النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ الإجهار بدعوته ما زال النبي عَ لّه مستخفيًا حتى نزلت ﴿فاصدع بما تؤمر﴾ [الحجر/ ٩٤] فجهر هو وأصحابه. وقال البيضاوي: ﴿فاصدع بما تؤمر﴾ الآية، من صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارًا أو أفرق به بين الحق والباطل. وأصله: الإبانة والتمييز. و((ما)) مصدرية أو موصولة، ((والعائد)) محذوف، أي بما تؤمر به من الشرائع انتهى. قالوا: وكان ذلك بعد ثلاث سنين من النبوة، وهي المدة التي أخفى فيها رسول الله عَّه أمره إلى أن أمره الله تعالى بإظهاره. فبادیء قومه بالإسلام وصدع به مات بعد سنة ثمانین. (ما زال النبيّ عَِّ مستخفيًا) هو والمسلمون في دار الأرقم، (حتى نزلت ﴿فاصدع بما تؤمر﴾ [الحجر: ٩٤]، فجهر هو وأصحابه) ثم بعد بيان المراد من الآية ذكر مأخذها بقوله: (وقال البيضاوي) في تفسير قوله تعالى: (﴿فاصدع بما تؤمر﴾) الآية، فاجهر به (من صدع بالحجّة إذا تكلّم بها جهارًا،) وعطف على فاجهر الذي حذفه المصنّف من كلامه، قوله: (أو) يعني: وقيل معناه (افرق به بين الحقّ والباطل) لأن الصدع الفرق بين الشيئين، فالصدع بالحجة يفرق كلمة من ظهرت عليه وقهر بها وكأنه صدع على جهة البيان والتشبيه لظلمة الجهل والشرك بظلمة الليل، ولنور القرءان بنور الفجر؛ لأن الفجر يسمّى صديعًا، قال الشاعر: ترى السرحان مفترشًا يديه كأن بياض غرته صديع (و) هو مجاز من صدع الشىء شقّه إذ (أصله) لغة (الإبانة والتمييز) وفي القاموس: صدعه. كمنعه شقّه أو شقّه نصفين أو شقّه، ولم يفترق ولا منافاة لجواز أن يراد بالإبانة الشقّ مع الفصل وهو مستفاد من شقّه، أي: مطلقًا وبالتميز الشقّ بلا فاصل، وهو مستفاد من الأوّل والثالث. (وما مصدريّة) أي: بأمرنا لك، (أو موصولة والعائد) على أنها موصولة (محذوف، أي: بما تؤمر به من الشرائع، انتهى.) ولا يشكل بأن شرط حذف عائد الموصول أن يجرّ بمثل ما جرّ به الموصول لفظًا ومتعلّقًا، نحو: ويشرب مما تشربون، أي: منه؛ لأن الصدع بمعنى الأمر المؤثر ولا تشترط المناسبة اللفظية. (قالوا: وكان ذلك بعد ثلاث سنين من النبوّة) تبرّأ منه لجزم الحافظ في سيرته بأن نزول الآية كان في السنة الثالثة، (وهي المدّة التي أخفى رسول اللَّه عَّلِ أمره إلى أن أمره الله تعالى بإظهاره، فبادى) قال البرهان: الظاهر أنه بموحّدة، أي: جاهر، (قومه بالإسلام و) لم يقتصر على مجرّد المجاهرة بالدعوة بل كرّر ذلك وأكّده وبالغ في إظهار الحّة حتى كأنه (صدع به) ٤٦٢ الإجهار بدعوته كما أمره الله تعالى. ولم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه، حتى ذكر آلهتهم وعابها، وكان ذلك سنة أربع، كما قاله العتقي. فأجمعوا على خلافه وعداوته إلا من عصم الله منهم بالإسلام. وحدب عليه عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه. فاشتد الأمر، وتضارب القوم، وأظهر بعضهم لبعض العداوة، وتذامرت قريش على من أسلم منهم يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم. ومنع الله رسوله بعمه أبي طالب وببني هاشم - ما عدا أبا لهب - قلوبهم بما أورده عليهم من الحجج والبراهين التي عجزوا عن دفعها (كما أمره الله تعالى و)مع ذلك (لم يبعد منه قومه، ولم يردّوا عليه) بل كانوا؛ كما قال الزهري: غير منكرين لما يقول وكان إذا مرّ عليهم في مجالسهم يقولون: هذا ابن عبد المطّلب يكلّم من السماء واستمروا على ذلك، (حتى ذكر آلهتهم وعابها) لما دخل المسجد يومًا فوجدهم يسجدون للأصنام فنهاهم، وقال: ((أبطلتم دين أبيكم ابراهيم))، فقالوا: إنما نسجد لها لتقرّبنا إلى اللّه، فلم يرضَّ بذلك منهم وعاب صنعهم، (وكان ذلك في سنة أربع) من النبوّة؛ (كما قاله العتقي) بضم المهملة وفتح الفوقية وقاف، وقيل: سنة خمس، وجمع بأن ابتداء الإظهار والمعاداة في الرابعة، وكماله واشتداده في الخامسة. (فأجمعوا على خلافه) أي: عزموا على مخالفته وصمّموا عليه (و)على (عداوته إلا من عصم اللَّه منهم بالإسلام) وهم قليل مستخفون؛ كما في العيون، ولا ينافيه قول الزهري: استجاب له من أحداث الرجال وضعفاء الناس حتى كثر من آمن به (وحدب) بفتح الحاء وكسر الدال المهملتين فموحّدة، أي: عطف (عليه عمّه أبو طالب ومنعه) وأصل الحدب انحناء في الظهر، ثم استعير فيمن عطف على غيره ورقّ له؛ كما في الشاميّة. (وقام دونه) كناية عن منعهم من الوصول له، يقال: هذا دون ذلك، أي: أقرب منه، أي: قام في مكان قريب منه حاجزًا بينه وبينهم، (فاشتدّ الأمر وتضارب القوم) ضرب بعضهم بعضًا بالفعل؛ كما جاء أن سعد بن أبي وقاص كان في نفر من قريش يصلّون في بعض شعاب مكّة فظهر عليهم نفر من المشركين فعابوا صنعهم حتى قاتلوهم فضرب سعد رجلاً منهم بلحى بعير فشجّه، فهو أوّل دم أهريق في الإسلام، أو المعنى: أرادوا التضارب وعزموا عليه إشارة إلى ما كان بين أبي طالب وقومه. (وأظهر بعضهم لبعض العداوة وتذامرت قريش) بذال معجمة: حضّ بعضهم بعضًا؛ كما في النور وغيره. وفي نسخة: توامرت بالواو، أي: تشاورت والأولى أنسب، بقوله: (على من أسلم منهم يعذّبونهم ويفتنونهم عن دينهم ومنع اللَّه رسوله بعمّه أبي طالب، وببني هاشم ٤٦٣ الإجهار بدعوته أم أذيته عێ. ويبني المطلب. وقال مقاتل: كان عَّ عند أبي طالب يدعوه إلى الإسلام، فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون بالنبي عَّله سوءًا، فقال أبو طالب: حين تروح الإبل فإن حنت ناقة إلى غير فصيلها دفعته إليكم. وقال: والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا وأبشر وقر بذاك منك عيونًا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ولقد صدقت وكنت ثم أمينا ودعوتني وزعمت أنك ناصحي وعرضت دينًا لا محالة إنه من خير أديان البرية دينًا ما عدا أبا لهب وببني المطلب،) أخي هاشم بن عبد مناف بطلب أبي طالب لذلك منهم لما رأى ما صنعوا بالمسلمين، فاجتمعوا إليه وأقاموا معه. وفي بعض نسخ العيون: وببني عبد المطّلب، قال النور: والصواب الأوّل. (وقال مقاتل: كان عَّةٍ عند أبي طالب يدعوه إلى الإسلام، فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون بالنبيّ عَِّ سوءًا) هو أنهم أتوه بعمارة ابن الوليد ليتّخذه ولدًا ويعصيهم النبيّ عَُّ ليقتلوه، (فقال أبو طالب:) واللَّه لبئس ما تسومونني، أتعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله ما لا يكون أبدًا، وقال: (حين تروح الإبل) ترجع من مراعيها (فإن حنت ناقة إلى غير فصيلها دفعته إليكم) تعليق على محال على طريق إلزامهم إنها لا تحنّ إلى غيره مع كونها عجماء، فكيف أنا مع كوني من ذوي اللبّ والمعرفة؟ (وقال) شعرًا في النبيّ تطمينًا له: واللَّه لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أُوسد في التراب دفينا (فاصدع بأمرك) جهرًا بالشىء الذي أُمرت بتبليغه، أو الأمر مصدر بمعنى الطلب، أي: أصدع بسبب أمر اللَّه لك، (ما عليك غضاضة) بفتح الغين وضادين معجمات: ذلّة ومنقصة، (وابشر) بحذف الهمزة للضرورة، وأصله بقطع الهمزة؛ كقوله تعالى: ﴿وأبشروا بالجنة﴾ [فصلت: ٣٠]، (وقرّ بذاك منك عیونا) بفتح القاف من قرّت عینه سکنت أو بردت، لكنه حوّل الإسناد من العين إلى ذاته الكريمة وجيء بعيونًا تمييزًا للنسبة، ولغة نجد كسر القاف وبهما قرىء: وقرّي عينًا، (ودعوتني) طلبت مني الدخول في دينك (وزعمت) ذكرت لي (أنك ناصحي) فلم يستعمل الزعم في معناه المشهور أنه القول الذي لا دليل عليه، بدليل قوله: (ولقد صدقت وكنت ثم) فيما دعوتني إليه (أمينًا) لم تزد فيما أمرت بتبليغه ولم تنقص، (وعرضت) أظهرت لنا (دينًا لا محالة) بفتح الميم: لا حيلة في دفع (إنه من خير أديان البرية دينا) إذ هو حقّ ثابت ٤٦٤ الإجهار بدعوته أم أذيته عَّ لولا الملامة أو حذاري سبة لوجدتني سمحًا بذاك مبينًا وقد كفى الله تعالى نبيه المستهزئين. كما قال تعالى: ﴿وأعرض عن المشركين)أي لا تلتفت إلى ما يقولون: ﴿إنا كفيناك المستهزئين﴾ [الحجر/ ٩٥] يعني بقمعهم وإهلاكهم. وقد قيل للتحقيق لأن قول الجمهور: إنهم كانوا خمسة من أشراف قريش. الوليد بن المغيرة. والعاصي بن وائل. والحرث بن قيس. بالحجج القاطعة، (لولا الملامة) العذل (أو حذارى) بكسر الحاء مصدر حاذر، أي: خوفي، (سبة) بضمّ السين عارًا وفتح الحاء تعسّف؛ لأنه يكون اسم فعل أمر ولا يصحّ هنا إلا بتقدير أو خوفي من أن يقال لي حذار، أي: احذر العار مع جعل الياء للإشباع، (لوجدتني سمحًا بذاك) الذي دعوتني إليه، (مبينًا) ولمّا تكلم على المراد من آية الصدع جرّه ذلك إلى ذكر الآية الثانية، وإن كان اليعمري إنما ذكره بعد ذلك قبل انشقاق القمر، فقال على ما في بعض النسخ. (وقد كفى اللَّه تعالى نبيّه المستهزئين؛ كما قال تعالى: ﴿وأعرض عن المشركين﴾ [الحجر: ٩٤]، أي: لا تلتفت إلى ما يقولون) وهذا كان قبل الأمر بالجهاد، (﴿إنا كفيناك المستهزئين﴾) بك ومن استهزاء الحرث قوله عن محمّد نفسه وصحبه إذ وعدهم أن يحيوا بعد الموت: والله ما يهلكنا إلا الدهر ومرور الأيام والحوادث، رواه ابن جرير عن قتادة. (يعني بقمعهم) مصدر قمع كمنع، أي: بقهرهم وإذلالهم (وإهلاكهم) حكم على المجموع، فلا ينافي أن من أسلم لم يهلك (وقد قيل للتحقيق؛ لأن قول الجمهور) ومنهم ابن عباس في أكثر الروايات عنه (إنهم كانوا خمسة من أشراف قريش الوليد بن المغيرة) بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، قال البغوي: وكان رأسهم، (والعاصي بن وائل) السهمي (والحرث بن قيس) ابن عدي السهمي ابن عم العاصي كان أحد أشراف قريش في الجاهلية وإليه كانت الحكومة والأموال التي كانوا يسمونها، قال ابن عبد البرّ: أسلم وهاجر إلى الحبشة مع بنيه الحرث وبشر ومعمر، وتعقّبه ابن الأثير بأن الزبير بن بكّار وابن الكلبي ذكر أنه كان من المستهزئين. وزاد الذهبي في التجريد: لم يذكر أحد أنه أسلم إلا أبو عمر وردّه في الإصابة بأنه ذكره في الصحابة أيضًا أبو عبيد ومصعب والطبري وغيرهم، ولا مانع أن يكون تاب وصحب وهاجر، والآية ليست صريحة في عدم توبة بعضهم، انتهى. وأمّه كنانية واسمها العيطلة، وينسب إليها. ٤٦٥ الإجهار بدعوته أم أذيته معَ ◌ّه والأسود بن عبد يغوث. والأسود بن المطلب. وكانوا يبالغون في إيذائه عَّ له والاستهزاء به. فقال جبريل لرسول الله عَ له: أمرت أن أكفيكهم. فأومأ إلى ساق الوليد، فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم فلم ينعطف تعظيمًا لأخذه، فأصاب عرقًا في عقبه فمات، وأومأ إلى أخمص العاصي فدخلت فيه شوكة فانتفخت رجله حتى صارت كالوحي فمات، وأشار إلى أنف الحرث فامتخط قيحًا فمات، وإلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح برأسه الشجرة ويضرب وجهه بالشوك حتى مات، روى ابن جرير عن أبي بكر الهذلي، قال: قيل للزهري: إن سعيد بن جبير وعكرمة اختلفا في رجل من المستهزئين، فقال سعيد: الحرث بن عيطلة، وقال عكرمة: الحرث بن قيس، فقال: صدقا جميعًا، كانت أمّه عيطلة وكان أبوه قيشًا، وما ذكر من أنه الحرث هو ما وقفت عليه. وفي نسخ صحيحة، وفي بعضها: وعدي بن قيس، وهو وإن قيل: بأنه منهم لكن يعيّ الأوّل قوله الآتي: فأشار إلى أنف الحرث. (والأسود بن عبد يغوث) ابن وهب بن زهرة الزهري ابن خاله عَّل من استهزائه، أنه كان يقول: أما كلّمت اليوم من السماء يا محمّد؟ (والأسود بن المطّلب) بن أسد بن عبد العزّى (وكانوا يبالغون في إيذائه عَّهِ والاستهزاء به) فكان جبريل عليه السّلام مع النبيّ عَ له فمرّوا بهما واحدًا بعد واحد فشكاهم إلى جبريل، (فقال حبريل لرسول اللَّه عَّالٍ: أمرت أن أكفيكهم، فأومأ إلى ساق الوليد، فمرّ بنتّال) يريّش نبله ويصلحها (فتعلق بثوبه سهم) وفي البغوي: فعرضت شظيّة من نبل (فلم ينعطف) ينثن (تعظيمًا لأخذه فأصاب عرقًا في عقبه) زاد البغوي: فمرض، (فمات) كافرًا (وأومأ) جبريل (إلى أخمص) بفتح أوّله وإسكان الخاء المعجمة فميم فصاد مهملة، (العاصي) فخرج يتنزّه فنزل شعبًا، (فدخلت فيه شوكة) من رطب الضريع (فانتفخت رجله حتى صارت كالوحى) وفي البغوي: كعنق البعير، (فمات) مقامه. (وأشار إلى أنف الحرث فامتخظ قيحًا، فمات) وقيل: أكل حوتًا مملوحًا فما زال يشرب عليه حتى انقدّ بطنه، وقيل: أخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه، فمات. وعلى القول بإسلامه فمعنى: كفيناك بإسلامه وهو الذي يظهر من الإصابة ترجيح، فإنه أورده في القسم الأوّل ورد على من جزم بخلافه، (و)أشار جبريل (إلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح برأسه الشجرة ويضرب وجهه بالشوك حتى مات) على ٤٦٦ الإجهار بدعوته أم أُذيته وإلى عيني الأسود بن عبد المطلب فعمي. وكان عَّه يطوف على الناس في منازلهم يقول: إن الله يأمركم أن تعبدوه ولا تشر کوا به شيئًا، وأبو لهب كفره، وقيل: أشار جبريل إلى بطنه بإصبعه فاستسقى بطنه فمات، رواه الطبراني بسند ضعيف. وقيل: خرج في رأسه قروح فمات، ويمكن أنها سبب نطحه الشجرة. وروى الطبراني والبيهقي والضياء بإسناد صحيح: أن جبريل أومأ إلى رأسه فضربته الأكلة فامتخض رأسه قيحًا بخاء وضاد معجمتين، أي: تحرّك شديدًا. وعند ابن أبي حاتم والبلاذري بسند صحيح عن عكرمة: أنه حنى ظهره حتى احقوقف صدره، فقال عَّله: خالي خالي، فقال جبريل: دعه عنك، فقد كفيته. احقوقف: انحنى، وقيل: خرج من عند أهله فأصابته السموم حتى صار حبشيًّا، فأتى أهله فلم يعرفوه وأغلقوا دونه الباب فرجع وصار يطوف بشعاب مكّة حتى مات عطشًا، ويقال: إنه عطش فشرب الماء حتى انشقّ بطنه وجمع باحتمال أن جميع ذلك وقع له. (و) أشار جبريل (إلى عيني الأسود بن المطلب) قال ابن عباس: رماه بورقة خضراء، (فعمى) بصره كما عميت بصيرته فلم يميّز بين الحسن والقبيح، ووجعت عينه فضرب برأسه الجدار حتى هلك، وهو يقول: قتلني ربّ محمّد، وقال ابن عباس في رواية: كانوا ثمانية، وصحّحه في الغرر وجزم به ابن عبد البرّ والعراقي فزادوا أبا لهب هلك بالعدسة، وهي ميتة شنيعة بعد بدر بأيّام كما يأتي، وعقبة ابن أبي معيط قتل صبرًا بعد انصرافه عَّه من بدر، والحكم بن العاصي بن أميّة أسلم يوم الفتح، وتوفي في آخر خلافة عثمن. قال العراقي: ثامنهم أسلم وهو الحكم فقد كفاه شرّه إذ يسلم وأسقط الشامي ابن أبي معيط وأبدله بملك ابن الطلاطلة وهو خلاف ما في العيون ونظم السيرة على أن اليعمري سمّاه قبل ذكر المستهزئين بقليل في المجاهرين بالظلم الحرث بن الطلاطلة الجزاعي بطاءين مهملتين، الأولى مضمومة، والثانية مكسورة بينهما لام خفيفة، ثم لام مفتوحة، ثم تاء تأنيث، وهي لغة الداء العضال الذي لا دواء له. وعند ابن إسحق: إن الحرث هذا مرّ به عَّله فأشار إلى رأسه فامتخض قيحًا فقتله كافرًا. (وكان عَّ) كما رواه عبد اللَّه في زوائد المسند والحاكم، وقال على شرطهما عن ربيعة ابن عباد بكسر العين مخفّفًا الديلي الكناني الصحابي، قال: رأيت رسول اللَّه عَّه (يطوف على الناس) في أوّل أمره (في منازلهم يقول: إن اللَّه يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأبو لهب) عمّه على المحفوظ ويروى أبو جهل قال ابن كثير: وقد يكون وهمًا ويحتمل أنهما تناويا ٤٦٧ الإجهار بدعوته أم أذيته ێ﴾. وراءه يقول: يا أيها الناس: إن هذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم. ورماه الوليد بن المغيرة بالسحر، وتبعه قومه عن ذلك. على إيذائه عَّ له، قال الشامي: وهو الظاهر. (وراءه) يتبعه إذا مشى (يقول: يا أيّها الناس! إن هذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم) وذلك عار عليكم، فانظر هذا الابتلاء في اللَّه فلو كان من غير قريب كان أسهل؛ لأن العرب كانت تقول: قوم الرجل أعلم به، ولذا قال عّ لّه: ((ما أُوذي أحد ما أُوذيت)، (ورماه الوليد بن المغيرة بالسحر) مع اعترافه بأنه باطل، لكنه لعنه اللَّه لمّا ضاقت عليه المذاهب، قال إنه أقرب القول فيه تنفيرًا للناس عنه. (وتبعه قومه عن ذلك) بعد التشاور فيما يرمونه به، فعند ابن إسحق والحاكم والبيهقي بإسناد جيّد أنه اجتمع إلى الوليد نفر من قريش وكان ذا سنّ فيهم، فقال لهم: یا معشر قريش، قد حضر هذا الموسم وإن وفود العرب ستقدم عليكم وقد سمعوا بأمر صاحبكم، فاجمعوا فيه رأيًا ولا تختلفوا فيكذّب بعضكم بعضًا، قالوا: فأنت فأفم لنا رأياً نقوله فيه قال: بل أنتم فقولوا: أسمع، قالوا: نقول كاهن، قال: والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهّان فما هو بزمزمة الكاهن ولا بسجعه، قالوا: فنقول: مجنون، قال: والله ما هو بمجنون، لقد رأينا المجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا بخابخه ولا وسوسته، قالوا: شاعر، قال: ما هو بشاعر لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسطه، قالوا: ساحر، قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السخّار وسحرهم فما هو بنفثه ولا عقده، قالوا: فما تقول؟ قال: واللَّه إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناه وما أنتم بقائلين من هذا شيئًا لا أعرف إنه باطل وأن أقرب القول فيه أن تقولوا ساحر جاء بقول هو سحر يفرّق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته، فتفرّقوا عنه بذلك فجعلوا يجلسون لسبل الناس حين قدموا الموسمٍ لا يمرّ بهم أحد إلاَّ حذّروه إياه، وذكروا لهم أمره فصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول اللَّه عَّه. فانتشر ذكره في بلاد العرب كلّها. وفي سيرة الحافظ: فانتشر بذلك ذكره في الآفاق، وانقلب مكرهم عليهم حتى كان من أمر الهجرة ما كان وقدم عليه عشرون من نجران، فأسلموا فبلغ أبا جهل فسبهم وأقذع في القول، فقالوا له: سلام عليكم وفيهم نزل: ﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه﴾ [القصص/٥٥] الآيات، انتھی. قال السهيلي: رواية ابن إسحق لعذق بفتح المهملة وسكون المعجمة استعارة من النخلة التي ثبت أصلها وهي العذق أفصح من رواية ابن هشام لغذق بفتح المعجمة وكسر المهملة من ٤٦٨ الإجهار بدعوته أم أذيته عدّله. وآذته قريش ورموه بالشعر والكهانة والجنون. ومنهم من كان يحثو التراب على رأسه، ويجعل الدم على بابه. ووطىء عقبة بن أبي معيط على رقبته الشريفة وهو ساجد عند الكعبة حتى كادت عيناه تبرزان. وخنقوه خنقًا شديدًا، فقام أبو بكر دونه، فجذبوا رأسه ولحيته ځ الغذق وهو الماء الكثير، ومنه يقال: غيذق الرجل إذا كثر بصاقه؛ لأنها استعارة تامّة يشبه آخر الكلام أوّله، وإن فزعه لجناه استعارة من النخلة التي ثبت أصلها وقوي وطاب فرعها إذا جني، انتهى. وفي حواشي أبي ذرّ: لجناه، أي: فيه ثمر يجنى، انتهى. فانظر هذا اللعين، كيف تيقّنت نفسه الحقّ وحمله البطر والكبر على خلافه وقد ذمّه اللَّه ذمَّا بليغًا، في قوله: ﴿ولا تطع كل حلاف مهين﴾ [القلم: ١٠]، حتى قوله: على الخرطوم، وقوله: ﴿ذرني ومن خلقت﴾ [المدثر: ١١]، حتى قوله: ﴿سأصليه سقر﴾ [المدثر: ٢٦]. (وآذته قريش) أشدّ الأذية (ورمته بالشعر والكهانة والجنون) وبرأه اللَّه من جميع ذلك في الكتاب العزيز، (ومنهم من كان يحثو التراب على رأسه) روى أن فرعون هذه الأمّة أبا جهل رآه عَِّ عند الحجون نصبّ التراب على رأسه، ووطىء برجله على عاتقه، (ويجعل الدم على بابه؛) كما قال عَله: ((كنت بين شرّ جارين، بين أبي لهب وعقبة بن أبي معيط، إن كانا ليأتيان بالفروث فيطرحانها على بابي، حتى إنهم ليأتون ببعض ما يطرحونه من الأذى فيطرحونه على بابي»، رواه ابن سعد عن عائشة. (ووطىء عقبة بن أبي معيط على رقبته الشريفة، وهو ساجد عند