النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
اسئلة اليهود التي بعثوا بها مع كفار قريش
فقال لهم عليه الصلاة والسلام: ما بي ما تقولون، ولكن الله بعثني رسولاً،
وأنزل علي كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلغتكم رسالات ربي،
ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن
تردوه علي أصبر لأمر الله بيني وبينكم.
والرئي - بفتح الراء، وقد تكسر، ثم همزة، فياء مشددة - جني يرى فيحب،
المكسورة للمحبوب منها. قاله في القاموس.
ثم إن النضر بن الحرث،
وأمّا مع الجماعة، فأجابهم: (فقال لهم عليه الصّلاة والسّلام: «ما بي ما تقولون) أي: ولا
شىء منه، بدليل قوله: (ولكن اللَّه بعثني إليكم رسولاً وأنزل عليّ كتابًا وأمرني أن أكون لكم
بشيرًا) بالجنة إن صدّقتم (ونذيرًا) منذرًا بالنار إن كذّبتم، (فبلّغتكم رسالات ربّي ونصحت لكم،
فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردُّوا عليّ أصبر) بالجزم
جواب الشرط، (لأمر اللَّه بيني وبينكم).
وفي بقية حديث ابن عباس هذا، فقالوا له: فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك، فقد
علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلادًا ولا أقلّ مالاً ولا أشدّ عيشًا منّا، فسل ربّك فليسيّر عنّا
هذه الجبال التي ضيّقت علينا وليبسط لنا بلادنا وليجر فيها أنهارًا. كالشام والعراق، ويبعث لنا
من مضى من آبائنا ويكون فيهم قصي، فإنه كان شيخ صدق، فنسألهم عمّا تقول أهو حق أم
باطل، وسله يبعث معك ملكًا يصدّقك ويراجعنا عنك، ويجعل لك جنانًا وقصورًا وكنوزًا من
ذهب وفضّة يغنيك بها عن المشي في الأسواق والتماس المعاش، فإن لم تفعل؛ فأسقط السماء
علينا كسفًا كما زعمت أن ربّك إن شاء فعل، فإنّا لن نؤمن لك إلا أن يفعل، فقام عَ ◌ّةٍ ...
الحديث، وفيه: فأقسم أبو جهل ليرضخن رأسه بحجر غدا، فلما دنا منه رجع منهزمًا منتقعًا لونه
مرعوبًا قد يست يداه على حجره حتى قذفه من يده، وقال: عرض لي فحل إبل ما رأيت مثله،
فهمّ أن يأكلني؛ قال ابن إسحق: فذكر لي أنه عَّم قال: ((ذاك جبريل لو دنا لأخذه).
(والرئيّ) بزنة كمى (بفتح الراء، وقد تكسر) لاتّباعها ما بعدها، (ثم همزة فياء مشدّدة
جني يرى فيحبّ) فعيل أو مفعول ستّي به؛ لأنه يتراءى لمتبوعه أو هو من الرأي من قولهم:
فلان رأي قومه إذا كان صاحب رأيهم؛ كما في النور.
(و)قيل الراء (المكسورة للمحبوب منها) أي: جماعة الجنّ إلاّ أن لفظ القاموس منهم
وهو أصرح، (قاله في القاموس) اللغوي (ثم إن النضر) بنون وضاد معجمة ساكنة (ابن الحرث)

٤٨٢
اسلام حمزة
وعقبة بن أبي معيط ذهبا إلى أحبار يهود، فسألاهم عنه عليه السلام فقالوا لهما:
سلوه عن ثلاثة، فإن أخبركما بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يجب فهو متقوّل
بن علقمة بن كلدة بفتح الكاف واللام العبدري المشتري لهو الحديث القائل: اللَّهمَّ إن كان هذا
هو الحقّ ... الخ، أَسر ببدر وقتل كافرًا بالصفراء بإجماع أهل السير، وهم ابن منده وأبو نعيم،
فقالا: شهد حنينًا مع النبيّ عَ لِّ وأعطاه مائة من الإبل وكان من المؤلّفة وقلبا نسبه فقالا:
كلدة بن علقمة، وأطنب الحلفظ العزّ بن الأثير وغيره من الحفّاظ في تغليظهما والردّ عليهما،
وتعقّب باحتمال أن يكون له أخ سمّي باسمه فهو الذي ذكراه لا هذا المقتول كافرًا؛ كذا في
الإصابة، وفي مغازي ابن عبد البرّ ذكر في المؤلّفة قلوبهم النضر بن الحرث بن علقمة بن كلدة
أخو النضر بن الحرث المقتول ببدر صبرًا، انتهى. فجزم بأنه أخوه.
(وعقبة) بقاف (ابن أبي معيط) أحد رؤوس الكفر لعنه اللَّه قتل بعد بدر، (ذهبا) إلى
المدينة ببعث قريش لهما بعد مراجعة بينهم وبين النضر؛ كما رواه ابن إسحق والبيهقي، عن ابن
عباس، قال: إن النضر كان من شياطين قريش، فقال: يا معشر قريش، واللّه قد نزل بكم أمر
ما أتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمّد فيكم وأصدقكم حديثًا وأعظمكم أمانة حتى إذا رأيتم
الشيب في صدغيه وجاءكم بما جاءكم به، قلتم: ساحر، لا والله ما هو بساحر، وقلتم: كاهن،
لا والله ما هو بكاهن، وقلتم: شاعر، لا والله ما هو بشاعر، وقلتم: مجنون، لا والله ما هو بمجنون،
فلما قال ذلك بعثوه مع عتبة (إلى أحبار) بفتح الهمزة جمع حبر بفتح الحاء وكسرها، أي:
علماء (يهود) علم لمن دخل دين اليهودية غير مصروف للعلمية ووزن الفعل ويجوز دخول أل
فلا يمتنع التنوين لنقله من وزن الفعل إلى باب الأسماء، (فسألاهم عنه عليه السّلام) بعد إخبارهما
لهم بصفته وبعض قوله: وقولهما إنكم أهل الكتاب الأول، أي: التوراة، وعند کم علم ليس عندنا
من علم الأنبياء، وقد أتيناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا؛ كما في حديث ابن عباس.
(فقالوا لهما: سلوه عن ثلاثة، فإن أخبركم بهنّ) على طريق الحقيقة والإجمال؛ لأنه لم
يجب عن الروح إلا إجمالاً، لأنها مما استأثر اللَّه بعلمه. وفي بعض التفاسير: إن أجابكم عن
البعض فهو نبيّ، وفي كتابهم: إن الروح من اللَّه. وفي رواية: إن أجابكم عن حقيقة الروح فليس
بنبيّ، وإن أجابكم بأنها من أمر اللَّه، فهو نبيّ.
وفي رواية: إن أجاب عن كلّها أو لم يجب عن شىء فليس بنبيّ، وإن أجاب عن اثنين
ولم يجب عن واحد (فهو نبيّ مرسل) تأسيس إذ لا يلزم من النبوّة الرسالة على المشهور، (وإن
لم يجب) عن شىء منها بأن سكت أو أجاب عن جميعها تفصيلاً (فهو متقوّل) اسم فاعل من

