النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
الفصل الثالث في إنبائه عَّ بالأنباء المغيبات
وقد روى مسلم عن أسامة بن زيد أن رسول الله عليه الصلاة والسلام أشرف
على أطم من آطام المدينة ثم قال: ((هل ترون ما أرى، إني لأرى مواقع الفتن
خلال بيوتكم كمواقع القطر)) فكانت فتنة قتل عثمن وتتابعت الفتن إلى فتنة الحرة
وكانت لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين من الهجرة، وجرت فيها
وقائع كثيرة موجودة في كتب التواريخ.
وأخرج البيهقي عن الحسن قال: لما كان يوم الحرة قتل أهلي، حتى لا
يكاد ينفلت منهم أحد. وأخرج أيضًا عن أنس بن ملك قال: قتل يوم الحرة سبعمائة
رجل من حملة القرءان، منهم ثلثمائة من الصحابة، وذلك في خلافة يزيد. وأخرج
أيضًا عن مغيرة قال: انتهب أبو مسلم بن عقبة المدينة ثلاثة أيام وافتض بها ألف
وأنت تقرأ سورة البقرة، فتقع قطرة من دمك على) قوله: (﴿فسيكفيكهم اللّه﴾) الظاهر منه أن
دمه قطر على رسم هذه الآية في المصحف الذي كان يقرأ فيه، واستبعد احتمال أنه أريق دمه
عند آخر تلاوة الآية، (لكن قال الذهبي: إنه حديث موضوع) وأقره السيوطي، كما أقره
المصنف.
(وقد روى مسلم) في الفتن، والبخاري في أواخر الحج، وفي المظالم وفي علامات
الحوة، وفي الفتن فما هذا الإيهام من المصنف؟ كلاهما من طريق ابن شهاب عن عروة (عن
أسامة بن زيد) رضي اللَّه عنهما (أن رسول اللَّه عَِّ أشرف) نظر من مكان مرتفع (على أطم)
(بضم الهمزة والطاء) (من آطام) (بفتح الهمزة والطاء والمد) (المدينة) أي حصن من حصونها،
(ثم قال) لأصحابه: ((هل ترون ما أرى؟، إني لأرى) ببصري (مواقع،) أي مواضع سقوط
(الفتن خلال بيوتكم،) أي نواحيها بأن تكون الفتن مثلت له حتى رآها، كما مثلت له الجنة
والنار في القبلة حتى رآهما وهو يصلي، أو تكون الرؤية بمعنى العلم، (كمواقع القطر) شبه سقوط
الفتن وكثرتها بالمدينة، بسقوط القطر في الكثرة والعموم، (فكانت فتنة قتل عثمن) التي هي
المبدأ، (وتتابعت الفتن) بعده، كالجمل وصفين والنهروان وقتل الحسين (إلى فتة الحرة:)
(بفتح الحاء المهملة والراء الثقيلة) أرض ذات حجارة سود، كأنها أحرقت بالنار بظاهر المدينة،
(وكانت) بها الوقعة (لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين من الهجرة، وجرت فيها
وقائع كثيرة موجودة في كتب التواريخ) لا حاجة إلى الإطالة بذكرها.
(وأخرج البيهقي عن الحسن) (بفتحتين) البصري، لأنه المراد عند الإطلاق عند أهل
الحديث، ونسخة: الحسين بالتصغير خطأ، لأن الحسين بن علي قتل يوم عاشوراء سنة إحدى

١٤٢
الفصل الثالث في إنبائه عَّلّ بالأنباء المغيبات
عذراء.
وقال عليه الصلاة والسلام لأبي موسى وهو على قف بئر أريس، لما
طرق عثمن الباب: ((ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه)) إشارة إلى ما يقع من
استشهاده يوم الدار، بل أصرح من ذلك كله ما رواه أحمد عن ابن عمر قال ذكر
رسول الله عليه الصلاة والسلام فتنة، فمر رجل فقال: ((يقتل فيها هذا يومئذ ظلمًا))،
قال: فنظرت فإذا هو عثمن. وإسناده صحيح.
وستين قبل وقعة الحرة بسنتين، فأخطأ من زعم أنها الصواب، لأن الحسن لم يدرك زمن الحرة،
فيقال له؛ وكذلك أخوه الحسين، وسبب الوهم ظنه أن المراد بالحسن المكبر السبط، وهو
خطأ، فإِنما المراد البصري، (قال: لما كان يوم الحرة قتل أهلي حتى لا يكاد ينفلت منهم
أحد).
(وأخرج) البيهقي (أيضًا عن أنس بن لملك، قال: قتل يوم الحرة سبعمائة رجل من حملة
القرآن،) أي حفظته، (منهم ثلاثمائة من الصحابة).
وفي البخاري عن سعيد بن المسيب أن هذه الوقعة لم تبق من أصحاب الحديبية أحدًا،
(وذلك في خلافة يزيد،) أي زمن ملكه قبحه اللَّه وعامله بعدله، وسبب ذلك أن أهل المدينة لما
ظهر فسق يزيد خلعوه، وأخرجوا عامله عثمن بن محمد بن أبي سفين من بينهم، فبعث إليهم
عسكرًا، عدته سبعة وعشرون ألف فارس وخمسة عشر ألف راجل.
(وأخرج أيضًا عن مغيرة، قال: انتهب أبو مسلم بن عقبة) أمير جيش يزيد (المدينة،) أي
أباح للجيش نهبها والقتل فيها (ثلاثة أيام، وافتض) (بالقاف، أو الفاء مبني للمجهول) (بها ألف
عذراء،) قيل: وحملت في تلك الأيام ألف امرأة من غير زوج، وبلغت القتلى من الموالي والنساء
والعبيد والصبيان عشرة آلاف، ثم بعد الثلاثة أيام أخذ عليهم البيعة ليزيد على أنهم عبيده، إن
شاء أعتق وإن شاء قتل، ثم سار بالجيش إلى مكة لقتال ابن الزبير، فمات بقديد، واستخلف على
الجيش حصين بن نمير بعهد يزيد إليه بذلك، فنزل مكة وحاصرها، ورمى الكعبة بالمنجنيق، فجاء
الخبر بموت يزيد، فرحل بالجيش إلى الشام.
(وقال عليه الصلاة والسلام) في حديث (لأبي موسى) الأشعري، (وهو) أي النبي عَّة.
(على قف:) (بضم القاف وشد الفاء) دكة حول (بئر أريس:) (بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون
التحتية فسين مهملة) بستان بالقرب من قباء، يجوز فيه الصرف وعدمه، وأصل القف ما غلظ من
الأرض وارتفع، والجمع قفاف كما في الفتح.
وقال المصنف: القف حافة البئر أو الدكة التي حولها (لما طرق عثمن الباب،) أي باب

١٤٣
الفصل الثالث في إنبائه معَّله بالأنباء المغيبات
وأخبر عليه الصلاة والسلام بوقعة الجمل وصفين وقتال عائشة والزبير عليًا،
كما أخرجه الحاكم وصححه والبيهقي عن أم سلمة قالت: ذكر رسول الله عليه
الصلاة والسلام خروج بعض أمهات المؤمنين، فضحكت عائشة فقال: انظري يا
حميراء أن لا تكوني أنت، ثم التفت إلى علي فقال له: إن وليت من أمرها شيئًا
الحديقة، قال أبو موسى: وبابها من جريد، فجلست عنده، فجاء إنسان يحرك الباب، فقلت: من
هذا؟، قال: عثمان بن عفان، فقلت: على رسلك، فجئت إلى النبي عَّهِ، فأخبرته، فقال: («ائذن
له وبشره بالجنة على،) قيل: بمعنى مع، والأقرب أنها بمعنى اللام (بلوى تصيبه))،) فجثته، فقلت
له: أدخل وبشرك رسول اللَّه مَّم على بلوى تصيبك، فحمدًا لله، ثم قال: اللَّه المستعان، فدخل،
وذلك (إشارة إلى ما يقع من استشهاده يوم الدار) وأذى المحاصرة قبل القتل مدة، ومنع الماء
عنه فیها.
وروي عند البيهقي: أن عثمن قال: يا رسول اللَّه، والذي بعثك بالحق ما تغنيت ولا تمنيت
ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعتك، فأي بلاء يصيبني، قال: هو ذاك (بل أصرح من ذلك
كله ما رواه أحمد عن ابن عمر بن الخطاب، (قال: ذكر رسول اللَّه عَّلِ فتنة،) أي أخبر
بوقوعها، (فمر رجل، فقال: ((يقتل فيها هذا يومئذٍ ظلمًا))، قال) ابن عمر: (فنظرت:) تأملت
الرجل الذي أشار إليه حين مر، (فإذا هو عثمن) بن عفان، (وإسناده صحيح) فصرح بأن المراد
بالبلوى القتل.
وفي الطبراني الكبير عن زيد بن ثابت، مرفوعًا: مر بي عثمن وعندي جيل من الملائكة،
فقالوا: شهید من الآدمیین یقتله قومه، إنا نستحي منه.
(وأخبر عليه الصلاة والسلام بوقعة الجمل) يوم الخميس عاشر جمادى الأولى، وقيل:
خامس عشرة سنة ست وثلاثين، أضيفت إلى الجمل الذي ركبته عائشة في مسيرها، واسمه
عسكر، اشتراه لها يعلى بن أمية الصحابي بمائتي درهم على الصحيح، وقيل: بأربعمائة، وكانت
حاجة بمكة، فبلغها قتل عثمن، فحضت الناس على طلب دمه، وكان أهل العقد والحل قد بايعوا
عليًا بالخلافة، منهم: طلحة والزبير، واستأذناه في العمرة، فخرجا إلى مكة، فلقيا عائشة، فاتفقا
معها على طلب دمه حتى يقتلوا قتلته، فخرجوا في ثلاثة آلاف رجل، ألف من مكة والمدينة،
ولما بلغ ذلك عليًا بالمدينة، خرج إليهم خوف الفتنة في تسعمائة راكب، وبعث ابنه الحسن
وعمار بن ياسر إلى الكوفة، فصعدا المنبر، فكان الحسن في أعلاه، وعمار أسفل منه، فقال عمار
كما عند البخاري: إن عائشة قد سارت إلى البصرة، ووالله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة،
ولكن اللَّه ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي.

