النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
ذکر وفاة أمه وما يتعلق بأبویه عل.
وكذلك نبينا عَّ أحيا الله على يده جماعة من الموتى. قال وإذا ثبت هذا فما
يمتنع إيمانهما بعد إحيائهما، ويكون ذلك زيادة في كرامته وفضيلته.
قال: فقوله: من مات كافرًا إلى آخر كلامه، مردود بما روي في الخبر أن
الله رد الشمس على نبيه علّ له بعد مغيبها. ذكره الطحاوي وقال: إنه حديث ثابت،
فلو لم يكن رجوع الشمس نافعًا، وأنه لا يتجدد الوقت لما ردها عليه، فكذلك
یکون إحياء أبوي النبي ءێ نافعًا لإيمانهما
(وكذلك نبينا ◌َِّ أحيا اللَّه على يده جماعة من الموتى) فأحيا ابنة الرجل الذي قال:
لا أؤمن بك حتى تحيي لي ابنتي، فجاء إلى قبرها وناداها، فقالت: لبيك وسعديك، رواه البيهقي
في الدلائل، وأباه وأُّه، وتوفي شاب من الأنصار فتوسّلت ◌ُّه وهي عجوز عمياء بهجرتها لله
ورسوله فأحياه اللَّه، رواه البيهقي وابن عدي وغيرهما، ولمّا مات زيد بن حارثة من سراة الأنصار
كشفوا عنه، فسمعوا على لسانه قائلاً يقول: ((محمّد رسول اللّه) الحديث، رواه ابن أبي الدنيا
في كتاب من عاش بعد الموت، وأخرج ابن الضحاك: أن أنصاريًّا توفي فلمًا كفن وحمل، قال
محمد رسول اللَّه، هذا ملخّص ما ذكره المصنّف في المعجزات.
(قال وإذا) أي: حيث (ثبت هذا فما يمتنع إيمانهما بعد إحيائهما ويكون ذلك زيادة في
كرامته وفضيلته) مع ما ورد من الخبر في ذلك، ويكون ذلك مخصوصًا بمن مات كافرًا، هذا
أسقطه المصنّف من كلام القرطبي. (قال: فقوله: من مات كافرًا ... الخ، كلامه مردود بما روي
في الخبر أن اللَّه ردَّ الشمس على نبيّه عَُّ بعد مغيبها، ذكره) أي: رواه الإِمام العلاَّمة الحافظ،
صاحب التصانيف البديعة، أبو جعفر أحمد بن محمد بن سالم الأزدي (الطحاوي) المصري
الحنفي، الثقة الثبت الفقيه، ولد سنة تسع وثلاثين ومائتين، ومات مستهلّ ذي القعدة سنة إحدى
وعشرين وثلاثمائة، (وقال: إنه حديث ثابت،) أي: صحيح أو حسن، قال السيوطي:
وهل يخصّ بالصحيح الثابت أو يشمل الحسن نزاع ثابت
ووجه الرد: أنه كما أن إحياء الموتى وانتفاعهم بالحياة بعد موتهم بعيد عقلاً لعدم وقوعه،
كذلك عود الشمس بعد غروبها وحصول الانتفاع بها كما كانت قبل الغروب بعيد غير متوقّع،
وقد أُعيدت وحصل الانتفاع بها مع استحالة مثله عادة، فلا مانع من جواز إحياء الميّت وانتفاعه
بحياته بعده خرقًا للعادة، وإلى هذا أشار بقوله: (فلو لم يكن رجوع الشمس نافعًا، وأنه) لو لم
يكن (لا يتجدّد الوقت،) بل استمر عدم تجدّده، (لما ردّها عليه،) وفي نسخة: وأنه يتجدّه
بدون لا، عطفًا على نافعًا تفسيري، (فكذلك يكون إحياء أبوي النبيّ عَّ نافعًا لإيمانهما

٣٢٢
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه علي
وتصديقهما بالنبي ټ٣ انتھی.
وتصديقهما النبيّ عَّله)، قال في التعظيم والمنّة واستدلاله على عدم تجدّد الوقت بقصّة رجوع
الشمس في غاية الحسن، ولهذا حكم بكون الصّلاة أداء وإلاّ لم يكن لرجوعها فائدة إذا كان
يصح قضاء العصر بعد الغروب، قال وقد ظفرت باستدلال أوضح منه وهو ما ورد أن أصحاب
الكهف يبعثون آخر الزمان ويحّون ويكونون من هذه الأمّة تشريفًا لهم بذلك، وروى ابن مردويه
عن ابن عباس مرفوعًا: ((أصحاب الكهف أعوان المهدي))، فقد اعتدّ بما يفعله أهل الكهف بعد
إحيائهم عن الموت، ولا بدع في أن يكون اللَّه تعالى كتب لأبوي النبيّ عَ لَّه عمرًا، ثم قبضهما
قبل استيفائه، ثم أعادهما لاستيفاء تلك اللحظة الباقية وآمنا فيها فيعتدّ به ويكون تأخير تلك
اللحظة الباقية بالمدة الفاصلة بينهما لاستدراك الإيمان من جملة ما أكرم اللّه به نبيه كما أن تأخير
أصحاب الكهف هذه المدّة من جملة ما أُكرموا به ليحوزوا شرف الدخول في هذه الأُمّة،
(انتهى) ما نقله من كلام القرطبي. وبقيّته: وقد قبل اللَّه إيمان قوم يونس وتوبتهم مع تلبّسهم
بالعذاب، كما هو أحد الأقوال، وهو ظاهر القرءان.
وأمّا الجواب عن الآية فيكون ذلك قبل إيمانهما وكونهما من العذاب، انتهى. ومراده بالآية
ما روى فيها من التفسير الذي احتجّ به ابن دحية، وكأنه يفرض التسليم للمرويّ وإلا فقد مرّ قول
السيوطي في الفوائد أنه معضل ضعيف لا تقوم به حجّة، وصرّح في مسالك الحنفاء بأنه لم
يخرج في شىء من كتب الحديث المعتمدة، وإنما ذكر في بعض التفاسير بسند منقطع لا يحتجّ
به ولا يعوّل عليه، قال: ثم إن هذا السبب مردود من وجوه أخر من جهة الأصول والبلاغة وأسرار
البيان وأطال في بيان ذلك، قال شيخنا: ولعلّ المصنّف أسقط إشارة القرطبي لقصّة قوم يونس
لعدم صراحتها في نفع الإيمان بعد الأسباب المحقّقة للعذاب؛ كصراحة إحياء الموتى وردّ
الشمس، انتهى. وعلى كل حال هي شاهد حسن في المدعى، وإن لم تكن صريحة.
وقد نقل الحافظ ابن سيّد الناس نحو ما أشار له القرطبي من الخصوصية، فقال في العيون
بعد أن ذكر رواية ابن إسحق، في أن أبا طالب أسلم عند الموت، ما نصّه: وقد روي أن
عبد الله بن عبد المطّلب وآمنة بنت وهب أبوي النبيّ عَِّ أسلما أيضًا، وإن اللَّه أحياهما له فآمنا
به، وروي ذلك في حقّ جدّه عبد المطّلب وهو مخالف لما أخرجه أحمد عن أبي رزين
العقيلي، قال: قلت: يا رسول الله! أين أُمّي؟ قال: ((أُمّك في النار)، قلت فأين من مضى من
أهلك؟ قال: (أما ترضى أن تكون أُمّك مع أُمّي)). وذكر بعض أهل العلم في الجمع بين هذه
الروايات، ما حاصله: أن النبيّ عَّه لم يزل راقيًا في المقامات السنية صاعدًا إلى الدرجات العلمية
إلى أن قبض اللَّه روحه الطاهرة إليه، وأزلفه بما خصّه به لديه من الكرامات إلى حين القدوم علیه،