٤٨٣
اسلام حمزة
سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، وعن رجل طواف، وعن الروح ما هو؟
فقال لهم عليه السلام: أخبركم غدًا، ولم يقل إن شاء الله تعالى، فلبث
· الوحي أيامًا، ثم نزل قوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشىء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن
يشاء الله﴾ [الكهف/٢٣ - ٢٤] وأنزل الله تعالى ذكر الفتية الذين ذهبوا،
تقوّل، أي: ذاكر ما لا حقيقة له، (سلوه) أمر من سال مخفّف سأل (عن فتية ذهبوا في الدهر
الأوّل) أي: الزمان المتقدم، سموه أوّل بالنظر لتقدّمه على زمانهم بمدة طويلة، وبقية الرواية:
ما كان من أمرهم، فإنه كان لهم حديث عجيب (وعن رجل طوّاف) قد بلغ مشارق الأرض
ومغاربها ما كان نبتؤه (وعن الروح) يذكّر ويؤنّث، ولذا قال: (ما هو) فأقبل النضر وعقبة، وقالا:
قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمّد، فجاؤوا رسول اللَّه فسألوه، (فقال لهم عليه السّلام:
(أخبركم غدًا))، ولم يقل إن شاء اللَّه فلبث الوحي أيّامًا) خمسة عشر يومًا؛ كما عند ابن إسحق عن
ابن عباس، وفي سير التيمي وابن عقبة: إنما أبطأ ثلاثة أيام، وعن مجاهد: اثنا عشر، وقيل: أربعة، وقيل:
أربعين، حتى أرجف أهل مكّة، وقالوا: قد قلاه ربّه وتركه، وقالت حمالة الحطب: ما أرى صاحبك إلا
وقد ودّعك وقلاك. وفي رواية: فقالت امرأة قريش: أبطأُ عليه شيطانه، حتى أحزنه ذلك :
وقد نزل في الردّ عليهم: ﴿والضحى والليل إذا سجى﴾ وما ودّعك ربّك وما قلى﴾ [الضحى: ١ -
٢١ - ٣]، وأفتاه اللَّه تعالى في سورة الكهف والإسراء عن مسائلهم، (ثم نزل قوله
تعالى:) عتابًا لنبّه (﴿ولا تقولنّ لشىء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء اللَّهِ﴾ [الكهف: ٢٣ /
٢٤]) استثناء من النهي، أي: لا تقولنّ لشىء تعزم عليه إني فاعله في المستقبل إلا ملتبسًا بمشيئة
اللَّه، قائلاً: إن شاء اللّه، وقيل: المراد وقت أن يشاء اللَّه أن تقوله بمعنى أن يأذن لك فيه، والأوّل
أوفق بكونه عتابًا على عدم الاستثناء، (وأنزل اللّه تعالى ذكر الفتية) جمع قلّة لفتى آثره على
جمع الكثرة وهو فتيان لكونهم دون عشرة، (الذين ذهبوا) ولا يعلمهم إلا قليل، قال ابن عباس:
أنا من القليل، وذكر أنهم سبعة، وفي رواية عنه: ثمانية، أُخرجهما ابن أبي حاتم، وفي التلفظ بأسمائهم
خلف تركته لقول الحافظ في النطق بها اختلاف كثير لا يقع الوثوق من ضبطها بشىء، انتهى.
وعن ابن عباس: لم يبقَ منهم شىء بل صاروا ترابًا قبل البعث، وقيل: لم تأكلهم الأرض
ولم تغيّرهم، وفي معجمات الأقران أكثر العلماء على أنهم كانوا بعد عيسى، وذهب ابن قتيبة
إلى أنهم كانوا قبله، وأنه أخبر قومه خبرهم، وأن يقظتهم بعد رفعه زمن الفترة. وفي تفسير ابن
مردويه، عن ابن عباس: أصحاب الكهف أعوان المهدي، قال الحافظ: وسنده ضعيف، فإن ثبت
حمل على أنهم لم يموتوا بل هم في المنام إلى أن يبعثوا لإعانة المهدي، وقد ورد حديث آخر
بسند واهٍ أنهم يحّون مع عيسى بن مريم، انتهى.

٤٨٤
اسلام حمزة
وهم أصحاب الكهف، وذكر الرجل الطواف. وهو ذو القرنين.
(وهم أصحاب الكهف) الغار الواسع في الجبل الرقيم اسم الجبل أو الوادي الذي فيه
كهفهم أو الصخرة التي أطبقت على الوادي، أو اسم قريتهم أو كلبهم أو لوح من رصاص كتب
فيه أسماؤهم وجعل على باب الكهف، أو كتب فيه شرعهم الذي كانوا عليه، أو الدواة.
واختلف في مكان الكهف، فالذي تظافرت به الأخبار أنه في بلاد الروم. وروى الطبري بإسناد
ضعيف عن ابن عباس: أنه بالقرب من أيلة، وقيل: قرب طرسوس، وقيل: بين أيلة وفلسطين،
وقيل: بقرب زايزا، وقيل: بغرناطة من الأندلس، انتهى ملخّصًا من فتح الباري. وذكر غيره أن
اسم البلد الذي هو بها بالروم وعريسوس، وفي الفتح أيضًا.
وقد روى عبد بن حميد بإسناد صحيح عن ابن عباس قصّة أصحاب الكهف مطوّلة غير
مرفوعة، وملخّصها: أنهم كانوا في مملكة جبار يعبدون الأوثان فخرجوا منها فجمعهم اللَّه على
غير ميعاد فأخذ بعضهم على بعض العهود والمواثيق، فجاء أهاليهم يطلبونهم ففقدوهم فأخبروا
الملك، فأمر بكتابة أسمائهم في لوح من رصاص وجعله في خزائنه، ودخل الفتية فضرب اللّه
على آذانهم فناموا، فأرسل الله من يقلّبهم ويحوّل الشمس عنهم، فلو طلعت عليهم لأحرقتهم،
ولولا أنهم يقلبون لأكلتهم الأرض، ثم ذهب الملك وجاء آخر فكسر الأوثان وعبد اللَّه وعدل،
فبعث اللَّه أصحاب الكهف فبعثوا أحدهم يأتيهم بما يأكلون، فدخل المدينة مستخفيًا فرأى هيئة
وناًا أنكرهم لطول المدّة فدفع درهمًا لخباز فاستنكر ضربه، وهمّ بأن يرفعه إلى الملك، فقال:
أتخوّفني بالملك وأبي دهقانه؟ فقال: من أبوك؟ قال: فلان، فلم يعرفه فاجتمع الناس فرفعوه إلى
الملك، فسأله فقال: عليّ باللوح وكان قد سمع به فسمّى أصحابه فرفعهم من اللوح، فكبّر الناس
وانطلقوا إلى الكهف وسبق الفتى، لئلاّ يخافوا من الجيش، فلما دخل عليهم عمّى اللَّه على
الملك ومن معه المكان، فلم يدرِ أين ذهب الفتى، فاتّفقوا على أن يبنوا عليهم مسجدًا، فجعلوا
يستغفرون لهم ويدعون لهم، انتهى.
(وذكر الرجل الطوّاف وهو ذو القرنين) الأكبر الحميري المختلف في نبوّته والأكثر
وصحّ أنه كان من الملوك الصالحين، وذكر الأزرقي وغيره أنه حجّ وطاف مع إبراهيم وآمن به
واتّبعه وكان الخضر وزيره. وعن عليّ: لا نبيًّا ولا ملكًا، ولكن كان عبدًا صالحًا دعا قومه إلى
عبادة اللَّه فضربوه على قرني رأسه ضربتين، وفيكم مثله - يعني نفسه-، رواه الزبير بن بكّار وابن
عيينة في جامعه بإسناد صحيح وصححه الضياء في المختارة، وقيل: كان من الملائكة، حكاه
الثعلبي، وقيل: من بنات آدم وأبوه من الملائكة، حكاه الجاحظ في كتاب الحيوان.
لقّب بذي القرنين واسمه الصعب على الراجح؛ كما في الفتح، أو المنذر أو هرمس أو

٤٨٥
اسلام حمزة
هردويس أو عبد الله أو غير ذلك، وفي اسم أبيه أيضًا خلافٍ لطوافه قرني الدنيا شرقها وغربها؛
كما في حديث، أو الانقراض قرنين من الناس في أيامه، أو لأنه كان له ضغيرتان من شعر،
والعرب تسمّي الخصلة من الشعر قرنًا، أو لأن لتاجه قرنين أو على رأسه ما يشبه القرنين، أو لكرم
طرفيه أُمّا وأبًا، أو لرؤياه أنه أخذ بقرني الشمس، أو لغير ذلك أقوال. قال البيضاوي: ويحتمل
لشجاعته، كما يقال الكبش للشجاع، لأنه ينطح أقرانه.
وأما ذو القرنين الأصغر فهو الاسكندر اليوناني قتل دارًا وسلبه ملكه وتزوّج ابنته، واجتمع
له الروم وفارس ولذا سمّي بذلك. قال السهيلي: ويحتمل أنه لقّب به تشبيهًا بالأوّل، لملكه
ما بين المشرق والمغرب فيما قبل أيضًا واستظهره الحافظ وضعف قول من زعم أن الثاني هو
المذكور في القرءان، كما أشار إليه البخاري بذكره قبل إبراهيم؛ لأن الاسكندر كان قريبًا من
زمن عيسى، وبين إبراهيم وعيسى أكثر من ألفي سنة، قال: والحقّ أن الذي قصّ اللَّه نبأه في
القرءان هو المتقدّم، والفرق بينهما من وجوه:
أحدها: إن الذي يدلّ على تقدّم ذي القرنين ما روى الفاكهي، طريق عبيد بن عمير أحد
كبار التابعين حجّ ماشيًا فسمع به إبراهيم، فتلقّاه. ومن طريق عطاء عن ابن عباس: أن ذا القرنين
دخل المسجد الحرام فسلّم على إبراهيم وصافحه، ويقال إنه أول من صافح. ومن طريق
عثمن بن ساج أنه سأل إبراهيم أن يدعو له، فقال: وكيف وقد أفسدتم بثري؟ فقال: لم يكن ذلك
عن أمري، يعني أن بعض الجند فعل ذلك بغير علمه. وذكر ابن هشام في التيجان أن إبراهيم
تحاکم إلى ذي القرنين في بثر فحکم له.
وروى ابن أبي حاتم من طريق علبا بن أحمر: قدم ذو القرنين مكّة فوجد إبراهيم وإسماعيل
بينيان الكعبة، فاستفهمهما عن ذلك، فقالا: نحن عبدان مأموران، فقال: من يشهد لكما؟ فقامت
خمسة أكبش فشهدت، فقال: صدقتما، قال: وأظنّ الأكبش المذكورة حجارة، ويحتمل أن
تكون غنمًا، فهذه الآثار يشدّ بعضها بعضًا وتدلّ على قدم عهد ذي القرنين.
الوجه الثاني: قال الفخر الرازي: كان ذو القرنين نبيًّا والاسكندر كافرًا ومعلمه
أرسطاطاليس، وكان يأتمر بأمره وهو من الكفار بلا شكّ.
ثالثها: كان ذو القرنين من العرب والاسكندر من اليونان من ولد يافث بن نوح على
الأرجح، والعرب كلّها من ولد سام بن نوح باتّفاق، وإن اختلف هل كلّهم من ولد إسماعيل أم لا؟
فافترقا، وشبهة من قال: إن ذا القرنين هو الاسكندر.
ما أخرجه ابن جرير ومحمّد بن الربيع الجيري: أن رجلاً سأل النبيّ عَّله عن ذي القرنين،