١٤٤
الفصل الثالث في إنبائه عَل بالأنباء المغيبات
فارفق بها.
وعند الإسماعيلي صعد عمار المنبر، فحرض الناس في الخروج إلى قتال عائشة، وفي
رواية: فقال الحسن: إن عليًا يقول: إنيٍ أذكر اللَّه رجلاً رعى اللَّه حقًا إلا نفر، فإن كنت مظلومًا
أعانئي، وإن كنت ظالمًا أخذ مني، واللَّه إن طلحة والزبير لأول من بايعني، ثم نكثا، ولم أستأثر
بمال ولا بدلت حكمًا، فخرج إليه اثنا عشر ألف رجل، ومراد عمار بما قال: إن الصواب مع علي،
وإن عائشة مع ذلك لم تخرج بذلك عن كونها زوج النبي ◌َّهُ في الجنة، وذلك من إنصاف
عمار وشدة ورعه وصدق لهجته وتحريه قول الحق، فلم تستخفه الخصومة إلى تنقيص خصمه،
بل شهد لعائشة بمزيد الفضل مع ما بينهما من الحرب، لصدور ذلك منها عن اجتهاد.
(و) أخبر بوقعة (صفين) كسجين: موضع قرب الرقة بشاطىء الفرات كانت به الوقعة
العظمى بين علي ومطوية غرة صفر سنة سبع وثلاثين، فمن ثم احترز الناس السفر في صفر،
وذلك أن عليّا بايعه أهل الحل والعقد بعد قتل عثمن، وامتنع مطوية في أهل الشام، فكتب إليه
علي مع جرير البجلي بالدخول في الطاعة فأبى.
وذكر يحيى بن سليمن الجعفي، أحد شيوخ البخاري في تأليفه في صفين بسند جيد،
عن أبي مسلم الخولاني أنه قال لمعوية: أأنت تنازع عليًا في الخلافة، أو أنت مثله؟، قال: لا
وإني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر؛ ولكن ألستم تعلمون أن عثمن قتل مظلومًا وأنا ابن عمه
ووليه أطلب بدمه، فائتوا عليًا، فقولوا له: يدفع لنا قتلة عثمن، فأتوه فكلموه، فقال: يدخل في
البيعة ويحاكمهم إلي، فامتنع مطوية، فخرج إليه علي في أهل العراق في سبعين ألفًا، فيهم تسعون
بدريًا وسبعمائة من أهل بيعة الرضوان، وأربعمائة من سائر المهاجرين والأنصار، وخرج معوية في
أهل الشام في ثمانين ألفًا وخمسة آلاف، ليس فيهم من الأنصار إلا النعمان بن بشير ومسلمة بن
مخلد، فالتقى الجمعان بصفّين، فتراسلوا، فلم يتم لهم أمر، فوقع القتال، ودامت الحرب مائة يوم
وعشرة أيام، فقتل من أهل الشام سبعون ألفًا ومن العراق عشرون ألفًا، وقيل: من الشام خمسة
وأربعون ألفًا، ومن العراق خمسة وعشرون ألفًا، وآل الأمر في مطوية ومن معه إلى طلب التحكيم،
ثم رجع علي إلى العراق، فخرجت عليه الحرورية، فقتلهم بالنهروان، ومات بعد ذلك رضي اللّه
عنه، وظهر بقتل عمار مع علي أنه المصيب.
وقد روى ابن عساكر أنه معَّه قال: ((يا علي ستقتلك الفئة الباغية وأنت على الحق، فمن
لم ينصرك يومئذٍ فليس مني)) (و) أخبر بـ (قتال عائشة والزبير عليًا) في وقعة الجمل ولم يكن
معهم معوية.
(كما أخرجه الحاكم وصححه، والبيهقي عن أم سلمة) هند بنت أبي أمية أم المؤمنين،
(قالت: ذكر رسول اللَّه عَ ل خروج بعض أمهات المؤمنين) على الخليفة، (فضحكت عائشة)

١٤٥
الفصل الثالث في إنبائه عَّ بالأنباء المغيبات
وعن ابن عباس مرفوعًا: أيتكن صاحبة الجمل الأدبب، تخرج حتى تنبحها
كلاب الحواب، ويقتل حولها قتلى كثيرة، تنجو بعدما كادت. رواه البزار وأبو
نعیم.
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن أبي الأسود قال: شهدت الزبير خرج یرید
عليًا فقال له علي: أنشدك الله، هل سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول:
تعجبًا من خروج المرأة على الخليفة، (فقال: انظري يا حميراء) (تصغير حمراء للتحبب)، وهي
البيضاء المشرب بياضها بالحمرة، وهو أحسن الألوان، فهذا حديث صحيح، فيه يا حميراء، فيرد
على زاعم أن كل حديث فيه ذلك موضوع، (أن لا تكوني أنت، ثم التفت) عَّةٍ (إلى علي)
رضي اللَّه عنه، (فقال: إن وليت من أمرها شيئًا فارفق بها،) فامتثل الأمر، فإنه لما عقر الجمل
وانهزموا، حمل أخوها محمد وعبد الرحمن بن أبزي هودجها، فوضعاه بين يدي علي، فأمر بها،
فأدخلت بيتًا کما عند ابن أبي شيبة پاسناد جيد.
وفي رواية: أن عليًا أمر بحمل الهودج من بين القتلى، فاحتمله أخوها محمد وعمار بن
ياسر، وجهز عليّ عائشة، وأخرج أخاها محمدًا معها، وشيعها علي بنفسه أميالاً، وسرح بنيه معها
يومًا.
(وعن ابن عباس رضي الله عنهما، مرفوعًا) اختصارًا لقوله انه عَ لّم قال لنسائه: (أيتكن
صاحبة الجمل الأدبب) (بهمزة مفتوحة ودال مهملة ساكنة فموحدتين)، كما ضبطه المصنف
في شرح البخاري.
وفي القاموس: الأدب الجمل الكثير الشعر، ويإظهار التضعيف جاء في الحديث صاحبة
الجمل الأديب اهـ، وفك إدغامه لمشاكلة الحوأب، ونسخة الأحمر من تصحيف الجهال
(تخرج حتى تنبحها كلاب الحواب) بحاء مهملة مفتوحة فواو ساكنة فهمزة مفتوحة
فموحدة)، وبعضهم يقول (بضم الحاء وشد الواو)، والمشهور الأول اسم ماء أو قرية فيها ماء
بطريق البصرة قيل: سمي باسم حوأب بنت كلب بن وبرة لنزولها به، فكان كما قال، فلما
وصلت عائشة إلى حوأب وأناخوا جملها نبحتها الكلاب، فسألت عن اسمه، فقيل: الحوأب،
فقالت: ردوني وأخبرت بالحديث، فقال لها الزبير: يا أم المؤمنين اصلحي بين الناس، فسارت
وكان ما كان، وقيل: حلف لها بعض من معها أنه ليس بالحواب، وليس توجهها للصلح بين
علي والزبير، كما زعم، إنما هو للطلب بدم عثمن كما مر، (ويقتل حولها) لفظ رواية البزار، يقتل
عن يمينها وعن شمالها (قتلى كثيرة) ثمانية آلاف، وقيل: سبعة عشر ألفًا: ومن أصحاب علي
نحو ألف، وقيل: من أصحابه خمسة آلاف ومن أصحابها عشرة، وقيل: من كل فريق خمسة