٣٢٣
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عَّ.
وقد طعن بعضهم في حديث رد الشمس. كما سيأتي إن شاء الله تعالى في
مقصد المعجزات.
وقد تمسك القائل بنجاتهما أيضًا بأنهما ماتا قبل البعثة، في زمن الفترة، ولا
تعذيب قبلها لقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ [الإسراء/١٥]
قال: وقد أطبقت الأئمة الأشاعرة من أهل الأصول والشافعية من الفقهاء على أن
من مات ولم تبلغه الدعوة يموت ناجيًا.
فمن الجائز أن تكون هذه درجة حصلت له عَّه بعد أن لم تكن، وأن يكون الإحياء والإيمان
متأخًّا عن تلك الأحاديث فلا تعارض، انتهى. وهو حسن، إلاَّ أن ما ذكره في عبد المطّلب
باطل، كما يأتي.
(وقد طعن بعضهم في حديث ردّ الشمس) الذي أشار له القرطبي وهو الإمام أحمد،
فقال: لا أصل له وتبعه ابن الجوزي فأورده في الموضوعات وكذا صرّح ابن تيمية بوضعه، (كما
سيأتي إن شاء اللّه تعالى في مقصد المعجزات،) لكن ردّ مغلطاي والحافظ ابن حجر القطب
والخيضري والسيوطي وغيرهم على ابن الجوزي، وقالوا: إنه أخطأ فقد أخرجه ابن منده وابن
شاهين من حديث أسماء بنت عميس وابن مردويه من حديث أبي هريرة وإسنادهما حسن، ومن
ثم صحّحه الطحاوي والقاضي عياض، قال العلاَّمة الشامي: وأمَّا قول الإِمام أحمد وجماعة من
الحفاظ بوضعه، فالظاهر أنه وقع لهم من طريق بعض الكذابين، وإلا فطرقه السابقة، أي: في
كلامه يتعذّر معها الحكم عليه بالضعف فضلاً عن الوضع، انتهى.
وأمَّا المتمسكون بغير الحديث، فإليهم أشار بقوله: (وقد تمسّك القائل بنجاتهما أيضًا،
بأنهما ماتا قبل البعثة في زمن الفترة) التي عمّ الجهل فيها طبق الأرض، وفقد فيها من يبلغ
الدّعوة على وجهها خصوصًا وقد ماتا في حداثة السن، فإن والده عَ صحّح الحافظ صلاح
الدين العلائي، أنه عاش من العمر نحو ثمان عشرة سنة، ووالدته ماتت وهي في حدود العشرين
تقريبًا، ومثل هذا العمر لا يسع الفحص عن المطلوب في مثل ذلك الزمان، وحكم من لم تبلغه
الدعوة، أنه يموت ناجيًا ولا يعذّب ويدخل الجنَّة، قاله في سبل النجاة.
(ولا تعذيب قبلها) أي: البعثة؛ (لقوله تعالى: ﴿وما كنَّا معذّبين حتى نبعث رسولاً﴾
[الإسراء: ١٥]،) يبيّ لهم الحجج ويمهّد لهم الشرائع، ففيه دليل على أن لا وجوب قبل الشرع.
(قال: وقد أطبقت الأئمة الأشاعرة من أهل الأصول والشافعية من الفقهاء على أن من مات ولم
تبلغه الدعوة يموت ناجيًا) ويدخل الجنَّة.
قال السيوطي هذا مذهب لا خلاف فيه بين الشافعية في الفقه والأشاعرة في الأصول،

٣٢٤
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه :
ونص على ذلك الشافعي في الأُمّ والمختصر وتبعه سائر الأصحاب، فلم يشر أحد منهم لخلاف،
واستدلّوا على ذلك بعدّة آيات منها: ﴿وما كنّا معذّبين حتى نبعث رسولاً﴾ [الأسراء: ١٥]، وهي
مسألة فقهية مقرّرة في كتب الفقه، وهي فرع من فروع قاعدة أصولية متفق عليها عند الأشاعرة،
وهي قاعدة شكر المنعم وأنه واجب بالسمع لا بالعقل، ومرجعها إلى قاعدة كلامية هي التحسين
والتقبيح العقليين، وإنكارهما متفق عليه بين الأشاعرة؛ كما هو معروف في كتب الكلام
والأصول وأطنب الأئمة في تقرير هاتين القاعدتين والاستدلال عليهما. والجواب عن حجج
المخالفين إطنابًا عظيمًا خصوصًا إمام الحرمين في البرهان، والغزالي في المستصفى، والمنخول
والكيا الهراسي في تعليقه، والرازي في المحصول، وابن السمعاني في القواطع الباقلاني في
التقريب وغيرهم من أئمّة لا يحصون كثرة، وترجع مسألة من لم تبلغه الدعوة ثانية أصولية، وهي
أن الغافل لا يكلّف، وهذا هو الصواب في الأصول؛ لقوله تعالى: ﴿ذلك أن لم يكن ربك مهلك
القرى بظلم وأهلها غافلون﴾ [الأنعام: ١٣١]، ثم اختلفت عبارة الأصحاب فيمن لم تبلغه الدعوة
فأحسنها من قال إنه ناج، وإيَّاها اختار السبكي، ومنهم من قال على الفترة، ومنهم من قال مسلم.
قال الغزالي: والتحقيق أن يقال في معنى مسلم، وقد مشى على هذا السبيل في والدي
رسول اللَّه عَ لّه قوم من العلماء فصرّحوا بأنهما لم تبلغهما الدعوة، حكاه عنهم سبط ابن الجوزي
في مرآة الزمان وغيره. ومشى عليه الأبي في شرح مسلم، وكان شيخنا شيخ الإسلام شرف
الدين المناوي يعوّل عليه ويجيب به إذا سئل عنهما، قال: وقد ورد في أهل الفترة أحاديث أنهم
موقوفون إلى أن يمتحنوا يوم القيامة، فمن أطاع منهم دخل الجنَّة، ومن عصى دخل النار، وهي
كثيرة. والمصحَّح منها ثلاثة:
الأول: حديث الأسود بن سريع وأبي هريرة معًا مرفوعًا: ((أربعة يحتجّون يوم القيامة: رجل
أصمّ لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة)) الحديث، أخرجه أحمد
وابن راهويه والبيهقي وصححه، وفيه: ((وأمَّا الذي مات في الفترة، فيقول: ربّ ما أتاني لك
رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنّه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فمن دخلها كانت عليه بردًا
وسلامًا، ومن لم يدخلها سحب إليها».
والثاني: حديث أبي هريرة موقوفًا، وله حكم الرفع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي،
أخرجه عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر في تفاسيرهم إسناده صحيح على شرط
الشيخين.
والثالث: حديث ثوبان مرفوعًا، أخرجه البزار والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على