٤٨٦
اسلام حمزة
وقال فيما سألوه عن الروح ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي﴾
[الإسراء/٨٥] الآية.
وفي البخاري من حديث عبد الله بن مسعود قال: بينا أنا مع النبي معَّه في
حرث، وهو متكىء على عسيب، إذ مر اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن
الروح، فقالوا: ما رابکم إلیه،
فقال: ((كان من الروم فأعطى ملكًا فسار إلى مصر فبنى الاسكندرية فلما فرغ أتاه ملك فعرج به،
فقال: انظر ما تحتك، فقال: أرى مدينتي ومدائن حولها، ثم عرج به فقال: انظر ما تحتك، قال:
أرى مدينة واحدة، قال: تلك الأرض كلّها، وإنما أراد اللَّه تعالى أن يريك، وقد جعل اللَّه لك في
الأرض سلطانًا، فسر فيها وعلّم الجاهل وثبت العالم))، وهذا لو صحّ لرفع النزاع كلّه، لكنه ضعيف،
انتهى. وذكر نحوه الحافظ ابن كثير وصوّب أيضًا أن ذا القرنين غير الاسكندر فعضّ عليه بالنواجذ.
(وقال فيما سألوه) ما مصدريّة، أي: في جواب سؤالهم (عن الروح) ولعلّ حكمة المغايرة
بينه وبين ما قبله أنه بيّ فيه نفس المسؤول عنه وهو الفتية والرجل، ولم يبيّنه هنا بل ردّ علمه
إليه سبحانه، فقال تعالى: (﴿قل الروح من أمر ربّي﴾ [الإسراء: ٨٥]،) أي: علمه
لا تعلمونه.
(وفي البخاري) في العلم والتفسير والاعتصام والتوحيد ما يعارض ما علم من أن السؤال
من قريش بمكّة، فإنه أخرج (من حديث عبد الله بن مسعود، قال: بينا أنا) أمشي (مع النبيّ عَّه.
في حرث) بفتح الحاء وراء مهملتين فمثلثة، أي: زرع، وفي العلم: في خرب المدينة بمعجمة
مفتوحة وراء مكسورة وموحّدة، قال الحافظ: والأوّل أصوب لرواية مسلم في فخل، زاد في
العلم: بالمدينة، وابن مردويه: للأنصار، (وهو متّكىء) معتمد، وفي العلم: وهو يتكىء (على
عسيب) بفتح العين وكسر السين المهملتين وسكون التحتانية وموحدة، وهي الجريدة التي
لا خوص فيها، ولابن حبان: ومعه جريدة، (إذ مرّ اليهود،) كذا في التفسير بالرفع على الفاعلية
في المواضع الثلاثة فرّ بنفر من اليهود، وكذا رواه مسلم، قال الحافظ فيحمل على أن الفريقين تلاقوا
فيصدق أن كلاًّ مرّ بالآخر، ولم أقف في شيء من الطرق على تسمية أحد من هؤلاء اليهود،
(فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح) وفي الاعتصام والتوحيد: وقال بعضهم: لا تسألوه،
(فقالوا:) وفي العلم والتفسير: قال بالإفراد، أي: بعضهم، (ما رابكم إليه) بلفظ الفعل الماضي بلا
همز من الريب، قال عياض: أي ما شكّكم في أمر الروح، أو ما الريب الذي رابكم حتى احتجتم
إلى معرفته والسؤال عنه، أو ما دعاكم إلى شىء يسوءكم عقباه، ألا ترى قوله: لا يستقبلكم ...
الخ، انتهى.

٤٨٧
اسلام حمزة
وقال بعضهم: لا يستقبلكم بشىء تكرهونه، فقالوا: سلوه، فسألوه عن الروح،
فأمسك فلم يرد عليهم شيئًا، فعلمت إنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل
الوحي قال: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي﴾ [الإسراء/٨٥] الآية.
وللحموي: ما رأبكم بهمزة مفتوحة وموحّدة مضمومة من الرأب، وهو الإصلاح، يقال فيه:
رأب بين القوم إذا أصلح بينهم، قال الحافظ: وفي توجيهه هنا بعد، وقال الخطابي: الصواب
ما أربكم بتقديم الهمزة وفتحتين من الأرب وهو الحاجة، وهذا واضح المعنى لو ساعدته الرواية،
نعم رأيته في رواية المسعودي عن الأعمش عند الطبري، كذلك قال. وفي رواية القابسي، قال
المصنّف: رأيته عن الحموي أيضًا: ما رأيكم بسكون الهمزة وتحتيّة بدل الموحّدة من الرأي.
(وقال بعضهم: لا يستقبلكم) بالرفع على الاستئناف، أي: لا تسألوه لئلاّ يستقبلكم
لا بالجزم لانتفاء شرطه وهو صحة وقوع إن الشرطية قبل أداة النهي مع استقامة المعنى، إذ
لا يستقيم هنا أن لا تسألوه يستقبلكم، قال في الفتح: ويجوز السكون وكذا النصب أيضًا، انتهى.
ولعل الجزم على النهي مبني على رأي من لا يشترط ذلك. (بشىء) وفي العلم: لا تسألوه
لا يجيء بشىء (تكرهونه) إن لم يفسره؛ لأنهم قالوا: إن فسره فليس بنبيّ؛ لأن في التوراة أن
الروح مما انفرد الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدًا من عباده، فإذا لم يفسّره دل على نبوّته وهم
يكوهونها، وقامت الحجّة عليهم في نبوّته. وفي الاعتصام: لا يسمعكم ما تكرهون، (فقالوا:
سلوه، فسألوه عن الروح، فأمسك فلم يردّ عليهم شيئًا) وللكشميهني: عليه بالإفراد، أي:
السائل. وفي العلم: فقال بعضهم: لنسألنّه، فقام رجل منهم، فقال: يا أبا القسم! ما الروح؟ فسكت.
وفي الاعتصام: فقاموا إليه فقالوا: يا أبا القسم! حدّثنا عن الروح، فأقام ساعة ينظر، قال ابن
مسعود: (فعلمت) وفي التوحيد: فظننت، وفي الاعتصام: فقلت (إنه يوحى إليه) وهي متقاربة
وإطلاق العلم على الظنّ مشهور، وكذا إطلاق القول على ما يقع في النفس؛ كما في الفتح.
(فقمت مقامي،) أي: مكثت بمحلي الذي كنت فيه.
وفي العلم: فقمت فقط، أي: حتى لا أكون مشوّشًا عليه، أو فقمت حائلاً بينه وبينهم؛
كما في المصنّف. وفي الاعتصام: فتأخّرت، قال الحافظ: أي أدبًا معه لئلّ يتشوّش بقربي منه،
انتهى. ولا ينافيه رواية مقامي؛ لأنه تأخّر قليلاً فكأنه فيه، (فلمّا نزل الوحي) وفي العلم: فلمّا
انجلى عنه، أي الكرب الذي كان يغشاه حال الوحي.
(قال) وفي الاعتصام حتى صعد الوحي، فقال (﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر
ربّي﴾) أي من الإبداعيّات الكائنة يكن من غير مادّة وتولد عن أصل، واقتصر على هذا الجواب؛
كما اقتصر موسى في جواب وما ربّ العالمين بذكر بعض صفاته؛ لكونها مما استأثر اللّه بعلمه،

