النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
الفرع الثالث عشر في ذكر تشهده علي
ومن لطائف التشهد ما قاله البيضاوي: علمهم أن يفردوه عَّ بالذكر لشرفه
ومزيد حقه عليهم، فإن قيل: كيف يشرع هذا اللفظ، وهو خطاب بشر مع كونه
منهيا عنه في الصلاة؟ فالجواب: أن ذلك من خصائصه عم
فإن قلت: فما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب في قوله ((عليك
أيها النبي)) مع أن لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق، كأن يقول: السلام على
النبي، فينتقل من تحية الله إلى تحية النبي، ثم إلى تحية النفس، ثم إلى تحية
الصالحين؟
أجاب الطيبي بما محصله: نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذي علمه
الحديث) في دعاء النبي صَِّ، (وفيه: فقال رسول اللَّه عَ لَّم: أشهد أن لا إله إلا الله، وأني
رسول اللَّه) ورواه مسلم بنحوه عن أبي هريرة، وقد مر في المعجزات.
زاد في التخريج وفي مغازي موسى بن عقبة معضلاً أن وفد ثقيف قالوا: يأمرنا أن نشهد
أنه رسول اللّه ولا يشهد به في خطبته، فلما بلغه قولهم قال: فإني أول من شهد أني رسول اللَّه.
وفي البخاري في الأطعمة في قصة جد نخل جابر واستيفاء غرمائه وفضل له من التمر
قوله عَّه حين بشره جابر بذلك: أشهد أني رسول اللَّه. انتهى.
فالحاصل أنه قالها في مواطن ليس منها التشهد، (ومن لطائف التشهد ما قاله البيضاوي)
في شرح المصابيح (علمهم أن يفردوه عَّ بالذكر) بقولهم: السلام عليك أيها النبي
ورحمة الله وبركاته، (لشرفه ومزيد حقه عليهم،) ثم علمهم أن يخصوا أنفسهم أولا، لأن
الاهتمام بها أهم، ثم أمرهم بتعميم السلام على الصالحين إعلامًا منه بأن الدعاء للمؤمنين ينبغي
أن یکون شاملاً لهم.
هذا بقية كلام البيضاوي كما في الفتح، ثم فصله بكلام التوربشتي في معنى السلام
وقدمته، ثم قال: (فإن قيل: كيف شرع هذا اللفظ وهو خطاب بشر مع كونه منهياً عنه في
الصلاة، فالجواب أن ذلك من خصائصه عَّ لة) أن يقصد خطابه بذلك ونحوه، وصلاته
صحيحة بخلاف ما إذا قصد خطاب غيره فتبطل (فإن قلت: فما الحكمة في العدول عن
الغيبة إلى الخطاب في قوله: عليك أيها النبي، مع أن لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق،
كأن يقول: السلام على النبي، فينتقل من تحية اللّه إلى تحية النبي، ثم إلى تحية النفس،
ثم إلى تحية الصالحين).
(أجاب الطيبي بما محصله: نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذي علمه الصحابة) وإن
کنا لا نعلم سر ذلك.

٣٨٢
الفرع الثالث عشر في ذكر تشهده عَـ
الصحابة. ويحتمل أن يقال على طريق أهل المعرفة بالله تعالى: إن المصلين لما
استفتحوا باب الملكوت بالتحيات، أذن لهم بالدخول في حريم الحي الذي لا
يموت، فقرت أعينهم بالمناجاة، فنبهوا على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة وبركة
متابعته، فالتفتوا فإذا الحبيب في حريم الحسيب الملك حاضر، فأقلوا عليه قائلين:
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبر کاته. انتهى
وقال الترمذي الحكيم: في قوله: ((السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)):
(ويحتمل أن يقال على طريق أهل المعرفة باللّه تعالى أن المصلين لما استفتحوا
باب الملكوت بالتحيات أذن لهم بالدخول في حريم الحي الذي لا يموت، فقرت أعينهم
بالمناجاة،) لأن المصلي يناجي ربه، (فنبهوا على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة وبركة متابعته،
فالتفتوا) التفاتًا معنويًا.
(فإذا الحبيب) عَّةُ (في حريم الملك الحسيب) جل وعلا، وفي نسخة: في حريم
الحبيب، وهي التي في الفتح (حاضر، فأقبلوا عليه قائلين: السلام عليك أيها النبي
ورحمة الله وبركاته. انتهى).
زاد الحافظ: وقد ورد في بعض طرق حديث ابن مسعود ما يقتضي المغايرة بين
زمانه مَّ، فيقال: بلفظ الخطاب وما بعده، فيقال: بلفظ الغيبة وهو مما يخدش في وجه
الاحتمال المذكور، ففي الاستئذان من البخاري بعد أن ساق حديث التشهد عن ابن مسعود،
قال: وهو بين أظهرنا، فلما قبض قلنا: السلام يعني على النبي عَّله، وأخرجه أبو عوانة والسراج
والجوزقي وأبو نعيم والبيهقي من طرق متعددة، بلفظ: قلنا السلام على النبي صَّة بحذف لفظ
يعني.
قال السبكي: إن صح هذا دل على أن الخطاب في السلام بعده لا يجب، فيقال: السلام
علی النبي انتهى.
وقد صح بلا ريب ووجدت له متابعًا قويًا، قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج عن عطاء أن
الصحابة كانوا يقولون والنبي عَّ حي: السلام عليك أيها النبي، فلما مات قالوا: السلام على
النبي، وهذا إسناده صحيح، وما روى سعيد بن منصور عن ابن مسعود، أن النبي عَدُ علمهم
التشهد فذكره، قال: فقال ابن عباس إنما كنا نقول: السلام عليك أيها النبي إذ كان حيًا فقال ابن
مسعود هكذا علمنا وهكذا نعلم فظاهره أن ابن عباس قاله بحثا وأن ابن مسعود لم يرجع إليه
لكن سنده ضعيف ومنقطع انتهى باختصار.
(وقال الترمذي الحكيم) محمد بن علي (في قوله: السلام علينا وعلى عباد اللَّه

