النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
الباب الأول في الصلوات الخمس
وعن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعًا
وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. رواه مسلم وأبو داود والنسائي.
وقوله: ((وفي الخوف ركعة)) محمول على أن المراد ركعة مع الإمام وينفرد
بالأخرى.
وعن عائشة: فرض الله الصلاة - حين فرضها - ركعتين ركعتين، ثم أتمها في
الحضر، وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى. رواه البخاري.
وعنده - في كتاب الهجرة - من طريق معمر عن الزهري، عن عروة عن
عائشة فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر عَّ ففرضت أربعًا.
فعيَّن في هذه الرواية أن الزيادة في قوله في الحديث الذي قبله ((وزيد في
صلاة الحضر)) وقعت بالمدينة.
وقد أخذ بظاهر هذا الحديث الحنفية، وبنوا عليه: أن القصر في السفر
(وعن ابن عباس قال: فرض اللَّه الصلاة على لسان نبيكم) بأن أنزله عليه وأمره أن
يتكلم به (في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين) في الرباعية (وفي الخوف ركعة).
(رواه مسلم وأبو داود والنسائي، وقوله: وفي الخوف ركعة محمول على أن المراد
ركعة مع الإمام) يقتدى به فيها، (وينفرد بالأخرى) بعدما يفارقه فيصليها وحده، فليس المراد
ظاهره وإن ذهب إليه قوم.
(وعن عائشة قالت: فرض اللَّه الصلاة حين فرضها ركعتين ركعين) بالتكرار لإفادة عموم
التثنية لكل صلاة في الحضر والسفر، هكذا في رواية كريمة للبخاري بالتكرار، فلا إشكال فيها
بخلاف ما وقع في رواية غيرها ركعتين بدون تكرار، ويوافق روايتها سائر الروايات في الصحيحين
وغيرهما، زاد في رواية لأحمد إلا المغرب، فإنها كانت ثلاثًا (ثم أتمها) أربعًا (في الحضر
وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى) (بضم الهمزة).
(رواه البخاري) ومسلم وغيرهما، (وعنده في كتاب الهجرة من طريق معمر عن
الزهري، عن عروة، عن عائشة: فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر عَّةٍ ففرضت أربعًا، فعين
في هذه الرواية أن الزيادة في قوله في الحديث الذي قبله، وزيد في صلاة الحضر وقعت
بالمدينة) لم يتقدم له بهذا اللفظ، نعم هو لفظ البخاري في أول كتاب الصلاة، فقال الحافظ
في شرحه هذا الكلام.
(وقد أخذ بظاهر هذا الحديث الحنفية وبنوا عليه أن القصر في السفر عزيمة،) لأنه

٢٨٢
الباب الأول في الصلوات الخمس
عزيمة لا رخصة.
واحتج مخالفوهم بقوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من
الصلاة﴾، [النساء/١٠١] لأن نفي الجناح لا يدل على العزيمة، والقصر إنما يكون
من شيء أطول منه، ويدل على أنه رخصة أيضًا قوله عليه الصلاة والسلام: صدقة
تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته رواه مسلم. وأما خبر: ((فرضت الصلاة
أمر بها في السفر كذلك ولم تغير (لا رخصة،) لأنها الحكم المتغير إلى سهولة لعذر مع قيام
السبب للحكم الأول، قال المصنف: وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا أتم المسافر يكون الشفع
الثاني عندنا فرضًا وعندهم نفلاً لنا أن الوقت سبب للأربع، والسفر سبب للقصر، فيختار أيهما
شاء، ولهم قول ابن عباس المتقدم.
(واحتج مخالفوهم بقوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾، لأن
نفي الجناح لا يدل على العزيمة،) بل على الإباحة لكن بفعل النبي عَّهُ ترقت إلى السنة،
(والقصر إنما يكون في شىء أطول منه،) وأجاب الحنفية بأنه ليس المراد بالآية قصر الذات،
بل قصر الصفة كترك الاستقبال عند الخوف بدليل بقية الآية، ورده ابن جرير بأن الآية من
المتصل لفظًا المنفصل معنى، فقد ورد أن قوله: إن خفتم نزل بعد قوله: أن تقصروا من الصلاة
بسنة، فهو متعلق بما بعده، أي: بقوله: وإذا كنت فيهم.
(ويدل على أنه رخصة أيضًا قوله عليه الصلاة والسلام) كما في مسلم عن يعلى بن
أمية، قلت لعمر: إنما قال اللَّه تعالى: ﴿إِن خفتم﴾ [النساء: ١٠١] وقد أمن الناس، فقال: عجبت
مما عجبت منه، فسألت رسول اللَّه عٍَّ فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم،) والصدقة لا
يجب قبولها، فالقصر ليس بواجب، وأجاب الحنفية؛ بأن ذلك في غير صدقة اللَّه تعالى، كيف
وقد أمر بقبولها، بقوله: («فأقبلوا صدقته))) والأصل في الأمر الوجوب.
(رواه مسلم) عن عمر كما رأيت، فأفاد عبده، أن الشرط في الآية لبيان الواقع وقت
النزول، فلا مفهوم له، وهذا جاء به المصنف من فتح الباري، وفيه أيضًا بعده الذي يظهر لي،
وبه تجتمع الأدلة؛ أن الصلوات فرضت ليلة الإسراء ركعتين إلا المغرب، ثم زيدت بعد الهجرة
إلا الصبح، كما روى ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي عن عائشة: فرضت صلاة الحضر والسفر
ركعتين ركعتين، فلما قدم عَّ المدينة واطمأن، زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان
وتركت صلاة الفجر لطول القراءة وصلاة المغرب لأنها وتر النهار. انتهى. ثم بعد أن استقر
فرض الرباعية خفف عنا في السفر عند نزول قوله: ﴿فليس عليكم جناح﴾، ويؤيده ما ذكره

٢٨٣
الفصل الثاني في ذكر تعيين الأوقات التي صلى فيها عَّه الصلوات الخمس
ركعتين، أي في السفر، فمعناه: لمن أراد الاقتصار عليهما، جمعًا بين الأخبار. قاله
في الجموع.
الفصل الثاني
في ذكر تعيين الأوقات التي صلى فيها عَد.
الصلوات الخمس
عن جابر: أن جبريل أتى النبي عَّ يعلمه مواقيت الصلاة، فتقدم جبريل،
ورسول الله عَّله خلفه، والناس خلف رسول الله عَّةٍ، فصلى الظهر حين زالت الشمس، وأتاه
حين كان الظل مثل شخصه، فصنع كما صنع، فتقدم جبريل ورسول الله
ابن الأثير في شرح المسند أن قصر الصلاة كان في السنة الرابعة من الهجرة وهو مأخوذ من
قول غيره أن نزول آية الخوف كان فيها.
وقيل: كان قصر الصلاة في ربيع الآخر من السنة الثانية، ذكره الدولابي وأورده السهيلي،
بلفظ: بعد الهجرة بعام أو نحوه، وقيل: بعد الهجرة بأربعين يومًا؛ فعلى هذا المراد بقول عائشة:
فأقرت صلاة السفر، أي: باعتبار ما آل إليه الأمر من التخفيف لا أنها استمرت منذ فرضت، فلا
يلزم من ذلك أن القصر عزيمة.
فائدة: ذهب جماعة إلى أنه لم يكن قبل الإسراء صلاة مفروضة إلا ما وقع الأمر به من
صلاة الليل بلا تحديد، وذهب الحربي إلى أن الصلاة كانت مفروضة ركعتين بالغداة وركعتين
بالعشي، ورده جماعة من أهل العلم. انتهى.
(وأما خبر: ((فرضت الصلاة ركعتين، أي: في السفر، فمعناه لمن أراد الاقتصار
عليهما جمعًا بين الأخبار) فليس فيه أنه عزيمة، (قاله في المجموع) هو شرح المهذب
للنووي وأوله، وأما خبر وما قبله من الفتح كما علم.
الفصل الثاني في ذكر تعيين الأوقات التي صلى فيها عَّة الصلوات الخمس
مرتين (عن جابر) بن عبد اللَّه (أن جبريل أتى النبي عَّ يعلمه مواقيت الصلاة)
صبيحة ليلة فرضها في الإسراء كما يأتي، وجابر لم يدرك ذلك، فهو مرسل صحابي، فإما أنه
تلقاه عنه عَّة، أو عن صحابي أدرك ذلك، (فتقدم جبريل ورسول اللّه ◌َ خلفه، والناس
خلف رسول اللَّه عَّةٍ، فصلى الظهر حين زالت الشمس) أي: مالت من جانب الشمال إلى
اليمين إذا استقبلت القبلة، (وأتاه حين كان الظل مثل ظل شخصه) أي: الشىء المشخص وهو
جسم مشخص له شخوص وارتفاع (فصنع كما صنع) في الظهر، وبينه بقوله: (فتقدم جبريل