٤٨٨
اسلام حمزة
قال الحافظ ابن كثير: وهذا يقتضي - فيما يظهر من بادىء الرأي - أن هذه
آية مدنية، وأنها إنما نزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة، مع أن السورة كلها
مکیة.
وقد يجاب عن هذا: بأنه قد تكون نزلت عليه مرة ثانية بالمدينة، كما
نزلت عليه بمكة قبل ذلك. ومما يدل على نزولها بمكة ما روى الإمام أحمد من
حديث ابن عباس قال قالت قريش لليهود أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل،
فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه فنزلت. الحديث. انتهى.
وهذا الحديث رواه الترمذي أيضًا باسناد رجاله رجال مسلم.
فيحمل على تعدد النزول كما أشار إليه ابن كثير،
ولأن في عدم بيانها تصديقًا لنبوّته، زاد البخاري في التوحيد: ﴿وما أُوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾
[الإسراء: ٨٥]، فقال بعضهم لبعض: قد قلنا لكم لاتسألوه.
(قال الحافظ ابن كثير: وهذا يقتضي فيما يظهر من بادىء الرأي) بالهمز، أي: أوّله من
غير تثبت وتفكّر فيه أو ظاهره دون تفكّر فيه باطنًا، (أن هذه آية مدنيّة، وأنها إنما نزلت حين سأله
اليهود عن ذلك بالمدينة مع أن السورة كلّها مكيّة ) وقيل: إلا قوله تعالى: ﴿وإن كادوا
ليفتنونك﴾ [الإسراء: ٧٣]، إلى آخر ثمان آيات؛ كما في الأنوار، وبه جزم الجلال، (وقد يجاب
عن هذا) الاختلاف (بأنه قد تكون نزلت عليه مرّة ثانية بالمدينة؛ كما نزلت عليه بمكّة قبل
ذلك، ومما يدلّ على نزولها بمكّة ما روى الإمام أحمد من حديث ابن عباس، قال: قالت قريش
لليهود: أعطونا) بفتح الهمزة (شيئًا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه
فنزلت ... الحديث، انتهى).
(وهذا الحديث) الذي عزاه ابن كثير لأحمد، (رواه الترمذي أيضًا) وقال انه صحيح
فقصر ابن كثير بل عليه معمر في غزوه لأحمد فقط؛ لأن الحديث إذا كان في أحد السّة
لا ينقل من غيرها إلا لزيادة أو صحة؛ كما قال مغلطاي، فكيف وقد صرّح الترمذي رواية بصحّته
وهو ظاهر؛ لأنه (بإسناد رجاله رجال مسلم) فهو من المرتبة السادسة من مراتب الصحيح؛ كما
في الألفية، وإن كان لا يلزم أنه كصحة ما رواه مسلم نفسه، كما نبّه على ذلك ابن الصّلاح في
مقامة شرح مسلم، فقال: من حكم لشخص بمجرّد رواية مسلم عنه في الصحيح بأنه من شرط
ال ـحيح عند مسلم، فقد غفل وأخطأ، بل ذلك يتوقّف على النظر في كيفية روايته عنه، وعلى
أمّ وجه أخرج حديثه؟ (فيحمل على تعدّد النزول؛ كما أشار إليه ابن كثير) وكذا الحافظ ابن

٤٨٩
اسلام حمزة
ويحمل سكوته في المرة الثانية على توقع مزيد بيان في ذلك.
وقد اختلف في المراد بالروح المسؤول عنه في هذا الخبر:
فقيل: روح الإنسان. وقيل: جبريل. وقيل عيسى: وقيل ملك يقوم وحده
صفا يوم القيامة. وقيل غير ذلك.
حجر، وحيث قلنا بذلك فالعلم حاصل، فما وجه ترك المبادرة بالجواب؟. (و)جهه كما قال
الحافظ أنه (يحمل سكوته في المرة الثانية على توقع مزيد بيان في ذلك) قال: أعني
الحافظ، فإن ساغ هذا وإلا فما في الصحيح أصح.
وفي الاتقان: إذا استوى الإسنادان صحة رجح أحدهما بحضور رواية القصة ونحو ذلك
من وجوه الترجيحات، ومثل بحديثي ابن مسعود وابن عباس المذكورين، ثم قال: وحديث ابن
عباس يقتضي نزولها بمكّة والأوّل خلافه، وقد يرجّح بأن ما رواه البخاري أصحّ وبأن ابن مسعود
كان حاضر القصّة لكنه نقل في الاتّقان نفسه بعد قليل عن الزركشي في البرهان: قد ينزل الشىء
مرّتين تعظيمًا لشأنه وتذكيرًا عند حدوث سببه خوف نسيانه، ثم ذكر منه آية الروح، فإن سورة
الإسراء مكيّة وسبب نزولها يدلّ على أنها نزلت بالمدينة، ولذا أشكل ذلك على بعضهم
ولا إشكال؛ لأنها نزلت مرّة بعد مرّة، انتهى.
(وقد اختلف في المراد بالروح المسؤول عنه في هذا الخبر ) لأن الروح جاء في
التنزيل على معانٍ، (فقيل: روح الإنسان) الذي يحيا به البدن، وقيل: روح الحيوان، (وقيل:
جبريل ) كقوله: ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾ [مريم: ١٧]، (وقيل: عيسى) كقوله: وروح منه. وقيل:
القرءان؛ كقوله: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحًا﴾ [الشورى: ٥٢]. وقيل: الوحي؛ كقوله: ﴿يلقي
الروح من أمره﴾ [غافر: ١٥].
(وقيل: ملك يقوم وحده صفًّا يوم القيامة، وقيل غير ذلك) فقيل: ملك له أحد عشر ألف
جناح ووجه، وقيل: ملك له سبعون ألف لسان، وقيل: سبعون ألف وجه في كل وجه سبعون
ألف لسان، لكل لسان ألف لغة، يسبّح اللَّه بكلّها فيخلق بكل تسبيحة ملكًا يطير مع الملائكة،
وقيل: ملك رجلاه في الأرض السفلى ورأسه عند قائمة العرش. وقيل: خلق كخلق بني آدم،
يقال لهم الروح يأكلون ويشربون لا ينزل ملك من السماء إلا ومعه واحد منهم. وقيل: خلق يرون
الملائكة ولا تراهم الملائكة، کالملائكة لبني آدم؛ كذا ذكره ابن التين بزيادات من كلام غيره.
قال الحافظ: وهذا إنما اجتمع من كلام أهل التفسير في معنى: لفنا الروح الوارد في القرءان،
لا في خصوص هذه الآية، فمنه نزل به الروح، ﴿وكذلك أوحينا إليك روحًا﴾ [الشورى: ٥٢]،

٤٩٠
اسلام حمزة
وقال القرطبي: الراجح أنهم سألوه عن روح الإنسان لأن اليهود لا تعترف
بأن عيسى روح الله، ولا تجهل أن جبريل ملك، وأن الملائكة أرواح.
وقال الإمام فخر الدين: المختار أنهم سألوه عن الروح الذي هو سبب
الحياة، وأن الجواب وقع على أحسن الوجوه وبيانه: أن السؤال عن الروح يحتمل
عن ماهيته، وهل هي متحيزة أم لا؟ وهل هي حالة في متحيز أم لا؟ وهل هي
قديمة أم حادثة، وهل تبقى بعد انفصالها من الجسد
يلقي الروح من أمره، ﴿وأيّدهم بروح منه﴾ [المجادلة: ٢٢]، يوم يقوم الروح تنزل الملائكة
والروح، فالأوّل جبريل، والثاني القرءان، والثالث الوحي، والرابع القوة، والخامس والسادس
محتمل لجبريل ولغيره. وورد إطلاق روح اللَّه على عيسى.
وروى إسحق، يعني ابن راهويه في تفسيره بإسناد صحيح، عن ابن عباس، قال: الروح من
أمر الله، وخلق من خلق اللَّه، وصور كبني آدم لا ينزل ملك إلا ومعه واحد من الروح، انتهى.
(قال القرطبي: الراجح) وهو قول الأكثر (أنهم سألوه عن روح الإنسان؛ لأن اليهود
لا تعترف بأن عيسى روح اللَّه) واضح، وأمّا قوله: (ولا تجهل أن جبريل ملك، وأن الملائكة
أرواح) فغير واضح، إذ سؤالهم تعنّت وامتحان لا استفهام، كما هو معلوم، وجنح ابن القيّم في
كتاب الروح إلى ترجيح أن الروح المسؤول عنه، ما وقع في قوله تعالى: ﴿يوم يقوم الروح
والملائكة صفًّا﴾ [النبأ: ٣٨]، قال: فأمّا أرواح بني آدم فلم تسمّ في القرءان إلا نفسًا، قال الحافظ:
ولا دلالة فيه لما رجّحه بل الراجح الأوّل، فقد أخرج الطبري من طريق العوفي، عن ابن عباس، أنهم
قالوا: أخبرنا عن الروح وكيف يعذب الروح الذي في الجسد، وإنما الروح من اللَّه؟ فنزلت الآية.
(وقال الإمام فخر الدين) الرازي (المختار أنهم سألوه عن الروح الذي هو سبب الحياة،
وأن الجواب وقع على أحسن الوجوه وبيانه أن السؤال عن الروح يحتمل) أنه عن (ماهيته)
أي: حقيقته، (وهل هي متميّزة) منفصلة عن البدن غير حالة فيه، تتعلق به تعلّق العاشق بالمعشوق
وتدبّر أمره على وجه لا يعلمه إلا اللَّه؛ كما قاله الغزالي والحكماء وكثير من الصوفية، (أم لا؟)
بل حالة فيه حلول الزيت في الزيتون؛ كما قال جمهور أهل السنّة.
(وهل هي حالة في متحيّز، أم لا؟ وهل هي قديمة) كما قال الزنادقة، (أم حادثة؟)
مخلوقة، كما أجمع عليه أهل السنّة، وممن نقل الإجماع: محمد بن نصر المروزي وابن قتيبة،
ومن الأدلّة عليه قوله عَّلِ: ((الأرواح جنود مجنَّدة، والمجنَّدة لا تكون إلا مخلوقة))، (وهل تبقى
بعد انفصالها من الجسد) بالموت وهو الصحيح والأخبار به طافحة، ففي فنائها عند القيامة ثم