٣٨٣
الفرع الثالث عشر في ذكر تشهده
من أراد أن يحظى بهذا السلام الذي يسلمه الخلق في صلاتهم فليكن عبدًا
صالحًا، وإلا حرم هذا الفضل العظيم.
وقال القفال في فتاويه: ترك الصلاة يضر جميع المسلمين، لأن المصلي
يقول: اللهم اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات، ولا بد أن يقول في التشهد: السلام
علينا وعلى عباد الله الصالحين، فيكون التارك للصلاة مقصرًا في خدمة الله وفي
حق رسوله، وفي حق نفسه، وفي حق كافة المسلمين. ولذلك عظمت المعصية
بتر کھا.
واستنبط منه السبكي: أن في الصلاة حقًا للعباد مع حق الله، وأن من تركها
أخل بجميع حق المؤمنين، من مضى ومن يجيء إلى يوم القيامة، لوجوب قوله
فيها: ((السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)). انتهى.
الصالحين، من أراد أن يحظى بهذا السلام الذي يسلمه الخلق في صلاتهم، فليكن عبدًا
صالحًا، وإلا حرم هذا الفضل العظيم).
زاد الحافظ وقال الفاكهاني: ينبغي للمصلي أن يستحضر في هذا المحل جميع الأنبياء
والملائكة والمؤمنين، يعني ليتوافق لفظه مع قصده، (وقال القفال في فتاويه: ترك الصلاة يضر
جميع المسلمين) بعدم نفعهم بالثواب، (لأن المصلي يقول: اللهم اغفر لي وللمؤمنين
والمؤمنات، ولا بد أن يقول في التشهد: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فيكون
التارك للصلاة مقصرًا في خدمة اللَّه وفي حق رسوله وفي حق نفسه وفي حق كافة
المسلمين) وغيرهم من الملائكة والجن كما مر في الحديث، فإنكم إذا قلتموها أصابت كل
عبد للَّه تعالى صالح في السماء والأرض، قال الحافظ: هو كلام معترض بين قوله: الصالحين
وبين أشهد ... الخ، قدم عليه اهتمامًا لأنه أنكر عليهم عد الملائكة واحدًا واحدًا ولا يمكن
استيعابهم، فعلمهم لفظًا يشمل الجميع من غير الملائكة مع النبيين والمرسلين والصديقين
وغيرهم بلا مشقة، وهذا من جوامع كلمه عَّه، وجاء في بعض طرقه سياق التشهد متواليًا،
وتأخير الكلام المذكور بعد وهو من تصرف الرواة، (ولذلك عظمت المعصية،) وفي نسخة:
المصيبة، و کلاهما صحیحة (بتر کھا) بحیث یقتل حدا تار کھا کسلاً و کفرًا عند کثیرین،
(واستنبط منه السبكي أن في الصلاة حقًّا للعباد مع حق اللَّه) وهو السلام عليهم والدعاء لهم،
(وأن من تركها أخل بجميع حق المؤمنين من مضى ومن يجيء إلى يوم القيامة لوجوب
قوله فيها: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) لأن التشهد الأخير واجب عند الشافعي،
ومن جملته ذلك، ويحتمل أن يكون مراده بالوجوب الثبوت، سواء قلنا بالوجوب أو بالسنية، وهذا

٣٨٤
الفرع الثالث عشر في ذكر تشهده مُـ
وتقدم الكلام على وجوب الصلاة عليه عَّ له بعد التشهد الأخير، وما في
ذلك من المباحث في فضل الصلاة عليه.
وعند الطبراني مرفوعًا، عن سهل بن سعد: ((لا صلاة لمن لم يصل على
نبيه))، وكذا عند ابن ماجه والدارقطني.
وعن أبي مسعود الأنصاري - عند الدارقطني -: ((من صلى صلاة لم يصل
فيها علي وعلى أهل بيتي لم تقبل منه).
وعن ابن مسعود: أن رسول الله عَّه قال: ((إذا تشهد أحدكم في الصلاة
فليقل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمدًا وآل محمد، كما
صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد). رواه
الحاكم.
واغتر قوم بتصحيحه فوهموا، فإنه من رواية يحيى بن السباق وهو مجهول
أظهر ليكون الاستنباط على جميع المذاهب. (انتهى).
(وتقدم الكلام على وجوب الصلاة عليه عَّ ة. بعد التشهد الأخير) عند الشافعي وطائفة
وسنيته عند الأكثرين (وما في ذلك من المباحث في فضل الصلاة عليه عَّ له) من المقصد
السابع.
(وعند الطبراني مرفوعًا عن سهل بن سعد: لا صلاة) كاملة أو مجزئة (لمن لم يصل
على نبيه، وكذا عند ابن ماجه والدارقطني) والحاكم عن سهل بن سعد، مرفوعًا: ((لا صلاة
لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا صلاة لمن لم يصل على النبي،
ولا صلاة لمن لم يحب الأنصار».
(وعن أبي مسعود) عقبه بن عمرو (الأنصاري عند الدارقطني) مرفوعًا: ((من صلى
صلاة لم يصل فيها علي وعلى أهل بيتي لم تقبل منه))) وهذا بفرض أن المراد الصلاة
الشرعية لا دلالة فيه على وجوبها في الصلاة، إذ لا تجب على أهل بيته عند من قال بوجوبها
عليه في الصلاة.
(وعن ابن مسعود أن رسول اللَّه عَ ◌ّ قال: إذا تشهد أحدكم في الصلاة،) أي: فرغ من
التشهد (فليقل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وأرحم محمدًا وآل محمد، كما
صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، رواه الحاكم)
في المستدرك (واغتر قوم بتصحيحه فوهموا فإنه من رواية يحيى بن السباق) (بفتح المهملة

٣٨٥
الفرع الثالث عشر في ذكر تشهده ځ.
عن رجل مبهم، وبالغ ابن العربي في إنكار ذلك فقال: حذار مما ذكره ابن أبي
زيد من زيادته وترحم، فإنه قريب من البدعة، لأنه عَِّ علمهم كيفية الصلاة
عليه بالوحي، ففي الزيادة على ذلك استدراك عليه.
قال الحافظ ابن حجر: ابن أبي زيد ذكر ذلك في الرسالة في صفة
التشهد، لما ذكر ما يستحب في التشهد، ومنه: اللهم صل على محمد وآل
محمد، فزاد: وترحم على محمد وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد إلى
آخره.
فإن كان إنكاره ذلك لكونه لم يصح فمسلم، وإلا فدعوى من ادعى أنه لا
يقال: وارحم محمدًا، مردودة لثبوت ذلك في عدة أحاديث أصحها في التشهد:
((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبر كاته)).
قال: ثم وجدت لابن أبي زيد مستندًا، فأخرج الطبري في تهذيبه، من طريق
حنظلة بن علي عن أبي هريرة رفعه: ((من قال اللهم صل على محمد وعلى آل
والموحدة الثقيلة) (وهو مجهول عن رجل مبهم،) فمن أين تأتيه الصحة.
(وبالغ ابن العربي) أبو بكر الحافظ (في إنكار ذلك، فقال: حذار مما ذكره ابن أبي
زيد) أبو محمد عبد الله القيرواني (من زيادته وترحم، فإنه قريب من البدعة، لأنه عَّ}.
علمهم،) أي: الصحابة (كيفية الصلاة عليه بالوحي،) لأنه ما ينطق عن الهوى، (ففي الزيادة
على ذلك استدراك عليه) وهو لا يجوز.
(قال الحافظ ابن حجر ابن أبي زيد ذكر ذلك في الرسالة) الشهيرة في الفقه (في
صفة التشهد لما ذكر ما يستحب في التشهد، ومنه: ((اللهم صل على محمد وآل محمد)،
فزاد: ((وترحم على محمد وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد» إلى آخره،) ومنه:
كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم؛ (فإن كان إنكاره،) أي: ابن العربي على ابن أبي
زيد، (ذلك لكونه لم يصح، فمسلم) في الجملة، (وإلا فدعوى من ادعى أنه لا يقال: وارحم
محمدًا مردوة لثبوت ذلك في عدة أحاديث، أصحها في التشهد: ((السلام عليك أيها النبي
ورحمة الله وبر كاته)»).
(قال) الحافظ: (ثم وجدت لابن أبي زيد مستندًا، فأخرج الطبري) محمد بن جرير (في
تهذيبه،) أي: كتابه المسمى تهذيب الآثار (من طريق حنظلة بن علي) بن الأسقع الأسلمي
المدني، تابعي، ثقة، من رجال مسلم والسنن (عن أبي هريرة، رفعه: من قال اللهم صل على

