النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ ذكر حماية الشراب من سم أحد جناحي الذباب باغماس الثاني [ذكر حماية الشراب من سم أحد جناحي الذباب باغماس الثاني] عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه عَّه قال: ((إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء)). للإشارة إلى أن الذي يورث البواسير هو الاحتباس الزائد، بحيث يحتاج صاحبه إلى تفريغ نفسه في المحل المعد لذلك. (رواه أبو أحمد) محمد بن محمد النيسابوري، (الحاكم،) الكبير، الحافظ، الجهبذ، محدث خراسان مع العبادة والصلاح والمشي على سنن السلف وكثرة التصانيف، سمع ابن خزيمة والبغوي الكبير، وخلقا بالعراق والشام والجزيرة، وعنه أبو عبد الرحمن السلمي، والحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد اللَّه الموافق له في الاسم والنسبة واللقب، وإنما افترقا في الكنية واسم الأب، وقال: إنه إمام عصره في هذه الصنعة، مات في ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة وله ثلاث وسبعون سنة، ومات تلميذه الحاكم سنة خمس وأربعمائة، هذا هو المنقول في غير ما كتاب. ذكر حماية الشراب من سم احد جناحي الذباب بإغماس الثاني أي الجناح الذي لم يقدمه الذباب، وهو بمعجمة جمع ذبابة بالهاء، ويجمع أيضًا على أذبة وذبان (بالكسر وذب، بالضم)، وهو أجهل الخلق، لأنه يلقي نفسه في الهلاك ويتولد من العفونة، ولم يخلق له أجفان لصغر حدقته، ومن شأن الأجفان صقل مرآة الحدقة من الغبار، فجعل اللَّه له يدين يصقل بهما مرآة حدقته، فلذا تراه أبدًا يمسح عينيه بيديه. (عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه عٍَّ قال: ((إذا وقع) سقط (الذباب في إناء أحدكم) هذا لفظ رواية البخاري في الطب، ولفظه في بدء الخلق في ((شراب أحدكم))، وهو شامل لكل مائع ماء أو غيره. وفي حديث أبي سعيد عند النسائي وابن ماجه، وصححه ابن حبان: ((إذا وقع في الطعام»، والأولى أشمل، لأن الإناء يكون فيه كل شيء من مأكول ومشروب ماء أو غيره، (فليغمسه كله) فيما وقع فيه، والأمر إرشادي لمقابلة الداء بالدواء، وسقط التأكيد من رواية بدء الخلق: (ثم ليطرحه) بعد استخراجه من الإناء، وللبخاري في بدء الخلق: ((ثم لينزعه»، ولبعض رواته: ثم لينتزعه (بزيادة فوقية قبل الزاي)، (فإن في أحد جناحيه شفاء) بتذكير أحد عند البخاري في الطب، ولبعض رواته فيه كبدء الخلق: ((فإن في إحدى)) (بكسر الهمزة وسكون الحاء مؤنثًا)، إما لأن الجناح يذكر ويؤنث، أو أنث باعتبار اليد، وجزم الصغاني بأنه لا يؤنث، وصوب الأول، (وفي الآخر داء))) بالتذكير، وفي بدء الخلق: و((الأخرى)) بضم الهمزة والتأنيث وحذف حرف ٢٢ ذكر حماية الشراب من سم أحد جناحي الذباب باغماس الثاني وفي رواية أبي داود فإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء، فليغمسه كله. وفي رواية الطحاوي: فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء. وفي قوله ((كله)) رفع توهم المجاز في الاكتفاء بالبعض. قال شيخ شيوخنا: لم يقع لي في شىء من الطرق تعيين الجناح الذي فيه الشفاء من غيره. لكن ذكر بعض العلماء أنه تأمله فوجده يتقي بجناحه الأيسر، فعرف أن الأيمن هو الذي فيه الشفاء. الجر، ففيه شاهد لمن يجيز العطف على معمولي عاملين، كالأخفش، وقد استبان لك أن هذا الحديث رواه البخاري في الطب، باللفظ الذي ساقه المصنف، وكذا رواه ابن ماجه في الطب، ورواه البخاري أيضًا قبل ذلك في بدء الخلق بتغيير قليل في اللفظ علمته. (وفي رواية أبي داود: ((فإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء، فليغمسه كله))،) زاد في رواية البزار: برجال ثقات ثلاثًا مع قول بسم اللَّه. (وفي رواية الطحاوي فإنه يقدم السم) أي الجناح الذي فيه السم فيضعه في الإناء، (ويؤخر الشفاء) أي جناحه فلا يضعه. (وفي قوله كله رفع توهم المجاز في الاكتفاء بالبعض،) أي يغمس بعضه. (قال شيخ شيوخنا) الحافظ ابن حجر في فتح الباري: (لم يقع لي في شيء من الطرق) للحديث (تعيين الجناح الذي فيه الشفاء من غيره، لكن ذكر بعض العلماء) يعني الدميري، فإنه ذكر في حياة الحيوان (أنه تأمله فوجده يتقي بجناحه الأيسر،) وهو مناسب للداء، كما أن الأيمن مناسب للشفاء، هذا كلام الدميري، (فعرف أن الأيمن هو الذي فيه الشفاء) حقيقة، فأمر الشارع بمقابلة السمية بالشفاء، ولا بعد في حكمة الله أن يجعلهما جزئي واحد، كالعقرب بأبرتها السم، ويتداوى منه بجرمها، فلا ضرورة للعدول عن الحقيقة هنا وجعله مجازًا، كما وقع لبعضهم، حيث جعله من الطب الروحاني بمعنى إصلاح الأخلاق وتقويم الطباع، بإخراج فاسدها وتبقية صالحها. قال التوربشتي: وجدنا لهذا الحديث فيما أقامه اللَّه لنا من عجائب خلقته وبديع فطرته شواهد ونظائر، منها: النحلة يخرج من بطنها شراب نافع، وبث في إبرتها السم الناقع، والعقرب تهيج الداء بإبرتها، ويتداوى من ذلك بجرمها؛ وأما اتقاؤه بالجناح الذي فيه الداء، فإنه تعالى ألهم الحيوان بطبعه ما هو أعجب منه، فلينظر المتعجب من ذلك إلى النملة كيف تسعى في جمع القوت، وتصون الحب عن الندى، وتجفف الحب إذا أثر فيه الندى، ثم تقطع الحب لئلا ينبت ٢٣ ذكر حماية الشراب من سم أحد جناحي الذباب باغماس الثاني وأخرج أبو يعلى عن ابن عمر مرفوعًا: عمر الذباب أربعون ليلة. والذباب كله في النار إلا النحل. وسنده لا بأس به. قال الجاحظ: كونه في النار ليس تعذيبًا له بل ليعذب به أهل النار، ويتولد من العفونة. ومن عجيب أمره أن رجيعه يقع على الثوب الأسود أبيض وبالعكس، وأكثر ما يظهر في أماكن العفونة، ومبدأ خلقه منها ثم من التوالد، وهو أكثر الطيور سفادًا، وربما بقي عامة اليوم على الأنثى. ويحكى أن بعض الخلفاء سأل الشافعي: لأي علة خلق الذباب؟ فقال: مذلة للملوك؛ وكانت ألحت عليه ذبابة. قال الشافعي: سألني ولم يكن عندي جواب فاستنبطت ذلك من الهيئة الحاصلة، فرحمة اللّه عليه ورضوانه. وتترك الكزبرة، لأنها لا تنبت وهي صحيحة، فتبارك الله أحسن الخالقين. (وأخرج أبو يعلى عن ابن عمر، مرفوعًا: عمر الذباب أربعون ليلة،) أي غايته ذلك، وإلا فقد يموت قبل ذلك، (والذباب كله) بسائر أنواعه، فالعرب تجعل هذا الطائر والفراش والنحل والدبر والناموس والبعوض، كلها من الذباب (في النار إلا النحل، وسنده لا بأس به). (قال الجاحظ) بجيم، فألف، فحاء مهملة، فظاء معجمة عمرو بن بحر في كتاب الحيوان له، (كونه في النار ليس تعذيبًا له، بل ليعذب به أهل النار، ويتولد من العفونة،) كالزبل، ويكثر إذا هاجت ريح الجنوب، ويخلق تلك الساعة، وإذا هاجت ريح الشمال خف وتلاشى، (ومن عجيب أمره أن رجيعه) أي روثه فعيل بمعنى فاعل، لأنه رجع عن حاله الأولى بعد أن كان علفًا أو طعامًا (يقع على الثوب الأسود أبيض، وبالعكس، وأكثر ما يظهر في أماكن العفونة ومبدأ خلقه منها، ثم من التوالد، وهو أكثر الطيور سفادًا) (بكسر السين)، أي وقوعًا على أنثاه، (وربما بقي عامة اليوم على الأنثى، ويحكى أن بعض الخلفاء) هو المأمون ابن الخليفة الرشيد العباسي، (سأل الشافعي: لأي علة خلق الذباب،) أي هل له حكمة، وإلا فأفعال اللَّه لا تعلل، (فقال: مذلة للملوك، وكانت ألحت،) أي لازمت وتكرر ترددها (عليه،) أي على ذلك الملك (ذبابة). (قال الشافعي: سألني ولم يكن عندي جواب، فاستنبطت ذلك من الهيئة الجاصلة(،) وعبارة الدميري في حياة الحيوان: وفي مناقب الشافعي أن المأمون سأله: لأي علة خلق اللَّه الذباب، فقال: مذلة للملوك، فضحك المأمون، وقال: رأيته قد وقع على جسدي، قال: نعم، ولقد سألتني عنه وما عندي جواب، فلما رأيته قد سقط منك بموضع لا يناله منك أحد، فتح اللَّه لي فيه بالجواب، فقال: للَّه درك، (فرحمة اللّه عليه ورضوانه)،) وقد سبقا بذلك، ففي حياة ٢٤ ذكر حماية الشراب من سم أحد جناحي الذباب باغماس الثاني عن جابر قال: قال رسول اللَّه عَ له: ((غطوا الإناء، وأوكوا السقاء فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء الا ينزل فيه من ذلك الوباء». رواه مسلم في صحيحه قيل: وذلك في آخر شهور الحيوان أيضًا حدث يحيى بن معاذ أن أبا جعفر المنصور ألح على وجهه ذباب حتى أُضجره، فقال: أنظروا من بالباب، قالوا: مقاتل بن سليمن، فقال: علي به، فلما دخل عليه، قال: هل تعلم لماذا خلق اللَّه الذباب، قال: نعم ليذب به الجبابرة. انتھی. وأبو جعفر ثاني خلفاء بني العباس، والمأمون سابعهم، وفي الشفاء لابن سبع وتاريخ ابن النجار مسندًا أن النبي عَ ◌ّهِ كان لا يقع على جسده ذباب أصلاً، ومر في الخصائص. ذكر أمره عَّه بالحمية من الوباء النازل في الإناء بالليل بتغطيته أي ستره، (عن جابر) بن عبد اللَّه الأنصاري، (قال: قال رسول اللَّه عَ لّم: ((غطوا الإناء،) أي أستروه، والأمر للندب، (وأوكوا) (بفتح الهمزة وسكون الواو وضم الكاف بلا همز)، أي شدوا واربطوا (السقاء) (بكسر السين والمد) القربة، أي شدوا رأسها بالوكاء، وهو الخيط مع ذكر اسم الله تعالى في الخصلتين، كما صرح به في رواية أخرى: فاسم الله هو السور الطويل العريض، والحجاب الغليظ المنيع من كل سوء. قال القرطبي: هذا الباب من الإرشاد إلى المصلحة الدنيوية، نحو: أشهدوا إذا تبايعتم وليس للأمر الذي قصد به الإيجاب، وغايته أن يكون من باب الندب، بل جعله جمع من أهل. الأصول قسمًا منفردًا عن الوجوب والندب، (فإن في السنة ليلة ينزل) من السماء (فيها وباء) (بالمد والقصر)، وهو أشهر مرض عظيم عام اللّه أعلم بحقيقته. وفي رواية لمسلم أيضًا: يومًا مكان ليلة، ولا منافاة بينهما، إذ ليس في أحدهما نفي الآخر، فهما ثابتان، قاله النووي: (لا يمر بإناء ليس عليه غطاء) (بالكسر والمد)، أي ستر، وهو ما يغطى به، جمعه أغطية؛ (أو سقاء ليس عليه وكاء) (بكسر الواو ممدود)، أي خيط مربوط به، وفي رواية: بإناء لم يغط، ولا سقاء لم يوك (الا ينزل فيه من ذلك الوباء))) وخص ذلك أبو حميد الصحابي بالليل، وقوفًا مع ظاهر قوله: ((ليلة))، لكن قال النووي: ليس في الحديث ما يدل عليه، والمختار عند أكثر الأصوليين، وهو مذهب الشافعي وغيره؛ أن تفسير الصحابي إذا كان خلاف ظاهر اللفظ ليس بحجة، ولا يلزم غيره من المجتهدين موافقته على تفسيره، أما إذا لم يكن في ظاهر اللفظ ما يخالفه؛ بأن كان مجملاً، فيرجع إلى تأويله، ويجب الحمل عليه، لأنه لا يحل حمل المحمل على شىء إلا بتوقيف، انتهى. وإنما يحسن الرد عليه برواية ((يومًا)) المفيدة مع رواية ((ليلة))؛ أنه يغطى ليلاً ونهارا، وإلا فظاهر ((ليلة)) لا يخالفه، ولعله لم يسمع ((يومًا)). (رواه مسلم في صحيحه) في الأشربة، (قيل: وذلك في آخر شهور السنة الرومية،) ٢٥ ذكر حمية الولد من إرضاع الحمقى السنة الرومية، [ذكر حمية الولد من إرضاع الحمقى] روى أبو داود في المراسيل بإسناد صحيح عن زياد السهمي قال: نهى رسول اللَّه عَ لِّ أن تسترضع الحمقى، فإن اللبن يشبه. وعند ابن حبيب: يعدي، وعند القضاعي بسند حسن من حديث ابن عباس مرفوعًا: ((الرضاع يغير الطباع)). وفي مسلم قال الليث: فالأعاجم عندنا يتقون ذلك في كانون الأول، قال النووي: أي يحذرونه ويخافونه، وكانون غير مصروف، لأنه علم أعجمي، وهو الشهر المعروف. انتهى. قال غيره: والظاهر أنه في أواخره إما في السابع والعشرين، أو التاسع والعشرين، وأوله خامس كيهك من الشهور القبطية. ذكر حمية الولد من إرضاع الحمقى مؤنث أحمق، أي فاسدة العقل، قاله الأزهري، (روى أبو داود في المراسيل، بإسناد صحيح عن زياد السهمي،) مجهول أرسل حديثًا، ويقال: هو مولى عمرو بن العاصي من الثالثة، قاله في التقريب، (قال: نهى رسول اللَّه عَّ أن تسترضع الحمقى، فإن اللبن يشبه،) أي يورث شبهًا بين الرضيع والمرضعة. (وعند ابن حبيب: يعدي) بدل يشبه، إذ العادة جارية أن الرضيع يغلب عليه أخلاق المرضعة من خير وشر. (وعند القضاعي:) وكذا ابن لال والديلمي (بسند حسن،) كما قال بعض شراح القضاعي، وتعقب بأن فيه صالح بن عبد الجبار، قال في الميزان: أتى بخبر منكر جدًا، وساق هذا الحديث، ثم قال فيه انقطاع، وفيه أيضًا عبد الملك بن مسلمة، مدني، ضعيف، (من حديث ابن عباس، مرفوعًا: ((الرضاع يغير الطباع))،) أي يغير الصبي عن لحوقه بطبع والديه إلى طبع مرضعته، لصغره ولطف مزاجه، والمراد حث الوالدين على توخي مرضعة طاهرة العنصر، زكية الأصل، ذات عقل ودين وخلق جميل، والطباع ما تركب في الإنسان من جميع الأخلاق التي لا يكاد يزايلها من خير وشر، كما في النهاية. وفي المصباح: الطبع بالسكون الجبلة