١٤٦
الفصل الثالث في إنبائه عليه بالأنباء المغيبات
(تقاتله وأنت له ظالم))، فمضى الزبير منصرفًا. وفي رواية أبي يعلى والبيهقي فقال الزبير:
بلى ولكن نسيت.
ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الحسن بن علي: ((إن ابني هذا
سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)). رواه البخاري، فكان
كما قال عليه الصلاة والسلام، لأنه لما قتل علي بن أبي طالب بايع الحسن أكثر
آلاف (تنجو:) تسلم، هي (بعدما كادت) قاربت عدم النجاة، (رواه البزار وأبو نعيم)) وصريحه
كسابقه أن المراد عائشة، وان الحوأب الماء القريب من البصرة، وقيل: المراد بالحوأب مخلاف
بالطائف قتلت به سلمى مولاة عائشة، وكانت مع نسائه لما حدثهن بذلك، وهذا لا يصح، لأنه
صرح بأنها تنجو، وتلك قتلت، وبأنها صاحبة جمل، ويقتل حولها قتلى كثيرة، ولم يكن لسلمى
شىء من ذلك.
(وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي عن أبي الأسود) الديلي (بكسر المهملة وسكون
التحتية)، ويقال: الدؤلي (بالضم بعدها همزة مفتوحة)، البصرى، اسمه ظالم بن عمرو بن سفين
ويقال: عمرو بن ظالم، ويقال: بالتصغير فيهما، ثقة، من رجال الجميع، فاضل، مخضرم، مات
سنة تسع وستین.
(قال: شهدت الزبير بن العوام، (خرج) من الصف يوم الجمل (يريد وليًا،) لما نادى
علي وهو على بغلة النبي ◌َّةٍ: ادعوا لي الزبير، فدعي له، فأقبل، (فقال له علي: أنشدك اللَّه
هل سمعت رسول اللَّه عَّ يقول) لما مر بنا ونحن في مكان كذا وكذا وكل منا يضحك
لصاحبه، فقال: ((يا زبير تحب عليًّا))، فقلت: ألا أحب ابن خالي وأنا ابن عمته وعلى ديني،
فقال: (تقاتله،) وعند أبي يعلى: ((أما واللَّه لا تقاتلنه (وأنت له ظالم))) لأنه لم يفعل ما يوجب
قتاله، (فمضى الزبير منصرفًا) تاركًا للقتال.
(وفي رواية أبي يعلى والبيهقي، فقال الزبير: بلى ولكن نسيت،) وفي رواية قال:
نعم، ولم أُذكر ذلك إلى الآن، فانصرف؛ وفي رواية: أن سبب رجوعه أنه قال لأصحاب علي:
أفيكم عمار بن ياسر، قالوا: نعم، فأغمد سيفه وقال: سمعت رسول اللَّه عَّه يقول لعمار: ((تقتلك
الفئة الباغية)، ولا مانع أنه قال ذلك، ثم ذكره الحديث زيادة في إعلامه، ثم سار على فرسه فقتله
عمرو بن جرموز بوادي السباع غيلة وهو نائم، وجاء إلى علي متقربًا بذلك، فبشره بالنار، فأخرجه
أحمد والترمذي وغيرهما، وصححه الحاكم من طرق، بعضها مرفوع كما في الفتح، وقد كان
الحرب من ارتفاع الشمس إلى العصر، فلما غلب علي نادى منادیه: لا تتبعوا مدبرًا، ولا تجهزوا
جريحًا، ولا تدخلوا دار أحد، ثم دخل البصرة وجمع الناس وبايعهم، ورجع إلى الكوفة واستعمل

١٤٧
الفصل الثالث في إنبائه عَّ له بالأنباء المغيبات
من أربعين ألفًا، فبقي سبعة أشهر خليفة بالعراق وما وراء النهر من خراسان، ثم سار
إلى مطوية وسار معوية إليه، فلما تراءى الجمعان بموضع يقال له بستكين بناحية
الأنبار من أرض السواد، فعلم أن لن تغلب إحدى الفئتين حتى يذهب أكثر
الأخرى، فكتب إلى معوية يخبره أنه يصير الأمر إليه على أن يشترط عليه أن لا
يطالب أحدًا من أهل المدينة والحجاز والعراق بشىء مما كان في أيام أبيه، فأجابه
معوية إلا عشرة، فلم يزل يراجعه حتى بعث إليه برق أبيض وقال: اكتب ما شئت
فأنا ألتزمه، واصطلحا على ذلك، فكان الأمر كما قال النبي عَّه: ((إن الله سيصلح
ابن عباس على البصرة.
(ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الحسن بن علي) خاتم خلافة النبوّة، قال
أبو بكرة: رأيت رسول اللَّه عَ لّ على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه، وهو يقبل على الناس مرة
وعليه أخرى، وفي رواية: ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة، ويقول: (إن ابني هذا سيد،) أي شريف
رئيس مسوّد في قومه لشرف نسبه وذاته وفضله على غيره من جهات، وكفاه فضلاً وشرفًا قول
سيد الخلق عٍَّ فيه سيد، (وسيصلح اللَّه))) كذا في نسخ، والذي في البخاري في الأربعة
مواضع، ولعل الله أن يصلح (به،) أي بسببه، نعم وقع مثل ما هنا في الشفاء، لكنه لم يعزه
للبخاري، فلا تعقب عليه بخلاف المصنف (بين فئتين) تثنية فئة، أي فرقتين، وقوله: (عظيمتين)
كبيرتين، ثبت عند البخاري في الصلح دون باقي المواضع (من المسلمين))) يعني من كان معه
ومن كان مع مطوية، وفيه أنه لم يخرج أحد من الطائفتين في تلك الفتنة بقول أو عمل عن
الإسلام، إذ إحداهما مصيبة، والأخرى مخطئة، وكل مأجور، واستعمل لعل استعمال عسى
لاشتراكهما في الرجاء، والأشهر في خبر لعل؛ أن لا يقترن بأن، كقوله تعالى: ﴿لعل الله
يحدث﴾ [الطلاق: ١]، وفيه أن السيادة إنما يستحقها من ينتفع به الناس، لأنه علق السيادة
بالإصلاح، (رواه البخاري) في الصلح، وعلامات النبوّة والمناقب والفتن، وفيه علم من أعلام
النبوّة ظاهر، فإنه أخبر عن غيب (فكان كما قال عليه الصلاة والسلام، لأنه لما قتل علي بن
أبي طالب) كرم الله وجهه، (بايع الحسن أكثر من أربعين ألفًا) على الموت، وكانوا أطوع
وأحب له من أبيه، كما في الاستيعاب وغيره، (فبقي سبعة أشهر خليفة بالعراق وما وراء النهر
من خراسان، ثم سار إلى معوية، وسار معوية إليه، فلما تراءى الجمعان،) نظر بعضهم إلى
بعض (بموضع يقال له بستكين بناحية الأنبار:) (بفتح الهمزة وإسكان النون وموحدة) بلد على
الفرات (من أرض السواد) (بالفتح والتخفيف)، أي سواد العراق، (فعلم) الحسن (أن لن تغلب
احدى الفئتين حتى يذهب:) يهلك (أكثر الأخرى،) فدعاه ورعه وشفقته على خلق اللَّه تعالى