٣٨٦
الفرع الثالث عشر في ذكر تشهده
محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على
محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وترحم على محمد وعلى آل
محمد كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، شهدت له يوم القيامة وشفعت
له)» ورجال سنده رجال الصحيح، إلا سعيد بن سليمان مولى سعيد بن العاصي،
الراوي له عن حنظلة بن علي فإنه مجهول، وهذا كله فيما يقال مضمومًا إلى
السلام أو الصلاة.
وقد وافق ابنَ العربي الصيدلانيُ من الشافعية على المنع من ذلك ونقل
القاضي عياض عن الجمهور الجواز مطلقًا، وقال القرطبي في ((المفهم): إنه
الصحيح لورود الأحاديث به، وخالفه غيره.
ففي ((الذخيرة)) من كتب الحنفية عن محمد: يكره ذلك لإيهامه النقص،
لأن الرحمة غالبًا إنما تكون لفعل ما يلام عليه.
محمد) قال الحازمي: أي عظمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته، وفي الآخرة
بإجزال مثوبته وتشفيعه في أمته، وأيد فضيلته بالمقام المحمود، ولما عجز البشر عن بلوغ قدر
الواجب له من ذلك، شرع لنا أن نحيل ذلك للَّه تعالى، فنقول: ((اللهم صل على محمد (وعلى
آل محمد) أتباعه أو ذريته (كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد
وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم، وترحم على محمد) ترحمًا يليق به (وعلى آل
محمد كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم شهدت له يوم القيامة وشفعت))) بفتح
الفاء (له) شفاعة خاصة زائدة على عموم شفاعته، (ورجال سنده رجال الصحيح إلا سعيد بن
سليمن مولى سعيد بن العاصي، الراوي له عن حنظلة بن علي، فإنه مجهول،) فالحديث
ضعيف، (وهذا كله فيما يقال مضمومًا إلى السلام أو الصلاة).
(وقد وافق ابن العربي الصيدلاني من الشافعية على المنع من ذلك) مطلقًا، (ونقل
القاضي عياض عن الجمهور الجواز مطلقًا،) سواء انضم ذلك إلى الصلاة أو السلام
أولاً، وسواء كان في الصلاة أو خارجها.
(وقال القرطبي في المفهم:) شرح مسلم (أنه الصحيح لورود الأحاديث به، وخالفه
غيره) في تصحيح ذلك، (ففي الذخيرة من كتب الحنفية عن محمد) بن الحسن صاحب
أبي حنيفة: (يكره ذلك لايهامه النقص، لأن الرحمة غالبًا إنما تكون لفعل ما يلام عليه) ولا يقع

٣٨٧
الفرع الثالث عشر في ذكر تشهده ڭ
وجزم ابن عبد البر بمنعه، فقال: لا يجوز لأحد إذا ذكر النبي عَّه أن يقول:
رحمه الله، لأنه عليه السلام قال: ((من صلى علي)) ولم يقل: من ترحم علي، ولا
من دعا لي، وإن كان معنى الصلاة الرحمة، ولكنه خص بهذا اللفظ تعظيمًا له. فلا
يعدل عنه إلى غيره.
وأخرج أبو العباس السراج عن أبي هريرة: أنهم قالوا يا رسول الله كيف
نصلي عليك؟ فقال: ((قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وبارك على
محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم، وآل إبراهيم إنك
حميد مجيد).
وفي حديث بريدة رفعه: ((اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على
محمد وعلى آل محمد، كما جعلتها على إبراهيم وعلى آل إبراهيم».
ذلك منه عَّهِ (وجزم ابن عبد البر بمنعه، فقال: لا يجوز لأحد إذا ذكر النبي ◌َِّ أن يقول
رحمه اللَّه، لأنه عليه السلام قال: ((من صلى علي)) ولم يقل من ترحم علي ولا من دعا
لي) ولأن اللَّه تعالى قال: صلوا عليه، (وإن كان معنى الصلاة الرحمة، ولكنه خص بهذا اللفظ
تعظيمًا له، فلا يعدل عنه إلى غيره) وإن صح المعنى، كما خص سبحانه بقول: عز وجل، فلا
يقال لمحمد عَّ﴾. وإن كان عزيزًا جليلاً.
(وأخرج أبو العباس) محمد محمد بن إسحق (السراج عن أبي هريرة أنهم))) أي:
جماعة من الصحابة (قالوا: يا رسول اللَّه كيف نصلي عليك؟) أي كيف اللفظ الذي يليق أن
نصلي به عليك، لأنا لا نعلمه، ولذا عبر بكيف التي يسأل بها عن الصفة.
وفي الترمذي وغيره، عن كعب بن عجرة: لما نزلت: ﴿إِن اللَّه وملائكته﴾
[الأحزاب: ٥٦]، قلنا: يا رسول اللَّه قد علمنا السلام، فكيف الصلاة، (فقال: قولوا: اللهم صل
على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت
على إبراهيم وآل إبراهيم) البركة هنا الزيادة من الخير والكرامة، وقيل: هي بمعنى التطهير
والتزكية، وقيل: تكثير الثواب، وقيل: ثبات ذلك ودوامه (إنك حميد) فعيل من الحمد، بمعنى:
مفعول، وهو من تحمد ذاته وصفاته، أو المستحق لذلك، أو بمعنى حامد، أي: يحمد أفعال عباده
حول للمبالغة، وذلك مناسب لزيادة الأفضل وإعطاء المراد من الأمور العظام (مجيد) بمعنى:
ماجد من المجد وهو الشرف.
. (وفي حديث بريدة) بموحدة مصغر الأسلمي، (رفعه: ((اللهم اجعل صلواتك ورحمتك
وبركاتك على محمد وعلى آل محمد كما جعلتها على إبراهيم وعلى آل إبراهيم») فصرح
.

٣٨٨
الفرع الثالث عشر في ذكر تشهده علـ
ووقع في حديث ابن مسعود عند أبي داود والنسائي: ((على محمد النبي
الأمي)).
وفي حديث أبي سعيد: ((على محمد عبدك ورسولك كما صليت على
إبراهيم)). ولم يذكر آل محمد ولا آل إبراهيم.
وعند أبي داود من حديث أبي هريرة: «اللهم صل على محمد النبي
وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته)).
ووقع في آخر حديث ابن مسعود: ((في العالمين إنك حميد مجيد).
قال النووي في شرح المهذب: ينبغي أن يجمع ما في الأحاديث الصحيحة،
فيقول: اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما
صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك ... مثله، ويزيد في آخره: في
العالمين.
وقال في ((الأذكار)) مثله، وزاد: عبدك ورسولك بعد قوله: محمد في ((صل)
ولم يزدها في «وبارك».
بقوله: ورحمتك.
(ووقع في حديث ابن مسعود عند أبي داود والنسائي: على محمد النبي الأمي).
(وفي حديث أبي سعيد: ((على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم))،
ولم يذكر آل محمد ولا آل إبراهيم) تقصیرًا من بعض رواته.
(وعند أبي داود من حديث أبي هريرة: ((اللهم صل على محمد النبي وأزواجه
أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته))) عطف خاص على عام.
(ووقع في آخر حديث ابن مسعود: ((في العالمين إنك حميد مجيد))، قال النووي في
شرح المهذب: ينبغي أن يجمع) المصلي في دعائه (ما في الأحاديث الصحيحة، فيقول:
اللهم صل على محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على
إبراهيم وعلى آل إبراهيم،) ويقول: (وبارك مثله، ويزيد في آخره: في العالمين، وقال في
الأذكار مثله، وزاد عبدك ورسولك بعد قوله: محمد في ((صل))) لورودها في حديث
أبي سعيد، (ولم يزدها في و((بارك))).

