تبطل الصلاة بتركه، (والجمهور على الاكتفاء بتكبيرة السجود وهو ظاهر غالب الأحاديث، وقال أبو داود: لم يقل أحد كبر ثم كبر إلا حماد بن زيد، فأشار إلى شذوذ هذه الرواية،) لكنها تتأيد بما فهمه القرطبي من الرواية السابقة، (ويحتمل أن تكون الخشبة المذكورة في هذا الحديث الجذع الذي كان عليه السلام يستند إليه قبل اتخاذ المنبر). زاد الحافظ: وبذلك جزم بعض الشراح، (وإنما وقع الاستفهام هل قصرت لأن الزمان كان زمان النسخ) فجوز السائل وقوعه في الصلاة كما وقع نسخ القبلة في الصلاة، (وقوله: فقال لم أنس ولم تقصر) وهو الذي في أكثر الطرق كما في الفتح (صريح في نفي النسيان ونفي القصر، وفيه تفسير للمراد بقوله في رواية أبي سفين المتقدمة) قريبًا، (كل ذلك لم يكن،) فمعناه لم أنس ولم تقصر، (وتأييد لما قاله أصحاب المعاني إن لفظ كل إذا تقدمت وعقبها النفي كان نفيًا لكل فرد لا للمجموع بخلاف ما إذا تأخرت كأن يقول: لم يكن كل ذلك،) وفي شرحه للبخاري، وهذا أشمل من أن لو قيل لم يكن كل ذلك، لأنه من باب تقوي الحكم، فيفيد التأكيد في المسند والمسند إليه بخلاف الثاني، إذ ليس فيه تأكيد ٤٤٦ الفصل الرابع في ذكر سجوده عَّ للسهو في الصلاة أجاب ذو اليدين في رواية أبي سفيان بقوله: قد كان بعض ذلك، وأجابه في هذه الرواية بقوله: ((بلى قد نسيت)) لأنه لما نفى الأمرين وكان مقررًا عند الصحابة أن السهو غير جائز عليه في الأمور البلاغية جزم بوقوع النسيان لا القصر. وهو حجة لمن قال إن السهو جائز على الأنبياء فيما طريقه التشريع. قال ابن دقيق العيد: وهو قول عامة العلماء والنظار، وشذت طائفة فقالوا: لا يجوز على النبي عَّة السهو، وهذا الحديث يرد عليهم - يعني حديث ابن مسعود - فإن فيه (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون)). وإن كان القاضي عياض نقل الإجماع على عدم جواز دخول السهو في الأقوال التبليغية، وخص الخلاف بالأفعال. لكنهم تعقبوه. نعم اتفق من جوز ذلك على أنه لا يقر عليه، بل يقع له بيان ذلك، إما متصلاً بالفعل أو بعده، كما وقع في هذا الحديث من قوله: ((لم أنس ولم تقصر)) أصلاً، فيصح أن يقال لم يكن كل ذلك، بل بعضه كما تقرر في علم البيان، (ولهذا أجاب ذو اليدين في رواية أبي سفين بقوله: قد كان بعض ذلك، وأجابه في هذه الرواية،) أي رواية ابن سيرين، (بقوله: بلى قد نسيت، لأنه لما نفى الأمرين) بقوله: ((كل ذلك لم يكن)) (وكان مقررًا عند الصحابة أن السهو غير جائز عليه في الأمور البلاغية،) أي: التي طلب منه إبلاغها للناس، (جزم بوقوع النسيان لا القصر وهو حجة لمن قال: إن السهو جائز على الأنبياء فيما طريقه التشريع) لما يترتب عليه من الفوائد. (قال ابن دقيق العيد: وهو قول عامة العلماء والنظار، وشذت طائفة فقالوا: لا يجوز على النبي عَِّ السهو) تنزبها لمقامه عنه، (وهذا الحديث يرد عليهم، يعني حديث ابن مسعود، فإن فيه إنما أنا بشر مثلكم أنسى) وزاد: (كما تنسون))) دفعًا لمن يقول ليس نسيانه كنسياننا، (إن كان القاضي عياض نقل الإجماع على عدم جواز السهو في الأقوال التبليغية) التي أمر بتبليغها للأمة، لأنه يوجب التشكيك وتشبث الطاعن بها، (وخص الخلاف بالأفعال،) وفرق عياض بأن الدليل قام على صدق القول، فخلافه ولو سهوًا يناقضه بخلاف الأفعال فلا يناقضه ولا يقدح في النبوة، لأن الغفلة من سمات البشر، (لكنهم،) أي: العلماء (تعقبوه) بأن الخلاف مطلق (نعم) استدراك لدفع كون وقوعه سهوًا يناقض المعجزة، (اتفق من جوز ذلك على أنه لا يقر عليه، بل يقع له بيان ذلك إما متصلاً بالفعل أو بعده كما وقع في هذا الحديث من قوله: لم أنس ولم تقصر، ثم تبين أنه نسي ومعنى) الأولى فمعنى بالفاء (قوله: ٤٤٧ الفصل الرابع في ذكر سجوده عَّ للسهو في الصلاة ثم تبين أنه نسي. ومعنى قوله: ((لم أنس)) أي في اعتقادي، لا في نفس الأمر، ويستفاد منه: أن الاعتقاد عند فقد اليقين يقوم مقام اليقين، وفائدة السهو في مثل ذلك بيان الحكم الشرعي إذا وقع مثله لغيره. وأما من منع السهو مطلقًا، فأجابوا عن هذا الحديث بأجوبة: فقيل: قوله ((لم أنس)) نفي للنسيان، ولا يلزم منه نفي السهو، وهذا قول من فرق بينهما، وقد تقدم تضعيفه، ويكفي فيه قوله في هذه الرواية: ((بلى قد نسيت)) وأقره على ذلك. وقيل: قوله: ((لم أنس)) على ظاهره وحقيقته، وكان يتعمد ما يقع منه من ذلك ليقع التشريع منه بالفعل، لكونه أبلغ من القول. وتعقب: بحديث ابن مسعود عند البخاري ومسلم بلفظ «صلى لم أنس، أي: في اعتقادي لا في نفس الأمر،) إذ الواقع أنه نسي، (ويستفاد منه أن الاعتقاد عند فقد اليقين يقوم مقام اليقين،) ينبغي أن يراد به ما يشمل الظن لا ما اصطلح