النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ الفصل الثاني في تعبيره عَّ الرؤيا وعن أبي سعيد عن النبي عَِّ قال: أصدق الرؤيا بالأسحار. رواه الترمذي كما جزم به ابن إسحق وغيره، وذلك في ربيع الأول، ونزول جبريل إليه وهو بغار حراء كان في رمضان وبينهما ستة أشهر، وفي هذا الجواب نظر؛ لأنه على تقدير تسليمه ليس فيه تصريح بالرؤيا. وقد قال النووي، أي تبعًا لغيره: إن زمن الرؤيا للنبي عَّ كان ستة أشهر وأما ما ألزمه به من تلفيق أوقات المرائي وضمها إلى المدة فأجيب عنه بأن المراد وحي المنام المتتابع، وأما ما، وقع منه في غضون وحي اليقظة، فهو يسير بالنسبة إلى وحي اليقظة، فهو مغمور في جانب وحي اليقظة، فلم يعتبر بمدته، وهو نظير ما اعتمدوه في نزول الوحي، وقد أطبقوا على تقسيم النزول إلى مكي ومدني فقط، فالمكي ما نزل قبل الهجرة، ولو وقع بغير مكة، كالطائف ونخلة، والمدني ما نزل بعد الهجرة، ولو وقع بغير المدينة، كما في الغزوات وسفر الحج والعمرة حتى مکة، وهو اعتذار مقبول. (وقد ذكروا في المناسبات غير ذلك مما يطول ذكره،) لا سيما وكله متعقب، ومنها: أن هذه التجزئة في طرق الوحي، إذ منه ما سمع من اللَّه بلا واسطة والملك والإلهام والمنام وصلصلة الجرس، وقد عدها الحليمي ستًا وأربعين، فتعسف وتكلف. وقال الإمام الغزالي: لا يظن أن تقدير النبي عَّه يجري على لسانه كيف اتفق، بل لا ينطبق إلا بحقيقة الحق، فقوله: ستة وأربعين جزءًا من النبوة تقدير محقق، لكن ليس في قوة غيره أن يعرف علة تلك النسبة إلا بتخمين، لأن النبوة عبارة عما يختص به النبي ويفارق به غيره، وهو مختص بأنواع من الخواص، كل واحد منها يمكن انقسامه إلى أقسام، بحيث يمكننا أن نقسمها إلى ستة وأربعين جزءًا، بحيث تقع الرؤيا الصحيحة جزءًا من جملتها، لكن لا يرجع إلا إلى الظن والتخمين، لا أنه الذي أراده عَ لِ حقيقة. (وعن أبي سعيد) الخدري، (عن النبي عَّةٍ، قال: أُصدق الرؤيا بالأسحار) أواخر الليل على المشهور، لفضل الوقت بانتشار الرحمة فيه، ولراحة القلب والبدن بالنوم قبل ذلك غالبًا، وخروجهما عن تعب الخواطر وتواتر التصرفات، ومتى كان القلب أفرغ كان أوعى لما يلقى إليه، لأن الغالب حينئذٍ اجتماع الخواطر والدواعي، ولأن المعدة خالية غالبًا، فلا يتصاعد منها الأبخرة المشوشة، ولا يعارضه خبر جابر، رفعه: ((أصدق الرؤيا ما كان نهارًا، لأن اللَّه عز وجل خصني بالوحي نهارًا))، رواه الديلمي والحاكم في تاريخه بسنده ضعيف، لجواز أن رؤيا النهار أصدق من رؤيا الليل ما عدا وقت السحر، لأن الخاص يقضي على العام، أو أن أصدق في كل من الحديثين على معنى من، وهذا أولى، لأن علماء التعبير قالوا: رؤيا الليل أصدق من رؤيا النهار، وأصدقها بالأسحار، (رواه الترمذي والدارمي،) وابن حبان والبيهقي والحاكم، وقال: صحيح، ٤٢ الفصل الثاني في تعبيره عَّ الرؤيا والدارمي. وروى مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي عَّلِ قال: ((إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا). قال الخطابي في ((المعالم)) في قوله: ((إذا اقترب الزمان)) قولان: أحدهما: أن يكون معناه تقارب زمان الليل وزمان النهار، وهو وقت استوائهما، أيام الربيع، وذلك وقت اعتدال الطبائع الأربع غالبًا، قال: والمعبرون وأقره الذهبي. (وروى مسلم من حديث) عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن (أبي هريرة، عن النبي عَّه، قال: إذا اقترب) افتعل من القرب، وروى تقارب (الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب) مبالغة، أي لم تقرب أن تكذب، فضلاً عن أن تكذب، ومنه قول ذي الرمة: إذا غير النأي المحبين لم يكد رسيس الهوى من حب مية يبرح أي لم يقرب من البراح، (وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا،) قال عياض: كان ذلك لأن غير الصادق يعتري الخلل رؤياه من وجهين: أحدهما: أن تحديثه نفسه يجري في نومه على جري عادته من الكذب، فتكون رؤياه كذلك، والثاني: أنه قد يحكي رؤياه، ويسامح في زيادة أو نقص أو تحقير عظيم، أو تعظيم حقير، فتكذب رؤياه لذلك، وبسط ذلك القرطبي كما يأتي، وخص عزوه لمسلم لزيادته، وأصدقكم ... الخ، وإلا فهو في البخاري أيضًا من وجه آخر، عن ابن سيرين أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه عَ له: ((إذا اقترب الزمان لم تكد تكذب رؤيا المؤمنین)). (قال الخطابي في المعالم) أي معالم السنن شرحه على أبي داود (في قوله: إذا اقترب الزمان قولان). (أحدهما) وهو قول أبي داود (أن يكون معناه تقارب زمان الليل وزمان النهار) بأن يكون قدر أحدهما قريبًا من الآخر، (وهو وقت استوائهما أيام الربيع) أي ربيع الزمان، وهو تلو الشتاء، ومراده أنه ليس الليل في غاية الطول، ولا النهار في غاية القصر، كأوائل الشتاء، ولا عكسه كأوائل الصيف، وليس المراد باستوائهما أن يكون الليل طول النهار في جميع فصل الربيع، لأنه خلاف الواقع، إذ لا يستويان إلا في أول ليلة منه، واليوم التالي لها، (وذلك وقت اعتدال الطبائع الأربع غالبًا) فلا يكون في المنام أضغاث أحلام، فإن من موجبات التخليط غلبة ٤٣ الفصل الثاني في تعبيره عَّ الرؤيا يقولون: أصدق الرؤيا ما كان عند اعتدال الليل والنهار وإدراك الثمار. والثاني: أن اقتراب الزمان المراد به انتهاء مدته، إذا دنا قيام الساعة. وتعقب الأول: بأنه يبعده التقييد بالمؤمن، فإن الوقت الذي تعتدل فيه الطبائع لا يختص به. وجزم ابن بطال بأن الثاني هو الصواب، واستند إلى ما أخرجه الترمذي من طريق معمر عن أيوب في هذا الحديث بلفظ: ((في آخر الزمان لا تكذب رؤيا المؤمن». بعض، الأخلاط على بعض ومن ثم (قال: والمعبرون يقولون: أصدق الرؤيا ما كان عند اعتدال الليل والنهار وإدراك الثمار) وانفتاق الأزهار، وعند ذلك تصح الأمزجة وتنصح الحواس. (والثاني: أن اقتراب الزمان المراد به انتهاء مدته إذا دنا) قرب (قيام الساعة، وتعقب الأول بأنه يبعده التقييد بالمؤمن) في الرواية الآتية، المعبر عنه في رواية مسلم بالمسلم؛ (فإن الوقت الذي تعتدل فيه الطبائع لا يختص به) وبعده المازري، بأن رؤيا الصالح الصدق في كل زمان. وقال ابن العربي: لا يصح التفسير الأول، لأنه لا أثر لاعتدال الزمان في صدق الرؤيا إلا على ما يقوله الفلاسفة من