الكعبة، حتى كادت عيناه تبرزان) وروى البخاري في كتاب خلق أفعال العباد وأبو يعلى وابن حبان، عن عمرو بن العاصي: ما رأيت قريشًا أرادوا قتل النبيّ عَّهِ إلَّ يوم أغروا به وهم في ظلّ الكعبة جلوس وهو يصلّي عند المقام، فقام إليه عقبة فجعل رداءه في عنقه ثم جذبه حتى وجب لركبتيه وتصايح الناس، وأقبل أبو بكر يشتدّ حتى أُخذ بضبع رسول اللَّه عٍَّ من ورائه وهو يقول: أتقتلون رجلاً أن يقول ربّي اللَّه، ثم انصرفوا عنه فلما قضى صلاته مرّ بهم، فقال: ((والذي نفسي بيده، ما أُرسلت إليكم إلا بالذبح))، فقال له أبو جهل: يا محمّد، ما كنت جهولاً، فقال: ((أنت منهم)). (وخنقوه خنقًا) بفتح الخاء وكسر النون وتسكن للتخفيف؛ كما في المصباح (شديدًا) قويًّا ونسبه إليهم مع أن الفعل من عقبة فقط، كما في البخاري الآتية على الأثر لإقرارهم عليه ومعاونتهم له إن لم نقل بتعدّد القصّة. (فقام أبو بكر دونه فجذبوا رأسه ولحيته معَّه) وسقطت ٤٦٩ الإجهار بدعوته أم أذيته ێ. حتى سقط أكثر شعره، فقام أبو بكر دونه وهو يقول: اتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله. وقال ابن عمرو - كما في البخاري -: بينا رسول الله عَ لّه بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله عَّم فلف ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فجاء أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله عَّيهِ. وفي رواية ثم قال: ﴿أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله﴾ [غافر/٢٨]. وقد ذكر العلماء، الصلاة في نسخة (حتى سقط أكثر شعره، فقام أبو بكر دونه، وهو يبكي و(يقول: أتقتلون رجلاً) لأجل (أَن يقول ربّي اللَّه !! ) فقال عَّ لهُ: ((دعهم يا أبا بكر، فوالذي نفسي بيده، إني بعثت إليهم بالذبح))، ففرجوا عنه عليه السلام. (وقال) عبد اللَّه (بن عمرو) بفتح العين ابن العاصي الصحابي ابن الصحابي (كما في البخاري) في مناقب أبي بكر، وفي باب ما لقي النبيّ عَّه من المشركين بمكّة عن عروة بن الزبير، قال: سألت ابن عمرو بن العاصي، قلت: أخبرني بأشدّ شيء صنعه المشركون بالنبيّ ێ، قال: (بينا) بلا ميم، وفي رواية بالميم (رسول اللَّه عَّ بفناء الكعبة) لفظ البخاري في الباب المذكور: يصلّي في حجر الكعبة، (إذ أقبل عقبة بن أبي معيط. فأخذ بمنكب النبيّ عَّهِ فلفّ ثوبه) أي: ثوب النبيّ عَّهِ (في عنقه) الشريف (فخنقه) بفتح النون (خنقاً) بكسرها وتسكن (شديدًا فجاء أبو بكر فأخذ بمنكبه) أي: بمنكب عقبة بفتح الميم وكسر الكاف (ودفعه عن رسول اللَّه عَّة) زاد ابن إسحق: وهو يبكي، ثم جزم عبد الله بأن هذا أشدّ ما صنعه المشركون بالمصطفى يخالف ما في البخاري عن عائشة، قلت: هل أتى عليك يوم أشدّ من أَحُد؟ قال: لقد لقيت من قومك، فذكر قصّته بالطائف مع ثقيف لمّا ذهبٍ إليهم بعد موت أبي طالب ويأتي الحديث في محلّه. قال الحافظ: والجمع بينهما أن عبد اللَّه استند إلى ما رآه ولم يكن حاضرًا للقصّة التي وقعت بالطائف. (وفي رواية) للبخاري أيضًا (ثم قال:) الصدّيق (﴿أتقتلون رجلاً﴾) [غافر: ٢٨] كراهية لـ (﴿أن يقول ربّي اللَّه﴾) بقيّة الرواية في الباب الآتي، وفي المناقب: ﴿وقد جاءكم بالبينات من ربكم﴾ [غافر: ٢٨] استفهام إنكاري، وفي الكلاكم ما يدلّ على حسن هذا الإنكار؛ لأنه ما زاد على أن قال: ربّي اللَّه وجاء بالبينات، وذلك لا يوجب القتل البتّة. (وقد ذكر العلماء) وفي شرحه للبخاري بعضهم فكان أصله لبعضهم وسكت الباقون ٤٧٠ الإجهار بدعوته أم أذيته عداه. أن أبا بكر أفضل من مؤمن آل فرعون، لأن ذاك اقتصر حيث انتصر على اللسان، وأما أبو بكر رضي الله عنه فأتبع اللسان يدًا، ونصر بالقول والفعل محمدًاً عَّ له. وفي رواية البخاري أيضًا: ((كان عليه الصلاة والسلام يصلى عند الكعبة، وجمع من قريش في مجالسهم، إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي، عليه، فنسب للعلماء (أن أبا بكر أفضل من مؤمن آل فرعون) رجل من أقاربه، وقيل: غريب بينهم يظهر دينهم خوفًا منهم وهو مؤمن باطنًا، قال الحافظ: اختلف في اسمه، فقيل: هو يوشع بن نون وهو بعيد؛ لأنه من ذرّية يوسف لا من آل فرعون، وقد قيل: إن قوله من آل فرعون متعلّق بيكتم إيمانه والصحيح أنه من آل فرعون، قال الطبري: لأنه لو كان من بني إسرائيل لم يصغ إليه فرعون ولم يسمعه، وقيل: اسمه شمعان بالشين المعجمة، وصحّحه السهيلي، وقيل: حيزر، وقيل: خرييل، وقيل: جالوت، وقيل: حبيب ابن عم فرعون، وقيل: حبيب النجّار وهو غلط، وقيل: خونكه بن سود بن أسلم بن قضاعة، اهـ باختصار. (لأن ذاك اقتصر حين انتصر) لموسى حين أراد فرعون قتله، (على اللسان) فقال: ﴿أتقتلون رجلاً﴾ [غافر: ٢٨] الآية. (وأمَّا أبو بكر رضي الله عنه، فاتّبع اللسان يدًا ونصر بالقول والفعل محمّدًا عٍَّ) والمراد أن هذا من جملة ما فضّل به أبو بكر، لا أن فضله إنما جاء من هذه الحيثية ضرورة أن الحكم يدور مع العلّة كذا أفاده بعض شيوخنا، وأصل هذا المنسوب للعلماء جاء عن عليّ كرّم اللَّهُ وجهه بمعناه، فقد روى البزار وأبو نعيم من رواية محمّد بن عليّ عن أبيه: أنه خطب، فقال: من أشجع الناس؟ قالوا: أنت، قال: أمَّا إني ما بارزني أحد إلا انتصفت منه، ولكنّه أبو بكر لقد رأيت رسول اللَّه عَّ أخذته قريش فهذا يجؤّه وهذا يتلببه، ويقولون: أنت جعلت الآلهة إلهًا واحدًا، فوالله ما دنا منّا أحد إلا أبو بكر يضرب هذا، ويدفع هذا، ويقول: ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول رِي اللَّه، ثم بكى عليّ ثم قال: أنشدكم باللّه أمؤمن من آل فرعون أفضل أم أبو بكر، فسكت القوم، فقال علي: واللَّه لساعة من أبي بكر خير من مثل مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه وهذا أعلن إيمانه. (وفي رواية البخاري أيضًا) في الطهارة والصلاة والجزية والجهاد والمغازي، والمذكور هنا لفظه في الصّلاة عن عبد الله يعني ابن مسعود، (كان عليه الصّلاة والسّلام) نقل بالمعنى، فلفظه: بينما رسول اللَّه عَّلِ قائم (يصلّي عند الكعبة وجمع من قريش في مجالسهم، إذ قال قائل منهم) هو أبو جهل؛ كما في مسلم. وفي رواية: قالوا: ولا منافاة لجواز أنه قاله ابتداء وتبعوه عليه، (ألا تنظرون إلى هذا المرائي) ٤٧١ الإجهار بدعوته أم أذيته معَّ. أيكم يقوم إلى جزور آل فلان، فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها، فيجيء به ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه، فانبعث أشقاهم، فلما سجد