٣٢٥
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عَّاللّه.
شرط الشيخين، وأقرّه الذهبي. ورابع عند البزار وابن أبي حاتم عن أبي سعيد مرفوعًا، وفيه عطيّة
العوفي وفيه ضعف، إلاّ أن الترمذي يحسّن حديثه خصوصًا إذا كان له شاهد وهذا له عدَّة
شواهد؛ کما ترى.
وخامس عند البزار وأبي يعلى عن أنس مرفوعًا. وسادس عند الطبراني وأبي نعيم عن معاذ
وسند كل منهما ضعيف، والعمدة على الثلاثة الأوّل الصحيحة. قال: وهذا السبيل نقل حافظ
العصر ابن حجر عن بعضهم أنه مشى عليه فيما نحن فيه، ثم قال: والظنّ بآله عَّه كلّهم الذين
ماتوا في الفترة أن يطيعوا عند الامتحان لتقرّبهم عينه. وذكر الحافظ ابن كثير قضية الامتحان في
والديه عَّه وسائر أهل الفترة، وقال: منهم من يجيب، ومنهم من لا يجيب، إلاّ أنه لم يقل الظن
في الوالدين أن يجيبا، ولا شكَّ أن الظنّ أن اللَّه يوفّقهما للإجابة بشفاعته؛ كما رواه تمامٍ في
فوائده بسند ضعيف عن ابن عمر: أنه عَِّ قال: ((إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمّي)
الحدیث.
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود أنه عَّةِ سئل عن أبويه، فقال: ((ما سألتهم ربّي
فيعطيني فيهما، وإني لقائم يومئذ المقام المحمود)، فهذا تلويح بأنه يرتجي أن يشفع لهما في
ذلك المقام ليوفّقا للطاعة عند الامتحان، وينضم إلى ذلك ما أخرجه أبو سعد في شرف النبوّة
وغيره عن عمران مرفوعًا: ((سألت ربّي أن لا يدخل النار أحد من أهل بيتي فأعطاني ذلك»، وما
أخرجه ابن جرير عن ابن عباس، في قوله: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ [الضحى: ٥]، قال:
من رضا محمد عَّهِ أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار، فهذه الأحاديث يشدّ بعضها بعضًا؛
لأن الحديث الضعيف إذا كثرت طرقه أفاد ذلك قوة، كما تقرّر في علوم الحديث.
وأمثلها حديث ابن مسعود فإن الحاكم صححه، قال: وهذا السبيل قد يعد مغايرًا للأوّل،
يعني أنهما لم تبلغهما الدعوة كما مشيت عليه هنا، وفي الكتاب المطول؛ لأن مقتضى الأول
الجزم بنجاة من لم تبلغه الدعوة ودخوله الجنَّة من غير توقّف على الامتحان، وقد يعد مراد قاله:
كما مشيت عليه في مسالك الحنفاء، وفي الدرج المنيفة وفي المقامة السندسية، وهو أقرب إلى
التحقيق ويكون معنى قولهم: أنه ناج، أي: بشرط لا مطلقًا وقولهم: لا يعذّب، أي: ابتداء كما
يعذب من عائد بل يجري فيه الامتحان ويكون امتحانه في الآخرة منزلاً منزلة بلوغه دعوة الرسل
في الدنيا وعصيانه في الآخرة بمنزلة مخالفته للرسل، ويؤيّد ذلك أن أبا هريرة راوي حديث أهل
الفترة استدلّ في أخره بالآية التي استدلّ بها الأثيّة على انتفاء التعذيب قبل البعثة.
ولفظه فيما أخرجه عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر الثلاثة من طريق

٣٢٦
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه - عند له
قال: وقال الإمام فخر الدين الرازي في كتابه ((أسرار التنزيل)) ما نصه: ((قيل
أن آزر لم يكن والد إبراهيم، بل كان عمه، واحتجوا عليه بوجوه، منها: أن آباء
الأنبياء ما كانوا كفارًا، ويدل عليه وجوه منها: قوله تعالى: ﴿الذي يراك حين تقوم وتقلبك
في الساجدين﴾ [الشعراء/٢١٨، ٢١٩] قيل معناه: أنه كان ينتقل نوره من ساجد
عبد الرزاق، عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة، قال: ((إذا كان يوم القيامة جمع اللَّه
أهل الفترة والمعتوه والأصمّ والأبكم والشيوخ الذين لم يدركوا الإسلام، ثمَّ أرسل إليهم رسلاً أن
ادخلوا النار، فيقولون: كيف ولم تأتنا رسل؟ قال: وأيم الله، لو دخلوها لكانت عليهم بردًا
وسلامًا، ثم يرسل إليهم فيطيعه من كان يريد أن يعطيه)).
ثمّ قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: ﴿وما كنَّا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ [الإسراء: ١٥]،
ففهم رضي اللّه عنه من الآية ما هو أعمّ من رسل الدنيا والرسول المبعوث إليهم يوم القيامة أن
ادخلوا النار ولا تستنكر هذا الفهم العظيم من مثله، وعلى هذين السبيلين؛ فالجواب عن
الأحاديث الواردة في الأبوين بما يخالف ذلك أنها وردت قبل ورود الآيات والأحاديث المشار
إليها فيما مرّ؛ كما أجيب عن الأحاديث الواردة في أطفال المشركين أنهم في النار بأنها قبل
ورود قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤ الإسراء: ١٥ فاطر: ١٨]، وسائر
الأحاديث المخالفة لتلك.
وقال بعض أئمّة المالكية في الجواب عن تلك الأحاديث الواردة في الأبوين: إنها أخبار
آحاد، فلا تعارض القاطع، وهو قوله تعالى: ﴿وما كنَّا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾
[الإسراء: ١٥]، ونحوها من الآيات في معناها.
قلت: مع ضمية أن أكثرها ضعيف الإِسناد، والصحيح منها قابل للتأويل، إلى هنا كلام
هذا الإمام، إذا قالت: حذام، ولا تقل: طولت بنقله فكله طائل ولا أكثرت، فكم رجعت منه
بنائل.
(قال: وقال الإمام فخر الدين الرازي في كتابه أسرار التنزيل،) اسم تفسير ما يصرح بأنهما
كانا على الحنيفية دين إبراهيم، كما كان زيد بن عمرو بن نفيل وأضرابه وهو سبيل آخر ثالث
في نجاتهما، فإنه قال (ما نصّه: قيل: إن آزر لم يكن والد إبراهيم بل كان عمّه واحتجّوا عليه
بوجوه، منها: أن آباء الأنبياء ما كانوا كفّارًا) تشريفًا لمقام النبوّة وكذلك أَمّهاتهم، كما جزم به
الفوائد واستدلّ عليه بالاستقراء وذكر أدلّة ذلك تفصيلاً وإجمالاً.
(ويدلّ عليه) أي: على أن آزر لم يكن والد إبراهيم (وجوه، منها قوله تعالى: ﴿الذي يراك
حين تقوم وتقلّبك في الساجدين﴾ [الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩]، قيل: معناه أنه كان ينتقل نوره من ساجد