٢٨٤
الفصل الثاني في ذكر تعيين الأوقات التي صلى فيها مَّ الصلوات الخمس
خلفه، والناس خلف رسول الله عَّه، فصلى العصر، ثم أتاه حين وجبت الشمس،
فتقدم جبريل، ورسول الله عَّهِ خلفه، والناس خلف رسول الله عَ ليه فصلى المغرب،
ثم أتاه حين غاب الشفق، فتقدم جبريل ورسول الله عَيَّةٍ خلفه، والناس خلف
رسول الله عَّ فصلى العشاء، ثم أتاه حين انشق الفجر، فتقدم جبريل
ورسول الله عَِّ خلفه، والناس خلف رسول الله عَّ ◌ُله، فصلى الصبح.
ثم أتاه جبريل في اليوم الثاني حين كان ظل الرجل مثل شخصه، فصنع
كما صنع بالأمس، فصلى الظهر، ثم أتاه حين كان الظل مثلي شخصه فصنع كما
ورسول اللَّه عَ لَّمِ خلفه، والناس خلف رسول اللَّه ◌َّر، فصلى العصر) في أول وقته، (ثم أتاه
حين وجبت الشمس،) أي: غابت، وأصل الوجوب السقوط، والمراد سقوط قرص الشمس،
وفاعل وجبت هنا مذكور، وهو الشمس، وسقط في رواية البخاري عن جابر: ((كان عَّةٍ يصلي
الظهر بالهاجرة والعصر والشمس نقية والمغرب إذا وجبت)) الحديث، فقال الحافظ: فاعل وجبت
مستتر وهو الشمس، ولأبي داود: والمغرب إذا غربت الشمس، ولأبي عوانة: والمغرب حين
تجب الشمس، أي تسقط، وفيه أن سقوط قرصها يدخل به المغرب، ومحله ما إذا لم يحل بين
رؤيتها عارية وبين الرائي حائل، (فتقدم جبريل ورسول اللَّه عٍَّ خلفه والناس خلف رسول اللَّه عَ لَّه
فصلى المغرب) لأول وقتها، (ثم أتاه حين غاب الشفق،) أي الحمرة التي ترى في أفق
المغرب، كما في الموطأ، وعليه أكثر العلماء، وقال أبو حنيفة إنه البياض الذي يليها، وتعقب
بأنه مختص في اللغة والاستعمال بالحمرة، لقول أعرابي: وقد رأى ثوبًا أحمر كأنه شفق.
وقال المفسرون في قوله تعالى: ﴿فلا أقسم بالشفق﴾ [الإنشقاق: ١٦] إنه الحمرة، وقال
الخليل بن أحمد: رقبت البياض فوجدته يبقى إلى ثلث الليل، وقال غيره: إلى نصفه، فلو رتب
الحكم عليه لزم أن لا يدخل وقت العشاء حتى يمضي ثلث الليل أو نصفه ولا قائل به،
والأحاديث ناطقة بخلافه (فتقدم جبريل ورسول اللَّه عَّةٍ خلفه، والناس خلف رسول اللَّه عّلّه،
فصلى العشاء) أول وقتها، (ثم أتاه حين انشق الفجر،) أي ظهر والشق بالفتح انفراج في
الشىء، فوصف الفجر به مجاز من إطلاق اسم المحل على الحال، (فتقدم جبريل
ورسول اللَّهُ مَِّ خلفه، والناس خلف رسول اللَّه عَّة، فصلى الصبح) أول وقته، (ثم أتاه
جبريل في اليوم الثاني حين كان ظل الرجل مثل شخصه) لم يقل مثله، لأن الرجل مسماه
الماهية، وهي إنما توجد في ضمن الإفراد وليست مرئية ولا ظل لها، والظل إنما هو للصورة
الخارجية المعبر عنها بالشخص وهو سواد الإنسان يرى من بعد، ثم استعمل في ذاته، قال
الخطابي: ولا يسمى شخصًا إلا جسم مؤلف له شخوص وارتفاع، (فصنع كما صنع بالأمس)

٢٨٥
الفصل الثاني في ذكر تعيين الأوقات التي صلى فيها عَِّ الصلوات الخمس
صنع بالأمس فصلى العصر، ثم أتاه حين وجبت الشمس فصنع كما صنع بالأمس
فصلى المغرب، ثم أتاه حين وجبت الشمس فصنع كما صنع بالأمس فصلى
المغرب، ثم أتاه حين غاب الشفق فصنع كما صنع بالأمس فصلى العشاء، ثم أتاه
حين امتد الفجر وأصبح والنجوم بادية مشتبكة وصنع كما صنع بالأمس فصلى
الغداة. ثم قال: ((ما بين هاتين الصلاتين للصلاة وقت)). رواه النسائي.
وفي رواية قال: خرج رسول الله عَّةٍ فصلى الظهر حين زالت الشمس،
وكان الفيء قدر الشراك، ثم صلى العصر حين كان الفيء قدر الشراك، وكان ظل
الرجل مثله، ثم صلى المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى العشاء حين غاب
من تقدمه والنبي خلفه والناس خلف النبي عَِّ، (فصلى الظهر) في الوقت الذي صلى فيه
العصر بالأمس، (ثم أتاه حين كان الظل مثلي) (بالتثنية) (شخصه، فصنع كما صنع بالأمس،
فصلى العصر) في آخر مختارها، (ثم أتاه حين وجبت الشمس، فصنع كما صنع بالأمس،
فصلى المغرب) في أول وقتها كما صلاها أمس، ففيه دلالة قوية على أن وقتها مضيق، لأن
جبريل صلاها بالنبي ◌َّة في اليومين في وقت واحد، (ثم أتاه حين غاب الشفق، فصنع كما
صنع بالأمس، فصلى العشاء) صرح في هذه الرواية بأنه صلاها في اليومين بوقت واحد، وفي
التالية لها، ثم صلى العشاء إلى ثلث الليل أو نصف الليل، فيجمع بينهما بأنه أتاه حين غاب
الشفق في اليومين، لكن بقي عنده في الثاني بدون صلاة العشاء إلى ثلث الليل، وهذا الجمع
متعين، لأن المخرج واحد وهو جابر، ويشهد له حديث ابن عباس بعده: ثم صلى العشاء الآخرة
حين ذهب ثلث الليل، (ثم أتاه حين امتد الفجر) في أفق السماء، (وأصبح) أي: دخل في
الصباح (والنجوم بادية،) أي: ظاهرة (مشتبكة) مختلط بعضها ببعض لكثرة ما ظهر منها.
وروى أحمد: ((لا تزال أمتي بخير ما لم يؤخروا المغرب انتظارًا للظلام مضاهاة لليهود،
وما لم يؤخروا الفجر لمحاق النجوم مضاهاة للنصارى»، (وصنع كما صنع بالأمس فصلى
الغداة،) أي: الصبح، (ثم قال: (ما بين هاتين الصلاتين) في اليومين (للصلاة وقت»،) ويأتي
في حديث ابن عباس والوقت فيما بين هاتين الوقتين، (رواه النسائي) والترمذي وغيرهما.
(وفي رواية) له أيضًا، عن جابر (قال: خرج رسول اللَّهُ مَِّ، فصلى الظهر حين زالت
الشمس) أي: مالت إلى جهة الغروب (وكان الفيء قدر الشراك) (بكسر المعجمة)، أحد سيور
النعل التي على وجهها، وقدره هنا ليس على معنى التحديد، (ثم صلى العصر حين كان الفيء
قدر الشراك، وكان ظل الرجل مثله) بالإفراد، (ثم صلى المغرب حين غابت الشمس ثم).
صلى العشاء حين غاب الشفق) الحمرة، (ثم صلى الفجر) أي: الصبح (حين طلع الفجر، ثم