١٤٨
الفصل الثالث في إنبائه عَّل. بالأنباء المغيبات
. به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)).
وأخرج الدولابي أن الحسن قال: كانت جماجم العرب بيدي پسالمون من
سالمت ويحاربون من حاربت، فتركتها ابتغاء وجه الله تعالى وحقن دماء
المسلمین.
ومن ذلك: إعلامه عليه الصلاة والسلام بقتل الحسين بالطف، وأخرج بيده
تربته وقال: فيها مضجعه، رواه البغوي في معجمه من حديث أنس بن ملك بلفظ:
أستأذن ملك القطر ربه أن يزور النبي عليه الصلاة والسلام فأذن له وكان في يوم
إلى ترك الملك والنزول عنه، (فكتب إلى معوية يخبره أنه يصير الأمر إليه على أن يشترط
عليه أن لا يطالب أحدًا من أهل المدينة والحجاز والعراق بشىء مما كان في أيام أبيه)
علي، (فأجابه معوية) وقد طار فرحًا إلى ما طلب، لكنه قال: (إلا عشرة،) فأطالبهم بما كان،
منهم: قيس بن سعد، (فلم يزل يراجعه) الحسن، وقال: لا أصالحك وأنت تطلب أحدًا منهم،
لا قيس ولا غيره، (حتى بعث إليه) معوية (برق:) (بكسر الراء وفتحها) جلد رقيق يكتب فيه
(أبيض، وقال: اكتب ما شئت فأنا ألتزمه، واصطلحا على ذلك) وعلى أن الأمر للحسن بعد
مطوية، وساء ذلك أكثر الناس حتى كانوا يقولون للحسن: يا ذل المسلمين وعار المؤمنين،
فيقول: العار خير من النار، (فكان الأمر كما قال النبي ◌َّه: ((إن اللَّه سيصلح به بين فئتين
عظيمتين من المسلمين).
(وأخرج الدولابي) (بضم الدال وفتحها) (ان الحسن) بن علي رضي اللَّه عنهما (قال:
كانت جماجم العرب) ساداتهم وقبائلهم التي تنسب إليها البطون (بيدي يسالمون من
سالمت، ويحاربون من حاربت، فتركتها،) أي الخلافة، وكان أحق الناس بها، كما قاله غير
واحد (ابتغاء وجه الله تعالى وحقن دماء المسلمين،) لا لقلة ولا لذلة ولا لعلة.
وفي البخاري عن الحسن البصرى: استقبل واللَّه الحسن بن علي معوية بكتائب أمثال
الجبال، فقال عمرو بن العاصي: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها، فقال مطوية: وكان
واللَّه خير الرجلين، أي عمرو ان قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء، من لي بأمور الناس، من لي
بنسائهم، من لي بضيعتهم، فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس، عبد الرحمن بن
سمرة وعبد اللَّه بن عامر، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه، أي الصلح، وقولا له واطلبا
إليه، فأتياه فدخلا عليه، فذكرا له ذلك، فقال لهما: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال،
وإن هذه الأمة قد عائت في دمائها، قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك،
قال: فمن لي بهذا، قالا: نحن.

١٤٩
الفصل الثالث في إنبائه معَّ بالأنباء المغيبات
أم سلمة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (يا أم سلمة احفظي علينا الباب لا
يدخل علينا أحد))، فبينما هي على الباب إذ دخل الحسين واقتحم فدخل على
رسول الله عليه الصلاة والسلام فجعل رسول الله عليه الصلاة والسلام يلثمه ويقبله،
فقال له الملك: أتحبه؟ قال: ((نعم))، قال: إن أمتك ستقتله وإن شئت أريتك
المكان الذي يقتل به، فأراه فجاء بسهلة أو تراب أحمر، فأخذته أم سلمة فجعلته
في ثوبها. قال ثابت: كنا نقول: إنها كربلاء. وخرجه أبو حاتم في صحيحه ورواه
وفي الكامل لابن الأثير: أن معوية أرسل رسوليه المذكورين قبل وصول كتاب الحسن
إليه ومعهما صحيفة بيضاء، مختوم على أسفلها، وكتب إليه معوية أن اكتب إلي في هذه
الصحيفة التي ختمت أسفلها بما شئت فهو لك؛ وذكر ابن سعد عن عمرو بن دينار؛ أن مدوية
كان يعلم أن الحسن أكره الناس للفتنة، فراسله وأصلح الذي بينهما، وأعطاه عهدًا إن حدث به
حدث والحسن حي، ليجعلن هذا الأمر إليه، وعن عبد الله بن جعفر: قال لي الحسن إني رأيت
رأيًا أحب أن تتابعني عليه، قلت: ما هو؟، قال: رأيت أن أعمد إلى المدينة فأنزلها وأخلي الأمر
المعوية، فقد طالت الفتنة وسفكت الدماء وقطعت السبل، فقلت: جزاك الله خيرًا عن أمة محمد،
فبعث إلى حسين، فقال: أعيذك، فلم يزل به حتى رضي، ثم سار الحسن إلى المدينة، وعاش
بعد ذلك عشر سنين، ومات مسمومًا في حياة معوية.
(ومن ذلك إعلامه عليه الصلاة والسلام بقتل الحسين بالطف) بفتح الظاء المهملة
وشد الفاء، موضع بناحية الكوفة على شاطىء نهر الفرات، (وأخرج بيده تربته،) أي الطف،
(وقال: فيها مضجعه) (بفتح الجيم وتكسر)، والأول أقيس وأفصح، والتعبير به إيماء إلى أنه حي
شهيد، لأن أصله محل يضطجع فيه النائم، (رواه البغوي) الكبير، الحافظ أبو القاسم عبد الله بن
محمد (في معجمه) في الصحابة (من حديث أنس بن لملك، بلفظ: استأذن ملك القطر) هو
إسرافيل الموكل به وبالنبات، كما عند البيهقي وغيره عن عبد الرحمن بن سابط، وعند أحمد
وابن سعد عن عائشة، رفعاه: ((أخبرني جبريل أن حسينًا يقتل بشاطىء الفرات))، لفظ علي ولفظ
عائشة: أخبرني جبريل أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف، وجاءني بهذه التربة وأخبرني
أن فيها مضجعه، والجمع بينهما أنهما ممّا أخبراه بذلك في وقتين. (ربه) تبارك وتعالى (أن يزور
النبي عَّه، فأذن له وكان في يوم أم سلمة، فقال النبي عَّهُ: ((يا أم سلمة احفظي علينا
الباب، لا يدخل علينا أحد)»، فبينا هي على الباب) تحفظه، (إذ دخل الحسين واقتحم:)
دخل بسرعة، (فدخل على رسول اللَّه عَّةٍ: فجعل رسول اللَّه عَلٍ يلثمه) (بكسر المثلثة
وتفتح) (ويقبله) (بموحدة عطف تفسير)، (فقال له الملك: أتحبه، قال: ((نعم)، قال: إن أمتك

١٥٠
الفصل الثالث في إنبائه عَّ بالأنباء المغيبات
أحمد بتحوه.
والسهلة - بالكسر -: الرمل الخشن ليس بالدقاق الناعم.
وفي رواية الملاء، قالت: ثم ناولني كفّا من تراب أحمر، وقال: إن هذا من
تربة الأرض التي يقتل فيها فمتى صار دمًا فاعلمي أنه قد قتل. قالت أم سلمة:
فوضعته في قارورة عندي وكنت أقول: إن يومًا يتحول فيه دمًا ليوم عظيم
الحدیث.
فاستشهد الحسين كما قال عليه الصلاة والسلام بكربلاء من أرض العراق،
بناحية الكوفة، ويعرف الموضع بالطف، وقتله سنان بن أنس النخعي وقيل غيره،
ولما قتلوه بعثوا برأسه إلى يزيد، فنزلوا أول مرحلة فجعلوا يشربون بالرأس، فبينما
ستقتله) بغيًا وعدوانًا، (وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل به، فأراه) إياه، (فجاء بسهلة)
(بكسر فسكون)، (أو تراب أحمر،) شك الراوي، (فأخذته أم سلمة، فجعلته في ثوبها،) أي:
ثم وضعته في القارورة، كما في الرواية الآتية، (قال ثابت) البناني راويه عن أنس: (كنا نقول
إنهاء) أي الأرض المعبر عنها بالمكان (كربلاء،) وجاء في رواية: شم عَهُ التراب، وقال: ريح
كربلاء.
(وخرجه أبو حاتم) محمد بن هبان الحافظ (في صحيحه، ورواه أحمد بنحوه: والسهلة
(بالكسر) للسين المهملة)، كما في الصحاح والقاموس، وقول بعض: المعجمة سبق قلم واسكان
الهاء (الرمل الخشن ليس بالدقاق) بضم الدال (الناعم).
(وفي رواية الملاء) (بفتح الميم واللام الشديدة) عمر الموصلي، لأنه كان يملأ بجامع
المسجد بالموصل احتسابًا (قالت) أم سلمة: (ثم ناولني) ◌َ﴾ (كفا من تراب أحمر، وقال:
إن هذا من تربة الأرض التي يقتل فيها) الحسين، (فمتى صار دما، فاعلمي انه قد قتل) فيه
معجزة أخرى هي الأخبار بأن أم سلمة تعيش بعد قتل الحسين، (قالت أم سلمة: فوضعته في
قارورة عندي، وكنت أقول: إن يومًا يتحول فيه دما ليوم عظيم ... الحديث،) وتفصيل قصته
يحرق الأكباد ويذيب الأجساد، وقد أفردها خلائق بالتأليف، واختصارها انه لما مات معوية
وتولى ابنه يزيد أبى الحسين أن يبايعه، وكتب إليه رجال من الكوفة: ھلم إلينا نبايعك، فأنت
أحق من يزيد، فنهاه جمع، منهم: ابن عمر عن الخروج إلى الكوفة، لأنهم لو صدقوا لأخرجوا
عامل يزيد من بينهم، فأبى إلا الخروج، فقالوا لا تخرج بأهلك، فأبى إلا أن يصحيهم معه، فخرج
من مكة إلى العراق، فأخرج إليه عبيد الله بن زياد عامل الكوفة جيشًا، فالتقيا بكربلاء، وقتل

