النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ الفصل الثاني في وضوئه عَّه مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا واحدة أو زاد على ثلاثة فقد أخطأ)، وهو مرسل رجاله ثقات. وأجيب عن الحديث أيضاً: بأن الرواة لم يتفقوا على ذكر النقص فيه، بل أكثرهم يقتصر على قوله: فمن زاد، فقط، كذا رواه ابن خزيمة في صحيحه وغيره. قال الشافعي: لا أحب أن یزید المتوضیء على ثلاث، فإنزادلم أکرهه، أي لم أحرمه، لأن قوله: لا أحب، يقتضي الكراهة وهذا هو الأصح عند الشافعية أنه يكره كراهة تنزيه. وحكى الدارمي من الشافعية عن قوم أن الزيادة على الثلاث تبطل الوضوء، کالزيادة في الصلاة، وهو قیاس فاسد. وقال أحمد وإسحلق وغيرهما: لا تجوز الزيادة على الثلاث. وقال ابن المبارك: لا آمن أن يأثم. التدليس والإرسال فنسبه إلى جده حنطب بسكون النون ووقع ليحيى الأندلسي في الموطأ تسميته حويطب وغلطوه (مرفوعًا: ((الوضوء مرة ومرتين وثلاثًا) أي كل منها جائز (فإن نقص من واحدة أو زاد على ثلاثة فقد أخطأ وهو مرسل) لأن المطلب تابعي صغير (رجاله ثقات) ففيه بيان ما أجمل في حديث عمرو بن شعيب (وأجيب عن الحديث أيضًا) أي حديث عمرو: (بأن الرواة لم يتفقوا على ذكر النقص فيه بل أكثرهم يقتصر على قوله فمن زاد فقط كذا رواه ابن خزيمة في صحيحه وغيره.) ومن الغرائب ما حكاه أبو حامد الإسفرايني من بعض العلماء أنه لا يجوز النقص من الثلاث كأنه تمسك بظاهر الحديث المذكور وهو محجوج بالإجماع؛ وأما قول مالك في المدوّنة لا أحب الواحدة إلا من العالم فليس فيه إيجاب زيادة عليها قاله الحافظ. (قال الشافعي: لا أحب أن يزيد المتوضىء على ثلاث فإن زاد لم أكرهه أي لم أحرمه لأن قوله لا أحب يقتضي الكراهة وهذا هو الأصح عند الشافعية أنه يكره) الزيادة على الثلاث (كراهة تنزيه) وقيل يحرم، والقولان مشهوران على حد سواء عند المالكية، (وحكى الدارمي من الشافعية عن قوم أن الزيادة على الثلاث تبطل الوضوء كالزيادة في الصلاة وهو قياس فاسد) لأن الصلاة كلها شىء واحد تفسد بدخول ما ليس منها فيها فبطلت بالزيادة، بخلاف الوضوء فكل واحد من أفعاله مستقل ولو فعل معه أجنبيًا عنه لم يبطل كأكل وشرب وكلام (وقال أحمد وإسحق وغيرهما: لا تجوز الزيادة على الثلاث) وقال بعض الحنفية: إن اعتقد أن الزيادة سنة أخطأ ودخل في الوعيد وإلا فلا ولا سيما إذا قصد القربة لحديث الوضوء ٢٢٢ الفصل الثالث في صفة وضوئه علـ ويلزم من القول بتحريم الزيادة على الثلاث أو كراهتها أنه لا يندب تجديد الوضوء على الإطلاق. الفصل الثالث صِّى اللّه في صفة وضوئه عايشة. عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه دعا بإناء فأفرغ على يديه ثلاث مرات فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثًا ويديه ثلاثًا إلى المرفقين، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرات إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله عَليهٍ: ((من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث على الوضوء نور على نور وهو حديث ضعيف، (وقال ابن المبارك: لا آمن أن يأثم) من زاد على الثلاث (ويلزم من القول بتحريم الزيادة على الثلاث أو كراهتها أنه لا يندب تجديد الوضوء على الإطلاق) أي بلا قيد بل إنما يندب إن صلى بالأول فرضًا أو نفلاً أو فعل به فعلاً يتوقف عليه كمس المصحف وسجدة تلاوة وقيل الفرض فقط وقيل غير ذلك. الفصل الثالث في صفة وضوئه (عن عثمن بن عفان رضى الله عنه أنه دعا بإناء) فيه ماء. وفي رواية: دعا بوضوء (بفتح الواو) اسم للماء المعد للوضوء، (بالضم الذي هو الفعل، (فأفرغ) بناء التعقيب، أي صب (على يديه) وفي رواية: على كفيه (ثلاث مرات) (بفوقية آخره)، وفي رواية مرار (فغسلهما) قبل إدخالهما في الإناء، وهذا يحتمل أنه غسلهما مجموعتين، وهو أفضل عند الشافعية أو مفترقتين، وهو الأفضل عند المالكية، وفيه غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء وإن لم يكن عقب نوم احتياطًا (ثم أدخل يمينه في الإناء) وأخذ منه الماء وأدخله في فيه (فمضمض) بأن أدار الماء فيه. وفي رواية: فتمضمض (بتاء بعد الفاء) (واستنشق) بأن أدخل الماء في أنفه، وفي رواية: بدله، واستنثر (بفوقية فمثلثة بينهما نون ساكنة)، أي أخرج الماء من أنفه بعد الاستنشاق وثبتت الثلاثة في رواية للبخاري، وعند أبي داود وابن المنذر: فتمضمض ثلاثًا، واستنثر ثلاثًا واتفقت الروايات على تقديم المضمضة (ثم غسل وجهه) غسلاً (ثلاثًا و) غسل (يديه) كل واحدة (ثلاثًا إلى) أي مع (المرفقين). وفي رواية: ثلاث مرار، (ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرات،) لكل رجل، (إلى) أي مع (الكعبين ثم قال) عثمن: زاد في رواية للبخاري: رأيت النبي صَُّ يتوضأ نحو ٢٢٣ الفصل الثالث في صفة وضوئه عَـ فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه)). رواه البخاري. وضوئي هذا، و(قال رسول اللَّه عَ ل: ((من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه) بشىء من الدنيا، كما زاده الحكيم الترمذي في روايته لهذا الحديث، وفي مسند أحمد والأوسط للطبراني: لا يحدث نفسه فيهما إلا بخير، فلا يضر حديث نفسه بمعاني ما يتلوه من القرآن أو غيره، أو بأمور الآخرة كما قرره العز بن عبد السلام وغيره. قال القاضي عياض: أي بحديث يجتلبه، لأنه أضافه إليه، فهو من كسبه، فلا تؤثر الخطرات التي لا يقدر على دفعها، وقال بعضهم: المراد من لم يحصل له حديث النفس أصلاً ورأسًا. انتهى. قال الحافظ: ويشهد له ما أخرجه ابن المبارك في الزهد، بلفظ: لم يسر فيهما، ورده النووي وقال: الصواب حصول هذه الفضيلة مع طريان الحوادث العارضة غير المستقرة، نعم. من لم یحصل له حدیث النفس أصلاً أعلى درجة بلا ریب اهـ. وقال ابن دقيق العيد: يصح أن يحمل على النوعين، لأن الحديث ليس في التكليف حتى يرفع فيه العسر، وإنما فيه ترتيب ثواب مخصوص، على عمل مخصوص فمن حصل له ذلك العمل، حصل له ذلك الثواب، وغير بعيد أن يحصل ذلك لمن تجرد عن شواغل الدنيا وعمر قلبه