٢٨٦
الفصل الثاني في ذكر تعيين الأوقات التي صلى فيها عَّ الصلوات الخمس
الشفق، ثم صلى الفجر حين طلع الفجر، ثم صلى الغداة - أي الظهر - حين كان
الظل طول الرجل، ثم صلى العصر حين كان ظل الرجل مثليه، ثم صلى المغرب
حين غابت الشمس، ثم صلى العشاء إلى ثلث الليل أو نصف الليل - شك أحد
رواته - ثم صلى الفجر فأسفر.
وعن ابن عباس: قال عَّ له: ((أمَّني جبريل عند البيت مرتين، فصلى الظهر بي
في الأولى حين كان الفيء مثل الشراك، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء
مثله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين
صلى الغداة، أي الظهر) تفسيرها بهذا يخالف قوله في الحديث السابق: فصلى الغداة، أي:
الصبح، وفي المصباح الغداة: الضحوة مؤنثة، وجوّز ابن الأنباري تذكيرها على معنى أول النهار،
وعلى هذا فإطلاق الغداة على كل من صلاتي الصبح والظهر مجاز علاقته المجاورة لقرب كل
من الصلاتين لوقت الضحوة، كذا مشاه شيخنا، والذي يظهر لي أن الغداة اسم لليوم، فإنها تطلق
كالغد على اليوم بتمامه تسمية للكل باسم البعض، ونصبها على الظرفية، أو بنزع الخافض، أي:
في الغداة، أي: اليوم الثاني بعد اليوم الذي صلى فيه أولاً، وقول المصنف، أي: الظهر بيان
لمفعول صلى لا تفسير للغداة (حين كان الظل طول الرجل) وقت صلاته العصر في اليوم
الأول، (ثم صلى العصر حين كان ظل الرجل مثليه) بالتثنية، (ثم صلى المغرب حين غابت
الشمس، ثم صلى العشاء إلى ثلث الليل، أو نصف الليل شك أحد رواته ثم صلى الفجر،)
أي: الصبح (فأسفر) وفي أبي داود وغيره، وصححه ابن خزيمة وغيره عن أبي مسعود الأنصاري:
وصلى النبي عَّلي الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك
التغليس حتى مات لم يعد إلى أن يسفر.
(وعن ابن عباس) قال: (قال عَّة: ((أمني) بفتح الهمزة والميم الثقيلة صلى بي إمامًا
(جبريل عند البيت،) كذا رواه الأكثر، ورواه الشافعي والطحاوي والبيهقي عند باب البيت،
وهي مبينة للمراد من الأولى (مرتين، فصلى الظهر في الأولى حين كان الفيء مثل الشراك)
وقت الزوال في ذلك اليوم لا أنه أخره عن الزوال إلى أن صار كذلك كما يأتي، وقد جاء في
رواية أبي داود وغيره بيان المراد، ولفظه عن ابن عباس: ((فصلى بي الظهر حين زالت الشمس
وكانت قدر الشراك))، فقوله: و((كانت)) ... الخ إخبار عن مهفتها وقت الزوال يومئذٍ، (ثم صلى
العصر حين كان ظل كل شىء مثله) بالإفراد وفي رواية: ((حين كان ظله مثله))، (ثم صلى
المغرب حين وجبت،) أي: غابت (الشمس وأفطر الصائم،) أي: جاز له الفطر، (ثم صلى

٢٨٧
الفصل الثاني في ذكر تعيين الأوقات التي صلى فيها عَّةِ الصلوات الخمس
غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم.
وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شيء مثله كوقت العصر
بالأمس، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم صلى المغرب لوقت
الأولى، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفر،
ثم التفت إلي جبريل فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما
بين هذين الوقتين)، رواه الترمذي وغيره.
العشاء حين غاب الشفق) الحمرة، (ثم صلى الفجر حين برق الفجر،) بموحدة وراء بلا نقط
مفتوحتين، أي: لمع، وأما برق بكسر الراء، فمعناه تحير حتى صار لا يطرف، أو دهش حتى لا
يبصر كما في القاموس وغيره، ومنه قوله تعالى: ﴿فإذا برق البصر﴾ [القيامة: ٧]، وقرأ نافع بالفتح،
أي: لمع من شدة شخوصه. (وحرم الطعام على الصائم، وصلى المرة الثانية الظهر حين
كان،) أي: صار (ظل كل شىء مثله) بالإفراد، (كوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين
كان ظل كل شىء مثليه) (بالتثنية)، (ثم صلى المغرب لوقت الأولى،) أي: في الوقت الذي
صلاها فيه في المرة الأولى، (ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح
حين أسفر، ثم التفت إليَّ) (بشد ياء المتكلم) (جبريل) فاعل التفت، (فقال: يا محمد هذا)
زاد في رواية وقتك و (وقت الأنبياء من قبلك،) أي: مثل وقت من فرض عليه منهم صلاة
مخصوصة بوقت، لا أنه وقت لكل الأنبياء، فلا ينافي أن الخمس من خصائص هذه الأمة، ولم
تجتمع لأحد غيرهم كما مر في الخصائص، (والوقت فيما بين هذين الوقتين))) موسع، ففي
أي جزء أوقعها فیه لا یأثم.
قال ابن عبد البر: لم أجد قوله ((هذا وقتك ووقت الأنبياء من قبلك)) إلا في هذا الحديث،
يعني حديث ابن عباس، وقال ابن العربي: ظاهره يوهم أن هذه الصلوات في هذه الأوقات
مشروعة للأنبياء قبله وليس كذلك، وإنما معناه هذا وقتك المشروع لك يعني الوقت الموسع
المحدود بطرفين الأول والآخر، ووقت الأنبياء قبلك أي صلاتهم كانت واسعة الوقت وذات
طرفين مثل هذا، وإلا فلم تكن هذه الصلوات على هذا الميقات إلا لهذه الأمة، خاصة وإن كان
غيرهم قد شاركهم في بعضها.
وقد روى أبو داود في حديث العشاء: اعتموا بهذه الصلاة، فإنكم قد فضلتم بها على سائر
الأمم، ولم تصلها أمة قبلكم ولا يرد عليه ما ورد أن العشاء ليونس، لأنه أجيب بأنها كانت له
نافلة ولم تكتب على أمته، كالتهجد وجب على نبينا دوننا، وبغير ذلك كما مر في الخصائص،
(رواه الترمذي وغيره) كأبي داود وأحمد والشافعي، وصححه الحاكم وضعفه ابن بطال بحديث

٢٨٨
الفصل الثاني في ذكر تعيين الأوقات التي صلى فيها عَّة الصلوات الخمس
وقوله «صلى بي الظهر حين كان ظله مثله)) أي فرغ منها حينئذٍ، كما شرع في
العصر في اليوم الأول، وحينئذ فلا اشتراك بينهما في وقت، ويدل له حديث مسلم
((وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم تحضر العصر)).
وقوله في حديث جابر ((فصلى الظهر حين زالت الشمس)) يقتضي جواز فعل
الظهر إذا زالت الشمس، ولا ينتظر بها وجوبًا ولا ندبًا مصير الفيء، مثل الشراك،
كما اتفق عليه أئمتنا ودلت عليه الأخبار الصحيحة، وأما حديث ابن عباس فالمراد
الصحيحين أن عمر بن عبد العزيز أخر العصر، فأنكر عليه عروة بن الزبير، وروى له حديث صلاة
جبريل بالمصطفى مرة واحدة، قال: فلو كان هذا الحديث صحيحًا لم ينكر عروة على عمر
صلاته آخر الوقت محتجًا بصلاة جبريل مع أنه قد صلى في اليوم الثاني في آخر الوقت، وقال:
الوقت ما بين هذين. وأجبت باحتمال أن صلاة عمر خرجت عن وقت الاختيار وهو مصير ظل
كل شىء مثليه، لا عن وقت الجواز وهو مغيب الشمس، فسحه إنكار عروة ولا يلزم منه ضعف
الحديث؛ وبأن عروة أنكر مخالفة ما واظب عليه النبي عَّه، وهو الصلاة في أول الوقت، ورأى
أن الصلاة بعد ذلك إنما هي لبيان الجواز، فلا يلزم منه ضعف الحديث أيضًا.
وقد روى سعيد بن منصور عن طلق بن حبيب مرسلاً، أن الرجل ليصلي الصلاة وما فائته،
ولما فاته من وقتها خبر له من أهله وماله، (وقوله: ((صلى بي الظهر حين كان ظله مثله)). أي:
فرغ منها حينئذٍ،) أي: حين فراغه منها، (كما شرع في العصر في اليوم الأول،) وهذا تأويل
(وحينئذٍ فلا اشتراك بينهما في وقت) بقدر إحداهما كما تقول المالكية، ثم اختلفوا هل في
آخر وقت الظهر، أو في أول وقت العصر، مبناه: هل معنى صلى فرغ أو شرع، وهو ظاهر
الحدیث.
وقال ابن العربي: بالله ما بينهما اشتراك، ولقد زلت فيه أقدام العلماء، (ويدل له حديث
مسلم) عن عبد الله بن عمرو، مرفوعًا: ((وقت الظهر إذا زالت الشمس) زاد في رواية لمسلم:
عن بطن السماء (ما لم تحضر العصر))، وقوله في حديث جابر: فصلى الظهر حين زالت
الشمس يقتضي جواز فعل الظهر،) أي: صلاتها (إذا زالت الشمس، ولا ينتظر بها وجوبًا ولا
ندبًا مصير الفيء مثل الشراك) (بالكسر سير النعل)، (كما اتفق عليه أئمتنا ودلت عليه الأخبار
الصحيحة) وكذا اتفق عليه أئمة غيرهم إلا الكوفيين، فقالوا: لا تجب بأول الوقت.
ونقل ابن بطال أن الفقهاء بأسرهم على خلاف ما نقل الكرخي عن أبي حنيفة؛ أن الصلاة
في أول الوقت تقع نفلاً.
قال الحافظ: والمعروف عند الحنفية تضعيف هذا القول، قال: والحديث يقتضي أيضًا أن