اعتدال الأمزجة حينئذٍ، ثم إنه وإن كان في هذا اعتدال في الأول، لكنه حين تحل الشمس برأس الميزان عكس الأول، لأنه تسقط الأوراق ويتقلص الماء عن الثمار، مع أنه يتقارب فيه الليل والنهار، يعني: فحمله على أحدهما تخصيص بلا مخصص، قال: والصحيح التفسير الثاني، لأن القيامة هي الحاقة التي تحق فيها الحقائق، فكل ما قرب منها فهو أُخص بها. انتهى. (وجزم ابن بطال بأن الثاني هو الصواب، واستند إلى ما أخرجه الترمذي من طريق معمر، عن أيوب) السختياني (في) روايته (هذا الحديث) عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، (بلفظ في آخر الزمان لا تكذب،) لفظ الترمذي: لم تكد تكذب (رؤيا المؤمن) والحديث واحد، فيفسر الاقتراب بآخر الزمان. قال ابن بطال: فالمعنى إذا اقتربت الساعة وقبض أكثر أهل العلم، ودرست معالم الديانة بالهرج والفتنة كان الناس على مثل الفترة محتاجين إلى مذكر ومجدد لما درس من الدين، كما كانت الأمم تذكر بالأنبياء، لكن لما كان نبينا خاتم الأنبياء، عوضوا بالرؤيا الصادقة التي هي جزء من النبوة الآتية بالبشارة والنذارة، وقال ابن أبي جمرة: المؤمن في ذلك الوقت يكون غريبًا، فيقل أنيسه ومعينه، فيكرم بالرؤيا الصادقة، وفي الأبي قال بعضهم: كان ذلك عند القيامة، لأن ٤٤ الفصل الثاني في تعبيره عَّه الرؤيا وقيل: إن المراد بالزمان المذكور زمان المهدي عند بسط العدل وكثرة الأمن وبسط الخير والرزق، فإن ذلك الزمان يستقصر لاستلذاذه فتتقارب أطرافه. وقال القرطبي في ((المفهم)): المراد - والله أعلم - بآخر الزمان المذكور في هذا الحديث، زمان الطائفة الباقية مع عيسى ابن مريم - عليه الصلاة والسلام - بعد قتله الدجال، فأهل هذا الزمان أحسن هذه الأمة حالاً بعد الصدر الأول، وأصدقهم أقوالاً، فكانت رؤيا لا تكذب، ومن ثم قال عقب هذا: ((وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا)»، وإنما كان كذلك لأن من كثر صدقه تنور قلبه، وانتقشت فيه المعاني على وجه الصحة، وكذلك من كان غالب أحواله الصدق في يقظته فإنه يستصحب ذلك في نومه فلا يرى إلا صدقًا، وهذا بخلاف الكاذب والمخلط، فإنه يفسد العلم حينئذٍ ينقطع بموت العلماء والصالحين والناهين عن المنكر، فجعل اللَّه صدق الرؤيا زاجرًا لهم وحجة علیھم. (وقيل: إن المراد بالزمان المذكور زمان المهدي) محمد بن عبد الله الحسني الحسيني، (عند بسط العدل وكثرة الأمن، وبسط الخير) المال (والرزق، فإن ذلك الزمان يستقصر لاستلذاذه فتتقارب أطرافه،) وأخذوا هذا من قوله معلّله: يتقارب الزمان حتى تكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، وملحظ هذا التلذذ بحسن الزمان وطيب العيش، وملحظ ما قبله الهم بتغير الزمان بالهرج ونحوه، وهو بعد المهدي وعيسى، فهو غيره قطعًا، فلا اتجاه لتجويز؛ أنه بيان لمعنى القول الثاني، لا مغاير له. (وقال القرطبي في المفهم) في شرح مسلم: (المراد والله أعلم بآخر الزمان المذكور في هذا الحديث،) إذا اقترب الزمان (زمان الطائفة الباقية مع عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام بعد قتله الدجال، فأهل هذا الزمان أحسن هذه الأمة حالاً بعد الصدر الأول،) أي زمان الصحابة خير القرون، (وأصدقهم أقوالاً، فكانت رؤيا لا تكذب،) وهذا يلي زمان إنمهدي لأن عيسى حين ينزل يصلي خلفه، فيجتمعان، فيكون المراد حسن الزمان في الوقتين، (و من ثم قال عقب هذا: و((أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا))، وإنما كان كذلك، لأن من كثر صدقه تنور قلبه،) أي كثر نوره، (والتقشت،) أي ثبتت واستقرت (فيه المعاني على وجه الصحة،) بحيث لا تزول عن الخاطر، فكأنها منقوشة، (وكذلك من كان غالب أحواله الصدق في يقظته فإنه يستصحب ذلك في نومه، فلا يرى إلا صدقًا). ولذا لما كان معَّ أصدق العالمين، كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، (وهذا بخلاف الكاذب والمخلط) بالمعاصي (فإنه يفسد قلبه ويظلم، فلا يرى إلا تخليطًا ٤٥ الفصل الثاني في تعبيره عَّ الرؤيا قلبه ويظلم، فلا يرى إلا تخليطًا وأضغاثًا، وقد يندر المنام أحيانًا، فيرى الصادق ما لا يصح، ويرى الكاذب ما يصح، ولكن الأغلب الأكثر ما تقدم، انتهى ملخصًا. وعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول اللَّه عَ لَّهِ: ((إذا رأى أحدكم في منامه الرؤيا يحبها فإنما هي من اللَّه، فليحمد الله عليها وليتحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها، فإنها لا تضره)). رواه البخاري. وفي رواية مسلم: ((ورؤيا السوء من الشيطان، فمن رأى رؤيا فكره منها شيئًا وأضغائًا، وقد يندر المنام أحيانًا، فيرى الصادق ما لا يصح، ويرى الكاذب ما يصح، ولكن الأغلب الأكثر ما تقدم. انتهى ملخصًا) كلام القرطبي. وقيل: المراد إذا اقترب أجل الإنسان بمشيئته، فإن رؤياه قلما تكذب لصفاء باطنه ونزوع الشهوات عنه، فنفسه حينئذٍ لمشاهدة الغيب أميل. (وعن أبي سعيد الخدري) سعد بن لملك بن سنان الصحابي ابن الصحابي، (قال: قال رسول اللّه ◌َ: إذا رأى أحدكم في منامه الرؤيا يحبها) صفة الرؤيا أو حال منها، (فإنما هى من اللّه) لا دخل فيها للشيطان، ولا للأضغاث، (فليحمد الله عليها) بأن يقول: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، لأنه عٍَّ كان إذا رأى ما يحبه قال ذلك، (وليتحدث بها) (بتحتية ففوقية وفتح الدال المهملة)، رواية أبي ذر، ورواه غيره: وليحدث (بكسر الدال دون فوقية)، (وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان). قال عياض: نسبتها إلى اللَّه للتكريم، والتشريف، لطهارتها من حضور الشيطان وإفساده لها، وسلامتها من الأضغاث، أي التخليط وجمع الأشياء المتضادة بخلاف المكروهة، وإن كانتا جميعًا من خلق اللَّه تعالى وبإرادته، ولا فعل للشيطان فيها، لكنه يحضرها ويرضاها ويسر بها، فلذا نسبت إليه، أو لأنها مخلوقة على طبعه من التحذير والكراهة التي خلق عليها، أو لأنها توافقه، ويستحسنها لما فيها من شغل بال المسلم وتضرره بها، (فليستعذ بالله من شرها،) أي الرؤيا، (ولا يذكرها لأحد، فإنها لا تضره)) لأن اللَّه جعل ذلك سببًا لسلامته من مكروه يترتب عليها، كما جعل الصدقة وقاية للمال وسبيًا لدفع البلاء. (رواه البخاري) في التعبير، (وفي رواية مسلم،) عن أبي