عليه الأصوليون أنه حكم الذهن الجازم القابل للتغير، وأما الراجح الذي لا جزم معه فهو الظن، قاله شيخنا: (وفائدة السهو في مثل ذلك بيان الحكم الشرعي إذا وقع مثله لغيره،) لأن البيان بالفعل أظهر منه بالقول لمشاهدة صفة الفعل في زمن قليل بخلاف القول فيحتاج للتفصيل، ولأنه أرفع للاحتمال، إذ لو قال من سها فليسجد سجدتين في آخر صلاته احتمل أنه أراد من سها في أمر من أموره، سواء كان في نفس الصلاة أو غيرها وإن كان بعيدًا. (وأما من منع السهو مطلقًا) في الأقوال والأفعال وهم جماعة صوفية، (فأجابوا عن هذا الحديث بأجوبة، فقيل: قوله لم أنس نفي للنسيان، ولا يلزم منه نفي السهو، وهذا قول من فرق بينهما، وقد تقدم) قريبًا (تضعيفه) بأنه خلاف اللغة والحديث، (ويكفي فيه،) أي: تضعيفه (قوله في هذه الرواية: بلى قد نسيت، وأقره على ذلك،) إذ لو كان بينهما فرق لبينه ولم يقره. (وقيل: قوله لم أنس على ظاهره وحقيقته، وكان يتعمد ما يقع منه من ذلك ليقع التشريع منه بالفعل، لكونه أبلغ من القول). (وتعقب بحديث ابن مسعود عند البخاري ومسلم) وأبي داود والنسائي وابن ماجه، ٤٤٨ الفصل الرابع في ذكر سجوده معَّ للسهو في الصلاة رسول الله عَّه فزاد أو نقص، شك بعض الرواة، والصحيح أنه زاد، فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: ((وما ذاك))؟ قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه واستقبل القبلة وسجد سجدتين ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه قال: إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون. فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر (بلفظ: صلى رسول اللَّه عَّةٍ) الظهر على الأصح أو العصر، (فزاد أو نقص شك بعض الرواة) هو إبراهيم النخعي رواية عن علقمة عن ابن مسعود، ففي البخاري قال إبراهيم لا أدري زاد أو نقص، وفي مسلم: قال إبراهيم والوهم مني، أي: الشك، وفيه أيضًا قال إبراهيم: وأيم اللَّه ما ذاك إلا من قبلي. (والصحيح أنه زاد،) ففي الصحيحين من طريق الحكم عن إبراهيم عن علقمة، عن عبد الله: صلى النبي عَّةُ الظهر خمبتًا، قال الحافظ: فلعل إبراهيم شك لما حدث منصور أو تيقن لما حدث الحكم، وتابع الحكم على ذلك حماد بن أبي سليلمن وطلحة بن مصرف وغيرهما، وعين في رواية الحكم وحماد أيضًا؛ أنها الظهر، وللطيراني من رواية طلحة عن إبراهيم؛ انها العصر، وما في الصحيح أصح. (فلما سلم قيل له: يا رسول اللَّه أحدث) (بفتحات والهمزة للاستفهام)، أي: أوقع (في الصلاة شىء) يوجب تغيير حكمها عما عهدوه، ودل استفهامهم عن ذلك على جواز النسخ عندهم، وأنهم كانوا يتوقعونه، (قال: وما ذاك))،) أي: سبب سؤالكم، وفيه إشعار بأنه لم يكن عنده شعور بما وقع منه من الزيادة، (قالوا: صليت كذا وكذا) كناية عما وقع زائدًا عن المعهود، (فثني) بخفة النون، أي: عطف (رجليه) بالتثنية، وفي رواية: بالإفراد بأن جلس كهيئة قعود التشهد (واستقبل القبلة وسجد سجدتين) للسهو، (ثم سلم) واحتج به على رجوع الإمام لقول المأمومين: لكن يحتمل إنه تذكر عند ذلك، أو أن سؤلهم أحدث عنده شكا فسجد للشك الذي طرأ لا لمجرد قولهم: (فلما أقبل علينا بوجهه، قال: إنه لو حدث في الصلاة شىء لنبأتكم،) أي: أخبرتكم (به) أي: بالحدث وفيه عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، (ولكن إنما أنا بشر مثلكم،) أي: بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن المخاطبين لا بالنسبة إلى كل شىء (أنسى کما تنسون،) بهمزة مفتوحة وسین مخففة. قال الزركشي: ومن قيده بضم أوله وتشديد ثالثة فهو يناسب التشبيه، (فإذا نسيت فذكروني) في الصلاة بالتسبيح ونحوه، (وإذا شك أحدكم) بأن استوى عنده طرفا العلم والجهل (في صلاته فليتحر،) بحاء مهملة وراء مشددة، أي: فليقصد (الصواب) بالأخذ باليقين فيبني عليه عند لملك والشافعي. ٤٤٩ الفصل الرابع في ذكر سجوده عَّ للسهو في الصلاة الصواب، فيتم عليه ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين)). ففيه: إثبات العلة قبل الحكم، بقوله: (إنما أنا بشر مثلكم)) ولم يكتف بإثبات وصف النسيان له، حتى دفع قول من عساه يقول: ليس نسيانه كنسياننا فقال: ((كما تنسون)). وبهذا الحديث يرد أيضًا قول من قال: ((معنى قوله لم أنس)) إنكار للفظ الذي نفاه عن نفسه حيث قال: ((إني لا أنسى ولكن أنسى لأسن)) وإنكار للفظ الذي أنكره على غيره حيث قال: ((بئسما لأحدكم أن يقول نسيت آية كذا وكذا)). وقال أبو حنيفة: معناه البناء على غالب الظن فلا يلزم بالاقتصار على الأقل، وفي رواية لمسلم: فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب، وله