التي خلق الإنسان عليها، وللحديث طريق ثان عند أبي الشيخ من حديث ابن عمر، مثل حديث ابن عباس: فاعتضد ومن ثم لما دخل الشيخ أبو محمد الجويني بيته ووجد ابنه الإمام أبا المعالي يرضع ثدي غير أمه، اختطفه منها، ثم نكس رأسه ومسح بطنه، وأدخل أصبعه في فيه، فلم يزل يفعل ذلك حتى خرج ذلك اللبن، قائلاً: ٢٦ ذكر حمية الولد من إرضاع الحمقى وعند ابن حبيب أيضًا مرفوعًا أنه نهى عن استرضاع الفاجرة. وعن عمر بن الخطاب: أن اللبن ينزع لمن تسترضع له. وأما الحمية من البرد فاشتهر على الألسنة: اتقوا البرد فإنه قتل أبا الدرداء. لكن قال شيخ الحفاظ ابن حجر: لا أعرفه. فإن كان واردًا فيحتاج إلى تأويل، قال أبا الدرداء عاش بعد النبي عَ ◌ّه دهرًا. انتهى. وأما ما اشتهر أيضًا: أصل كل داء البردة، فقال شيخنا: رواه أبو نعيم والمستغفري معًا في الطب النبوي والدارقطني في العلل، كلهم من طريق تمام بن نجيح عن الحسن البصري عن أنس رفعه. وتمام ضعفه الدارقطني وغيره، ووثقه ابن معين وغيره. يسهل علي موته، ولا تفسد طباعه بشرب لبن غير أمه، ثم لما كبر الإمام كان إذا حصل له كبوة في المناظرة، يقول: هذه من بقايا تلك الرضعة. (وعند ابن حبيب أيضًا مرفوعًا أنه نهى عن استرضاع الفاجرة) أي الفاسقة، (وعن عمر بن الخطاب أن اللبن ينزع،» أي يميل بالشبه (لمن تسترضع له،) أي لمرضعته في الخير وضده. (وأما الحمية من البرد) بالتدفي، (فاشتهر على الألسنة: اتقوا البرد، فإنه قتل أبا الدرداء) عويمرًا العجلاني، (لكن قال شيخ الحفاظ ابن حجر: لا أعرفه، فإن كان واردًا فيحتاج إلى تأويل،) كأن يقال كاد يقتله. (قال أبا الدرداء: عاش بعد النبي عَُّ دهرًا انتهى). حتى مات في خلافة عثمن، وقيل: عاش بعد ذلك، (وأما ما اشتهر أيضًا أصل كل داء البردة،) أي قاعدته التي لو توهمت مرتفعة لارتفع بارتفاعها سائره، قاله الرابغ، (فقال شيخنا) السخاوي في المقاصد: (رواه أبو نعيم) أحمد بن عبد الله الحافظ، (والمستغفري) الحافظ أبو العباس جعفر بن محمد بن المعتز بن محمد بن المستغفر نسبة إلى جده، هذا ابن الفتح النسفي، صاحب التصانيف، ولد بعد سنة خمسين وثلاثمائة، ومات بنسف سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة (معًا في الطب النبوي، والدارقطني في) كتاب (العلل، كلهم من طريق تمام بن نجيح) الأسدي، الدمشقي، نزيل حلب، (عن الحسن البصري، عن أنس، رفعه) به (وتمام، ضعفه الدارقطني وغيره،) كابن حبان، فقال: تمام، منكر الحديث يروي أشياء موضوعات عن الثقات، كان يتعمدهم، وقال ابن عدي والعقيلي: حديثه منكر، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه، (ووثقه ابن معين وغيره،) واعتمد في التقريب الأول، فقال: ضعيف، (ولأبي نعيم أيضًا من ٢٧ ذكر حمية الولد من إرضاع الحمقى ولأبي نعيم أيضًا من حديث ابن المبارك عن السائب بن عبد الله عن علي بن زحر عن ابن عباس مثله. ومن حديث عمرو بن الحرث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رفعه: ((أصل كل داء من البردة)). وقد قال الدارقطني عقب حديث أنس من علله: عباد بن منصور عن الحسن البصري من قوله، وهو أشبه بالصواب. وجعله الزمخشري في ((الفائق)) من كلام ابن مسعود. قال الدارقطني في كتاب التصحيف: قال أهل اللغة رواه المحدثون البردة يعني بإسكان الراء، والصواب («البردة)) يعني بالفتح، وهي التخمة، لأنها تبرد حرارة الشهوة، أو لأنها ثقيلة على المعدة بطيئة الذهاب. من ((برد)) إذا ثبت وسكن. حديث) عبد اللَّه (بن المبارك، عن السائب بن عبد اللَّه، عن علي بن زحر) (بفتح الزاي وسكون الحاء المهملة)، (عن ابن عباس مثله،) أي مثل لفظ حديث أنس. (ومن حديث عمرو بن الحرث، عن دراج) (بفتح الدال المهملة والراء الثقيلة)، فألف، فجيم، ابن سمعان السهمي، مولاهم المصري، القاص في حديثه عن أبي الهيثم، ضعف، قيل اسمه عبد الرحمن ودراج لقب، وكنيته أبو السمح (بمهملتين، الأولى مفتوحة والميم ساكنة)، مات سنة عشرين ومائة، (عن أبي الهيثم) المصري، مولى عقبة بن عامر، مقبول روى له أبو داود والنسائي، (عن أبي سعيد رفعه: ((أصل كل داء البردة)،) ورواه أبو نعيم أيضًا وابن السني، كلاهما في الطب من حديث علي وأبي سعيد. قال السخاوي: ومفرداتها ضعيفة، (و) قد (قال الدارقطني عقب) روايته (حديث أنس من علله،) وقد رواه (عباد بن منصور،) فسقط من قلم المصنف لفظ، وقد رواه وهو ثابت عند شيخه، (عن الحسن البصري، من قوله:) فلم يذكر أنسًا ولا النبي عَّةٍ، (وهو أشبه بالصواب) من رفعه، (وجعله الزمخشري في الفائق من كلام ابن مسعود) لا من كلام المصطفى. (قال الدارقطني في كتاب التصحيف، قال أهل اللغة، رواه المحدثون: البردة، يعني بإسكان الراء، والصواب البردة، يعني بالفتح) للراء، (وهي التخمة،) سميت بذلك، (لأنها تبرد حرارة الشهوة، أو لأنها ثقيلة على المعدة بطيئة الذهاب من برد إذا ثبت وسكن،) وتعقب زعم أن الصواب الفتح بأن القاموس قدم السكون، فقال البردة، وتحرك التخمة، فجعل اللغة الكثيرة السكون. وقال ابن الأثير وغيره: سميت بذلك لأنها تبرد المعدة، فلا تستمرىء الطعام، وذلك بمعنى ٢٨ الفصل الثاني في تعبيره معَ ة الرؤيا وقد أورد أبو نعيم مضمومًا لهذه الأحاديث، حديث الحرث بن فضيل عن زياد بن مينا عن أبي هريرة رفعه: (استدفئوا من الحر والبرد)). وكذا أورد المستغفري مع ما عنده منها حديث إسحق بن نجيح عن أبان عن أنس رفعه: ((إن الملائكة لتفرح بفراغ البرد عن أمتي، أصل كل داء البرد». وهما ضعيفان وذلك شاهد لما حكي عن اللغويين في كون المحدثين رووه بالسكون. انتهى. الفصل الثاني في تعبيره عَلَّةُ الرؤيا يقال: عبرت الرؤيا بالتخفيف: إذا فسرتها، وعبرتها بالتشديد للمبالغة في قول بعض الأطباء هي إدخال الطعام على الطعام قبل هضم الأول، فإن بطء الهضم أصله البرد الذي بردت منه المعدة، قال في الفائق: والقصد ذم الإكثار من الطعام، قيل: لو سئل أهل القبور ما سبب قصر آجالكم، لقالوا: التخمة. (وقد أورد أبو نعيم) في الطب النبوي، (مضمومًا لهذه الأحاديث حديث الحرث بن فضيل) (بالتصغير)، الأنصاري، المدني، ثقة، من رجال مسلم، (عن زياد بن مينا) (بكسر الميم وإسكان التحتية ونون) تابعي مقبول، (عن أبي هريرة، رفعه: ((استدفئوا من الحر والبرد)»، وكذا أورد المستغفري مع ما عنده منها،) أي من الأحاديث السابقة (حديث إسحق بن نجيح) الملطي، نزيل بغداد، كذبوه (عن أبان) بن يزيد العطار البصري، ثقة، له إفراد، (عن أنس رفعه. إن الملائكة لتفرح بفراغ) في المقاصد بارتفاع (البرد عن أمتي أصل كل داء البرد، وهما،) أي ذا الحديث وما قبله (ضعيفان، وذلك شاهد لما حكي عن اللغويين في كون المحدثين رووه بالسكون،) فيكون المراد بالبردة البرد، فيتعين سكونه، وكذا على أن المراد التخمة على ما صدر به القاموس، کما علم. (انتھی) کلام شیخه. الفصل الثاني في تعبيره علية الرؤيا أي تفسيرها، وهو العبور من ظاهرها إلى باطنها، قاله الراغب، وفي المدارك؛ حقيقة عبرت الرؤية، ذكرت عاقبتها وآخر أمرها، كما تقول: عبرت النهر إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه، وهو عبره، ونحوه: أُولت الرؤيا إذا ذكرت مآلها، وهو مرجعها. وقال البيضاوي: عبارة الرؤيا الانتقال من الصور الخالية إلى المعاني النفسانية التي هي مثالها من العبور، وهو المجاوزة، (يقال: عبرت الرؤيا بالتخفيف) للباء (إذا فسرتها،) قال تعالى: ﴿إن كنتم للرؤيا تعبرون﴾ [يوسف: ٤٣]، (وعبرتها بالتشديد للمبالغة في ذلك،) هكذا ٢٩ الفصل الثاني في تعبيره عَّ الرؤيا ذلك. وأما ((الرؤيا)) بوزن فعلى - وقد تسهل الهمزة - فهي ما يراه الشخص في منامه. قال القاضي أبو بكر بن العربي: الرؤيا إدراكات يلقيها اللَّه تعالى في قلب العبد على يدي ملك أو شيطان، إما بأسمائها، أي حقيقتها، وإما بكناها أي بعباراتها، وإما تخليطًا. وذهب القاضي أبو بكر بن الطيب: إلى أنها اعتقادات، واحتج بأن الرائي قد في نسخ صحيحة (بالواو)، لأنهما إطلاقان متقابلان بمعنيين مختلفين، خلاف ما في نسخ سقيمة بأو، والتخفيف هو الذي اعتمده الإثبات، وأنكروا التشديد، لكن قال الزمخشري: عثرت على بيت أنشده المبرد في كتاب الكامل لبعض الأعراب: رأيت رؤيا ثم عبرتها وكنت للأحلام عبارا (وأما الرؤيا بوزن فعلى) (بضم الفاء قسيم لمقدر)، أي أما التعبير فمأخوذ من عبرت الرؤيا إلى آخره، (وقد تسهل الهمزة) بإبدالها واوًا، ثم قد تبقى ظاهرة، وقد تقلب ياء وتدغم فيما بعدها، فيتحصل من ذلك ثلاث لغات، (فهي ما يراه الشخص في منامه،) فهي كالرؤية، ففرق بينهما بتاء التأنيث، كالقربة والقربى. وقال القرطبي: الرؤيا مصدر رأى في منامه، والرؤية مصدر رأى في اليقظة، وقد تكون الرؤية مصدر رأى يقظة، كقوله تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أُريناك﴾ [الإسراء: ٦٠]، لأن الصحيح أن الإسراء يقظة. (قال القاضي أبو بكر بن العربي: الرؤية إدراكات يلقيها،) وفي نسخة: يخلقها، وهما ظاهرتان، وفي أخر: علقها، أي أثبتها (اللّه تعالى في قلب العبد على يدي ملك أو شيطان، إما بأسمائها، أي حقيقتها) بأن يخلق صورة ما يراه في المنام، كما هو موجود مشاهد في الخارج، إما حالاً، وإما مالاً، كأن يرى صورة إنسان يعرفه في اليقظة على صفة خاصة، أو يخاطب بشىء معلوم، (وإما بكناها، أي بعباراتها) بأن يخلق في قلبه شيئًا هو علامة على أمور يخلقها في الحال، أو كان قد خلقها فيقع ذلك، (وإما تخليطًا) بأن يخلق في قلبه حقيقة ما يراه، وما هو دال على أمور تقوم به. قال، أعني ابن العربي: ونظيرها في اليقظة الخواطر، فإنها قد تأتي على نسق، وقد تأتي مسترسلة غير محصلة. (وذهب القاضي أبو بكر) محمد (بن الطيب) الباقلاني (إلى أنها اعتقادات) أي ربط ٣٠ الفصل الثاني في تعبيره عَّه الرؤيا يرى نفسه بهيمة أو طائرًا مثلاً، وليس هذا إدراكًا، فوجب أن يكون اعتقادًا، لأن الاعتقاد قد يكون على خلاف المعتقد. قال ابن العربي: والأول أولى، والذي يكون من قبيل ما ذكره ابن الطيب من قبيل التنسل فالإدراك إنما يتعلق به لا بأصل الذات. وقال المازري: كثر كلام الناس في حقيقة الرؤيا، وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة، لأنهم حاولوا الوقوف على حقائق لا تدرك بالعقل، ولا يقوم عليها برهان، وهم لا يصدقون بالسمع، فاضطربت أقاويلهم، فمن ينتمي إلى الطب ينسب جميع الروايا إلى الأخلاط، فيقول: من غلب عليه البلغم رأى أنه يسبح في الماء ونحو ذلك لمناسبة الماء طبيعة البلغم، ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود في الجو وهكذا إلى آخره. وهذا وإن جوزه العقل، وجاز أن يجري اللَّه للقلب على معنى يتصور في نفسه، فذلك الربط عقد واعتقاد، وما ربط عليه القلب من المعاني معتقد، فتصور إنسان بصورته مثلاً اعتقاد، والإنسان المتصور بأنه كذا معتقد. (واحتج بأن الرائي قد يرى نفسه بهيمة أو طائرًا مثلاً، وليس هذا إدراكًا، فوجب أن يكون اعتقادًا، لأن الاعتقاد قد يكون على خلاف المعتقد) بخلاف الإدراك. (قال ابن العربي: والأول أولى،) لأن حقيقة الرؤيا تعلق الشيء بخصوص المرئي بذاته، أو بعلامة تدل عليه، وذلك إنما يكون فيما لو رآه نفسه، أما إذا تصوره بغير صورته، فإنما هو مثال انتقش في ذهنه ليس حقيقة المرئي، (والذي يكون))) أي يوجد (من قبيل ما ذكره ابن الطيب من قبيل التمثيل، فالإدراك إنما يتعلق به لا بأصل الذات،) ولذا قالوا: التصورات لا يقع فيها الخطأ، فمن رأى شبحًا من بعد فتصوره إنسانًا، وليس هو كذلك، كانت الصورة الحاصلة في ذهنه صورة إنسان بلا شك، والخطأ إنما هو في الحكم على تلك الصورة بأنها إنسان، مع أنها حجر أو شجر أو نحوهما. (وقال المازري: كثر كلام الناس في حقيقة الرؤيا، وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة، لأنهم حاولوا الوقوف على حقائق لا تدرك بالعقل، ولا يقوم عليها برهان:) دليل عقلي، (وهم لا يصدقون بالسمع، فاضطربت أقاويلهم) بسبب ذلك، (فمن ينتمي) ينتسب (إلى الطب) من غير الإسلاميين (ينسب جميع الروايا إلى الأخلاط) الأمزجة الأربعة، فيستدل بالرؤيا على الخلط، (فيقول: من غلب عليه البلغم رأى أنه يسبح) يعوم (في الماء ونحو ذلك، لمناسبة الماء طبيعة البلغم،) إذ كل منهما بارد رطب، (ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود في الجو،) وشبهه لمناسبة طبيعة الصفراء في أن كلاً منهما حار يابس، ولأن ٣١ الفصل الثاني في تعبيره عَّة الرؤيا العادة به لكنه لم يقم عليه دليل، ولا