٤٩١
اسلام حمزة
وتفنى، وما حقيقة تعذيبها وتنعيمها، وغير ذلك من متعلقاتها.
قال: وليس في السؤال ما يخصص أحد هذه المعاني، إلا أن الأظهر أنهم
سألوه عن الماهية. وهل الروح قديمة أو حادثة؟ والجواب يدل على أنها شىء
موجود مغاير للطبائع والأخلاط وتركيبها، فهو جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا
بمحدث، وهو قوله تعالى: ((كن))، فكأنه قال: هي موجودة محدثة بأمر الله وتكوينه ولها
تأثير في إفادة الحياة للجسد، ولا يلزم من عدم العلم بكيفيتها المخصوصة نفيه.
قال: ويحتمل أن يكون المراد بالأمر في قوله تعالى: ﴿من أمر ربي﴾:
عودها توفية بظاهر قوله تعالى: ﴿كل من عليها فان﴾ [الرحمن: ٢٦]، وعدمه بل تكون مما
استثنى اللَّه في قوله: ﴿إلاّ من شاء اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٧، الزمر: ٢٨] قولان، حكاهما السبكي في
تفسيره، وقال الأقرب الثاني، (أو تفنى؟) كما قال الفلاسفة وشرذمة قليلة من الأندلسيين وشدّد
عليهم النكير وردّ عليهم بما أخرجه ابن عساكر عن سحنون أنه ذكر عنده رجل يذهب إلى أن
الأرواح تموت بموت الأجساد، فقال: معاذ اللَّه، هذا قول أهل البدع.
وقال ابن القيّم: الصواب أنه إن أُريد بذوقها للموت مفارقتها للجسد، فنعم هي ذائقة
الموت بهذا المعنى، وإن أُريد أنها تعدم فلا؛ بل هي باقية بإجماع في نعيم أو عذاب. (وما
حقيقة تعذيبها وتنعيمها وغير ذلك من متعلّقاتها؟ قال: وليس في السؤال ما يخصص أحد هذه
المعاني؛ إلا أن الأظهر أنهم سألوه عن الماهية، وهل الروح قديمة أو حادثة؟ والجواب) الصادر
من اللَّه لنبيّه (يدلّ على أنها شىء موجود مغاير للطبائع) جمع طبيعة، وهي مزاج الإنسان
المركّب من الأخلاط؛ كما في المصباح ونحوه في القاموس. (والأخلاط) جمع خلط، قال في
القاموس: أخلاط الإنسان أمزجته الأربعة.
(وتركيبها، فهو جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث، وهو قوله تعالى: ﴿كن﴾)
[يس: ٨٢]، قيل: هو عبارة عن سرعة الحصول، أي: متى تعلّقت إرادته تعالى بشىء كان،
وقيل: إذا أراد شيئًا قال قولاً نفسانيًّا له: ﴿كن فيكون﴾ [يس: ٨٢]، وعليه فكن علامة وسبب
لوجود ما أراده تعالى؛ (فكأنه قال: هي موجودة محدثة بأمر الله وتكوينه) إيجاده فهو تفسير
للأمر، (ولها تأثير في إفادة الحياة للجسد) بجعل اللَّه تعالى إيّاها سببًا في وجود الحياة، فلا
ينافي أن التأثير إنما هو بإرادته تعالى وخلقه (ولا يلزم من عدم العلم بكيفيتها المخصوصة
نفيه، قال: ويحتمل أن يكون المراد بالأمر في قوله: ﴿من أمر ربّي﴾ [الإسراء: ٨٥]،

٤٩٢
اسلام حمزة
الفعل، كقوله تعالى: ﴿وما أمر فرعون برشيد﴾ [هود/٩٧] أي فعله. فيكون
الجواب: أنها حادثة.
ثم قال: وقد سكت السلف عن البحث في هذه الأشياء والتعمق فيها.
انتھی.
وقال في فتح الباري: وقد تنطع قوم فتباينت أقوالهم:
فقيل: هي النفَس الداخل الخارج.
وقيل: جسم لطيف، يحل في جميع البدن.
وقيل: هي الدم.
وقيل: إن الأقوال فيها بلغت المائة.
ونقل ابن منده عن بعض المتكلمين: أن لكل نبي خمسة أرواح، ولكل
مؤمن ثلاثة،
(الفعل؛ كقوله تعالى: ﴿وما أمر فرعون برشيد﴾ [هود: ٩٧]،) أي: مرشد أو ذي رشد، وإنما هو
غيّ محض وضلال صريح، (أي: فعله فيكون الجواب: أنها حادثة، ثم قال: سكت السلف
عنِ البحث في هذه الأشياء والتعمّق فيها، انتهى) كلام الرازي.
(وقال في فتح الباري) في التفسير بعد نقله كلامي القرطبي والرازي المذكورين، (وقد
تنطّع قوم) من جميع الفرق، أي: تعمّقوا وبالغوا في الكلام وخرجوا عن الحدّ في معرفة ماهيّة
الروح، (فتباينت أقوالهم) قال بعضهم: وما ظفروا بطائل ولا رجعوا بنائل، (فقيل: هي النفس
الداخل الخارج) وعزي للأشعري (وقيل: جسم لطيف يحل) بضم الحاء، (في جميع البدن)
ويسري فيه سريان ماء الورد فيه، وهذا اعتمده عامة المتكلّمين من أهل السنّة؛ كما قال المصنّف
وهو أقرب أر إِل. (وقيل: هي الدم) أُسقط من الفتح، وقيل: هي عرض قبل قوله: (وقيل: إن
الأقوال فيها بلغت المائة،) وقيل: هي أكثر من ألف قول، قال ابن جماعة: وليس فيها قول
صحيح، بل هي قياسات وتخيّلات عقليّة.
(ونقل ابن مند عن بعض المتكلّمين أن لكلّ نبيّ خمسة أرواح،) فما به حیاتھم روح،
وما ثبت في قلوبهم من الإيمان روح، وما ترقوا به من معرفة اللَّه وهدايتهم إلى الأعمال الصالحة
واجتنابهم المناهي روح، ويشاركهم المؤمنون في الثلاثة، وهو المراد بقوله: (ولكل مؤمن ثلاثة)
وأيّدت الأنبياء زيادة عليهم بقبول وحي اللَّه ويسمّى روحًا لحياة القلوب به وبقوّة خلقها الله