٣٨٩
الفرع الثالث عشر في ذكر تشهده عُـ
وقال في (التحقيق والفتاوى)): مثله، إلا أنه أسقط النبي الأمي.
وقد تعقبه الأسنوي فقال: لم يستوعب ما ثبت في الأحاديث مع اختلاف
كلامه.
وقال الأذرعي: لم يُسبق إلى ما قاله، والذي يظهر أن الأفضل لمن تشهد
أن يأتي بأكمل الروايات، ويقول - كما ثبت - هذا مرة وهذا مرة، وأما التلفيق فإنه
يستلزم إحداث صفة في التشهد لم ترد مجموعة، في حديث واحد وسبقه إلى
معنى ذلك ابن القيم.
وقد كان عٍَّ يدعو في الصلاة: ((اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر،
وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات،
(وقال) النووي (في التحقيق والفتاوى مثله، إلا أنه أسقط النبي الأمي) مع وقوعهما
في حديث ابن مسعود.
(وقد تعقبه الأسنوي، فقال: لم يستوعب ما ثبت في الأحاديث مع اختلاف كلامه،)
بل يأتي بكل حديث على ما جاء لا أنه يجمع.
(وقال الأذرعي، لم يسبق) النووي (إلى ما قاله) من الجمع: (والذي يظهر أن الأفضل
لمن تشهد أن يأتي بأكمل الروايات ويقول كل ما ثبت هذا مرة وهذا مرة، وأما التلفيق،
فإنه يستلزم إحداث صفة في التشهد لم ترد مجموعة في حديث واحد، وسبقه إلى معنى
ذلك) التعقب (ابن القيم،) وهو تعقب جيد، وقال النووي في حديث: الذكر دبر الصلاة يكبر
ثلاثًا وثلاثين ويختم المائة بلا إله إلا اللَّه ... الخ.
وفي رواية: يكبر أربعًا وثلاثين، ينبغي أن يجمع بين الروايتين بأن يكبر أربعًا وثلاثين،
ويقول معها لا إله إلا اللَّه الخ، وتعقبوه أيضًا بأن الأظهر أن يختم مرة بزيادة تكبيرة ومرة بزيادة
لا إله إلا اللَّه على وفق ما وردت به الأحاديث لا أنه يلفق، لأنه صفة لم ترد، (وقد كان
يدعو في) آخر (الصلاة) بعد التشهد، ففي مسلم عن أبي هريرة، مرفوعًا: ((إذا تشهد أحدكم،
فليقل) ذكر نحوه، وفي رواية عنده: ((إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير)) فذكره.
قال الحافظ فتكون هذه الاستعاذة سابقة على غيرها من الأدعية، وما ورد أن المصلي
يتخير من الدعاء ما شاء يكون بعد هذه الاستعاذة وقبل السلام (اللهم إني أعوذ بك من عذاب
القبر،) فيه رد على من أنكره، (وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال،) بفتح الميم وخفة
المهملة مكسورة فتحتية فحاء مهملة، وصحف من أعجمها يطلق على عيسى وعلى الدجال،
1

٣٩٠
الفرع الثالث عشر في ذكر تشهده :
اللهم وأعوذ بك من المأثم والمغرم)). فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم،
فقال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف. رواه البخاري ومسلم من
رواية عائشة.
لكن إذا أريد قيد به هذا هو المشهور.
وقال أبو داود عيسى مخفف والدجال مثقل، وقيل: بالتشديد والتخفيف فيهما جميعًا
لقب الدجال بذلك، لأنه ممسوح العين، أو لأن أحد شقي وجهه خلق ممسوحًا لا عين فيه ولا
حاجب، أو لأنه يمسح الأرض إذا خرج أقوال، وسمي عيسى مسيحًا، لأنه خرج من بطن أمه
ممسوحًا بالدهن، أو لأن زكريا مسحه، أو لأنه كان لا يمسح ذا عامة إلا برىء، أو لمسحه
الأرض بسياحته، أو لأن رجله لا أخمص لها، أو للبسه المسوح، أو هو بالعبرانية ماسحًا، فعرب
المسيح أو المسيح الصديق أقوال.
وذكر شيخنا مجد الدين الشيرازي في شرح المشارق في سبب تسميته مسيحًا خمسين
قولاً انتھی ملخصًا.
(وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات،) قال اللغويون الفتنة: الامتحان والإختبار،
قال عياض: واستعمالها في العرف لكشف ما يكره.
قال الحافظ وتطلق على القتل والاحراق والنميمة وغير ذلك (اللهم وأعوذ بك من
المأثم،) أي: ما يأثم به الإنسان، أو هو الإثم نفسه وضعًا للمصدر موضع الاسم، (والمغرم)
أي: الدين يقال غرم بكسر الراء، أي: أدان، قيل: والمراد به ما يستدان فيما لا يجوز، أو فيما
يجوز ثم يعجز عن أدائه، فأما دين احتاجه وهو قادر على أدائه فلا استعاذة منه.
قال الحافظ: ويحتمل أن يراد به ما هو أعم من ذلك، وقد استعاذ عٍَّ من غلبة الدين،
وقال القرطبي: المغرم الغرم، وقد نبه في الحديث على الضرر اللاحق من المغرم. انتهى.
وهو حق العباد والمأثم حق اللَّه تعالى، (فقال له قائل) هو عائشة، ففي رواية النسائي
عنها، فقلت: يا رسول اللَّه (ما أكثر) (بفتح الراء) على التعجب (ما تستعيد من المغرم، فقال:
إن الرجل إذا غرم) (بكسر الراء) (حدث فكذب،) بأن يحتج بشىء في وفاء ما عليه ولم يقم به
فيصير كاذبًا، (ووعد فأخلف) كذا للأكثر.
وفي رواية الحموي والمستملي: وإذا وعد أخلف، والمراد أن ذلك شأن من يستدین غالبًا
كأن يقول لصاحب الدين: أوفيك يوم كذا ولم يوفه، والكذب وخلف الوعد من صفات
المنافقين، (رواه البخاري ومسلم) وأبو داود والنسائي، كلهم في الصلاة (من رواية عائشة) من
طريق الزهري، عن عروة، عنها.