٢٨٩
الفصل الثاني في ذكر تعيين الأوقات التي صلى فيها عَّةِ الصلوات الخمس
به أنه حين زالت الشمس كان الفيء حينئذٍ مثل الشراك، لأنه أخر إلى أن صار
مثل الشراك. ذكره في المجموع.
وقد بيَّن ابن إسحاق في المغازي أن صلاة جبريل به عَّ لةٍ كانت صبيحة
الليلة التي فرضت فيها الصلاة، وهي ليلة الإسراء. ولفظه:
قال نافع بن جبير وغيره: لما أصبح رسول الله عَّ لةٍ من الليلة التي أسري به
لم يرعه إلا جبريل نزل حين زاغت الشمس، ولذلك سميت ((الأولى)) - أي صلاة
الظهر - فأمر فصيح بأصحابه: ((الصلاة جامعة))، فاجتمعوا فصلى به جبريل وصلى
النبي عَّه بأصحابه. فذكر الحديث وفيه رد على من زعم أن بيان الأوقات إنما
الزوال أول وقت الظهر إذ لم ينقل أنه صلى قبله، وهذا هو الذي استقر عليه الإجماع وكان فيه
خلاف قديم عن بعض الصحابة أنه جوّز صلاة الظهر قبل الزوال، ومثله عن أحمد وإسحق في
الجمعة. انتهى.
(وأما حديث ابن عباس، فالمراد به أنه حين زالت الشمس كان الفيء حينئذٍ مثل
الشراك، لأنه أخر إلى أن صار مثل الشراك،) وإن كان ذلك ظاهره لمخالفة غيره من
الأحاديث، وهي يفسر بعضها بعضًا، (ذكره في المجموع) شرح المهذب للنووي، (وقد بين)
محمد (بن إسحق) بن يسار (في المغازي أن صلاة جبريل به عَّةٍ كانت صبيحة الليلة التي
فرضت فيها الصلاة، وهي ليلة الإسراء، ولفظه) كما في الفتح: حدثني عتبة بن مسلم عن
نافع بن جبير.
وقال عبد الرزاق عن ابن جريج، قال: (قال نافع بن جبير) (بضم الجيم) ابن مطعم بن
عدي النوفلي (وغيره،) فسقط من قلم المصنف أو نساخه بعض الكلام: (لما أصبح
رسول اللَّه عٍَّ من الليلة التي أسري به) فيها (لم يرعه) (بفتح الياء وضم الراء وإسكان العين)
لم يفزعه (إلا جبريل نزل حين زاغت) (بغين معجمة)، أي: مالت (الشمس ولذلك سميت
الأولى، أي صلاة الظهر) لأنها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي عَّة صبيحة الإسراء على
المشهور في الأحاديث، ولابن أبي خيثمة والدارقطني وابن حبان في الضعفاء بإسناد ضعيف عن
ابن عباس: لما فرضت الصلاة على رسول اللَّه عَ لَّهِ أتاه جبريل، فصلى به الصبح حين طلع
الفجر.
وفي حديث أبي هريرة عند النسائي، قال عێٍ: «هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم))، فصلى
الصبح حين طلع الفجر، (فأمر) عَّةٍ، (فصيح بأصحابه الصلاة جامعة،) برفعهما ونصبهما، ورفع
الأول ونصب الثاني وعكسه، (فاجتمعوا وصلى به جبريل، وصلى النبي عَّهُ بأصحابه، فذكر

٢٩٠
الفصل الثاني في ذكر تعيين الأوقات التي صلى فيها عَّهِ الصلوات الخمس
صلى الله
وقع بعد الهجرة، والحق أن ذلك وقع قبلها ببيان جبريل، وبعدها ببيان النبي
وإنما دعاهم بقوله: ((الصلاة جامعة)) لأن الأذان لم يكن شرع حينئذ.
واستدل بهذا الحديث على جواز الإئتمام بمن يأتم بغيره.
ويجاب عنه بما يجاب عن قصة أبي بكر في صلاته خلف النبي عليه
وصلاة الناس خلفه، فإنه محمول على أنه كان مبلغًا فقط، كما يأتي تقريره إن
شاء الله تعالى.
وقد صلى النبي عَّ العصر والشمس في حجرة عائشة لم يظهر الفيء من
الحديث، وفيه رد على من زعم أن بيان الأوقات إنما وقع بعد الهجرة، والحق أن ذلك
وقع قبلها ببيان جبريل) صبيحة المعراج (وبعدها بيان النبي عَّة) كما دلت عليه الأحاديث،
(وإنما دعاهم بقوله ((الصلاة جامعة))، لأن الأذان لم يكن شرع حينئذٍ،) وإنما شرع بالمدينة.
(واستدل بهذا الحديث على جواز الائتمام بمن يأتم بغيره، ويجاب عنه بما يجاب عن
قصة أبي بكر في صلاته خلف النبي عَّةٍ وصلاة الناس خلفه،) أي: أبي بكر، (فإنه
محمول على أنه) أي: أبا بكر (كان مبلغًا فقط) والإمام النبي عَِّ (كما يأتي تقريره إن
شاء اللّه تعالى) في الإمامة، هكذا قال الحافظ: وتعقبه السيوطي بأنه واضح في قصة أبي بكر،
وأما هنا ففيه نظر، لأنه يقتضي أن الناس اقتدوا بجبريل لا بالنبي عَّه، وهو خلاف الظاهر
والمعهود مع ما في رواية نافع بن جبير من التصريح بخلافه، أي بقوله وصلى به جبريل وصلى
النبي عَّهِ بأصحابه، قال: والأولى أن يجاب بأن ذلك كان خاصًا بهذه الواقعة، لأنها كانت
للبيان المعلق عليه الوجوب، زاد الحافظ: واستدل به أيضًا على جواز صلاة المفترض خلف
المتنفل من جهة أن الملائكة ليسوا مكلفين بمثل ما كلف به الإنس، قاله ابن العربي وغيره،
وأجاب عياض باحتمال أن لا تكون تلك الصلاة، واجبة على النبي عَّهِ حينئذٍ، وتعقبه بما تقدم
من أنها كانت صبيحة ليلة فرض الصلاة وأجاب باحتمال أن الوجوب كان معلقًا بالبيان، فلم
يتحقق الوجوب إلا بعد تلك الصلاة، قال: وأيضًا لا نسلم أن جبريل كان متنفلاً، بل كانت تلك
الصلاة واجبة عليه، لأنه مكلف بتبليغها، فهي صلاة مفترض خلف مفترض، وقال ابن المنير: قد
يتعلق به من يجوز صلاة مفترض بمفترض آخر، كذا قال: وهو مسلم له في صورة المؤداة مثلاً.
خلف المؤداة لا في صورة الظهر خلف العصر مثلاً انتهى رحمه اللّه.
(وقد صلى النبي عَّ العصر والشمس،) أي: ضوءها (في حجرة) (بضم المهملة
وسكون الجيم) بيت (عائشة لم يظهر الفيء) أي: الظل في الموضع الذي كانت الشمس فيه