٣٢٧
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عديدة.
إلى ساجد، قال ففيه دلالة على أن جميع آباء محمد كانوا مسلمين).
ثم قال: ومما يدل على أن آباء محمد علِّ ما كانوا مشركين، قوله عليه
الصلاة والسلام: ((لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات)) وقال
تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾ [التوبة/٢٨] فوجب أن لا يكون أحد من
أجداده مشر كا.
إلى ساجد)، من آدم إلى أن ظهر عَّ له، ولهذا يتّضح قوله: (قال) أي: الرازي، (ففيه دلالة) وإنما
قال: فالآية داّة (على أن جميع آباء محمّد كانوا مسلمين) وإلا فمجرّد انتقاله من ساجد إلى
ساجد لا يقتضي ذلك لجواز كونه في بعض أصوله، (ثم قال) أشار إلى أنه حذف منه ولفظه،
وحينئذ يجب القطع بأن والد إبراهيم ما كان من الكافرين، أقصى ما في الباب أن يحمل قوله
تعالى: ﴿وتقلّك في الساجدين﴾ [الشعراء: ٢١٩]، على وجوه أخرى، وإذا وردت الروايات
بالكل ولا منافاة بينها، وجب حمل الآية على الكل، ومتى صحّ ذلك ثبت أن والد إبراهيم ما كان
من عبدة الأوثان.
(ومما يدل على أن آباء محمّد عَِّ ما كانوا مشركين، قوله عليه الصّلاة والسلام) فيما
رواه أبو نعيم عن ابن عباس، (لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات، وقال
تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾ [التوبة: ٢٨]،) وإذا قيل: إن فيهم مشركًا نافي الحديث،
(فوجب أن لا يكون أحد من أجداده مشركًا،) وقد ارتضى ذلك العلاّمة المحقّق السنوسي
والتلمساني محشى الشفاء، فقالا: لم يتقدّم لوالديه عَِّ شرك، وكانا مسلمين؛ لأنه عليه الصّلاة
والسلام انتقل من الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة، لا يكون ذلك إلا مع الإِيمان بالله تعالى،
وما نقله المؤرخون قلّة حیاء وأدب، انتھی.
وهذا لازم في جميع الآباء وإن قصراه على الأبوين والإلزام المحذور، قال السيوطي: وقد
وجدت لكلام الرازي أدلّة قوية ما بين عام وخاص، فالعام مركب من مقدّمتين، إحداهما: أنه ثبت
في الأحاديث الصحيحة أن كل جدّ من أجداده عَّه خير قرنه؛ كحديث البخاري: ((بعثت من
خير قرون بني آدم قرنًا حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه)).
والثانية: أنه قد ثبت أن الأرض لم تخل من سبعة مسلمين، فصاعدًا يدفع اللَّه بهم عن
أهل الأرض، أخرج عبد الرزاق وابن المنذر بسند صحيح على شرط الشيخين عن عليّ، قال: ((لم
يزل على وجه الدهر سبعة مسلمون فصاعدًا، فلولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها)).
وأخرج أحمد في الزهد والخلال في كرامات الأولياء بسند صحيح على شرط الشيخين،

٣٢٨
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عَ لّه.
عن ابن عباس، قال: (ما خلت الأرض من بعد نوح من سبعة يدفع اللَّه بهم عن أهل الأرض»،
وإذا قرنت بين هاتين المقدّمتين أنتج ما قاله الإمام؛ لأنه إن كان كل جدّ من أجداده من جملة
السبعة المذكورين في زمانه فهو المدعي، وإن كانوا غيرهم لزم أحد أمرين: إما أن يكون غيرهم
خيرًا منهم، وهو باطل لمخالفته الحديث الصحيح. وإمَّا أن يكونوا خيرًا، وهم على الشرك وهو
باطل بالإِجماع. وفي التنزيل: ((ولعبد مؤمن خير من مشرك))، فثبت أنهم على التوحيد ليكونوا
خير أهل الأرض في زمانهم.
وأمَّا الخاص، فأخرج ابن سعد عن ابن عبّاس، قال: ما بين نوح إلى آدم من الآباء، كانوا
على الإسلام. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والبزار والحاكم، وصحّحه عن ابن
عباس، قال: ((كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم علي شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث اللَّه
النبيّين))، قال: وكذلك هي في قراءة عبد اللَّه كان الناس أَمّة واحدة، فاختلفوا.
وفي التنزيل حكاية عن نوح: ((رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنًا)، وسام بن
نوح مؤمن بنصّ القرءان والإجماع، بل ورد في أثر أنه نبيّ وولده أرفخشذ صرّح بإيمانه في أثر
عن ابن عباس، أخرجه ابن عبد الحكم في تاريخ مصر وفيه: أنه أدرك جدّه نوحًا ودعا له أن
يجعل اللَّه الملك والنبوّة في ولده. وروى ابن سعد من طريق الكلبي: أن الناس ما زالوا ببابل
وهم على الإسلام من عهد نوح إلى أن ملكهم نمروذ فدعاهم إلى عبادة الأوثان، وفي عهد نمروذ
كان إبراهيم وآزر. وأما ذرية إبراهيم، فقد قال تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما
تعبدون، إلا الذي فطرني فإنه سيهدين، وجعلها كلمة باقية في عقبه﴾ [الزخرف: ٢٨،٢٧،٢٦].
أُخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ومجاهد في الآية: أنها لا إله إلاَّ اللَّه باقية في عقب
إبراهيم، وأخرج عن قتادة في الآية: قال شهادة أن لا إله إلاَّ اللَّه والتوحيد لا يزال في ذرّيته من
يقولها من بعده، وقال تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم ربِّ اجعل هذا البلد﴾ [إبراهيم: ٣٥]، الآية،
أخرج ابن جرير عن مجاهد فيها، قال: فاستجاب اللَّه لإبراهيم دعوته في ولده فلم يعبد أحد من
ولده صنمًا بعد دعوته.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفين بن عيينة أنه سئل هل عبد أحد من ولد إسماعيل الأصنام؟
قال: لا، ألم تسمع قوله: ﴿واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام﴾ [إبراهيم: ٣٥]، قيل: فكيف
ما يدخل ولد إسحق وسائر ولد إبراهيم؟ قال: لا لأنه دعا لأهل البلد أن لا يعبدوا إذا أسكنهم إياه،
قال: ﴿اجعل هذا البلد آمنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥]، ولم يدع لجميع البلدان، بذلك فقال: ﴿واجنبني
نيّ أن نعبد الأصنام﴾ [إبراهيم: ٣٥]، فيه وقد خصّ أهله، وقال: ﴿ربّنا إني أُسكنت من ذريتي