٣٩١
الفرع الثالث عشر في ذكر تشهده عَّ.
قال ابن دقيق العيد: ((فتنة المحيا)): ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان
بالدنيا والشهوات والجهالات وأعظمها - والعياذ بالله تعالى - أمر الخاتمة عند
الموت، و((فتنة الممات)): يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت، أضيفت إليه لقربها
منه، ويجوز أن يكون أراد بها: فتنة القبر، ولا يكون مع هذا الوجه متكررًا مع قوله:
((عذاب القبر))، لأن العذاب مترتب على الفتنة، والسبب غير المسبب.
وأخرج الحكيم في الترمذي في ((نوادر الأصول)) عن سفيان الثوري: أن
الميت إذا سئل من ربك تراءى له الشيطان فيشير إلى نفسه، إني أنا ربك، فلهذا
ورد سؤال التثبيت له حين يسأل.
وقد استشكل دعاؤه عَِّ بما ذكر مع أنه مغفور له ما تقدم وما تأخر.
وأجيب بأجوبة، منها أنه قصد التعليم لأمته، ومنها: أن المراد منه السؤال
(قال ابن دقيق العيد: فتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان،) أي:
الابتلاء (بالدنيا والشهوات والجهالات، وأعظمها والعياذ بالله تعالى أمر الخاتمة عند الموت
وفتنة الممات، يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت، أضيفت إليه لقربها منه، ويجوز أن
يكون أراد بها فتنة القبر) وقد صح، يعني في حديث أسماء الآتي في الجنائز أنكم تفتنون في
قبوركم مثل أو قريبًا من فتنة الدجال.
هذا أسقطه من كلام ابن دقيق العيد وهو في الفتح عنه قبل قوله: (ولا يكون مع هذا
الوجه متكررًا مع قوله عذاب القبر، لأن العذاب مترتب على الفتنة والسبب غير المسبب).
زاد في الفتح، وقيل: أراد بفتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصبر، وبفتنة الممات السؤال في
القبر مع الحيرة، وهو من العام بعد الخاص، لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات وفتنة
الدجال داخلة تحت فتنة المحيا.
(وأخرج الحكيم) محمد بن علي الترمذي (في نوادر الأصول عن سفين الثوري أن
الميت إذا سئل من ربك تراءى له الشيطان، فيشير إلى نفسه إني أنا ربك، فلهذا ورد
سؤال التثبيت له) للميت (حين يسأل،) ثم أخرج بسند جيد إلى عمرو بن مرة: كانوا يستحبون
إذا وضع الميت في القبر أن يقولوا: اللهم أعذه من الشيطان.
(وقد استشكل دعاؤه عقد بما ذكر مع أنه) معصوم من ذلك (مغفور له ما تقدم وما
تأخر،) أي: ممنوع من مواقعة ذنب، فإن الغفر الستر.
(وأجيب بأجوبة منها أنه قصد التعليم لأمته) أن تدعوا بذلك، (ومنها: أن المراد منه

٣٩٢
الفرع الثالث عشر في ذكر تشهده مَّة
لأمته، فيكون المعنى هنا: أعوذ بك لأمتي، ومنها: سلوك طريق التواضع وإظهار
العبودية والتزام خوف الله تعالى، وإعظامه والافتقار إليه، وامتثال أمره في الرغبة
إليه، ولا يمتنع تكرير الطلب مع تحقق الإجابة، لأن في ذلك تحصيل الحسنات،
ورفع الدرجات، وفيه تحريض لأمته على ملازمة ذلك، لأنه إذا كان مع تحقق
المغفرة لا يترك التضرع، فمن لم يتحقق ذلك أحرى بالملازمة.
وأما الاستعاذة من فتنة الدجال، مع تحققه أنه لا يدركه فلا إشكال فيه على
الوجهين الأولين، وقيل على الثالث: يحتمل أن يكون ذلك قبل أن يتحقق عدم
إدراكه، ويدل عليه قوله في الحديث الآخر عند مسلم: إن يخرج وأنا فيكم فإنا
حجيجه، الحديث، والله أعلم.
عباس: أن رسول الله عَِّ كان يقول بعد التشهد: اللهم إني أعوذ
بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القر، وأعوذ بك من فتنة الدجال
السؤال لأمته، فيكون المعنى هنا أعوذ بك لأمتي،) فهو من مزيد رأفته بهم، (ومنها سلوك
طريق التواضع وإظهار العبودية والتزام خوف اللَّه تعالى وإعظامه والافتقار إليه وامتثال أمره
في الرغبة إليه،) بقوله: ﴿وإلى ربك فارغب﴾ [الشرح: ٨]، (ولا يمتنع تكرير الطلب مع
تحقق الإجابة، لأن في ذلك تحصيل الحسنات ورفع الدرجات، وفيه تحريض لأمته
ملازمة ذلك، لأنه) عَّهِ (إذا كان مع تحقق المغفرة لا يترك التضرع) إلى الله تعالى، (فمن
لم يتحقق ذلك أحرى بالملازمة) على ذلك (وأما الاستعاذة من فتنة الدجال مع تحققه أنه
لا يدركه، فلا إشكال فيه على الوجهين الأولين) قصد التعليم أو السؤال لأمته.
(وقيل على الثالث: يحتمل أن يكون ذلك قبل أن يتحقق عدم إدراكه، ويدل عليه
قوله في الحديث الآخر عند مسلم، أن يخرج) (بكسر الهمزة) (وأنا فيكم فأنا حجيجه،) أي
الذي أحجه وأبين دجله وكذبه دونكم (الحديث واللَّه أعلم،) وهذا مما جاء به المصنف من
فتح الباري بلا عزو.
(وعن ابن عباس أن رسول اللَّه عٍَّ كان يقول بعد التشهد) وقبل السلام: ((اللهم إني
أعوذ) أعتصم (بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر،) العذاب اسم للعقوبة
والمصدر التعذيب، فهو مضاف إلى الفاعل مجازًا، أو الإضافة من إضافة المظروف إلى ظرفه
على تقدير في أي من عذاب في القبر، (وأعوذ بك من فتنة الدجال الأعور) العين اليمنى، وقيل
اليسرى ولا خلف، فإحداهما مطموسة والأخرى معيبة، والعور: العيب، (وأعوذ بك من فتنة

٣٩٣
الفرع الثالث عشر في ذكر تشهده عنّ.
الأعور، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات)). رواه أبو داود.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي عٍَّ كان يقول ما بين
التشهد والتسليم: ((اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت وما
أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت)). رواه
مسلم وغيره.
وفي رواية له: وإذا سلم قال: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت.
ويجمع بينهما: بحمل الرواية الثانية على إرادة السلام، لأن مخرج الطريقين
واحد.
وأورده ابن حبان بلفظ: كان إذا فرغ من الصلاة وسلم، وهذا ظاهر في أنه
بعد السلام، ويحتمل أنه كان يقول ذلك قبل السلام وبعده، وسيأتي الجواب عما
استشكل في دعائه عليه السلام بهذا الدعاء في أدعيته عَ له.
المحيا والممات))، رواه أبو داود) وهو قريب من حديث عائشة قبله، أتى به المصنف بعده
لبيان محل قوله في الصلاة، أنه بعد التشهد.
(وعن علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه أن النبي ◌ٍَّ كان يقول ما بين التشهد
والتسليم: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت) أخفيت (وما أعلنت) أظهرت،
(وما أسرفت) به على نفسي (وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم) من تشاء بطاعتك
فتجعلهم أنبياء وأولياء وعلماء، (وأنت المؤخر) من تشاء عن ذلك فلا يدركه التوفيق، فيصيروا
فراعنة كفرة شياطين كما اقتضته حكمتك، (لا إله إلا أنت، رواه مسلم وغيره) في حديث قدم
المصنف أوله في دعاء الاستفتاح.
(وفي رواية له) لمسلم (وإذا سلم قال: ((اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت))) ولم
يقل بين التشهد والتسليم، (ويجمع بينهما بحمل الرواية الثانية على إرادة السلام، لأن مخرج
الطريقين واحد) وهو علي رضي اللَّه عنه (وأورده) أي: رواه (ابن حبان) من حديث علي،
(بلفظ: كان إذا فرغ من الصلاة وسلم، وهذا ظاهر في أنه بعد السلام،) ويحتمل أنه كان
يقول ذلك قبل السلام وبعده، فحظ كل راو ما لم يحفظ الآخر وإن اتحد المخرج، (وسيأتي
الجواب عما استشكل في دعائه عليه السلام بهذا الدعاء) ونحوه (في أدعيته عَّه) وهو
النوع السابع ختام ذا المقصد ولفظه، وقد استشكل صدور هذه الأدعية ونحوها منه عَّ له مع قوله
تعالى: ﴿ليغفر لك اللَّه ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ [الفتح: ٢]، ووجوب عصمته.