في أخرى: فليتحر الذي يرى أنه صواب (فيلتم عليه ثم يسلم ثم يسجد سجدتين) للسهو، (ففيه إثبات العلة قبل الحكم) على نفسه بالنسيان، (بقوله: إنما أنا بشر مثلكم) أنسى، فكأنه قال: أنسى، لأني بشر مثلكم وهو من سمات البشر: وما سمى الإنسان إلا لنسيه وأول ناس أول الناس (ولم يكتف بإثبات وصف النسيان له حتى دفع قول من عساه يقول ليس نسيانه كنسياننا، فقال: كما تنسون،) فكيف يصح زعم أنه يتعمد فعل ذلك، وقد رده عياض أيضًا بأنه مع ضعفه متناقض بلا طائل، لأنه كيف يكون متعمدًا ساهيًا في حالة واحدة، (وبهذا الحديث يرد أيضًا قول من قال: معنى قوله لم أنس إنكار للفظ الذي نفاه عن نفسه، حيث قال: إني لا أنسى) بلا النافية في إحدى الروايتين بدل لام التأكيد في الرواية الأخرى، وهي: إني لأنسى أو أنسى لأسن التي قدمها المصنف، ومر الخلاف في أن أو عليها للشك أو لغيره، والروايتان حكاهما عياض. وحكى أيضًا ثالثة لست أنسى، (ولكن أنسى) بضم الهمزة وفتح النون وشد السين، أي: ينسيني اللّه تعالى (لأسن) حكما شرعيًا للناس، كتعليم سجود السهو، قال عياض: ولا حجة فيه، إذ ليس فيه نفي حكم النسيان جملة، أي: جميعه، وإنما فيه نفي لفظه وكراهة لقبه، أي: اسمه، كقوله بئسما لأحدكم أن يقول نسيت آية كذا ولكنه نسي)». أو نفي الغفلة وقلة الاهتمام بأمر الصلاة عن قلبه، لكن شغل بها عنها ونسى بعضها ببعضها، (وإنكار للفظ الذي أنكره على غيره، حيث قال) كما في الصحيحين عن ابن مسعود، قال النبي عَة: ((بئسما لأحدكم) كذا في النسخ بالكاف، والذي في الصحيحين لأحدهم بالهاء؛ نعم في رواية لمسلم: ((لا يقل. أحدكم» وما نكرة موصوفة مفسرة لفاعل بئس، أي: بئس شىء، و (أن يقول) مخصوص بالذم، أي: بئس شىء كائن للرجل قوله: (نسيت) بفتح النون وكسر السين مخففة (آية كذا وكذا،) ٤٥٠ الفصل الرابع في ذكر سجوده عَّ للسهو في الصلاة وقد تعقبوا هذا أيضًا بأن حديث إني ((لا أنسى) لا أصل له، فإنه من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث الشديد، وهي أربعة، قاله ابن عبد البر. وأما الآخر فلا يلزم من ذم إضافة نسيان الآية ذم إضافة نسيان كل شيء، فإن كذا في النسخ، والمروي في الصحيحين: ((آية كيت وكيت بل هو نسي))، الحديث بتحتية ففوقية كلمتان يعبر بهما عن الجمل الكثيرة والحديث الطويل، وسبب الذم ما في ذلك من الإشعار بعدم الاعتناء بالقرآن، إذ لا يقع النسيان إلا بترك التعاهد وكثرة الغفلة، فلو تعاهده بتلاوته والقيام به في الصلاة لدام حفظه وتذكره، فإذا قال: نسيت، كأنه شهد على نفسه بالتفريط، فتعلق الذم ترك الاستذكار والتعاهد لأنه يورث النسيان. وقوله: ((بل هو نسي)، بضم النون وشد السين المكسورة في جميع روايات البخاري، وأكثر الروايات في غيره وهو أضراب عن نسبة النسيان إلى النفس المسبب عن الترك، لأنه يوهم أنه انفرد بفعله، فالذي ينبغي أن يقول: أنسيت أو نسيت مبني للمفعول، أي: أن اللَّه هو الذي أنساه، لأن نسبة الأفعال إلى خالقها إقرار بالعبودية والاستسلام للقدرة وإن جازت نسبتها إلى مكتسبها، وقيل: معناه عوقب بالنسيان لتفريطه في تعاهده؛ وقيل: فاعل نسيت النبي عَ﴾، كأنه قال: لا يقل أحد عني أني نسيت، فإن الله هو الذي أنساني ما نسخه ورفع تلاوته، ولا صنع لي في ذلك. ورواه بعض رواة مسلم: بل نسي بخفة السين، أي: تركه اللَّه غير ملتفت إليه، كقوله: ﴿نسوا اللَّه فنسيهم﴾ [التوبة/٩]، أي: تركهم من الرحمة، أو تركهم في العذاب. (وقد تعقبوا هذا أيضًا بأن حديث: (إنى لا أنسى)) لا أصل له) يعتد به في إثبات الأحكام، وليس المراد أنه باطل لمنافاته قوله: (فإنه من بلاغات لملك التي لم توجد موصولة بعد البحث) التفتيش (الشديد) عمن وصلها، والبلاغ من أقسام الضعيف لا الباطل معاذ الله، لا سيما من ملك (وهي أربعة، قاله ابن عبد البر،) أي: قال وهي أربعة، ولم يقع في كلامه التعبير بلا أصل له كما عبر المصنف تبعًا للحافظ؛ بل قال في شرح هذا الحديث: هو أحد الأحاديث الأربعة التي في الموطأ التي لا توجد في غيره مسندة ولا مرسلة، ومعناه صحيح في الأصول. وقال في أوائل شرحه: إن بلاغات لملك كلها تتبعت فوجدت موصولة إلا أربعة، أولها هذا، وثانيها في الاستسقاء: إذا نشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة، وثالثها: في الصيام قول ملك سمعت ممن أثق به أنه عَّ أرى الناس قبله وما شاء اللَّه من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغه غيرهم في طول العمر، فأعطاه اللَّه ليلة القدر خير من ألف شهر، رابعها: في كتاب الجامع خبر معاذ آخر ما أوصاني به رسول اللَّه عَّله حين وضعت رجلي في الغرز أن قال: حسن خلقك