١٥١
الفصل الثالث في إنبائه معَّ بالأنباء المغيبات
هم كذلك إذ خرجت عليهم من الحائط يد معها قلم من حديد فكتبت سطرًا
بدم:
أترجو أمة قتلت حسينًا شفاعة جده يوم الحساب
فهربوا وتر کوا الرأس. خرجه منصور بن عمار.
وذكر أبو نعيم الحافظ في كتاب دلائل النبوة عن نضرة الأزدية أنها قالت:
لما قتل الحسين بن علي أمطرت السماء دمًا فأصبحنا وحبابنا وجرارنا مملوأة دمًا.
وكذا روي في أحاديث غير هذه.
:
الحسين من عسكر ابن زياد قتلى كثيرة حتى قتل، وخذله الذين بعثوا إليه، (فاستشهد الحسین،
كما قال عليه الصلاة والسلام بكربلاء من أرض العراق بناحية الكوفة، ويعرف الموضع أيضًا
بالطف) اشارة إلى الجمع بين الروايتين، وقال غيره: كربلاء قريب من الطف، (وقتله،) أي باشر
قتله (سنان) (بكسر السين المهملة ونونین) (ابن أنس النخعي، وقیل: غیرہ،) یعني شمر بن ذي
الجوشن الضبابي.
وعند البيهقي: كسفت الشمس عند قتله كسفة أبدت الكواكب نصف النهار، وفي رواية:
واستمرت ثلاثة أيام وسمعت الجن تنوح عليه، (ولما قتلوه بعثوا برأسه) أولاً إلى ابن زياد،
فجعل في طست، فجعل ينكت كما في البخاري، أي يضرب بقضيب في أنقه وعينيه، ثم بعث
به (إلى يزيد) بن مطوية مع نساء الحسين مكشفات الوجوه کالأسرى، (فنزلوا أول مرحلة،
فجعلوا يشربون بالرأس،) أي جعلوه ظرفًا للخمر، (فبينما هم كذلك إذ خرجت عليهم من
الحائط يد معها قلم من حديد، فكتبت سطرًا بدم:)
(أنرجو أمة قتلت حسينًا شفاعة جده يوم الحساب)
(فهربوا وتركوا الرأس، خرجه منصور بن عمار) زاد غيره: ثم عادوا وأخذوه، أو أخذه
غيرهم، وقدم به على يزيد بدمشق، فطيف به فيها وبين يديه رجل يقرأ سورة الكهف، حتى بلغ:
أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبًا، فأنطق اللَّه الرأس بلسان ذرب،
فقال: حالي أعجب من أصحاب الكهف قتلي وحملي.
أخرجه ابن عساكر عن منهال بن عمر، وثم طيف به في البلاد إلى أن انتهى إلى عسقلان،
فدفنه أميرها بها، فلما غلب الفرنج على عسقلان، استنقذ الرأس منهم الصالح طلائع رزيك وزير
الفاطميين بمال جزيل، وبنى عليه المشهد بالقاهرة، كما أشار لذلك القاضي الفاضل في قصيدة
مدح بها الصالح، ونقله عنه الحافظ ابن حجر وأقره، لكن نازع في ذلك بعضهم بأن الحافظ أبا
العلاء الهمداني ذكر أن ابن معوية أرسل الرأس إلى المدينة، فكفنه عامله بها عمرو بن سعيد بن

١٥٢
الفصل الثالث في إنبائه عَّ بالأنباء المغيبات
وقال عليه الصلاة والسلام لعمار: ((تقتلك الفئة الباغية))، رواه البخاري ومسلم
فكان كما قال عليه الصلاة والسلام.
ومن ذلك: ما رواه أبو عمر بن عبد البر أن عبد الله بن عمر رأى رجلاً مع
النبي عليه الصلاة والسلام فلم يعرفه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((أرأيته))؟
العاصي، ودفنه عند قبر أمه بالبقيع، قال: وهذا أصح ما قيل، وكذا قال الزبير بن بكار، ورجحه
القرطبي؛ بأن الزبير أعلم أهل النسب، قال: وما ذكر أنه بمشهد في عسقلان أو القاهرة فباطل
لا يصح، وقيل: أعيد إلى جثته، ودفن بكربلاء بعد أربعين يومًا من مقتله.
وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: أوحى اللَّه إلى محمد اني قتلت بيحيى بن زكريا
سبعين ألفًا، وإني قائل بابن ابنتك سبعين ألفًا وسبعين ألفًا، قال الحاكم: صحيح، قال الذهبي:
على شرط مسلم، قال الحافظ: ورد من طريق واه عن علي مرفوعًا: قاتل الحسين في تابوت من
نار عليه نصف عذاب أهل الدنيا.
(وذكر أبو نعيم الحافظ) أحمد بن عبد اللَّه الأصبهاني (في كتاب دلائل النبوة عن
نضرة الازدية، أنها قالت: لما قتل الحسين بن علي أمطرت السماء دمًا، فأصبحنا وحبابنا:)
(بكسر الحاء المهملة وموحدتين جمع حب وهو الخابية) (وجرارنا:) (بكسر الجيم جمع جرة
بفتحها) (مملوأة دمًا، وكذا روي في أحاديث غير هذه،) أي آثار، وفي ذلك عبرة لمن اعتبر.
(وقال عليه الصلاة والسلام لعمار بن ياسر: ((تقتلك الفئة الباغية))) الخارجة على
الإمام الواجب الطاعة، وهي مغوية ومن معه، (رواه البخاري ومسلم،) واللفظ له من حديث أم
سلمة، أما البخاري، فرواه من حديث أبي سعيد، قال: كنا نحمل لبنة لبنة.
وفي لفظ عنده: كنا ننقل لبن المسجد لبنة لبنة، وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي عَّته،
فينفض التراب عنه ويقول: ((ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار))،
قال عمار: أعوذ بالله من الفتن، وفي لفظ عنده: ((يدعوهم إلى اللَّه ويدعونه إلى النار))، أي إلى
طاعة اللَّه، لأن طاعة الإمام من طاعة اللَّه، ومن رواة البخاري من قال: ((ويح عمار يدعوهم) ...
الخ، وأسقط ما بينهما.
وفي مسلم عن أبي سعيد: أخبرني من هو خير مني أبو قتادة، أن رسول اللَّهِ مَّم قال
لعمار حين جعل يحفر الخندق، وجعل يمسح رأسه ويقول: «بؤس ابن سمية تقتلك فئة باغية)
(بضم الموحدة) في بؤس، وهو المكروه، أي ما أعظمه وأشده، وفي لفظ له: ((ويس أو يا ويس