٢٩١
الفصل الثاني في ذكر تعيين الأوقات التي صلى فيها عَّهِ الصلوات الخمس
حجرتها. رواه البخاري ومسلم.
وقال أنس: كان عَّه يصلى العصر والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب
إلى العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة، وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال.
رواه البخاري ومسلم.
(من حجرتها،) ولا يعارضه رواية الصحيحين أيضًا: والشمس في حجرتها قبل أن تظهر، أي:
ترتفع، لأن السراد بظهور الشمس خروجها من الحجرة، وبظهور الفيء انبساطه في الحجرة،
وذلك لا يكون إلا بعد خروج الشمس، فلا خلف بين الروايتين، (رواه البخاري ومسلم) بطرق
عديدة عن عائشة، (وقال أنس: كان عَّةٍ يصلي العصر والشمس مرتفعة حية) هو من باب
الاستعارة، والمراد بقاء حرها وعدم تغير لونها، والواو للحال، (فيذهب الذاهب إلى العوالي:)
جمع عالية ما حول المدينة من القرى جهة نجدها، أما من جهة تهامتها فيقال السافلة (فيأتيهم
والشمس مرتفعة) دون ذلك الارتفاع لكن لم تصل إلى الحد الذي توصف فيه بأنها منخفضة،
وكان أنشا أراد بالذاهب نفسه كما يشعر بذلك رواية النسائي والطحاوي، واللفظ له عن
أبي الأبيض، عن أنس، قال: كان عَِّ يصلي بنا العصر والشمس بيضاء محلفة، ثم ارجع إلى
قومي في ناحية المدينة، فأقول لهم: قوموا فصلوا، فإن رسول اللَّه عَّ له قد صلى.
قال الطحاوي: نحن نعلم أن قوم أنس لم يكونوا يصلونها إلا قبل اصفرار الشمس، فدل
ذلك على أنه عَّه كان يعجلها؛ وقال السيوطي: بل أراد أعم من ذلك، رواه الدارقطني والطبراني
عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: كان أبعد رجلين من الأنصار من رسول اللَّه عَِّ دار أبو لبانة
وأهله بقباء، وأبو عيسى ومسكنه في بني حارثة، فكانا يصليان معه عَّ ◌ُله، ثم يأتيان قومهما وما
صلوا لتعجيله عَّه بها، (وبعض العوالي) هذا مدرج من الزهري، كما بينه عبد الرزاق عن معمر
عن الزهري في هذا الحديث، فقال: قال الزهري وبعض العوالي (من المدينة على أربعة
أميال،) كذا وقع هنا، أي: بين بعض العوالي والمدينة هذه المسافة، وللبيهقي موصولاً،
والبخاري تعليقًا، وبعد العوالي، (بضم الموحدة ودال مهملة)، وللبيهقي أيضًا أربعة أميال أو
ثلاثة، ولأبي عوانة وأبي العباس السراج عن الزهري العوالي من المدينة على ثلاثة أميال، ووقع
عند المحاملي على ستة أميال، ولعبد الرزاق عن معمر عن الزهري على ميلين أو ثلاثة؛ فتحصل
أن أقرب العوالي مسافة ميلين، وأبعدها ستة إن كانت رواية المحاملي محفوظة، وفي المدونة
عن لملك أبعد العوالي مسافة ثلاثة أميال، كأنه أراد معظم عمارتها، وإلا فأبعدها ثمانية أميال، قاله
عياض، وبه جزم ابن عبد البر وخلق آخرهم صاحب النهاية، ويحتمل أنه أراد أنه أبعد الأمكنة التي
كان يذهب إليها الذاهب في هذه الواقعة، قاله الحافظ ملخصًا، (رواه البخاري ومسلم) من

٢٩٢
الفصل الثاني في ذكر تعيين الأوقات التي صلى فيها عَّةِ الصلوات الخمس
وفي ذلك دليل على تعجيله عَّله بصلاة العصر، لوصف الشمس بالارتفاع
بعد أن تمضي مسافة أربعة أميال، والمراد بالشمس ضوءها.
وعن سلمة بن الأكوع أنه عَّ كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس
وتوارت بالحجاب. رواه البخاري ومسلم والترمذي.
وعن رافع بن خديج: كنا نصلي المغرب معه عَّ فينصرف أحدنا، وإنه
ليبصر مواقع نبله. رواه البخاري ومسلم. والنبل - بفتح النون: السهام العربية.
طرق مدارها علي ابن شهاب عن أنس، (وفي ذلك دليل على تعجيله معَّه بصلاة العصر
الوصف الشمس بالارتفاع) العلو (بعد أن تمضي مسافة أربعة أميال) إذ لا يمكن أن يذهب
الذاهب أربعة أميال، والشمس لم تتغير إلا إذا صلى حين صار ظل كل شىء مثله، (والمراد
بالشمس ضوءها) لا عينها، إذ لا يتصور دخولها في الحجرة حتى يخرج، فهو من باب المجاز،
وكذا المراد في حديث أنس، إذ الذي يوصف بالارتفاع والحياة إنما هو الضوء، أما عينها فلا
تزال بيضاء نقية إلى أن تغرب.
(وعن سلمة بن الأكوع) الصحابي الشهير (أنه عَّةٍ كان يصلي المغرب إذا غربت
الشمس وتوارت،) أي: استترت (بالحجاب) شبه غروبها بتواري المخبأة بحجابها (رواه
البخاري) من ثلاثياته، فقال: حدثنا المكي بن إبراهيم، قال: حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة
(ومسلم) واللفظ له، فأما لفظ البخاري، فقال: كنا نصلي مع النبي عَّهُ المغرب إذا توارت
بالحجاب.
قال الحافظ: المراد الشمس، ولم يذكرها اعتمادًا على إفهام السامعين، كقوله في القرآن
حتى توارت بالحجاب، قاله الخطابي، وقد رواه مسلم من طريق حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن
أبي عبيد، عن سلمة بلفظ: إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب، فدل على أن الاختصار في
المتن من شيخ البخاري، وبه صرح الإسماعيلي، ورواه عبد بن حميد عن صفوان بن عيسى،
وأبو عوانة والإسمعيلي من طريق صفوان أيضًا، عن يزيد، عن سلمة بلفظ: كان يصلي المغرب
ساعة تغرب الشمس حين يغيب حاجبها، والمراد حاجبها الذي يبقى بعد أن يغيب أكثرها،
ورواية توارت أصرح في المراد، (والترمذي) وأبو داود وابن ماجه، (وعن رافع) (بالراء) (ابن
خديج) (بفتح المعجمة وكسر المهملة وإسكان التحتية وجيم)، قال: (كنا نصلي المغرب
معه)، اختصارًا لقوله مع النبي (صَّ فيتصرف أحدنا) من المسجد، (وإنه ليبصر) بضم
التحتية واللام) للتأكيد (مواقع) محل وقوع (نبله) لبقاء الضوء، أي: المواضع التي تصل إليها
سهامه إذا رمى بها، وروى أحمد بإسناد حسن عن ناس من الأنصار، قالوا: كنا نصلي مع