قتادة، عن رسول اللَّه عَ اللّه أنه قال: الرؤيا الصالحة من اللَّه، (ورؤيا السوء))) أي سوء الظاهر، أو سوء التأويل احتمالان لعياض (من الشيطان) لأنه يخيل فيها، ولأنها تناسب صفته من الكذب والتهويل وغير ذلك، (فمن رأى رؤيا فكره منها شيئًا، فلينفث) (بكسر الفاء وضمها) (عن يساره، وليتعوذ بالله من الشيطان ٤٦ الفصل الثاني في تعبيره علّ الرؤيا فلينفث عن يساره وليتعوذ بالله من الشيطان، ولا يخبر بها أحدًا، فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر بها إلا من يحب)). وقوله: ((فليبشر)) بفتح التحتانية وسكون الموحدة وضم المعجمة، من البشری. وفي حديث أبي رزين العقيلي عند الترمذي: ولا يقصها إلا على وادّ. - بتشديد الدال، اسم فاعل من الود - أو ذي رأي. وفي أخرى: ولا تحدث بها إلا لبيبًا أو حبيبًا. وفي أخرى: لا تقص رؤياك إلا على عالم أو ناصح. وفي حديث أبي سعيد عند مسلم: فليحمد اللَّه عليها وليحدث بها. ولا يخبر بها أحدًا، فإن رأى رؤيا حسنة، فلییشر). قال عياض: يحتمل حسن ظاهرها ويحتمل صحتها، (ولا يخبر بها إلا من يحب))) فيخبره بشرطه الآتي، (وقوله: فليبشر بفتح التحتانية وسكون الموحدة وضم المعجمة من البشرى). قال عياض: هكذا الرواية، وعند العذري، يعني أحد رواة مسلم (بالنون)، وهو تصحيف، إنما هو من البشارة، يقال: بشرت الرجل مخففًا ومشددًا، وكأن الحافظ لم يرتضه، فقال: زعم عياض أن النون تصحيف، ووقع في بعض نسخ مسلم: فليستر بمهملة ومثناة من الستر. (وفي حديث أبي رزين) (بفتح الراء وكسر الزاي)، لقيط بن عامر (العقيلي) صحابي شهير، (عند الترمذي) وأبي داود وابن ماجه، عن النبي عَّه قال: الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت، (ولا يقصها إلا على واد،) أو ذي رأي، هذا لفظه برمته، أي إلا على واحد من هذين، إما واد ((بتشديد الدال) أي محب (اسم فاعل من الود) (بفتح الواو وضمها) (أو ذي رأي،) أي علم بتعبيرها، وإن لم يكن محبًا، فإنه يخبرك بحقيقتها، أو بأقرب ما يعلم منه، لا أن تعبيرها يزيلها عما جعلها اللَّه عليه، ووقع في بعض نسخ الفتح، أي ذي رأي بأي، وهو تصحيف، والنسخ الصحيحة بأو، كما هو في الترمذي. (وفي) رواية (أخرى) له (ولا تحدث بها إلا لبيبًا أو حبيبًا،) قال البيضاوي: معناه لا تقصها إلا على حبيب لا يقع في قلبه لك إلا خير، أو عاقل لبيب لا يقول إلا بفكر بليغ ونظر صحیح، ولا يواجهك إلا بخير. (وفي أخرى: لا تقص رؤياك إلا على عالم أو ناصح). (وفي حديث أبي سعيد عند مسلم،) صوابه عند البخاري كما قدمه: ومسلم لم يخرج ٤٧ الفصل الثاني في تعبيره عَّ الرؤيا وحاصل ما ذكر من آداب الرؤيا الصالحة ثلاثة أشياء: أن يحمد الله عليها، وأن يستبشر بها، وأن يتحدث بها لكن لمن يحب دون من يكره. وحاصل ما ذكر من آداب الرؤيا المكروهة أربعة أشياء: أن يتعوذ بالله من شرها، ومن شر الشيطان، ويتفل حين يهب من نومه، ولا يذكرها لأحد أصلاً. وفي البخاري من حديث أبي هريرة خامسة: وهي الصلاة، ولفظه: من رأى شيئًا يكرهه في منامه فلا يقصه على أحد وليقم فليصل. لكن لم يصرح البخاري بوصله، وصرح به مسلم، وزاد مسلم سادسة: وهي التحول عن جنبه الذي كان عليه فقال: عن جابر رفعه: إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثًا، وليستعذ حديث أبي سعيد: (فليحمد اللَّه عليها وليحدث بها) غيره (وحاصل ما ذكر من آداب الرؤيا الصالحة) أي ما يطلب فعله من رائيها (ثلاثة أشياء: أن يحمد اللَّه عليها،) فيقول: الحمد للّه الذي بنعمته تتم الصالحات، (وأن يستبشر) يفرح (بها، وأن يتحدث بها، لكن لمن یحب دون من يكره،) وفي نسخ: أدب بالإفراد مرادًا به الجنس الصادق بالقليل والكثير، فصح الإخبار عنه بثلاثة، (وحاصل ما ذكر من آداب الرؤيا المكروهة أربعة أشياء: أن يتعوذ) يعتصم (باللَّه من شرها ومن شر الشيطان، ويتفل) (بضم الفاء وكسرها) (حين يهب) (بضم الهاء) (من نومه). قال عياض: أي يستيقظ أثر حلمه، ففي حديث أبي قتادة عند مسلم: ((فليبصق على يساره حين يهب من نومه ثلاث مرات))، (ولا يذكرها لأحد أصلاً) ولو حبيبًا. (وفي البخاري من حديث أبي هريرة: خامسة وهي الصلاة، ولفظه: من رأى شيئًا يكرهه في منامه، فلا يقصه) (بضم الصاد المشددة) (على أحد، وليقم فليصل، لكن لم يصرح البخاري بوصله،) أي يرفعه إلى النبي عَّه، فإنه أخرج حديث إذا اقترب الزمان من طريق عوف الأعرابي، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، ثم قال في آخره: قال ابن سيرين: وكان يقال: الرؤيا ثلاث: حديث النفس وتخويف الشيطان وبشرى من الله، فمن رأى شيئًا ... الخ. (وصرح به مسلم) في روايته الحديث المذكور من طريق أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي عَّهِ، فساقه كله مرفوعًا، وزاد بعد قوله: فليصل ولا يحدث بها الناس؛ ولذا قال الحافظ: غفل أبو بكر بن العربي، فقال: زاد الترمذي على الصحيحين الأمر بالصلاة: (وزاد مسلم سادسة، وهي: التحول عن جنبه الذي كان عليه) نائمًا، (فقال،) أي روى بسنده من طريق أبي الزبير، (عن جابر رفعه) بقوله عن رسول اللَّه عَّ. (إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها،) صفة الرؤيا أو حال منها، (فليبصق) (بالصاد) (عن يساره،) أي جانبه الأيسر (ثلاثً) من المرات، وليستعذ بالله) بجمع همة وحضور قلب وصفاء باطن وصحة توجه، فلا يكفي الاستعاذة بمجرد ٤٨ الفصل الثاني في تعبيره عَّله الرؤيا بالله من الشيطان، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه)). قال النووي: وينبغي أن يجمع هذه الروايات كلها، ويعمل بجميع ما تضمنته، فإن اقتصر على بعضها أجزأه في دفع ضررها كما صرحت به الأحاديث. وتعقبه الحافظ ابن حجر بأنه لم ير في شىء من الأحاديث الاقتصار على واحد، ثم قال: لكن أشار المهلب إلى أن الاستعاذة كافية في دفع شرها. انتهى. ولا ريب أن الصلاة تجمع ذلك كله كما قاله القرطبي، لأنه إذا قام يصلي تحول عن جنبه، وبصق ونفث عند المضمضة في الوضوء، واستعاذ قبل القراءة، ثم دعا اللَّه في أقرب الأحوال إليه، فيكفيه اللَّه شرها. اللسان، كما أشار إليه بعض الأعيان. قال الحافظ: وورد في صفتها أثر صحيح، أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وعبد الرزاق، بأسانيد صحيحة عن إبراهيم النخعي، قال: إذا رأى أحدكم في منامه ما يكره، فليقل أعوذ بما عاذت به ملائكة الله ورسله (من) شر رؤياي هذه أن يصيبني منها ما أكره في ديني أو دنياي. وقال غيره: وزاد أنه يقول: اللهم إني أعوذ بك من عمل (الشيطان) وسيئات الأحلام، رواه ابن السني: (وليتحول عن جنبه الذي كان) مضطجعًا (عليه) حين رأى ذلك. (قال النووي: وينبغي أن يجمع هذه الروايات كلها ويعمل بجميع ما تضمنته، فإن اقتصر على بعضها أجزأه في دفع ضررها، كما صرحت به الأحاديث، وتعقبه الحافظ ابن حجر بأنه لم ير في شيء من الأحاديث، الاقتصار على واحد،) بل في بعضها أربع، وفي بعضها ثلاث، وفي بعضها ثنتان، (ثم قال: لكن أشار المهلب إلى أن الاستعاذة كافية في دفع شرها). قال الحافظ: وكأنه أخذه من قوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم؛ إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون﴾ [النحل: ٩٨، ٩٩]، فيحتاج مع الاستعاذة إلى صحة التوجه، ولا يكفي إمرار الاستعاذة باللسان. (انتهى). (ولا ريب أن الصلاة تجمع ذلك كله، كما قاله القرطبي) في المفهم، (لأنه إذا قام يصلي تحول عن جنبه) تحوّلاً زائدًا، (وبصق ونفث عند المضمضة في الوضوء، واستعاذ قبل القراءة، ثم دعا اللَّه في أقرب الأحوال إليه، فيكفيه اللَّه شرها،) وهذا وإن كان وجيهًا، لكن ظاهر الأحاديث يأباه، لا سيما قوله: ويبصق عن يساره حين يهب من نومه، إذ المتبادر منه الإسراع به عقب النوم، وإن البصق غير بصق مضمضة الوضوء الذي يأتي به بعد ذلك للصلاة ٤٩ الفصل الثاني في تعبيره عَّة الرؤيا وذكر بعضهم سابعة: وهي قراءة آية الكرسي، ولم يذكر لذلك مستندًا، فإن كان أخذه من عموم قوله في حديث أبي هريرة: ولا يقربك شيطان فمتجه، قال: وينبغي أن يقرأها في صلاته المذكورة. وحكمة التفل - كما قال القاضي عياض - أمر به طردًا للشيطان الذي حضر الرؤيا المكروهة، تحقيرًا له واستقذارًا، وخصت به اليسار لأنها محل الأقذار ونحوها، والتثليث للتأكید. وقد ورد التفل والنفث والبصق، وقال النووي في الكلام على النفث في المطلوبة أيضًا. (وذكر بعضهم سابعة، وهي قراءة آية الكرسي، ولم یذکر لذلك مستندًا) يدل عليه، (فإن كان أخذه من عموم قوله في حديث أبي هريرة) عند البخاري: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية ﴿اللَّه الذي لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ولن يزال عليك من اللَّه حافظ، (ولا يقربك شيطان) حتى تصبح، (فمتجه) في الجملة، وإلا فهو عند إرادة النوم، وهذا عند الانتباه منه بسبب رؤيا مكروه، فيحتاج إلى دليل خاص. (قال) الحافظ ابن حجر: (وينبغي أن يقرأها في صلاته المذكورة،) وقد ذكر العلماء حكمة هذه الأمور، فأما الاستعاذة بالله من شرها فواضح، وهي مشروعة عند كل أمر يكره، وأما الاستعاذة من الشيطان، فلما وقع في بعض طرق الحديث أنها منه، وأنه يخيل بها لقصد تحزين الآدمي والتهويل عليه، (وحكمة التفل كما قال القاضي عياض: أمر به طردًا للشيطان الذي حضر الرؤيا المكروهة تحقيرًا له واستقذارًا) له، كما يبصق على الشىء المستقذر، (وخصت به اليسار، لأنها محل الأقذار ونحوها،) وقوله: (والتثليث للتأكيد) ليس هو من كلام القاضي، بل زاده الحافظ عقبه. قال الحكيم الترمذي: هذا التفل واصل إلى وجه الشيطان واقع عليه، فالتفل مع تعوّذ الرائي باللّه يرد الذي جاء به من النزغة والوسوسة، كالنار إلى وجهه، فيحترق ويصير قروحًا. ورد عن الربيع بن خيثم أنه قص عليه رؤيا منكرة، فأتاه رجل، وقال: رأيت في المنام رجلاً يقول: أخبر الربيع بأنه من أهل النار، فتفل عن يساره، وتعوّذ فرأى ذلك الرجل في الليلة الثانية أن رجلاً جاء بكلب، فأقامه بين يديه وفي عنقه حبل وفي جبهته قروح، فقال: هذا ذلك الشيطان وهذه القروح تلك النفئات التي نفثها في وجهه الربيع. (وقد ورد التفل والنفث والبصق). ٥٠ الفصل الثاني في تعبيره معَّه الرؤيا الرقية - تبعًا للقاضي عياض -: اختلف في التفل والنفث، فقيل: هما بمعنى واحد ولا يكونان إلا بريق. وقال أبو عبيد: يشترط في التفل ريق يسير، ولا يكون في النفث، وقيل: عكسه. وسئلت عائشة عن النفث في الرقية فقالت: كما ينفث آكل الزبيب، لا ريق معه. قال: ولا اعتبار بما يخرج معه من بلة بغير قصد. قال: وقد جاء في حديث أبي سعيد في الرقية بفاتحة الكتاب: فجعل يجمع بزاقه. قال القاضي عياض: وفائدة التفل التبرك بتلك الرطوبة والهواء والنفث المباشر للرقية المقارن للذكر الحسن، كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر والأسماء. وقال النووي أيضًا: وأكثر الروايات في الرؤيا ((فلينفث)) وهو النفخ اللطيف بلا ريق، فيكون التفل والبصق محمولين عليه مجازًا. وتعقبه الحافظ ابن حجر: بأن المطلوب منه في الموضعين مختلف، لأن المطلوب في الرقية التبرك برطوبة الذكر كما تقدم، والمطلوب هنا طرد الشيطان، قال الجوهري: التفل شبيه بالبصق، وهو أقل منه أوّله البزق، ثم التفل، ثم النفث، ثم النفخ، وقال عياض: هنا النفث والبصق بمعنى واحد، وتقدم الكلام على ذلك في الصلاة وفي الطب. (وقال النووي: في الكلام على النفث في الرقية تبعًا للقاضي عياض، اختلف في التفل والنفث، فقيل: هما بمعنى واحد، ولا يكونان إلا بريق،) أي مع ريق، (وقال أبو عبيد: يشترط في التفل ريق يسير، ولا يكون في النفث) ريق أصلاً. (وقيل: عكسه) النفث بريق والتفل بدونه، (وسئلت عائشة عن النفث في الرقية) ما صفته، (فقالت: كما ينفث آكل الزبيب) نفئًا (لا ريق معه، قال: ولا اعتبار بما يخرج معه من بلة) (بكسر الباء الموحدة وشد اللام) (بغير قصد، قال: وقد جاء في حديث أبي سعيد في الرقية بفاتحة الكتاب، فجعل يجمع بزاقه). (قال القاضي عياض: وفائدة التفل) في الرقية (التبرك بتلك الرطوبة والهواء والنفث المباشر للرقية المقارن للذكر الحسن، كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر والأسماء). (وقال النووي أيضًا) زيادة على ما تبع فيه عياضًا: (وأكثر الروايات في الرؤيا: فلينفث وهو النفخ اللطيف بلا ريق، فيكون التفل والبصق محمولين عليه مجازًا). (وتعقبه الحافظ ابن حجر بأن المطلوب منه في الموضعين،) أي الرقية والرؤيا (مختلف، لأن المطلوب في الرقية التبرك برطوبة الذكر، كما تقدم) قريبًا، (والمطلوب هنا) ٥١ الفصل الثاني في تعبيره