٣٢٩
ذکر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه علّ.
كذا قال.
وهو متعقب:
بأنه لا دلالة في قوله تعالى: ﴿وتقلبك في الساجدين﴾على ما ادعاه، وقد
ذكر البيضاوي - في تفسيره - أن معنى الآية: وترددك في تصفح أحوال المتهجدين،
بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربّنا ليقيموا الصّلاة﴾ [إبراهيم: ٣٧]، وأخرج ابن المنذر عن
ابن جريج، في قوله: ﴿ربّ اجعلني مقيم الصّلاة ومن ذريتي﴾ [إبراهيم: ٤٠]، قال: ((فلن تزال
من ذرّية إبراهيم ناس على الفطرة يعبدون اللَّه)، وقد صحت الأحاديث في البخاري وغيره،
وتظافرت نصوص العلماء بأن العرب من عهد إبراهيم على دينه لم يكفر أحد منهم إلى أن جاء
عمرو بن عامر الخزاعي، وهو الذي يقال له عمرو بن لحى فهو أوّل من عبد الأصنام، وغير دين
إبراهيم، وكان قريبًا من كنانة جدّ النبيّ عليه السّلام، ثم ساق أدلّة تشهد بأن عدنان ومعد وربيعة
ومضر وخزيمة وأسد وإلياس وكعبًا على ملّة إبراهيم، ثم قال: فتلخّص من مجموع ما سقناه أن
أجداده من آدم إلى كعب وولد مرّة مصرح بإيمانهم إِلاَّ آزر، فإنه مختلف فيه، فإن كان ولد إبراهيم
فإنه يستثنى، وإن كان عقّه كما هو أحد القولين، فهو خارج عن الأجداد وسلمت سلسلة
النسب، وبقي بين مرّة وعبد المطلب أربعة لم أظفر فيهم بنقل وعبد المطّلب فيه خلاف، حكاه
السهيلي عن المسعودي. والأشبه فيه أنه لم تبلغه الدعوة، وإلى هذا أشار الحافظ شمس الدين
ابن ناصر الدمشقي، فقال:
تنقّل أحمد نورًا عظيمًا تلألأ في جباه الساجدين
تنقل فيهم قرنًا فقرنا إلى أن جاء خبر المرسلينا
انتهى كلامه في سبل النجاة. وذكر في الفوائد أدلّة تشهد بأن عبد المطّلب كان على
الحنيفية والتوحيد وكذا في الدرج المنيفة، وزاد فيه قول ساقط: أن اللَّه أحياه حتى آمن به عَّه،
حكاه ابن سيّد الناس وغيره، وهو مردود لا أعرفه عن أحد من أئمة السنّة، إنما يحكى عن بعض
الشيعة، وهو قول لا دليل عليه، ولم يرد فيه قطّ حديث لا ضعيف ولا غيره، انتهى.
وأغرب المصنّف فتبرًا من كلام الإمام، بقوله: (كذا قال) الرازي (وهو متعقّب بأنه لا دلالة
في قوله تعالى: ﴿وتقلّبك في الساجدين﴾ [الشعراء: ٢١٩]، على ما) الذي (ادّعاه و)الحال
أنه (قد ذكر البيضاوي) ما يعارضه (في تفسيره إن أن نى الآية: وتردّدك في تصفّح) تأمّل (أحوال
المتهجدين) في العبادة ببحثك عنها مرة بعد أخرى مأخوذ من تصفحت الكتاب إذا قلبت وجوه

٣٣٠
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه - { }.
كما روى أنه لما نسخ فرض قيام الليل طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما
يصنعون، حرصًا على كثرة طاعاتهم، فوجدها كبيوت الزنابير لما سمع لها من
دندنتهم بذكر الله تعالی.
وقد ورد النص بأن أبا إبراهيم عليه الصلاة والسلام مات على كفر، كما
صرح به البيضاوي وغيره، قال تعالى: ﴿فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه﴾
[التوبة/١١٤]، وأما قوله إنه كان عمه فعدول عن الظاهر من غير دليل. انتهى.
أوراقه لتنظر إليها، (كما روى أنه لما نسخ فرض قيام الليل طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه
لينظر ما يصنعون حرصًا على كثرة طاعتهم، فوجدها كبيوت الزنابير) جمع زنبور بضم الزاي،
أي: الدبابير، (لما سمع لها من دندنتهم) أصواتهم الخفية وما موصول، والعائد محذوف ومن
دندنتهم بيان لما، أي: للأصوات التي سمعها، (بذكر اللَّه تعالى) وهذا التعقّب بيت العنكبوت
إذ ليس في كلام البيضاوي نفي لغير ما ذكره من التفسير، ولا حكاية إجماع عليه بل ذكر بعده
تفسيرًا آخر أن المراد بهم المصلّون والرازي أيضًا لم ينف غير التفسير الذي ذكره، بل قال أقصى
ما في الباب حمل الآية على وجوه أخرى لا منافاة بينها، فتعقّبه بأحد تفاسير اعترف هو بها،
وأشار إلى الجمع بينها مما لا يليق تسطيره على أن ما فسّر به الرازي هو الأولى بالقبول، فقد
أخرج ابن سعد والبزار والطبراني وأبو نعيم عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وتقلّبك في
الساجدين﴾ [الشعراء: ٢١٩]، قال: من نبيّ إلى نبيّ، ومن نبيّ إلى نبيّ حتى أخرجتك نبيًّا،
ففسّر تقلّبه في الساجدين بتقلّبه في أصلاب الأنبياء، ولو مع الوسائط، قال في الفوائد: وحمل
الآية على أعمّ منهم، وهم المصلّون الذين لم يزالوا في ذرّية إبراهيم أوضح؛ لأنه ليس في
أجداده عّ لِّ أنبياء بكثرة بل إسماعيل وإبراهيم ونوح وشيث وآدم وإدريس في قول، انتهى.
(وقد ورد النصّ بأن أبا إبراهيم عليه الصّلاة والسّلام مات على كفر؛ كما صرّح به
البيضاوي وغيره،) ممن استروح وتساهل وذكر ما زعم أنه النصّ، بقوله: (قال تعالى) ﴿وما كان
استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إيَّه (فلمَّا تبيّ له أنه عدوّ لله﴾ [التوبة: ١١٤]،)
بالموت على الكفر أو أوحي إليه أنه لن يؤمن ذكرهما البيضاوي واقتصر الجلال على الأوّل،
(تبرّأ منه) وترك الاستغفار له، واستشعر نقض قوله النصّ بأنه ليس نصًّا؛ لأن العرب تسمي العمّ أبًا
وبلغتهم جاء القرءان، فقال: (وأمَّا قوله: إنه كان عمّه) وفيه: أنه لم يقله بل نقله وهو إمام ثبت
حجّة في النقل، ثم قد وجد عن السلف، (فعدول عن الظاهر من غير دليل) بل دليله كالشمس،
فقد صرّح الشهاب الهيثمي بأن أهل الكتابين والتاريخ أجمعوا على أنه لم يكن أباه حقيقة، وإنما
كان عمّه والعرب تسمّي العمّ أبًا؛ كما جزم به الفخر بل في القرءان ذلك. قال تعالى: ﴿وإله