عليه السلام وضعه بين كتفيه، وثبت النبي عَّهِ ساجدًا، وضحكوا حتى مال بعضهم على بعض من الضحك، فانطلق منطلق إلى فاطمة وهي جويرية، فأقبلت تسعى، وثبت النبي عليه ساجدًا حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبهم، يتعبِّد في الملأ دون الخلوة (أيّكم يقوم إلى جزور) بفتح الجيم وضم الزاي يقع على الذكر والأنثى، وفي الفائق الجزور بفتح الجيم قبل النحر فإذا نحر، قيل: جزور بالضم (آل فلان) زاد مسلم: وقد نحرت جزور بالأمس، (فيعمد) بكسر الميم وتفتح مرفوع عطفًا على يقوم، وفي رواية بالنصب جوابًا للاستفهام، (إلى فرثها) بفتح الفاء وسكون الراء ومثلثة: ما في كرشها، (ودمها وسلاها) بفتح المهملة والقصر: وعاء جنين البهيمة كالمشيمة للآدميات، وبه يعلم أن الجزور كانت أنثى، قال في المحكم: ويقال الآدميات أيضًا سلى، (فيجيء به ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه، فانبعث أشقاهم) وفي رواية الطهارة: أشقى القوم به، وبه يفسّر هذا الضمير وهو عقبة بن أبي معيط؛ كما في الصحيحين، أي: بعثته نفسه الخبيثة من دونهم فأسرع السير، وإنما كان أشقاهم مع أن فيهم أبا جهل وهو أشدّ كفرًا وإيذاء للمصطفى منه لاشتراكهم في الكفر والرضا، وانفراد عقبة بالمباشرة ولذا قتلوا في الحرب وقتل هو صبرًا، وحكى ابن التين عن الداودي أنه أبو جهل، فإن صحّ احتمال أنَّ عقبة لمّا انبعث حمل أبا جهل شدّة كفره فانبعث على أثره، والذي جاء به عقبة. وفي رواية: فانبعث أشقى قوم بالتنكير وفيه مبالغة ليست في المعرفة؛ لأن معناه أشقى كل قوم من أقوام الدنيا، قال الحافظ: لكن المقام يقتضي التعريف؛ لأن الشقاء هنا بالنسبة إلى أولئك القوم فقط. (فلمَّا سجد عليه السّلام وضعه بين كتفيه، وثبت النبيّ عَّهِ ساجدًا) لا يرفع رأسه، كما في رواية (وضحكوا حتى مال بعضهم على) وفي رواية: إلى (بعض من الضحك) استهزاء لعنهم الله (فانطلق منطلق) قال الحافظ: يحتمل أن يكون هو ابن مسعود، انتهى. أي: وأبهم نفسه لغرض صحيح ولا ينافيه رواية فهبنا أن نلقيه عنه لما لا يخفى. (إلى فاطمة) بنته سيّدة نساء هذه الأُمّة ذات المناقب الجمّة، (وهي) يومئذ (جويرية صغيرة) السن؛ لأنها ولدت سنة إحدى وأربعين من مولد أبيها عٍَّ على الصحيح، (فأقبلت تسعى وثبت النبيّ عَّ ساجداً حتى ألقته) أي: الذي وضعوه، (عنه وأقبلت عليهم تسبّهم) وفي رواية للشيخين: ودعت على من صنع ذلك زاد البزار فلم يردوا عليها شيئاً، قال: في الفتح وفيه قوة نفس فاطمة الزهراء من صغرها لشرفها في قومها ونفسها لكونها صرحت بشتمهم وهم رؤوس ٤٧٢ الإجهار بدعوته أم أذيته عَباله. فلما قضى رسول الله عَ ليه الصلاة قال: اللهم عليك بقريش، ثم سمى فقال: اللهم عليك بعمرو بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، قريش، فلم يردوا عليها (فلمَّا قضى رسول اللَّهُ عَِّ الصلاة، قال: ((اللَّهمَّ عليك بقريش،؛ اللَّهِمَّ عليك بقريش، اللَّهمّ عليك بقريش))، هكذا كرّره البخاري في الصلاة لفظًا، وذكره في غيره بلفظ: ((اللَّهم عليك بقريش))، ثلاث مرات. وفي رواية مسلم: وكان إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا، والمراد بإهلاك كفارهم على حذف المضاف أو الصفة بقريش الكفار أو من سني منهم بعد فهو عام أُريد به الخصوص. وفي البخاري: فشقّ عليهم إذ دعا عليهم، وفي مسلم: فلمَّا سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته، وصريح الحديث إن الدعاء بعد الفراغ من الصلاة، وفي رواية: فسمعته يقول وهو قائم يصلّي: ((اللّهمّ اشدد وطأتك على مضر سنين كسني يوسف))، فيمكن إنه دعا به في الصلاة وبعدها، وهذا خير من تجويز أن معنى قضى صلاته قارب الفراغ منها، وقوله: وهو قائم ثابت في صلاته وإن لم يكن في خصوص القيام؛ لأن فيه مع تعسّفه إخراج المتبادر من لفظ كل من الحديثين مع إمكان الجمع بدون ذلك. (ثم سمّي) أي: عيّ في دعائه وفصِل من أجمل (فقال: اللَّهمّ عليك بعمرو بن هشام) المخزومي الأحوال المأبون فرعون هذه الأمّة كنته العرب بأبي الحكم وكناه الشارع بأبي جهل، ذكره غير واحد، وللبخاري أيضًا: ((اللَّهمّ عليك بأبي جهل))، قال الحافظ: فلعلْه سمّاه وكتّاه. (وعتبة بن ربيعة و)أخيه (شيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة) بن ربيعة ثاني المذكورين، قال الحافظ: لم تختلف الروايات في أنه بعين مهملة بعدها مثناة ساكنة، ثم موحّدة لكن عند مسلم من رواية زكريا بالقاف بدل المثناة وهو وهم قديم نبّه عليه ابن سفين الراوي عن مسلم، اهـ. قيل: وسبب الوهم أن الوليد بن عقبة بالقاف لم يكن حينئذ موجودًا، أو كان صغيرًا جدًا، قال في النور: ويوضح فساده أن الزبير وغيره من علماء السّير والخبر ذكروا أن الوليد وعمارة ابني عقبة خرجا ليردًّا أختها عن الهجرة بعد الحديبية ولا خلاف أن قوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق﴾ [الحجرات: ٦] نزلت فيه، فالظاهر إنه كان كبيرًا؛ كما قال بعضهم، انتهى. يعني: فهو وهم بلا سبب. (وأُميّة بن خلف) وفي بعض روايات البخاري: أُبيّ بن خلف، قال في الفتح: وهو وهم، والصواب: وهو ما أطبق عليه أصحاب المغازي أُميّة؛ لأنه المقتول ببدر. وأمَّا أخوه أَبيّ فإنما قتل بأحد، (وعقبة بن أبي معيط) أشقى القوم واسم والده أبان بن أبي عمرو واسمه ذكوان بن أميّة بن ٤٧٣ الإجهار بدعوته أم أذيته عليه. وعمارة بن الوليد. قال عبد الله: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب، قليب بدر، ثم قال رسول الله عَّ بله: ((وأتبع أصحاب القليب لعنة)). عبد شمس، (وعمارة) بضمّ العين وخفّة الميم (ابن الوليد) هكذا رواه البخاري في الصلاة جزما من طريق إسرائيل عن أبي إسحق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله، ورواه في الوضوء من رواية إسحق وشعبة عن أبي إسحق عن عمرو عن ابن مسعود، بلفظ: وعدّ السابع فلم يحفظه. ولمسلم من رواية الثوري، قال أبو إسحق: ونسيت السابع، قال الحافظ: ففيه أن فاعل عدّ عمرو بن ميمون، ولم يحفظه أبو إسحق خلاف ترديد الكرماني في فاعل عدّ بين النبيّ وأبن مسعود، وفاعل فلم يحفظه بين ابن مسعود وعمرو بن ميمون على أن أبا إسحق تذكره مرة؛ كما عند البخاري في الصلاة وسماع إسرائيل منه في غاية الإتقان للزومه إياه؛ لأنه جده وكان خصيصًا به. قال ابن مهدي: ما فاتني الذي فاتني من حديث الثوري عن أبي إسحق إلا اتكالاً على إسرائيل؛ لأنه يأتي به أتمّ. وقال إسرائيل: كنت أحفظ حديث أبي إسحق، كما