اطردت به عادة، والقطع في موضع التجويز غلط. ومن ينتمي إلى الفلسفة يقول: إن صور ما يجري في الأرض هي في العالم العلوي كالنقوش، فما حاذى بعض النفوس منها انتقش فيها. قال: وهذا أشد فسادًا من الأول، لكونه تحكمًا لا برهان عليه. والانتقاش من صفات الأجسام، وأكثر ما يجري في العالم العلوي الأعراض، والأعراض لا انتقاش فيها. قال: والصحيح ما عليه أهل السنة، أن اللَّه تعالى يخلق في النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، فإذا خلقها فكأنه جعلها علمًا على أمور أخرى خلقها أو يخلقها في ثاني حال، ومهما وقع منها على خلاف المعتقد فهو كما يقع لليقظان، ونظيره أن اللّه تعالى خلق الغيم علامة على المطر، وقد يتخلف. خفتها وإيقادها يخيل إليه الطيران في الجو والصعود في العلو، (وهكذا إلى آخره،) أي: وهكذا يصنعون في بقية الأخلاط، كما هو لفظ المازري، (وهذا وإن جوّزه العقل، وجاز أن يجري اللَّه العادة به، لكنه لم يقم عليه دليل) من جهة الشرع، (ولا اطردت به عادة،) لأنا نرى كثيرًا ممن غلب عليه البلغم أو غيره يرى ما لا يناسب طبعه، (والقطع في موضع التجويز غلط) وجهالة، فإن نسبوا ذلك إلى الأخلاط بعادة أجراها اللَّه فجائز، وإن أضافوه إلى فعل الأخلاط قطع بخطئهم. (ومن ينتمي إلى الفلسفة يقول: إن صور ما يجري،) أي يقع (في الأرض هو في العالم العلوي كالنقوش،) وكأنه يدور بدوران الآخر، (فما حاذى بعض النفوس) (بفاء وسين مهملة جمع نفس)، (منها،) أي: النقوش (بالقاف والمعجمة) (التقش فيها). (قال) المازري: (وهذا أشد فسادًا من الأول،) أي قول من ينتمي إلى الطب، (لكونه تحكمًا لا برهان عليه، والانتقاش من صفات الأجسام، وأكثر ما يجري في العالم العلوي الأعراض والأعراض لا التقاش فيها،) فبطل قولهم بوجهين. (قال) المازري: (والصحيح ما عليه أهل السنة أن اللَّه تعالى يخلق في النائم اعتقادات،) هذا على قول ابن الطيب، أما على مختار ابن العربي، فالمناسب أن يقول إدراكات، (كما يخلقها في قلب اليقظان، فإذا خلقها، فكأنه جعلها علمًا على أمور أخرى خلقها) قبل ذلك، (أو يخلقها في ثاني حال، ومهما وقع منها على خلاف المعتقد، فهو كما يقع لليقظان ونظيره أن اللَّه تعالى خلق الغيم علامة على المطر، وقد يتخلف،) فإذا وقع في قلب النائم اعتقاد الطيران، وليس بطائر فغايته أنه اعتقد الشيء على خلاف ما هو عليه، وكم في ٣٢ الفصل الثاني في تعبيره عَّة الرؤيا وتلك الاعتقادات تقع تارة بحضرة الملك فيقع بعدها ما يسره، وتارة بحضرة الشيطان فيقع بعدها ما يضره، والعلم عند اللَّه. وأخرج الحاكم والعقيلي من رواية محمد بن عجلان عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: لقي عمر عليًا فقال: يا أبا الحسن، الرجل يرى الرؤيا، فمنها ما يصدق ومنها ما يكذب، قال: نعم، سمعت رسول اللَّه عَّه يقول: ما من عبد ولا أمة ينام فيمتلىء نومًا إلا تخرج روحه إلى العرش، فالذي لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تصدق، والذي يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تكذب. قال الذهبي في تلخيصه: هذا حديث منكر، ولم يصححه المؤلف. وذكر ابن القيم حديثًا مرفوعًا غير معزو: «إن رؤيا المؤمن كلام يكلمه ربه به في المنام. ووجد الحديث للترمذي في ((نوادر الأصول)) من حديث عبادة بن اليقظة من يعتقد الشيء على خلاف ما هو عليه، ويجعل ذلك الاعتقاد علمًا على غيره، هكذا في كلام المازري، (وتلك الاعتقادات تقع تارة بحضرة الملك، فيقع بعدها ما يسره،) أي الرائي، (وتارة بحضرة الشيطان) إبليس أو غيره، (فيقع بعدها ما يضره، والعلم عند الله). (وأخرج الحاكم والعقيلي من رواية محمد بن عجلان) المدني، صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، (عن سالم بن عبد الله بن عمر) بن الخطاب، أحد الفقهاء، (عن أبيه، قال: لقي عمر عليًا، فقال: يا أبا الحسن الرجل يرى الرؤيا، فمنها ما يصدق، ومنها ما يكذب،) فما السر في ذلك، (قال: نعم) أجيبك: (سمعت رسول اللَّهُ عَّه يقول: ما من عبد ولا أمة ينام فيمتلىء نومًا،) أي يثقل نومه (إلا تخرج روحه إلى العرش، فالذي لا يستيقظ دون العرش) بأن يبقى نائمًا حتى تصل روحه إلى العرش، (فتلك الرؤيا التي تصدق،) أي تقطع مطابقة للواقع لانكشاف صور الأشياء لها على حقيقتها، (والذي يستيقظ دون العرش،) أي قبل وصول روحه إليه، (فتلك الرؤيا التي تكذب،) أي تخبر بخلاف الواقع. (قال الذهبي في تلخيصه) لكتاب المستدرك للحاكم، لخصه تلخيصًا حسنًا مع تعقب عليه: (هذا حديث منكر،) أي ضعيف، (ولم يصححه المؤلف،) يعني لم يصرح الحاكم بقوله صحيح، وإن رواه في المستدرك الذي موضوعه الصحيح الزائد على ما في الصحيحين. (وذكر ابن القيم حديثًا مرفوعًا غير معزو) لأحد بأن قال: قال عَُّ: (إن رؤيا المؤمن كلام يكلمه ربه في المنام) به، (ووجد الحديث للترمذي) محمد بن علي الحكيم (في) ٣٣ الفصل الثاني في تعبيره عَة الرؤيا الصامت، أخرجه في الأصل الثامن والتسعين، وهو من روايته عن شيخه عمر بن أبي عمر، وهو واه، وفي سنده جنيد بن ميمون عن حمزة بن الزبير عن عبادة. قال الحكيم: قال بعض أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه اللَّه إلا وحيا أو من وراء حجاب﴾ [الشورى/٥١] قال: من وراء حجاب أي في المنام. ورؤيا الأنبياء وحي بخلاف غيرهم، فالوحي لا يدخله خلل لأنه محروس، بخلاف رؤيا غير الأنبياء فإنه قد يحضرها الشيطان. وقال الحكيم أيضًا: وكل اللَّه بالرؤيا ملكًا اطلع على أحوال بني آدم من اللوح المحفوظ فينسخ منها، ويضرب لكل على قصته مثلاً، فإذا نام مثلت له تلك الأشياء على طريق الحكمة الإلهية لتكون له بشرى أو نذارة أو معاتبة، والآدمي قد يسلط عليه الشيطان لشدة العداوة بينهما، فهو يكيده بكل وجه، ويريد إفساد أموره كتابه (نوادر الأصول من حديث عبادة بن الصامت، أخرجه فى الأصل الثامن والتسعين، وهو من روايته، عن شيخه عمر بن أبي عمر) (بضم العين) الكلاعي (بفتح الكاف)، (وهو واه،) أي شديد الضعف، (وفي سنده أيضًا: جنيد) (بضم الجيم) مصغر (ابن ميمون، عن حمزة بن الزبير، عن عبادة) بن الصامت الصحابي، ووجد أيضًا في كبير الطبراني، وأخرجه الضياء في المختارة، عن عبادة قال