٣٣١
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عنێ.
وأجاب صاحب العقائق بأنهم كانوا ساجدين، بعضهم للصمد، وبعضهم للصنم.
ونقل أبو حيان في (البحر)) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وتقلبك في
الساجدين) أن الرافضة هم القائلون أن آباء النبي عَ لّه كانوا مؤمنون مستدلين بقوله
تعالى: ﴿وتقلبك في الساجدين) وبقوله عليه الصلاة والسلام: ((لم أزل أنقل من
أصلاب الطاهرين)) انتهى.
آبائك إبراهيم وإسماعيل﴾ [البقرة: ١٣٣]، مع أنه عمّ يعقوب، بل لو لم يجمعوا على ذلك وجب
تأويله بهذا جمعًا بين الأحاديث. قال: وأمّا من أخذ بظاهره كالبيضاوي وغيره فقد استروح
وتساهل، انتھی.
وقال في الدرج المنيفة: الأرجح أن آزر عمّ إبراهيم؛ كما قال الرازي لا أبوه، وقد سبقه
إلى ذلك جماعة من السلف، فروينا بالأسانيد عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج والسديّ، قالوا:
ليس آزر أبا إبراهيم إنما هو إبراهيم بن تارخ ووقفت على أثر في تاريخ ابن المنذر صرّح فيه بأنه
عمّه، (انتهى). وبه تعلم ما تحامل به بعض المتأخّرين جدًا، فخطأ من قال: إنه عمّه وزعم أنه تبع
الشيعة، وأنه مخالف للكتاب والسنّة وأهلها وغيرهم، وزعم اتّفاق المفسّرين وغيرهم على أن والد
إبراهيم كان كافرا، وإنما الخلاف في اسمه وأطال في بيان ذلك بما لا طائل تحته. وحاصله: أنه
احتجاج فقيه بمحل النزاع وتخطئته هي الخطأ وحصره القول به للشيعة هو صنو قول أبي حيان:
أنهم الرافضة، ويأتي ردّه ولا دخل للرفض ولا للتشيّع في ذلك، وزعمه الاتّفاق باطل، كيف وقد
قال أُولئك السلف أنه عته، وحكاه الرازي ونقله حافظ السنّة في عصره وأقصره وأيّده بما
لا محيص عنه إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار.
(وأجاب صاحب العقائق) عن احتجاج الرازي بالآية، (بأنهم كانوا ساجدين بعضهم
للصمد) الذي لا جوف له أو المقصود في الحوائج على الدوام سبحانه وتعالى، (وبعضهم
للصنم) كذا رأيت هذا الجواب في بعض نسخ المتن العتيقة وأكثرها سقوطه، وهو لا يساوي فلسًا
ولا ينبغي كتبه، فإن سياق الآيات للامتنان على النبيّ عَّةٍ واطّلاع ربّه على تنقّله حالاً وماضيًا،
فكيف يليق أن يمتنّ عليه بأنه رأى تقلّبه في بعض آبائه الساجدين للصنم، إن هذا لجمود عظيم.
(ونقل أبو حيان في البحر عند تفسير قوله تعالى: ﴿وتقلّبك في الساجدين﴾ [الشعراء:
٢١٩]، أن الرافضة هم القائلون أن آباء النبيّ عَّ كانوا مؤمنون مستدلّين بقوله تعالى:
﴿وتقلّبك في الساجدين﴾ [الشعراء: ٢١٩]، وبقوله عليه الصّلاة والسّلام: ((لم أزل أُنقل من
أصلاب الطاهرين))، انتهى.) ومراده من نقله: تقوية تعقّبه على الرازي، وقد عرض به وشدّد عليه
النكير الشهاب الهيثمي، فقال: وقول بعضهم أبو حيان ... الخ سوء تصرّف منه؛ لأنه أعني ناقل

٣٣٢
ذکر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه اته.
وقد روى ابن جرير عن علقمة بن مرثد عن سليمن بن بريدة عن أبيه: أن
النبي عَّ لما قدم مكة أتى رسم قبر، فجلس إليه فجعل يخاطب ثم قام مستعبرًا
فقلنا يا رسول الله إنا رأينا ما صنعت، قال: إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي
فأذن لي، استأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي، فما رؤي باكيًا أكثر من يومئذٍ.
هذا الكلام عن أبي حيان، لو كان له أدنى مسكة من علم أو فهم، لتعقّب قوله: إن الرافضة هم
القائلون بذلك، وقال له: هذا الحصر باطل منك أيها النحوي البعيد عن مدارك الأصول والفروع،
كيف والأئمّة الأشاعرة من الشافعية وغيرهم على ما مرّ التصريح به في نجاة سائر آبائه عَّه.
كبقية أهل الفترة، فلو كنت ذا إلمام بذلك لما حصرت نقله الرافضة، وزعمت أنهم المستدلّون
بالآية والحديث، وهذا الفخر من أكابر أئمّة أهل السنّة قد استدلّ بهما ونقل ذلك عن غيره،
فليتك أيّها الناقل عن أبي حيان سكتّ عن ذلك، ووقيت عرضه وعرضك من رشق سهام
الصواب فيهما، انتھی.
وقد وافقه على الاستدلال بالآية لهذا المعنى: الماوردي من أئمة الشافعية، وناهيك بهما
ثم أيّد المصنّف تعقّبه بأحاديث، وقبل أخذك الجواب عنها واحدًا واحدًا مفصّلا، فقد علمت أنا
أسلفنا لك عنها جوابين أنها أخبار آحاد، فلا تعارض القاطع؛ كقوله: ﴿وما كنا معذّبين حتى
نبعث رسولاً﴾ [الإسراء: ١٥]، مع ضعف أكثرها وقبول صحيحها للتأويل، وأنها منسوخة بما ورد
في الأبوين مما يخالفها، فلا تغفل.
فقال: (وقد روى) محمّد (بن جرير) بن يزيد بن كثير الإمام الحافظ الفرد، أبو جعفر
الطبري، أحد الأعلام المجتهد المطلق، صاحب التصانيف، المتوفى سنة عشر وثلاثمائة، (عن
علقمة بن مرثد) بفتح الميم وسكون الراء وفتح المثلثة الحضرمي، أبي الحرث الكوفي الثقة،
(عن سليمن بن بريدة) بن الحصيب الأسلمي المروزي، قاضيها الثقة المتوفى سنة خمس ومائة
عن تسعین سنة.
(عن ا بيه) بريدة بن الحصيب بحاء وصاد مهملتين مصغر، قال الغساني: وصحّف من قاله
بخاء معجمة، (أن النبيّ عَُّلّ لما قدم مكّة) سنة الفتح؛ كما رواه ابن سعد وابن شاهين من هذا
الوجه، (أتى رسم قبر) أثره لانمحاء صورته (فجلس إليه) عنده (فجعل يخاطب) بكسر الطاء،
وفي حديث ابن مسعود: فناجاه طويلاً، (ثم قام مستعبرًا) بموحدة: جاري الدمع، (فقلنا:
یا رسول اللَّه! إنا رأيا ما صنعت؟ قال: «إني استأذنت ربّي في زيارة قبر أمي، فأذن لي ثم
استأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي، فما رؤي باكيًا أكثر من يومئذ).
ورواه ابن سعد وابن شاهين عن بريدة بنحوه، وابن جرير من وجه آخر عنه، بلفظ: لما قدم

٣٣٣
ذکر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه .
وروى ابن أبي حاتم في تفسيره عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله عَ ليه
أومأ إلى المقابر فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلاً، ثم بكى
فبكينا لبكائه، ثم قام فقام إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فدعاه ثم دعانا،
فقال: ما أبكاكم؟ قلنا: بكينا لبكائك، فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة،
وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي، وإني استأذنته في الدعاء لها فلم يأذن
لي، وأنزل علي: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا
أولي قربى﴾ [التوبة/١١٣] فأخذني ما يأخذ الولد للوالد.
مكة وقف على قبر أُمّه حتى سخنت عليه الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها، فنزلت الآية،
قاله السيوطي وله علّتان مخالفته الحديث الصحيح في نزول الآية في أبي طالب، والثانية: قال
ابن سعد في الطبقات: هذا غلط ليس قبرها بمكّة، قبرها بالأبواء، انتهى. ويأتي قريبًا الجواب عن
عدم الإذن في الاستغفار عن البكاء.
(وروى ابن أبي حاتم) الإمام الحافظ الناقد عبد الرحمن بن الحافظ الكبير محمّد بن
إدريس بن المنذر بن داود الرازي الحنظلي التميمي، الثقة الزاهد الذي يعد في الأبدال البحر في
العلوم ومعرفة الرجال، كساه اللَّه بهاء نور يسرّ به من نظر إليه، مات في محرم سنة سبع وعشرين
وثلاثمائة (في تفسيره،) وكذا الحاكم (عن عبد اللَّه بن مسعود: أن رسول اللَّه عَِّ أوما،) أشار
(إلى المقابر) أنه يريد الذهاب إليها، (فاتّبعناه فجاء حتى جلس إلى) جانب (قبرٍ منها) وفي
رواية الحاكم: خرج ينظر في المقابر وخرجنا معه، فأمرنا فجلسنا ثم تخطى القبور، حتى انتهى
إلى قبر منها، (فناجاه طويلاً، ثم بكى،) وفي رواية الحاكم: ثم ارتفع نحيبه باكيًا، (فبكينا لبكائه،
ثم قام فقام إليه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فدعاه ثم دعانا، فقال: (ما أبكاكم))؟ فقلنا:
بکینا لبكائك).
وفي رواية الحاكم: ثم أقبل إلينا، فتلقّاه عمر، فقال: يا رسول اللَّه! ما الذي أبكاك؟ فقد
أبكانا وأفزعنا، فجاء فجلس إلينا، فقال: (أَفزعكم بكائي))؟ قلنا: نعم، (فقال: ((إن القبر الذي
جلست عنده قبر آمنة،) زاد الحاكم: بنت وهب، (وإني استأذنت ربّي في زيارتها فأذن لي
وإني استأذنته في الدعاء،) وفي رواية الحاكم: في الاستغفار، (لها فلم يأذن لي وأنزل عليّ:
﴿ما كان للنبيّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى﴾ [التوبة: ١١٣]،
فأخذني ما يأخذ الولد للوالد) من الرقّة والشفقة)).
قال الحاكم: هذا حديث صحيح وردّه الذهبي في اختصار المستدرك بأن فيه أيّوب بن

٣٣٤
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عَبـ
ورواه الطبراني من حديث ابن عباس.
وفي مسلم: استأذنت ربي أن استغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن
أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور، فإنها تذكر الآخرة.
هانىء ضعّفه ابن معين، قال السيوطي: فهذه علّة تقدح في صحته والعجب من الذهبي كيف
صححه في الميزان اعتمادًا على تصحيح الحاكم، مع أنه خالفه في مختصره، قال: وله علّة ثانية
هي مخالفته لما في البخاري وغيره من أن هذه الآية نزلت بمكّة عقب موت أبي طالب واستغفار
النبيّ عَّه له، ووردت أحاديث أَخر في الترمذي وغيره فيها سبب غير قصّة آمنة، فإن كان
الذهبي رةّ حديث الإحياء لمخالفته هذا الحديث، فهذا الحديث يرد لمخالفته المقطوع بصحته
في صحيح البخاري وغيره، انتھی.
(ورواه الطبراني من حديث ابنٍ عباس،) بلفظ: أن النبيّ عٍَّ لما أقبل من غزوة واعتمر
هبط من ثنية عسفان، فنزل على قبر أمّه، فذكر نحو حديث ابن مسعود وفيه نزول الآية، قال
السيوطي: وله عّتان مخالفة الحديث الصحيح كما سبق وإسناده ضعيف، ثم قال: فبان بهذا أن
طرق الحديث كلّها معلولة خصوصًا قصّة نزول الآية الناهية عن الاستغفار؛ لأنه لا يمكن الجمع
بينها وبين الأحاديث الصحيحة في تقدّم نزولها في قصة أبي طالب وغيره، وأصحّ طرق هذا
الحديث ما أخرجه الحاكم وصححه على شرط الشيخين عن بريدة: أن النبيّ عَِّ زار قبر أُمّه
في ألف مقنع، فما رؤي باكيًا أكثر من يومئذ هذا القدر، لا علة له وليس فيه مخالفة لشيء من
الأحاديث ولا نهي عن الاستغفار، وقد يكون البكاء لمجرد الرّقة التي تحصل لزيارة الموتى من
غیر سبب تعذیب ونحوه، انتھی.
والحافظ ابن حجر لما أبدى احتمالاً أن لنزول الآية سببين متقدّم وهو أمر آمنة ردّه بأن
الأصل عدم تكرار النزول، ثم لا يشكل بأن موت أبي طالب قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين،
وبراءة من أواخر ما نزل بالمدينة؛ لأن هذه الآية مستثناة من كون السورة مدنية، كما نقله في
الاتّقان عن بعضهم وأقرّه، فلا حاجة لجواب الطيبي ونحوه بجواز أنه عدّ. كان يستغفر له إلى
نزولها، فإن التشديد مع الكفّار إنما ظهر في هذه السورة؛ لأنه مجرد تجويز مبني على أن جميع
السورة مدني.
(وفي مسلم) من حديث أبي هريرة مرفوعًا ((استأذنت رتّي أن أستغفر لأُمي فلم يأذن
لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الآخرة»،) وكذا رواه ابن
ماجه، إلاَّ أنه قال: ((فإنها تذكركم الموت))، فهذا حديث صحيح معارض لحديث إحيائهما
وكلام الرازي، وهذا الذي أراده المصنّف أورده في الفوائد بطريق السؤال، فقال: كيف قرّرت