٢٩٣
الفصل الثاني في ذكر تعيين الأوقات التي صلى فيها معَِّ الصلوات الخمس
أي يبصر مواقع سهامه إذا رمى بها، ومقتضاه المبادرة بالمغرب في أول
وقتها، بحيث إن الفراغ منها يقع والضوء باق.
وكان عَّهِ إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عجل، رواه النسائي
من حديث أنس.
ويؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية. رواه أبو داود من حديث
علي بن شيبان.
وقال عليه السلام: ((إذا قُدِّم العَشاء فابدؤا به قبل صلاة المغرب ولا تعجلوا
النبي عَة المغرب، ثم نرجع فنترامى حتى نأتي ديارنا، فما يخفى علينا مواقع سهامنا.
(رواه البخاري ومسلم) وابن ماجه (والنبل - بفتح النون -) وسكون الموحدة (السهام
العربية) وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها، قاله ابن سيده، وقيل: واحدها نبلة مثل تمر وتمرة،
(أي: يبصر مواقع سهامه إذا رمى بها،) لأنهم كانوا يترامون بها في رجوعهم كما علم،
(ومقتضاه المبادرة بالمغرب في أول وقتها، بحيث أن الفراغ منها يقع، والضوء باق) من
قوله: ليبصر مواقع نبله، وفيه أيضًا دلالة على عدم تطويلها؛ وأما الأحاديث الدالة على التأخير
لقرب الشفق، فلبيان الجواز.
(وكان ◌َّ إذا كان الحر أبرد بالصلاة) الباء للتعدية أو زائدة، أي: أخرها حتى تنكسر شدة الحر، والمراد
بها الظهر، لأنها التي يشتد الحر غالبًا في أول وقتها، وقد صح أبردوا بالظهر، فيحمل المطلق على المقيد، وحمل
بعضهم الصلاة على عمومه بناء على أن المفرد المعرف يعم، فقال به أشهب: في العصر، وأحمد في رواية عنه في
العشاء، حيث قال: تؤخر في الصيف دون الشتاء، ولم يقل به أحد في المغرب ولا في الصبح لضيق وقتهما، (وإذا
كان البرد عجل) الصلاة في أول وقتها، (رواه النسائي من حديث أنس) بن ملك (و) كان (يؤخر العصر)
أحيانًا (ما دامت الشمس بيضاء نقية) بنون فقاف، أي خالصة صافية لم يتغير لونها، (رواه أبو داود من حديث
علي بن شيبان) بن محرز بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن عبد العزى بن سحيم الحنفي السحيمي اليمامي أبو
يحيى أحد وفد بني حنيفة له أحاديث عند البخاري في الأدب المفرد وأبو داود (وابن حبان وابن خزيمة، منها من
طريق عبد الله بن بدر، عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان،) عن أبيه وكان أحد الوفد، قال: خرجنا حتى قدمنا
على رسول اللَّه عَّة، فبايعناه كما في الإصابة، وفي التقريب صحابي تفرد عنه ابنه عبد الرحمن.
(وقال عليه السلام: ((إذا قدم) بضم القاف وكسر الدال المشددة، وفي رواية: إذا وضع،
وأخرى إذا حضر (العشاء:) بفتح العين والمد الطعام المأكول عشية وهو ضد الغداء، زاد في
رواية لابن حبان والطبراني: ((وأحدكم صائم)»، (فابدؤا به قبل صلاة المغرب،) ثم

٢٩٤
الفصل الثاني في ذكر تعيين الأوقات التي صلى فيها عَِّ الصلوات الخمس
عن عشائكم. رواه البخاري ومسلم.
وعند أبي داود: ولا تؤخروا الصلاة لطعام ولا غيره.
وأعتم عَِّ بالعشاء ليلة، حتى ناداه عمر: الصلاة، نام النساء والصبيان،
صلوها ليكون القلب فارغًا لمناجاة الرب، (ولا تعجلوا:)
قال الحافظ: بضم الفوقية وفتحها والجيم مفتوحة فيهما، ويروى بضم أوله وكسر الجيم
(عن عشائکم)) لئلا يشتغل قلبکم به، (رواه البخاري ومسلم) من حديث أنس.
(وعند أبي داود) عن جابر، مرفوعًا: ((لا تؤخروا الصلاة لطعام ولا غيره)،) ولا معارضة
بينهما إذ هو محمول على من لم يشتغل قلبه بالطعام جمعًا بين الأحاديث، وروته عائشة بلفظ:
(إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة، فابدؤا بالعشاء))، وفي رواية عنها بلفظ: ((إذا حضر))، وابن عمر
بلفظ: ((إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدؤا بالعشاء، ولا یعجل حتی یفرغ منه»،
وكلها في الصحيحين، لكن الذي رووه في حديث عائشة، بلفظ: ((وضع)) أكبر كما قاله
الإسمعيلي.
قال الحافظ: والفرق بينهما أن الحضور أعم من الوضع، فيحمل قوله حضر، أي بين يديه
لتأتلف الروايتان لاتحاد المخرج، ويؤيده حديث أنس رضي الله عنه، بلفظ: إذا قدم، ولمسلم: إذا
قرب، وعلى هذا فلا يماط الحكم بما إذا حضر العشاء، لكن لم يقرب، كما لو لم يعرف، وظن قوم
أن هذا من تقديم حق العبد على حق اللَّه.
قال ابن الجوزي: وليس كذلك، وإنما هو صيانة لحق اللّه ليدخل الخلق عبادته بقلوب مقبلة،
ثم ان طعام القوم كان قليلاً لا يقطع عن لحاق الجماعة غالبًا، هذا وما يقع في بعض كتب الفقه:
((إذا حضر العشاء والعشاء فابدؤا بالعشاء»، فلا أصل له في كتب الحديث بهذا اللفظ، كما في
شرح الترمذي لشيخنا أبي الفصل، لكن رأيت بخط الحافظ قطب الدين، يعني: الحلبي أخرج ابن
أبي شيبة عن إسماعيل بن علية، عن ابن إسحق، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة، مرفوعًا: ((إذا
حضر العشاء ((وحضرت العشاء فابدؤا بالعشاء))، قال: كان ضبطه فذاك، وإلا فقد رواه أحمد في
مسنده عن إسماعيل، بلفظ: وحضرت الصلاة، ثم راجعت مصنف ابن أبي شيبة، فرأيت الحديث فيه
کما أخرجه أحمد. انتهى.
(وأَعتم) (بفتح الهمزة والفوقية واسكان المهملة بينهما) (عَّ﴾. بالعشاء) أي: أخر صلاتها
(ليلة) من الليالي، وكانت عادته تقديمها (حتى ناداه عمر) بن الخطاب (الصلاة) بالنصب على
الاغراء، قاله المصنف، وقال الحافظ: بالنصب بفعل مضمر تقديره مثلا صل الصلاة، وساغ هذا
الحذف لدلالة السياق عليه (نام النساء والصبيان،) أي: الحاضرون في المسجد، وإنما خصهم
بذلك لأنهم مظنة قلة الصبر عن النوم، ومحل الشفقة والرحمة بخلاف الرجال.

٢٩٥
الفصل الثاني في ذكر تعيين الأوقات التي صلى فيها عَّ الصلوات الخمس
فخرج عَّله فقال: ((ما ينتظرها من أهل الأرض أحد غيركم))، قال: ولا تصلى
يومئذ إلا بالمدينة، وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول.
زاد في روايه: وذلك قبل أن يفشو الإسلام.
وفي رواية: فخرج ورأسه يقطر ماء يقول: ((لولا أن أشق على أمتي، أو على
الناس، لأمرتهم بالصلاة هذه الساعة)). رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية أبي داود من حديث أبي سعيد: فلم يخرج حتى مضى نحو من
شطر الليل، فقال: ((خذوا مقاعدكم))، فأخذنا مقاعدنا، فقال: ((إن الناس قد صلوا
وأخذوا مضاجعهم، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة، ولولا ضعف
الضعيف، وسقم السقيم لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل)).
وفي حديث أبي هريرة: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء
وفي حديث ابن عمر في هذه القصة: حتى رقدنا في المسجد ثم استيقظنا، ونحوه في
حديث ابن عباس، وهو محمول على أن الذي رقد بعضهم لا كلهم، ونسبة الرقاد إلى الجميع
مجاز، (فخرج ◌َّه، فقال) لأهل المسجد: ((ما ينتظرها) أي: الصلاة في هذه الساعة (من أهل
الأرض أحد غيركم))) (بالرفع) صفة أحد (والنصب) على الاستثناء، قاله المصنف، (قال) أي:
الراوي وهو عائشة: (ولا تصلى) (بضم الفوقية وفتح اللام المشددة)، أي: العشاء في جماعة
(يومئذ إلا بالمدينة،) لأن من كان بمكة من المستضعفين لم يكونوا يصلون إلا سرًّا، وأما غير
مكة والمدينة من البلاد فلم يكن الإسلام دخلها، (وكانوا) أي: النبي عَّة. وأصحابه (يصلون
فيما بين أن يغيب الشفق) الأحمر المنصرف إليه الاسم (إلى ثلث الليل الأول) (بالجر صفة
لثلث)، وفي هذا بيان الوقت المختار لصلاة العشاء لما يشعر به السياق من المواظبة على ذلك،
وقد ورد بصيغة الأمر في هذا الحديث عند النسائي، بلفظ: ثم قال: ((صلوها فيما بين أن يغيب
الشفق إلى ثلث الليل))، وليس بين هذا وبين قوله في حديث أنس انه أخرها إلى نصف الليل
معارضة، لأن حديث عائشة محمول على الأغلب من عادته علي كما في الفتح.
(زاد في رواية) عن عائشة اعتم عَّ ليلة بالعشاء، (وذلك قبل أن يفشو الإسلام) أي
في غير المدينة، وإنما فشا الإسلام في غيرها بعد فتح مكة.
(وفي رواية) عن ابن عباس: اعتم عَ ليلة بالعشاء حتى رقد الناس واستيقظوا، ورقدوا
واستيقظوا، فقام عمر، فقال: الصلاة، (فخرج) نبي اللَّه (ورأسه يقطر ماء) تمييز محول عن
الفاعل، أي ماء رأسه، قال الحافظ: وكأنه اغتسل قبل أن يخرج، (يقول: ((لولا أن أشق على
أمتي أو على الناس،) شك الراوي (لأمرتهم بالصلاة هذه الساعة)) ليقل حظ النوم وتطول مدة