بذكر اللَّه تعالى، وقد ذكر ذلك عن بعضهم انتهى. وروي عن سعد: ما قمت في صلاة فحدثت نفسي فيها بغيرها، قال الزهري: رحم اللَّه سعدًا إنه كان لمأمونّاً على هذا ما ظننت أن يكون هذا إلا في نبي (غفر له ما تقدم من ذنبه،) قال الحافظ: ظاهره يعم الكبائر والصغائر، لكن خصه العلماء بالصغائر، لوروده مقيدًا بالصغائر في غير هذه الرواية، وهو في حق من له كبائر وصغائر، فمن ليس له إلا صغائر كفرت عنه، ومن ليس له إلا كبائر خفف عنه بمقدار ما لصاحب الصغائر، ومن ليس له صغائر ولا كبائر یزاد في حسناته بنظير ذلك. (رواه البخاري) ومسلم وغيرهما من طرق تدور على ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، عن حمران، عن عثمن، ووقع في مسند ابن أبي شيبة ومصنفه معًا من وجه آخر، إسناده صحيح عن حمران عن عثمن زيادة وما تأخر. قال الحافظ: وأصل الحديث في الصحيحين من أوجه ليس في شىء منها زيادة ما تأخر، وأخرجه أيضًا الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن سعيد المروزي، شيخ النسائي في مسند عثمن، له قال: ووقع للبخاري في الرقاق في آخر هذا الحديث، قال النبي عَّه: لا تغتروا، أي فتستكثروا من الأعمال السيئة بناءً على أن الصلاة تكفرها، فإن الصلاة التي تكفر الخطايا هي التي ٢٢٤ الفصل الثالث في صفة وضوئه معَا. وقد استدل بعضهم بقوله: ((ثم أدخل يمينه)) على عدم اشتراط نية الاغتراف. ولا دلالة فيه نفيًا ولا إثباتًا، وأما اشتراط نية الاغتراف فليس في هذا الحديث ما يثبتها ولا ما ينفيها. قال الغزالي: مجرد الاغتراف لا يصيّر الماء مستعملاً، لأن الاستعمال إنما يقع في المغترف منه. وبهذا قطع البغوي. وقد ذكروا في حكمة تأخير غسل الوجه، أنه لاعتبار أوصاف الماء، لأن اللون يدرك بالبصر، والطعم بالفم، والريح بالأنف. فقدمت المضمضة والاستنشاق قبل الوجه، وهو مفروض احتياطاً للعبادة. وقال النووي في قوله: ((نحو وضوئي))، هذا إنما لم يقل مثل، لأن حقيقة مماثلته لا يقدر عليها غيره. لكن تعقبه في ((فتح الباري)) بأنه ثبت التعبير بها في رواية البخاري في الرقاق من طريق معاذ بن عبد الرحمن عن حمران عن عثمان ولفظه: ((من توضأ مثل يقبلها اللَّه، وأنى للعبد بالاطلاع على ذلك. (وقد استدل بعضهم بقوله: ثم أدخل يمينه على عدم اشتراط نية الاغتراف، ولا دلالة فيه نفيًا ولا إثباتًا،) لأن النية أمر قلبي لا يطلع عليه، وقوله: (وأما اشتراط نية الاغتراف فليس في هذا الحديث ما يثبتها، ولا ما ينفيها) تكرار محض، إذ هو مدلول ما قبله. (قال الغزالي: مجرد الاغتراف لا يصير الماء مستعملاً، لأن الاستعمال إنما يقع في المغترف منه) أما ما أخذه في يده فطهور يرفع الحدث عن اليد التي أخذ بها، (وبهذا قطع البغوي، وقد ذكروا في حكمة تأخير غسل الوجه أنه لاعتبار أوصاف الماء، لأن اللون يدرك بالبصر، والطعم بالفم، والربح بالأنف، فقدمت المضمضة والاستنشاق،) وهما مسنونان (قبل الوجه، وهو مفروض احتياطًا للعبادة،) وحكمة الاستئثار تنظيف ما بداخل الأنف إعانة على القراءة، لأن تنقية مجرى النفس تصحح مخارج الحروف. (وقال النووي في قوله: نحو وضوئي هذا إنما لم يقل مثل، لأن حقيقة مماثلته لا يقدر عليها غيره، لكن تعقبه في فتح الباري بأنه ثبت التعبير بها في رواية البخاري في الرقاق) (بكسر الراء وقافين) جمع رقيق وهو الذي فيه رقة وهي الرحمة ضد الغلظة. قال الكرماني: أي كتاب الكلمات المرققة للقلوب، ويقال لكثير الحياء رق وجهه. وفي رواية النسفي عن البخاري كتاب الرقائق، والمعنى واحد (من طريق معاذ بن عبد الرحمن) بن عثمن بن عبيد الله القرشي التيمي، ذكره ابن سعد وابن حبان في ثقات التابعين ٢٢٥ الفصل الثالث في صفة وضوئه علـ هذا الوضوء)). وفي الصيام من رواية معمر: (من توضاً وضوئي هذا)) ولمسلم من طريق زيد بن أسلم عن حمران من توضأ مثل وضوئي هذا قال: وعلى هذا فالتعبير بنحو من تصرف الرواة، لأنها تطلق على المثلية مجازًا، ولأن ((مثل)) وإن كانت تقتضي المساواة ظاهر، لكنها تطلق على الغالب، فبهذا تلتئم الروايتان، ويكون المتروك بحيث لا يخل بالمقصود، انتهى. وأبوه صحابي، وذكره ابن السكن في ترجمة والده، وقال لهما صحبة، وذكره ابن فتحون في الصحابة، ونسبه لخليفة، وقال البخاري: وسمع أبان، وروى الزهري، عنه: يعد في أهل الحجاز، وقال بعضهم: سمع معاذ عمر بن الخطاب ولا يصح، وكذا قال أبو حاتم: لا يصح سماعه من عمر. قال الحافظ: فإذا لم يسمع من عمر، فكيف يدرك العصر النبوي، وحديثه في الصحيحين والنسائي (عن حمران) بضم المهملة ابن أبان مولى عثمن، اشتراه زمن أبي بكر الصديق، ثقة من رجال الجميع، مات سنة خمس وسبعين، وقيل غير ذلك. (عن عثمن ولفظه: من توضأ مثل هذا الوضوء، وفي) كتاب (الصيام) من البخاري (من رواية معمر،) عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن حمران: (من توضأ وضوئي هذا، ولمسلم من طريق زيد بن أسلم عن حمران: من توضأ مثل وضوئي هذا). (قال) الحافظ: (وعلى هذا، فالتعبير بنحو من تصرف الرواة،) أي الرواية بالمعنى، (لأنها) أي لفظة نحو (تطلق على المثلية مجازًا،) والحامل لهم على ذلك أن المثل ليس هنا عبارة عن المساواة من كل وجه لتعذره، إذ هو كما قال الأبي المساوي لمثله في جميع صفاة المثل، ولا يقدر على مثل وضوئه غيره، فلفظ نحو يقتضي المقاربة دون المماثلة من كل وجه، فالثواب يترتب في ذلك على المقاربة لا على المماثلة لتعذرها، وذلك مما تقتضيه الشريعة السمحة من التوسعة وعدم التضييق. انتهى. (ولأن مثل وإن كانت تقتضي المساواة ظاهر، لكنها تطلق على الغالب) أي تطلق على ما إذا اشترك شيئان في أمر، وكان في أحدهما أكثر، وفي الآخر مستغرقًا لجميع أجزائه، فيجوز إطلاق المثل على ما غلب فيه ذلك المعنى وإن لم يساو الآخر، (فبهذا تلتثم الروايتان،) أي رواية نحو ورواية مثل أما رواية من توضأ وضوئي، فلا منافاة بينها وبين واحدة من الروايتين، فلم تظهر نسخة الروايات بالجمع على أن الذي في الفتح الروايتان (بالتثنية)، (ويكون المتروك) مما تحصل به المماثلة (بحيث لا يخل بالمقصود) إذ لو أخل به لم يكن شيئًا. (انتهى) كلام الحافظ. 