النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ مراتب الوحي كما قال عَّهِ: إِن روح القدس نفث في روعي، لن تموت نفسي حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب الحديث رواه ابن أبي الدنيا الوحي بعلم ضروري أنه وحي لا مجرّد إلهام، كما خلق في جبريل أن المخاطب له الحقّ تعالى وأنه أمره بتبليغ من أراد، على نحو ما مرّ. (كما قال عَِّ: ((إن روح القدس نفث) بفاء مثلثة (في روعي) أي: ألقى الوحي في خلدي وبالي أو في نفسي أو قلبي أو عقلي من غير أن أسمعه ولا أراه، ومفعول نفث قوله: (لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها) الذي كتبه لها الملك وهي في بطن أُمّها، فلا وجه للوله والكدّ والتعب والحرص فإنه سبحانه قسم الرزق وقدّره لكل أحد بحسب إرادته لا يتقدّم ولا يتأخّر، ولا يزيد ولا ينقص، بحسب علمه القديم الأزلي، ﴿نحن قسّمنا بينهم معيشتهم﴾ [الزخرف: ٣٢] فلا يعارض هذا ما ورد الصبحة تمنع الرزق، والكذب ينقص الرزق، وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه وغير ذلك مما في معناه، أو إن الذي يمنعه وينقصه هو الحلال أو البركة فيه لا أصل الرزق، وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني وأبي نعيم: ((إن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها)). وفي حديث جابر عند ابن ماجه: ((أيّها الناس، اتّقُوا اللَّه وأجملوا في الطلب، فإن نفسًا لن تموت حتى تستوفي رزقها، وإن أبطأ عنها؛ فاتّقوا اللَّه وأجملوا في الطلب، خذوا ما حلّ ودعوا ما حرم). وقال عَظله: ((إن الرزق ليطلب أحدكم كما يطلبه أجله))، رواه البيهقي وغيره وقال عليه السلام: ((والذي بعثني بالحق إن الرزق ليطلب أحدكم كما يطلبه أجله)) رواه العسكري. وقال عَُّله: ((لا تستبطئوا الرزق فإنه لم يكن عبد يموت حتى يبلغ آخر الرزق، فأجملوا في الطلب))، رواه البيهقي وغيره. (فاتقوا اللَّه) أي: ثقوا بضمانه لكنه أمرنا تعبّدًا بطلبه من حلّه، فقال: (واجملوا في الطلب) بأن تطلبوه بالطرق الجميلة المحلّلة بلا كدّ ولا حرص ولا تهافت على الحرام والشبهات، أو غير منكّبين عليه مشتغلين عن الخالق الرازق به، أو بأن تعيّتوا وقتًا ولا قدرًا؛ لأنه تحكم على اللَّه أو ما فيه رضا اللَّه لا حظوظ الدنيا، أو لا تستعجلوا الإجابة وقد أبدى العلاّمة العارف ابن عطاء الله في التنوير في معناه وجوهًا عديدة هذه منها، وفي أن طلب نحو المغفرة يمنع تعيينه نظر، استظهر شيخنا المنع لجواز أنه تعالى يريد مغفرته على سبب لم يوجد وعلم أنه سيوجد، فطلب تعيينها تحكم. (الحديث) ، بقيته: ((ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية اللَّه، فإن اللَّه تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته). (رواه) بتمامه (ابن أبي الدنيا) عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفين بن قيس الأُموي ٤٢٢ مراتب الوحي في القناعة، وصححه الحاكم. والروع - بضم الراء- أي نفسي، وروح القدس: جبريل عليه السلام. مولاهم، أبو بكر البغدادي الحافظ صاحب التصانيف المشهورة المفيدة، وثّقه أبو حاتم وغيره،. مات سنة إحدى وثمانين ومائتين. (في) كتاب (القناعة) والحاكم من حديث ابن مسعود (وصحّحه الحاكم) من طرق، ورواه ابن ماجه عن جابر ومرّ لفظه، والطبراني وأبو نعيم في الحلية من حديث أبي أمامة الباهلي بنحوه. قال الطيبي: والاستبطاء بمعنى الإبطاء، والسين للمبالغة، وفيه: أن الرزق مقدّر مقسوم لا بدّ من وصوله إلى العبد لكنّه إذا سعى وطلب على وجه مشروع فهو حلال وإلا فحرامٍ، فقوله: ما عنده، إشارة إلى أن الرزق كله من عنده الحلال والحرام، وقوله: أن يطلبه بمعصية اللَّه، إشارة إلى أن ما عنده إذا طلب بها ستي حرامًا، وقوله: إلا بطاعته، إشارة إلى أن ما عنده إذا طلب بطاعته مدح وسي حلالاً، وفيه دليل ظاهر لأهل السنّة أن الحرام يسمّى رزقًا والكل من عند اللَّه خلافًا للمعتزلة، انتهى. وفيه: أن الطلب لا ينافي التوكّل. وأمّا حديث ابن ماجه والترمذي والحاكم وصحّحاه عن عمر رفعه: ((لو توكّلتم على اللَّه حق توكّله لرزقكم كما يزرق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا)، فقال الإمام أحمد: فيه ما يدلّ على الطلب لا القعود، أراد: لو توكّلوا على اللَّه في ذهابهم ومجيئهم وتصرّفهم وعلموا أن الخير بيده ومن عنده لم ينصرفوا إلا سالمين غانمين كالطير، لكنهم يعتمدون على قوتهم وكسبهم، وهذا خلاف التوكّل. وفي الإحياء أن أحمد قال في القائل: أجلس لا أعمل شيئًا حتى يأتيني رزقي: هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبيّ عَّله: (إن اللَّه جعل رزقي تحت ظلّ رمحي))، وقوله: ((تغدو خماصًا وتروح بطانً))، وكان الصحابة يتّجرون في البرّ والبحر ويعملون في نخيلهم، وبهم القدوة. (والروع بضم الراء) لا بفتحها؛ لأن معناه الفزع ولا دخل له هنا، ورعى لفظ الحديث، فقال: (أي نفسي) وإلا فالظاهر، والروع النفس فهو مجاز شبّه إلقاء جبريل بالنفث الذي هو دون التفل بالفوقية لعدم ظهوره، ولا ينافيه قول المصباح: نفث اللَّه الشيء في القلب: ألقاه؛ لأنه بيان للمعنى المجازي إذا أسند للَّه لاستحالة الحقيقة عليه، وهذا يقتضي أن المراد به غير القلب، قال شيخنا: والظاهر أن المراد بهما واحد، وهو محل الإدراك وقد يشعر به لفظ الحديث. (وروح القدس جبريل عليه السّلام) سمّي به لأنه يأتي بما فيه حياة القلوب، فإنه المتولّي لإنزال الكتب الإلهية التي بها تحيا الأرواح الربّانية والقلوب الجسمانيّة كالمبدأ لحياة القلب؛ كما أن الروح مبدأ لحياة الجسد، وأضيف إلى القدس لأنه مجبول على الطهارة والنزاهة من ٤٢٣ مراتب الوحي الثالثة: كان يتمثل له الملك رجلاً، فيخاطبه حتى يعى عنه ما يقول له، فقد كان يأتيه في صورة دحية الكلبي، رواه النسائي بسند صحيح من حديث ابن عمر. وكان دحية جميلاً وسيمًا، إذا قدم لتجارة خرجت الظعن لتراه. فإن قلت: إذا لقي جبريل النبي ◌َّه في صورة دحية، فأين تكون روحه؟ فإن كانت في الجسد الذي له ستمائة جناح، العيوب، وخصّ بذلك وإن كانت جميع الملائكة كذلك؛ لأن روحانيته أتمّ وأكمل، ذكره الإمام الرازي وعليه يحمل قول الشامي: سمّي به لأنه خلق من محض الطهارة. وقال الراغب: خصّ بذلك لاختصاصه بنزوله بالقدس من اللَّه، أي بما يطهّر به نفوسنا من القرءان والحكمة والفيض الإلهي. المرتبة (الثالثة) خطاب الملك له حين (كان يتمثل له الملك رجلاً فيخاطبه) ويديم خطابه (حتى يعي) أي: يفهم. (عنه ما يقول له) فحتى غائيّة، (فقد) ثبت أنه (كان يأتيه في صورة دحية) بكسر الدال وفتحها لغتان مشهورتان؛ كما في النور. واقتصر الجوهري على الكسر وقدّمه المجد. وفي التبصير اختلف في الراجحة منهما، وهو بلسان أهل اليمن رئيس الجند ابن خليفة بن فضالة بن فروة (الكلبي) شهد المشاهد كلّها بعد بدر. (رواه النسائي) أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني ثم المصري، الحافظ أحد الأئمة المبرزين والأعلام الطّافين والحفاظ المتقنين، حتى قال الذهبي: هو أحفظ من مسلم، مات سنة ثلاث وثلاثمائة. (بسند صحيح من حديث ابن عمر) وزعم أن مجيء جبريل على صورة دحية كان بعد بدر، إذ يبعد مجيئه على صورته قبل إسلامه ممنوع وسند أنه لا ضير في التمثّل بصورته لجمالها، وإن قبل إسلامه لعلم اللَّه أزلاً بأنه من السعداء وخير القرون، فكان يأتي على صفته، فلما رأى المصطفى دحية أخبر بأنه يأتيه في صورته، والأمور النقليّة لا دخل فيها للعقول. (وكان دحية جميلاً وسيمًا) أي: حسن الوجه، ولذا كان (إذا قدم لتجارة خرجت الظعن) بضم الظاء المعجمة والعين المهملة جمع ظعينة، سميت بذلك لأن زوجها يظعن بها (لتراه) وفي النور حكوا أنه كان إذا قدم من الشام لم تبقَ معصر إلا خرجت تنظر إليه، والمعصر: التي بلغت سن المحيض، (فإن قلت: إذا لقي جبريل النبيّ عَّ في صورة دحية) مثلاً والمراد في غير صورته التي خلق عليها (فأين تكون روحه فإن كانت في الجسد الذي له ستّمائة جناح) ٤٢٤ مراتب الوحي فالذي أتى لا روح جبريل ولا جسده، وإن كانت في هذا الذي هو في صورة دحية فهل يموت الجسد العظيم أم يبقى خاليًا من الروح المنتقلة عنه إلى الجسد المشبه بجسد دحية. فأجيب - كما ذكره العيني - بأنه لا يبعد أن لا يكون انتقالها موجبًا موته، فيبقى الجسد حيّا، لا ينقص من معارفه شىء، ويكون انتقال روحه إلى الجسد الثاني كانتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر، وموت الأجساد بمفارقة الأرواح ليس بواجب عقلاً، بل بعادة أجراها الله تعالى في بني آدم، فلا تلزم في غیرهم. انتھی. حقيقة من لؤلؤ، أخرجه ابن منده. وقول السهيلي: إنها في حقّهم صفة ملكيّة وقوّة روحانيّة، لا كأجنحة الطير. قال الحافظ: ممنوع فلا مانع من الحمل على الحقيقة إلا قياسه الغائب على المشاهد وهو ضعيف، وقال غيره: هذا التأويل لا يليق بالإمام السهيلي بل هو أشبه بكلام الفلاسفة والحشوية ولا ينكر الحقيقة إلا من ينكر وجود الملائكة. (فالذي أتى لا روح جبريل؛) لأن الفرض أنها في جسده الأصلي، (ولا جسده) لأنه لم يأتِ، (وإن كانت في هذا الجسد الذي هو صورة دحية) بقي جسده الأصلي بلا روح، (فهل يموت) ذلك (الجسد العظيم أم) لا يموت ولكن (يبقى خاليًا من الروح المنتقلة عنه إلى الجسد المشبّه بجسد دحية) ولا يلزم من انتقالها موت الجسد العظيم، (فأجيب) باختيار ما بعد أم؛ كما سيقرّره (كما ذكره العيني) بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى الحنفي ولد في رمضان سنة اثنتين وستّين وسبعمائة، وتفقّه واشتغل بالفنون وبرع وولي الحسبة مرارًا وقضاء الحنفية وغير ذلك، ومات في ذي الحجّة سنة خمس وخمسين وثمانمائة، وفي بناء أجيب للمفعول إشعار بأن الجواب ليس له بل نقله فقط، وهو كذلك، فقد نقله بمعناه عن العزّ الحافظ في الفتح ونقل السؤال بعينه، والجواب أصاحب الحبائك عنه، أي: الشيخ عز الدين بن عبد السلام. (بأنه لا يبعد أن يكون انتقالها موجبًا موته فيبقى الجسد حيّا لا ينقص من معارفه شيء ويكون انتقال روحه إلى الجسد الثاني كانتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر) مع المالها بقبورها، (وموت الأجساد بمفارقة الأرواح ليس بواجب عقلاً) لتجويزه ذهاب الروح، ولا ت الجسد (بل بعادة أجراها اللَّه تعالى في بني آدم، فلا تلزم في غيرهم، أنتهى.) ٤٢٥ مراتب الوحي الرابعة: كأن يأتيه في مثل صلصلة الجرس، وكان أشده عليه، وحاصله: أنه يزول الزائد دون فناء. وقال إمام الحرمين: معناه أن اللَّه أفنى الزائد من خلقه أو أزاله عنه ثم يعيده إليه بعده، والسرّاج البلقيني يجوز أن الآتي هو جبريل بشكله الأوّل إلا أنه انضمّ فصار على قدر هيئة الرجل ومثال ذلك القطن إذا جمع بعد نفشه، وهذا على سبيل التقريب. قال في فتح الباري: والحق أن تمثل الملك رجلاً ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلاً، بل معناه: أنه ظهر بتلك الصورة أنيسًا لمن يخاطبه. والظاهر: أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى بل يخفى على الرائي فقط، انتهى. وفي الحبائك أجاب العلاء القونوي بجواز أن خصّه بقوّة ملكية يتصرّف فيها بحيث تكون روحه في جسده الأصلي مدبّرة له ويتّصل أثرها بجسم آخر يصير حيًّا بما اتّصل به من ذلك الأثر، وقد قيل: إنما ستي الأبدال أبدالاً؛ لأنهم قد يرحلون إلى مكان ويقيمون في مكانهم شبحًا آخر شبيهًا بشبحهم الأصلي بدلاً عنهم، وأثبت الصوفيّة عالمًا متوسّطًا بين عالم الأجساد والأرواح سموه عالم المثال، وقالوا: أنه ألطف من عالم الأجساد وأكثف من عالم الأرواح وبنوا على ذلك تجسّد الأرواح وظهورها في صورة مختلفة من عالم المثال، وقد يستأنس لذلك بقوله تعالى: ﴿فتمثّل لها بشرًا سويًّا﴾ [مريم: ١٧]، ويجوز أن جسمه الأوّل بحاله لم يتغيّر وقد أقام شبحًا آخر وروحه متصرّفة فيهما جمعيًا في وقت واحد، قال: والجواب بأنه كان يندمج إلى أن يصغر حجمه فيصير بقدر دحية ثم يعود كهيئته الأولى تكلف، وما ذكره الصوفية أحسن. وقال القاضي أبو يعلي الحنبلي: لا قدرة للملائكة والجنّ على تغيير خلقهم والانتقال في الصورة، وإنما يجوز أن يعلّمهم اللَّه كلمات وضربًا من ضروب الأفعال إن فعلوه وتكلّموا به نقلهم اللَّه من صورة إلى صورة. الحالة (الرابعة: كان يأتيه) مخاطبًا له بصوت (في مثل) أي: صفة، (صلصلة) بمهملتين مفتوحين بينهما لام ساكنة، (الجرس) بجيم ومهملتين: الجلجل الذي يعلّق في رؤوس الدواب، قاله الحافظ والمصنّف. وقال الشامي: الجرس مثال يشبه الجلجل الذي يعلّقه الجهال في رؤوس الدواب، انتھی. قال في الفتح: والصلصلة المذكورة قيل صوت الملك بالوحي. وقال الخطابي: صوت متدارك يسمعه ولا يثبته أوّل ما يسمعه حتى يفهمه بعد، وقيل: صوت حفيف، أي: بمهملة وفاءين، دوي أجنحة الملك. والحكمة في تقدّمه أن يقرع سمعه الوحي، فلا يبقى فيه مكان لغيره. (وكان أشدّه عليه) لأنه يرد فيه من الطباع البشرية إلى الأوضاع الملكية، فيوحى إليه كما يوحى إلى الملائكة؛ كما ٤٢٦ مراتب الوحي