مَّة الرؤيا وإظهار احتقاره واستقذاره كما نقله هو عن عياض كما تقدم. فالذي يجمع الثلاثة، الحمل على التفل، فإنه نفخ معه ريق لطيف، فبالنظر إلى النفخ قيل له: نفث، وبالنظر إلى الريق قيل له: بصق. وأما قوله: ((فإنها لا تضره فمعناه كما قال النووي: إن اللَّه تعالى جعل ما ذكر سببًا للسلامة من المكروه المترقب من الرؤيا، كما جعل الصدقة وقاية للمال. وأما التحول، فللتفاؤل بتحول تلك الحال التي كان عليها. والحكمة في قوله في الرؤيا الحسنة: ((ولا يخبر بها إلا من تحب)) لأنه إذا أخبر بها من لا يحب فقد يفسرها له بما لا يحب، إما بغضًا فيه وإما حسدًا، فقد تقع على تلك الصفة، أو يتعجل لنفسه من ذلك حزنًا ونكدًا، فأمر بترك تحديث من لا يحب بسبب ذلك. في الرؤيا (طرد الشيطان وإظهار احتقاره واستقذاره، كما نقله هو عن عياض، كما تقدم) قريبا، (فالذي يجمع الثلاثة الحمل على التفل، فإنه نفخ معه ريق لطيف) أي قليل، (فبالنظر إلى النفخ قيل له: نفث، وبالنظر إلى الريق قيل له: بصق) فتتفق الروايات. وقال الزركشي: ينبغي فعل الكل، لأنه زجر للشيطان، فهو من باب رمي الجمار، (وأما قوله: فإنها لا تضره، فمعناه كما قال النووي: إن اللَّه تعالى جعل ما ذكر سببًا للسلامة من المكروه المترقب من الرؤيا، كما جعل الصدقة وقاية للمال) وسببًا لدفع البلاء، (وأما التحول فللتفاؤل بتحول تلك الحال التي كان عليها) عبارة عياض، أمره بذلك تفاؤلاً بتحول الرؤيا عن تأويلها المكروه، وأنها لا تضر، كذا لخصه الأبي، وقال غيره أمر بالتحول لتتم يقظته ولمجانبة مكان الشيطان، ولذا أمر الناس يوم الجمعة بالتحول عن مكانه الأول. قال الحافظ: وأما الصلاة فلما فيها من التوجه إلى اللَّه واللجأ إليه، ولأن في التحرم بها عصمة من الأسواء، وبها تكمل الرغبة وتصح الطلبة لقرب المصلي من ربه عند سجوده، (والحكمة في قوله في الرؤيا الحسنة: ولا تخبر بها إلا من تحب) هي، (لأنه إذا أخبر بها من لا يحب فقد يفسرها له بما،) أي بتفسير (لا يحب، إما بغضًا فيه،) أي الرائي، (وإما جسدًا) للنعمة فيكيده به ﴿لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا﴾ [يوسف: ٥]، (فقد تقع على تلك الصفة) إذا كان لها تأويلان أو أكثر، أحدها حسن والآخر سيىء، (أو يتعجل لنفسه من ذلك حزنًا ونكدًا، فأمر بترك تحديث من لا يحب بسبب ذلك) المذكور. ٥٢ الفصل الثاني في تعبيره عَّه الرؤيا وقد روي من حديث أنس مرفوعًا: ((الرؤيا الأول عابر)). وهو حديث ضعيف، فيه يزيد الرقاشى، ولكن له شاهد أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه، بسند حسن، وصححه الحاكم عن أبي رزين العقيلي رفعه: ((الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت)). وعند الدارمي بسند حسن عن سليلمن بن يسار عن عائشة قالت: كانت امرأة من أهل المدينة لها زوج تاجر يختلف في التجارة، فأتت رسول اللَّه عَّله فقالت: إن زوجي غائب، وتركني حاملاً، فرأيت في المنام أن سارية بيتي انكسرت وأني ولدت غلامًا أعور، فقال: خير يرجع زوجك إن شاء اللّه (وقد روي من حديث أنس مرفوعًا: الرؤيا: ((الأول عابر»، وهو حديث ضعيف فيه يزيد) بن أبان (الرقاشي) (بخفة القاف، ثم معجمة) أبو عمرو البصري، القاص (بتشديد المهملة)، تابعي صغير، زاهد ضعيف، مات قبل العشرين ومائة، (ولكن له شاهد). (أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه بسند حسن، وصححه الحاكم) على شرط مسلم، (عن أبي رزين) لقيط بن عامر (العقيلي، رفعه: ((الرؤيا على رجل طائر) أي هي كشىء معلق برجله لا استقرار لها (ما لم تعبر) (بالبناء للمجهول وتخفيف الباء) في أكثر الروايات، أي ما لم تفسر، (فإذا عبرت وقعت))) تلك الرؤيا بمعنى أنه يلحق الرائي أو المرئي له حكمها. قال في النهاية: يريد أنها سريعة السقوط إذا عبرت، كما أن الطير لا يستقر غالبًا، فكيف يكون ما على رجله. وقال في جامع الأصول: كل حركة من كلمة أو شيء يجري لك فهو طائر، يقال: اقتسموا دارًا وطار سهم فلان في ناحية كذا، أي خرج وجرى، والمراد أن الرؤيا على رجل قدر جار وقضاء ماض من خير أو شر، وهي لأول عابر يحسن تعبيرها، وتتمة الحدیث: ولا تقصها إلا على واد أو ذي رأي، ومر قريبًا. (وعند الدارمي) عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن الفضل بن تهرام السمرقندي، الحافظ، صاحب المسند، شيخ مسلم وأبي داود والترمذي وغيرهم، ثقة، متقن، فاضل، مات سنة خمس وخمسين ومائتين، وله أربع وسبعون سنة (بسند حسن عن سليمن بن يسار) الهلالي، المدني، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة، ثقة، فاضل، أحد الفقهاء السبعة، مات بعد المائة، وقيل: قبلها. (عن عائشة قالت: كانت امرأة من أهل المدينة لها زوج تاجر يختلف،) أي يذهب ويجىء (في التجارة، فأتت رسول اللَّه عَّة، فقالت: إن زوجي غائب وتركني حاملاً، فرأيت في المنام أن سارية،) أي عمود (بيتي انكسرت، وأني ولدت غلامًا أعور،) لا يبصر إلا بعين ٥٣ الفصل الثاني في تعبيره عنآ الرؤيا صالحًا، وتلدين غلامًا برًّا، فذكرت ذلك ثلاثًا، فجاءت ورسول اللَّه عَلِّ غائب، فسألتها فأخبرتني بالمنام، فقلت لها: لئن صدقت رؤياك ليموتن زوجك، وتلدين غلامًا فاجرًا، فقعدت تبكي، فجاء رسول اللَّه عَّ فقال: مه يا عائشة، إذا عبرتم للسلم الرؤيا فاعبروها على خير، فإن الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها. وعند سعيد بن منصور من مرسل عطاء بن أبي رباح: قال جاءت امرأة إلى رسول اللَّه عَّ فقالت: إني رأيت كأن جائزة بيتي انكسرت، وكان زوجها غائبًا، فقال: رد اللَّه عليك زوجك، فرجع سالمًا، الحديث. قال أبو عبيدة وغيره: معنى قوله: ((الرؤيا لأول عابر)) إذا كان العابر الأول واحدة، (فقال:) رؤياك ((خير، يرجع زوجك إن شاء الله صالحًا،) أي بحالة حسنة من ربح تجارته وصحة جسده، (وتلدين غلامًا برًا))) بك وبأبيه وطائعًا للَّه، (فذكرت) المرأة (ذلك ثلاثًا) من المرات للنبي ◌َّة، وهو يجيبها بما ذكر، وكأنها فعلت ذلك لتزداد طمأنينة، لأن ظاهر رؤياها مكروه، (فجاءت) مرة أخرى (ورسول اللَّه عَلّ غائب) عن بيت عائشة، قالت: (فسألتها) عن تعدد مجيئها، (فأخبرتني بالمنام، فقلت لها: لئن صدقت رؤياك ليموتن زوجك وتلدين غلامًا فاجرًا،) كأنها فهمت ذلك من العلامات