1 ٢٢٦ الفصل الثالث في صفة وضوئه وعن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري، أنه قيل له: توضأ لنا وضوء رسول الله عَّه، فدعا بإناء، فدعا بماء فأكفأ على يديه فغسلهما ثلاثًا، ثم أدخل يده قال المصنف: نعم علمه عليه السلام بحقائق الأشياء وخفيات الأمور لا يعلمها غيره، وحينئذٍ فيكون قوله مثل بمقتضى الظاهر. قال البرماوي في شرح العمدة: وإنما حمل نحو على معنى مثل مجازًا، أو على جل المقصود، لأن الكيفية المترتب عليها ثواب معين باختلال شىء منها، يختل الثواب بخلاف ما يفعل لامتثال الأمر مثل فعله عَّية، فيكتفي فيه بأصل فعل الصادق عليه الأمر. (وعن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري أنه قيل له:) اختلف رواة الموطأ في تعيينه، فأكثرهم قال: إن رجلاً قال لعبد الله بن زيد بإبهام القائل، وبعضهم قال: إن يحيى بن عمارة المازني قال لعبد الله بن زيد: وبعضهم قال، عن عمرو، عن أبيه يحيى بن عمارة أنه سمع جده أبا حسن يسأل عبد اللَّه بن زيد، وللبخاري من طريق وهيب، عن عمرو، عن أبيه شهدت عمرو بن أبي حسن، سأل عبد اللّه بن زيد، وجمع الحافظ بأنه اجتمع عند ابن زيد أبو حسن الأنصاري وابنه عمرو وابن ابنه يحيى بن عمارة بن أبي حسن، فسألوه عن صفة الوضوء، وتولى السؤال منهم عمرو بن أبي حسن، فنسبته له حقيقة، وإلى أبي حسن مجاز، لأنه الأكبر وكان حاضرًا، وكذا نسبته ليحيى بن عمارة مجاز لأنه ناقل الحديث، وحضر السؤال. ويؤيده رواية الإسماعيلي، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، قال: قلنا لعبد اللَّه فإنه يشعر بأنهم اتفقوا على سؤاله، لكن تولاه عمرو بن أبي حسن، ويزيد ذلك وضوحًا رواية أبي نعيم عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عمه عمرو بن أبي حسن، قال: كنت كثير الوضوء، فقلت لعبد الله بن زيد: (توضأ لنا وضوء رسول اللَّه عَّه) أي وضوءًا مثل وضوئه، لأن الإراءة بالفعل أبلغ في التعليم، أو أطلق عليه وضوءه مبالغة، (فدعا بإناء) وللبخاري: فدعا بتور من ماء: (بفوقية مفتوحة) الطست، أو يشبهه، أو مثل القدر من صفر أو حجارة، وللبخاري رواية في أول هذا الحديث: أنانا رسول اللَّه عَّةِ، فأخرجنا له ماء في تور من صفر: (بضم المهملة، وقد تكسر) صنف من جيد النحاس، قيل: سمي بذلك لأنه يشبه الذهب، ويسمى أيضًا الشبه (بفتح المعجمة والموحدة). قال الحافظ: والتور المذكور هو الذي توضأ منه عبد الله بن زيد حين سئل، فيكون أبلغ في حكاية صورة الحال على وجهها، ولفظ رواية لملك: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول اللَّه عَ لّه يتوضأ، فقال عبد اللّه بن زيد: نعم، (فدعا بماء فأكفأ) (بهمزتين) وفي رواية للبخاري: فكفأ (بفتح الكاف)، وهما لغتان بمعنى: والمراد أفرغ الماء منه، أي الإناء، كما صرح به في رواية لملك، بلفظ: فأفرغ (على يديه) (بالتثنية)، وفي رواية لملك: يده بالإفراد على ٢٢٧ الفصل الثالث في صفة وضوئه معَي. فاستخرجها فمضمض واستنشق من كف واحد ففعل ذلك ثلاثًا. ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه ثلاثًا، ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل يديه إلى المرفقين الجنس، والمراد بهما الكفان لا غير، (فغسلهما ثلاثًا). هكذا في رواية خالد بن عبد اللَّه عند مسلم، ووهيب، وسليمن بن بلال عند البخاري، والدارودي عند أبي نعيم، كلهم عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، وفي رواية . ملك، عن عمرو مرتين. قال الحافظ: وهؤلاء حفاظ وقد اجتمعوا، فزيادتهم مقدمة على الحافظ الواحد، وقد ذكر مسلم عن وهيب أنه سمع هذا الحديث مرتين من عمرو إملاءً، فتأكد ترجيح روايته، ولا يحمل على واقعتين لاتحاد المخرج، والأصل عدم التعدد، (ثم أدخل يده) في الإناء، (فاستخرجها) منه، (فمضمض واستنشق من كف واحد،) وفي رواية: واحدة. زاد في رواية وهيب: واستنثر، (ففعل ذلك ثلاثًا،) بأن تمضمض واستنشق من غرفة، ثم ثانية وثالثة كذلك، وهذا المرجح عند المالكية والشافعية. وقال عياض في شرح مسلم: اختلف في المستحب عنه لملك فقيل: هذه الصفة، وهو ظاهر الحديث، وقيل: أن يتمضمض ثلاثًا نسقًا بثلاث غرفات، ثم يستنشق كذلك، لأنهما عضوان، فيأتي لكل عضو بثلاث نسقًا. ويؤيده رواية أبي داود: فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق، وقيل: يفعلهما ثلاث مرات بغرفة واحدة، وهو دليل قوله في رواية للبخاري: فمضمض واستنشق من غرفة واحدة، ثم هو محتمل، لأن يكون جمعهما أو فصل، فمضمض ثلاثًا ثم استنشق ثلاثًا والجميع من غرفة. وقال الأبي: الحديث يحتمل جميع الصور، وهو أظهر في الأولى، يعني كما قال عياض هو ظاهر الحديث، وقد سقط من غالب نسخ المصنف، ثم أدخل يده إلى هنا مع ثبوته عند من عزاه لهم، (ثم أدخل يده فاستخرجها، فغسل وجهه) غسلاً (ثلاثًا) لم تختلف الروايات في هذا، ويلزم من استدل بهذا الحديث على وجوب تعميم المسح بالرأس؛ أن يستدل به على وجوب الترتيب لقوله: ثم في الجميع، لأن كلاً من الحكمين مجمل في الآية بنيته السنة بالفعل، كذا قال الحافظ: ولا يلزم ذلك، لأن إسقاط الباء في قوله مسح رأسه في رواية لملك وغيره مع كونها في الآية ظاهرة في وجوب مسح جميعه، ولا سيما وقد أكده في رواية، بلفظ: كله بخلاف لفظ ثم لا يفيد وجوب الترتيب، بل يتحقق بالسنية، وإلا لزم أن التثليث ونحوه واجب، لأنه مجمل في الآية أيضًا. (ثم أدخل يده فاستخرجها، فغسل يديه إلى المرفقين،) أي مع عند الجمهور كما : بينته السنة، ففي الدارقطني بإسناد حسن عن عثمن: فغسل يديه إلى المرفقين حتى مس أطراف ٢٢٨ الفصل الثالث في صفة وضوئه عليـ مرتين مرتين، ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر، ثم غسل رجليه إلى الكعبين، ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله عَ لـ وفي رواية: فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه. رواه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والترمذي والنسائي. العضدين، وله بإسناده