١٥٣
الفصل الثالث في إنبائه عَل بالأنباء المغيبات
قال: نعم، قال: ((ذاك جبريل، أما إنك ستفقد بصرك))، فعمي في آخر عمره.
ابن سمية، وويس: (بفتح الواو واسكان التحتية ومهملة) كلمة ترحم کویح، (فكان كما قال
عليه الصلاة والسلام،) فقتل مع علي بصفين، ودفن بها سنة سبع وثلاثين عن ثلاث أو أربع
وتسعين سنة.
وأخرج الطبراني في الكبير بإسناد حسن، عن أبي سنان الدؤلي الصحابي، قال: رأيت
عمار بن ياسر دعا غلامًا له بشراب، فأتاه بقدح لبن، فشرب منه ثم قال: صدق اللَّه ورسوله، اليوم
ألقى الأحبة محمدًا وحزبه، إن رسول اللَّه عَُّلِّ قال: ((إن آخر شىء تزوده من الدنيا صبحة لبن)،
ثم قال: والله لو هزمونا حتى بلغونا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق، وأنهم على الباطل،
واستشكل بأن مدوية كان معه جماعة من الصحابة، فكيف يجوز عليهم الدعاء إلى النار، أي إلى
سببها.
وأجيب بانهم ظنوا أنهم يدعونه إلى الجنة وهم مجتهدون لا لوم عليهم، وإن كان في
نفس الأمر بخلاف ذلك، لأن الإمام الواجب الطاعة إذ ذاك هو علي الذي كان عمار يدعوهم
إليه، كما أرشد لذلك بقوله: (يدعوهم إلى الجنة))، أي إلى سببها، وبجعله قتلة عمار بغاة، وهذا
الحديث متواتر.
قال القرطبي: ولما لم يقدر معوية على إنكاره قال: إنما قتله من أخرجه، فأجابه علي بأن
رسول اللَّه عَِّ إذًا قتل حمزة حين أخرجه.
قال ابن دحية: وهذا من الالزام المفحم الذي لا جواب عنه، وحجة لا اعتراض عليها.
قال القرطبي: فرجع معوية وتأوله على الطلب، وقال: نحن الفئة الباغية، أي الطالبة لدم
عثمن من البغاء (بضم الباء والمد)، وهو الطلب، قال الأبي: البغي عرفا الخروج عن طاعة الإمام
مغالبة له، ولا يخفى بعد التأويلين أو خطأهما، والأول واضح، وكذا الثاني، لأن ترك علي
القصاص من قتلة عثمن، الذين قاموا بطلبه ورأوه مستند اجتهادهم، ليس لأنه تركه جملة واحدة،
وإنما تركه لما تقدم، أي حتى يدخلوا في الطاعة، ثم يدعو على من قتل، قال: وأيضًا عدم
القصاص منكر قاموا لتغييره، والقيام لتغيير المنكر إنما هو ما لم يؤد إلى مفسدة أشد، وأيضًا
المجتهد إنما يحسن به الظن إذا لم يبين مستند اجتهاده، أما إذا بينه وكان خطأ فلا، وللَّه در
الشيخ، يعني ابن عرفة، حيث كان يقول الصحبة حصنت من حارب عليًا انتهى.
وقال الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتاب الإمامة: أجمع فقهاء الحجاز والعراق من
فريقي أهل الحديث والرأي، منهم: لملك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي، والجمهور الأعظم من
المسلمين والمتكلمين، على أن عليًا مصيب في قتاله لأهل صفين، كما هو مصيب في أهل

١٥٤
الفصل الثالث في إنباته عنٍّ بالأنباء المغيبات
ومن ذلك: قوله عليه الصلاة والسلام لثابت بن قيس بن شماس: ((تعيش
حميدًا وتقتل شهيدً)). رواه الحاكم وصححه، والبيهقي وأبو نعيم، فقتل يوم
مسيلمة الكذاب باليمامة.
ومن ذلك: قوله لعبد الله بن الزبير: ((ويل لك من الناس، وويل للناس منك)).
فكان من أمره مع الحجاج ما كان.
الجمل، وأن الذین قاتلوه بغاة ظالمون له، لكن لا يكفرون ببغيهم.
وقال الإمام أبو منصور الماتريدي: أجمعوا على أن عليًّا كان مصيبًا في قتال أهل الجمل:
طلحة والزبير وعائشة بالبصرة، وأهل صفين مطوية وعسكره.
وفي روض السهيلي: ان عاملاً لعمر قال له: رأيت الليلة كأن الشمس والقمر يقتتلان، ومع
كل نجوم قال عمر: مع أيهما كنت؟، قال: مع القمر، قال: كنت مع الآية المحمودة، اذهب
لا تعمل لي عملاً أبدًا، وعزله فقتل بصفين مع مطوية واسمه حابس بن سعد.
(ومن ذلك ما رواه أبو عمر) يوسف (بن عبد البر: أن عبد الله بن عمر رأى رجلاً مع
النبي ◌َ﴾، فلم يعرفه، فقال النبي عَّه: ((أرأيته))، قال: نعم، قال: ((ذاك جبريل، أما) (بالفتح
والتخفيف) (إنك ستفقد بصرك((، فعمى في آخر عمره).
ذكر الغزالي وجماعة: أن رؤية الملائكة ممكنة، لأنها كرامة يكرم الله بها من يشاء من
أوليائه، ووقع ذلك لجماعة من الصحابة، ولما رأى ابن عباس جبريل، قال له النبي عَ له: ((لن يراه
خلق إلا عمي إلا أن يكون نبيًّا، ولكن يكون ذلك آخر عمرك))، رواه الحاكم، وكذا رأته عائشة
وزيد بن أرقم، وخلق لما جاء يسأل عن الإيمان، ولم يعموا، لأن الظاهر أن المراد من رآه منفردًا
به كرامة له، قاله بعض المحققين، وهو وجيه، ورده بأن رؤية ابن عباس ليست كذلك، بل
کرؤيته لما جاء يسأل عن الإيمان وهم، لأنه لما سأل عن الإيمان رآه جميع الحاضرين بخلاف
قصة ابن عباس، فانفرد برؤيته دون من حضر.
(ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لثابت بن قيس بن شماس) (بفتح المعجمة
والميم الثقيلة فألف فمهملة) خطيبه، وخطيب الأنصار لما افتقده حين نزل: ﴿لا ترفعوا أصواتكم
فوق صوت النبي﴾ الآية، فخاف أن تكون نزلت فيه، لأنه رفيع الصوت، فدعا به، فقال: ((تعيش
حميدًا) محمودًا في أفعالك وأقوالك عند اللَّه وعند الناس، (وتقتل شهيدًا))،) زاد في رواية
وتدخل الجنة.
(رواه الحاكم وصححه، والبيهقي وأبو نعيم، فقتل يوم مسيلمة الكذاب باليمامة،)
وعند ابن أبي حاتم عن أنس: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا، ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما

١٥٥
الفصل الثالث في إنبائه عَل بالأنباء المغيبات
ومن ذلك: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال:
إن هذا الدين بدأ نبوة ورحمة ثم يكون خلاقه ورحمة، ثم يكون ملكًا عضوضًا، ثم
يكون سلطانًا وجبرية.
وقوله: ملكًا عضوضًا أي يصيب الرعية فيه عسف وظلم، كأنهم يعضون فيه
عضًا.
وفي حديث سفينة عند أبي داود والترمذي قال قال رسول الله عليه الصلاة
كان يوم اليمامة كان في بعضنا بعض الانكشاف، فأقبل وقد تكفن وتحنط، فقاتل حتى قتل،
ومر مزيد لذلك في المقصد الثاني.
(ومن ذلك قوله لعبد الله بن الزبير) لما احتجم وأعطاه الدم، وقال: ((اذهب فواره حيث
لا يراه أحد))، قال: فذهب، فشربته ثم أتيته، فقال: (ما صنعت بالدم))، قلت: غيبته، قال: لعلك
شربته، قلت: شربته، قال: ((ويل) للتحسر والتألم (لك من الناس،) إشارة إلى محاصرته وتعذيبه
وقتله وصلبه، (وويل للناس منك))) لما أصابهم من حربه ومحاصرة مكة بسببه، وقتل من قتل،
وما أصاب أمه وأهله من المصائب، وما لحق قاتليه من الاثم العظيم وتخريب الكعبة، فهو بيان
لما تسبب عن شرب دمه، لأنه بضعة من النبوة، نورانية قوت قلبه حتى زادت شجاعته وعلت
همته عن الانقياد لغيره ممن لا يستحق امارة فضلاً عن الخلافة، (فكان من أمره مع الحجاج)
الثقفي لما بعثه عبد الملك بن مروان لقتاله بجيش عظيم (ما كان) من حصاره ورميه الكعبة
بالمنجنيق، ثم قتله وصلبه أيامًا إلى غير ذلك، وجاء أنه لما شرب دمه عَّةٍ تضوع فمه مسكًا،
وبقيت رائحته موجودة في فمه إلى أن صلب بعد قتله سنة ثلاث وسبعين، وكانت خلافته تسع
سنين، قال الإمام مالك: وكان أحق بها من عبد الملك وأبيه مروان.
(ومن ذلك حديث أبي هريرة رضي اللَّه عنه أنه ◌ٍَّ قال: إن هذا الدين،) أي الإسلام
(بدأ) بهمزة آخره، أي ابتدأ أول أمر، وبألف مقصورة أي ظهر من العدم إلى الخارج، قيل:
والأول أظهر هنا (نبوة ورحمة) بالنصب حال أو تمييز، أو بنزع الخافض، أي بدأ نبوته عملية
ورحمته للعالمين بإنقاذهم من الضلال والكفر.
وأمر الجاهلية في الحياة النبوية، (ثم) بعده (يكون خلافة ورحمة) زمن الخلفاء الراشدين،
وفي الشفاء: ثم يكون رحمة وخلافة بتقديم الرحمة لكونها قبلهم، واستمرت زمنهم وأخرها أولاً،
لأنها نشأت من النبوة، (ثم يكون) الدين بعد الخلافة (ملكًا) (بتثليث الميم) (عضوضًا) (بفتح
العين المهملة ومعجمتين)، (ثم يكون) (بتحتية) الدين (سلطانًا).
وفي رواية: عتوا (بضم المهملة والفوقية)، أي خروجًا عن طاعة الله تعالى، (وجبرية)