أحفظ سورة الحمد، انتهى ملخّصًا. (قال عبد اللَّه) بن مسعود (فوالله لقد رأيتهم) وفي رواية: فوالذي نفسي بيده، لقد رأيت الذين عدّ رسول اللَّه عَّ (صرعى) موتى مطروحين على الأرض، (يوم بدر ثم سحبوا) أي: جروا، (إلى القليب) بفتح القاف وكسر اللام البثر قبل أن تطوى، أي: تبنى بالحجارة ونحوها أو العادية القديمة التي لا يعرف صاحبها، (قليب بدر) الرواية بالجر على البدل ويجوز الرفع بتقدير هو والنصب بأعنى، كما أفاده المصنّف وغيره. قال العلماء: وإنما أمر بإلقائهم فيه لئلا يتأذِّى الناس بريحهم، وإلا فالحربي لا يجب دفنه، والظاهر أن البتر لم يكن فيها ماء معين، قاله الحافظ. قال المصنّف وتحقيرًا لشأنهم، (ثم قال رسول اللَّه عَل: (واتبع أصحاب القليب لعنة) بضم الهمزة ورفع أصحاب أخبار منه عَّله بعد إلقائهم في القليب بأنّ اللَّه أتبعهم، أي: كما إنهم مقتولون في الدنيا فهم مطرودون في الآخرة عن رحمة اللَّه، ورواه أبو ذرّ بفتح الهمزة وكسر الموحّدة ونصب أصحاب عطفًا على عليك بقريش؛ كأنه قال: أهلكهم في حياتهم وأتبعهم اللعنة في مماتهم، وهذا الحديث أخرجه أيضًا مسلم والنسائي والبزار وغيرهم. قال الحافظ رحمه الله: وفيه جواز الدعاء على الظالم، لكن قال بعضهم: محلّه إذا كان كافرًا، فأمَّا المسلم فيستحبّ الاستغفار له والدعاء بالتوبة، ولو قيل: لا دلالة فيه على الدعاء على الكافر ما بعد؛ لاحتمال اطّلاعه عَّه على أن المذكورين لا يؤمنون، والأولى أن يدعى لكل أحد بالهداية، وفيه حلمه عَّآ عمن آذاه. ٤٧٤ أحكام فقيهة واستدل بهذا الحديث: على أن من عرض له في صلاته ما يمنع انعقادها ابتداء لا تبطل صلاته، فلو كانت نجاسة فأزالها في الحال، ولا أثر لها صحت صلاته اتفاقًا. واستدل به أيضًا: على طهارة فرث ما يؤكل لحمه، وعلى أن إزالة النجاسة ليست بفرض، وهو ضعيف. وأجاب النووي: بأنه عليه السلام لم يعلم ما وضع على ظهره، فاستمر في سجوده، استصحابًا لأصل الطهارة. ففي رواية الطيالسي عن ابن مسعود: لم أره دعا عليهم إلا يومئذ وإنما استحقوا الدعاء حينئذ لما قدموا عليه من الاستخفاف به حال عبادة ربّه، وفيه استحباب الدعاء ثلاثًا، وغير ذلك. (واستدلّ بهذا الحديث على أن من عرض له في صلاته ما يمنع انعقادها ابتداء؛) لأن من شروطها طهارة الخبث عند الأكثرين، (لا تبطل صلاته، فلو كانت نجاسة فأزالها في الحال) أو لم تستقرّ عليه (ولا أثر لها، صحّت صلاته اتّفاقًا) وقال الخطابي: لم يكن إذ ذاك حكم بنجاسة ما أُلقي عليه كالخمر، فإنهم كانوا يلاقون بثيابهم وأبدانهم الخمر قبل نزول التحريم، وردّه ابن بطال بأنه لا شكّ أنها كانت بعد نزول قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهّر﴾ [المدثر: ٤]؛ لأنها أوّل ما نزل قبل كل صلاة، اللَّهمّ إلا أن يقال المراد بها طهارة القلب ونزاهة النفس عن الدنايا والآثام. (واستدلّ به أيضًا على طهارة فرث ما يؤكل لحمه) وتعقّب: بأن الفرث لم يفرد بل كان مع الدم؛ كما في رواية إسرائيل والدم نجس اتّفاقًا، وأُجيب بأن الفرث والدم كانا داخل السلى، وجلدة السلى الظاهرة طاهرة فكان كحمل القارورة المرصصة وردّ بأنها ذبيحة عبدة أوثان، فجميع أجزائها نجسة؛ لأنها ميتة، وأُجيب بأن ذلك كان قبل التعبّد بتحريم ذبائحهم وتعقّب بأنه يحتاج إلى تاريخ ولا يكفي فيه الاحتمال. (و)استدلّ به أيضًا (على أن إزالة النجاسة ليست بفرض) بل سنّة، (وهو) أي: الاستدلال (ضعيف ) لأنها قضية عين مع احتمال كون النجاسة داخل الجلدة، (وأجاب النووي) قائلاً: إنه الجواب المرضي، (بأنه عليه السلام لم يعلم ما وضع على ظهره، فاستمرّ في سجوده استصحابًا لأصل الطهارة) ولا يردّ عليه إنه كان عَّه يرى من خلفه كما ينظر أمامه؛ لجواز أن هذه الخصوصية إنما كانت بعد هذه الواقعة، ولكن تعقّب بأنه يدلّ على علمه بما وضع عليه إن ٤٧٥ أحكام فقيهة وتعقب: بأنه مشكل على قولنا بوجوب الإعادة، في مثل هذه الصورة. وأجيب عنه: بأن الإعادة إنما تجب في الفريضة، فإن ثبت أنها فريضة فالوقت متسع فلعله أعاد. وتعقب: بأنه لو أعاد لنقل، ولم ينقل، وبأن الله لا يقره على صلاة فاسدة. وقد استشكل بعضهم عد عمارة بن الوليد في المذكورين، لأنه لم يقتل بيدر، بل ذكر أصحاب المغازي: أنه مات بأرض الحبشة، وله قصة مع النجاشي، إذ تعرض لامرأته فأمر النجاشي ساحرًا فنفخ في احليل عمارة من سحره فتوحش، وصار مع البهائم فاطمة ذهبت به قبل أن يرفع رأسه، وعقب هو في صلاته بالدعاء عليهم. (وتعقّب) أيضًا (بأنه مشكل على قولنا بوجوب الإعادة في مثل هذه الصورة) على الصحيح، (وأُجيب عنه بأن الإعادة إنما تجب في الفريضة) فلعلّ صلاته كانت نافلة، (فإن ثبت أنها فريضة فالوقت متّسع، فلعلّه أعاد) صلاته (وتعقّب بأنه لو أعاد لنقل ولم ينقل وبأن اللَّه لا يقرّه على صلاة فاسدة) وقد خلع نعليه وهو في الصلاة لما أخبره جبريل إن فيهما قذرًا، ويمكن الانفصال عنه هنا بأنه أقرّه لمصلحة إغاظة الكفّار بإظهار ثباته وعدم التفاته إلى فعلهم؛ كما أقرّ على السلام من ركعتين لتشريع عدم بطلانها بالسلام سهوًا. (وقد استشكل بعضهم عدّ عمارة بن الوليد في المذكورين؛ لأنه لم يقتل ببدر بل ذكر أصحاب المغازي أنه مات بأرض الحبشة وله قصّة مع النجاشي، إذ تعرّض لامرأته فأمر النجاشي ساحرًا فنفخ في إحليل) مجرى بول (عمارة من سحره عقوبة له فتوحش وصار مع البهائم،) وذلك كما ذكره أبو الفرج الأمويّ الأصبهاني وغيره أن المسلمين لمّا هاجروا الهجرة الثانية إلى الحبشة بعثت قريش عمرًا وعمارة إلى النجاشي بهدية، فألقى اللَّه بينهما العداوة في مسيرهما؛ لأن عمرو كان دميمًا ومعه امرأته وعمارة جميلاً، فهوى امرأة عمرو وهويته فعزما على دفع عمرو في البحر فدفعاه فسبح ونادى أصحاب السفينة فأخذوه فرفعوه إليها فأضمرها في نفسه ولم يبدها لعمارة، بل قال لامرأته: قبلي ابن عمّك عمارة لتطيب نفسه، فلما أتيا الحبشة وردّهما اللَّه خائبين مكر عمرو بعمارة، فقال له: أنت جميل والنساء يحببن الجمال، فتعرّض لامرأة النجاشي فلعلّها أن تشفع لنا عنده في قضاء حاجتنا ففعل وتكرّر تردّده إليها وأخذ من عطرها فأتى عمرو للنجاشي، فأخبره فأدركته عزّة الملك، وقال: لولا أنه جاري لقتلته، ولكن سأفعل به ما هو شرّ من القتل، فأمر الساحرات فنفحن في إحليله نفحة طار منها هائمًا على وجهه حتى ٤٧٦ أحكام فقيهة إلى أن مات في خلافة عمر. وأجيب: بأن كلام ابن مسعود - أنه رآهم صرعى في القليب - محمول على الأكثر، ويدل عليه: أن عقبة بن أبي معيط لم يصرع في القليب، وإنما قتل صبرًا بعد أن رحلوا عن بدر بمرحلة. وأمية بن خلف لم يطرح في القليب، كما هو بل مقطعًا كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقوله: ثم قال رسول الله عَّله: وأتبع أصحاب القليب لعنة، يحتمل أن يكون من تمام الدعاء الماضي، فيكون فيه علم عظيم من أعلام النبوة لحق بالوحوش في الجبال، وكان إذا رأى آدميًّا ينفر منه. (إلى أن مات في خلافة عمر) لمّا جاءه ابن عمّه عبد الله بن أبي ربيعة الصحابي بعد أن استأذن عمربن الخطاب في السير إليه لعلّه يجده، فأذن له فسار إلى الحبشة فأكثر الفحص عنه حتى أخبر أنه في جبل يرد مع الوحوش ويصدر معها فسار إليه حتى كمن له في طريقه إلى الماء، فإذا هو قد غطاه شعره وطالت أظفاره وتمزّقت عليه ثيابه حتى كأنه شيطان، فقبض عليه وجعل يذكره بالرحم ويستعطفه وهو ينتفض منه ويقول: أرسلني أرسلني حتى مات بين يديه، ذكره أيضًا أبو الفرج في كتاب الأغاني، وكان عمرو قال يخاطب عمارة: إذا المرء لم يترك طعامًا يحبّه ولم ينه قلبًا غاويًا حيث يمّما قضى وطرًا منها وغادر سبة إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما (وأُجيب بأن كلام ابن مسعود أنه رآهم صرعى في القليب محمولٍ على الأكثر، ويدلّ عليه أن عقبة بن أبي معيط لم يصرع في القليب؛) لأنه لم يقتل ببدر بل أُسِر، (وإنما قتل) أي: قتل عاصم بن ثابت، أو عليّ بأمر النبيّ عَّهِ (صبرًا) أي: بعد حبسه. ففي المصباح كل ذي روح يوثق حتى يقتل، فقد قتل صبرًا، (بعد أن) أسروا (رحلوا عن بدر مرحلة) بمحل يقال له: عرق الظبية، (وأميّة بن خلف لم يطرح في القليب كما هو بل مقطّعًا) فإنه كان رجلاً بادنًا قبل أن يبلغ به إليه؛ (كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى) في غزوة بدر، وفي ذكره تبعًا للفتح أُميّة شيء؛ لأن كلام ابن مسعود يصدق على أنه رآه ولو مقطِّعًا إذ لم يقل رأيتهم فيه بلا تقطيع، (وقوله: ثم قال رسول اللَّه عَّله: ((واتبع أصحاب القليب لعنة))، يحتمل أن يكون من تمام الدعاء الماضي) فيكون عطفًا على قوله: عليك بقريش، (فيكون فيه علم عظيم من أعلام النبوة) هو أنه اطّلع على أنهم سيلقون في القليب، وأخبر بذلك في ضمن دعائه، وجاء كما قال، وهذا على رواية أبي ذرّ أتبع بفتح الهمزة وكسر الموحّدة ونصب أصحاب. ٤٧٧ اسلام حمزة ويحتمل أن يكون قاله عَّه بعد أن ألقوا في القليب. [إسلام حمزة] ثم أسلم حمزة بن عبد المطلب، وكان أعز فتى في قريش، وأشد شكيمة، وكان إسلامه - فيما قاله العتقي - سنة ست، (ويحتمل أن يكون قاله عَّه بعد أن ألقوا في القليب) فيكون إخبارًا بأن اللَّه أتبعهم، وهذا على رواية الباقين: أتبع بالبناء للمفعول. إسلام حمزة (ثم أسلم حمزة بن عبد المطّلب) سيّد الشهداء أسد اللَّه وأسد رسوله خير أعمام المصطفى وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة؛ كما في الصحيح، ولا يشكل بأنه أسنّ من النبيّ عَ له بسنتينٍ أو أربع؛ لأنها أرضعتهما في زمانين؛ كما قال البلاذري، وقريبه من أُمّه أيضًا؛ لأن أَمّه هالة بنت أُهيب بن عبد مناف بن زهرة عمّ آمنة أُمّ النبيّ عَّه، يكنى أبا عمارة بضم العين بابن له من امرأة من بني النجّار، وقيل: هي بنت له كنّي بها، وقيل: كنيته أبو يعلى وقدمه بعضهم. قال السهيلي: ولم يعش لحمزة ولد غير يعلى وأعقب خمسة بنين ثم انقرض عقبهم، فيما ذكر مصعب. (وكان) كما قال ابن إسحق (أعزّ فتى) أي: أقوى شابٌ، (في قريش وأشدّه) أي: أشدّ فتى، والمراد به الجنس؛ لأن اسم التفضيل بعض ما يضاف إليه فلا بدّ من حمل فتى على ما يشمله وغيره ليكون الأعزّ والأشدّ واحدًا منهم، (شكيمة) بفتح المعجمة وكسر الكاف، يقال؛ كما في الصحاح وغيره لمن كان عزيز النفس: أبِيًّا قوياً، وأصله من شكيمة اللجام الحديدة المعترضة في فم الفرس التي فيها الفاس، ويقال: شكيم أيضًا، والجمع شكائم. (وكان إسلامه فيما قاله العتق) وابن الجوزي (سنة ستّ) من النبوّة، وقيل: في السنة الثانية بالنون، قطع به في الإصابة، وصدر به في الاستيعاب، وتبعه المصنّف في ذكر الأعمام وسببه أن أبا جهل آذى النبيّ عَّه وبالغ في تنقيصه وما جاء به عند الصفاء كما لابن إسحق ولغيره عند الحجون ولا مانع من تكرّره، فأخبرته مولاة ابن جدعان؛ كما عند ابن إسحق ولغيره صفيّة أُخته، ولا منافاة فعند ابن أبي حاتم: فأخبره امرأتان فغضب حمزة لما أراد اللَّه من إكرامه فجاء المسجد فعلا رأس اللعين بقوسه فشّه شجّة منكرة وقال: أتشتمه وأنا على دينه، فردّ ذلك علي إن استطعت، فقام رجال من بني مخزوم لنصره، فقال: دعوا أبا عمارة، فإني والله لقد سببت ابن أخيه سبًّا قبيحًا، وعند ابن أبي حاتم: فقال حمزة: ديني دين محمّد، إن كنتم صادقين ٤٧٨ اسلام حمزة فعزَّ به رسول الله عَّ، وكفت عنه قريش قليلاً، وقال حمزة حين أسلم: حمدت الله حين هدى فؤادي إلى الإسلام والدين الحنيف لدين جاء من رب عزيز خبير بالعباد بهم لطيف فامنعوني، فوثبت إليه قريش، فقالوا: يا أبا يعلى، يا أبا يعلى، أيّ ما هذا الذي تصنع؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية﴾ [الفتح: ٢٦]، إلى قوله: ﴿وألزمهم كلمة التقوى﴾ [الفتح: ٢٦]، (فعزّ به رسول اللّه عَ ◌ّه وكفّت عنه قريش قليلاً) أي: بعض ما كانوا ينالون منه؛ كما عبّر به ابن إسحق لشدّته، وعلمهم أنه يمنعه، (وقال حمزة حين أسلم: حمدت اللَّه حين هدى فؤادي إلى) الثبات على (الإسلام) بعد تردّدي في البقاء عليه، فعند يونس بن بكير عن ابن إسحق: ثم رجع حمزة، أي: بعد إسلامه وشّه أبا جهل إلى بيته، فقال: أنت سيّد قريش اتّبعت هذا الصابىء وتركت دين آبائك للموت، خير لك بما صنعت، وقال: اللَّهمّ إن كان هذا رشدًا، فاجعل تصديقه في قلبي، وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجًا، فبات بليلة لم يبت مثلها من وسوسة الشيطان حتى أصبح فغدا إلى رسول اللَّه عَّه، فقال: يا ابن أخي، إني قد وقعت في أمر لا أعرف المخرج منه وإقامة مثلي على ما لا أدري أهو رشد أم لا؟ غي شديد، فحدّثني حديثًا فقد اشتهيت يا ابن أخي أن تحدّثني، فأقبل عَّهِ فذكّره ووعظه وخوّفه وبشّره، فألقى اللَّه في قلبه الإيمان بما قاله عَّله، فقال: أشهد أنك الصادق، فأظهر دينك، فوالله ما أحبّ أن لي ما ظلته السماء وأنا على ديني الأوّل، وتمّ حمزة إسلامه، وعلى ما بايع عليه النبيّ معَّه. (والدين الحنيف) عطف تفسير بجعل الإسلام نفس الأحكام أو مغاير يحمله على الانقياد الباطني والدين على الأحكام المشروعة، والمعنى: حمدت اللَّه حين دلّني على حقيقة هذا الدين، فانقدت إليه باطنًا وتلبّست به ظاهرًا فيكون جمع التصديق والإذعان والإقرار والانقياد الظاهري (لدين) بدل من قوله: إلى الإسلام، (جاء من ربّ عزيز) ممتنع لا يدرك ولا ينال أو غالب أو جليل القدر أو لا نظير له أو معزّ لغيره، وفي إتيانه بهذا اسم هنا لطافة ومناسبة ظاهرة للإيماء إلى أن المشركين وإن عاندوا وجحدوا مآلهم إلى الذلّ بالقتل والأسر، ومآل هذا الدين الحنيف إلى العزّة والظهور؛ لمجيئه من العزيز. (خبير بالعباد) مطّلع على حقيقة الشيء عالم به أو مخبر أنبياءه ورسله بكلامه المنزّل عليهم وعباده يوم القيامة بأعمالهم، إذ لا يعزب عن علمه شيء، وفي ذكره إيماء إلى أن سبّهم للمصطفى وإيذاءهم سينالون عقابه من الخبير (بهم) متعلّق بقوله: (لطيف) مقدّم عليه، أي: لطيف بعباده برّهم وفاجرهم، حيث لم يهلكهم جوعًا وعطشًا بمعاصيهمٍ، وفي ذكره رمز إلى أن المشركين لا يغترّوا بالنعم، وقد كذبوا المرسلين؛ لأن هذا من لطف اللَّه بهم في الدنيا ومتاعها ٤٧٩ اسلام حمزة إذا تليت رسائله علينا تحدر دمع ذي اللب الحصيف رسائل جاء أحمد من هداها بآيات مبينة الحروف وأحمد مصطفى فينا مطاع فلا تغشوه بالقول العنيف فلا والله نسلمه لقوم ولما نقض فيهم بالسيوف وعند مغلطاي: وسألوه - يعني: النبي عَّهِ - إن كنت تطلب الشرف فينا قليل، (إذا تليت رسائله) أي: أحكام الرب التي أمرنا بها (علينا) وستى ما جاء به من اللَّه رسالة؛ لأن جبريل بلّغه إيّاه عن اللَّه وأمره بتبليغه للناس، (تحدر) تساقط (دمع ذي اللّب) العقل (الحصيف) بحاء وصاد مهملتين، أي: الكامل المحكم لينًا إليها وتفكّرًا وفي أحكامها بعجيب النظم وبديع المعاني وتفصيلها بالأحكام والقصص والمواعظ، (رسائل جاء أحمد من) أجل (هداها) أي: الرشاد بها أو الدلالة عليها (بآيات) ظاهرة (مبينة الحروف) يعني القرءان، (وأحمد مصطفى) مختار من الخلق (فينا) متعلّق بقوله: (مطاع) أي: واجب الطاعة لما ظهر على يديه من الآيات، فلا عبرة بمخالفة المنكرين ولا اعتداد بها لظهور بطلانها، (فلا تغشوه) تغطّوا ما جاء به من الحقّ (بالقول العنيف) الباطل الموقع في المشقّة والتعب من العنف بالضم ضدّ الرفق، (فلا واللَّه نسلّمه لقوم) ولا نترك نصرته (ولما نقض) بالنون والبناء للفاعل: نحكم، (فيهم) أي: نستأصلهم قتلاً (بالسيوف) بل نقاتل دونه إلى منتهى الطاقة، وهذا أولى من قراءة يقضّ بتحتية مبنيًّا للمفعول، وبعده: ونترك منهم قتلى بقاع عليها الطير كالورد العكوف وقد خبرت ما صنعت ثقيف به فجزى القبائل من ثقيف إله الناس شرّ جزاء قوم ولا أسقاهمو صوب الخريف الورد بكسر الواو وسكون الراء العكوف بضم العين، أي: إن الطير مستديرة على القتلى كالقوم المجتمعين على الماء المستديرين حوله، (وعند مغلطاي) بضمّ الميم وسكون الغين، (وسألوه، يعني النبيّ عَّ له) حين أسلم حمزة ورأوا الصحابة يزيدون؛ كما أخرجه ابن إسحق عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما، وسمى السائلين أن عتبة وشيبة وابن حرب ورجلاً من بني عبد الدّار وأبا البختري والأسود بن المطّلب وزمعة والوليد بن المغيرة وأبا جهل وعبد اللَّه بن أبي أُميّة وأَميّة بن خلف والعاصي بن وائل ونبيها ومنتّهًا اجتمعوا، فقالوا: يا محمّد! ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعبت الدين وسفّهت الأحلام وشتمت الآلهة، فما من قبيح إلاّ وقد جلبته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا تطلب مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، و(إن كنت تطلب الشرف فينا، ٤٨٠ اسلام حمزة فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الأمر الذي يأتيك رئيًا قد غلب عليك بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر. فنحن نسّدك علينا) زاد في رواية: حتى لا نقطع أمرًا دونك، (وإن كنت تريد ملكًا ملّكناك علينا) فانظر إلى حمقهم وجهلهم رضوه ملكًا مع أن الغالب من الملوك التجبّر وسلب الأموال بغير حقّ، ولم يرضوا به نبيًّا رسولاً يدعوهم إلى الصراط المستقيم، ويوصلهم جنات النعيم. (وإن كان هذا الأمر الذي يأتيك رئيًّا قد غلب عليك بذلنا أموالنا في طلب الطبّ لك) مثّث الطاء العلاج في النفس والجسم؛ كما في النور والقاموس. (حتى نبرئك منه أو نعذر) بفتح النون وضمها من عذر واعذر، أي: يرتفع عنّا اللوم؛ كما في المصباح. وروى ابن أبي شيبة وغيره عن ابن عمر وأبو يعلى بسند جيّد عن جابر: اجتمع نفر من قريش يومًا، فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي فرّق جماعتنا وشّت أمرنا وعاب ديننا، فليكلّمه ولينظر ماذا يردّ عليه، قالوا: ما نعلم أحدًا غير عتبة بن ربيعة، وعند ابن إسحق والبيهقي وغيرهما عن محمّد بن كعب القرظي، قال: حدّثت أن عتبة قال يومًا، وكان جالسًا في نادي قريش وِالنبيّ معَّه جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمّد فأكلّمه وأعرض عليه أمورًا لعلّه يقبل بعضها فنعطيه أيّها شاء ويكف عنا، فقام حتى جلس إلى رسول اللَّه عَ له، فقال: يا ابن أخي، إنك منّا حيث قد علمت من السلطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم وسفّهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم؛ فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلّكِ تقبل منا بعضها، فقال عَّ: ((قل يا أبا الوليد أسمع))، قال: يا ابن أخي، إن كنت ... فذكر الأُمور الأربع، حتى إذا فرغ عتبة، ورسول اللَّه عَ لِ يسمع منه، قال له: ((أقد فرغت أبا الوليد))؟ قال: نعم، قال: ((فاسمع مني))، قال: افعل، قال عَّهِ: ((﴿بسم اللَّه الرحمن الرحيم حم، تنزيل من الرحمن الرحيم))) [فصلت: ١ - ٢]، إلى قوله ﴿مثل صاعقة عاد وثمود﴾ [فصلت: ١٣]، فأمسك عتبة على فيه وناشده الرحم أن يكف، ثم انتهى إلى السجدة سجد. ثم قال: ((قد سمعت أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك)) الحديث، في عدم رجوع عتبة لقومه وظنّهم إسلامه وذهابهم به وغضبه لذلك وحلفه لا يكلّم محمدًا أبدًا، وقال: قد علمتم أنه لا يكذب فخفت نزول العذاب عليكم، فأطيعوني واعتزلوه فإن يصبه غيركم كفيتموه، وإن ظهر فملكه ملككم وعزّه عزّكم، فقال: سحرك واللَّه يا أبا الوليد، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم، والظاهر: أن هذه القصة في مرة ثانية قبل مجيء عتبة مع الجماعة أو بعده فأجابه المصطفى بما ذكر.