ضعيف عن جابر: كان عٍَّ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه، وللبزار والطبراني عن ثعلبة بن عباد، عن أبيه مرفوعًا: ثم يغسل ذراعيه حتى جاوز المرفق، وللطحاوي، عنه: ثم يغسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه فهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا، (مرتين مرتين) بالتكرار، لم تختلف الروايات عن عمرو بن يحيى في ذلك. وفي مسلم عن حبان بن واسع، عن عبد الله بن زيد أنه رأى النبي عَلَّه يتوضأ، وفيه: ويده اليمنى ثلاثًا، ثم الأخرى ثلاثًا، فيحمل على أنه وضوء آخر لاختلاف مخرج الحديثين، (ثم أدخل يده فاستخرجها، فمسح برأسه) (بالباء) في رواية خالد هذه. وفي رواية لملك وغيره بدونها، وزاد بعضهم: كله، (فأقبل بيديه) (مثنى إلى قفاه)، (وأدبر) بهما، زاد في رواية وهيب عند الشيخين مرة واحدة، (ثم غسل رجليه إلى،) أي مع (الكعبين) الناتئين في جنبي الرجل، على الصحيح المعروف عند أهل اللغة، (ثم قال) عبد الله بن زيد: (هكذا كان وضوء رسول اللَّه عَ لَّةٍ) هذا السياق لفظ مسلم من طريق عبد اللَّه عن عمرو بن یحیی بن عمارة، عن أبيه، عن عبد الله بن زید. (وفي رواية) يعني رواية لملك، عن عمرو عن أبيه، عن ابن زيد: (فأقبل بهما) إلى جهة قفاه (وأدبر،) أي رجع، كما فسره بقوله: (بدأ بمقدم) (بفتح الدال المشددة) (رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه. قال الحافظ: الظاهر أن قوله بدأ ... الخ، من الحديث: وليس مدرحجا من كلام لملك فهو حجة على القائل: يبدأ بمؤخر الرأس إلى أن ينتهي إلى مقدمه، لظاهر قوله: أقبل وأدبر، ويرد عليه أن الواو لا تقتضي الترتيب، وللبخاري رواية: فأدبر بيديه وأقبل، فلم يكن ظاهره حجة، لأن الإقبال والإدبار من الأمور الإضافية، ولم يعين ما أقبل إليه ولا ما أدبر عنه، ومخرج الطريقين متحد، فهما بمعنى واحد، وعينت رواية لملك البداءة بالمقدم، فيحمل قوله أقبل على أنه من تسمية الفعل بابتدائه، أي بدأ يقبل الرأس، وقيل في توجيهه غير ذلك. (رواه) بنحوه (البخاري) من طرق (ومسلم) بلفظه: كما بينته أولاً (ولمملك) في الموطأ ٢٢٩ الفصل الثالث في صفة وضوئه معايا. وفي رواية لأبي داود: ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما وفي أخرى له وأدخل أصابعه في صماخي أذنيه. وفي رواية أبي داود والترمذي والنسائي عن عبد خير، أبي عماره بن زيد بن خَولي - بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وتشديد الياء- الهمداني، وهو من كبار أصحاب علي بن أبي طالب، قال: أتانا علي وقد صلى، فدعا بطهور، فقلنا ما يصنع بالطهور وقد صلى، ما يريد إلا ليعلمنا، فأتي بإناء فيه ماء وطست، فأفرغ من الإناء على يمينه فغسل يديه ثلاثًا، ثم تمضمض واستنثر ثلاثًا، فمضمض ونثر من بنحوه، ومن طريقه رواه الشيخان أيضًا، (وأبو داود والترمذي والنسائي) من طريق الملك وغيره. (وفي رواية لأبي داود: ثم مسح برأسه وأذنيه، ظاهرهما وباطنهما، وفي أخرى له،) أي أبي داود: (وأدخل أصابعه) (بالجمع على إرادة الجنس)، والمراد السبابتين، لكن الذي في أبي داود: أدخل أصبعيه (بالتثنية) (في صماخي أذنيه) (بضم الصاد) الخرق الذي يفضي إلى الرأس، وهذا ينادي بالقصور على القرطبي في قوله: لم يجيء في حديث عبد اللَّه بن زيد ذكر الأذنين، ويمكن أن ذلك لأن اسم الرأس يغمهما، وقد رد عليه أيضًا بما رواه الحاكم والبيهقي، وصححاه عن عبد اللَّه بن زيد، قال: رأيت رسول اللَّه عَ لّه يتوضأ، فأخذ ماء لأذنيه خلاف الماء الذي مسح به رأسه. (وفي رواية أبي داود، والترمذي والنسائي عن عبد خير) بلفظ: ضد شر، ويقال: اسمه عبد الرحمن، حكاه الخطيب، قال الحافظ: لعله غير في الإسلام (أبي عمارة) (بضم العين بدل منه) (ابن زيد بن خولي (بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وتشديد الياء) الهمداني) الكوفي، أدرك الجاهلية وأسلم في زمنه عَّةٍ، ولم يره، ولم يصح له صحبة، روى عن الصديق وابن مسعود، وعائشة وعلي وغيرهم، (وهو من كبار أصحاب علي بن أبي طالب،) وعمّر أزيد من مائة وعشرين سنة، كما رواه الدولابي، وذكر الإمام أحمد في الأثبات عن علي، ووثقه ابن معين والنسائي والعجلي، وذكره مسلم في الطبقة الأولى من التابعين. وروى عنه ابن المسيب والشعبي وآخرون، (قال: أتانا علي وقد صلى، فدعا بطهور) (بالفتح) ما يتطهر به، ( فقلنا: ما يصنع بالطهور وقد صلى، ما يريد إلا ليعلمنا) بأن يتوضأ ونحن نراه، (فأتى بإناء فيه ماء وطست،) يحتمل أنه عطف تفسير لإناء، ويحتمل أنه أتى بالماء في قدح أو إبريق ونحو ذلك، وبطست يلاقي فيه ما ينزل من الماء، (فأفرغ من الإناء على يمينه، فغسل يديه ثلاثًا) من المرات، (ثم تمضمض واستنثر) بيده اليسرى، كما في رواية النسائي: أستفعل من النثر (بنون ومثلثة)، وهو طرح الماء الذي يستنشقه المتوضىء، أي يجذبه ٢٣٠ الفصل الثالث في صفة وضوئه ـ الكف الذي يأخذ فيه، ثم غسل وجهه ثلاثًا، وغسل يده اليمنى ثلاثًا، وغسل يده اليسرى ثلاثًا، ثم جعل يده في الإناء فمسح برأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثًا ورجله اليسرى ثلاثًا، ثم قال: من سره أن يعلم وضوء رسول الله عَ ليه فهو هذا. قال ابن القيم: والصحيح أنه عَُّ لم يكرر مسح رأسه. وقال النووي: الأحاديث الصحيحة فيها المسح مرة واحدة، وفي بعضها الاقتصار على قوله: مسح. واحتج الشافعي بحديث عثمان رضي الله عنه في صحيح مسلم أنه معَّه. توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وبالقياس على باقي الأعضاء، انتهى وأجيب: بأنه مجمل مبين في الروايات الصحيحة أن المسح لم يتكرر، فيحمل على الغالب ويخص بالمغسول، وبأن المسح مبني على التخفيف فلا بريح أنفه لتنظيف داخله، ثم يخرجه بيده اليسرى، ويكره فعله بغيرها عند لملك لأنه يشبه فعل الدابة، والمشهور عند الشافعية: لا كراهة (ثلاثًا فمضمض ونثر من الكف الذي يأخذ) الماء (فيه ثم غسل وجهه ثلاثًا، وغسل يده اليمنى ثلاثًا، وغسل يده اليسرى ثلاثًا، ثم جعل يده في الإناء، فمسح برأسه) جميعه (مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثًا، ورجله اليسرى ثلاثًا، ثم قال: من سره أن يعلم وضوء رسول اللَّه عَّ فهو هذا،) أي مثله، أو أطلقه عليه مبالغة. (قال ابن القيم: والصحيح أنه عَّه لم يكرر مسح رأسه،) وبه قال أكثر العلماء، إذ ليس في شىء من طرق الأحاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرهما أنه كرر، بل في بعضها كحديث ابن زيد، وعلى التصريح بمرة واحد، ولذا قال ابن المنذر: الثابت عن النبي عَّ المسح مرة واحدة، وقال أبو داود: أحاديث عثمن الصّحاح، كلها تدل على أن مسح الرأس مرة واحدة، (وقال النووي: الأحاديث الصحيحة فيها المسح مرة واحدة، وفي بعضها الاقتصار على قوله مسح) بدون ذکر عدد. (واحتج للشافعي) في قوله باستحباب تكرير مسحه ثلاثًا، (بحديث عثمن رضي اللّه عنه،) المروي (في صحيح مسلم) في بعض طرقه؛ (أنه عَّ﴾. توضأ ثلاثًا ثلاثاً) فإن ظاهره يغم مسح الرأس، (وبالقياس على باقي الأعضاء. انتهى). (وأجيب: بأنه) أي حديث مسلم المذكور (مجمل مبين في الروايات الصحيحة) في ٢٣١ الفصل الثالث في صفة وضوئه عَّ يقاس على الغسل الذي المراد منه المبالغة في الإسباغ، وبأن العدد لو اعتبر في المسح لصار في صورة الغسل، إذ حقيقة الغسل جريان الماء. واحتج الشافعية أيضاً لما رواه أبو داود في سننه من حديث عثمان من وجهين، صحح أحدهما ابن خزيمة: أنه عَِّ مسح رأسه ثلاثًا والزيادة من الثقة مقبولة، وفي رواية أبي داود أيضاً والترمذي من حديث الربيع بنت معوذ؛ فغسل كفيه ثلاثًا ثلاثًا، ووضأ وجهه ثلاثًا، وتمضمض واستنشق مرة واحدة، ووضاً يديه ثلاثًا، ومسح برأسه مرتين بدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدمه وبأذنيه كلتيهما ظهورهما مسلم وغيره (أن المسح لم يتكرر، فيحمل) ظاهر هذه الرواية (على الغالب، ويخص بالمغسول) لأن الحديث واحد، والمخرج وهو عثمن واحد وإن تعددت الطرق، فهذا مختصر مبين في الروايات المبسوطة، فيحمل عليها. (و) وأجيب عن القياس، (بأن المسح مبني على التخفيف، فلا يقاس على الغسل الذي المراد منه المبالغة في الإسباغ،) فلم يتم القياس، (وبأن العدد لو اعتبر في المسح لصار في صورة الغسل،) لأنه إذا كرر قرب من الغسل، (إذ حقيقة الغسل جريان الماء،) لا سيما عند من لم يوجب الدلك، وقد اتفق على كراهة غسل الرأس بدل المسح وإن كان مجزئًا. وأجيب؛ بأن الخفة تقتضي عدم الاستيعاب، وهو مشروع باتفاق، فلیکن العدد كذلك، ويرد بأن الاستيعاب أخف من التكرار بالمشاهدة، وإنما اتفق على الاستيعاب لاتفاق الروايات على أنه ګ استوعب. (واحتج الشافعية أيضًا بما رواه أبو داود في سننه، من حديث عثمن من وجهين،) أي طريقين، (صحح أحدهما ابن خزيمة؛ أنه عٍَّ مسح رأسه ثلاثًا، والزيادة من الثقة مقبولة،) لكن محل ذلك كما قال ابن عبد البر وغيره: ما لم يكن من لم يزد أوثق ممن زاد، فتكون الزيادة شاذة وإن صح إسنادها، وهو هنا كذلك، أو هي كما يأتي محمولة إن صحت على إرادة استيعاب المسح، لا أنها مسحات مستقلة. (وفي رواية أبي داود أيضًا، والترمذي من حديث الربيع) (بضم الراء وفتح الموحدة وكسر التحتية الشديدة، مهمة) (بنت معوذ) (بضم الميم وفتح المهملة وكسر الواو ثقيلة وذال معجمة) ابن عفراء الأنصارية التجارية، من صغار الصحابة وأبوها من شهداء بدر: أن النبي معَّ. توضأ، (فغسل كفيه ثلاثًا ثلاثًا، ووضاً،) أي غسل (وجهه ثلاثًا، وتمضمض واستنشق مرة واحدة،) لبيان الجواز أو المراد فعل الست بغرفة لبيان الجواز أيضًا، والمتبادر الأول، (ووضأ يديه ثلاثًا، ومسح برأسه مرتين، بدأ بمؤخر رأسه، ثم بمقدمه) بيان لمرتين، فليستا مسحتين، ٢٣٢ الفصل الثالث في صفة وضوئه معلـ وبطونهما، ووضأ رجليه ثلاثًا ثلاثًا. وقد أجاب العلماء عن أحاديث المسح مرة واحدة بأن ذلك لبيان الجواز، ويؤيده رواية مرتين هذه. وقال ابن السمعاني - كما حكاه في فتح الباري -: اختلاف الرواية يحمل على التعدد، فيكون مسح تارة مرة، وتارة ثلاثًا، فليس في رواية مسح مرة حجة على منع التعدد، ويحتج للتعدد بالقياس على المغسول، لأن الوضوء طهارة حكمية، ولا فرق في الطهارة الحكمية بين الغسل والمسح. قال: ومن أقوى الأدلة على عدم التعدد، الحديث المشهور الذي صححه ابن خزيمة وغيره من طريق عبد الله بن عمرو بن العاصي في صفة الوضوء بعد أن بدليل أنها لم تقل، وبدأ بالواو، وثم بدؤه بالمؤخر لبيان الجواز إن صحت هذه الرواية، وقال الأبي: هذا كان لأمر أو في وقت، (و) مسح (بأذنيه كلتيهما ظهورهما وبطونهما) (بدل أو عطف بيان لأذنيه) (ووضأُ رجليه ثلاثًا ثلاثًا) لكل رجل، (وقد أجاب العلماء) الشافعية، (عن أحاديث المسح مرة واحدة؛ بأن ذلك لبيان الجواز، ويؤيده رواية مرتين هذه) ولا تأييد فيها، لأنه بين فيها معنى مرتين، بقوله: بدأ ... إلخ، وتقدير بدأ في كل مرة بعيد، فالأصل عدم التقدير ولو سلم، فهو مشترك الإلزام، فمسح مرتين لبيان الجواز، أي عدم الحرمة، لأنه يفعل المكروه في حق غيره للجواز. (وقال ابن السمعاني) في كتاب الاعتصام (كما حكاه في فتح الباري: اختلاف الرواية يحمل على التعدد، فيكون مسح تارة مرة، وتارة ثلاثًا، فليس في رواية مسح مرة حجة على منع) أي كراهة (التعدد، ويحتج للتعدد بالقياس على المغسول لأن الوضوء طهارة حكمية) ليس مقصورًا على محل الحدث، بل يكون في غيره بخلاف الطهارة العينية، لا تجاوز محل حلول موجبها، كإزالة النجاسة، (ولا فرق في الطهارة الحكمية بين الغسل والمسح) إشارة إلى أن الجامع بينهما الطهارة، ورد ما سبق من منع القياس وليس بشىء، لأنه لما ورد نص القرآن بالغسل في الأعضاء والمسح في الرأس، ظهر أنه للتخفيف، فيمتنع قياسه عليها وإن اجتمعا في مطلق الطهارة الحكمية، وإلى هذا أشار ابن السمعاني نفسه، فقال كما في الفتح عقب قوله بين الغسل والمسح ما نصه: وأجيب بما تقدم أن المسح مبني على التخفيف بخلاف الغسل، ولو شرع التكرار لصارت صورته صورة المغسول إلى آخر ما مر. (قال:) أي صاحب الفتح لا ابن السمعاني، لأنه بعد أن انفصل عن كلام ابن السمعاني، ٢٣٣ الفصل الثالث في صفة وضوئه معَّ. فرغ: ((من زاد على هذا فقد أساء وظلم)) فإن في رواية سعيد بن منصور التصريح بأنه مسح رأسه مرة واحدة، فدل على أن الزيادة في مسح الرأس على المرة غير مستحبة، ويحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح - إن صحت - على إرادة الاستيعاب بالمسح، لا أنها مسحات مستقلة متعددة لجميع الرأس، جمعاً بين الأدلة. انتهى. وفي حديث عبد الله بن زيد المتقدم - عند البخاري - الذي ذكرته قبل: ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر. وفي رواية: بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه. وزاد ابن الطباع بعد قوله: «ثم مسح رأسه» کله، كما هو رواية ابن خزيمة. قال: (ومن أقوى الأدلة على عدم التعدد الحديث المشهور الذي صححه ابن خزيمة وغيره من طريق،) أي حديث (عبد الله بن عمرو بن العاصي في صفة الوضوء) النبوي حيث قال مع اليه (بعد أن فرغ) عَّة: ((من زاد على هذا فقد أساء وظلم)) لاستظهاره على الشارع، (فإن في رواية سعيد بن منصور) للحديث المذكور: (التصريح بأنه مسح رأسه مرة واحدة، فدل على أن الزيادة في مسح الرأس على المرة غير مستحبة،) بل مكروهة، إذ لو استحبت، لم يقل من زاد على هذا فقد أساء وظلم مع كونه مسح مرة واحدة. (ويحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح إن صحت على إرادة الاستيعاب بالمسح، لا إنها مسحات مستقلة متعددة لجميع الرأس جمعًا بين الأدلة. انتهى) كلام الحافظ وهو في غاية الظهور. (وفي حديث عبد الله بن زيد المتقدم) عن البخاري وغيره في بعض طرقه، (عند البخاري الذي ذكرته قبل، ثم مسح رأسه بيديه) (بالتثنية) وفي رواية: بالإفراد على إردة الجنس، (فأقبل بهما،) أي يديه، وفي رواية: بها بالإفراد، (وأدبر). (وفي رواية) البخاري وغيره من طريق لملك (بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما،) أي يديه (إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأً منه،) وهذا تكرار أعاده لزيادة قوله، (وزاد) إسحق بن عيسى بن نجيح البغدادي أبو يعقوب (بن الطباع) (بفتح الطاء المهملة والموحدة المشددة، فألف فعين مهملة)، ثقة من رواة الموطأ، روى له مسلم وأصحاب السنن، مات سنة أربع عشرة، وقيل: خمس عشرة ومائتين (بعد قوله: ثم مسح رأسه کله). ٢٣٤ الفصل الثالث في صفة وضوئه وفي رواية غيره - كما قدمته -: ((برأسه))، بزيادة الباء، الموافقة لقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ [المائدة/٦]. قال البيضاوي: ((الباء)) أي في الآية مزيدة، وقيل: للتبعيض، فإنه الفارق بين قولك، مسحت المنديل، وبالمنديل، ووجهه أن يقال: إنها تدل على تضمين الفعل معنى الإلصاق، فكأنه يقول: وألصقوا المسح برؤوسكم، وذلك لا يقتضي الاستيعاب، بخلاف ما لو قيل: وامسحوا رؤسكم فإنه كقوله: اغسلوا وجوهكم، انتھی. قال البخاري: سئل لملك أيجزىء أن يمسح بعض الرأس، فاحتج بحديث عبد الله بن زيد، قال الحافظ: السائل له عن ذلك إسحق بن عيسى بن الطباع، بينه ابن خزيمة من طريقه، ولفظه: سألت مالكًا عن الرجل يمسح مقدم رأسه في وضوئه، أيجزئه ذلك؟، فقال: حدثني عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، قال: مسح رسول اللَّه عَّةٍ في وضوئه من ناصيته إلى قفاه، ثم رد يده إلى ناصيته، فمسح رأسه كله، فقوله (كما هو رواية ابن خزيمة،) أي زيادة كله، وإلا فرواية الموطأ والشيخين وغيرهما من طريقه، مسح رأسه بدون باء خلاف ما يوهمه قوله. (وفي رواية غيره: كما قدمته برأسه بزيادة الباء،) بل لم تقع زيادة الباء إلا في رواية خالد، كما يفيده كلام الحافظ: (الموافقة لقوله تعالى ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾). (قال البيضاوي: الباء، أي في الآية مزيدة) للتعدية، وبه تمسك من أوجب الاستيعاب، وقيل: موضع الدلالة من الآية والحديث؛ أن الآية تحتمل الكل على أن الباء زائدة، والبعض على أنها تبعيضية، فبان بفعله عَِّ أن المراد الأول، ولم ينقل عنه أنه مسح بعض رأسه إلا في حديث المغيرة أنه مسح على ناصيته وعمامته كما في مسلم، وذلك أيضًا من أدلة الاستيعاب، إذ لو لم يكن واجبًا ما مسح على العمامة مع الناصية، فكان ذلك لعذر، لأنه كان في سفر، وهو مظنة العذر. (وقيل: للتبعيض) وأنكره جماعة، حتى قال ابن برهان: من زعم أن الباء تفيد التبعيض فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفونه وأجيب بأنه منقول عن الأصمعي والفارسي والمتنبي وجماعة: (فإنه)) أي التبعيض (الفارق بين قولك مسحت المنديل وبالمنديل ووجهه،) أي دلالتها على التبعيض؛ (أن يقال إنها تدل على تضمين الفعل معنى الإلصاق، فكأنه يقول: وألصقوا) (بفتح الهمزة وكسر الصاد) (المسح برؤوسكم، وذلك لا يقتضي الاستيعاب) لصدقه بالصاقه ببعض الرأس، (بخلاف ما لو قيل: وامسحوا رؤوسكم) بدون باء، (فإنه) يفيد الاستيعاب، (كقوله ٢٣٥ الفصل الثالث في صفة وضوئه معَّ وقال الشافعي رضي الله عنه: احتمل قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤسكم﴾ جميع الرأس أو بعضه، فدلت السنة على أن بعضه يجزىء، والفرق بينه وبين قوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم﴾ في التيمم، أن المسح فيه بدل عن الغسل، ومسح الرأس أصل فافترقا. ولا يرد كون مسح الخف بدلاً عن غسل الرجلين، لأن الرخصة فيه ثبتت بالإجماع. وقد روى من حديث عطاء أن النبي ◌َّهِ توضأ، فحسر العمامة عن رأسه ومسح مقدم رأسه، وهو مرسل، لكنه اعتضد بمجيئه من وجه آخر موصولاً أخرجه أبو داود من حديث أنس، وفي إسناده أبو معقل، لا يعرف حاله، لكن اعتضد كل اغسلوا وجوهكم. انتھی.) وقال القرطبي: الباء للتعدية، يجوز حذفها وإثباتها، كقولك: مسحت رأس اليتيم ومسحت برأسه، وقيل: دخلت الباء لتفيد معنى آخر، وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولا به، والمسح لغة لا يقتضي ممسوحًا به، فلو قال: وامسحوا رؤوسكم لأجزا المسح باليد بغير ماء، فكأنه قال: وامسحوا برؤوسكم الماء، فهو على القلب والتقدير وامسحوا رؤوسكم بالماء. (وقال) الإمام (الشافعي رضي الله عنه: احتمل قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾، جميع الرأس) (بناء على أن الباء للتعدية) (أو بعضه) (بناء على أنها للتبعيض) (فدلت السنة أن بعضه يجزىء) وهو أن النبي عَّ له مسح بناصيته، هذا أسقطه من كلام الشافعي، (والفرق بينه وبين قوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم﴾ في التيمم) إذ المجزىء فيه مسح جميع الوجه اتفاقًا، (إن المسح فيه بدل عن الغسل) فلا بد أن يأتي بالمسح على جميع موضع الغسل، (ومسح الرأس أصل فافترقا) فلا يقاس عليه (ولا يرد كون مسح الخف بدلاً عن غسل الرجلين) فقياسه استيعاب مسح أعلاه وأسفله، وبطلان صلاة تارك مسح أسفله، مع أنها صحيحة (لأن الرخصة فيه ثبتت بالاجماع) وأصله قول علي: لو كان الدين يؤخذ بالقياس، لكان مسح أسفل الخف أولى من أعلاه، وقد رأيت النبي عَّ اي مسح على أعلاه. (وقد روى) الشافعي (من حديث عطاء) بن أبي رباح (أن النبي عَّ توضأ فحسر العمامة عن رأسه ومسح مقدم رأسه) وهذا محتمل أنه فعل ذلك حين مسح على الناصية في السفر فيكون للعذر، فسقط به الاستدلال (وهو مرسل) فلا حجة فيه بمفرده (لكنه اعتضد) تقوى (بمجئيه من وجه آخر،) حال كونه (موصولاً، أخرجه أبو داود من حديث أنس، وفي إسناده أبو معقل لا يعرف حاله) أي مجهول، ولا اسمه. ٢٣٦ الفصل الثالث في صفة وضوئه عنـ من المرسل والموصول بالآخر وحصلت القوة من الصورة المجموعة وهذا مثال لما ذكره الشافعي من أن المرسل يعتضد بمرسل آخر أو مسند. وفي الباب أيضاً عن عثمان في صفة الوضوء قال: ومسح مقدم رأسه، أخرجه سعيد بن منصور، وفيه خالد بن يزيد بن أبي مالك مختلف فيه. وصح عن ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرأس، قاله ابن المنذر وغيره، ولم يصح عن أحد من الصحابة إنكار ذلك. قاله ابن حزم. قال الحافظ ابن حجر: وهذا كله مما يقوى به المرسل المتقدم ذكره. انتھی. واختلف في القدر الواجب في مسح الرأس، فذهب الشافعي في جماعة إلى أن الواجب ما ينطلق عليه الاسم ولو شعرة واحدة أخذاً باليقين، قال في التقريب أبو معقل، عن أنس: في المسح على العمامة مجهول من الخامسة، (لكن اعتضد كل من المرسل والموصول بالآخر، وحصلت القوّة من الصورة المجموعة،) لكن قد علم أن حديث أنس في المسح على العمامة، وحديث عطاء في مسح مقدم الرأس من غير تعرض لمسح على العمامة، ولا لكونه في سفر، فإن لم يقل باحتمال أن حديث عطاء مختصر من هذا، كانا حديثين، فلا يعتضد أحدهما بالآخر، والشافعي لا يحتج بالمرسل وحده؟ وإن قلنا به سقط الاستدلال بمرسل عطاء، كما أشرت إليه آنفًا، بل يكون من أدلة وجوب الاستيعاب، إذ لو لم يكن واجبًا ما مسح على العمامة والناصية (وهذا مثال لما ذكره الشافعى، من أن المرسل يعتضد بمرسل آخر أو مسند،) أي موصول. (وفي الباب أيضًا عن عثمن في صفة الوضوء قال: ومسح مقدم رأسه، أخرجه سعيد بن منصور وفيه: خالد بن يزيد بن أبي ملك) الدمشقي، (مختلف فيه،) قال في التقريب: ضعيف، مع أنه كان فقيهًا، وقد اتهمه ابن معين، أي بالكذب، (وصح عن ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرأس، قاله ابن المنذر وغيره، ولم يصح عن أحد من الصحابة إنكار ذلك، قاله ابن حزم) ولا حجة فيه، إذ المختلف فيه لا يجب إنكاره، (قال الحافظ ابن حجر: وهذا كله مما يقوي المرسل المتقدم ذكره. انتهى). وقد علم ما فيه، (واختلف في القدر الواجب في مسح الرأس) بعد الاتفاق على طلب استيعابه، (فذهب الشافعي في جماعة، إلى أن الواجب ما ينطلق عليه الاسم، ولو شعرة ٢٣٧ الفصل الثالث في صفة وضوئه وذهب مالك وأحمد وجماعة إلى وجوب الإستيعاب أخذًا بالاحتياط. وقال أبو حنيفة في رواية: الواجب ربعه، لأنه عليه السلام مسح على ناصيته وهو قريب من الربع. والله أعلم. وعن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: دخلت على رسول الله عَّه. وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق. رواه أبو داود. وعنه أيضاً: إن رسول الله عَّ توضأ، فمضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا من كف واحد. رواه ابن ماجه. واحدة أخذاً باليقين) بناء على أن الباء للتبعيض. (وذهب لملك وأحمد وجماعة إلى وجوب الاستيعاب أخذًا بالاحتياط،) ولأنه لم ينقل عنه عَّ لّ أنه مسح بعض رأسه إلا في حديث المغيرة، وقد كان في سفر، وهو مظنة العذر، فلعله فعل ذلك لعذر، ولهذا مسح على العمامة بعد مسح الناصية، كما هو ظاهر من سياق مسلم، فلو لم يكن الاستيعاب واجبًا ما مسح على العمامة بعد الناصية، فهو من أدلة فرضية الاستيعاب كما قدمته، وإليه أشار القرطبي نقلاً عن علمائنا. (وقال أبو حنيفة في رواية الواجب ربعه، لأنه عليه السلام مسحه على ناصيته، وهو) أي ما مسح (قريب من الربع، والله أعلم) بالحق من ذلك. (وعن طلحة بن مصرف) (بضم الميم وفتح الصاد المهملة، وشد الراء) اليامي (بتحتية) الكوفي، ثقة، فاضل، مات سنة ثنتي عشرة ومائة أو بعدها، (عن أبيه) مصرف بن عمرو بن كعبء أو ابن كعب بن عمرو اليامي، الكوفي، مجهول، قاله في التقريب، (عن جده) كعب بن عمرو بن مصرف اليامي، وقيل: هو عمرو بن كعب بن مصرف حديثه، عند أبي داود، قاله في الإصابة والتقريب. (قال: دخلت على رسول اللَّه عَّه وهو يتوضأ، والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق) أي يفعل ثلاثة المضمضة نسقًا، ثم ثلاثة الاستنشاق كذلك، لأنهما عضوان، فيأتي لكل عضو بثلاثة نسقًّا، ثم فصله بغرفة واحدة كما في حديثه التالي، (رواه أبو داود) في سنته، (وعنه أيضًا أن رسول اللَّه ◌َامِ توضأ، فمضمض للاًا واسعتشق ثلاثًا من كف واحد،) تذكير الكف لغة قليلة، وقيل: لا يعرف تذكيرها من يوثق به، ويجمع بين هذا وما قبله بأنه رآه فصل بينهما بغرفة واحدة، بأن تمضمض منها ثلاثًا على الولاء، ٢٣٨ الفصل الثالث في صفة وضوئه عليه. وفي حديث مسلم أن عثمان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاث مرات. وفي حديث عبد الله بن زيد عند البخاري: أنه أفرغ من الإناء على يديه فغسلهما ثم غسل ومضمض واستنشق من كفة واحدة ثم قال: هكذا وضوء ثم استنشق