التي يعتمد عليها في التعبير، وهي قطعًا لم تسمع تعبيره عَّ ل للمرأة قبل ذلك، إذ لا تستبيح مخالفته، (فقعدت تبكي) لتجويزها أن تعبيره عنّاّه. أحد تفسيرين للرؤيا، ولذا أعادتها عليه، فلما فسرتها عائشة بذلك، وهي عالمة بالتعبير كأبيها رضي اللَّه عنهما، قوي ذلك عندها فبكت، (فجاء رسول اللَّه عَّه،) فسأل عن بكائها، فأخبر بسببه، (فقال: مه يا عائشة، إذا عبرتم للمسلم الرؤيا، فاعبروها على خير()) أي على أحسن ما يعبر به، (فإن الرؤيا تكون) تقع (على ما يعبرها صاحبها،) أي العابر الذي تقص عليه. (وعند سعيد بن منصور) بن شعبة الخراساني، نزيل مكة، ثقة، له تصانيف، مات سنة سبع وعشرين ومائتين، وقيل: بعدها (من مرسل عطاء بن أبي رباح) (بفتح الراء والموحدة المخففة)، واسمه أسلم القرشي، مولاهم المكي، ثقة، فقيه، فاضل، كثير الإرسال، مات سنة أربع عشرة ومائة على المشهور. (قال: جاءت امرأة إلى رسول اللَّه عَّة، فقالت: إني رأيت كأن جائزة بيتي،) أي ساريته (انكسرت وكان زوجها غائبًا، فقال: رد اللَّه زوجك عليك، فرجع سالمًا» الحدیث ... ،) فصدق اللّه تعبير رسوله (قال أبو عبيدة وغيره: معنى قوله ((الرؤيا لأول عابر)) إذا كان العابر الأول عالمًا، فعبر ٥٤ الفصل الثاني في تعبيره عَ ل الرؤيا عالمًا، فعبر وأصاب وجه التعبير، وإلا فهي لمن أصاب بعده، إذ ليس المدار إلا على إصابة الصواب في تعبير المنام ليتوصل بذلك إلى مراد اللَّه تعالى فيما ضربه من المثل، فإن أصاب فلا ينبغي أن يسأل غيره، وإن لم يصب فليسأل الثاني، وعليه أن يخبر بما عنده ويبين ما جهل الأول. هكذا قال، وفيه بحث يطول ذكره. ومن آداب المعبر، ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر أنه كتب إلى أبي موسى: فإذا رأى أحدكم رؤيا فقصها على أخيه فليقل: خير لنا شر لأعدائنا. ورجاله ثقات، ولكن سنده منقطع. وفي حديث ابن زمل عند الطبراني والبيهقي في الدلائل: لما قص على وأصاب وجه التعبير، وإلا فهي لمن أصاب بعده، إذ ليس المدار إلا على إصابة الصواب في تعبير المنام، ليتوصل بذلك إلى مراد اللَّه تعالى فيما ضربه من المثل، فإن أصاب) بظهور قرائن تدل على أنه أصاب، (فلا ينبغي أن يسأل غيره وإن لم يصب فليسأل الثاني، وعليه أن يخبر بما عنده، ويبين ما جهل الأول، هكذا قال، وفيه بحث يطول ذكره). (ومن آداب المعبر ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر أنه كتب إلى أبي موسى: فإذا رأى أحدكم رؤيا) تفريع على شيء قبله لم يتعلق به غرض المصنف، (فقصها على أخيه،) أي ذكرها له ليطلب منه تفسيرها، (فليقل) الأخ (خير لنا، شر لأعدائنا، ورجاله ثقات، ولكن سنده منقطع) إذ معمر لم يدرك أبا موسى. (وفي حديث ابن زمل) (بكسر الزاي وإسكان الميم ولام)، قال في الإصابة عبد اللّه بن زمل الجهني، ذكره ابن السكن وقال: روي عنه حديث الدنيا سبعة آلاف سنة، بإسناد مجهول وليس بمعروف في الصحابة، ثم ساق الحديث، وفي إسناده ضعف، قال: وروي عنه بهذا الإسناد أحاديث مناكير، قلت: وجميعها جاء عنه ضمن حديث واحد، أخرجه بطوله الطبراني في المعجم الكبير، وأخرج بعضه ابن السني في اليوم والليلة، ولم أره سمي في أكثر الكتب، ويقال: اسمه الضحاك، ويقال: عبد الرحمن والصواب الأول، والضحاك غلط، فإن الضحاك بن زمل آخر من أتباع التابعين، وقال ابن حبان عبد اللَّه بن زمل: له صحبة، لكن لا أعتمد على إسناد خبره. انتھی. فهو صحابي قطعًا، وإن كان إسناد خبره ضعيفًا، فجازف صاحب القاموس في قوله: عبد اللَّه بن زمل (بالكسر)، تابعي مجهول، غير ثقة، وقول الصغاني صحابي غلط، فإنه الأولى بأن يكون هو الغالط، وصاحب الإصابة لم يذكره في قسم من ذكر في الصحابة غلطًا، إنما ذكره في القسم الأول المسلم كون من فيه صحابيًا. ٥٥ الفصل الثاني في تعبيره عَّة الرؤيا النبي عَّهِ رؤياه، فقال عليه الصلاة والسلام: ((خير نلقاه وشر نوقاه، وخير لنا وشر على أعدائنا الحمد لله رب العالمين اقصص رؤياك)). الحديث، وسنده ضعيف جدًا، ويأتي إن شاء اللّه تعالى. ومن آداب المعبر أن لا يعبرها عند طلوع الشمس ولا عند غروبها، ولا عند الزوال، ولا في الليل، وأن لا يقصها على امرأة، لكن ثبت أنه عَّه كان إذا صلى الغداة يقول: هل رأى أحد الليلة رؤيا، فيقص عليه ما شاء الله أن يقص، ويعبر لهم ما يقصونه، وبوّب عليه البخاري: باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح. قالوا: وفيه إشارة إلى ضعف ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن سعيد بن عبد الرحمن عن بعض علمائهم قال: لا تقصص رؤياك على امرأة، ولا تخبر بها حتى تطلع الشمس، وفيه إشارة إلى الرد على من قال من أهل التعبير: إن (عند الطبراني) في المعجم الكبير، (والبيهقي في الدلائل) النبوية (لما قص،) أي أراد أن يقص (على النبي عَّ رؤياه) حين قال عَّ بعد صلاة الصبح والاستغفار: هل رأى منكم أحد شيئًا، قال ابن زمل: فقلت: أنا يا رسول اللَّه، (فقال عليه الصلاة والسلام: خير نلقاه وشر نوقاه، وخير لنا وشر على أعدائنا، الحمد لله رب العالمين، أقصص رؤياك الحديث وسنده ضعيف جدًا، ويأتي إن شاء اللَّه تعالى) آخر هذا الفصل. (ومن آداب المعبر أن لا يعبرها عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها، ولا عند الزوال، ولا في الليل). (و) من آداب الرائي (أن لا يقصها على امرأة) لنقص عقلها، ولا على عدو، ولا على جاهل، (لكن ثبت) في البخاري وغيره، عن سمرة بن جندب (أنه عٍَّ كان إذا صلى الغداة،) أي الصبح (يقول) لأصحابه: (هل رأى أحد) منكم (الليلة رؤيا، فيقص عليه) بضم الياء وفتح القاف (ما) أي مقصوصًا: (شاء اللَّه أن يقص) (بضم ففتح). وفي رواية النسفي للبخاري: فيقص عليه من شاء اللّه (بفتح الياء وضم القاف) ومن فاعل، أي القاص، (ويعبر لهم ما يقصونه))) أي يفسره، (وبوّب عليه البخاري باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح) وقبل طلوع الشمس، أي جوازه أو ندبه، (قالوا: وفيه إشارة إلى ضعف ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن سعيد بن عبد الرحمن عن بعض علمائهم قال: لا تقصص رؤياك على امرأة، ولا تخبر بها حتى تطلع الشمس،) ووجه ضعفه من حديث الصحيح ظاهر، لأنه كان يصلي بغلس، (وفيه) أيضًا (إشارة إلى الرد على من قال من أهل