للناس. انتهى. ٤٥١ الفصل الرابع في ذكر سجوده عَّ للسهو في الصلاة الفرق بينهما واضح جدًا. وقيل: إن قوله ((لم أنس)) راجع إلى السلام، أي سلمت قصدًا بانيًا على ما في اعتقادي أنني صليت أربعًا، وهذا جيد، وكان ذا اليدين فهم العموم فقال: (لى قد نسيت)، وكأن هذا القول أوقع شكًا احتاج معه إلى استثبات الحاضرين. وهذا التقریر یندفع إيراد من استكشل كون ذي اليدين عدلاً ولم يقبل خبره بمفرده، فسبب التوقف فيه كونه أخبر عن أمر يتعلق بفعل المسؤول مغاير لما في اعتقاده. وبهذا يجاب من قال: إن من أخبر بأمر حسي بحضرة جمع لا يخفى عليهم ولا يجوز عليهم التواطؤ، ولا حامل لهم على السكوت، ثم لم يكذبوه أنه لا يقطع بصدقه، فإن سبب عدم القطع كون خبره معارضًا باعتقاد المسؤول ومع كونها بلاغات فلها شواهد ترفعها عن درجة الضعف وقد بينت ذلك في شرح الموطأ في محالها ولله الحمد. وقد قال سفين بن عيينة: إذا قال ملك بلغني فهو إسناد صحيح انتهى. فلا يضره قصور المتأخرين عن وجود هذه الأربعة موصولة إذ لعلها موصولة، في الكتب التي لم تصل إليهم؛ وقد قال السيوطي في حديث: (اختلاف أمتي رحمة))، لعله خرج في بعض الكتب التي لم تصل إلينا، لأنه عزاه لجمع من الأجلة، كإمام الحرمين في كتبهم بدون إسناد، ولا ريب أنهم دون ملك بمراحل (وأما الآخر،) أي: بئسما لأحدهم، (فلا يلزم من ذم إضافة نسيان الآية ذم إضافة نسيان كل شىء، فإن الفرق بينهما واضح جدًا) إذ لا يقاس غير القرآن به. (وقيل: إنَّ قوله ((لم أنس)) راجع إلى السلام، أي: سلمت قصدا بانيا على ما في اعتقادي أنني صليت أربعًا وهذا جيد، وكان ذا اليدين فهم العموم) نسيان إتمام الصلاة والسلام ناسيًا، (فقال: بلى قد نسيت، وكان هذا القول أوقع شكا احتاج معه إلى استثبات) الواقع منه بقول (الحاضرين) حين سألهم أحق ما يقول؟، (وبهذا التقرير يندفع إيراد من استشكل كون ذي اليدين عدلاً ولم يقبل خبره بمفرده، فسبب التوقف فيه،) أي: في خبره (كونه أخبر عن أمر يتعلق بفعل المسؤول مغاير لما في اعتقاده) من الكمال لفعله. (وبهذا يجاب من قال:) يستفاد من الحديث (أن من أخبر بأمر حسي بحضرة جمع لا يخف عليهم ولا يجوز عليهم التواطؤ) التوافق (ولا حامل لهم على السكوت عنه، ثم لم يكذبوه أنه لا يقطع بصدقة) أي: المخبر مع سكوت الجمع بلا مانع، ووجه الاستفادة انه عَّه. سألهم مع سكوتهم على إخبار ذي اليدين له عَّ له بأنه نسي، والجواب هو قوله: (فإن سبب عدم ٤٥٢ الفصل الرابع في ذكر سجوده عَّ للسهو في الصلاة خلاف ما أخبر به. وفيه: أن الثقة إذا انفرد بزيادة خبر وكان المجلس متحدًا، وامتنع في العادة غفلتهم عن ذلك أنه لا يقبل خبره. وفيه: جواز البناء على الصلاة لمن أتى بالمنافي سهوًا. وقال سحنون: إنما يبني من سلم من ركعتين كما في قصة ذي اليدين، لأن ذلك وقع على غير القياس، فيقتصر فيه على مورد النص. وألزم بقصر ذلك على إحدى صلاتي العشي، فيمنعه مثلاً في الصبح، والذين قالوا بجواز البناء مطلقًا قيدوه بما إذا لم يطل الفصل. وفيه: أن الكلام سهوا لا يقطع الصلاة، خلافًا للحنفية، واستدل به على أن القطع كون خبره معارضًا باعتقاد المسؤول خلاف ما أخبر به) السائل، فلا دلالة فيه على عدم القطع بصدق من كان كذلك مطلقًا، إذ عدم القطع هنا لسبب، (وفيه:) أي الحديث إفادة (أن الفقة إذا انفرد بزيادة خبر وكان المجلس متحدًا وامتنع في العادة غفلتهم) أي: أهل المجلس المتحد (عن ذلك أنه لا يقبل خبره) حتى يوافقوه، لأنه عَّه رجع لما أخبروه بموافقة خبر ذي اليدين، ففيه حجة قوية أن الإمام لا يرجع عن يقينه إلى قول المأمومين إلا لكثرتهم جدًا فيرجع كما في هذه القصة. (وفيه جواز البناء على الصلاة لمن أتي بالمنافي سهوا) كالسلام، (وقال سحنون: إنما يبني من سلم من ركعتين كما في قصة ذي اليدين، لأن ذلك وقع على غير القياس فيقتصر،) أي: يوقف (به على مورد النص) بحيث لا يتجاوزه، (وألزم بقصر ذلك على إحدى صلاتي العشي) الظهر أو العصر، لأنه مورد النص، (فيمنعه مثلا في الصبح) والعشاء والمغرب مع أن سحنونا يقول بالبناء لمن سلم من ركعتين فيهما، (والذين قالوا بجواز البناء مطلقًا) يعني في جميع الصلوات (قيدوه بما إذا لم يطل الفصل) واختلفوا في أن قدره بالعرف أو الخروج من المسجد، أو بقدر ركعة أو قدر الصلاة التي وقع فيها السهو، (وفيه أن الكلام سهوًا لا يقطع الصلاة خلافًا للحنفية) وأما قول بعضهم أن قصة ذي اليدين كانت قبل نسخ الكلام في الصلاة فضعيف، لأنه اعتمد قول الزهري أنها كانت قبل بدر، وتقدم أنه وهم، أو تعددت القصة الذي الشمالين المقتول ببدر، ولذي اليدين الذي تأخرت وفاته بعد النبي عليه فقد ثبت شهود