١٥٦
الفصل الثالث في إنبائه عَّه بالأنباء المغيبات
والسلام: ((الخلافة بعدي في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك)). قال سعيد بن
جمعان: أمسك خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة عثمن وخلافة علي فوجدناها
ثلاثين سنة، فقيل له: إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم فقال: كذب بنو
الزرقاء، بل هم ملوك من شر الملوك.
وأخرج أبو نعيم عن ابن عباس أن أم الفضل مرت به عليه الصلاة والسلام
فقال: ((إنك حامل بغلام فإذا ولدتيه فائتني (*))، قالت فلما ولدته أتيته به فأذن في
(بفتح الجيم وسكون الموحدة وفتحها، فراء مكسورة، فتحتية ثقيلة، أي قهرًا وتكبرًا.
(وقوله: ملكًا عضوضًا، أي يصيب الرعية فيه عسف) (بفتح العين وسكون السين
المهملتين وقاء)، أي أخذ بذنب الغير، (وظلم) (عطف عام على خاص)، (كأنهم يعضون) بفتح
الياء، أي يعض بعضهم على بعض (فيه عضًّا،) وهو استعارة، شبه ظلمهم وعسفهم بعض حيوان
مقترس یعض من رآه.
(وفي حديث سفينة) مولى النبي عَّة، سماه بذلك لأنه كان معه في سفر، فأعيا بعض
القوم، فألقوا عليه أمتعة كثيرة، فحملها، واسمه مهران، أو رومان، أو غير ذلك، كما تقدم (عند
أبي داود والترمذي) والنسائي وأحمد وأبي يعلى وابن حبان.
(قال: قال رسول اللَّه عَّله: ((الخلافة بعدي في أمتي،) قال الحافظ: أراد خلافة النبوة،
وأما معوية فمن بعده، فعلى طريق الملوك ولو سموا خلفاء.
وأخرج البيهقي في المدخل عن سفينة أول الملوك معوية (ثلاثون سنة) فلم يكن فيها إلا
الأربعة والحسن بن علي ختامهم، فإن مدة الصديق سنتان وثلاثة أشهر وتسعة أيام، وعمر عشر
سنين وستة أشهر وخمسة أيام، وعثمن إحدى عشرة سنة وإحدى عشر شهرًا وتسعة أيام، وعلي
أربع سنين وتسعة أشهر وسبعة أيام، والحسن باقي الثلاثين إلى أن نزل لمغوية في نصف جمادى
الأولى سنة إحدى وأربعين من الهجرة، (ثم ملك بعد ذلك،) لأن اسم الخلافة إنما هو لمن
صدق عليه هذا الاسم بعمله بالسنة، والمخالفون ملوك وإن تسموا خلفاء.
(قال سعيد) (بكسر العين) (ابن جمعان) بضم الجيم وإسكان الميم، الأسلمي، أبو حفص
البصري، تابعي صغير، صدوق، له إفراد، روى له أصحاب السنن، مات سنة ست وثلاثين ومائة،
(أمسك) عليك، كما في رواية أبي داود (خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة عثمن وخلافة
علي،) أي احبس نفسك على عد خلافتهم ولا تتجاوزه لغيره، فإنا حسبناها، (فوجدناها ثلاثين
سنة،) يعني بمدة الحسن، كما في الشفاء، ومن لم يعدها فلأنها لم تطل، ولم يدن له ما دان
للأربعة، فكأنه اندرج في خلافة أبيه، فهما كرجل واحد فهو من الأربعة، (فقيل له: إن بني أمية

١٥٧
الفصل الثالث في إنبائه مَّ بالأنباء المغيبات
أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى وألباه من ريقه وسماه عبد الله وقال: ((اذهبي بأبي
الخلفاء)) قالت: فأخبرت العباس فأتاه فذكر له ذلك فقال: ((هو ما أخبرتك، هذا أبو
الخلفاء حتى يكون منهم السفاح، حتى يكون منهم المهدي، حتى يكون منهم
من يصلي بعيسى بن مريم)).
وأخرج أبو يعلى عن معوية سمعت رسول الله علّه يقول: لتظهرن الترك على
العرب حتى تلحقها بمنابت الشيح والقيصوم.
ومن ذلك: إخباره عليه الصلاة والسلام بعالم المدينة، أخرج الحاكم
وصححه عن أبي هريرة قال قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((يوشك الناس أن
يزعمون أن الخلافة فيهم، فقال: كذب بنو الزرقاء، بل هم ملوك من شر الملوك،) لأنهم
غيروا أمر الدين وعتوا وتجبروا، وأولهم يزيد بن معوية.
(وأخرج أبو نعيم عن ابن عباس أن أم الفضل) لبابة بنت الحرث زوج العباس، ولفظ
الرواية عند أبي نعيم وابن حبان، وغيرهما عن ابن عباس، قال: حدثتني أم الفضل أنها (مرت
به عَّد) وهو جالس في الحجر (فقال: ((إنك حامل بغلام، فإذا ولدتيه فائتني به))، قالت: فلما
ولدته) قبل الهجرة بثلاث سنين بالشعب قبل خروج بني هاشم منه (أتيته به، فأذن في أذنه
اليمنى وأقام في أذنه اليسرى) فيه إشكال، لأن الأذان والإقامة إنما كانا بالمدينة، اللهم إلا أن
يكون عَّه كان يعلم كلمات الأذان والإقامة، ولم يوح إليه أنه يدعو بهما إلى الصلاة حتى
استشار أصحابه، وكانت الرؤيا والعلم عند الله، (وألبأه) (بفتح الهمزة وإسكان اللام، فموحدة،
فهمزة)، أي صب في فيه (من ريقه)،) كما يصب اللبأ في فم الصبي، وهو أول ما يحلب عند
الولادة، (وسماه عبد اللّه، وقال: ((اذهبي بأبي الخلفاء)))) زاد في رواية: ((فلتجديه كيسًا)،
(قالت: فأخبرت العباس، فأتاه، فذكر له ذلك) الذي حدثته به عنه، (فقال: ((هو ما أخبرتك،
هذا أبو الخلفاء حتى يكون منهم السفاح)))) لقب أول خلفائهم عبد الله بن محمد بن علي بن
عبد الله بن عباس، (حتى يكون منهم المهدي) بن المنصور أخي السفاح، وليها عشر سنين
حتى مات سنة تسع وستين ومائة، (حتى يكون منهم من يصلي بعيسى ابن مريم) إشارة إلى
بقائهم إلى آخر الزمان.
(وأخرج أبو يعلى عن معوية) بن أبي سفين، وأوّله عند أبي يعلى عن مطوية بن خديج،
قال: كنت عند معوية، فأتاه كتاب عامله، أنه وقع بالترك وهزمهم، فغضب معوية من ذلك، ثم
كتب إليه لا تقاتلهم حتى يأتيك أمري فإني (سمعت رسول اللّه عَ لّه يقول: «لتظهرن الترك