٤٩٣
اسلام حمزة
ولكل حي واحدة.
وقال ابن العربي: اختلفوا في الروح والنفس، فقيل متغايران، وهو الحق،
وقيل هما شىء واحد،
فيهم، فيتمكّنون بها من سماع كلامه تعالى بلا واسطة فيتحقّقون أنه ليس من جنس كلام
البشر. ذكر الخمسة هذه ابن القيّم في كتاب الروح ملخّصًا، ولا تشكّل الأخيرة بأن الكلام لم
يقع للجميع؛ لأنه لا يلزم من خلق القوّة وقوعه بالفعل، وهذا أولى من تفسير ثلاثة:
المؤمن، بما ذكره الأنصاري في شرح الرسالة القشيرية أن في باطن الجسد روح اليقظة،
وهي التي ما دامت فيه كان متيقّظًا، فإذا فارقته نام ورأى المرائي.
وروح الحياة: التي ما دامت فيه كان حيًّا، فإذا فارقته مات فالنوم انقطاع الروح عن ظاهر
البدن فقط.
والموت: انقطاعه عن ظاهره وباطنه، وروح الشيطان ومقرّها الصدر؛ لقوله تعالى: ﴿الذي
يوسوس في صدور الناس﴾ [الناس: ٥]، انتهى؛ لأن هذه الثلاثة لا تخصّ المؤمن بل يشاركه الكافر.
(ولكل حيّ واحدة) بقيّة، نقل ابن منده؛ كما في الفتح، وإن سقط في كثير من نسخ
المصنّف: ونقل ابن القيّم عن طائفة أن للكافر والمنافق روحًا واحدة، وقال: أمَّا الروح التي تتوفى
وتقبض فواحدة، وما زاد عليها مما سمّى روحًا مجاز، والمراد خاصة نسبتها لروح الحياة كنسبة
الروح إلى الجسد، فإنه إنما يحسّ ويدرك ويقوى بحلولها فيه، فإذا فقدها كان بمنزلة الجسد إذا
فقد روحه، قال: ويسمّى قوى البدن روحًا، فيقال: الروح الباصر والسامع والشام ويطلق على
أخص من هذا كله وهو قوّة معرفة اللَّه والإنابة إليه وانبعاث الهمّة إلى طلبه وإرادته، فللعلم روح،
وللأجساد روح، وللإخلاص روح، انتهى. زاد البقاعي: ولكل من التوكل والمحبة والصدق روح،
والناس متفاوتون: فمن غلب عليه الأرواح صار روحانيًّا، ومن فقدها أو أكثرها صار أرضيًّا مهينًا.
(وقال) القاضي محمّد أبو بكر (بن العربيّ) الحافظ المشهور (اختلفوا في الروح
والنفس، فقيل: متغايران ) كما عليه فرقة محدثون وفقهاء وصوفية، قال السهيلي: ويدلّ عليه
﴿فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي﴾ [الحجر: ٢٩]، وقوله: تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في
نفسك، فإنه لا يصحّ جعل أحدهما موضع الآخر، ولولا التغاير لساغ ذلك، ولذا رجّحه ابن
العربي، فقال: (وهو الحقّ) فالنفس تخرج في النوم والروح في الجسد، والنفس لا تريد إلا الدنيا
والشيطان معها، والروح تدعو إلى الآخرة والملك معها، (وقيل: هما شىء واحد) قاله الأكثرون
وهو الصحيح؛ كما قال ابن القيّم والسيوطي وسبقهما الإمام أبو الوليد بن رشد أحد أئمة
المالكية، فقال: إنه الصواب، وجزم به ابن السبكي وأقرّه شارحوه، وقيل: لابن آدم نفس مطمئنة

٤٩٤
اسلام حمزة
قال وقد يعبر بالروح عن النفس وبالعكس.
وقال ابن بطال القرطبي حقيقتها مما استأثر الله بعلمه بدليل هذا الخبر.
قال: والحكمة في إبهامه: اختبار الخلق، ليعرفهم عجزهم عن علم ما لا
يدركونه حتى يضطرهم إلى رد العلم إليه.
وقال القرطبي: الحكمة في ذلك إظهار عجز المرء، لأنه إذا لم يعلم حقيقة
نفسه مع القطع بوجوده، كان عجزه عن إدراك حقيقة الحق من باب أولى.
وقال بعضهم: ليس في الآية دلالة على أن الله لم يطلع نبيه على حقيقة
الروح بل يحتمل أن يكون أطلعه ولم يأمره أن يطلعهم. وقد قالوا في علم الساعة
ولوامة وأمارة، قال الصفوي: والتحقيق أنها واحدة لها تسمّى باعتبار كل صفة باسم، (قال:) أي
ابن العربي، (وقد يعبّر بالروح عن النفس وبالعكس) حقيقة على الثاني ومجازًا على الأوّل، قال
ابن العربي: كما يعبّر عن الروح وعن النفس بالقلب وبالعكس حتى يتعدّى ذلك إلى غير العقلاء،
بل الجماد مجازًا.
(قال) العلاّمة أبو الحسن علي بن خلف (بن بطال القرطبي) شارح البخاري أحد شيوخ
ابن عبد البرّ كان من أهل العلم والمعرفة والفهم عنى بالحديث العناية التامّة وأتقن ما تقيّد، ومات
سنة أربع وأربعين وأربعمائة، (معرفة حقيقتها مما استأثر بعلمه بدليل هذا الخبر) كالقرءان وتلك
الأقوال تنطع، (قال: والحكمة في إبهامه) أي: عدم بيان حقيقته، (اختبار) بموحدة (الخلق
ليعرفهم عجزهم عن علم ما لا يدركونه حتى يضطرّهم) يلجئهم (إلى ردّ العلم إليه) وأُبدلت
التاء طاء لوقوعها بعد الضاد.
(وقال القرطبي: الحكمة في ذلك إظهار عجز المرء؛ لأنه إذا لم يعلم حقيقة نفسه مع
القطع بوجوده كان عجزه عن إدراك حقيقة الحقّ من باب أولى،) ذكره بعد سابقه، إشارة إلى
أن الاختبار إذا نسب إلى الحقّ كان مستعملاً في لازمه وهو إظهار عجز المختبر؛ لأن الاختبار
الامتحان والقصد به طلب بيان ما عليه المختبر، وإنما يكون ممن لا يعلم حقيقة الحال لامن
العليم بما في الصدور.
(وقال بعضهم: ليس في الآية) ولا في الحديث (دلالة على أن اللَّه لم يطلع نبيّه على
حقيقة الروح، بل يحتمل أن يكون أطلعه ولم يأمره أن يطلعهم) بل أمره بعدم اطلاعهم، وذكر
في الأنموذج هذا الاحتمال قولاً، قال شارحه: والصحيح خلافه، (وقد قالوا في علم الساعة)

٤٩٥
اسلام حمزة
نحو هذا فالله أعلم. انتهى ملخصًا.
ولما كثر المسلمون، وظهر الإيمان،
وباقي الخمس المذكورة في آية ﴿إِن اللَّه عنده علم الساعة﴾ [لقمان: ٣٤]، (نحو هذا) يعني:
أنه أوتي علمها ثم أمر بكتمها، قال بعضهم: وظاهر الأحاديث يأباه، (فاللَّه أعلم،) بحقيقة ذلك
(انتهى) كلام الفتح (ملخّصًا) وفيه بعد هذا: وممنٍ رأى الإمساك عن ذلك الأستاذ أبو القُسم
القشيري، فقال بعد كلام الناس في الروح: وكان الأولى الإمساك عن ذلك والتأدّب بأدبه آب.،
وقد قال الجنيد: إنها مما استأثر اللّه بعلمه ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه، فلا تجوز العبارة عنه
بأكثر من موجود، وعلى ذلك جرى ابن عطية وجمع من أهل التفسير، وأجاب من خاض في
ذلك: بأن اليهود سألوا عنها سؤال تعجيز وتغليظ؛ لكونه يطلق على أشياء فأضمروا أنه بأي شىء
أجاب، قالوا: ليس هذا المراد، فردّ اللَّه كيدهم، وأجابهم جوابًا مجملاً كسؤالهم المجمل. وقال
السهروردي: يجوز أن من خاض فيها سلك التأويل لا التفسير، إذ لا يسوغ إلا نقلاً.
أمَّا التأويل فتمتدّ العقول إليه بذكر ما تحتمل الآية من غير قطع بأنه المراد، وقد خالف
الجنيد ومن تبعه جماعة من متأخّري الصوفية فأكثروا من القول في الروح، وصرّح بعضهم بمعرفة
حقيقتها وعاب من أمسك عنها، انتهى. ثم ذكر المصنّف بعض ما أُوذي به المسلمون ستّة اللَّه
في الذين خلوا من قبل؛ كما قال تعالى: ﴿الم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم
لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم﴾ [العنكبوت: ١، ٢، ٣] الآية، يقال: نزلت في عمّار. وفي
البخاري عن خباب: أتيت رسول اللَّه عَلِّ وهو متوسّد برده في ظلّ الكعبة، ولقد لقينا من
المشركين شدّة شديدة، فقلت: يا رسول اللَّه! ألا تدعو اللَّه لنا؟ فقعد محمًّا وجهه، فقال: ((إنه
كان من قبلكم ليمشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك
عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأس أحدهم فيشقّ ما يصرفه ذلك عن دينه، وليظهرن اللَّه
هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف اللَّه، والذئب على غنمه))،
انتھی.
إلا أن المصّنف يشعر بأنه بعد إسلام حمزة وبعث المشركين إلى اليهود وليس بمراد؛ لأن
إسلام حمزة في السادسة والهجرة الأولى في الخامسة، نعم يأتي على أن إسلامه في الثانية،
فقال:
(ولما كثر المسلمون وظهر الإيمان) لم يقل الإسلام مع أنه أنسب بالمسلمون إيماء إلى
أن ما صدقهما واحد إذ لا اعتداد بأحدهما دون الآخر شرعًا؛ فالإسلام النافع هو الانقياد ظاهرًا
وباطنًا: لإجابة النبيّ عَّهِ، ولا يتحقّق بدون الإيمان، كما أن الإيمان الذي هو التصديق لاعتداد به