٣٩٤
الفرع الثالث عشر في ذكر تشهده معامل
وحاصل ما ثبت عنه عَّلِ من المواضع التي كان يدعو بها في داخل صلاته
ستة مواطن:
الأول عقب تكبيرة الإحرام، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين:
((اللهم باعد بيني وبين خطاياي)). الحديث ونحوه.
الثاني في الركوع، كما في حديث عائشة عند الشيخين: كان يكثر أن
يقول في ركوعه وسجوده: ((سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي)).
الثالث في الاعتدال من الركوع، كما في حديث ابن أبي أوفى عند
مسلم أنه كان يقول بعد قوله: ((من شيء بعد)) ((اللهم طهرني بالثلج والبرد وماء
البارد».
الرابع في السجود، وهو أكثر ما كان يدعو فيه، وأمر به، الخ.
الخامس: بين السجدتين اللهم اغفر لي ... الخ.
السادس في التشهد.
وأجيب بأنه امتثل ما أمره اللَّه به من تسبيحه وسؤاله المغفرة في قوله تعالى: ﴿إذا جاء
نصر اللَّه والفتح﴾ [النصر: ١]، ويحتمل أن يكون سؤال ذلك لأمته وللتشريع انتهى.
وهذا بعض الأجوبة الثلاثة السابقة آنفا، وإنما نقلته لئلا يتوهم أنه شىء زائد على ما هنا؛
(وحاصل ما ثبت عنه عَّدٍ من المواضع التي كان يدعو بها في داخل صلاته ستة مواطن)
تفنن فيه أوّلا بمواضع، وثانيًا بمواطن:
(الأول: عقب تكبيرة الإحرام كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين: ((اللهم باعد
بيني وبين خطاياي)) الحديث ونحوه) مما مر.
(الثاني: في الركوع كما في حديث عائشة عند الشيخين: كان) عَّ. (يكثر أن يقول
في ركوعه وسجوده: ((سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي»).
(الثالث: في الاعتدال من الركوع كما في حديث ابن أبي أوفى) عبد اللَّه بن علقمة
(عند مسلم أنه كان يقول بعد قوله (من شىء)) بعد اللهم طهرني بالثلج والبرد وماء البارد))).
(الرابع: في السجود وهو أكثر ما كان يدعو فيه وأمر به) في قوله: وأما السجود
فاجتهدوا فيه بالدعاء، فقمن أن يستجاب لكم.
(الخامس: بين السجدتين اللهم اغفر لي ... الخ).
(السادس: في التشهد) الأخير، (وكان أيضًا يدعو في القنوت، وفي حال القراءة، إذا

٣٩٥
الفرع الرابع عشر في ذكر تسليمه من الصلاة
وكان أيضًا يدعو في القنوت، وفي حال القراءة إذا مر بآية رحمة سأل، وإذا
مر بآية عذاب استعاذ، وتقدم كل ذلك، والله الموفق.
الفرع الرابع عشر
في ذكر تسليمه من الصلاة
كان ◌ٍَّ يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده. رواه مسلم
والنسائي من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه.
وفي حديث ابن مسعود: كان عَّةٍ يسلم عن يمينه وعن يساره، السلام
عليكم ورحمة الله. رواه الترمذي، وزاد أبو داود: حتى يرى بياض خده، وفي
رواية النسائي: حتى يرى بياض خده من ههنا، وبياضٍ خده من ههنا. الحديث.
مر بآية رحمة سأل، وإذا مر بآية عذاب استعاذ،) فتكون المواطن ثمانية، (وتقدم كل ذلك
واللّه الموفق) لا غيره.
(الفرع الرابع عشر: في ذكر تسليمه من الصلاة)
(کان ځے يسلم عن يمينه وعن يساره حتی یری بیاض خده) من الجهتين كما يأتي،
(رواه مسلم والنسائي من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة) العنزي حليف بني عدي أبي
محمد المدني، ولد على عهد النبي عٍَّ، مات سنة بضع وثمانين، (عن أبيه) عامر بن ربيعة بن
كعب بن ملك العنزي، بسكون النون حليف الخطاب، أسلم قديمًا وهاجر، مات ليالي قتل
عثان.
(وفي حديث ابن مسعود: كان عَّدٍ يسلم عن يمينه وعن يساره،) فيقول: (السلام
علیکم ورحمة الله، رواه الترمذي، وزاد أبو داود: حتى يرى بياض خده).
(وفي رواية النسائي: حتى يرى بياض خده من ههنا) إذا سلم من جهة يمينه، (وبياض
خده من ههنا) إذا سلم من جهة يساره (الحديث).
لكن دلالته على أنه كان يسلم تسليمتين لا ينهض، إذ لا صراحة فيما ساقه من هذه
الأحاديث بذلك، فيحتمل أن المعنى كان يسلم عن يمينه تارة وعن يساره أخرى، لإفادة أن
التيامن بالسلام ليس بواجب، ويقويه أن في الصحيحين عن ابن مسعود: لا يجعل أحدكم
للشيطان جزءًا من صلاته، يرى أن حقًا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رأيت النبي عَّ.
کثیرًا ینصرف عن يساره.
لفظ البخاري ولفظ مسلم: أكثر ما رأيت رسول اللَّه عَ لمه ينصرف عن شماله، ولا يعارضه

٣٩٦
الفرع الرابع عشر في ذكر تسليمه من الصلاة
وهذا كان فعله الراتب. رواه عنه خمسة عشر صحابيًا، وهم: عبد الله بن
مسعود، وإبن أبي وقاص، وسهل بن سعد، ووائل بن حجر، وأبو موسى الأشعري،
وحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن عمر، وجابر بن سمرة، والبراء بن
عازب، وأبو مالك الأشعري، وطلق بن علي، وأوس بن أوس، وأبو ثور، وعدي بن
عمرو.
هذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد والجمهور.
رواية مسلم عن أنس: أكثر ما رأيت رسول اللَّه عَِّ ينصرف عن يمينه، لأنه جمع بينهما: بأنه
كان يفعل تارة هذا وتارة هذا، فأخبر كل من ابن مسعود وأنس بما اعتقد أنه الأكثر.
قال ابن المنير: فيه أن المندوب قد ينقلب مكروهًا إذا رفع عن رتبته، لأن التيامن
مستحب في كل شىء، أي من أمور العبادة، لكن لما خشي ابن مسعود أن يعتقد وجوبه أشار
إلى كراهته، (وهذا كان فعله الراتب، رواه عنه خمسة عشر صحابيًّا) في شرحه للبخاري.
ذكره الطحاوي من حديث ثلاثة عشر صحابيًا، وزاد غيره: سبعة، (وهم عبد الله بن
مسعود وابن أبي وقاص) سعد بن لملك (وسهل بن سعد ووائل بن حجر) (بحاء مهملة مضمومة
فجيم ساكنة) (وأبو موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر وعبد الله بن عمر
وجابر بن سمرة والبراء بن عازب،) وكل من حذيفة حتى البراء صحابي ابن صحابي، (وأبو
ملك الأشعري) قيل: اسمه عبيد، وقيل: عبد اللَّه، وقيل: عمرو، وقيل: كعب بن كعب، وقيل:
عمرو بن الحرث، صحابي، مات في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة.
وفي الصحابة أيضًا أبو لملك الأشعري كعب بن عاصم، وأبو لملك الأشعري الحرث بن
الحرث كما في التقريب، فكان ينبغي تمييزه، (وطلق) (بفتح الطاء وسكون اللام) (ابن علي)
الحنفي أبو علي اليمامي له وفادة، (وأوس بن أوس) الثقفي، صحابي سكن دمشق، (وأبو ثور)
(بمثلثة) الفهمي، صحابي سكن مصر.
قال أبو أحمد الحاكم: لا أعرف اسمه ولا سياق نسبه. وفي الصحابة أيضًا أبو ثور
محمد بن معدي کرب الزبيدي كما في الإصابة، فهو احدهما، وغلط من ظنه أبا ثور الأزدي
غافلاً عن نقله عن التقريب أنه من الثانية، يعني كبار التابعين كما قال في خطبته، والمصنف في
تعداد الصحابة، (وعدي بن عمرو) صوابه ابن عميرة (بفتح العين المهملة وكسر الميم) ابن
زرارة (بضم الزاي) الكندي، صحابي، له أحاديث في مسلم وغيره، كما في الإصابة وغيرها،
(هذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد والجمهور، ومذهب لملك في طائفة) كثيرة من
السلف، وحكاه ابن عبد البر عن الخلفاء الأربعة وابن عمر وأنس وابن أبي أوفى وجمع من

٣٩٧
الفرع الرابع عشر في ذكر تسليمه من الصلاة
ومذهب مالك في طائفة: المشروع تسليمه.
ودليل مذهبنا ما تقدم. وأما ما روي أنه عَ لِّ كان يسلم تسليمه واحدة تلقاء
وجهه، فلم يثبت من وجه صحيح، وأجود ما في ذلك حديث عائشة أنه عَ لّه كان
يسلم تسليمة واحدة، السلام عليكم، يرفع بها صوته حتى يوقظنا، وهو حديث
معلول، وهو في السنن، لكنه في قيام الليل، والذين رووا عنه تسليمتين رووا ما
شاهدوا في الفرض والنفل، وحديث عائشة ليس هو صريحًا في الاقتصار على
تسليمة واحدة، بل أخبرت أنه كان يسلم تسليمة واحدة يوقظهم بها، ولم تنف
التابعين (المشروع،) أي: الواجب فيما يخرج به من الصلاة (تسليمة) واحدة لكل مصل إلا أن
المأموم يسن له الرد على إمامه، ثم على من على يساره إن كان به معه أحد في تلك الصلاة،
لأن رد السلام مشروع في الجملة وعملاً بما رواه في الموطأ عن نافع، عن ابن عمر أنه كان
يسلم ثلاثًا إذا كان مأمومًا، فسقط قول من قال: يحتاج من زاد تسليمة ثالثة إلى دليل، فهذا
دليله مع عدم الإنكار عليه.
(ودليل مذهبنا ما تقدم) أنه كان يسلم عن يمينه وعن يساره، فإن ظاهره تسليمتين، وتقدم
أنه لا دليل فيه لظروف الاحتمال.
(وأما ما روى) عند ابن ماجه عن سهل بن سعد (انه عَّةٍ كان يسلم تسليمة واحدة
تلقاء وجهه، فلم يثبت من وجه صحيح) لأن في سنده عبد المهیمن بن عباس بن سهل بن سعد
وهو ضعيف: لكن له شاهد عن سلمة بن الأكوع: رأيت رسول اللَّه عَليه يسلم تسليمة واحدة،
أخرجه ابن ماجه، والنسائي: وضعفه بأن فيه يحيى بن راشد البصري ضعيف، (وأجود ما في
ذلك حديث عائشة أنه عَّ كان يسلم تسليمة واحدة،) يقول: (السلام عليكم يرفع بها.
صوته حتى يوقظنا) من النوم، (وهو حديث معلول) وإن كان إسناده جيدًا لمخالفته لأحاديث
غيرها التي ظاهرها تسليمتين، (وهو في السنن) للترمذي والنسائي وابن ماجه.
(لكنه في قيام الليل) أخذا من قولها: حتى يوقظنا، (والذين رووا عنه تسليمتين، رووا
ما شاهدوا في الفرض والنفل) الذي كان يفعله بحضورهم، بحيث يشاهدونه فلا يرد عليهم
تسليمة واحدة في قيام الليل، لأنهم لم يكونوا عنده، ثمة، لكنه يتوقف على أنهم رووا ذلك عنه
في صلاة واحدة، وإلا فهو محتمل.
(وحديث عائشة: ليس هو صريحًا في الاقتصار على تسليمة واحدة، بل أخبرت أنه
كان يسلم تسليمة واحدة يوقظهم بها،) فيجوز انه كان يأتي بالأخرى سرًا، لكن هذا إنما يصح
لو جعلت عائشة الإيقاظ غاية للوحدة، وهي إنما جعلته غاية لرفع الصوت، فهو صريح في

٣٩٨
الفرع الرابع عشر في ذكر تسليمه من الصلاة
الأخرى بل سكتت عنها، وليس سكوتها عنها مقدمًا على رواية من حفظها
وضبطها، وهم أكثر عددًا وأحاديثهم أصح، والله أعلم.
واختلف في التسليم:
فقال: مالك والشافعي وأحمد، وجمهور العلماء: إنه فرض لا تصح الصلاة
إلا به.
وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: سنة، لو ترك صحت صلاته. وقال أبو
حنيفة: لو فعل منافيًا للصلاة من حدث أو غيره في آخرها صحت صلاته، واحتج
بأنه عليه الصلاة والسلام لم يعلمه للأعرابي حين علمه واجبات الصلاة.
الاقتصار على واحدة، لأنها جعلتها صفة لتسليمة، فرفعت احتمال المجاز، فهو نص في الوحدة،
ثم وصفيتها ثانيًا، بأنه يرفع صوته بها رفعا بينا حتى يوقظهم برفع صوته، فلا يصح أيضًا قوله:
(ولم تنف الأخرى بل سكتت عنها،) لأن كلامها صريح في النفي وعدم السكوت عنها،
(وليس سكوتها عنها مقدمًا على رواية من حفظها وضبطها وهم أكثر عددًا، وأحاديثهم
أُصح) إسنادًا، لكن إنما ينفعهم ذلك إذا كان في أحاديثهم أنه كان يسلم في الصلاة الواحدة
تسليمتين، أحدهما عن يمينه والأخرى عن يساره، أما هذه فظواهر يطرقها الاحتمال، فيسقط بها
الاستدلال مع معارضة ذلك لأحاديث سعد وسلمة وعائشة الناصة على الواحدة، وهي وإن كانت
مفرداتها ضعيفة، فباجتماعها تتقوى، لا سيما وحديث عائشة إسناده جيد خصوصًا، وقد اعتضدت
كما قال ابن عبد البر بالحديث الحسن مفتاح الصلاة الطهور، وتحليلها التسليم، والواحدة يقع
عليها اسم التسليم، والعمل المشهور المتواتر بالمدينة التسليمة الواحدة، ومثله يحتج به لوقوعه
في كل يوم مرارًا وبفعل الخلفاء الأربع، وبهم القدوة انتهى ملخصًا.
(والله أعلم) بالصواب من ذلك في نفس الأمر.
(واختلف في التسليم، فقال لملك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء انه فرض لا تصح
الصلاة إلا به،) فلو خرج من الصلاة بدون السلام بطلت.
(وقال أبو حنيفة والثوري) سفين (والأوزاعي سنة لو ترك صحت صلاته) أي: تاركة.
(وقال أبو حنيفة: لو فعل منافيًا للصلاة من حدث أو غيره) كالكلام (في آخرها
صحت صلاته) لتمام فرائضها عنده.
(واحتج بأنه عليه الصلاة والسلام لم يعلمه للأعرابي حين علمه واجبات الصلاة) إذ
لو كان فرضًا لعلمه له.