١٥٨
مـ
الفصل الثالث في إنبائه عَّه بالأنباء المغيبات
يضربوا أكباد الإبل فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة)). قال سفين بن
عيينة: نرى هذا العالم لملك بن أنس، وقال عبد الرزاق: ولم يعرف بهذا الاسم
على العرب حتى تلحقها بمنابت الشيخ) (بالكسر نبت معروف)، (والقيصوم) نبت، وهو
صنفان أنثى وذكر، والنافع منه أطرافه، وزهره مر جدًا، ويدلك البدن منه للنافض، فلا يقشعر إلا
يسيرًا، ودخانه يطرد الهوام، وشرب سحيقه نيئًا نافع لعسر النفس والبول والطمث ولعرق النسا،
وينبت الشعر ويقتل الدود، قاله في القاموس.
قال في فتح الباري: قد ظهر مصداق هذا الخبر، وقد كان مشهورًا في زمن الصحابة
حديث: ((اتركوا الترك ما تركوكم)، وقد رواه الطبراني عن مطوية، مرفوعًا: وقاتل المسلمون الترك
في زمن بني أمية، وكان ما بينهم وبين المسلمين مسدودًا إلى أن فتح ذلك شيئًا بعد شىء،
وكثر السبي منهم، وتنافس فيهم الملوك لما فيهم من الشدة والبأس حتى كان أكثر عسكر
المعتصم منهم، ثم غلب الأتراك على الملك، فقتلوا ابنه المتوكل، ثم أولاده واحدًا بعد واحد
إلى أن خالط المملكة الديلم، ثم كان الملوك الساسانية من الترك أيضًا، فملكوا بلاد العجم، ثم
غلب على ملك الممالك آل سبكتكين، ثم آل سلجوق، وامتدت مملكتهم إلى العراق والشام
والروم، ثم كان بقايا أتباعهم بالشام، وهم آل زنكي وأتباع هؤلاء، وهي بيت أيوب، واستكثر
هؤلاء من الترك، فغلبوهم على الشام ومصر والحجاز، وخرج على آل سلجوق في المائة
الخامسة الغز، فخربوا البلاد وفتكوا في العباد، ثم كانت الطامة الكبرى بالططر، فخرج جنكيزخان
بعد الستمائة، فاستعرت بهم الدنيا نارًا، خصوصًا المشرق بأسره حتى لم يبق بلد منه حتى دخله
شرهم، ثم كان خراب بغداد، وقتل الخليفة المعتصم آخر خلفائهم على أيديهم في سنة أربع
وستين وستمائة، ثم لم تزل بقاياهم يخرجون إلى أن كان اللنك، ومعناه الأعرج، واسمه تمر
(بفتح المثناة وضم الميم)، وربما أشبعت، فطرق البلاد الشامية، وعاث فيها، وأحرق دمشق حتى
صارت خاوية على عروشها، ودخل الروم والهند وما بين ذلك، وطالت مدته إلى أن أخذه اللَّه،
وتفرق بنوه بالبلاد، فظهر بذلك مصداق قوله عَّ له: ((إن بني قنطوراء أوّل من يسلب أمتي
ملکھم)».
أخرجه الطبراني عن معوية، وهم الترك وقنطوراء (بالمد والقصر)، قيل: كانت جارية
لإبراهيم الخليل، فولدت له أولادًا، فانتشر منهم الترك، حكاه ابن الأثير واستبعده؛ وأما شيخنا في
القاموس، فجزم به وحكى قولاً آخر: أن المراد به السودان، وكأنه يعني بقوله أمتي أمة النسب لا
أمة الدعوة، يعني العرب. انتهى.
(ومن ذلك إخباره عليه الصلاة والسلام بعالم المدينة) النبوية، (أخرج) الترمذي

١٥٩
الفصل الثالث في إنبائه عَِّ بالأنباء المغيبات
غيره ولا ضربت أكباد الإبل إلى أحد مثل ما ضربت إليه، وقال أبو مصعب: كان
الناس يزدحمون على باب لملك ويقتتلون عليه من الزحام، يعني لطلب العلم.
وممن روى عنه من الأئمة المشهورين: محمد بن شهاب الزهري، والسفيانان
وحسنه، والنسائي و(الحاكم، وصححه عن أبي هريرة، قال: قال عَّ ((يوشك الناس أن
يضربوا) وفي رواية: يوشك أن يضرب الناس (أكباد الإبل،) يطلبون العلم، هكذا في الرواية عند
الترمذي والحاكم قبل قوله: (فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة))).
وفي رواية: ((أفقه من عالم المدينة)، وفي أخرى: ((آباط الإبل)) مكان ((أكباد الإبل))، وفي
أخرى ((يلتمسون العلم)) مكان ((يطلبون العلم))، وفي رواية: ((لا تنقضي الساعة حتى يضرب الناس
أكباد الإبل من كل ناحية إلى عالم المدينة يطلبون علمه)).
(قال سفين بن عيينة) الهلالي، أبو محمد الكوفي، ثم المكي، الثقة، الحافظ الفقيه،
الإمام الحجة، مات سنة ثمان وتسعين ومائة وله إحدى وتسعون سنة: (نرى هذا العالم لملك بن
أنس).
وفي رواية عن سفين: كنت أقول هو ابن المسيب، حتى قلت: كان في زمنه سليمن
وسالم وغيرهما، ثم أصبحت اليوم أقول: إنه ملك، وذلك أنه عاش حتى لم يبق له نظير
بالمدينة.
وفي رواية عن سفين: كانوا يرونه لملك بن أنس؛ قال ابن مهدي: يعني بقوله: كانوا
التابعين، وقال غيره: هو إخبار عن غيره من نظرائه، أو ممن هو فوقه، قال القاضي عبد الوهاب: لا
ينازعنا في هذا الحديث أحد من أرباب المذاهب، إذ ليس منهم من له إمام من أهل المدينة،
فيقول: هو إمامي، ونحن نقول إنه صاحبنا بشهادة السلف له، وبأنه إذا أطلق بين العلماء قال
عالم المدينة وإمام دار الهجرة، فالمراد به لملك دون غيره من علمائها؛ قال القاضي عياض: فوجه
احتجاجنا بهذا الحديث من ثلاثة أوجه: الأوّل تأويل السلف، وما كانوا ليقولوا ذلك إلا عن
تحقيق، الثاني: شهادة السلف الصالح له، وإجماعهم على تقديمه يظهر أنه المراد، إذ لم يحصل
الأوصاف التي فيه لغيره، ولا أطبقوا على هذه الشهادة لسواه، الثالث: ما نبه عليه بعض الشيوخ
أن طلبة العلم لم يضربوا أكباد الإبل من شرق الأرض وغربها إلى عالم ولا رحلوا إليه من الآفاق
رحلتهم إلى ملك شعر:
فالناس أكيس من أن يحمدوا رجلاً من غير أن يجدوا آثارًا حسان
(وقال عبد الرزاق) بن همام الصنعاني، الحافظ الثقة، أحد تلامذة لملك: (ولم يعرف
بهذا الاسم) أي عالم المدينة (غيره) من علمائها، (ولا ضربت أكباد الإبل إلى أحد مثل ما

١٦٠
الفصل الثالث في إنبائه عَّ بالأنباء المغيبات
والشافعي والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث بن سعد إمام أهل مصر، وأبو حنيفة
النعمان بن ثابت الإمام، وصاحباه: أبو يوسف ومحمد بن الحسن، وعبد الرحمن بن
مهدي شيخ الإمام أحمد، ويحيى بن يحيى شيخ البخاري ومسلم، وأبو رجاء قتيبة بن
سعيد شيخ البخاري ومسلم، وذو النون المصري، والفضيل بن عياض، وعبد الله بن
المبارك، وإبراهيم بن أدهم. كما نقله العلامة عيسى بن مسعود الزواوي في كتاب
ضربت إليه) من شرق الأرض وغربها.
(وقال أبو مصعب) أحمد بن أبي بكر واسمه القلم بن الحرث بن زرارة بن مصعب
الزهري، المدني، الفقيه الصدوق، مات سنة ثنتين وأربعين ومائتين، وقد أناف على التسعين، وهو
من تلامذة لملك: (كان الناس يزدحمون على باب لملك ويقتتلون عليه من الزحام، يعني
لطلب العلم،) وكان له حاجب يأذن أوّلاً للخاصة، فإذا فرغوا أذن للعامة.
(وممن روى عنه من الأئمة المشهورين محمد) بن مسلم بن عبيد اللَّه (بضم العين)
ابن عبد اللَّه (بفتحها) (ابن شهاب) القرشي، (الزهري،) شيخ لملك، ومات قبله بخمس وخمسين
سنة، (والسفيانان) ابن سعيد الثوري وابن عيينة، وهما من أقرانه، (والشافعي) الإمام،
(والأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو، الثقة الفقيه، (إمام أهل الشام) من أقران لملك، مات سنة
سبع وخمسين ومائة قبل لملك بأزيد من عشرين سنة، (والليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي
أبو الحرث المصري، ثقة، ثبت، فقيه، إمام مشهور، (إمام أهل مصر) مات في شعبان سنة خمس
وسبعين ومائة قبل لملك بقليل وهو من أقرانه.
(و) روى عنه من أقرانه أيضًا الإمام (أبو حنيفة النعمان بن ثابت) الكوفي، يقال أصله من
فارس، ويقال: مولى بني تميم الفقيه، العلم الشهير، مات وله سبعون سنة في سنة خمسين ومائة
على الصحيح قبل لملك بنحو ثلاثين سنة.
ذكر السيوطي: أنه روى عنه حديثين، أخرجهما الخطيب، أحدهما من طريق القلم بن
الحكم العرني (بضم العين المهملة وفتح الراء ونون)، قال: حدثنا أبو حنيفة عن الملك، عن نافع،
عن ابن عمر قال: أتى كعب بن ملك النبي عَّه، فسأله عن راعية له كانت ترعى في غنمه،
فتخوّفت على الشاة الموت، فذبحتها بحجر، فأمر النبي عَّ أن يأكلها، وثانيهما من طريق
إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، عن أبي حنيفة، عن ملك، عن عبد الله بن الفضل، عن نافع، عن
جبير بن مطعم، عن ابن عباس، عن النبي ◌َّه: الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر،
وصمتها إقرارها انتهى.
وقال ابن عبد البر في الحديث الثاني: قيل: رواه أبو حنيفة عن لملك، ولا يصح، لكن