أبي هريرة للقصة، وشهدها عمران بن حصين وإسلامه متأخر أيضًا. وروى معوية بن حديج قصة أخرى في السهو، وقع فيها الكلام ثم البناء، أخرجها أبو داود ٤٥٣ الفصل الرابع في ذكر سجوده معَّ للسهو في الصلاة تعمد الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها. وتعقب: بأنه عَُّ لم يتكلم إلا ناسيًا، وأما قول ذي اليدين له:((بلى قد نسيت)) وقول الصحابة له: ((صدق ذو اليدين)) فإنهم تكلموا معتقدين للنسخ في وقت يمكن وقوعه فيه، فتكلموا ظنًا أنهم ليسوا في صلاة. كذا قيل، وهو فاسد، لأنهم تكلموا بعد قوله عليه الصلاة والسلام لم تقصر. وأجيب: بأنهم لم ينطقوا، وإنما أومؤا، كما عند أبي داود في رواية ساق مسلم إسنادها، وهذا اعتمده الخطابي، وقال: حمل القول على الإشارة مجاز شائع، بخلاف عكسه، فينبغي رد الروايات التي فيها التصريح بالقول إلى هذه الرواية، وهذا قوي، أقوى من قول غيره: يحمل على أن بعضهم قال بالنطق وابن خزيمة وغيرهما وكان إسلامه قبل موت النبي صَلُّ بشهرين. وقال ابن بطال: يحتمل أن قول زيد بن أرقم ونهينا عن الكلام، أي: إلا إذا وقع عمدًا لمصلحة الصلاة، فلا يعارض قصة ذي اليدين، قاله الحافظ (واستدل به على أن تعمد الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها) لتكلمه عنه. وتكلم الصحابة (وتعقب بأنه عَّ لة لم يتكلم إلا ناسيًا) كيف يصح هذا الحضر مع قوله أحق ما يقول ذو اليدين، أو أصدق ذو اليدين أفيتوهم أن هذا نسيان. (وأما قول ذي اليدين له: بلى قد نسيت، وقول الصحابة له: صدق ذو اليدين، فإنهم تكلموا معتقدين للنسخ في وقت يمكن وقوعه فيه) لأنه زمان تشريع، (فتكلموا ظنًا أنهم ليسوا في صلاة، كذا قيل: وهو فاسد لأنهم تكلموا بعد قوله عليه الصلاة والسلام لم تقصر). (وأجيب بأنهم لم ينطقوا وإنما أومؤا) أي: أشاروا (كما عند أبي داود في رواية ساق مسلم إسنادها) ولم يسق لفظها، (وهذا اعتمده الخطابي وقال: حمل القول على الإشارة مجاز شائع) أي: مستعمل (بخلاف عكسه) الإشارة على القول ليس بشائع (فينبغي رد الروايات التي فيها التصريح بالقول إلى هذه الرواية) ولكن في هذا من النظر ما لا يخفى، إذ رد الروايات الكثيرة المتظاهرة على التصريح بالقول مع اتفاق الشيخين وغيرهما على تخريجها بأسانيد عديدة إلى رواية واحدة، خصوصًا ومسلم لم يسق لفظها مما لا يليق، فالأولى الجمع الثاني وإن قال المصنف تبعًا للحافظ، (وهذا قوي أقوى من قول غيره: يحمل على أن بعضهم قال بالنطق، وبعضهم بالإشارة،) فإن الظاهر أن هذا الجمع هو القوي، لأن فيه إبقاء الروايات ٤٥٤ الفصل الرابع في ذكر سجوده عَّ للسهو في الصلاة وبعضهم بالإشارة. لكن يبقى قول ذي اليدين: ((بلى قد نسيت)). ويجاب عنه وعن البقية على تقدير ترجيح أنهم نطقوا: بأن كلامهم كان جوابًا للنبي عَّهِ، وجوابه لا يقطع الصلاة. وتعقب: بأنه لا يلزم من وجوب الإجابة عدم قطع الصلاة. وأجيب: بأنه ثبتت مخاطبته في التشهد، وهو حي، بقولهم: السلام عليك أيها النبي، ولم تفسد الصلاة، والظاهر: أن ذلك من خصائصه. وعن عبد الله أن رسول الله عَّه صلى الظهر خمسًا، فقيل له: أزيد في على حقيقتها الذي هو الأصل دون دعوى المجاز. (لكن یبقی قول ذي اليدين، بلى قد نسيت) غير مجاب عنه، إذ لا يمكن فيه دعوى أنه قال ذلك بالإشارة، (ويجاب عنه وعن البقية على تقدير ترجيح أنهم نطقوا) لأنه الحقيقة، وقد قالوا: لا يعدل إلى المجاز ما وجد إلى الحقيقة سبيل (بأن كلامهم كان جوابًا للنبي وجوابه لا يقطع الصلاة) لوجوب إجابته. (وتعقب بأنه لا يلزم من وجوب الإجابة عدم قطع الصلاة،) فقد يجب الكلام وتبطل کإنقاذ أعمى. (وأجيب بأنه ثبتت مخاطبته في التشهد وهو حي بقولهم: السلام عليك أيها النبي) ورحمة الله وبركاته (ولم تفسد الصلاة، والظاهر أن ذلك من خصائصه،) زاد الحافظ: ويحتمل أن يقال ما دام النبي عَّهُ يراجع المصلي، فجائز له جوابه حتى تنقضي المراجعة، فلا يختص الجواز بالجواب لقول ذي الیدین، بلی قد نسيت ولم تبطل صلاته. قال المصنف: واستدل بالحديث أيضًا من قال من أصحاب لملك والشافعي أن الأفعال الكثيرة في الصلاة التي ليست من جنسها إذا وقعت على وجه السهو لا تبطلها، لأنه خرج سرعان الناس. وفي بعض طرق الصحيح أنه عليه السلام خرج إلى منزله ثم رجع، وفي بعضها أنه أتى جذعًا في قبلة المسجد، واستند إليه وشبك بين أصابعه، ثم رجع الناس وبنى بهم، وهذه أفعال كثيرة، لكن للقائل بأن الكثير يبطل أن يقول هذه غير كثيرة كما قاله ابن الصلاح، وحكاه القرطبي عن أصحاب لملك والرجوع في الكثرة والقلة إلى العرف على الصحيح. (وعن عبد اللَّه أن رسول اللَّه عَ لّه صلى الظهر خمسًا، فقيل له) لما سلم: (أزيد في الصلاة) بهمزة الاستفهام الاستخباري ولمسلم وأبي داود: فلما انفتل توشوش القوم بينهم، فقال: ٤٥٥ الفصل الرابع في ذكر سجوده عَِّ للسهو في الصلاة الصلاة؟ قال: ((وما ذاك)؟ قالوا: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعدما سلم. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي بهذا اللفظ، إلا أن مسلمًا لم يقل فيه: ((بعدما سلم)) وعبد الله هذا هو ابن مسعود. ففي هذه الأحاديث السجود بعد السلام. وقد اختلف في ذلك: فقال مالك والمزني، وأبو ثور من الشافعية بالتفرقة بين ما إذا كان السهو بالنقصان أو بالزيادة، ففي الأول يسجد قبل السلام، وفي الزيادة يسجد بعده. وزعم ابن عبد البر أنه أولى من قول غيره، للجمع بين الخبرين، قال: وهو موافق للنظر، لأنه في النقص جبر، فينبغي أن يكون من أصل الصلاة، وفي الزيادة ترغيم للشيطان، فیکون خارجها. وقال ابن دقيق العيد: لا شك أن الجمع أولى من الترجيح وادعاء النسخ، (ما شأنكم)، قالوا: يا رسول اللَّه هل زيد في الصلاة؟، قال: لا؛ فتبين أن سؤالهم لذلك كان بعد استفساره لهم عن مسارتهم وهو دال على عظيم أدبهم معه عَّهِ، (قال: و((ما ذاك))،) أي: ما سبب سؤالكم عن الزيادة؟، (قالوا: صليت خمسًا، فسجد) بعد أن تكلم (سجدتين) للسهو (بعدما سلم) من الصلاة، (رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي بهذا اللفظ إلا أن مسلمًا لم يقل فيه بعد ما سلم وعبد اللَّه هذا هو ابن مسعود) لأنه من رواية أهل الكوفة، وإذا أطلقوا عبد اللَّه إنما يريدون ابن مسعود، (ففي هذه الأحاديث السجود بعد السلام). (وقد اختلف في ذلك، فقال لملك والمزني) إسمعيل (وأبو ثور من الشافعية بالتفرقة بين ما إذا كان السهو بالنقصان أو بالزيادة، ففي الأول يسجد قبل السلام، وفي الزيادة يسجد بعده). (وزعم ابن عبد البر أنه أولى) أحق بالاتباع (من قول غيره) أنه كله قبل السلام، أو كله بعده (للجمع بين) جنس (الخبرين) الدال أحدهما على القبل، والآخر على البعد مع صحتهما فوجب العمل بهما لإمكان الجمع بذلك، (قال: وهو موافق للنظر) أي: الفكر في حال المنظور فيه لإثبات حكمه، (لأنه في النقص جبر) للخلل، (فينبغي أن يكون من أصل الصلاة) قبل الخروج منها بالسلام (وفي الزيادة ترغيم) إغاظة وإذلال (للشيطان فيكون خارجها) ولذا لم يقل بالعكس في الجمع بين الخبرين، (وقال ابن دقيق العيد: لا شك أن الجمع أولى من الترجيح) لأحد الخبرين (و) من (ادعاء النسخ) لأحدهما لاحتياجه إلى دليل والاحتمال ٤٥٦ الفصل الرابع في ذكر سجوده عَّ للسهو في الصلاة ويترجح الجمع المذكور بالمناسبة المذكورة، وإذا كانت المناسبة ظاهرة وكان الحكم على وفقها كان علة فيعم الحكم جميعًا محالها فلا يتخصص إلا بنص. وتعقب بأن كون السجود في الزيادة ترغيمًا للشيطان فقط ممنوع، بل هو جبر أيضًا لما وقع من الخلل، فإنه وإن كان زيادة فهو نقص في المعنى. وقال الخطابي: لم يرجع من فرق بين الزيادة والنقصان إلى فرق صحيح. وأيضًا فقصة ذي اليدين وقع فيها السجود بعد السلام وهي عن نقصان. وأما قول النووي: أقوى المذاهب قول مالك ثم أحمد، فقد قال غيره: بل طريقة أحمد أقوى، لأنه قال: يستعمل كل حديث فيما يرد فيه، وما لم يرد فيه لا يكفي مع إمكان الجمع بدونه، (ويترجح الجمع المذكور بالمناسبة المذكورة) عن ابن عبد البر، (وإذا كانت المناسبة ظاهرة وكان الحكم على وفقها) من زيادة أو نقص وإن لم يكن فيما وقع منه عَّ (كان علة) للحكم (فيعم الحكم جميع محالها) يعني خلافًا لأحمد في قصره على ما ورد، (فلا يتخصص إلا بنص،) ولم يوجد، إذ فعل شىء لا يقتضي تخصيصه به وقصره عليه مع ظهور العلة فيعم الحكم. (وتعقب بأن كون السجود في الزيادة ترغيمًا للشيطان فقط ممنوع، بل هو جبر أيضًا لما وقع من الخلل، فإنه وإن كان زيادة) في الحسر (فهو نقص في المعنى) وهذا ممنوع، فإنه لم يدع أنه للترغيم فقط كما زعم، غايته أنه لم ينظر إلى كونه نقصًا في المعنى، وإنما نظر إلى الحسي حتى لا يحصل التعارض، فيضطر إلى دعوى النسخ بلا دليل، أو الترجيح بلا مرجع. (وقال الخطابي: لم يرجع) أي: لم يصر (من فرق بين الزيادة والنقصان إلى فرق صحيح) فيه أن الفرق المذكور ظاهر جدًا، فضلاً عن كونه لا يصح كما زعمه، (وأيضًا: فقصة ذي اليدين وقع فيها السجود بعد السلام وهي عن نقصان) فيه نظر، بل هو عن زيادة، إذ فيه . زيادة السلام والكلام والمشي. (وأما قول النووي: أقوى المذاهب قول لملك) لأنه استعمل النص فيما ورد فيه، وجمع بين الأحاديث المتعارضة، وقاس على كل ما وافقه بجامع العلة، (ثم أحمد) لقوله: يسجد بعده فيما جاء فيه، فهو أقوى ممن منعه أصلاً