٢٩٦
الفصل الثاني في ذكر تعيين الأوقات التي صلى فيها عَّ الصلوات الخمس
إلى ثلث الليل أو نصفه))، صححه الترمذي.
فعلى هذا: من وجد به قوة على تأخيرها ولم يغلبه النوم، ولم يشق على
أحد من المأمومين فالتأخير في حقه أفضل.
وقد قرر ذلك النووي في شرح مسلم، وهو اختيار كثير من أهل الحديث
من الشافعية وغيرهم.
وقال الطحاوي: يستحب إلى الثلث، وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحابة
والتابعين، وهو قول الشافعي في الجديد.
الصلاة فيكثر أجرهم، لأنهم في صلاة ما داموا ينتظرون الصلاة، (رواه) أي: المذكور من
الروايتين (البخاري ومسلم) الرواية الأولى عن عائشة، والثانية عن ابن عباس، وزاد مسلم عقب
حديث عائشة، قال ابن شهاب: وذكر لي أن رسول اللَّه عَّ قال: ((وما كنا لكم أن تنزروا
رسول اللَّه عَ لّه للصلاة)، وذلك حين صاح عمر، وقوله: تنزروا (بفتح الفوقية وسكون النون وضم
الزاي بعدها راء) أي: تلحوا، وروى بضم أوله فموحدة فراء مكسورة فزاي، يعني: تخرجوا.
(وفي رواية أبي داود) والنسائي وأحمد وابن خزيمة وغيرهم (من حديث أبي سعيد:)
صلينا مع رسول اللَّه عَّ صلاة العتمة (فلم يخرج حتى مضى نحو من شطر الليل) أي:
قريب من نصفه، (فقال: ((خذوا مقاعدكم))) أي اجلسوا، (فأخذنا مقاعدنا، فقال: ((إن الناس قد
صلوا وأخذوا مضاجعهم،) أي ناموا، (وإنكم لن تزالوا في صلاة،) أي: ثوابها (ما انتظرتم
الصلاة، ولولا ضعف الضعيف) خلقه، (وسقم السقيم) مرض المريض أسقط من حديث
أبي سعيد المذكور، وحاجة ذي الحاجة (لآخرت هذه الصلاة) أي: العشاء (إلى شطر الليل)،)
أي: نصفه.
(وفي حديث أبي هريرة: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى
ثلث الليل أو نصفه))،) يحتمل الشك وغيره (صححه الترمذي،) وخوف المشقة إنما يرفع طلب
الراجحية، لأن الحكم باق لمن تكلفها، ففيه فضل التأخير، لأنه نبه على تفضيله بتصريحه أن
ترك الأمر به إنما هو للمشقة، (فعلى هذا من وجد به قوة على تأخيرها ولم يغلبه النوم، ولم
يشق على أحد من المأمومين، فالتأخير في حقه أفضل، وقد قرر ذلك النووي في شرح
مسلم، وهو اختيار كثير من أهل الحديث، من الشافعية وغيرهم) ونقل ابن المنذر عن الليث،
واسحق أن المستحب تأخير العشاء إلى قبل الثلث.
(وقال الطحاوي: يستحب إلى الثلث، وبه قال لملك) في رواية (وأحمد وأكثر الصحابة
والتابعين، وهو قول الشافعي في الجديد) أي: الذي قاله بمصر، (وقال في القديم) الذي قاله

٢٩٧
الأول في صفة افتاحه مَّه.
وقال في القديم: التعجيل أفضل. وكذا قال في ((الإملاء)) وصححه النووي
وجماعة، وقالوا: إنه مما يفتى به على القديم.
وتعقب: بأنه ذكره في ((الإملاء)) وهو من كتبه الجديدة.
والمختار من حيث الدليل أفضلية التأخير، قاله في فتح الباري.
الفصل الثالث
في ذكر كيفية صلاته عاء
وفيه فروع:
الأول في صفة افتاحه.
روى أبو داود أنه عَِّ سمع بلالاً يقيم الصلاة، فلما قال: قد قامت الصلاة،
بالعراق: (التعجيل) أو الوقت (أفضل).
(وكذا قال في الاملاء وصححه النووي وجماعة، وقالوا: إنه مما يفتي به على
القديم، وتعقب بأنه ذكره في الإملاء، وهو من كتبه الجديدة،) فليس على القديم فقط
وحاصله أنه قال بالقولين في الجديد، فيترجح التعجيل بموافقة القديم، (والمختار من حيث
الدليل أفضلية التأخير،) ولا يعارضة فضيلة أول الوقت لما في الانتظار من الفضل، (قاله في
فتح الباري) وأسقط منه ومن حيث، أي: والمختار من حيث النظر التفصيل والله أعلم انتهى.
والمعتمد عند المالكية والشافعية تفضيل التقديم، وقد جاء ما يدل على نسخ التأخير، روى
أحمد والطبراني بسند حسن عن أبي بكرة، قال: أخر النبي مَّهُ. صلاة العشاء تسع ليال، فقال له
أبو بكر، أي: الصديق: يا رسول اللَّه لو أنك عجلت بنا لكان أمثل لقيامنا بالليل، فكان بعد ذلك
یعجل.
وقال ابن بطال: لا يصلح التأخير الآن للأئمة، لأنه عَّلِ أمر بالتخفيف، وقال: إن فيهم
الضعيف والسقيم وذا الحاجة، فترك التطويل عليهم بالانتظار أولى.
الفصل الثالث: في ذكر كيفية صلاته ◌ٌـ
أي: الصفة المتعلقة بها أعم من كونها قائمة بالصلاة أو مقدمة عليها، فلا يرد عدة من
جملة الصفة أقامها اللَّه وأدامها، (وفيه فروع الأول في صفة افتتاحه عَّله،) أي: وما يفعله من
التكبير والتعوذ ودعاء الافتتاح ورفع اليدين، ولعله تجوز بالافتتاح عن مطلق السنن التي تفعل في
الصلاة.
(روى أبو داود) عن أبي أمامة، أو عن بعض أصحاب النبي عٍَّ (أنه عٍَّ سمع بلالا