النور الهيثمي: فيه من لم أعرفه. (قال الحكيم) الترمذي: (قال بعض أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه اللَّه إلا وحيًا أو من وراء حجاب﴾) [الشورى: ٥١](، قال:) معنى (من وراء حجاب، أي في المنام،) فالحجاب هو المنام على هذا التفسير، ويؤيده ظاهر الحديث المذكور، وزعم أن معناه يكلمه ربه على لسان ملك خلاف المتبادر، (ورؤيا الأنبياء وحي بخلاف غيرهم،) وإن قلنا: إن اللَّه يكلم المؤمن على هذا الحديث الضعيف، (فالوحي لا يدخله خلل، لأنه محروس،» أي محفوظ (بخلاف رؤيا غير الأنبياء، فإنه قد يحضرها الشيطان،) فيداخله الخلل، كما هو الأصل فيما حضره، بل الغالب عليه الكذب، سيما إذا ألقيت على يد شيطان، والله الهادي المضل. (وقال الحكيم أيضًا: وكل اللَّه بالرؤيا ملكًا اطلع على أحوال بني آدم من اللوح المحفوظ، فينسخ منها ويضرب لكل على قصته) الثابتة في اللوح، (مثلاً: فإذا نام مثلت له تلك الأشياء على طريق الحكمة الإلهية لتكون له بشرى، أو نذارة، أو معاتبة،) فإذا كان في اللوح أن فلانًا يحصل له كذا، تمثل مثال على صورة ما فيه، فإذا نام ألقى ذلك المثال في قلبه، (والآدمي قد يسلط عليه الشيطان لشدة العداوة بينهما، فهو يكيده،) أي يخدعه ويمكر به ٣٤ 1 الفصل الثاني في تعبيره عية الرؤيا بكل طريق، فيلبس عليه رؤياه إما بتغليطه فيها أو بغفلته عنها. وفي البخاري عن أنس: أن رسول اللَّه عَ لّم قال: ((الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة). والمراد غالب رؤيا الصالحين، وإلا فالصالح قد يرى الأضغاث، ولكنه نادر لقلة تمكن الشيطان منهم، بخلاف عكسهم، فإن الصدق فيها نادر لغلبة تسلط الشيطان عليهم. وقد استشكل كون الرؤيا جزءًا من النبوة، مع أن النبوة قد انقطعت بموته عد له. وأجيب: بأن الرؤيا إن وقعت منه عّلِّ فهي جزء من أجزاء النبوة حقيقة، وإن وقعت من غير النبي فهي جزء من أجزاء النبوة على سبيل المجاز. (بكل وجه) يقدر عليه، (ويريد إفساد أموره بكل طريق، فيلبس) (بكسر الباء) يخلط (عليه رؤياه، إما بتغليطه فيها، أو بغفلته عنها) رأسًا. (وفي البخاري) من طريق لملك، عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة، (عن أنس أن رسول اللَّه عَ لِّ قال: ((الرؤيا الحسنة،) أي الصادقة، أو المبشرة احتمالان للباجي (من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة)). قال ابن عبد البر: مفهومه أنها من غير الصالح لا يقطع بأنها كذلك، ويحتمل أنه خرج على جواب سائل، فلا مفهوم له، ويؤيده رواية ((يراها الرجل الصالح، أو ترى له))، فعم قوله: ((أو ترى له)) الصالح وغيره، (والمراد غالب رؤيا الصالحين، وإلا فالصالح قد يرى الأضغاث،) أي الأحلام الباطلة، جمع ضغث مبالغة في وصف الحلم بالبطلان، أو لتضمنه أشياء مختلفة، (ولكنه نادر لقلة تمكن الشيطان منهم، بخلاف عكسهم،) أي مخالفهم وهم الفسقة، (فإن الصدق فيها نادر لغلبة تسلط الشيطان عليهم). زاد في شرح البخاري: وحينئذٍ فالناس على ثلاثة أقسام: الأنبياء ورؤياهم كلها صدق، وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير والصالحون، والغالب على رؤياهم الصدق، وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير، ومن عداهم يقع في رؤياهم الصدق والإضغاث، وهم ثلاثة مستورون، فالغالب استواء الحال في حقهم وفسقة، والغالب على رؤياهم الأضغاث، ويقل فيها الصدق وكفار، ويندر فيها الصدق جدًا، قاله المهلب، كما في الفتح. (وقد استشكل كون الرؤيا جزءًا من النبوة مع أن النبوة، قد انقطعت بموته عَّبة، وأجيب بأن الرؤيا إن وقعت منه عَّه، فهي جزء من أجزاء النبوة حقيقة، وإن وقعت من غير النبي، ٣٥ الفصل الثاني في تعبيره عَّة الرؤيا وقيل: المعنى أنها جزء من علم النبوة، لأن النبوة وإن انقطعت فعلمها باق. وتعقب بقول لملك - كما حكاه ابن عبد البر - أنه سئل: أيعبر الرؤيا كل أحد؟ فقال: أبالنبوة يلعب. ثم قال: الرؤيا جزء من النبوة. وأجيب: بأنه لم يرد أنها نبوة باقية، وإنما أراد أنها لما أشبهت النبوة من جهة الاطلاع على بعض الغيب لا ينبغي أن يتكلم فيها بغير علم، فليس المراد أن الرؤيا الصالحة نبوة، لأن المراد تشبيه الرؤيا بالنبوة، وجزء الشىء لا يستلزم ثبوت وصفه، كمن قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه رافعًا صوته لا يسمى مؤذنًا، وفي حديث أم كرز الكعبية عند أحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان قال: ذهبت النبوة وبقيت المبشرات. وعند أحمد من حديث عائشة مرفوعًا: ((لم يبق بعدي من المبشرات فهي جزء من أجزاء النبوة على سبيل المجاز،) لا الحقيقة، فإن جزء النبوة لا يكون نبوة، كما أن جزء الصلاة لا يكون صلاة، (وقيل: المعنى أنها جزء من علم النبوة، لأن النبوة وإن انقطعت، فعلمها باق) (بفتح العين واللام) أي علاماتها كالمعجزات الدالة على نبوته عليه الصلاة والسلام، كذا ضبطه شيخنا، ولا يتعين، فيصح أن يكون بكسر فسكون مفرد علوم، إذ لا شك أن علومها باقية. (وتعقب بقول ملك كما حكاه ابن عبد البر أنه سئل: أيعبر) يفسر (الرؤيا كل أحد، فقال: أبالنبوة يلعب، ثم قال) لملك (الرؤيا جزء من النبوة) فظاهره أن المراد جزء من حقيقة النبوة. (وأجيب بأنه لم يرد أنها نبوة باقية) حقيقة، (وإنما أراد أنها لما أشبهت النبوة من جهة الاطلاع على بعض الغيب، لا ينبغي) لا يصح (أن يتكلم فيها بغير علم،) لأنه إفتاء بالجهل عن أمر مغيب وهو حرام، (فليس المراد أن الرؤيا الصالحة نبوة) من جهة الاطلاع على الغيوب، (لأن المراد تشبيه الرؤيا بالنبوة، وجزء الشيء لا يستلزم ثبوت وصفه) له، (كمن قال: أشهد أن لا إله إلا اللّه، رافعًا صوته) بها، (لا يسمى مؤذنًا) شرعًا ولا عرفًا، ولا يقال؛ أنه أذن، وإن كان جزءًا من الآذان، وكذا لو قرأ شيئًا من القرآن وهو قائم لا يسمى مصليًا، وإن كانت القراءة جزءًا من الصلاة. " (وفي حديث أم كرز) (بضم الكاف وسكون الراء بعدها زاي) (الكعبية،) المكية، صحابية، لها أحاديث (عند أحمد) وابن ماجه، (وصححه ابن خزيمة وابن حبان) عن النبي عليه، (قال: ذهبت النبوة،) أي انقطع الوحي بموتي، (وبقيت المبشرات:) (بكسر الشين المعجمة ٣٦ الفصل الثاني في تعبيره عَّ له الرؤيا