منها ثلاثًا، كذلك وإن اقتضى كلام عياض أنه فصل بينهما بست غرفات، وعليه يكون رآه مرتين، (رواه ابن ماجه) محمد القزويني. (وفي حديث مسلم؛ أن عثمن) بن عفان (دعا بإناء) فيه ماء للوضوء، (فأفرغ على كفيه) (بالتثنية معطوف على دعا، والفاء للتعقيب)، لكن، ثم فعل مقدر مفهوم من فحوى الكلام، تقديره دعا بإناء، فأحضر، فأفرغ، والجار والمجرور متعلق بأفرغ (ثلاث مرار) (بكسر الميم وتكرير الراء مرتين)، (فغسلهما ثم أدخل يمينه في الأناء) الذي أفرغ منه على كفيه بعد غسلهما (فمضمض) بغير تاء بعد الفاء، (واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاث مرات) (بفتح الميم آخره فوقية) قاله المصنف في شرح مسلم. (وفي حديث عبد الله بن زيد عند البخاري) ومسلم، كلاهما من طريق خالد بن عبد اللَّه عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد (أنه أفرغ من الإناء على يديه، فغسلهما ثم غسل،) أي فمه (ومضمض واستنشق،) لفظ البخاري: أو مضمض. قال الحافظ: بالشك أي هل قال غسل، أي فمه، أو قال: مضمض، قال: وأخرجه مسلم عن محمد بن الصباح عن خالد بسنده هذا من غير شك، ولفظه ثم أدخل يده، فاستخرجها، فمضمض واستنشق، وأخرجه الإسماعيلي من طريق وهيب، عن خالد بلا شك أيضًا، فالظاهر أن الشك من مسدد شيخ البخاري، وأغرب الكرماني، فقال: الظاهر أن الشك فيه من التابعي. انتھی. فلو عزاه المصنف لمسلم، أولهما الاستقام (من كفة واحدة) قال الحافظ: كذا في رواية أبي ذر، وفي نسخة: من غرفة واحدة، وللأكثر من كف بغير ها. قال ابن بطال: المراد بالكف الغرفة، فاشتق لذلك من اسم الكف عبارة عن ذلك المعنى، ولا يعرف في كلام العرب إلحاق هاء التأنيث في الكف، ومحصله أن المراد بقوله: كفة فعلة، لا أنها تأنيث الكف، وقال صاحب المشارق: قوله: من كفة (بالضم والفتح)، كغرفة وغرفة، أي من ماء ملأ كفه من الماء. زاد المصنف، وفي رواية ابن عساكر: من كف واحدة، (ثم قال) عبد اللَّه بن زيد بعد أن ٢٣٩ الفصل الثالث في صفة وضوئه. رسول الله عَّهِ. قال النووي: فيه أن السنة في المضمضة والاستنشاق، أن يأخذ الماء لهما بيمينه، ثم قال: وفي الأفضل في كيفية المضمضة والاستنشاق خمسة أوجه: الأصح: يتمضمض ويستنشق بثلاث غرفات، يتمضمض من كل واحدة ثم يستنشق. والثاني: يجمع بينهما بغرفة واحدة، يتمضمض منها ثلاثًا ثم يستنشق منها ثلاثًا. والثالث: يجمع أيضاً بغرفة، ولكن يتمضمض منها ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها ثم يستنشق. والرابع: يفصل بينهما بغرفتين، فيتمضمض من أحدهما ثلاثًا، ثم يستنشق من الأخرى ثلاثًا. والخامس: يفصل بست غرفات، يتمضمض بثلاث غرفات، ثم يستنشق بثلاث غرفات، فرغ من وضوئه، (هكذا وضوء رسول اللَّه عَلِّ). (قال النووي فيه:) أي الحديث من الفوائد (إن السنة في المضمضة والاستنشاق أن يأخذ الماء لهما بيمينه،) كما فعل عَّةٍ، (ثم قال) النووي: (وفي الأفضل في كيفية المضمضة والاستنشاق خمسة أوجه، الأصح يتمضمض ويستنشق بثلاث غرفات، يتمضمض من كل واحدة، ثم يستنشق،) كما في رواية خالد المذكورة بلفظ: من كفة واحدة، ففعل ذلك ثلاثًا، فإنها صريحة في الجمع في كل غرفة، بخلاف رواية وهيب: فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثًا بثلاث غرفات، فإنه يطرقها احتمال التوزيع بلا تسوية، كما نبه عليه ابن دقيق العيد. (والثاني: يجمع بينهما بغرفة واحدة يتمضمض منها ثلاثًا، ثم يستنشق منها ثلاثًا،) على ما في حديثي أبي دود وابن ماجه، (والثالث: يجمع أيضًا بغرفة، ولكن يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها، ثم يستنشق) على ما في بعض الروايات (والرابع: يفصل بينهما بغرفتين، فيتمضمض من أحدهما ثلاثًا، ثم يستنشق من الأخرى ثلاثًا، والخامس: يفصل بست غرفات) بأن (يتمضمض بثلاث غرفات، ثم يستنشق ٢٤٠ الفصل الثالث في صفة وضوئه عَـ قال: والصحيح الأول، وبه جاءت الأحاديث الصحيحة. وقد ذهب الإمام أحمد وأبو ثور إلى وجوب الاستنشاق، وهو أن يبلغ الماء إلى خياشيمه، مستدلين بقوله عَّه في حديث أبي هريرة: إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر لظاهر الأمر. وحمله الجمهور ومالك والشافعي وأهل الكوفة على الندب، لقوله عليه السلام للأعرابي: توضأ كما أمرك الله، وليس في الآية ذكر الاستنشاق، والله أعلم. بثلاث غرفات). وقال بعض المالكية: إنه الأفضل (قال) النووي: (والصحيح الأول،) أعاده مع قوله أولاً، الأصح لقوله: (وبه جاءت الأحاديث الصحيحة،) وهو أيضًا الأصح عند المالكية، بحيث حكى ابن رشد الاتفاق على أنه الأفضل. (وقد ذهب الإمام أحمد وأبو ثور) إبراهيم بن خالد الكلبي، الفقيه: (إلى وجوب الاستشاق وهو أن يبلغ الماء إلى خياشيمه، مستدلين بقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة،) في البخاري ومسلم وغيرهما: (إذا توضأ أحدكم، فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر) (بوزن يفتعل)، كذا لأبي ذر والأصيلي ولغيرهما، ثم لينتثر (بمثلثة مضمومة بعد النون الساكنة)، والروايتان لأصحاب الموطأ أيضًا. قال الفراء: يقال: نثر وانتثر واستنثر، إذا حرك النثرة، وهي طرف الأنف في الطهارة، قاله الحافظ، وقال النووي: لينثر (بكسر المثلثة بعد النون الساكنة) على المشهور، وحكى ضمها (لظاهر الأمر) إذ الأصل فيه الوجوب، (وحمله الجمهور وملك والشافعي وأهل الكوفة) ومنهم أبو حنيفة. وفي نسخة: لملك بلا واو، على أنه بدل من الجمهور (على الندب، لقوله عليه السلام للأعرابي: توضأ كما أمرك الله)) أخرجه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، فأحاله على الآية، (وليس في الآية ذكر الاستنشاق). قال الحافظ: وأجيب باحتمال أن يراد بالأمر ما هو أعم من آية الوضوء، فقد أمر اللَّه باتباع نبيه، ولم يحك أحد ممن وصف وضوءه على الاستقصاء، أنه ترك الاستنشاق، بل ولا المضمضة، وهذا يرد على من لا يوجب المضمضة أيضًا، وقد ثبت الأمر بهما أيضًا في سنن أبي داود، پاسناد صحيح. وذكر ابن المنذر أن الشافعي لم يحتج على عدم وجوب الاستنشاق مع صحة الأمر به،