وكان دون الأول، لأنه قصر عن العلة التي تعمم الحكم، (فقد قال غيره) معارضًا له: (بل طريقة أحمد أقوى، لأنه قال: يستعمل كل حديث 5)، ففي سلامه من اثنتين بعد فيما يرد فيه) لفظ المنقول عن أحمد: يسجد كما سجد ٤٥٧ الفصل الرابع في ذكر سجوده عَّ للسهو في الصلاة شيء يسجد قبل السلام، قال: ولولا ما روي عن النبي عَّةِ في ذلك لرأيت كله قبل السلام، لأنه من شأن الصلاة فيفعل قبل التسليم. وعند إمامنا الشافعي: سجود السهو كله قبل السلام. وعند الحنفية: كله بعد السلام، واعتمد الحنفية على حديث ابن مسعود هذا. وتعقب: بأنه لم يعلم بزيادة الركعة إلا بعد السلام حين سألوه: هل زيد في الصلاة، وقد اتفق العلماء في هذه الصورة على أن سجود السهو بعد السلام لتعذره قبله، لعدم علمه بالسهو. وأجاب بعضهم: بما وقع في حديث ابن مسعود من الزيادة. وهي: ((إذا شك السلام لحديث ذي اليدين، وكذا إذا سلم من ثلاث بعد السلام لحديث عمران، وفي التحري بعد السلام لحديث ابن مسعود، وفي القيام من اثنتين قبل السلام لحديث ابن بحينة، وفي الشك يبني على اليقين ويسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد وابن عوف، (وما لم يرد فيه شىء يسجد قبل السلام،) لأنه يتم ما نقص من صلاته. (قال) أحمد: (ولولا ما روى عن النبي عَّ في ذلك لرأيت كله قبل السلام، لأنه من شأن الصلاة فيفعل قبل التسليم،) فكان السجود عنده فيما ورد بعده تعبديًا، وكيف يزعم هذا الزاعم أنه أقوى ردًا على النووي مع ظهور العلة المقتضية لعمومها في جميع محالها. وقال اسحق بن راهويه مثله إلا أنه قال: ما لم يرد فيه شىء يفرق بين الزيادة والنقصان، فحرر مذهبه من قول لملك وأحمد، وزعم الحافظ أنه أعدل المذاهب، فيما يظهر، وأما داود: فحري على ظاهريته، فقال: لا يشرع إلا في المواضع الخمس التي سجد فيها عَّه. (وعند إمامنا الشافعي: سجود السهو كله قبل السلام) وتعسفوا له الجواب عما ورد قبله بدعوى النسخ والترجيح ونحو ذلك. (وعند الحنفية: كله بعد السلام، واعتمد الحنفية على حديث ابن مسعود) السابق آنفا، (وتعقب بأنه لم يعلم بزيادة الركعة إلا بعد السلام حين سألوه: هل زيد في الصلاة؟ وقد اتفق العلماء في هذه الصورة على أن سجود السهو بعد السلام لتعذره قبله لعدم علمه بالسهو،) فلا يصح الاستدلال به على أن كله بعد السلام. (وأجاب بعضهم) أي: الحنفية (بما وقع في حديث ابن مسعود) عند الشيخين (من ٤٥٨ الفصل الرابع في ذكر سجوده عَّ للسهو في الصلاة أحدكم فليتحر الصواب، فليتم عليه ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين)). وأجيب: بأنه معارض بحديث أبي سعيد عند مسلم، ولفظه: ((إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم)). وبه تمسك الشافعية. وجمع بعضهم بينهما بحمل الصورتين على حالتين، ورجح البيهقي طريقة التخيير في سجود السهو قبل السلام أو بعده. ونقل الماوردي الإجماع على الجواز، وإنما الخلاف في الأفضل، وكذا أطلق النووي. وتعقب: بأن إمام الحرمين نقل في ((النهاية)) الخلاف في الإجزاء عن المذهب: واستبعد القول بالجواز. الزيادة، وهي: إذا شك أحدكم؛) بأن استوى عنده الطرفان (فليتحر،) أي: يقصد (الصواب، فليتم عليه ثم يسلم ثم يسجد سجدتين،) فقد صرح بأن السجود بعد السلام. (وأجيب بأنه معارض بحديث أبي سعيد عند مسلم، ولفظه) مرفوعًا: ((إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدركم صلى فليطرح الشك))) بأن لا يعمل عليه، (وليبن على ما استيقن) أي: تيقن، (ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، وبه تمسك الشافعية) لقولهم: كله قبل السلام، فطرح كل من المذهبين أحد الحديثين، (وجمع بعضهم بينهما بحمل الصورتين على حالتين) كأحمد، حيث قال: الشك على وجهين اليقين والتحري، فمن رجع إلى اليقين ألغي الشك وسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد، وإذا رجع إلى التحري وهو أكثر الوهم سجد بعد السلام على حديث ابن مسعود. (ورجح البيهقي طريقة التخيير في سجود السهو قبل السلام أو بعده،) سواء كان عن نقص أو زيادة، حملاً للأخبار على أنها من الاختلاف الجائز، (ونقل الماوردي) وابن عبد البر (الإجماع على الجواز، وإنما الخلاف في الأفضل، وكذا أطلق النووي) الإجماع، (وتعقب بأن إمام الحرمين نقل في النهاية الخلاف في الأجزاء عن المذهب) أي: مذهب الشافعي، (واستبعد القول بالجواز) وكذا نقل القرطبي الخلاف في مذهب لملك وهو خلاف قول ابن عبد البر: لا خلاف عن ملك أنه لو سجد للسهو قبل السلام أو بعده لا شىء عليه، فيجمع بأن الخلاف بين أصحابه والخلاف عند الحنفية أيضًا. قال القدوري: لو سجد قبل السلام، روى