إلا الرؤيا))، وفي حديث ابن عباس عند مسلم وأبو داود أنه عليه الصلاة والسلام كشف الستارة ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه، والناس صفوف خلف أبي بكر فقال: ((يا أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له)). والتعبير بالمبشرات خرج مخرج الغالب، فإن من الرؤيا ما تكون منذرة وهي صادقة يريها اللَّه تعالى للمؤمن رفقًا به ليستعد لما يقع قبل وقوعه. وقوله: ((من الرجل الصالح)) لا مفهوم له، فإن المرأة الصالحة كذلك، جمع مبشرة اسم فاعل للمؤنث) وهي البشرى من البشر، وهو إدخال الفرح والسرور على المبشر (بالفتح) وليس جمع البشرى، لأنها اسم بمعنى البشارة، وفسرها في الخبر الآتي بالرؤيا الصالحة. (وعند أحمد من حديث عائشة، مرفوعًا: لم يبق بعدي من المبشرات إلا الرؤيا،) أي الصالحة، كما في الحديث بعده. (وفي حديث ابن عباس عند مسلم وأبو داود؛ أنه عليه الصلاة والسلام كشف الستارة) (بالكسر) (ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه، والناس صفوف) في الصلاة (مخلف أبي بكر) الصديق، (فقال: (يا أيها الناس إنه لم يبق مس مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم) بنفسه، (أو ترى له))) (بضم التاء، أي يراها له غيره (والتعبير بالمبشرات خرج مخرج الغالب، فإن من الرؤيا ما تكون منذرة، وهي صادقة يريها اللّه تعالى للمؤمن رفقًا به ليستعد لما يقع قبل وقوعه). وقال ابن التين: معنى الحديث أن الوحي ينقطع بموتي، ولا يبقى ما يعلم منه ما سيكون إلا الرؤيا، ويرد عليه الإلهام، فإن فيه إخبارًا بما سيكون، وهو للأنبياء بالنسبة للوحي كالرؤيا، ويقع لغير الأنبياء، كما في مناقب عمر: قد كان فيما مضى محدثون (بفتح الدال، أي ملهمون بفتح الهاء وقد أخبر كثير من الأولياء عن أمور مغيبة، فكانت كما أخبروا، والجواب أن الحصر في المنام لشموله لآحاد المؤمنين، وكثرة وقوعه بخلاف الإلهام، فيختص بالبعض، ومع اختصاصه، فإنه تادر، ويشير إلى ذلك قوله تعَّه: فإن يكن في أمتي أحد فعمرو، كان السر في ندور الإلهام في زمنه، وكثرته من بعده غلبة الوحي إليه علية في اليقظة وإرادة إظهار المعجزات منه، وكان المناسب أن لا يقع الغيره في زمانه منه شيء، فلما انقطع الوحي بموته وقع الإلهام لمن اختصه الله به للأمن من اللبس في ذلك، وفي إنكار ذلك، مع كثرته واشتهاره مكابرة ممن أُنکره. قال الحافظ: (وقوله من «الرجل الصالح لا مفهوم له، فإن المرأة الصالحة كذلك). ٣٧ الفصل الثاني في تعبيره عة الرؤيا وحكى ابن بطال الاتفاق عليه. وقوله: ((جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة)) كذا في أكثر الأحاديث. وروى مسلم من حديث أبي هريرة ((جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوة))، وعنده أيضًا من حديث ابن عمر ((جزء من سبعين جزءًا))، وعند الطبراني: ((جزء من ستة وسبعين جزءًا))، وسنده ضعيف، وعند ابن عبد البر من طريق عبد العزيز بن المختار عن ثابت عن أنس مرفوعًا: ((جزء من ستة وعشرين جزءًا). ووقع في شرح مسلم للنووي وفي رواية عبادة: ((أربعة وعشرين)). والذي يتحصل من الروايات عشرة، أقلها ما عند النوري، وأكثرها من ستة وسبعين، وأضربنا عن باقيها خوف الإطالة. (وحكى ابن بطال: الاتفاق عليه،) ومر أيضًا أن ابن عبد البر جوز أن الصالح لا مفهوم له، (وقوله: جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، كذا في أكثر الأحاديث) أنس عند البخاري كما مر، وهو في الصحيحين من طريق قتادة، عن أنس، عن عبادة بن الصامت، لكن قال الحافظ: خالف قتادة غيره، فلم يذكروا عبادة في السند، وأبو هريرة في الصحيحين، والبخاري عن أبي سعيد، وابن عمر وجابر وابن عمر، وعند أحمد وعوف بن لملك وأبو رزين عند ابن ماجه، وابن مسعود والعباس بن عبد المطلب عند الطبراني، وهو متواتر. (وروى مسلم من حديث أبي هريرة) في أثناء حديث: (جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوة، وعنده أيضًا من حديث ابن عمر) بن الخطاب، قال رسول اللَّه عَّ له: الرؤيا الصالحة (جزء من سبعين جزءًا) من النبوة، و کذا عند أحمد عن ابن عباس. (وعند الطبراني) عن ابن عمر: (جزء من ستة وسبعين جزءًا وسنده ضعيف). (وعند ابن عبد البر من طريق عبد العزيز بن المختار) الدباغ البصري، مولى حفصة بنت سيرين، ثقة، روى له الستة، (عن ثابت، عن أنس مرفوعًا: جزء من ستة وعشرين جزءًا، ووقع في شرح مسلم للنووي، وفي رواية عبادة أربعة وعشرين،) وأشار الحافظ إلى تجويز أنه تصحيف، فعند ابن جرير، عن عبادة: ((جزء من أربعة وأربعين))، وابن النجار عن ابن عمر: جزء من خمس وعشرين، والترمذي عن أبي رزين: ((جزء من أربعين))، وابن جرير عن ابن عباس: جزء من خمسين، (والذي يتحصل من الروايات عشرة، أقلها ما عند النووي). قال الحافظ: إن لم يكن مصحفًا، (وأكثرها من ستة وسبعين،) فذكرنا منها ستة، (وأضربنا عن باقيها) أربعة (خوف الإطالة،) وقد ذكرتها لك، وأي إطالة فيها، ولكن للناس فيما ٣٨ الفصل الثاني في تعبيره مَّ الرؤيا وقال القاضي أبو بكر بن العربي: أجزاء النبوة لا يعلم حقيقتها إلا ملك أو نبي، وإنما القدر الذي أراده النبي عَّ أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة في الجملة، لأن فيها اطلاعًا على الغيب من وجه ما، وأما تفصيل النسبة فيختص بمعرفته درجة النبوة. وقال المازري: لا يلزم العالم أن يعرف كل شىء جملة وتفصيلاً، فقد جعل يعشقون مذاهب. قال الحافظ: ويمكن الجواب عن اختلاف الأعداد؛ بأنه بحسب الوقت الذي حدث فيه عَ لّ بذلك، كأن يكون لما أكمل ثلاث عشرة سنة بعد مجىء الوحي إليه حدث بأن الرؤيا جزء من ستة وعشرين إن ثبت الخبر بذلك، وذلك وقت الهجرة، ولما أکمل عشرین حدث بأربعين، ولما أكمل اثنتين وعشرين حدت بأربعة وأربعين، ثم حدث بعدها بخمسة وأربعين، ثم حدث بستة وأربعين في آخر حياته، وما عدا ذلك من الروايات فضعيف، ورواية خمسين تحتمل جبر الكسر، والسبعين للمبالغة. انتهى. وملحظ جمعه على تسليم الآتي أنه أوحي إليه منامًا ستة أشهر، كما أفاده بقوله إن ثبت الخبر بذلك، وقد جمع غيره بغير ذلك مما فيه تعسف؛ وقد قال ابن العربي: تفسيره بمدة النبي عَّ باطل، لأنه يفتقر إلى نقل صحيح، ولا يوحد. قال: والأحسن قول الطبري العالم بالقرآن والسنة، أن نسبة هذه الأجزاء إلى النبوة إنما هو بحسب اختلاف الرائي، فرؤيا الصالح على عدد، والذي دونه دون ذلك انتھی. وخدش فيه القرطبي بحمل مطلق الرؤيا على مقيدها بالرجل الصالح، ولا خدش فيه بذلك، لأن الصالح يختلف إلى أعلى ومتوسط وأدنى، وابن العربي إنما قال الذي دونه، ثم هذا على أن الصالح له مفهوم، أما على ما قال أبو عمر لا مفهوم له، فالجمع حسن. (وقال القاضي أبو بكر بن العربي: أجزاء النبوة لا يعلم حقيقتها إلا ملك أو نبي، وإنما القدر الذي أراده النبي عَّةٍ أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة في الجملة، لأن فيها اطلاعًا على الغيب من وجه ما) يحصل لها الشبه بالنبوة من ذلك الوجه. (وأما تفصيل النسبة، فيختص بمعرفته درجة النبوة) إذ لا يصل إلى ذلك غيره، ومن حاول ذلك لم يصب، ولئن وقع له الإصابة في بعضها لما شهد له من الأحاديث المستخرج منها، لم يسلم له ذلك في بقيتها، مع أنه مع ما فيه من التكلف لم يقدر أن يبلغ بالعدد إلى ثلاثین. (وقال المازري: لا يلزم العالم أن يعرف كل شيء جملة وتفصيلاً، فقد جعل الله ٣٩ الفصل الثاني في تعبيره عَّه الرؤيا اللَّه للعالم حدًا يقف عنده، فمنه ما يعلم المراد به جملة وتفصيلاً، ومنه ما يعلم جملة لا تفصيلاً، وهذا من هذا القبيل. وقد تكلم بعضهم على الرواية المشهورة وأبدى لها مناسبة، فنقل ابن بطال عن أبي سعيد السفاقسي أن بعض أهل العلم ذكر أن اللَّه تعالى أوحى إلى نبيه في المنام ستة أشهر، ثم أوحى إليه بعد ذلك في اليقظة بقية مدة حياته، ونسبتها إلى الوحي في المنام جزء من ستة وأربعين جزءًا، لأنه عاش بعد النبوة ثلاثًا وعشرين سنة على الصحيح. قال ابن بطال: هذا تأويل بعيد من وجهين: أحدهما: أنه قد اختلف في قدر المدة التي بعد بعثه عليه .. والثاني: أنه يبقى حديث السبعين جزءًا بغير معنى. وهذا الذي قاله من الإنكار في هذه المسألة سبقه إليه الخطابي فقال: كان بعض أهل العلم يقولون في تأويل هذا العدد قولاً لا يكاد يتحقق، وذلك أنه عليه للعالم حدًا يقف عنده، فمنه ما يعلم المراد به جملة وتفصيلاً، ومنه ما يعلم جملة لا تفصيلاً، وهذا من هذا القبيل) الثاني، فلا يلزم بيان تلك الأجزاء، قال: ورجح بعض شيوخنا هذا الوجه، وقدح في القول؛ بأن مدة الرؤيا قبل النبوة ستة أشهر؛ بأنه لم يثبت، (وقد تكلم بعضهم على الرواية المشهورة) المبدأ بها، وهي جزء من ستة وأربعين، (وأبدى لها مناسبة) واعترض، وإذا أردت بيان ذلك، (فنقل ابن بطال عن أبي سعيد السفاقسي أن بعض أهل العلم ذكر أن اللَّه أوحى إلى نبيه في المنام ستة أشهر، ثم أوحى إليه بعد ذلك في اليقظة) (بفتح القاف) خلاف النوم (بقية مدة حياته، ونسبتها إلى الوحي في المنام جزء من ستة وأربعين جزءًا) من النبوة، (لأنه عاش بعد النبوة ثلاثًا وعشرين سنة على الصحيح،) وقيل: عشرین، وقيل: خمسًا وعشرين. (قال ابن بطال: هذا تأويل بعيد من وجهين، أحدهما: أنه قد اختلف في قدر المدة التي بعد بعثه عَّله) لكن قد اعترف بأنه بناه على الصحيح، فلا معنى لاستبعاده بهذا؛ (والثاني أنه يبقى حديث السبعين جزءًا بغير معنى،) قال الحافظ: ويضاف إليه بقية الأعداد الواردة، أي في بقائها بغير معنى، (وهذا الذي قاله من الإنكار في هذه المسألة، سبقه إليه الخطابي، فقال: كان بعض أهل العلم يقولون:) أفاد بالجمع تعدد قائل ذلك (في تأويل هذا العدد قولاً لا يكاد يتحقق، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام أقام بعد الوحي ثلاثًا وعشرين ٤٠ الفصل الثاني في تعبيره عَّ الرؤيا الصلاة والسلام أقام بعد الوحي ثلاثًا وعشرين سنة، وكان يوحى إليه في منامه ستة أشهر، وهي نصف سنة، فهي جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة. قال الخطابي: وهذا وإن كان وجهًا تحتمله قسمة الحساب والعدد، فأول ما يجب على من قاله أن يثبت ما ادعاه خبرًا، ولا نعلم في ذلك أثرًا ولا ذكر مدعيه في ذلك خبرًا، فكأنه قاله على سبيل الظن، والظن لا يغني من الحق شيئًا. وليس كل ما خفي علينا علمه يلزمنا حجته، كأعداد الركعات وأيام الصيام، ورمي الجمار، فإنا لا نصل من علمها إلى أمر يوجب حصرها تحت أعدادها، ولم يقدح ذلك في موجب اعتقادنا للزومها. وقد ذكروا في المناسبات غير ذلك مما يطول ذكره. سنة، وكان يوحى إليه في منامه ستة أشهر، وهي نصف سنة، فهي جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة. (قال الخطابي: وهذا وإن كان وجهًا تحتمله قسمة الحساب والعدد، فأول ما يجب على من قاله أن يثبت ما ادعاه خبرًا) عمن يقبل قوله، لأنه خبر عن غيب، (ولا نعلم في ذلك أثرًا) عن النبي عَّه، ولا عن صحابي، (ولا ذكر مدعيه في ذلك خبرًا، فكأنه قاله على سبيل الظن، والظن لا يغني من الحق شيئًا،) لأنه لا اعتبار له في المعارف والعلوم، وإنما يعتبر به في العمليات وما هو وصلة إليها وأسقط المصنف من كلام الخطابي: ولئن كانت هذه المدة محسوبة من أجزاء النبوة على ما ذهب إليه، فليلتحق بها سائر الأوقات التي كان يوحى إليه فيها في منامه في طول المدة كما ثبت عنه في أحاديث كثيرة، كليلة القدر والرؤيا في أحد وفي دخول مكة، فإنه يتلفق من ذلك مدة أخرى تزاد في الحساب فتبطل القسمة التي ذكرها، فدل ذلك على ضعف ما تأوله المذكور، (وليس كل ما خفي علينا علمه يلزمنا حجته، كأعداد الركعات وأيام الصيام ورمي الجمار، فإنا لا نصل من علمها إلى أمر يوجب حصرها تحت أعدادها، ولم يقدح ذلك في موجب اعتقادنا للزومها،) وبقية كلام الخطابي، وهو كقوله في حديث آخر: الهدي الصالح والسمت الصالح جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة، فإن تفصيل هذا العدد وحصر النبوة متعذر، وإنما فيه أن هاتين الخصلتين من جملة هدي الأنبياء وسمتهم، فكذلك معنى حديث الباب المراد به تحقيق أمر الرؤيا، وأنها مما كان الأنبياء تثبته، وأنها جزء من أجزاء العلم الذي يأتيهم والأنباء التي كان ينزل بها الوحي عليهم. انتهى ملخصًا. قال الحافظ: وقد قبل جماعة من الأئمة المناسبة المذكورة، وأجابوا عما أورده الخطابي، أما الدليل على كون الرؤيا ستة أشهر، فإن ابتداء الوحي كان على رأس أربعين من عمره