يأتي في حديث أبي هريرة، ولأن الفهم من كلام مثل الصلصلة أثقل من كلام الرجل بالتخاطب المعهود، ودلّ اسم التفضیل علی أن الوحي کله شدید. قال الحافظ: وفائدة هذه الشدّة ما يترتب على المشقّة من زيادة الزلفى ورفع الدرجات، وقال شيخنا شيخ الإسلام، يعني البلقيني: سبب ذلك أن الكلام العظيم له مقدمات تؤذن بتعظيمه للاهتمام به؛ كما في حديث ابن عباس: وكان يعالج من التنزيل شدّة. وقال بعضهم: إنما كان شديدًا عليه ليستجمع قلبه فيكون أوعى لما سمع، وقيل: نزوله هكذا إذا نزلت آية وعيد، وفيه نظر. والظاهر: أنه لا يختصّ بالقرءان؛ كما في قصة المتضمّخ بالطيب بالحج، ففيه: أنه رَآهَ عَِّ حالة نزول الوحي عليه وأنه ليغطّ، فإن قيل صوت الجرس مذموم لصحة النهي عنه والتنفير من مرافقة ما هو معلّق فيه، والإعلام بأن الملائكة لا تصحبهم؛ كما في مسلم وأبي داود وغيرهما. والمحمود - وهو الوحي - هنا لا يشبه بالمذموم، إذ حقيقة التشبيه إلحاق ناقص بكامل، فالجواب: إنه لا يلزم من التشبيه تساوي المشبه بالمشبّه به في الصفات كلّها، بل ولا في أخصّ وصف له، بل يكفي اشتراكهما في صفة ما، والمقصود هنا بيان الجنس فذكر ما ألّف السامعون سماعه تقريبًا لإفهامهم. والحاصل؛ إن للصوت جهتين: جهة قوة وبها وقع التشبيه، وجهة طنين وبها وقع التنفير عنه وعلّل بكونه مزمار الشيطان، انتهى ببعض اختصار. وقال التوربشتي: لمَّا سئل عليه السّلام عن كيفية الوحي، وكان من المسائل العويصة التي لا يماط نقاب التغوّر عن وجهها لكلّ أحد، ضرب لها في الشاهد مثلاً بالصوت المتدارك الذي يسمع ولا يفهم منه شيء، تنبيهًا على أن إتيانها يرد على القلب في هيئة الجلال وأتهة الكبرياء، فتأخذ هيبة الخطاب حين ورودها بمجامع القلب، وتلاقي من ثقل القول ما لا علم له به مع وجود ذلك، فإذا سرّي عنه وجد القول المقول بينا ملقى في الروع واقعًا موقع المسموع، وهذا الضرب من الوحي شبيه بما يوحى إلى الملائكة على ما رواه أبو هريرة مرفوعًا ((إذا قضى اللَّه في السماء أمرًا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانّا))؛ لقوله: كأنها سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربّكم؟ قالوا: الحقّ وهو العليّ الكبير، انتھی. إذا هذا وقد روى أحمد والحاكم وصحّحه، والترمذي والنسائي عن عمر، قال: ((كان نزل عليه الوحي سمع عنده دوي كدويّ النحل ... )) الحديث، فأفهم قوله عنده أن ذلك بالنسبة للصحابة، ولذا قال الحافظ: إنه لا يعارض صلصلة الجرس؛ لأن سماع الدويّ بالنسبة للحاضرين، ٤٢٧ مراتب الوحي حتى أن جبينه ليتفصد عرقًا في اليوم الشديد البرد، حتى إن راحلته لتبرك به في الأرض، ولقد جاءه الوحي مرة كذلك وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليه حتى كادت ترضها. كما شبّهه عمر، والصلصلة بالنسبه إليه، كما شبّهه به عَّهِ بالنسبة إلى مقامه، انتهى. وجزم به في فتح القريب بأن سماعه كدوي النحل حين كان يتمثّل له رجلاً، انتهى. وبه تعلم الصفّة التي كان عليها حين خطابه بذلك الصوت. (حتى) ابتدائية غائية متعلّقة بمحذوف، أي: فتناوله مشقّة عظيمة حتى (إن) بكسر الهمزة (جبينه ليتفصد) بفاء وصاد مهملة مشدّدة، أي يسيل، (عرقًا) بفتح الراء والنصب على التمييز، شبّه جبينه بالعرق المقصود مبالغة في كثرة العرق من كثرة معاناة التعب والكرب عند نزوله لطروه على طبع البشر، وذلك ليبلو صبره فيرتاض لما كلّفه من أعباء النبوّة وقراءته بالقاف تصحيف، قاله العسكري وغيره. قال الدماميني: والجبين غير الجبهة وهو فوق الصدغ، والصدغ ما بين العين والأذن، فللإنسان جبينان يكتفيان الجبهة، والمراد والله أعلم أن جبينيه معًا يتفصّدان، وأفرده لجواز أنه يعاقب التثنية في كل اثنين بغنى أحدهما عن الآخر كالعينين والأذنين، تقول: عين حسنة، وتزيد عينينه معًا. (في اليوم الشديد البرد) قال المصنّف: الشديد صفة جرت على غير من هي له؛ لأنه صفة البرد لا اليوم. (حتى) الأولى بالواو كما في الشامية؛ لأنه عطف غاية على غاية لا غاية للغاية. (إن راحلته لتبرك) بضم الراء (به في) أي: على (الأرض) كما رواه البيهقي في الدلائل في حديث عائشة، بلفظ: ((وإن كان ليوحى إليه وهو على ناقته فتضرب جرانها من ثقل ما يوحى إليه)). (ولقد جاءه الوحي مرة كذلك وفخذه) بکسر الخاء وتسكن تخفيفًا، (على فخذ زيد بن ثابت) الأنصاري النجاري أحد كتاب الوحي ومن كان يفتي في العصر النبويّ، وروى أحمد بسند صحيح: ((أفرضكم زيد))، مات سنة اثنتين أو ثلاث أو خمس وأربعين. (فثقلت) بضم القاف (عليه، حتى كادت ترضّها) بفتح الفوقية وشدّ المعجمة تكسرها؛ كما رواه البخاري عن زيد: (أنزل اللَّه على رسوله وفخذه على فخذي فثقلت عليّ حتى خفت أن ترضّ فخذي)). لما ذكر ابن القيّم دليل المرتبتين الأوّلتين، وكانت الثالثة والرابعة غير محتاجين لذكر الدليل لشهرته في الصحيحين والموطأ عن عائشة: أن الحرث بن هشام سأل رسول اللَّه عَ لَّه: كيف يأتيك الوحي؟ فقال عَّله: ((أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّ عليّ، فيفصم عني، وقد وعيت عنه ما قال وأحيانًا يتمثّل لي الملك رجلاً فيكلّمني فأعي ما يقول))، قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصّد عرقًا، ٤٢٨ مراتب الوحي قلت: وروى الطبراني عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب الوحي لرسول الله عَّه، وكان إذا نزل عليه أخذته برحاء شديدة، وعرق عرقًا شديدًا مثل الجمان، ثم سري عنه. وكنت أكتب وهو يملي علي، فما أفرغ حتى تكاد رجلي تنكسر من ثقل الوحي، حتى أقول: لا أمشي على رجلي أبدًا. ولما نزلت عليه سورة المائدة، كادت أن ينكسر عضد ناقته من ثقل السورة، ورواه أحمد والبيهقي في الشعب. الخامسة: أن يرى الملك في صورته التي خلق عليها له ستمائة جناح، فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين ولم يذكر دليل قوله: حتى إن راحلته تبرك به المصنّف تقوية لابن القيّم، فقال: (قلت: وروى الطبراني عن زيد بن ثابت، قال: كنت أكتب الوحي لرسول اللَّه عَ لّه، وكان إذا نزل عليه) الوحي (أخذته برحاء) بضم الباء وفتح الراء وحاء مهملة والمدّ: شدّة أذى الحمّى وغيرها، (شديدة وعرق) بكسر الراء، (عرقًا) بفتحها، أي: رشح جلده رشحًا (شديدًا مثل الجمان) بضم الجيم وخفّة الميم، قال في الدرّ: اللؤلؤ الصغار، وقيل: خرز يتّخذ من الفضّة مثله، (ثم سرّي) بضم السين المهملة وكسر الراء الثقيلة، أي: انكشف الوحي، (عنه، وكنت أكتب وهو يملي عليّ) وربما وضع فخذه على فخذي حال الكتابة، (فما أفرغ حتى تكاد رجلي تنكسر من ثقل الوحي، حتى أقول: لا أمشي على رجلي أبدًا) لظنّي كسرها، (ولمَّا نزلت عليه سورة المائدة) لعلّ المراد بعضها، نحو: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ الآية [المائدة: ٣]، فإنه نزلت وهو عَّلم واقف بعرفة على راحلته؛ كما في الصحيح. (كادت) هي، أي: ناقته، (أن ينكسر) والأصل كادت ناقته، أي: ينكسر عضدها، لكنّه لما حول الإسناد عن الاسم الظاهر إلى الضمير لم يبقَ له مرجع نبّه عليه، بقوله: (عضد ناقته) فلا يرد أن المناسب كاد بالتذكير لتأويل الفعل بعده بمصدر، أي: كاد انكسار على إنه اسم کاد، (من ثقل السورة، ورواه أحمد والبيهقي في الشعب)، وهذه المراتب ثلاث من صفات الوحي، وواحدة من صفات حامله، وهي تمثّله رجلاً. المرتبة (الخامسة) وهي من صفات حامله أيضًا (أن يرى الملك) جبريل (في صورته التي خلق عليها ل( ستمائة جناح) كل جناح منها يسدّ أَفق السماء حتى ما يرى في السماء شيء، (فيوحى) يوصل (إليه ما شاء اللَّه أن يوحيه، وهذا وقع له مرّتين) إحداهما في الأرض حين سأله أن يريه نفسه، فرآه في الأفق الأعلى، قال الحافظ ابن كثير: كانت والنبيّ بغار حراء ٤٢٩ مراتب الوحي كما في سورة النجم. السادسة: ما أوحاه الله إليه، وهو فوق السموات من فرض الصلوات وغيرها. أوائل البعثة بعد فترة الوحي، والثانية عند سدرة المنتهى. (كما) دلّ عليه قوله تعالى (في سورة النجم) ﴿ولقد رآه نزلة أُخرى عند سدرة المنتهى﴾ [النجم: ١٣ - ١٤]، وروى أحمد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود: لم يرّ عَّهِ جبريل في صورته الأصليّة إلاّ مرّتين، أما واحدة فإنه سأله أن يربه نفسه فأراه نفسه سدّ الأفق، وأمَّا الأخرى فليلة الإسراء عند السدرة. قال في الفتح: وهو مبيّ لما في صحيح مسلم عن عائشة: لم يره - يعني جبريل - على صورته التي خلق عليها إلاّ مرتين. وللترمذي من طريق مسروق عن عائشة: لم يرَ محمّد جبريل في صورته إلا مرّتين، مرة عند سدرة المنتهى، ومرة في أجياد. وهو يقوّي رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة: كان عَّ أوّل ما رأى جبريل بأجياد وصرخ: يا محمّد فنظر يمينًا وشمالاً فلم يرَ شيئًا فرفع بصره فإذا هو على أفق السماء فقال جبريل: يا محمد فهرب فدخل في الناس فلم ير شيئاً ثم خرج عنهم فناداه فهرب ثم استعلن له جبريل من قبل حراء، ذكر قصّة إقرائه: ﴿اقرأ باسم ربك﴾ [العلق: ١]، ورأى حينئذ جبريل له جناحان من ياقوت يخطفان البصر، فتكون هذه المرة غير المرّتين وإنما لم تضمّها عائشة إليهما؛ لاحتمال أن لا يكون رآه فيها على تمام صورته، والعلم عند الله تعالى، انتهى. ووقع عند أبي الشيخ، عن عائشة: أنه عَّ، قال لجبريل: «وددت أني رأيتك في صورتك الأصلية، قال: وتحبّ ذلك؟ قال: نعم، قال: موعدك كذا وكذا من الليل ببقيع الغرقد، فلقيه موعده فنشر جناحًا من أجنحته فسدّ أفق السماء حتى ما يرى في السماء شيء». وفي مرسل الزهري عند ابن المبارك في الزهد: أنه سأله أن يتراءى له في صورته الأصلية، قال: (إنك لن تطيق ذلك، قال: إني أحبّ أن تفعل، فخرج إلى المصلّى في ليلة مقمرة فأتاه جبريل في صورته فغشي عليه حين رآه، ثم أفاق)) الحديث، فإن صحّا فيمكن أنه أراه بعض صورته الأصلية؛ كما هو صريح قوله: فنشر جناحًا ... الخ؛ لأنها مرة ثالثة على تمام الصفة، فلا يخالف ما في الصحيح ولا ما عدوه من خصائصه من رؤيته له مرتين على صورته الأصلية، وقد كنت أبديت هذا قبل وقوفي على كلام الفتح، الذي سقته فحمدت اللَّه على الموافقة. المرتبة (السادسة) وهي واللتان بعدها من صفاتِ الوحي: (ما أوحاه اللَّه إليه وهو فوق السموات من فرض الصلوات وغيرها،) كالجهاد، والهجرة، والصدقة، وصوم رمضان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ كما صرّح به في حديث أبي سعيد عند البيهقي: أن اللَّه قال له ٤٣٠ مراتب الوحي السابعة: كلام الله تعالى له منه إليه بلا واسطة ملك، كما كلم موسى. قال: وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة وهي تكليم الله له كفاحًا بغير حجاب. انتھی. قال شيخ الإسلام الولي ابن عبد الرحيم العراقي: وكأن ابن القيم أخذ ذلك من روض السهيلي لكنه لم يذكر نزول إسرافيل إليه بكلمات من الوَحي قبل جبريل. ذلك ليلة الإسراء، وساقه المصنّف في المقصد السادس. وفي نسخة وغيره، قال شيخنا: وهي أولى لشمولها السنن وفرض غير الصلوات. المرتبة (السابعة: كلام اللَّه تعالى منه إليه بلا واسطة، كما كلم موسى) ولا ينافي ذلك قوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلّمه الله إلا وحيًا﴾ [الشورى: ٥١]؛ لأن معناه كما (قال) البيضاوي: كلامًا خفيًّا يدرك بسرعة؛ لأنه ليس في ذاته مركّبًا من حروف مقطعة يتوقّف على متموّجات متعاقبة، أو هو ما يعمّ المشافهة به؛ كما في حديث المعراج. وما وعد به في حديث الرؤية والمهتف، كما اتّفق لموسى في طوى والطور، ولكن عطف قوله: ﴿أو من وراء حجاب﴾ [الشورى: ٥١] عليه يخصّه بالأوّل، فالآية دالّة على جواز الرؤية لا على امتناعها، انتهى. (وزاد بعضهم مرتبة ثامنة، وهي: تكليم اللَّه له كفاحًا) بكسر الكاف، أي: مواجهة، (بغير حجاب، انتهى) كلام ابن القيّم. (قال شيخ الإسلام:) عبّر به على عادتهم أن من ولي قاضي القضاة يطلقون عليه ذلك، (الوليّ) أي: وليّ الدين فهو من التصرّف في العلم والراجح جوازه، واسمه أحمد (بن عبد الرحيم) ابن الحسين (العراقي) المصري قاضيها الإمام العلامة الحافظ ابن الحافظ الأصولي الفقيه ذو الفنون والتصانيف النافعة المشهرة، تخرّج في الفن بأبيه واعتنى به أبوه، فأسمعه الكثير من أصحاب الفخر وغيره، واستعلى على أبيه، ولازم البلقيني في الفقه وأملى أكثر من ستمائة مجلس، توفي في سابع عشري شعبان سنة ستّ وعشرين وثمانمائة. (وكأن ابن القيّم أخذ ذلك) المذكور من المراتب الخمسة الأوّل، (من روض السهيلي) فإنه عدّها سبعًا فذكر الخمسة وكلام اللَّه من وراء حجاب، إمّا في اليقظة أو المنام ونزول إسرافيل؛ فدع عنك احتمالات العقول لا تغترّ بها في روض النقول. (لكنه لم يذكر نزول إسرافيل إليه بكلمات من الوحي) بعدما أوحى إليه جبريل أوّل سورة اقرأ و(قبل) تتابع مجيء (جبريل) مع ٤٣١ مراتب الوحي فقد ثبت في الطرق الصحاح عن عامر الشعبي أن رسول الله عيّةٍ وكل به إسرافيل فكان يتراءى له ثلاث سنين ويأتيه بالكلمة والشىء، ثم وكل به جبريل فجاءه بالقرءان. وأما قوله - أعني ابن القيم -: السادسة، ما أوحاه الله إليه فوق السموات، يعني ليلة المعراج، السابعة كلام الله بلا واسطة. فإن أراد ما أوحاه إليه جبريل فهو داخل فيما تقدم، لأنه إما أن يكون جبريل في تلك الحالة على صورته الأصلية، أو على صورة الآدمي، وكلاهما قد تقدم ذكره، أنه ذكره في الروض، بقوله: (فقد ثبت في الطرق الصحاح) بفتح الصاد وكسرها، (عن عامر الشعبي) التابعي (أن رسول اللَّه عَّهُ وّل به) أي: قرن، كما هو المنقول عن الشعبي فيما يأتي، بلفظ: فقرن بنبوّته، (إسرافيل) على الثابت عن الشعبي لا ميكائيل وإن جزم به ابن التين، قاله الشامي: کالحافظ. (فكان يتراءى) أي: يظهر، (له) بحيث يراه النبيّ عَّه (ثلاث سنين) بناء على الظاهر من الرؤية، وقيل: كان يسمعه ولا يراه فإن صحّ، فيحتمل أنه قبل النبوّة وأنه بعدها، ولا يلزم من الترائي الرؤية بل مجرّد الالتقاء، نحو: فلما تراءت الفئتان، أي: التقت، (ويأتيه بالكلمة) أي: اللفظ الذي يخاطبه به (والشيء) الأفعال والآداب التي يعلّمه إيّاها وهذا أولى من أن الشيء تفسيري، (ثم وجّل) قرن (به جبريل) ليوحي إليه ما يؤمر بتبليغه له (فجاءه بالقرءان) والوحي هكذا بقيّة كلاء الروض، وكان المصنّف حذفه؛ لأنه لم يقع في المسند عن الشعبي، كما يأتي فعله اقتصر على القرءان؛ لأنه الذي انفرد به جبريل، ولأنه أعظم المعجزات، وظاهر هذا الأثر: أن جبريل لم يأته تلك المدّة وقد ورد أنه لم ينقطع عنه، وجمع بأنه كان يأتيه فيها أحيانًا، وإسرافيل قرن به ليفعل معه كل ما يحتاج له، فقد اجتمعا في المجيء إليه فيها لكن أثر الشعبي هذا وإن صحّ إسناده إليه مرسل أو معضل وقد عارضه ما هو أصح منه؛ كما يأتي قريبًا. وقد أنكر الواقدي كون غير جبريل وكّل به، قال الشامي: وهو المعتمد، انتهى. فلذا لم يذكره ابن القيّم. (وأمَّا قوله - أعني ابن القيّم - السادسة ما أوحاه اللَّه إليه فوق السموات، يعني: ليلة المعراج) مع قوله: (السابعة: كلام اللّه بلا واسطة) فلا يظهر التغاير بينهما حتى يجعلهما مرتبتين فلا يخلو من إرادة أحد أمرين، (فإن أراد ما أوحاه إليه جبريل،) أي: ما أوحاه اللَّه إليه على لسانه (فهو داخل فيما تقدّم) له من المراتب وذلك (لأنه إمّا أن يكون جبريل في تلك الحالة على صورته الأصليّة، أو على صورة الآدمي وكلاهما قد تقدّم ذكره) في كلامه، فلا يصحّ كونها ٤٣٢ مراتب الوحي وإن أراد وحي الله إليه بلا واسطة - وهو الظاهر - فهي الصورة التي بعدها. وأما قوله: وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة: وهي تكليم الله له كفاحًا بغير حجاب، فهذا على مذهب من يقول أنه عليه السلام رأى ربه تعالى، وهي مسألة خلاف يأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى. ويحتمل أن ابن القيم رحمه الله أراد بالمرتبة السادسة وحي جبريل، وغاير بينه وبين ما قبله باعتبار محل الأحياء، أي كونه فوق السموات، بخلاف ما تقدم، فإن كان في مرتبة مستقلّة. (وإن أراد وحي اللَّه إليه بلا واسطة) ملك (وهو الظاهر) المتبادر من قوله: أوحاه اللَّه إليه، (فهي الصورة التي بعدها) وهي السابعة، وأجاب شيخنا: بأنه أراد الشقّ الأوّل ويمنع دخوله فيما قبله لجواز أنه أوحاه إليه بصفة من صفات الملائكة وليست صفته الأصليّة، فإنه كما هو متمكّن من مجيئه على صورة بني آدم، متمكّن من مجيئه على صورة ليست مألوفة، ولا هي صورته الأصلية. (وأمَّا قوله: وزاد بعضهم مرتبة ثامنة، وهي: تكليم الله له كفاحًا بغير حجاب، فهذا) بناه (على مذهب من يقول: أنه عليه السلام رأى ربّه تعالى) وأمَّا على مذهب من قال: لم يره، فلا يصحّ عدّها مرتبة زائدة لدخولها في السابعة، هذا تقريره. قال شيخنا: ولا يتعيّ لجواز أنهما حالتان، وإن قلنا: بمنع الرؤية بأن يكون سمع الكلام بمجرّده لكن مرّة على وجه على غاية القرب اللائق به من كونه بعد مجاوزة الرفرف، ومرة فيما دون ذلك، قال: ويجوز التغاير أيضًا. وإن قلنا: رأه بأن يكون كلمه مرّة بدون واسطة ملك بلا رؤية، ومرة بعد مجاوزة الرفرف برؤية. (وهي مسألة خلاف) الراجح منه عند أكثر العلماء أنه رآه؛ كما قال النووي. (يأتي الكلام عليها إن شاء اللَّه تعالى) في المقصد الخامس، ويأتي فيه ذكر الحجب، وكم هي في نفس كلام المصنّف، وأنها بفرض صحّتها، إنما هي بالنسبة إلى المخلوقين. أمَّا هو تعالى فلا يجبه شيء، ولذا قال ابن عطية ونقله عنه السبكي: معنى من وراء حجاب أن يسمع كلامه من غير أن يعرف له جهة ولا خبرًا، أي: من خفاء عن المتكلّم لا يجده السامع ولا يتصوّر بذهنه، وليس کالحجاب الشاهد، انتھی. (ويحتمل) في وجه التغاير بين السادسة والسابعة، (أن ابن القيم رحمه اللَّه أراد بالمرتبة) السادسة وحي جبريل) لا ما هو الظاهر منه، (و) لكنّه (غاير بينه وبين ما قبله) من المراتب الخمسة، (باعتبار محل الأحياء، أي: كونه فوق السموات بخلاف ما تقدم، فإن كان في ٤٣٣ مراتب الوحي الأرض، ولا يقال، يلزم عليه أن تتعدد أقسام الوحي باعتبار البقعة التي جاء فيها إلى النبي عَّه وهو غير ممكن، لأَنا نقول: الوحي الحاصل في السماء باعتبار ما في تلك المشاهد من الغيب نوع غير نوع الأرض على اختلاف بقاعها. انتهى. قلت: ويزاد أيضًا: كلامه تعالى له في المنام، كما في حديث الزهري أتاني ربي في أحسن صورة فقال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى الأرض) والأولى جواب شيخنا المارّ: أنه باعتبار الصفّة، (ولا يقال: يلزم) على هذا الاحتمال (أن تتعدّد أقسام) أي: أنواع (الوحي باعتبار البقعة) بضمّ الباء أكثر من فتحها: القطعة من الأرض وجمعها على الضمّ بقع كغرف، وعلى الفتح بقاع ككلاب وأوّل جنسية فيصدق بجميع الأماكن التي نزل عليه فيها، فلا يردّ أن الأولى التعبير بالجمع، (التي جاء فيها إلى النبيّ عَّه، وهو غير ممكن) لكثرة نزوله عليه في أماكن لا تحصى، (لأنا نقول: الوحي الحاصل في السماء باعتبار ما في تلك المشاهد من الغيب نوع غير الأرض على اختلاف بقاعها، انتهى) كلام الولي العراقي، ومحصله: أن جميع بقاع الأرض نوع واحد، وما في السماء نوع واحد، فلم يلزم تعدّد أنواعه باعتبار البقعة. (قلت: ويزاد أيضًا كلامه تعالى له في المنام،) فقد عدّه في الروض منها، قال في الإتقان: وليس في القرءان من هذا النوع شيء فيما أعلم، نعم يمكن أن يعدّ منه آخر سورة البقرة وبعض سورة الضحى، و﴿ألم نشرح﴾، واستدل على ذلك بأخبار. (كما في حديث الزهري) نسبة إلى جدّه الأعلى زهرة بن كلاب القرشي من رهط آمنة أمّ النبيّ عَّهِ اتّفقوا على إتقانه وإمامته بسنده عن النبيّ عٍَّ، قال: ((أتاني) الليلة (ربّي) تبارك وتعالى (في أحسن صورة) أي: صفة هي أحسن الصفات، وفي رواية: أحسبه قال: في المنام، (فقال: يا محمّد، أتدري) وفي رواية: هل تدري، (فيم يختصم الملأ الأعلى))،) قال في النهاية: أي: فيم تتقاول الملائكة المقرّبون سؤالا وجوابًا فيما بينهم؟ وقال التوربشتي: المراد بالاختصام التقاول الذي كان بينهم في الكفارات والدرجات، شبّه تقاولهم في ذلك وما يجري بينهم من السؤال والجواب بما يجري بين المتخاصمين، انتهى. أي: واستعير له اسمه ثم اشتقّ منه يختصم، فهو استعارة تصريحيّة تبعيّة. وقال البيضاوي: هو إما عبارة عن تبادرهم إلى كتب تلك الأعمال والصعود بها إلى السماء، وإما عن تقاولهم في فضلها وشرفها وإنافتها على غيرها، وإمّا عن اغتباطهم الناس بتلك الفضائل لاختصاصهم بها وتفضيلهم على الملائكة بسببها مع تفاوتهم في الشهوات وتماديهم في ٤٣٤ مراتب الوحي الحدیث. ثم مرتبة أخرى، وهي العلم الذي يلقيه الله تعالى في قلبه وعلى لسانه عند الاجتهاد في الأحكام، لأنه اتفق على أنه عليه الصلاة والسلام إذا اجتهد أصاب قطعًا، وكان معصومًا من الخطأ، وهذا خرق للعادة في حقه دون الأمة، وهو يفارق النفث في الروع من حيث حصوله بالاجتهاد، والنفث بدونه. ومرتبة أخرى: وهي مجيء جبريل في صورة رجل غير دحية، .... الجنايات، انتهى. (الحديث) تمامه: ((قلت: لا، فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السموات وما في الأرض، فقال: يا محمّد، هل تدري فيم يخاصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم، في الكفّارات والدرجات. فالكفارات: المكث في المساجد بعد الصلوات والمشي على الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء في المكاره، قال: صدقت يا محمّد، ومن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير، وكان في خطيئته كيوم ولدته أَمّه، وقال: يا محمّد! إذا صلّيت فقل: اللَّهمّ إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحبّ المساكين وأن تغفر لي وترحمني وتتوب عليّ، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون، والدرجات: إنشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام)، رواه بتمامه عبد الرزاق وأحمد والترمذي والطبراني، عن ابن عباس مرفوعًا. والترمذي وابن مردويه والطبراني من حديث معاذ. (ثم مرتبة أخرى، وهي العلم الذي يلقيه اللَّه تعالى في قلبه وعلى لسانه عند الاجتهاد في الأحكام،) على القول بأنه يجتهد، وإنما عدّ اجتهاده من مراتب الوحي؛ (لأنه اتّفق على أنه عليه الصّلاة والسّلام إذا اجتهد أصاب قطعًا) إمّا لظهور الحقّ له ابتداء، وإمّا بالتنبيه عليه إن فرض خلافه فلا يقدح فيه القول بجواز وقوع الخطأ في اجتهاده، لكن لا يقرّ عليه. (وكان معصومًا من الخطأ) فلا يقع منه أصلاً على الصحيح، (وهذا خرق للعادة في حقّه دون الأُمّة، وهو) أي: العلم الحاصل بالاجتهاد، (يفارق النفث) أي: ما يحصل به، (في الروع) فالمشبّه به ليس نفس النفث؛ لأنه إلقاء الملك في الروع ولا يحسن تشبيه العلم به. (من حيث حصوله بالاجتهاد و) حصول (النفث) أي: أثره؛ لأنه الحاصل في الروع (بدونه) أي: الاجتهاد، (ومرتبة أخرى، وهي: مجيء جبريل في صورة رجل غير دحية) كما في الصحيحين عن أبي هريرة: كان النبيّ عَ لِّ بارز للناس فأتاه رجل فقال: ما الإيمان ... الحديث، وفي رواية: فأتاه جبريل، وفي آخره: ((هذا جبريل جاء يعلّم الناس دينهم))، ورواه مسلم أيضًا عن عمر، بلفظ: بينا نحن عند رسول اللَّه عَّ له ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ٤٣٥ مراتب الوحي لأن دحية كان معروفًا عندهم، ذكره ابن المنير، وإن كانت داخلة في المرتبة الثالثة التي ذكرها ابن القيم. وذكر الحليمي أن الوحي كان يأتيه على ستة وأربعين نوعًا، فذكرها، وغالبها - كما قال في فتح الباري - من صفات حامل الوحي، ومجموعها يدخل فيما ذكر والله أعلم. شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منّا أحد، فهذا صريح في أنه تمثّل بصورة رجل غير دحية؛ (لأن دحية كان معروفًا عندهم، ذكره) أي: هذا النوع (ابن المنير) والأوفق ذكرها بالتأنيث؛ لقوله: مرتبة، ولقوله: (وإن كانت داخلة في المرتبة الثالثة التي ذكرها ابن القيّم ) لأنه صدرها بقوله: كان يتمثّل له الملك رجلاً، ولا ترد هذه على قول السبكي في تائيته: ولازمك الناموس إمّا بشكله وإما بنفث أو بحلية دحية لأن هذه الأحوال الثلاثة لما غلبت لم يعتدّ بغيرها، ولذا قال: ولازمك، على أنه أراد لازمك على الصورة التي تعلم منها حين المجيء أنه وحي، وأمَّا هذه فلم يعلم أنه جبريل حتى ولى؛ كما دلّ عليه قوله في الصحيح: ثم أدبر، فقال ردّوه فلم يروا شيئًا، وصرّحٍ به في حديث أبي عامر، بلفظ: ((والذي نفس محمّد بيده، ما جاءني قطّ إلا وأنا أعرفه إلاّ أن تكون هذه المرّة)). وفي رواية سليمن التيمي وابن حبان: ((والذي نفسي بيده، ما شبّه عليّ منذ أتاني قبل مرّتي هذه، وما عرفت به حتى ولّى)). (وذكر الحليمي) بالتكبير نسبة إلى جد أبيه، فإنه العلاّمة البارع المحدث القاضي أبو عبد اللَّه، الحسين بن الحسن بن محمّد بن حليم الشافعي الفقيه صاحب اليد الطولى في العلم والأدب والتصانيف المفيدة، مات في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعمائة. (أن الوحي كان يأتيه على ستّة وأربعين نوعًا، فذكرها وغالبها كما قال في فتح الباري: من صفات حامل الوحي، ومجموعها) أي: جملتها، (يدخل فيما ذكر، والله أعلم) ومنها ما في الإتقان: أن الملك يأتيه في النوم، وهل نزل عليه فيه قرءان أم لا؟ والأشبه أنه نزل كلّه يقظة، وفهم فاهمون من خبر مسلم وأبي داود والنسائي، عن أنس: بينا رسول اللَّه عَِّ بين أظهرنا إذا غفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسّمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول اللَّه؟ فقال: ((أنزل عليّ آنفًا سورة)، فقرأ بسم اللَّه الرحمن الرحيم ﴿إِنّا أعطيناك الكوثر﴾ [الكوثر: ١] إلى آخرها، إن الكوثر نزلت في تلك الإغفاءة؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي. وأجاب الرافعي: بأنه خطر له في النوم سورة الكوثر المنزلة في اليقظة أو عرض عليه الكوثر الذي نزلت فيه السورة، فقرأها عليهم وفسّرها لهم، أو الإغفاءه ليست نومًا بل هي البرحاء التي كانت تعتريه عند الوحي، قال صاحب الإتقان: والأخير أصحّ من ٤٣٦ مراتب الوحي وذكر ابن المنير أن الحال كان يختلف في الوحي باختلاف مقتضاه، فإن نزل بوعد وبشارة نزل الملك بصورة الآدمي، وخاطبه من غير كدّ، وإن نزل بوعيد ونذارة كان حينئذٍ كصلصلة الجرس. انتهى. الأول؛ لأن قوله: ((أنزل عليّ آنفًا)) يدفع كونها نزلت قبل ذلك، انتهى. ووهم من ذكر هذا عند قوله المارّ كلامه تعالى له في المنام؛ لأنه في الإتقان إنما ذكره في مجيء الملك منامًا، وما ذكر في تلك المرتبة إلاّ ما قدّمته عنه، ومنها: تصوره بصورة فحل من الإبل فاتحًا فاه ليلتقم أبا جهل لمَّا أراد أن يلقي على النبيّ عَّله حجرًا كبيرًا وهو يصلّي، وأُخبر عليه السّلام أنه جبريل، ولما اقتضى منه دين الإراشي الذي مطله بثمن إبله وشكى لقريش فدلّوه على المصطفى استهزاء لعلمهم بشدّة عداوته، فلما أتاه قال: لا تبرح حتى يأخذ حقه، فعيّه قريش؛ فقال: رأيت فحلاً من الإبل لو امتنعت لأكلني، ذكرهما ابن إسحق. (وذكر) القاضي ناصر الدين أحمد بن محمّد بن منصور المعروف بأنه (ابن المنير) الجروي الجذامي الاسكندري قاضيها وخطيبها المصقع الإمام العلاّمة البارع الفقيه الأصوليّ المفسّر المتبحّر في العلوم، ذو التصانيف الحسنة المفيدة والباع الطويل في التفسير والقراءات والبلاغة والإنشاء، توفي أوّل ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين وستمائة عن ثلاث وستين سنة، قال العزّ بن عبد السلام: الديار المصرية تفتخر برجلين في طرفيها ابن دقيق العيد بقوص، وابن المنير بالاسكندرية. (أن الحال كان يختلف في الوحي باختلاف مقتضاه، فإن نزل بوعد) خاص بالخير حيث أطلق كالعدّة؛ كما قال الفراء ولذا عطف عليه، (وبشارة) بكسر الباء وتضمّ مختصّة بالخير، حيث أُطلقت أيضًا لبيان المراد به، ولعلّه أراد بها ما قابل التخويف بالعذاب، فشمل القصص والأحكام وغيرها مما لم يصرّح فيه بالعذاب، على أن القصص باعتبار ما سيقت له، فيها إيماء بأن من لم يؤمن ربما يصيبه ما أصاب من فيهم القصص. (نزل الملك بصورة الآدمي، وخاطبه من غير كدّ) إتعاب في تلقّي الوحي، (وإن نزل بوعيد) بشرّ لاختصاصه به كالإيعاد، (ونذارة كان حينئذ كصلصلة الجرس) وظاهره: أنه لا فرق في انقسام ما نزل به إلى القسمين بين القرءان وغيره، ولعلّه أشار إلى أن هذا مراد ابن المنير، وإلاّ فالذي في كلامه تقسيم ما جاء به من القرءان إلى هذين ونظر فيه الحافظ بأن الظاهر: أنه لا يختصّ بالقرءان، ولما ذكر مراتب الوحي ناسب أن يذكر عدد مرّاته، وذكر غير المصطفى بيانًا لزيادة كرامته على ربّه، وهذا أولى من جعله استطرادًا ولوقوعه في كلام الناقل عنه، فقال: ٤٣٧ مراتب الوحي وقد ذكر ابن عادل، في تفسيره: أن جبريل عليه السلام نزل على النبي عَلَّة أربعة وعشرين ألف مرة، ونزل على آدم اثنتي عشرة مرة، وعلى إدريس أربع مرات وعلى نوح خمسين مرة، وعلى إبراهيم اثنتين وأربعين مرة، وعلى موسى أربعمائة مرة، وعلى عيسى عشر مرات. كذا قال رحمه الله. وقد روي: أن جبريل بدى له عَّه في أحسن صورة وأطيب رائحة فقال: يا محمد إن الله يقرئك السلام ويقول لك: أنت رسولي إلى الجن والإنس، فادعهم إلى قول لا إله إلا الله (وقد ذكر ابن عادل في تفسيره أن جبريل عليه السّلام نزل على النبيّ عَّله أربعة وعشرين ألف مرّة، ونزل على آدم اثنتي عشرة مرة، ونزل على إدريس أربع مرّات، وعلى نوح خمسين مرّة، وعلى إبراهيم اثنتين وأربعين مرّة) وفي كلام الحافظ عثمن الديمي أربعين فقط، (وعلى موسى أربعمائة مرّة، وعلى عيسى عشر مرّات ) قال بعضهم: ثلاث مرّات في صغره، وسبع مرّات في کېره. وزاد الحافظ الديمي، كما نقله عنه تلميذه الشمس التتائي في شرح الرسالة: وعلى يعقوب أربعًا، وعلى أيّوب ثلاثًا. وظاهره، كابن عادل: أنه لم يبلغهما عدد في غيرهم، وظاهرهما أيضًا: أن نزوله على المذكورين يقظة، وفي الاتقان عن بعضهم: أن الوحي إلى جميعهم منامًا، إلا أُولي العزم المصطفى ونوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى، فإنه كان يأتيهم يقظة ومنامًا. وقال بعض: للملك صورتان: حقيقية ومثالية، فالحقيقية لم تقع إلا للمصطفى، والمثالية هي الواقعة لبقيّة الأنبياء، بل شاركهم فيها بعض الصحابة، انتهى. (كذا قال، رحمه اللَّه:) تبرأ منه؛ لأنه لم يسنده ومثله يحتاج لتوقيف. (وقد روى) مرضه؟ لأن له طرقًا لا تخلو من مقال لكنها متعدّدة يحصل باجتماعها القوّة، واعتضاد بعضها ببعض فيفيد أن للحديث أصلاً. (أن جبريل بدا) أي: ظهر، وفي نسخة: تبدّى، والأولى أوفق باللغة. (له عَّة) وهو بأعلى مكّة؛ كما عند ابن إسحق، أي: بجبل حراء؛ كما في الخميس، وهو يفسّر قول زيد بن لحرثة عند ابن ماجه وغيره أن رسول اللَّه عَّالَّله في أوّل ما أُوحي إليه أتاه جبريل فعلّمه الوضوء، (في أحسن صورة وأطيب رائحة، فقال: يا محمّد! إن اللَّه يقرئك) بضمّ الياء والهمزة: من أقرأ، (السّلام، ويقول لك: أنت رسولي إلى الجنّ والإنس،) لعلّه اقتصر عليهما؛ لقوله: (فادعهم إلى قول لا إله إلاَّ اللَّه) أي: ومحمّد رسول اللَّه، فلا ينافي أنه مبعوث إلى الملائكة أيضًا على الأصحّ عند جمع محققين، منهم: البارزي وابن حزم والسبكي، أو لاختصاص الدعوة ٤٣٨ مراتب الوحي ثم ضرب برجله الأرض فنبعت عين ماء فتوضأ منها جبريل ثم أمره أن يتوضأ وقام جبريل يصلي وأمره أن يصلي معه فعلمه الوضوء والصلاة ثم عرج إلى السماء ورجع رسول الله عَ لٍّ لا يمر بحجر ولا مدر ولا شجر إلا وهو يقول السلام عليك يا رسول الله، حتى أتى خديجة فأخبرها فغشي عليها من الفرح ثم أمرها فتوضأت وصلى بها كما صلى به جبريل فكان ذلك أول فرضها ركعتين ثم إن الله تعالى أقرها في السفر كذلك وأتمها في الحضر. في الابتداء بهما، ويأتي إن شاء اللَّه تعالى بسط ذلك في الخصائص. (ثم ضرب برجله الأرض) من إطلاق الكلّ على الجزء، بدليل رواية ابن إسحق وغيره، فهمز بعقبه بفتح السين وكسر القاف: مؤخّر القدم. (فنبعت عين ماء فتوضّأ منها جبريل) زاد ابن إسحق: ورسول اللَّه ينظر إليه ليريه كيف الطهور إلى الصلاة، (ثم أمره أن يتوضّأ) كما رآه يتوضّأ، وروى أحمد وابن ماجه والحرث وغيرهم، عن أسامة بن زيد عن أبيه: أن جبريل أتى النبيّ عَّه في أوّل ما أوحى إليه فأراه الوضوء والصّلاة، فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من ماء فنضح بها فرجه، (وقام جبريل يصلّي وأمره أن يصلّي معه،) زاد في رواية أبي نعيم عن عائشة: فصلّى ركعتين نحو الكعبة، (فعلّمه الوضوء والصلاة، ثم عرج إلى السماء ورجع رسول اللَّه مٍَّ لا يمرّ بحجر ولا مدر) محركة