٢٩٨
الأول في صفة الفتاحه مَّ
قال: ((أقامها الله وأدامها)).
وكان عَبْدٍ يفتتح الصلاة بالتكبير. رواه عبد الرزاق من حديث عائشة.
وروى البخاري عن ابن عمر قال: رأيت رسول الله عَ ل افتتح التكبير في
الصلاة.
واستدل به على تعين لفظ ((التكبير)) دون غيره من ألفاظ التعظيم، وهو قول
الجمهور، ووافقهم أبو يوسف.
وعن الحنفية: تنعقد بكل لفظ يقصد به التعظيم.
وقد روى البزار بإسناد صحيح، على شرط مسلم، عن علي أن النبي
كان إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر.
يقيم الصلاة) لفظ أبي داود؛ أن بلالاً أخذ في الإقامة، (فلما قال: قد قامت الصلاة، قال)
النبي عَّ: ((أقامها اللَّه وأدامها))) دعاء أو خبر، والظاهر الأول، قال الشارح، وفيه دلالة على أن
بلالاً أقامها بمعرفته عليه الصلاة والسلام، لأنه لا يفعلها بدون إشارة منه، كذا قال: (وكان ◌َّ
يفتتح الصلاة بالتكبير) أي: قول اللّه أكبر، فلا يجزي غيرها، ولو قال: اللَّه الكبير لفوات مدلول
أفعل التفضيل بناء على أن معناه أكبر من أن يدرك كنه عظمته، وقيل: إنه بمعنى الكبير، فلا فرق
بينهما إلا بأن المسموع المعروف في عرف الشرع واللغة: اللَّه أكبر، والمحل محل اتباع
الحديث: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))، كما قرره عياض وغيره، (رواه عبد الرزاق من حديث
عائشة) رضي اللَّه عنها.
(وروى البخاري عن ابن عمر قال: رأيت رسول الله له افتتح التكبير) نصف بنزع
الخافض، أي: بالتكبير (في الصلاة، واستدل به على تعين لفظ التكبير دون غيره من ألفاظ
التعظيم،) كالعظيم والرحمن، (وهو قول الجمهور، وافقهم أبو يوسف) صاحب أبي حنيفة.
(وعن الحنفية تتعقد) الصلاة (بكل لفظ يقصد به التعظيم،) ومن حجة الجمهور حديث
رفاعة في قصة المسيء صلاته عند أبي داود، بلفظ: لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ،
فيضع الوضوء مواضعه، ثم يكبر، ورواه الطبراني، بلفظ: ثم يقول اللَّه أكبر، وحديث أبي حميد:
كان عٍَّ إذا قام إلى الصلاة، فاعتدل قائمًا ورفع يديه، ثم قال اللَّه أكبر، رواه ابن ماجة وصححه
ابن خزيمة وابن حبان.
(وقد روى البزار بإسناد صحيح على شرط مسلم عن علي) رضي الله عنه (أن
النبي ◌ٍَّ كان إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر،) وهذا كخير أبي حميد وابن عمر فيه بيان

٢٩٩
الأول فى صفة افتاحه عَـ
ولأحمد والنسائي من طريق واسع بن حبان أنه سأل ابن عمر عن صلاة
رسول الله عَّالله فقال: الله أكبر كلما وضع ورفع.
وليعلم أن تكبيره الإحرام ركن عند الجمهور، وقيل: شرط، وهو مذهب
الحنفية، ووجه عند الشافعية، وقيل سنة، قال ابن المنذر: ولم يقل به أحد غير
الزهري.
ولم يختلف أحد في إيجاب النية للصلاة. قال البخاري - في أواخر
الإيمان: باب ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام (الأعمال بالنية))، فدخل فيه
الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة.
وقال ابن القيم في الهدي النبوي: كان ◌َّدٍ إذا قام إلى الصلاة قال: الله
أكبر، ولم يقل شيئًا قبلها، ولا تلفظ بالنية، ولا قال: أصلي صلاة كذا مستقبل
القبلة أربع ركعات إمامًا أو مأمومًا، ولا أداء ولا قضاء، ولا فرض الوقت. قال:
أن التكبير قول الله أكبر، فلو قال: أكبر اللَّه أو غيره مما يخالف هذا اللفظ لم يعتد به، (ولأحمد
والنسائي من طريق واسع بن حبان) (بفتح المهملة والموحدة الثقيلة؛ (أنه سأل ابن عمر عن
صلاة رسول اللَّه عَلَّه، فقال:) كان يقول (الله أكبر كلما وضع ورفع، وليعلم أن تكبيرة
الإحرام ركن عند الجمهور، وقيل: شرط وهو مذهب الحنفية، ووجه عند الشافعية، وقيل:
سنة.
(قال ابن المنذر: ولم يقل به أحد غير الزهري) قال الحافظ، ونقله غيره عن سعيد بن
المسيب والأوزاعي ولملك ولم يثبت عن أحد منهم صريحًا، وإنما قالوا فيمن أدرك الإمام راكعًا:
تجزئه تكبيرة الركوع، نعم نقله الكرخي من الحنفية عن إبراهيم بن علية وأبي بكر بن الأصم،
ومخالفتهما للجمهور كثيرة، (ولم يختلف أحد في إيجاب النية للصلاة،) أي وجوبها تجوز
الآن الإيجاب خطاب الشارع والوجوب ما يتعلق بالمكلف، وهو المراد.
(قال البخاري في أواخر) كتاب (الإيمان باب ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام:
الأعمال بالنية، فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة) إلى آخر كلامه، وقد سبق في
أول هذا المقصد.
(قال ابن القيم في الهدى النبوي: كان عٍَّ إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر، ولم
يقل شيئًا قبلها، ولا تلفظ بالنية،) هذه واحدة، والثانية قوله: (ولا قال أصلي،) والثالثة (صلاة)
والرابعة (كذا) أي: الصبح مثلاً، والخامسة (مستقبل القبلة) والسادسة (أربع ركعات) والسابعة

٣٠٠
الأول في صفة افتاحه .
وهذه عشر بدع لم ينقل عنه عَّ ◌ُلِّ أحد قط بإسناد صحيح، ولا ضعيف ولا مسند ولا مرسل لفظة
واحدة البتة بل ولا عن أحد من الصحابة، ولا استحبه أحد من التابعين، ولا الأئمة الأربعة. وقول
الشافعي: في الصلاة ((إنها ليست كالصيام فلا يدخل أحد فيها إلا بذكر)) أي تكبيرة الإحرام ليس
إلا، وكيف يستحب الشافعي أمرًا لم يفعله عَّله في صلاة واحدة، ولا أحد من الصحابة.
وعبارة الشافعي في كتاب المناسك: ((ولو نوى الإحرام بقلبه، ولم يلب
أجزأه، وليس كالصلاة، لأن في أولها نطقًا واجبًا))، هذا نصه.
قال الشيخ أبو علي السنجي في شرح التلخيص، وابن الرفعة في المطلب،
والزركشي في الديباج وغيرهم: إنما أراد الشافعي بذلك تكبيرة الإحرام قطعًا، انتهى.
وبالجملة: فلم ينقل أحد أنه عليه السلام تلفظ بالنية، ولا علَّم أحدًا من
أصحابه التلفظ بها، ولا أقره على ذلك. بل المنقول عنه في السنن أنه قال: ((مفتاح
(إمامًا أو مأمومًا) والثامنة (ولا أداء) والتاسعة (ولا قضاء) والعاشرة (ولا فرض الوقت، قال:
وهذه عشر بدع) علم عدها، (لم ينقل عنه عَّةٍ أحد قط بإسناد صحيح، ولا ضعيف ولا
مسند) أي: موصول، (ولا مرسل لفظة واحدة البتة) (بقطع الهمزة)، (بل ولا عن أحد من
الصحابة، ولا استحبه أحد من التابعين ولا الأئمة الأربعة).
(وقول الشافعي في الصلاة أنها ليست كالصيام، فلا يدخل أحد فيها إلا بذكر، أي:
تكبيرة الإحرام) لأنها ذكر (ليس إلا) أي: ليس شىء غير ذلك، وهذا جواب إيراد على قوله
ولا الأئمة الأربعة، يخالف قول الشافعي: لا يدخل فيها إلا بذكر، فأجاب بما حاصله أن التنوين
للنوعية، أي: نوع خاص منه، وهو تكبيرة الإحرام، (وكيف يستحب الشافعي أمرًا لم يفعله عَّة.
في صلاة واحدة، ولا أحد من الصحابة،) استبعاد لحمل كلام الشافعي على شىء من ذلك مع
جلالته ومعرفته بالسنة وأقوال الصحابة وأفعالهم، (وعبارة الشافعي في كتاب المناسك: ولو
ندى الإحرام بقلبه ولم يلب أجزأه،) يعني: انعقد (وليس كالصلاة، لأن في أولها نطقًا واجبًا
هـذا نصه).
(قال الشيخ أبو علي السنجي في شرح التلخيص، وابن الرفعة في المطلب،
والزركشي في الديباج،) أي: شرحه الصغير على المنهاج (وغيرهم: إنما أراد الشافعي بذلك،)
أي: قوله في أولها نطقًا (تكبيرة الإحرام قطعًا) لقوله واجبًا. (انتهى).
(وبالجملة فلم ينقل أحد أنه عليه السلام تلفظ بالنية، ولا علم أحدًا من الصحابة
التلفظ بها ولا أقره على ذلك، بل المنقول عنه في السنن) لأبي داود والترمذي وابن ماجه