التعبير إن ٥٦ الفصل الثاني في تعبيره عَّة الرؤيا المستحب أن يكون التعبير من بعد طلوع الشمس إلى الرابعة، ومن العصر إلى قبل المغرب، فإن الحديث دال على استحباب تعبيرها قبل طلوع الشمس، ولا يخالف قولهم بكراهة تعبيرها في أوقات كراهة الصلاة. قال المهلب: تعبير الرؤيا عند صلاة الصبح أولى من غيره من الأوقات، لحفظ صاحبها لها لقرب عهده بها، وقبل ما يعرض له نسيانها، ولحضور ذهن العابر وقلة شغله بالفكرة فيما يتعلق بمعاشه، وليعرف الرائي ما يعرض له بسبب رؤياه، فيستبشره بالخير ويحذر من الشر، ويتأهب لذلك، فربما كان في الرؤيا تحذير من معصية فكيف عنها، وربما كانت إنذارًا الأمر فيكون له مترقبًا. قال: فهذه عدة فوائد لتعبير الرؤيا أول النهار. قاله في فتح الباري. وذكر أئمة التعبير أن من آداب الرائي أن يكون صادقًا اللهجة، وأن ينام على المستحب أن يكون التعبير من بعد طلوع الشمس إلى) الساعة (الرابعة) من النهار، (ومن العصر إلى قبل المغرب، فإن الحديث دال على استحباب تعبيرها قبل طلوع الشمس،) (ولا يخالف قولهم بكراهة تعبيرها في أوقات كراهة الصلاة)، لجواز حمله على بعد طلوع الشمس إلى ارتفاعها، وبعد الاصفرار إلى الغروب ووقت الاستواء على القول بكراهة الصلاة وقته لا بعد صلاة الصبح، وإن كره النفل حينئذٍ لتعبيره عَّه فيه، فيخص قولهم بما عداه، ولذا (قال المهلب) أبو القسم بن أحمد بن أسيد بن أبي صفرة التميمي الأندلسي، من العلماء الراسخين في الفقه والحديث والعبادة والنظر، سمع الأصيلي والقابسي وأبا ذر الهروي وغيرهم، وسمع منه ابن المرابط وابن الحذاء وغيرهم أحيا صحيح البخاري بالأندلس، وشرحه ومات سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة: (تعبير الرؤيا عند،) أي بعد (صلاة الصبح أولى من غيره من الأوقات لحفظ صاحبها لها، لقرب عهده بها وقبل ما يعرض له نسيانها،) قيقصها على وجهها، (ولحضور ذهن العابر وقلة شغله بالفكرة فيما يتعلق بمعاشه،) فيعبرها على الصواب (وليعرف الرائي ما يعرض له بسبب رؤياه، فيستبشر بالخير ويحذر من الشر، ويتأهب لذلك، فربما كان في الرؤيا تحذير من معصية فيكف عنها، وربما كانت إنذار الأمر، فيكون له مترقبًا،) فيكون أهون عليه من فجأته له. (قال) المهلب: (فهذه عدة فوائد لتعبير الرؤيا أول النهار، قاله في فتح الباري، وذكر أئمة التعبير أن من آداب الرائي أن يكون صادقًا اللهجة) (بفتح الهاء وسكونها لغة)، أي فصيح اللسان، أي يبين كلامه بيانًا شافيًا، بحيث لا يشتبه على المخاطب، (وأن ينام على وضوء ٥٧ الفصل الثاني في تعبيره عَلَّهُ الرؤيا وضوء، على جنبه الأيمن، وأن يقرأ عند نومه والشمس، والليل، والتين، وسورة الإخلاص والمعوذتين وأن يقول: اللَّهم إني أعوذ بك من سيء الأحلام، وأستجير بك من تلاعب الشيطان في اليقظة والمنام، اللَّهم إني أسألك رؤيا صالحة صادقة نافعة حافظة غير منسية: اللَّهم أرني في منام ما أحب. وأن لا يقصها على عدو ولا جاهل. إذا علمت هذا، فاعلم أن جميع المرائي تنحصر في قسمين: أضغاث أحلام وهي لا تنذر بشىء وهي أنواع: الأول: تلاعب الشيطان ليحزن الرائي، كأن يرى أنه قطع رأسه وهو يتبعه، أو يرى أنه واقع في هول ولا يجد من ينجده ونحو ذلك. وروى مسلم عن جابر: على جنبه الأيمن). قال ابن الوردي، ومن ينم على الشمال لا يصح، وصح ما سواه وهو متضح، وربما صحت كرؤيا الجنب، (وأن يقرأ عند نومه والشمس والليل والتين وسورة الإخلاص) ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١]. وفي نسخة: وسورتي الإخلاص وهما ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ [الكافرون: ١]، و﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١]، والأولى هي الموافقة لما نقله شارح ألفية ابن الوردي، يندب للنائم أمور، منها: استقبال القبلة وقراءة ما تيسر، والأولى الفاتحة والإخلاص لما رواه البزار وغيره عن أنس، مرفوعًا: إذا وضعت جنبك على الفراش وقرأت فاتحة الكتاب و﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] الآية، فقد أمنت من كل شىء إلا الموت (والمعوذتين) (بكسر الواو)، (وأن يقول: اللهم إني أعوذ بك من سيء الأحلام،) من إضافة الصفة للموصوف، (وأستجير بك من تلاعب الشيطان في اليقظة) (بفتحات) (والمنام، اللهم إني أسألك رؤيا صالحة، صادقة، نافعة، حافظة) لصاحبها عن أن يخلط فيها، أو يفهم منها غير ما أريد بها، (غير منسية) بأن يتذكرها إذا استيقظ، (اللهم أرني في منامي ما أحب، وأن لا يقصها على عدو ولا جاهل) بعلم الرؤيا (إذا علمت هذا، فاعلم أن جميع المرائي تنحصر في قسمين: أضغاث أحلام) تخليطها، (وهي لا تنذر) تخبر (بشيء، وهي أنواع الأول تلاعب الشيطان ليحزن) (بضم الياء وكسر الزاي وفتحها وضم الزاي) (الرائي، كأن يرى أنه قطع رأسه وهو يتبعه أو يرى أنه واقع في هول) فزع وخوف (ولا يجد من ينجده) يعينه ويخلصه منه (ونحو ذلك). ٥٨ الفصل الثاني في تعبيره عَّ الرؤيا قال جاء أعرابي فقال: يا رسول اللَّه، إني حلمت أن رأسي قطع وأنا أتبعه، فزجره النبي عَّلِه وقال: ((لا تخبر بتلعب الشيطان بك في المنام). الثاني: أن يرى أن بعض الملائكة يأمره أن يفعل المحرمات ونحوه من المحالات عقلاً. (وروى مسلم) من طريق أبي الزبير، (عن جابر قال: جاء أعرابي،) زاد في رواية ابن ماجه والنبي عَّهِ يخطب، (فقال: يا رسول اللَّه إني حلمت) (بضم اللام) رأيت في منامي (أن رأسي قطع وأنا أتبعه) أمشي على أثره، وفي رواية ابن ماجه: فاتبعته فأخذته فأعدته (فزجره النبي عَّةٍ، وقال: ((لا تخبر بتلعب الشيطان بك في المنام))). وفي مسلم أيضًا من طريق أبي سفين، عن جابر: جاء أعرابي، فقال: يا رسول اللّه رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج، فاشتددت على أثره، فقال عَّهِ: ((لا تحدث بتلعب الشيطان بك في منامك)، وقال: سمعت النبي علَّة بعد يخطب، فقال: ((لا يحدثن أحدكم بتلعب الشيطان به في منامه))، وله في رواية ثالثة، عن جابر: جاء رجل، فقال: يا رسول اللَّه رأيت في المنام كان رأسي قطع، فضحك عَّةٍ وقال: ((إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه، فلا یحدث به الناس)). قال المازري والقرطبي: ليس في هذا المنام ما يدل على أنه من الأضغاث أو تلاعب الشيطان، فيحتمل أن النبي عَّلِ علم أن منامه هذا من الأضغاث أو تلاعب الشيطان، بوحي أو بدلالة في المنام دلته على ذلك، أو على أنه من المكروه الذي هو من تحذير الشيطان. وقيل: إن الراوي أسقط من المنام ما لو ذكره لعلم أنه من الأضغاث وإلا فلأهل التأويل في قطع الرأس تأويلات، كمفارقة الرائي ما هو عليه من النعم، أو مفارقة قومه، أو زوال سلطانه، أو تغير حاله في جميع الأمور، إلا أن يكون عبدًا، فيدل على عتقه، أو مريضًا فيدل على شفائه، أو مديانًا فيدل على قضاء دينه، أو لم يحج، فيدل على أنه يحج، أو محزونًا فيدل على زوال حزنه أو فرحه، أو خائفًا فيدل على أمنه، إلى غير ذلك مما وسعوا فيه، وكذلك ينظرون في اتباع الرأس بما يؤولون به قطع الرأس في الحملة لا باعتبار هذا المنام بعينه. وقد ذكر ابن قتيبة في كتاب أصول العبارة أن رجلاً قال: يا رسول اللَّه إني رأيت رأسي قطع، فجعلت أنظر إليه بإحدى عيني، فضحك عَّلِ وقال: ((بأيهما كنت تنظر إليه))، فلبث ما شاء اللَّه، ثم قبض عَّله، وإن النظر إليه كأنه اتباع السنة. انتهى. (الثاني: أن يرى بعض الملائكة يأمره أن يفعل المحرمات ونحوه من المحالات عقلاً،) لأن العقل دل على عصمتهم من ذلك، فلا يمكن وقوعه، فهو من الأضغاث لا تعبير له. ٥٩ الفصل الثاني في تعبيره عَّةِ الرؤيا الثالث: ما يحدث به نفسه في اليقظة أو يتمناه، فيراه كما هو في المنام، وكذا رؤية ما جرت به عادته في اليقظة، أو يغلب على مزاجه ويقع على المستقبل غالبًا، وعن الحال كثيرًا، وعن الماضي قليلاً. القسم الثاني: الرؤيا الصادقة، وهي رؤيا الأنبياء، ومن تبعهم من الصالحين، وقد تقع لغيرهم بندور، وهي التي تقع في اليقظة على وفق ما وقعت في النوم، وقد وقع لنبينا عَّه من الرؤيا الصادقة التي كفلق الصبح ما لا يعد ولا يحد. قالت عائشة: أول ما بدىء به رسول اللَّه عَُّلِّ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. الحديث رواه البخاري. (الثالث: ما يحدث به نفسه في اليقظة أو يتمناه فيراه، كما هو في المنام) لا يعبر، لأنه منام همة، (وكذا رؤية ما جرت به عادته في اليقظة) بفعله أو قوله، (أو يغلب على ا مزاجه) من الأضغاث لا يؤول، (ويقع على المستقبل غالبًا، وعن الحال كثيرًا) غير غالب، (وعلى الماضي قليلاً،) وعبر في الفتح بلفظ عن في الثلاثة والخطب سهل. (القسم الثاني: الصادقة وهي رؤيا الأنبياء ومن تبعهم من الصالحين، وقد تقع لغيرهم بندور،) أي قلة إنقاذًا لهم من المعاصي، أو معافاة في أبدانهم، (وهي التي تقع في اليقظة على وفق ما وقعت في النوم) كرؤياه عٍَّ أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام آمنين محلقین رؤوسهم ومقصرين. (وقد وقع لنبينا عَّ من الرؤيا الصادقة التي كفلق) (بفتحتين) (الصبح) أي شبيهة به في الضياء والوضوح، وخص بالشبه لظهوره الواضح الذي لا يشك فيه (ما لا يعد) لكثرته، فلا يمكن حصره بعد (ولا يحد) لعدم إمكان حده. (قالت عائشة: أول ما بدىء) (بضم الموحدة وكسر المهملة فهمزة) (به رسول اللَّه عَّالتّم. من الوحي) أي من أقسامه، فمن للتبعيض، وقول القزاز لبيان الجنس، كأنها قالت من جنس الوحي وليست منه، أي فهي مجاز علاقته المشابهة للوحي في أنه لا دخل للشيطان فيها، رده عياض بحديث أنها جزء من النبوة (الرؤيا الصادقة في النوم) زيادة للإيضاح، أو لتخرج رؤيا العين يقظة مجازًا، (فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت) في بيانها مجيًا، (مثل:) فنصب نعت مصدر محذوف (فلق الصبح) في الضياء والظهور أو التقدير مشبهة ضياء الصبح، فالنصب على الحال والفلق الصبح، لكنه لما استعمل في هذا المعنى وغيره أضيف إليه للتخصيص والبيان إضافة العام للخاص، (الحديث رواه البخاري) في مواضع ومسلم، ومر بتمامه في أوائل الكتاب. ٦٠ الفصل الثاني في تعبيره عَّهِ الرؤيا وفي رواية: الصالحة. وهما بمعنى بالنسبة إلى أمور الآخر في حق الأنبياء، وأما بالنسبة إلي أمور الدنيا، فالصالحة في الأصل أخص. فرؤيا النبي عَّ كلها صادقة، وقد تكون صالحة وهو الأكثر، وغير صالحة بالنسبة إلى الدنيا، كما وقع في الرؤيا يوم أُحد، فإنه عَّهُ رأى بقرًا تذبح، ورأى في سيفه ثلمًا، فأول البقر ما أصاب أصحابه يوم أحد، والثلم الذي كان في سيفه برجل من أهل بيته يقتل، ثم كانت العاقبة للمتقين، وكان بعد ذلك النصر والفتح على جميع الخلق. وأما رؤيا غير الأنبياء، فبينهما عموم وخصوص إن فسرنا الصادقة بأنها التي لا تحتاج إلى تفسير، وأما إن فسرناها بأنها غير الأضغاث فالصالحة أخص مطلقًا. وقال الإمام نصر بن يعقوب الدينوري في ((التعبير القادري)): الرؤية الصادقة ما يقع بعينه، أو ما يعبر في المنام، أو يخبر به من لا يكذب، والصالحة ما فسر. واعلم أن الناس في الرؤيا على ثلاثة درجات: (وفي رواية) عند مسلم والبخاري في بدء الوحي: (الصالحة) بدل الصادقة، (وهما بمعنى) واحد (بالنسبة إلى أمور الآخرة في حق الأنبياء، وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا، فالصالحة في الأصل أخص) من الصادقة، (فرؤيا النبي عَّه) وغيره من الأنبياء (كلها صادقة، وقد تكون صالحة وهو الأكثر، وغير صالحة بالنسبة إلى الدنيا، كما وقع في الرؤيا يوم أحد، فإنه مَُّ رأى بقرًا) (بموحدة فقاف) (تذبح، ورأى في سيفه ثلمًا) (بفتح المثلثة وسكون اللام)، (فأول البقر ما) أي بما (أصاب أصحابه يوم أحد) من استشهاد سبعين، (والثلم الذي كان في سيفه برجل من أهل بيته يقتل) حمزة سيد الشهداء، (ثم كانت العاقبة للمتقين، وكان بعد ذلك النصر والفتح على جميع الخلق). (وأما رؤيا غير الأنبياء فبينهما،) أي الصادقة والصالحة (عموم وخصوص) من وجه (إن فسرنا الصادقة بأنها التي لا تحتاج إلى تفسير، وأما إن فسرناها بأنها غير الأضغاث، فالصالحة أخص مطلقًاً) من الصادقة. (وقال الإمام نصر بن يعقوب الدينوري:) (بفتح الدال والنون والواو) وراء نسبة إلى الدينور من بلاد الجبل (في) كتاب (التعبير القادري: الرؤيا الصادقة ما يقع بعينه) يقظة مثل ما وقع منامًا، (أو ما يعبر في المنام) للرائي، (أو يخبر به من لا يكذب) من الأنبياء وكثير من الصالحين، (والصالحة ما فسر:) عبر بتعبير كتعبيره عَّة اللبن بالعلم. (واعلم أن الناس في الرؤيا على ثلاث درجات: الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم،