النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عدي له. قال ابن التين: إن في شعر أبي طالب هذا دليلاً على أنه كان يعرف نبوة النبي عٍَّ قبل أن يبعث، لما أخبره به بحيرى وغيره من شأنه. وتعقبه الحافظ أبو الفضل بن حجر: بأن ابن إسحق ذكر أن إنشاء أبي طالب لهذا الشعر كان بعد المبعث، ومعرفة أبي طالب بنبوته عليه السلام جاءت في کثیر من الأخبار. وتمسك بها الشيعة في أنه كان مسلمًا. قال: ورأيت لعلي بن حمزة البصري جزءًا فيه شعر أبي طالب، وزعم أنه كان مسلمًا، وأنه مات على الإسلام، وأن الحشوية حديث بنفسي دونه وحميته ودافعت عنه بالذرى والكلاكل (قال) الإمام عبد الواحد (بن التين) السفاقسي في شرح البخاري، قال البرهان في مبحث انشقاق القمر، والنطق به كالنطق بالتين المأكول، (إن في شعر أبي طالب هذا دليلاً على أنه كان يعرف نبوّة النبيّ عَّه قبل أن يبعث لما أخبره به بحيرا) الراهب (وغيره من شأنه،) و کأنه أخذ ذلك من کون الاستسقاء به في صغره وليس بلازم؛ كما مرّ. (و)لذا (تعقّبه الحافظ أبو الفضل بن حجر) في الفتح؛ (بأن ابن إسحق ذكر أن إنشاء أبي طالب لهذا الشعر، كان بعد المبعث) ووصفه فيه بما شاهده من أحواله ومنها الاستسقاء به في صغره، (ومعرفة أبي طالب بنبوّته عليه السلام جاءت في كثير من الأخبار،) فلا حاجة إلى أخذها من شعره هذا (وتمسّك بها الشيعة) بكسر الشين اسم لطائفة من الفرق الإسلامية شايعوا عليًّا رضي الله عنه، وقالوا: إنه الإمام بعده عَّ له بالنص إمّا جليًّا وإما خفيًّا، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج عنه وعن أولاده وإن خرجت، فإما بظلم من غيرهم، وإما بتبعيّة منه ومن أولاده، وهم اثنتان وعشرون فرقة يكفر بعضهم بعضًا أصولهم ثلاث فرق غلاة وزيدية وإماميّه، قاله في المواقف وشرحها، وفي مقدمة فتح الباري التشيّع محبّة عليّ وتقديمه على الصحابة، فمن قدّمه على أبي بكر وعمر، فقال في تشيّعه ويطلق عليه رافضي وإلا فشيعي، فإن انضاف إلى ذلك السبّ أو التصريح بالبغض، فقال في الرفض: وإن اعتقد الرجعة إلى الدنيا، فأشدّ في الغلوّ، انتھی. (في أنه كان مسلمًا) وهو تمسّك واهٍ؛ لأن مجرّد المعرفة بالنبوّة لا يستلزم الإسلام، (قال: ورأيت لعليّ بن حمزة البصري) الرافضي (جزءًا جمع فيه شعر أبي طالب، وزعم أنه كان مسلمًا وأنه مات على الإسلام، و)زعم (أن الحشوية) بفتح الحاء والشين وبضم الحاء وسكون ٣٦٢ خروجه عَّ إلى الشام تزعم أنه مات كافرًا، واستدل لدعواه بما لا دلالة فيه. انتهى. ولما بلغ رسول الله عَّله اثنتي عشرة سنة خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام، حتى بلغ بصرى، فرآه بحيرى الراهب، واسمه جرجیس، الشين، وهم المنتمون للظاهر، قيل: سمّوا بذلك لقول الحسن البصري لما رأى سقوط كلامهم وكانوا يجلسون في حلقته ردّوا هؤلاء إلى حشا الحلقة، أي: جانبها. (تزعم أنه مات كافرًا،) وأنهم بذلك يستجيزون لعنه ثم بالغ في سبّهم والردّ عليهم، (واستدلّ لدعواه بما لا دلالة فيه،) قال: وقد بيّنت فساد ذلك كلّه في الإصابة، (انتهى) كلام الحافظ في كتاب الاستسقاء، وقال في باب قصّة أبي طالب: إنه وقف على جزء جمعه بعض أهل الرفض أكثر فيه من الأحاديث الواهية الدالّة على إسلام أبي طالب، ولا يثبت من ذلك شىء، انتهى. (ولما بلغ رسول اللَّه عَ لَّه اثنتى عشرة سنة) قاله الأكثر، وقيل: تسع سنين، قاله الطبري وغيره. وقيل: ثلاثة عشر، حكاه أبو عمر. وقال ابن الجوزي: قال أهل السير والتواريخ: لما أتت عليه عَ لِ اثنتا عشرة سنة وشهران وعشرة أيام، وفي سيرة مغلطاي: وشهر، ويمكن حمل القول الأوّل عليه بأن المراد: وما قاربها، (خرج مع عمّه أبي طالب) قاصدًا (إلى الشام) وسبب ذلك؛ كما في ابن إسحق: أن أبا طالب لما تهيّأُ للرحيل صبّ به رسول اللَّه عَ لَّهِ، فرقّ له أبو طالب، وقال: واللَّه لأخرجنّ به معي ولا يفارقني ولا أُفارقه أبدًا، فخرج به معه. وصبّ بصاد مهملة فموحّدة، قال السهيلي: الصبابة رقّة الشوق، يقال: صببت بكسر الباء أصبّ وقرىء: أُصبّ إليهن، وعند بعض الرواة: خبث به، أي: لزمه. قال الشاعر: كان فؤادي في يد خبثت به محاذرة أن يقضب الحبل قاضبه انتهى. وفي النور: خبث بفتح الضاد المعجمة والموحدة وبالمثلثة، انتهى. فهما روايتان فقصر من اقتصر على الثانية. وسار (حتى بلغ بصري) بضم الموحّدة مدينة حوران فتحت صلحًا لخمس بقين من ربيع الأول سنة ثلاث عشرة وهي أوّل مدينة فتحت بالشام، ذكره ابن عساكر، وردّها عليه السّلام مرّتين. (فرآه بحيرا الراهب،) وكان إليه علم النصرانية، قال ابن إسحق: (واسمه جرجيس) بكسر الجيمين بينهما راء وبعد الثانية تحتية فسين مهملة، هكذا رأيته بخطّ مغلطاي في الزهري وصحّح عليه، وكذا في الإصابة غيره مصروف للعجمة والعلمية وهو في الأصل اسم نبيّ، قاله الشامي، قاله السهيلي وصاحب الإصابة: وقع في سيرة الزهري أن بحيرا كان حبرًا من أحبار اليهود تيما. وفي مروج الذهب للمسعود: إنه كان نصرانيًّا من عبد القيس واسمه سرجس. قال البرهان: هكذا في نسخة صحيحة من الروض وأخرى قريبة من الصحّة. وفي الشامية، قال ٣٦٣ خروجه عَّةٍ إلى الشام فعرفه بصفته فقال وهو آخذ بيده: هذا سيد العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين. فقيل له: وما علمك بذلك؟ قال: إنكم حين أشرفتم من العقبه، لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدًا، ولا يسجدان إلا لنبي، واني أعرفه بخاتم النبوة، في أسفل من غضروف كتفه، مثل التفاحة، وإنا نجده في كتبنا، وسأل أبا طالب أن يرده خوفًا عليه من اليهود. والحديث رواه ابن أبي شيبة، وفيه: أنه عَ لِّ أقبل وعليه غمامة تظله. المسعودي: اسمه جرجس، كذا فيما وقفت عليه من نسخ الروض. (فعرفه بصفته، فقال: وهو آخذ بيده) كما رواه الترمذي والبيهقي في الدلائل والخرائطي وابن أبي شيبة عن أبي موسى، قال: خرج أبو طالب إلى الشام ومعه النبيّ عَّله في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب يعني بحيرا، هبطوا فحلّوا رحالهم، فخرج إليهم وكان قبل ذلك يمرّون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت، قال: فنزل وهم يحلّون رحالهم فجعل يتخلّلهم حتى جاء فأخذ بيد رسول اللَّه عَّهِ، فقال: (هذا سيّد المرسلين، هذا سيّد العالمين) ذكره لإفادة تعميم السيادة نصًّا، وإن استلزمه ما قبله، (هذا يبعثه الله رحمة للعالمين)) كما قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، ففيه أن معنى الآية كان عندهم في الكتب القديمة، (فقيل له) وفي رواية الترمذي والجماعة، فقال له الأشياخ من قريش: (وما علمك بذلك) أي: علم لك به، نحو: وما علمي بما كانوا يعملون، (قال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبقَ شجر ولا حجر إلا خرّ ساجدًا، ولا يسجدان إلا لنبيّ وإني أعرفه بخاتم النبوّة في أسفل من غضروف كتفه) بضم الغين وسكون الضاد المعجمتين فراء مضمومة فواو ساكنة، وهو رأس لوح الكتف، ويقال: غرضوف بتقديم الراء. وقدّمه الجوهري. (مثل التفاحة، وإنَّا نجده في كتبنا، وسأل أبا طالب أن يردّه خوفًا عليه من اليهود، رواه ابن أبي شيبة) عن أبي موسى الأشعري. قال السخاوي: وهو إمّا أن يكون تلقَّاه من النبيّ عَّه فيكون أبلغ، أو من بعض كبار الصحابة، أو كان مشهورًا أخذه بطريق الاستفاضة. (وفيه: أنه سَِّ أقبل وعليه غمامة تظلّه،) ولفظه ثم رجع يصنع لهم طعامًا، فلمَّا أتاهم به وكان هو في رعية الإبل، فقال: أرسلوا إليه، فأقبل وغمامة تظلّه ... الحديث، وتأتي بقيته في كلام المصنّف. وساق ابن إسحق: الحديث بلفظ: أنه صنع إليهم طعامًا وأرسل إليهم أن احضروا كلّكم صغيركم وكبيركم وعبدكم وحرّكم، فقال له رجل منهم: واللَّه يا بحيرا إن لك يوم لشأنًا ما كنت تصنع هذا بنا وقد كنّا نمرّ بك كثيرًا، فما شأنك اليوم؟ قال له بحيرا: صدقت، ولكنكم ضيف وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعامًا فتأكلوا منه كلّكم، فاجتمعوا إليه ٣٦٤ خروجه عَّهِ إلى الشام و ((بحيرى))، بفتح الموحدة وكسر المهملة وسكون المثناة التحتية آخره راء مقصورة - قال الذهبي - في تجريد الصحابة -: رآى رسول الله عَ لّه قبل المبعث وآمن به، وذكره ابن منده، وأبو نعيم في الصحابه. وهذا ينبني على تعريفهم الصحابي: بمن رآه ◌َّهِ، هل المراد حال النبوة، أو أعم من ذلك حتى يدخل من رآه قبل النبوة ومات قبلها على دين الحنيفية. وتخلّف عَِّ من بين القوم لحداثة سنّه في رحالهم، فلما نظر بحيرا في القوم لم يرَ الصفة التي يعرف ويجد عنده، فقال: يا معشر قريش! لا يتخلّفن منكم أحد عن طعامي، فقال له: يا بحيرا! ما تخلف عن طعامك أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام أحدث القوم سنًّا فتختلف في رحالهم، فقال: لا تفعلوا ادعوه فليحضر معكم، فقال رجل من قريش: إن كان للؤمّا بنا أن يتخلّف ابن عبد الله بن عبد المطّلب عن طعام من بيننا، فقام الحرث بن عبد المطّلب فأتى به ... الحديث، وفيه: أنه أحضرهم للطعام وأن المصطفى تخلّف لحداثته. وفي السابق: أنه أتى لهم بالطعام وأن النبيّ عليه السّلام كان في رعية الإبل، وإسناده صحيح فوجب تقديمه على خبر ابن إسحق؛ لأنه معضل وعلى تقدير ثبوته، فيحتمل على بعد أنه صنع لهم الطعام مرّتين. (وبحيرا بفتح الموحّدة وكسر) الحاء (المهملة وسكون المثناة التحتية آخره راء مقصورة) قاله غير واحد. قال الشامي: ورأيت بخطّ مغلطاي والمحبّ بن الهائم وغيرهما: عليها مدّة، وقال البرهان: رأيته ممدودًا بخطّ الإمام شهاب الدين بن المرحل. (قال الذهبي في تجريد الصحابة: رأى رسول اللَّه عَّ قبل المبعث وآمن به) كما أفاده هذا الخبر، وأصرح منه ما في الإصابة عن أبي سعد في شرف المصطفى أنه عَّهِ مرّ ببحيرا أيضًا لما خرج في تجارة خديجة ومعه ميسرة، وإن بحيرا قال له: قد عرفت العلامات فيك كلّها إلا خاتم النبوة، فاكشف لي عن ظهرك، فكشف له عن ظهره، فرآه، فقال: أشهد أن لا إله إلاّ اللَّه، وأشهد أنك رسول اللَّه النبيّ الأُمّي الذي بشّر به عيسى ابن مريم، ولا يشكل على ما مرّ أنه رأى الخاتم وهو وز عمّه؛ لاحتمال أنه نسي صورة ما رآه أو تردّد في أنه الخاتم، فأراد التثبت. (وذكره ابن منده) بفتح الميم والدال المهملة بينهما نون ساكنة، كما ضبطه ابن خلكان، (وأبو نعيم في الصحابة) لهما (وهذا) الذي قاله الذهبي (ينبني على تعريفهم الصحابي بمن وآه ◌َِّةِ، هل المراد حال النبوّة) وهو ظاهر كلامهم، وعليه صاحب الإصابة، إذا قال: لا ينطبق عليه تعريف الصحابي وهو مسلم لقى النبيّ ◌َّه مؤمنًا به ومات على ذلك، فقولنا: مسلم، أظنّ أنه يخرج من لقيه مؤمّنا به قبل أن يبعث؛ كبحيرا هذا، ولا أدري أدرك البعثة أم لا؟. (أو أعمّ من ذلك حتى يدخل من رآه قبل النبوّة، ومات قبلها على دين الحنيفية) ٣٦٥ خروجه عٍَّ إلى الشام وهو محل نظر، وسيأتي البحث فيه إن شاء الله في المقصد السابع. وخرج الترمذي - وحسنه -، والحاكم - وصححه ــ أن فى هذه السفرة أقبل سبعة من الروم يقصدون قتله عليه السلام، فاستقبلهم بحيرى، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: إن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليها بأناس، فقال: أفرأيتم أمرًا أراد الله أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا قال: فبايعوه وأقاموا معه، ورده أبو طالب. كزيد بن عمرو بن نفيل وأضرابه، (وهو محل نظر) أي: بحث بينهم، (وسيأتي البحث فيه إن شاء اللَّه تعالى في المقصد السابع. وخرّج الترمذي وحسنه)) فقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، (والحاكم وصححه) فقال على شرطهما، وكذا خرّجه البيهقي وأبو نعيم والخرائطي وابن عساكر. في حديث أبي موسى السابق صدره، وكان المناسب لو أتى بالحديث دون تقطيع، ثم عقبه بالتكلّم على بحيرا وعلى إشكاله الآتي. (أن في هذه السفرة أقبل سبعة من الروم يقصدون قتله عليه السّلام،) ولفظه عقب قوله السابق: فأقبل وعليه غمامة تظلّه، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلمًا جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه، قال: فبينا هو قائم عليهم وهو يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إن عرفوه بالصفة فيقتلونه، فالتفت فإذا سبعة قد أقبلوا من الروم، (فاستقبلهم بحيرا، فقال: ما جاء بكم؟ فقالوا: إن هذا النبيّ) الذي بشّر به في كتبنا، فاللام للعهد (خارج في هذا الشهر) أي: إلى السفر لا إلى النبوّة؛ لأنه حينئذ كان صغيراً، (فلم يبقَ طريق إلا بعث) بالبناء للمفعول، أي: بعث ملكهم، (إليها بأناسٍ) وأسقط من الحديث ما لفظه: وأنا مذ أخبرنا خبره بعثنا إلى طريقك هذا، فقال: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: إنما أخبرنا خبره بطريقك هذا، (فقال: أفرأيتم أمرًا أراد اللَّه أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس ردّه؟ قالوا: لا، قال: فبايعوه) بفتح الياء خبر لا أمر، قال ابن سيّد الناس: إن كان المراد فبايعوا بحيرا على مسالمة النبيّ عَّ له فقريب، وإن كان غير ذلك فلا أدري ما هو. قال المحبّ بن الهائم: الأوّل هو الظاهر، لتوافق الضمير فيه، وفي (وأقاموا معه) ومعناه: بايعوه على أن لا يأخذوا النبيّ عَهُ ولا يؤذوه على حسب ما أرسلوا فيه، وأقاموا مع بحيرا خوفًا على أنفسهم إذا رجعوا بدونه، قال: وهذا وجه حسن جدًا، انتهى. وخفي هذا على الحافظ الدمياطي، فقرأه بكسر الياء أمرًا وحكم بأنه وهم. (وردّه) أي: النبيّ عَّله (أبو طالب) بأمر بحيرا، ففي حديث الترمذي والجماعة بعده: ٣٦٦ خروجه عٍَّ إلى الشام وبعث معه أبو بكر بلالاً. قال البيهقي: هذه القصه مشهورة عند أهل المغازي. انتهى. وضعف الذهبي الحديث لقوله في آخره: ((وبعث معه أبو بكر بلالاً) فإن أبا بكر إذ ذاك لم يكن متأهلاً، ولا أشتري بلالاً. قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: الحديث رجاله ثقات، وليس فيه منكر سوى هذه اللفظة، فتحمل على أنها مدرجة فيه مقتطعة من حديث آخر فأقاموا معه، فقال: أنشدكم باللَّه! أيّكم؟ قالوا: أبو طالب، فلم يزل يناشده حتى ردّه أبو طالب، (وبعث معه أبو بكر بلالاً) بقيّة الحديث، وزوّده الراهب من الكعك والزيت، (قال البيهقي: هذه القصّة مشهورة عند أهل المغازي، انتھی. (وضعّف) الحافظ محمّد بن أحمد (الذهبي الحديث؛ لقوله في آخره، وبعث معه أبو بكر بلالاً، فإن أبا بكر إذ ذاك لم يكن متأهلاً.) قال ابن سيد الناس: لأنه حينئذ لم يبلغ عشر سنين، فإن المصطفى أزيد منه بعامين وكان له يومئذ تسعة أعوام على ما قاله الطبري وغيره، أو اثنا عشر عامًا، على ما قاله آخرون. (ولا اشترى بلال) قال اليعمري: لأنه لم ينتقل لأبي بكر إلا بعد ذلك بأزيد من ثلاثين عامًا؛ فإنه كان لبني خلف الجمحيين وعندما عذّب في اللَّه اشتراه أبو بکر رحمة له، واستنقادًا له من أیدیھم، وخبره بذلك مشهور، انتھی. ولفظ الذهبي في الميزان في ترجمة عبد الرحمن بن غزوان: كان يحفظ وله مناكير، وأنكر ما له حديث عن يونس بن أبي إسحق، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبي موسى في سفر النبيّ ◌َّه وهو مراهق مع أبي طالب إلى الشام، وقصة بحيرا ومما يدلّ على أنه باطل، قوله: وبعث معه أبو بكر بلالاً، وبلال لم يكن خلق وأبو بكر كان صبيًّا. وقال في تلخيص المستدرك، بعد ما ذكر قول الحاكم على شرطهما: قلت أظنّه موضوعًا، فبعضه باطل، انتهى. وردّ قوله: بلال لم يكن خلق بأن ابن حبان قال في الثقات: أن بلالاً كان ترب الصديق، أي: قرينه في السنّ. (قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: الحديث رجاله ثقات) من رواة الصحيح وعبد الرحمن بن غزوان ممن خرّج له البخاري، ووثّقه جماعة من الأئمّة والحفّاظ. قال السخاوي: ولم أرَ لأحد فيه جرحًا، (وليس فيه منكر سوى هذه اللفظة، فتحمل على أنها مدرجة) ملحقة (فيه) من أحد رواته من غير تمييز لها من الحديث، (مقتطعة من حديث آخر، ٣٦٧ خروجه عَّ إلى الشام وهمًّا من أحد رواته. وفي حديث عند البيهقي وأبي نعيم: أن بحيرى رأى - وهو في صومعته - في الركب حين أقبلوا، وغمامة بيضاء تظلله من بين القوم، ثم أقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبًا منه، فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة، وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله عَّةٍ حتى استظل تحتها. الحديث. وفيه: أن بحيرى قام فاحتضنه وأنه جعل يسأله عن أشياء من حاله: ونومه وهيئته وأموره. ويخبره عٍَّ فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته، ورأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده. وهما) بفتح الهاء غلطًا (من أحد رواته) فلا يحكم على جميع الحديث بالضعف ولا بغيره لأجلها بل عليها فقط؛ لكون رجاله ثقات. (وفي حديث عند البيهقي) في الدلائل (وأبي نعيم) في حديث أبي موسى السابق (أن بحيرا رأى،) تأمّل (وهو في صومعته في الركب) لعلمه بخروج المصطفى للسفر حينئذ من الكتب القديمة، وهذا أولى من تقدير المفعول وجعل رأى بصريّة، وفي نسخة: رآه، أي: رأى بحيرا النبيّ عليه السّلام، والصومعة منزل الراهب. قال البرهان: يقال أنانا بشريد مصمعة إذا دققت وحدّد رأسها وصومعة النصارى فوعلة من هذا؛ لأنها دقيقة الرأس (حين أقبلوا وغمامة بيضاء تظلّه من بين القوم، ثم أقبلوا حتى نزلوا بظلّ شجرة قريبًا منه) من بحيرا، (فنظر إلى الغمامة حين أظلّت الشجرة وتهصرت). قال البرهان: بالصاد المهملة المشدّدة، أي: مالت وتدلّت (أغصان الشجرة على رسول اللَّه عٍَّ حتى استظلّ تحتها ... الحديث)، وفي الزهر الباسم عن الواقدي أنه عَِّ لما فارق تلك الشجرة التي كان جالسًا تحتها وقام انقلعت من أصلها حين فارقها، (وفيه: أن بحيراً قام فاحتضنه) عَّهِ (وأنه جعل يسأله عن أشياء) وعند ابن إسحق، أنه قال له: يا غلام أسألك بحقّ اللات والعزى، إلا ما أخبرتني عمّا أسألك عنه، فقال عَّلِ: ((لا تسألني بهما شيئًا، فوالله ما أبغضت شيئًا قطّ بغضهما))، فقال له بحيرا: فباللّه إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال له: ((سلني عمّا بدا لك))، فجعل يسأله عن أشياء (من حاله ونومه وهيئته وأُموره) ليعلم: هل هو أو غيره، (ويخبره عَّه فيوافق ذلك) الذي يخبره به (ما عند بحيرا من صفته،) وإنما سأله بحقّ اللات والعزّى اختبارًا؛ كما في الشفاء، وهو أنسب من قول ابن إسحق؛ لأنه سمع قومه يحلفون بهما. (ورأى خاتم النبوّة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده) وعند ابن إسحق: فلمًا ٣٦٨ خروجه عٍَّ إلى الشام وتقدم أن أخته الشيماء بنت حليمة رأته في الظهيرة، وغمامة تظله، إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت، رواه أبو نعيم وابن عساكر. ولله در القائل: إن قال يومًا ظللته غمامة هي في الحقيقة تحت ظل القائل ونقل الشيخ بدر الدين الزركشي عن بعض أهل المعرفة: أنه معَِّ كان معتدل الحرارة والبرودة، فلا يحس بالحر ولا بالبرد، وأنه كان في ظل غمامة من اعتداله. كذا نقل رحمه الله. فرغ أقبل على عمّه، فقال له: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني، قال: ما هو ابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيًّا، قال: فإنه ابن أخي، قال: فما فعل أبوه؟ قال مات وأُمّه حبلى به، قال: صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود، فوالله لئن رأوه أو عرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرًا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم فأسرع به إلى بلاده، فخرج به أبو طالب سريعًا حتى أقدمه مكّة حين فرغ من تجارته بالشام. (وتقدّم) في حديث إقامته عَّله في بني سعد بعد الفطام، (أن أخته الشيماء بنت حليمة رأته في الظهيرة،) هي انتصاف النهار مطلقًا، أو إنما ذلك في القيظ، حكاهما المجد. (وغمامة تظلّه إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت، رواه أبو نعيم وابن عساكر، وللَّه درّ القائل إن قال يومًا،) المراد: إن دخل في وقت القيلولة وإن لم ينم فيه سائرًا أو غير سائر، (ظّلته غمامة) سحابة (هي في الحقيقة تحت ظل القائل) أي: في كنفه وستره من قولهم: فلان يعيش في ظلّ فلان، أي: كنفه، والمعنى أن الغمامة هي المحتاجة له للتبرك به، وليس هو محتاجًا لها. (ونقل الشيخ بدر الدين الزركشي عن بعض أهل المعرفة: أنه معَّةِ كان معتدل الحرارة والبرودة، فلا يحسّ) بضم الياء من أحسّ بالشىء، إذا شعر (بالحرّ ولا بالبرد، وإنه كان في ظلّ غمامة) ناشئة (من اعتداله،) كأنها أخذت منه والقصد المبالغة في كماله حتى صلح لأن تؤخذ الغمامة منه، ثم تظلّه فلا يعترض عليه بأن كلامه يقتضي أنه تمثيل، فيخالف ما شوهد من تظليل الغمام، أو من بمعنى إلى، أي: إلى كمال اعتداله بالنبوّة دون ما بعدها، أو المعنى أنها ظلّلته لکمال الاعتدال فیه إكرامًا له لا لاحتياجه إليها. (كذا قال رحمه اللَّه) تبرأ منه؛ لأنه بعد هذه العنايات في فهمه منابذ لما تشهد به الأحاديث من أنه عليه السّلام كان يحسّ بالبرد والحرّ، ففي حديث الهجرة عند البخاري أن الشمس أصابته عَّه وظّله أبو بكر بردائه. وفي البخاري أيضًا: أنه كان بالجعرانة وعليه ثوب قد أظلّ به، وروى ابن منده والبيهقي مرفوعًا لا نصبر على حرّ ولا برد. وروى أحمد بسند جيّد: ٣٦٩ عَ لّ إلى الشام خروجه غزة وأخرج ابن منده، بسند ضعيف عن ابن عباس: أن أبا بكر الصديق صحب النبي عَّ، وهو ابن ثمان عشرة، والنبي عَّ ابن عشرين سنة، وهم يريدون الشام في تجارة، حتى نزلا منزلاً فيه سدرة، فقعد في ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب يقال له بحيرى، يسأله عن شىء، فقال له: من الرجل الذي في ظل الشجرة، قال: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال: هذا والله نبي، ما استظل تحتها بعد عيسى عليه السلام إلا محمد. ووقع في قلب أبي بكر الصديق، فلما بعث النبي عَ ◌ّه اتبعه. قال الحافظ أبو الفضل بن حجر في الإصابة: إن صحت هذه القصة . ... أنه عَِّ وضع يده في طعام حار فاحترقت أصابعه، فقال: حسّ. (وأخرج) أبو عبد اللَّه محمّد بن إسحق بن محمّد بن يحيى (بن منده) الأصبهاني الحافظ الجوّال ختام الرحالين وفرد المكثرين مع الحفظ والمعرفة والصدق وكثرة التصانيف، سمع ألفًا وسبعمائة، وعاد من رحلته، وكتبه أربعون جملاً، قال المستغفري: ما رأيت أحفظ منه، مات سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. (بسند ضعيف عن ابن عباس: أن أبا بكر الصديق صحب النبيّ عَّه وهو ابن ثمان عشرة) سنة، (والنبيّ عَِّ ابن عشرين سنة) فهو أسنّ منه بعامين، وهذا قول الجمهور. وما رواه حبيب بن الشهيد عن ميمون بن مهران عن يزيد بن الأصمّ مرسلاً أنه عَلَّم قال لأبي بكر: (من أكبر أنا أو أنت))؟ فقال: أنت أكبر وأكرم وخير مني، وأنا أسنّ منك، فقال في الاستيعاب: لا نعرفه إلا بهذا الإسناد وأحسبه وهمًا لقول جمهور أهل العلم بالأخبار والشير والآثار: أن أبا بكر استوفى بمدّة خلافته سنّ رسول اللّه عَلَّه. (وهم يريدون الشام في تجارة، حتى نزلا منزلاً فيه سدرة، فقعد) عليه السلام (في ظلّها ومضى أبو بكر إلى راهب يقال له بحيرا، يسأله عن شىء، فقال له: من الرجل الذي في ظلّ الشجرة؟ قال:) هو (محمّد بن عبد اللَّه بن عبد المطّلب، قال:) بحيرا (هذا واللَّ نبيّ! ما استظلّ تحتها بعد عيسى عليه السلام إلا محمّد؛) وكأنه علم ذلك من رؤيته في كتبهم أو بقرائن قوية ويأتي قريبًا مزيد لذلك عن السهيلي. (ووقع في قلب أبي بكر الصديق، فلما بعث النبيّ عَ ﴿ِ اتّبعه) سريعًا، فكان أوّل الناس إيمانًا. (قال الحافظ أبو الفضل بن حجر في الإصابة إن صحّت هذه القصّة) في نفس الأمر أو ٣٧٠ تزوجه عليه السلام من خديجة فهي سفرة أخرى بعد سفرة أبى طالب. انتهى. تزوجه عليه السلام من خديجة ثم خرج عدِّ أيضًا ومعه ميسرة غلام خديجة بنت خويلد ابن أسد، في تجارة لها بورودها من طريق آخر، قال: ذلك لضعف إسنادها، (فهي سفرة أخرى بعد سفرة أبي طالب، انتهى.) وفيه توهين قول بعضهم: هذا السفر هو الذي كان مع أبي طالب، فإن أبا بكر حينئذ كان معه، انتهى. للاتفاق على أنه في ذلك السفر ما بلغ هذا السنّ وقاربه، فإن غاية ما قيل: إنه كان في الثالثة عشرة. [تزوجه عليه السلام من خديخة (ثم خرج عَّهِ أيضًا) إلى الشام مرّة ثانية وسبب ذلك؛ كما رواه الواقدي وابن السكن: أن با طالب، قال: يا ابن أخي! أنا رجل لا مال لي، وقد اشتدّ الزمان علينا وألحّت علينا سنون منكرة وليس لنا مادة ولا تجارة وهذه غير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة تبعث رجالاً من قومك يتّجرون في مالها ويصيبون منافع، فلو جئتها لفضّلتك على غيرك لما يبلغها عنك من طهارتك، وإن كنت أكره أن تأتي الشام، وأخاف عليك من يهود، ولكن لا نجد من ذلك بدًّا، فقال عَّ: ((لعلّها ترسل إليّ في ذلك))، فقال أبو طالب: إني أخاف أن تولّي غيرك، فبلغ خديجة ما كان من محاورة عمّه له، وقبل ذلك صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه، فقالت: ما علمت أنه يريد هذا، وأرسلت إليه، وقالت: دعاني إلى البعثة إليك ما بلغني من صدق حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلاً من قومك، فذكر ذلك عَِّ لعمّه، فقال: إن هذا الرزق ساقه اللَّه إليك. فخرج (ومعه ميسرة غلام خديجة،) قال في النور: لا ذكر له في الصحابة فيما أعلمه وظاهر أنه توفي قبل البعث، ولو أدركه لأسلم. وفي الإصابة: لم أقف على رواية صحيحة صريحة في أنه بقي إلى البعثة، فكتبته على الاحتمال، وفيه: أن الصحبة لا تثبت بالاحتمال، بل كما قاله هو في شرح نخبته بالتواتر والاستفاضة أو الشهرة أو بإخبار بعض الصحابة أو بعض ثقات التابعين، أو بإخباره عن نفسه بأنه صحابي إذا دخل تحت الإمكان. (بنت خويلد بن أسد في تجارة لها) وعند الواقدي وغيره: وكانت خديجة تاجرة ذات شرف ومال كثير، وتجارة تبعث بها إلى الشام، فتكون عيرها كعامّة عير قريش، وكانت تستأجر الرجال وتدفع إليهم المال مضاربة، وكانت قريش قومًا تجّارًا، ومن لم يكن منهم تاجرًا فليس ٣٧١ تزوجه عليه السلام من خديجة حتى بلغ سوق بصرى، وقيل سوق حباشة بتهامة، وله إذ ذاك خمس وعشرون سنة، لأربع عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة، فنزل تحت ظل شجرة، فقال نسطورا الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي، وفي رواية بعد عيسى. عندهم بشىء، فسار عَّ﴾ (حتى بلغ سوق بصرى،) رواه الواقدي وابن السكن وغيرهما، (وقيل: سوق حباشة) بحاء مهملة مضمومة فموحدة فألف فشين معجمة فتاء تأنيث، قال في الروض: سوق من أسواق العرب، انتھی. وهذا القول رواه الدولابي عن الزهري، ولفظه: استأجرته خديجة إلى سوق حباشة، وهو سوق (بتهامة) بكسر التاء اسم لكل ما نزل عن نجد إلى بلاد الحجاز ومكّة من تهامة، قال ابن فارس في مجمله: سمّيت تهامة من التهم بفتح التاء والهاء وهو شدّة الحرّ وركود الريح. وفي المطالع: سمّيت بذلك لتغيّر هوائها، يقال: تهم الدهن إذا تغيّر، وذكر الحازمي في مؤتلفه أنه يقال في أرض تهامة تهائم، انتهى. وقيّد بذلك؛ لأن حباشة مشترك، ففي القاموس: حباشة كثمامة سوق تهامة القديمة، وسوق آخر كان لبني قينقاع. (وله) عَِّ (خمس وعشرون سنة) فيما رواه الواقدي وابن السكن وصدّر به ابن عبد البرّ وقطع به عبد الغنيّ، قال في الغرر: وهو الصحيح الذي عليه الجمهور، وقيل غير ذلك؛ كما يأتي. (لأربع عشرة ليلة بقيت من ذي الحجّة، فنزل تحت ظلّ شجرة) في سوق بصرى قريبًا من صومعة نسطور الراهب، فاطّلع إلى ميسرة وكان يعرفه، (فقال نسطورا الراهب:). بفتح النون وسكون السين وضمّ الطاء المهملتين، قال في النور: وألفه مقصورة كذا نحفظه، ولم أرَ أحدًا ضبطه ولا تعرّض لعدّه في الصحابة، وينبغي أن الكلام فيه كالكلام في بحيرا. وعند الواقدي وابن إسحق، فقال: يا ميسرة من هذا الذي تحت هذه الشجرة؟ فقال: رجل من قريش من أهل الحرم، فقال له الراهب: (ما نزل تحت هذه الشجرة) زاد ابن إسحق: قطّ، (إلاَّ نبيّ). (وفي رواية: بعد عيسى،) قال السهيلي: يريد ما نزل تحتها هذه الساعة، ولم يرد: ما نزل تحتها قطّ إلا نبيّ لبعد العهد بالأنبياء قبل ذلك، وإن كان في لفظه: قطّ، فقد تكلّم بها على جهة التوكيد للنفي، والشجر لا يعمر في العادة هذا العمر الطويل حتى يدري أنه لم ينزل تحتها إلا عيسى أو غيره من الأنبياء، ويبعد في العادة أيضًا أن تخلو شجرة من نزول أحد تحتها نبيّ إلاَّ أن تصحّ رواية من قال في هذا الحديث: أحد بعد عيسى ابن مريم، وهي رواية عن غير ابن إسحق؛ فالشجرة على هذا مخصوصة بهذه الآية، انتهى. وأقرّه مغلطاي والبرهان وتعقّبه العزّ بن جماعة؛ بأنه مجرّد استبعاد لا دلالة فيه على امتناع ولا استحالة؛ وبأنه استبعاد يعارضه ظاهر ٣٧٢ تزوجه عليه السلام من خديجة وكان ميسرة يرى في الهاجرة ملكين يظلانه في الشمس، ولما رجعوا إلى مكة في ساعة الظهيرة، وخديجة في علية لها، رأت رسول الله عَ لهمه وهو على بعيره وملكان یظلان علیه. رواه أبو نعيم. وتزوج عّلّ خديجة بعد ذلك بشهرين وخمسة وعشرين يومًا - الخبر، وكون متعلّقات الأنبياء مظنّة خرق العادة، فلا يكون ذلك حينئذ من طول البقاء وصرف غير الأنبياء عن النزول تحتها بعيدًا، وذلك واضح، انتهى. وأيّد بما ذكره أبو سعد في الشرف: أن الراهب دنا إليه عَّهِ وقبّل رأسه وقدميه، وقال: آمنت بك وأنا أشهد أنك الذي ذكر اللَّه في التوراة، فلمَّا رأى الخاتم قبله، وقال: أشهد أنك رسول اللَّه النبيّ الأُمّي الذي بشّر بك عيسى، فإنه قال: لا ينزل بعدي تحت هذه الشجرة إلا النبيّ الأُمّي الهاشميّ العربيّ المكيّ صاحب الحوض والشفاعة ولواء الحمد. وعند الواقدي وابن السكن: ثم قال له: في عينيه حمرة، قال: ميسرة نعم، لا تفارقه أبدًا. قال الراهب: هو هو، وهو آخر الأنبياء، ويا ليت إني أدركه حين يؤمر بالخروج، فوعى ذلك ميسرة ثم حضر عَ له سوق بصرى فباع سلعته التي خرج بها واشترى، وكان بينه وبين رجل اختلاف في سلعة، فقال الرجل: أحلف باللّت والعزّى، فقال: ((ما حلفت بهما قطّ))، فقال الرجل: القول قولك، ثم قال لميسرة وخلا به: هذا نبيّ، والذي نفسي بيده إنه لهو الذي تجده أحبارنا منعوتًا في كتبهم، فوعى ذلك ميسرة، ثم انصرف أهل العير جميعًا. (وكان ميسرة يرى في الهاجرة ملكين يظلّنه في الشمس) فيه جواز رؤية الملائكة وبه وبرؤية الجنّ، صرّح في الحديث الصحيح: وأمَّا قوله: إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم، فمحمول على الغالب ولو كانت رؤيتهم محالة، لما قال عَّ في الشيطان: ((لقد هممت أن أربطه حتى تصبحوا تنظروا إليه كلّكم)). (ولمَّا رجعوا إلى مكّة في ساعة الظهيرة وخديجة في علّية) بكسر العين والضم لغة؛ كما في المصباح. وسوى بينهما في النور، أي: غرفة، والجمع العلالي بالتشديد والتخفيف. (لها، رأت رسول اللَّه عَّ وهو على بعير وملكان يظلآن عليه، رواه أبو نعيم،) زاد غيره: فأرته نساءها فعجبن لذلك، ودخل عليهما عَِّ فأخبرها بما ربحوا فسرّت، فلما دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت، فقال: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام، وأخبرها بقول نسطورًا، وقول الآخر الذي خالفه في البيع، وقدم عّلّه بتجارتها فربحت ضعف ما كانت تربح، وأضعفت له ما كانت سمته له، (وتزوّجَ عَّ خديجة بعد ذلك) أي: قدومه من الشام، (بشهرين وخمسة وعشرين يومًا،) ٣٧٣ تزوجه عليه السلام من خديجة وقيل: كان سنة إحدى وعشرين سنة، وقيل ثلاثين- وكانت تدعى في الجاهلية بالطاهرة، وكانت تحت أبي هالة بن زرارة التميمي، فولدت له هندا وهالة، وهما ذكران، ثم تزوجها عتيق بن عابد قاله ابن عبد البرّ، وزاد: إن ذلك عقب صفر سنة ستّ وعشرين، (وقيل: كان سنّه) عَّه (إحدى وعشرين سنة) قاله الزهري، (وقيل: ثلاثين) سنة، حكاه ابن عبد البرّ عن أبي بكر بن عثمن وغيره، وقال ابن جريج: كان سبعًا وثلاثين سنة، وقال البرقي: تسعًا وعشرين قد راهق الثلاثين، وقيل غير ذلك. (وكانت تدعى في الجاهلية بالطاهرة) لشدّة عفافها وصيانتها. وفي الروض: كانت تسمّى الطاهرة في الجاهلية والإسلام. وفي سير التيمي: كانت تسمّى سيّدة نساء قريش، (وكانت تحت أبي هالة بن زرارة التميمي) بميمين نسبة إلى تميم؛ كما صرّح به اليعمري وغيره، واختلف في اسم أبي هالة، فقيل ملك، حكاه الزبير والدارقطني وصدر به في الفتح، وقيل: زرارة حكاه ابن منده والسهيلي، وقيل: هند جزم به العسكري، واقتصر عليه في العيون وصدر به في الروض، وقيل: اسمه النباش، قطع به أبو عبيد وقدّمه مغلطاي، واقتصر عليه المصنّف في الزوجات، وهو بفتح النون فموحدة ثقيلة فشين معجمة، وفي فتح الباري: مات أبو هالة في الجاهلية. (فولدت له هندًا) الصحابي راوي حديث صفة النبيّ عَّ شهد بدرًا، وقيل: أُحدًا، روى عنه الحسن بن علي، فقال: حدّثني خالي؛ لأنه أخو فاطمة لأمّها وكان فصيحًا بليغًا وصّافًا، وكان يقول: أنا أكرم الناس أبًا وأُمَّا وأخًا وأُختَا، أبي رسول اللّه عَّه وأخي القسم وأختي فاطمة وأُمّي خديجة رضي اللّه عنهم، قتل مع عليّ يوم الجمل، قاله الزبير بن بكار والدارقطني. وقيل: مات بالبصرة في الطاعون، قال التّجاني: والصحيح أن الذي مات في الطاعون ولده واسمه هند كأبيه، انتهى. وهو المذكور في الروض عن الدولابي. وفي فتح الباري: ولهند هذا ولد اسمه هند، ذكره الدولابي وغيره، فعلى قول العسكري أن اسم أبي هالة هند، فهو ممن اشترك مع أبيه وجدّه في الاسم، انتهى. (وهالة) التميمي، قال أبو عمر: له صحبة، وأخرج المستغفري عن عائشة: قدم ابن لخديجة يقال له هالة والنبيّ عَّل قائل فسمعه، فقال: ((هالة هالة هالة))، وأخرج الطبراني عن هالة بن أبي هالة: أنه دخل على النبي عَّه وهو راقد فاستيقظ فضمّ هالة إلى صدره، وقال: (هالة هالة هالة)). (وهما ذكران) خلافًا لمن وهم، فزعم أن حالة أُنثى. (ثم) بعد أن هلك عنها أبو هالة (تزوّجها عتيق بن عابد) بالموحّدة والدال المهملة؛ كما في الإكمال، وتبعه التبصير، وقال اليعمري: إنه الصواب، ووقع في جامع ابن الأثير أنه بتحتيه ٣٧٤ تزوجه عليه السلام من خديجة المخزومي فولدت له هندً. وكان لها - حين تزوّجها بالنبي عَّله - من العمر أربعون سنة وبعض أخرى. و کانت عرضت نفسها علیه، وذال معجمة وهو مردود؛ فإنه عتيق بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وقد صرّح علامة النساب الزبير بن بكار بأن من كان من ولد عمر بن مخزوم فهو عابد، يعني بموحدة ودال مهملة، ومن كان من ولد أخيه عمران بن مخزوم فعائد، يعني بتحتية وذال معجمة، نقله الأمير في إكماله، والحافظ في تبصيره، وأقرّه. (المخزومي) نسبة إلى جدّه مخزوم المذكور، (فولدت له هندًا) أسلمت وصحبت ولم تروِ شيئًا، قاله الدارقطني، فهو أنثى وبه صرّح المصنّف في الزوجات وغيره تبعًا للزبير، وروى الدولابي عن الزهري أنها أمّ محمّد بن صيفي المخزومي وهو ابن عمّها، قال ابن سعد: ويقال لولد محمد: بنو الطاهرة؛ لمكان خديجة. وفي النور عن بعضهم: ولدت لعتيق عبد اللَّه، وقيل: عبد مناف، وهذا ثم ما ذكره المصنّف من أن عتيقًا بعد أبي هالة، هو ما نسبه ابن عبد البرّ للأكثر وصحّحه، ولذا جزم به هنا وصدر به في المقصد الثاني. وقال قتادة وابن شهاب وابن إسحق، في رواية يونس عنه: تزوّجها وهي بكر عتيق بن عابد، ثم هلك عنها، فتزوّجها أبو هالة. واقتصر عليه في العيون والفتح، وحكى القولين في الإصابة. (وكان لها حين تزوّجها بالنبيّ عَّله) مصدر مضاف لمفعوله، أي: حين تزويج مزوّجها إيّاها منه. وفي نسخة: تزوّجها بإضافة المصدر لفاعله، (من العمر أربعون سنة،) رواه ابن سعد، واقتصر عليه اليعمري، وقدّمه مغلطاي والبرهان. قال في الغرر: وهو الصحيح، وقيل: خمس وأربعون، وقيل: ثلاثون، وقيل: ثمانية وعشرون، حكاها مغلطاي وغيره. وأمَّا قول المصنّف هنا: وفي المقصد الثاني أربعون، (وبعض أُخرى) فينظر ما قدر البعض، (وكانت عرضت نفسها عليه) بلا واسطة، فعند ابن إسحق فعرضت عليه نفسها، فقالت: يا ابن عمّ! إني قد رغبت فيك لقرابتك وسلطتك في قومك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك، أو بواسطة؛ كما رواه ابن سعد من طريق الواقدي عن نفيسة بنت منية، قالت: كانت خديجة امرأة حازمة جلدة شريفة مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير، وهي يومئذ أوسط قريش نسبًا وأعظمهم شرفًا وأكثرهم مالاً، وكل قومها كان حريصًا على نكاحها لو قدر على ذلك، طلبوها وبذلوا لها الأموال، فأرسلتني دسيسًا إلى محمّد عَّه بعد أن رجع في عيرها من الشام، فقلت: يا محمّد! ما يمنعك أن تتزوّج؟ فقال: ((ما بيدي ما أتزوّج به))، قلت: فإن كفيت ذلك ودعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاءة، ألا تجيب؟ قال: ((فمن هي))؟ قلت: خديجة، قال: ((وكيف ٣٧٥ تزوجه عليه السلام من خديجة فذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه منهم حمزة حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه. فتزوجها عليه السلام، وأصدقها عشرين بكرة، لي بذلك))؟ فذهبت فأخبرتها فأرسلت إليه: أن اثت لساعة كذا، (فذكر ذلك لأعمامه) والجمع ممكن بأنها بعثت نفيسة أوّلاً لتعلم هل يرضى، فلمَّا علمت ذلك كلّمته بنفسها، قال الشامي: وسبب عرضها ما حدّثها به غلامها ميسرة مع ما رأته من الآيات. وما ذكره ابن إسحق في المبتدأ، قال: كان لنساء قريش عيد يجتمعن فيه، فاجتمعن يومًا فيه، فجاءهنّ يهودي، فقال: يا معشر نساء قريش! إنه يوشك فيكنّ نبيّ، فأيُتكنّ استطاعت أن تكون فراشًا له فلتفعل، فحصبنه وقبّحنه وأغلظن له وأغضت خديجة على قوله؛ ولم تعرض فيما عرض فيه النساء، وقرّ ذلك في نفسها، فلمَّا أخبرها ميسرة بما رآه من الآيات، وما رأته هي، قالت: إن كان ما قال اليهودي حقًّا، ماذاك إلا هذا، انتهى. وحصبنه: رمينه بالحصباء، وأغضت بغین وضاد معجمتین: سكنت. (فخرج معه منهم حمزة) كذا عند ابن إسحق، ونقل السهيلي عن المبرد: أن أبا طالب هو الذي نهض معه، وهو الذي خطب خطبة النكاح. قال في النور: فلعلّهما خرجا معه جميعًا والذي خطب أبو طالب؛ لأنه أسنّ من حمزة. (حتى دخل على) أبيها (خويلد) بضمّ الخاء مصغّر (ابن أسد) بن عبد العزّى بن قصيّ بن كلاب، (فخطبها إليه) أي: فخطبها من خويلد له عَّه، (فتزوّجها عليه السلام) وظاهر سياقه هذا: أنه عليه السلام ذكر ذلك لأعمامه من غير طلبها حضور واحد بعينه وعند ابن سعد في الشرف، أنها قالت له: اذهب إلى عمّك، فقل له: عجّل إلينا بالغداة، فلمَّا جاء، قالت: يا أبا طالب، ادخل على عمّي، فقل له: يزوّجني من ابن أخيك، فقال: هذا صنع اللَّه ... فذكر الحديث. ولا منافاة أصلاً فذكره عرضها لأعمامه لا ينافي كونها عينت له واحدًا منهم. وفي الروض: ذكر الزهري في سيرته وهي أول سيرة ألفت في الإسلام: أنه عَّ الِ قال لشريكه الذي كان يتّجر معه في مال خديجة: هلمّ فلنتحدث عند خديجة، وكانت تكرمهما وتتحفهما، فلما قاما من عندها جاءت امرأة، فقالت له: جئت خاطبًا يا محمّد، قال: كلاّ، فقالت: ولمَ !! فوالله ما في قريش امرأة وإن كانت خديجة إلا تراك كفؤًا لها، فرجع عَِّ خاطبًا لخديجة مستحيًّا منها، وكان أبوها خويلد سكران من الخمر، فلمَّا كلّم في ذلك أنكحها، فألقت عليه خديجة حلّة وضمخّته بخلوق، فلمَّا صحا من سكره، قال: ما هذه الحلّة والطيب، فقيل: إنك أنحكت محمّدًا خديجة وقد ابتنى بها، فأنكر ذلك ثم رضيه وأمضاه، وقال راجز من أهل مكّة في ذلك: ٣٧٦ تزوجه عليه السلام من خديجة وحضر أبو طالب ورؤساء مضر، فخطب أبو طالب فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسمعيل، وضئضىء معد، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته، وسواس حرمه، وجعل لنا بيتًا محجوجًا، وحرمًا آمنًا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن ابن أخي هذا، محمد بن عبد الله، لا يوزن برجل إلا لا تزهدي خديج في محمَّد نجم يضيء كما ضياء الفرقد (وأصدقها عشرين بكرة) من ماله عَّه زيادة على ما دفعه أبو طالب ويأتي له مزيد قريبًا. (وحضر أبو طالب) هذا هو الصواب المذكور في الروض وغيره، وما في نسخ أبو بكر رضي الله عنه لا أصل له، وقد صرّح المصنّف نفسه بالصواب في المقصد الثاني، فقال: وزاد ابن إسحق من طريق آخر: وحضر أبو طالب (ورؤساء مضر، فخطب أبو طالب) لا ينافيه قوله السابق: فخرج معه منهم حمزة؛ لما مرّ عن النور، (فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم) خصّه دون نوح؛ لأنه شرّفهم وأسكنهم البيت الحرام، أمَّا نوح وآدم فيشاركهم فيه جميع الناس، (وزرع إسمعيل) والد العرب الذين هم أشرف الناس لا زرع إسحق ولا مدين ولا غيرهما من ولد إبراهيم، أي: مزروعة والمراد ذرّيته غاير تفتنًا وكرامة لتوارد الألفاظ، وأطلق عليها اسم الزرع لمشابهتها له في النضارة والبهجة أو لتسببه في تحصيلها بفعل الزرع من إلقاء الحبّ وفعل ما يحتاج لتحصيل الإنبات، (وضئضىء معد) بكسر الضادّين المعجمتين وبهمزتين الأولى ساكنة، ويقال: ضيضىء بوزن قنديل وضؤضؤ بوزن هدهد وضؤضوء بوزن سرسور، ويقال أيضًا بصادين وسينين مهملتين، وهو في الجميع الأصل والمعدن، ذكره الشامي. (وعنصر مضر) بضم العين المهملة وسكون النون وضمّ الصاد المهملة وقد تفتح الأصل أيضًا وغاير تفتنًا والإضافة فيهما بيانية، أي: أصل هو معد ومضر وخصّهما لشرفهما وشهرتهما أو لما ورد أنهما ماتا على ملّة إبراهيم، لكن وروده كان بعد ذلك بمدّة فلعلّه كان مشهورًا في الجاهلية، قال شيخنا: ويجوز أن المراد بالأصل الشرف والحسب، والمعنى: من أشراف معد ومضر. (وجعلنا حضنة بيته) الكعبة (وسواس حرمه) مدبّريه القائمين به، (وجعل لنا بيتًا محجوجًا) أي: مقصودًا بالحجّ إليه، (وحرمًا آمنًا) لا يصيبنا فيه عدوّ؛ كما قال تعالى: ﴿أو لم نمكن لهم حرمًا آمنًا يجبى إليه ثمرات كل شىء﴾ [القصص: ٥٧]، (وجعلنا الحكام على الناس) حكم معروف وطوع وانقياد لمكارم أخلاقهم وحسن معاملاتهم، لا حكم ملك وقهر فلا ينافي قول صخر لقيصر ليس في أبائه من ملك، (ثم إن ابن أخي هذا محمّد بن عبد اللَّه، لا يوزن برجل إلا ٣٧٧ تزوجه عليه السلام من خديجة رجح به، فإن كان في المال قل، فإن المال ظل زائل، وأمر حائل، ومحمد ممن قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها ما آجله وعاجله من مالي كذا، وهو - والله - بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل جسيم، فزوجها. رجح به،) زاد في رواية: شرفًا ونبلاً وفضلاً وعقلاً، وعداه بالباء وفيما مرّ عداه عَّله بنفسه في قوله: فوزنوني بهم فرجحتهم فيفيد جواز الأمرين، (فإن) وفي نسخة: وإن بالواو، وهي أولى؛ لأن ما ذكر لا يتفرّع على ما قبله، (كان في المال) اللام عوض عن المضاف إليه، أي: ماله (قل) بضم القاف مشترك بين ضدّ الكثرة، وهو الوصف والشىء القليل؛ كما في القاموس. (فإن المال ظلّ زائل) تشبيه بليغ، أي: كالظلّ السريع الزوال، (وأمر) أي: شىء (حائل) لا بقاء له لتحوّله من شخص لآخر ومن صفة إلى أخرى فمال زائل وحائل واحد، زاد في رواية: وعارية مسترجعة، (ومحمّد ممّن) من الذين (قد عرفتم قرابته) أفراد ضميره رعاية للفظ من، وفي نسخ إسقاط من أي ومحمّد الذين قد عرفتم قرابته لهاشم وعبد المطّلب والآباء الكرام، فالحسب أعظم من كثرة المال، (وقد خطب خديجة بنت خويلد) أي: جاء لها خاطبًا، (وبذل) أعطى بسماحة (لها ما آجله وعاجله من مالي). (كذا) هو ما يأتي عن الدولابي، ففي رواية: إن أبا طالب قال: وقد خطب إليكم راغبًا کریمتكم خديجة وقد بذل لها من الصداق ما حكم عاجله وآجله اثنتا عشرة أوقية ذهبًا ونشأ، وقال المحب الطبري في السمط الثمين في أزواج الأمين: أصدقها المصطفى عشرين بكرة، ولا تضادّ بين هذا وبين ما يقال أبو طالب أصدقها؛ لجواز أنه عَّ زاد في صداقها فكان الكل صداقًا وذكر الدولابي وغيره: أنه عَّ أصدقها اثنتي عشرة أوقية من ذهب، وفي المنتقى: الصداق أربعمائة دينار، فيكون ذلك أيضًا زيادة على ما تقدّم ذكره الخميس. (وهو واللَّه بعد هذا) الذي قلته فيه (له نبأ) خبر (عظيم) لا تعلمونه إشارة إلى ما شاهده من بركته عليه في أكله مع عياله، وما أُخبر به بحيرا وغير ذلك، (وخطر جليل) عظيم (جسيم، فزوّجها) بالبناء للمفعول، وفي رواية: فنزوّجها عَّهِ. وفي المنتقى: فلمَّا أتمّ أبو طالب الخطبة تكلّم ورقة بن نوفل، فقال: الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت، وفضّلنا على ما عددت فنحن سادة العرب وقادتها، وأنتم أهل ذلك كله لا تنكر العشيرة فضلكم ولا يردّ أحد من الناس فخركم وشرفكم، وقد رغبنا في الاتّصال بحبلكم وشرفكم فاشهدوا عليٌّ يا معاشر قريش بأني قد زوّجت خديجة بنت خويلد من محمّد بن عبد اللَّه على أربعمائة دينار، ثم سكت، فقال أبو طالب: قد أحببت أن يشركك عمّها، فقال عمّها: اشهدوا عليّ يا معاشر قريش أني قد أنكحت محمّدًا بن عبد الله خديجة بنت خويلد، ٣٧٨ تزوجه عليه السلام من خديجة والضئضىء: الأصل. وحضنة بيته: أي الكافلين له والقائمين بخدمته. وسواس حرمه: أي متولوا أمره. قال ابن إسحق: وزوجها أبوها خويلد. وقد ذكر الدولابي وغيره: أن النبي عَّهِ أصدق خديجة اثنتي عشر أوقية ذهبًا ونشًا. قالوا: وكل أوقية أربعون درهمًا، قال المحب الطبري: وشهد علی ذلك صنادید قریش. (والضئضىء) بجميع وجوهه المتقدّمة معناه: (الأصل وحضنة بيته، أي: الكافلين له والقائمين بخدمته) أي: هم المعروفون بذلك وإلا فالأولى الرفع؛ لأن حضنة مبتدأ فهو مرفوع وإن قصد حكاية ما سبق، (وسواس حرمه، أي: متولّو أمره) من ساس الرعيّة، (قال ابن إسحق: وزوّجها أبوها خويلد) للنبيّ عَّ ◌ُلِ أعاده للغزو، وهذا جزم به ابن إسحق هنا، وصدّر به في آخر كتابه وقابله بقوله: ويقال أخوها عمرو، وفي الفتح: زوّجه إياها أبوها خويلد، ذكره البيهقي من حديث الزهري بإسناده عن عمار بن ياسر، وقيل: عمها عمرو بن أسد ذكره الكلبي، وقيل: أخوها عمرو بن خويلد، ذكره ابن إسحق، انتهى. وكأنه لم يعتبر قول الواقدي الثبت عندنا المحفوظ من أهل العلم أن أباها مات قبل حرب الفجّار، وإن عمّها عمرًا هو الذي زوّجها لمزيد حفظ الثبت وهو الزهري خصوصًا، وقد رواه عن صحابي من السابقين، لكن قال الشامي الذي ذكره أكثر علماء السّير: أن الذي زوّجها عمّها. قال السهيلي: وهو الصحيح لما روى الطبري: أن عمرو بن أسد هو الذي أنكح خديجة رسول اللَّه عَّهِ، وأن خويلدًا كان قد مات قبل حرب الفجّار، ورجّحه الواقدي وغلط من قال بخلافه، وحكى عليه المؤملي الاتّفاق. (وقد ذكر) الحافظ أبو بشر بموحدة مكسورة فشين معجمة محمّد بن أحمد الأنصاري، (الدولابي) قال في اللبّ: كأصله بفتح الدال المهملة والناس يضمّونها نسبة إلى عمل الدولاب شبه الناعورة، لكن في النور والقاموس: أن القرية دولاب بالضمّ والذي كالناعورة بالضم وقد يفتح وقد مرّ ذلك مع بعض ترجمته. (وغيره: أن النبيّ ◌َّ أصدق خديجة) من مال أبي طالب على ما مرّ فنسب إليه لوقوع النكاح له، (اثنتي عشرة أوقية ذهبًا ونشًا) وظاهر كلام الطبري حمله على ظاهره وآن الذي من أبي طالب غيره، (قالوا وكل أوقية أربعون درهمًا قال المحب الطبري) فتكون جملة الصداق ٣٧٩ بنيان قريش الكعبة والنش: نصف أوقية تتميم. ولما بلغ عَ لِّ خمسًا وثلاثين سنة، خمسمائة درهم شرعي، انتهى. أي: ذهبًا ولا ينافيه تعبيره بدرهم؛ لأنه بيان للوزن فلا يستلزم كونه فضّة فأراد الشرعي وزنا وهو خمسون وخمسًا حبّة من مطلق الشعير، أي: لا طبري ولا بغلي ثم هذا لا ينافي أن صداق الزوجات لم يزد على خمسمائة درهم فضّة لحمله على ما بعد البعثة، أو على ما إذا كان منه عليه السّلام، أمَّا هذا فشاركه فيه أبو طالب. (والنش) بفتح النون وبالشين المعجمة (نصف أُوقيّة؛) لأن النش لغة نصف كل شىء، روى مسلم عن عائشة: كان صداقه عَّ لأزواجه اثنتى عشرة أوقية ونشا، أتدري ما النش؟ قلت: لا، قالت: نصف أوقية فذلك خمسمائة درهم، وهذا أولى من قول ابن إسحق: صداقه لأكثر زوجاته أربعمائة درهم؛ لأن فيه زيادة، ومن ذكر الزيادة معه زيادة علم، ولصحّته (تتميم) ذكر الملاّ في سيرته أنه عَُّلّه لمَّا تزوّجها ذهب ليخرج، فقالت له: إلى أين يا محمّد؟ اذهب وانحر جزورًا أو جزورين وأطعم الناس، ففعل وهو أوّل وليمة أولمها مَِّ. وفي المنتقى: فأمرت خديجة جواريها أن يرقصن ويضربن الدفوف، وقالت: مر عمّك ينحر بكرًا من بكراتك، وأطعم الناس وهلمّ فقل مع أهلك، فأطعم الناس ودخل عَ له فقال: ((معها فقر اللَّه عينه))، وفرح أبو طالب فرحًا شديدًا وقال: الحمد للَّه الذي أذهب عنّا الكرب ودفع عنّا الهموم، وسيأتي شىء من فضائلها إن شاء اللّه في المقصد الثاني، وقبله في المبعث. بنيان قريش الكعبة (ولما بلغ عَّةِ خمسًا وثلاثين سنة) فيما جزم به ابن إسحق وغير واحد من العلماء، وقيل: خمسًا وعشرين سنة، رواه ابن عبد البرّ عن محمّد بن جبير وعبد الرزّاق عن ابن جريج عن مجاهد، وجزم به موسى بن عقبة في معوية ويعقوب بن سفين في تاريخه، قال الحافظ: والأول أشهر، ويمكن الجمع بأن الحريق تقدّم وقته على الشروع في البناء. وحكى الأزرقي: أنه كان غلامًا، قال الحافظ: ولعلّ عمدته ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، قال: لمَّا بلغ عَّهِ الحلم أجمرت الكعبة امرأة فطارت شرارة من مجمرها في ثياب الكعبة فاحترقت، فذكر القصّة، وقيل: ابن خمس عشرة سنة، حكى الأخير المصنّف ولعلّه غلط قائله. وأمَّا قول الشامي ما حاصله: وسنّ المصطفى خمس وثلاثون سنة، وقيل: قبل المبعث بخمس عشرة سنة، وقيل: ابن خمس وعشرين وغلط قائله فعجيب، فإن الثالث هو عين الثاني، ٣٨٠ بنيان قريش الكعبة خافت قريش أن تنهدم الكعبة من السيول، فأمروا باقوم - بموحدة فألف فقاف مضمومة فواو ساكنة فميم القبطي مولى سعيد بن العاصي، وليس بغلط بل هو قوي، ولذا احتاج الحافظ للجمع بينه وبين الأوّل كما ترى، وممن ذكر جمعه الشامي. وأمَّا ما رواه ابن راهويه عن عليّ: أنه يُّر كان حينئذ شابًّا فهو يأتي على جميع الأقوال. (خافت قريش أن تنهدم الكعبة من السيول) فيما حكاه في العيون والفتح عن موسى بن عقبة، قال: إنما حمل قريشًا على بنائها أن السيل أتى من فوق الردم الذي بأعلى مكّة فأخربه فخافوا أن يدخلها الماء، وقيل سبب ذلك احتراقها، فروى يعقوب بن سفيان بإسناد صحيح عن الزهري: أن امرأة أجمرت الكعبة فطارت شرارة في ثيابها فأحرقتها، وروى الفاكهي عن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: كانت الكعبة فوق القامة فأرادت قريش رفعها وتسقيفها، وروى ابن راهويه عن عليّ في حديث: فمرّ عليه الدهر فبنته قريش، حكاه في الفتح، وقيل: أن السيل دخلها وصدع جدارنها بعد توهينها. وقيل: إن الأنفر أسرقوا حلي الكعبة وغزالين من ذهب، وقيل: غزالاً واحدًا مرصّعًا بدرٌ وجوهر، وكان في بئر في جوف الكعبة، فأرادوا أن يشيدوا بنيانها ويرفعوه حتى لا يدخلها إلا من شاؤوا، وجمع بأنه لا مانع أن سبب بنائهم ذلك كلّه. وقال شيخنا: يجوز أن خشية هدم السيل حصل من الحريق حتى أوهن بناءها ووجدت السرقة بعد ذلك أيضًا، (فأمروا باقوم بموحدة فألف فقاف مضمومة فواو ساكنة فميم،) ويقال: باقول باللام الصحابي؛ كما في الإصابة، (القبطي) بالقاف نسبة إلى القبط نصارى مصر، (مولى سعيد بن العاصي) بن أميّة، وفي الإصابة روى ابن عيينة في جامعه عن عمرو بن دينار عن عبيدة بن عمير، قال: اسم الرجل الذي بنى الكعبة لقريش باقوم، وكان روميًّا وكان في سفينة حبسها الريح فخرجت إليها قريش وأخذوا خشبها، وقالوا له: ابنها على بناء الكنائس، رجاله ثقات مع إرساله، انتھی. فيحتمل أنهما اشتركا جميعًا في بنائها أو أحدهما بنى والآخر سقف وإنهما واحد وهو رومي في الأصل ونسب إلى القبط حلفًا ونحوه، وهذا هو الظاهر من كلام الإصابة، فإنه بعد ما جزم بأنه مولى بني أميّة، وذكر الرواية التي صرّحت بأنه مولى سعيد منهم ذكر روايتي بنائه الكعبة وعمله المنبر، وقال في آخره: يحتمل أنه الذي عمل المنبر بعد ذلك ولم يقع عنده أنه قبطي وهو يؤدي ما في بعض نسخ المصنّف النبطي بفتح النون والموحدة. قال في الفتح: هذه النسبة إلى استنباط الماء واستخراجه وإلى نبيط بن هانب بن أُميم بن