عن بعض أصحابنا: لا يجوز لأنه قبل وقته، وقال صاحب الهداية: الخلاف في الأولوية. ٠ ٤٥٩ الفصل الرابع في ذكر سجوده عَّه للسهو في الصلاة ويمكن أن يقال: الإجماع الذي نقله الماوردي والنووي قبل هذه الآراء في المذاهب المذكورة والله أعلم. قاله الحافظ ابن حجر رحمه الله. ولو سها سهوين فأكثر، كفاه عند الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد والجمهور سجدتان للجميع. والجمهور: أنه يسجد للسهو في التطوع كالفرض. وقال ابن قدامة الحنبلي: من ترك السجود الذي قبل السلام بطلت صلاته أن تعمد، وإلا تداركه ما لم يطل الفصل، هكذا في فتح الباري قبل قوله: (ويمكن أن يقال الإجماع الذي نقله الماوردي والنووي قبل هذه الآراء في المذاهب) الأربعة (المذكورة) لمتأخريهم والله أعلم. (قاله الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه) وبما حذفه من كلامه الذي ذكرته يتضح جمع المذاهب ووصفها بالمذكورة (ولو سها سهوين فأكثر، كفاه عند الشافعي ولملك وأبي جنيفة وأحمد والجمهور سجدتان للجميع) لحديث ذي اليدين، فقد تكرر فيه سهو في أمور كل واحد منها لو انفرد طلب له السجود، ومع ذلك سجد سجدتين، ففيه أنه لا يتكرر بتكرر السهو ولو اختلف جنسه خلافًا الأوزاعي. وعند ابن أبي شيبة عن النخعي والشعبي: ((لكل سهو سجدتان»، ورواه أحمد عن ثوبان مرفوعًا وإسناده منقطع، وحمل على أن معناه: من سها، أي: سهو وكان شرع له السجود، أي: لا يختص بما سجد فيه الشارع. وروى البيهقي عن عائشة: ((سجدتا السهو يجزيان من كل زيادة ونقصان))، (والجمهور إنه يسجد للسهو في التطوع، كالفرض) لشمول قوله في حديثي أبي سعيد وابن مسعود: إذا شك أحدكم في صلاته للفرض والتطوع وخالف عطاء وابن سيرين وقتادة، فقالوا: لا سجود سهو في النافلة. وقد اختلف في إطلاق الصلاة عليهما هل هو من الاشتراك اللفظي أو المعنوي؟، وإليه ذهب جمهور الأصوليين لجامع ما بينهما من التوافق في بعض الشروط، التي لا تنفك، ومال الرازي إلى الأول لما بينهما من التباين في بعض الشروط لكن طريقة من أعمل المشترك في معانيه عند التجرد تقتضي دخول النافلة أيضًا في هذه العبارة. ٤٦٥ الفصل الخامس فيما كان ◌َّة يقوله بعد انصرافه من الصلاة الفصل الخامس فيما كان علَّبَةٍ يقوله بعد انصرافه من الصلاة وجلوسه بعدها وسرعة انفتاله بعدها عن ثوبان: كان النبي عٍَّ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا وقال: ((اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام)). رواه مسلم. ولم يمكث مستقبل القبلة إلا بمقدار ما يقول ذلك. وقد ثبت أنه كان إذا صلى أقبل على أصحابه. (الفصل الخامس: فيما كان ◌َّهِ يقوله بعد انصرافه من الصلاة) أي: خروجه منها بالسلام (وجلوسه،) أي: مقداره (بعدها وسرعة انفتاله،) بنون ففاء ففوقية، أي: انصرافه (بعدها عن ثوبان: كان النبي عَّ إذا انصرف من صلاته) أي: خرج منها بالتسليم (استغفر) أي: طلب المغفرة من اللَّه (ثلاثًاً) من المرات. زاد في رواية البزار: ومسح جبهته بيده اليمنى، قيل الأوزاعي أحد رواته: كيف الاستغفار؟، قال: يقول استغفر الله كما في مسلم، قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي: استغفاره عقب الفراغ من الصلاة استغفار من رؤية الصلاة، (وقال) بعد الاستغفار: ولفظ مسلم ثم قال: والظاهر أن التراخي ليس بمراد هنا، (اللهم أنت السلام،) أي: المختص بالتنزه عن النقائص والعيوب لا غيرك، (ومنك السلام) لا من غيرك، فقدم الخير للتخصيص، أي: وإليك يعود السلام، لأن غيرك في معرض النقصان والخوف مفتقر إليك، لا ملجأ ولا ملاذ له سواك، فإذا شوهد ظاهرًا أن أحدًا سلم من غيره، فهو بالحقيقة راجع إليك وإلى توفيقك إياه، قاله بعضهم، وقال التوربشتي: أرى قوله: ومنك السلام واردًا مورد البيان لقوله: أنت السلام، وذلك أن الموصوف بالسلامة فيما يتعارفه الناس لما كان قد يعرضه آفة تصيبه بضرر، وهذا لا يتصور في صفاته تعالى بين أن وصفه سبحانه بالسلام لا يشبه أوصاف الخلق، فإنهم بصدد الافتقار وهو المتعالي عن ذلك، فهو السلام الذي يعطي السلامة ويمنعها ويبسطها ويقبضها، (تباركت) تعظمت وتمجدت، أو جئت بالبركة، وأصل الكلمة للدوام والثبات ومنه البركة، ولا تستعمل هذه اللفظة إلا للَّه تعالى عما تتوهمه الأوهام (يا ذا الجلال) العظمة (والإكرام))) الإحسان، (رواه مسلم) رأحمد وأصحاب السنن الأربعة، (ولم يمكث مستقبل القبلة إلا بمقدار ما يقول ذلك، وقد ثبت أنه كان إذا صلى) صلاة، أي: فرع منها (أقبل على أصحابه). ففي البخاري وغيره عن سمرة: كان النبي عَّةٍ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه، قال