٣٩٩
الفرع الرابع عشر في ذكر تسليمه من الصلاة
واحتج الجمهور بحديث أبي داود: ((مفتاح الصلاة الطهور وتحليلها التسليم).
وكان عٍَّ إذا قام في الصلاة طأطأ رأسه. رواه أحمد.
وكان لا يجاوز بصره إشارته، وكان قد جعل الله قرة عينه في الصلاة كما
قال: وجعلت قرة عيني في الصلاة رواه النسائي.
ولم يكن يشغله عليه السلام ما هو فيه عن مراعاة أحوال المأمومين، مع
كمال إقباله وقربه من ربه وحضور قلبه بين يديه.
وكان يدخل في الصلاة فيريد إطالتها فيسمع بكاء الصبي فيتجوز في
صلاته مخافة أن يشق على أمه. رواه البخاري وأبو داود والنسائي.
(واحتج الجمهور بحديث أبي داود) والترمذي وابن ماجه، بإسناد حسن عن علي بن
أبي طالب أنه عَّةٍ، قال: ((مفتاح الصلاة الطهور))) بضم الطاء وفتحها روايتان كما مر وتحريمها
التكبير هذا أسقطه هنا، (وتحليلها التسليم) لتحليله ما كان حرامًا على المصلي، ففيه أن
التسليم ركن الصلاة كالتكبير، وأنه إنما يكون به دون الحدث والكلام، لأنه عرف بأل، وعينه
كما عين الطهور، وعرفه، والتعريف بأل مع الإضافة يوجب التخصيص، ففيه رد على الحنفية،
قاله الخطابي.
قال الحافظ: وأما حديث إذا أحدث وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت
صلاته، فقد ضعفه الحفاظ.
(وكان عَّ إذا قام في الصلاة طأطأ رأسه) بالهمز، أي: طامنه وخفضه ليكون أبعد من
النظر إلى ما يشغله، (رواه أحمد) وبه أخذ الشافعية، (وكان لا يجاوز بصره إشارته،) أي: أصبعه
التي يشار بها وهي السبابة، (وكان قد جعل اللَّه قرة عينه في الصلاة،) أي: راحتها وسرورها،
(كما قال: وجعلت قرة عيني في الصلاة،) لأنها محل المناجاة ومعدن المصافاة، (رواه
النسائي) في حديث مر الكلام عليه مبسوطًا، (ولم يكن يشغله) (بفتح أوله وثالثه) المعجم يمنعه
(عليه السلام ما هو فيه عن مراعاة أحوال المأمومين،) فإذا حصل لهم خلل ربما نبههم عليه
بعد، كما قال: إنه لا يخفى علي ركوعكم ولا خشوعكم، وإني لأراكم من وراء ظهري (مع
كمال إقباله وقربه من ربه) القرب المعنوي (وحضور قلبه بين يديه) نريد عناية وتكميل من الله
تعالی له.
(وكان يدخل في الصلاة فيريد إطالتها) أي: التطويل فيها (فيسمع بكاء الصبي)
بالمد، أي صوته الذي يكون معه (فيتجوز) بجيم وزاي، يعني يخفف (في صلاته) بتقصيرها

٤٠٠
الفرع الرابع عشر في ذكر تسليمه من الصلاة
وكان يؤم الناس وهو حامل أمامة بنت أبي العاصي بن الربيع على عاتقه.
رواه مسلم وغيره.
قال النووي: وهذا يدل لمذهب الشافعي ومن وافقه أنه يجوز حمل الصبي
والصبية وغيرهما من الحيوان في صلاة الفرض والنفل للإمام والمأموم والمنفرد.
وحمله أصحاب مالك على النافلة، منعوا جواز ذلك في الفريضة.
وهذا التأويل فاسد، لأن قوله: ((يؤم الناس)) صريح أو كالصريح في أنه كان
(مخافة أن يشق على أمه،) أي: المشقة عليها.
وفي رواية: أن تفتن أمه، أي: تلتهي عن صلاتها لاشتغال قلبها ببكائه، زاد عبد الرزاق من
مرسل عطاء: أو تتركه فيضيع (رواه البخاري وأبو داود والنسائي) في الصلاة عن أبي قتادة،
ورواه الشيخان وغيرهما من حديث أنس من طرق بين في بعضها عند مسلم محل التخفيف،
فقال: فيقرأ بالسورة القصيرة، ولابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن سابط مرسلاً أنه عنّةٍ قرأ في
الركعة الأولى بسورة طويلة نحو ستين آية، فسمع بكاء صبي، فقرأ في الثانية بثلاث آيات، وفيه
شفقته ◌َّ على أصحابه ومراعاة أحوال الكبير منهم والصغير، (وكان يؤم الناس وهو حامل
أمامة) بضم الهمزة وتخفيف الميمين، والمشهور في الروايات تنوين حامل ونصب إمامة، وروي
بالإضافة كقراءة إن اللَّه بالغ أمره بالوجهين (بنت أبي العاصي) لقيط أو مقسم أو مهشم أو هشيم
أو ياسر (بن الربيع) بن عبد العزى بن عبد شمس، أسلم قبل الفتح وهاجر وأثنى عليه عَّةٍ في
مصاهرته، ومات في خلافة الصديق.
وفي رواية بنت زينب بنت رسول اللَّه عَّله، فنسبها إلى أمها أكبر بناته عَلّه، وتزوجها
علي بعد فاطمة بوصية منها، ولم تعقب (على عاتقه).
وفي رواية لأحمد: على رقبته، (رواه مسلم وغيره) عن أبي قتادة، قال: ((رأيت النبي عَّه.
يؤم الناس وأمامة على عاتقه))، وهو في الموطأ والصحيحين، عنه بلفظ: كان يصلي وهو حامل
أمامة بنت زينب، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها.
(قال النووي: وهذا يدل لمذهب الشافعي ومن وافقه أنه يجوز حمل الصبي والصبية
وغيرهما من الحيوان في صلاة الفرض والنفل للإمام والمأموم والمنفرد) عملاً بظاهر هذه
الرواية، وكأنهم قاسوا المأموم والفذ على الإمام بطريق المساواة أو الأولى، (وحمله أصحاب
ملك على النافلة، ومنعوا جواز ذلك في الفريضة) جوازًا مستوى الطرفين، بمعنى أنهم كرهوا
ذلك (وهذا التأويل فاسد، لأن قوله يؤم الناس صريح، أو كالصريح) اضراب (في أنه كان في