٤٩٦
اسلام حمزة
أقبل كفار قريش على من آمن يعذبونهم ويؤذونهم ليردوهم عن دينهم.
حتى إنه مر عدو الله، أبو جهل، بسمية أم عمار بن ياسر، وهي تعذب
فطعنها في فرجها فقتلها.
وكان الصديق إذا مر بأحد من العبيد يعذب اشتراه منهم وأعتقه، منهم بلال
شرعًا بدون انقياد، (أقبل كفار قريش) أي: التفتوا وسعوا لا الإقبال بالوجه (على من آمن) بإغراء
أبي جهل (يعذّبونهم) بأنواع العذاب إن لم يكن لهم قوّة ومنعة، (ويؤذونهم) بالتوبيخ بالكلام
ونحوه لمن له منعة؛ كما روي أن أبا جهل كان إذا سمع برجل أسلم وله شرف ومنعة لامه،
وقال: تركت دين أبيك وهو خير منك، لنسفهنّ حلمك ولنغلبنّ رأيك ولنضعنّ شرفك؛ وإن كان
تاجرًا، قال: لنكسدن تجارتك ولنهلكنّ مالك؛ وإن كان ضعيفًا ضربه وأغرى به، واستمرّ الملعون
في أذاه (حتى إنه) بكسر الهمزة (مرّ عدوّ اللَّه أبو جهل بسمية) بضم المهملة مصغر، إحدى
السابقات كانت سابع سبعة في الإسلام، (أُمّ عمار بن ياسر وهي تعذّب) هي وابناها عمّار
وعبد اللَّه وأبوهما ياسر بن عامر؛ كما رواه البلاذري عن أَّ هانىء، قالتِ: فمرّ بهم النبيّ عَّهِ،
فقال: ((صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنَّة))، فمات ياسر في العذاب وأُعطيت سمية لأبي جعل
(فطعنها في فرجها) بحربة وهي عجوز كبيرة (فقتلها) ورمى عبد اللَّه فسقط. وقد روى ابن سعد
بسند صحيح عن مجاهد أن سميّة أوّل شهداء الإسلام.
وروى ابن عبد البرّ عن ابن مسعود: أن أبا جهل طعن بحربة في فخذ سميّة أُمّ عمار حتى
بلغت فرجها فماتت، فقال عمار: يا رسول اللَّه! بلغ منا أو بلغ منها العذاب كل مبلغ، فقال عَ له:
(صبر أبا اليقظان، اللَّهمّ لا تعذّب من آل ياسر أحد بالنار))، وأمَّا عمّار ففرّج اللَّه عنه بعد طول
تعذيبه؛ فقد جاء أنه كان يعذب حتى لا يدري ما يقول، ورئي في ظهره أثر كالمخيط فسئل،
فقال: هذا ما كانت تعذّبني قريش في رمضاء مكّة، وجاء أنهم أحرقوه بالنار، فمر عَِّ فأمرّ يده
عليه، وقال: ((يا نار كوني بردًا وسلامًا على عمّار، كما كنت على إبراهيم)، (وكان الصدّيق إذا
مر بأحد من العبيد يعذّب) أراد ما يشمل الإناث لكونهن فيهم (اشتراه منهم) من ساداتهم
المعذّبين لهم، (وأعتقه) ابتغاء وجه ربّه الأعلى، (منهم) من العبيد الذين اشتراهم: (بلال) بن رباح
براء مفتوحة فموحدة خفيفة فألف مهملة، الحبشي على المشهور، وهو ما رواه الطبراني وغيره
عن أنس، وقيل: النوبي ذكر ابن سعد أنه كان من مولدي السراة، وكان مولى بعض بني جمح،
ثم مولى الصدّيق. روى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن قيس بن أبي حازم أن أبا بكر اشتراه

٤٩٧
أول من أظهر الإسلام
وعامر بن فهيرة.
وعن أبي ذر: كان أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله عَ ◌ّله، وأبو بكر
وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد.
بخمس أُواق وهو مدفون بالحجارة، (وعامر بن فهيرة) بضم الفاء وفتح الهاء وإسكان التحتانية وفتح
الراء فتاء تأنيث، أسلم قديمًا.
روى الطبراني عن عروة: أنه كان ممن يعذّب في اللَّه، فاشتراه أبو بكر وأعتقه، وكذا
اشترى أبا فكيهة. ذكر ابن إسحق: أنه أسلم حين أسلم بلال فِعذّبه أُميّة بن خلف، فاشتراه أبو
بكر فأعتقه، واشترى أيضًا حمامة بفتح المهملة وخفّة الميم، أمّ بلال وجارية بني المؤمّل، قال
في الإصابة: وردّت في غالب الروايات غير مسماة وسمّاها البلاذري لبينة، أي: بلام وموحدة
تصغير لبنة، والنهدية وابنتها وزبيرة وأمة بني زهرة.
(وعن أبي ذرّ: كان أوّل من أظهر الإسلام) إظهارًا تامًّا لا خفاء معه بحيث لا يبالي بمن
علم به (سبعة) فلا ينافي إسلام كثيرين غيرهم، وإظهار بعضهم لبعض خفاء (رسول اللَّه عَلّم)
ودعا إلى اللَّه وليس ثمّ من يوحدّه وهذا من أقوى شجاعته، (وأبو بكر) وكانت له اليد العليا في
الإسلام وعادى قومه بعدما كان محبّيًا فيهم، ودفع عن المصطفى قولاً ويدًا ودعا إلى اللَّه،
وحسبه أن فضلاء الصحابة أسلموا على يده. (وعمّار) بن ياسر المملوء إيمانًا الصابر على البلوى
أوّلاً وآخرًا، المجاهد في الله حقّ جهاده.
وروى الطبراني في الكبير عنه: قاتلت مع رسول اللَّه عَلِّ الجنّ والإنس، أرسلني إلى بثر
بدر فلقيت الشيطان في صورة الإنس فصارعني فصرعته، فجعلت أدقّه بفهير أو حجر معي،
فقال عَّه: ((عمّار لقي الشيطان عند البئر فقاتله)، فرجعت فأخبرته، فقال: ((ذاك الشيطان)). (وأَمّه
سمية) بنت سلم، قاله ابن سعد. وقال شيخه الواقدي: بنت خباط بمعجمة مضمومة وموحّدة
ثقيلة، ويقال: بمثنّاة تحتية، وعند الفاكهي: بنت خبط بفتح أوّله بلا ألف مولاة أبي حذيفة بن
المغيرة، وكان ياسر حليفًا له فزوّجه سميّة فولدت عمّارًا، فأعتقه.
(وصهيب) بضمّ الميم المهملة وفتح الهاء وتحتية ساكنة فموحدة، ابن سنان الرومي مولى
عبد اللَّه بن جدعان أسلم هو وعمّار في يوم واحد بعد بضع وثلاثين رجلاً على يد المصطفى
ومكثا عنده بقية يومهما، ثم خرجا مستخفين فدخل عمّار على أبويه، فسألاه أين كان، فأخبرهما
بإسلامه وقرأ عليهما ما حفظ من القرءان في يومه ذلك، فأعجبهما فأسلما على يده، فكان عَـ
يسمّيه الطيب المطيّب.
(وبلال) المؤذنّ (والمقداد) بن عمرو المعروف بابن الأسود؛ لأنه تبنّاه شهد بدرًا

٤٩٨
اسلام حمزة
فأما رسول الله عَّله فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما
سائرهم فأخذهم المشركون ليعذبونهم فألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في
الشمس، وإن بلالاً هانت نفسه عليه في الله عز وجل، وهان على قومه، فأخذوه
فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحد أحد. رواه
أحمد في مسنده.
وعن مجاهد مثله، وزاد في قصة بلال: وجعلوا في عنقه حبلاً
والمشاهد كلّها. (فأمَّا رسول اللَّه عَّ. فمنعه اللَّه) من أذية الكفّار البالغة المتوالية، فلا ينافي وطء
عتبة رقبته وسب أبي جهل، ونحو ذلك.
(بعمه أبي طالب) وبغيره كبعث جبريل في صورة فحل ليلتقم أبا جهل لما أراد أذاه،
ورؤيته أفق السماء سدّ عليه لما نذر أن يطأ عنقه الشريفِ، ورؤيته رجالاً عن يمينه وعن شماله
معهم رماح، حتى قال: لو خالفته لكانت إيّاها، أي: لأتوا على نفسه لمّا أخذ عَّه بظلامة
ا زبيدي في جماله التي كان أكسدها عليه وظلمه، فأقبل إليه المصطفى، وقال ((يا عمرو، إيّاك
أن تعود لمثل ما صنعت، فترى مني ما تكره))، فجعل يقول: لا أعود لا أعود، كما بيّ في
الأخبار، وكستر ملك له بجناحه لما أرادته امرأة أبي لهب فلم تره، وغير ذلك من الآيات
البينات.
(وأمَّا أبو بكر فمنعه اللَّه بقومه) من الأذى المتوالي (وأمَّا سائرهم) أي: باقيهم، (فأخذهم
المشركون يعذّبونهم فألبسوهم أدراع الحديد) جمع درع ولعلّ الإضافة للاحتراز عن نحو
القمص، (وصهروهم) بفتح الهاء مخفّفًا طرحوهم، (في الشمس) لتؤثر حرارتها فيهم (وإن بلالاً)
بكسر الهمزة استئناف، (هانت نفسه عليه في اللَّه عزّ وجلّ) فلم يبال بتعذيبهم، وصبر على
أذاهم، (وهان على قومه) أي: مواليه، (فأخذوه فأعطوه الولدان) جمع وليد (فجعلوا يطوفون به
في شعاب مكّة، وهو يقول: أحد أحد) قال البرهان: مرفوع منون كذا أحفظه، وكذا هو في
أصلنا من سنن ابن ماجه خبر مبتدأ محذوف، أي: اللَّه أحد، كأنه يشير إلى أني لا أُشرك بالله
شيئًا، ويحتمل أنه مرفوع غير منوّن، أي: يا أحد، قال شيخنا: وأمَّا النطق به حكاية لكلام بلال،
فالظاهر أنه بالسكون لكونه موقوفًا عليه غير موصول بما يقتضي تحريكه، (رواه أحمد في مسنده،
وعن مجاهد مثله.
وفيه: أنه نزل فيهم ﴿ثم إن ربك﴾ [النحل: ١١٩،١١٠] الآية، وأخرجه بقي بن مخلد
في مسنده، لكنه أبدل المقداد بخباب، (وزاد) مجاهد (في قصّة بلال، وجعلوا في عنقه حبلاً

٤٩٩
اسلام حمزة
ودفعوه إلى الصبيان يلعبون به حتى أثر الحبل في عنقه.
فانظر كيف فعل ببلال ما فعل من الإكراه على الكفر، وهو يقول أحد أحد،
فمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان، وهذا كما وقع له أيضًا عند موته، كانت امرأته
تقول: واحرباه وهو يقول: واطرباه. غدًا ألقى الأحبة محمدًا وصحبه، فمزج مرارة
الموت بحلاوة اللقاء. ولله در أبي محمد الشقراطسي حيث قال:
لاقى بلال بلاء من أمية قد أحله الصبر فيه أكرم النزل
إذ أجهدوه.
ودفعوه إلى الصبيان يلعبون به حتى أثر الحبل في عنقه) ليرجع إلى الكفر واللَّه يعيذه وحسبه
بهذا منقبة، قال عمر: أبو بكر سيّدنا وأعتق سيّدنا، وقال عَُّله لبلال: ((سمعت دقّ نعليك في
الجنّة))، رواهما البخاري.
(فانظر كيف) تأمّل صفته مع صبره، فليست كيف للاستفهام أو هي بتقدير مضاف، أي:
انظر جواب السائل عن حاله، بقوله: كيف، (فعل ببلال ما فعل من الإكراه على الكفر) بيان لما
(وهو يقول: أحد أحد، فمزج) خلط (مرارة العذاب) مشقّته وألمه (بحلاوة الإيمان) أي: الراحة
الحاصلة به فهو استعارة تصريحية فشبّه تحمله ألم العذاب بمن خلط الصبر ونحوه بنحو سكر
فسهّل عليه تناوله على أن في كون هذه الحلاوة حقيقية لأولياء اللَّه أو استعارة خلافًا بسطه
المصنّف في مقصد المحبة.
(وهذا كما وقع له أيضًا عند موته كانت امرأته تقول: واحرباه) روي بفتح الحاء والراء
المهملتين والموحدة من الحرب بالتحريك، وهو كما في النهاية نهب مال الإنسان وتركه
لا شىء له، وبفتح الحاء والزاي ونون وبضمّ الحاء وسكون الزاي، وروي: واحوباه بفتح الحاء
وسكون الواو فموحدة من الحوب وهو الإثم، والمراد ألمها بشدّة جزعها وقلقها في المصيبة أو
من الحوبة بمعنى رقّة القلب وهو تكلّف، كما في النسيم.
(وهو يقول: واطرباه) أي: فرحاه، (غدا ألقى الأحبة) الذين طال شوقي إليهم، (محمدًا
وصحبه فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء، ولله در أبي محمّد الشقراطسي، حيث قال:) في
قصيدته المشهورة (لاقى بلال بلاء من أُميّة قد،) وروي إذا (أحله) من الحلول بالمكان، (الصبر
فيه،) أي: أحلّه الصبر على البلاء الذي كان يعذّب به لما أسلم ليرجع عن دينه فما أعطاهم
كلمة مما يريدون، ففي بمعنى على، (أكرم) بالنصب على الظرف مواضع (النزل) وهو طعام
الضيف الذي يكرم به إذا نزل وأكرم تلك المواضع هو الجنَّة، قال تعالى: ﴿الذي أحلنا دار المقامة
من فضله﴾ [فاطر: ٣٥]، وفسر ما لاقاه، بقوله: (إذ) ظرف لقوله: لاقى أو أحلّه، (اجهدوه) حملوه

اسلام حمزة
٥٠٠
بضنك الأسر وهو على شدائد الأزل ثبت الأزر لم يزل
ألقوه بطحا برمضاء البطاح وقد عالوا عليه صخورًا جمة الثقل
بظهره كندوب الطل في الطلل
فوحد الله إخلاصًا وقد ظهرت
إن قدَّ ظهر ولي الله من دبر قد قدَّ قلب عدو الله من قبل
فوق طاقته من العذاب من الجهد وهو المشقّة (بضنك) ضيق (الأسر وهو على شدائد الأزل)
بفتح الهمزة وبالزاي واللام الحبس والتضييق، (ثبت) مصدر بمعنى اسم الفاعل (الأزر) بزاي فراء
القوّة، أي: ثابت القوّة، (لم يزل) بفتح الزاي من زال أُخت كان وبضمها، أي: لم يزل عن ذلك
وبيّن سبب ذلك بقوله: (ألقوه بطحا) مفعول مطلق، أي: إلقاء هو بطح على وجهه أو حال من
ضمير الفاعل، أي: باطحين أو المفعول، أي: مبطوخًا (برمضاء) بفتح الراء وسكون الميم وضاد
معجمة ممدود، أي: بأرض اشتدّ وقع الشمس فيها سواء كان بها رمل أو حصى أو غيرهما، قاله
أبو شامة.
وفي النور الرمضاء الرمل إذا اشتدّت حرارته، (البطاح) جمع بطحاء أو أبطح على غير
القياس إذ قياس أبطح وبطحاء بطحاوات والكل مستعمل والإضافة من الأعمّ إلى الأخص كشجر ,
أراك، أي: في أرض شديدة الحرّ، هي أودية واسعة، (وقد عالوا) مثل أعلوا، أي: رفعوا، (عليه
صخورًا جمة الثقل) أي: كثيرته وألقوها عليه.
وأخرج الزبير بن بكّار وأبو الفتح اليعمري عن عروة، قال مر ورقة بن نوفل على بلال وهو
يعذب يلصق ظهره برمضاء البطحاء في الحر، وهو يقول: أحد أحد، فقال: يا بلال صبرًا يا بلال
صبرًا، لم تعذّبونه فوالذي نفسي بيده لئن قتلتموه لاتّخذنه حنانًا، يقول: لا تمسحن به واستأنف
قوله: (فوحّد اللَّه) حال كون توحيده (إخلاصًا) أو هو مفعول مطلق في موضع توحيد إلا أنه
بمعنى يوحّد، قال أبو شامة: ويجوز أن يكون فوحد اللَّه في موضع الحال من ألقوه أو من عليه،
أي: في حال توحيده للَّه. وردّه شيخنا بأن الحال لا تقع جملة إلا خبرية غير مصدرة بعلم
استقبال مرتبطة بالواو والضمير أو بالواو فقط، كما هو مقرّر.
(و)الحال إنه (قد ظهرت بظهرہ کندوب) جمع ندب بفتح الدال، أي: آثار، وقيل: أثر
الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد، (الطلّ) المطر الضعيف (في الطلل) ما شخص من آثار الديار
على وجه الأرض وقد يعبّر به عن محل القوم ومنزلهم وهو مراده هنا، فكأنه يقول: أثر التعذيب
في ظهره؛ كما أثر المطر في الأطلال فخدّد أرضها ومحا وسومها، قاله الطرابلسي.
قال أبو شامة: وإذا كان المطر ضعيفًا ظهرت آثار نقطه في الأرض. (إن قد ظهر وليّ اللَّه
من دبر قد قدّ قلب عدوّ اللَّه من قبل) فيه كما قال أبو شامة: من البديع اللفظي والمعنوي ذكر