جمع مدرة: قطع الطين اليابس أو العلك الذي لا رمل فيه والمدن والحضر؛ كما في القاموس. (ولا شجر، إلاَّ وهو يقول: السّلام عليك يا رسول اللَّه،) يحتمل أنّه عَّه كان يردّ عليها مكافأة وإن لم يكن واجبًا، قال الدلجي: وردّ بأن السلام شرع للتحيّة وليست من أهلها وبأنه يتوقّف على بقل وفيه نظر، فإن المكافأة تكون ولو لغير الأهل، وهو لم يجزم به حتى طالب بنقل إنما أبداه احتمالاً وهو كاف في مثل هذا. وسارعَِّ (حتى أتى خديجة، فأخبرها فغشي عليها من الفرح) زاد في رواية: ثم أخذ بيدها وأتى بها إلى العين فتوضّأ ليريها الوضوء، (ثم أمرها فتوضّأت وصلّى بها كما صلّى به جبريل،) زاد في رواية: وكانت أول من صلّى. وفي رواية أبي نعيم، فقالت: أرني كيف أراك، فأراها فتوضأت ثم صلّت معه، وقالت: أشهد أنك رسول اللَّه، (فكان ذلك أوّل فرضها) أي: الصلاة من حيث هي لا الخمس؛ لأن فرضها إنما كان صبح الإسراء، وهذه وقعت عقب الوحي؛ كما مرّ. والمراد: أوّل تقديرها، (ركعتين) فلا يخالف ما يجيء عن النووي من أنه لم يفرض قبل الخمس إلا قيام الليل، (ثم إن اللَّه تعالى أقرّها) أي: شرعها على هيئة ما كان يصلّيها قبل (في السفر كذلك) ركعتين، (وأتّها في الحضر) أربعًا وبهذا التقرير اندفع الإشكال. ٤٣٩ مراتب الوحي وقال مقاتل: كانت الصلاة أوّل فرضها ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، لقوله تعالى: ﴿وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار﴾ [غافر/٥٥]. قال في فتح الباري: كان عَِّ قبل الإسراء يصلي قطعًا، وكذلك أصحابه، ولكن اختلف: هل افترض قبل الخمس شىء من الصلاة أم لا؟ فقيل: إن الفرض كان صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، والحجة فيه قوله تعالى: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها﴾ [طه/١٣٠]. انتهى. وقال النووي: أول ما وجب الإنذار والدعاء إلى التوحيد، (وقال مقاتل) بن سليلمن البلخي المفسر: قال ابن المبارك: ما أحسن تفسيره لو كان ثقة. وقال وكيع: كان كذّابًا. وقال النسائي: يضع الحديث، مات سنة خمس ومائة، وقيل بعدها. (كانت الصّلاة أوّل فرضها ركعتين بالغداة) وهي أوّل النهار، والمتبادر أنه كان يصلّيها قبل طلوع الشمس؛ كما يأتي عن الفتح. (وركعتين بالعشيّ) قبل غروبها، ويحتمل أنه كان يقرأ فيهما بما أتاه من سورة ﴿اقرأ﴾ [العلق: ١]، حتى نزلت الفاتحة؛ (لقوله تعالى: ﴿وسبح﴾ [غافر: ٥٥] صلّ ملتبسًا ﴿(بحمد ربك بالعشيّ والإبكار﴾ [غافر: ٥٥]،) قيل: يردّه ما جاء إن تاجرًا قدم الحج في الجاهليّة، فأتى العباس ليبتاع منه فرأى النبيّ عَّه وخديجة وعليًّا خرجوا من خباء، وصلّى بهم حين زالت الشمس، وسأل التاجر العباس: فأخبره بهم وإن هذا الفعل صلاة مشروعة لهم ولا ردّ فيه، فقد قيل: العشيّ ما بين الزوال إلى الغروب، ومنه قيل للظهر والعصر: صلاتا العشيّ، وقيل: هو آخر النهار، وقيل: من الزول إلى الصباح، وقيل: من المغرب إلى العتمة. (قال في فتح الباري: كان عَّهِ قبل الإسراء يصلّي قطعًا وكذلك أصحابه، ولكن اختلف هل افترض قبل الخمس شيء من الصلاة، أم لا؟ فقيل: إن الفرض كان صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، والحجّة فيه) أي: الدليل له، (قوله تعالى:) ﴿وسبح﴾ [طه: ١٣٠]، أي: صلّ حال كونك ملتبسًا ﴿بحمد ربّك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها﴾ [طه: ١٣٠]، (انتهى). (وقال النووي:) الإمام الفقيه الحافظ الأوحد القدوة المتقن البارع الورع الزاهد الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر التارك ملاذ الدنيا حتى الزواج المهاب عند الملوك شيخ الإسلام علم الأولياء: محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن سرى المبارك له في علمه وتصانيفه لحسن قصده، المتوفى في رابع عشرى رجب سنة ستّ وسبعين وستمائة عن ستّ وأربعين سنة، (أوّل ما وجب الإنذار والدعاء إلى التوحيد) لقوله تعالى: ﴿يا أيّها المدّثر، قم فأنذر﴾، [المدثر: ٤٤٠ مراتب الوحي ثم فرض الله تعالى من قيام الليل ما ذكره في أوّل سورة المزمل، ثم نسخه بما في آخرها، ثم نسخه بإيجاب الصلوات الخمس ليلة الإسراء بمكة، وأما ما ذكره في هذه الرواية من أن جبريل علمه الوضوء وأمره به فيدل على أن فرضية الوضوء كانت قبل الإسراء. ثم فتر الوحي فترة حتى شق عليه عَّةٍ وأحزنه. وفترة الوحي: عبارة عن تأخره مدة من الزمان، وكان ذلك ليذهب عنه ما كان يجده عليه السلام من الروع، وليحصل له التشوق إلى العود. ١، ٢] (ثم فرض اللَّه تعالى من قيام الليل) عليه وعلى أُمّته، (ما ذكره في أوّل سورة المزمل) بقوله: ﴿يا أيّها المزمل، قم الليل إلاَّ قليلاً﴾ [المزمل: ١، ٢]، نصفه أو أنقص منه قليلاً أو زد عليه، (ثم نسخه بما في آخرها) من قوله: ﴿فَآقرؤوا ما تيسّر منه﴾ [المزمل: ٢٠]، إذ المراد: صلّوا ما تيسّر لكم، (ثم نسخه بإيجاب الصلوات الخمس ليلة الإسراء بمكّة) فقد حكى الشيخ أبو حامد عن نصّ الشافعي: أن قيام الليل كان واجبًا أوّل الإسلام عليه وعلى أُمّته، ثم نسخ عنه بما في آخر سورة المزمل وعن أَمّته بالصلوات الخمس، قال النووي: وهو الأصحّ، أو الصحيح. وفي مسلم عن عائشة ما يدلّ عليه، انتهى. لكن الذي عليه الجمهور وأكثر أصحاب الشافعي وغيرهم: أنه لم ينسخ؛ لقوله تعالى: ﴿ومن الليل فتِهّد به نافلة لك﴾ [الإسراء: ٧٩]، أي: عبادة زائدة في فرائضك، نعم نسخ الوجوب في حقّ الأُمّة وبقي الندب لأحاديث كثيرة. (وأمَّا ما ذكره في هذه الرواية من أن جبريل علمه الوضوء وأمره به، فيدلّ على أن فرضية الوضوء كانت قبل الإسراء.) قال السهيلي: فالوضوء على هذا الحديث مكيّ بالفرض مدني بالتلاوة؛ لأن آية الوضوء مدنيّة، وإنما قالت عائشة: فأنزل الله آية التيمم، ولم تقل آية الوضوء وهي هي؛ لأن الوضوء كان مفروضًا قبل، غير أنه لم يكن قرءانًا يتلى حتى نزلت آية المائدة، انتهى. ثم عقب المصنّف هذا المبحث بفترة الوحي لبيان أن الوضوء والصلاة كانا عقب الوحي قبل الفترة، خلافًا لمن توهّم أنهما بعد نزول المدّثر، فقال: (ثم فتر الوحي فترة حتى شقّ عليه عَّهِ وأحزنه) خوفًا أن يكون لتقصير منه، أو لما أخرجه من تكذيب من بلغه؛ کما مرّ عن عیاض. (وفترة الوحي) كما قال في الفتح (عبارة عن تأخّره مدّة من الزمان، وكان ذلك ليذهب عنه ما كان يجده عليه السّلام من الروع) بفتح الراء: الفزع، (وليحصل له التشوّق إلى العود ) فقد روى البخاري من طريق معمر ما يدل على ذلك، انتهى كلام الفتح. يعني: البلاغ