٣٣٥
ذکر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه ځ.
قال القاضي عياض: بكاؤه عليه السلام على ما فاتها من إدراك أيامه
والإيمان به.
أنها كانت موحدة في حياتها ومتحنفة؟ وهذا الحديث في أنه استغفر لها فلم يؤذن له، وقوله في
الحديث الآخر، أي: (مع أَمّكما))، يؤذنان بخلاف ذلك وهبك أجبت عنهما فيما يتعلّق بحديث
الإحياء بأنهما متقدّمان في التاريخ وذاك متأنّر وكان ناسخًا، فما تقول في هذا فإن الموت على
التوحيد ينفي التعذيب البّة.
وأجاب: بأن حديث عدم الإذن في الاستغفار لا يلزم منه الكفر بدليل أنه معَّدٍ كان
ممنوعًا في أوّل الإسلام من الصّلاة على من عليه دين لم يترك له وفاء، ومن الاستغفار له وهو
من المسلمين، وعلّل بأن استغفاره مجاب على الفور، فمن استغفر له وصل عقب دعائه إلىٍ منزله
في الجنَّة، والمديون محبوس عن مقامه حتى يقضى دينه؛ كما في الحديث، فقد تكون أمّه مع
كونها متحنفة كانت محبوسة في البرزخ عن الجنّة لأمور أُخرى غير الكفر اقتضت أن لا يؤذن له
في الاستغفار إلى أن أذن اللَّه له في بعد ذلك، قال: وأمَّا حديث (أُمَي مع أُمَّكما)، على ضعف
إسناده فلا يلزم منه كونها في النار؛ لجواز أنه أراد بالمعية كونها معها في دار البرزخ أو غير ذلك
وعبّر بذلك تورية وليّها ما تطييبًا لقلوبهما، قال: وأحسن منه أنه صدر ذلك منه قبل أن يوحى إليه
أنها من أهل الجنَّة؛ كما قال في تبع: ((لا أدري تبعًا ألعينًا كان أم لا))؟ أخرجه الحاكم وابن
شاهين عن أبي هريرة، وقال بعد أن أوحي إليه في شأنه: ((لا تسبّوا تبعًا، فإنه كان قد أسلم))،
أخرجه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ عن سهل وابن عباس، فكأنه أوّلا لم يوح إليه في شأنها
ولم يبلغه القول الذي قالته عند موتها، ولا تذكره، فأطلق القول بأنها مع أمّها جريًا على قاعدة
أهل الجاهلية، ثم أُوحي إليه أمرها بعد ويؤيّد ذلك أن في آخر الحديث نفسه: «ما سألتهما ربِّي))،
قال: ويمكن الجواب عن الحديثين: بأنها كانت موحّدة غير أنها لم يبلغها شأن البعث والنشور،
وذلك أصل كبير فأحياها اللَّه له حتى آمنت بالبعث وبجميع ما في شريعته، ولذا تأخّر إحياؤها
إلى حجّة الوداع حتى تمّت الشريعة، ونزل: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣]، فأحبيت
حتى آمنت بجميع ما أنزل عليه، قال: وهذا معنى نفيس بليغ.
(قال القاضي عياض: بكاؤه عليه السّلام) ليس لتعذيبها إنما هو أسف (على ما فاتها من
إدراك أيّامه والإيمان به،) وقد رحم اللَّه تعالى بكائه فأحياها له حتى آمنت به، وما ألطف هذه
العبارة من القاضي، فإنها صريحة في أن البكاء إنما هو لكونها لم تحز شرف الدخول في هذه
الأُمّة، لا لكونها على غير الحنيفية.

٣٣٦
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عطّ.
وفي مسلم أيضًا: أن رجلاً قال: يا رسول الله: أين أبي، قال: في النار،
فلما قفا دعاه، قال: إن أبي وأباك في النار.
(وفي مسلم أيضاً) وأبي داود كلاهما من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس (إن
رجلاً) هو أبو رزين العقيلي، فيما قاله ابن أبي خيثمة أو حصين بن عبيد والد عمران فيما ذكره
ابن رشيد وتعقب البرهان الأول بأن والد أبي رزين أسلم، واسمه عامر بن صبرة، (قال:
يا رسول اللَّه! أين أبي؟ قال: ((في النار)») وفي مسند أحمد: أن أبا رزين سأل عن أُمّه أين هي؟
فقال: كذلك، وجمع البرهان بأنه سأل عن أبيه مرّة وعن أُمّه أُخرى، ويتأكّد ما قدّمه أن أباه
أسلم، (فلما قفا) بقاف ففاء مخففة، أي: انصرف عنه وولى بأن جعل قفاه إلى جهته عَّه ولا
يردّ أن قفا، إنما هو بمعنى تبع على مقتضى الصحاح؛ لأنه هنا بمعنى اتّبع الجهة التي جاء منها
منصرفًا إليها ومن لازمها توليه عن المصطفى.
(دعاه، فقال: ((إن أبي وأباك في النار)))) فهذا صريح في ردّ حديث الإحياء، وكلام
الرازي ومن قال إنهما أهل فترة لم تبلغهما دعوة، والجواب: أنه منسوخ بالآيات والأحاديث
الواردة في أهل الفترة وأراد بأبيه عمّه أبا طالب؛ لأن العرب تسمّي العمّ أبًا حقيقة، ولأنه ربّاه
والعرب تسمّي المربّي أَبًّا، أو أنه خبر آحاد فلا يعارض القاطع وهو نصّ: ﴿وما كنّا معذبين حتى
نبعث رسولاً﴾ [الإسراء: ١٥]، واستظهر في شرح الهمزية الثاني فلم يتمّ مراد المصنف من سوقه
على أن حديث مسلم هذا، كما قال السيوطي: لا يصلح للاحتجاج به فإنه انفرد به عن
البخاري، وفي إفراده أحاديث تكلّم فيها يوشك أن هذا منها، وذلك أن ثابتًا وإن كان إمامًا ثقة
فقد ذكره ابن عدي في الضعفاء، وقال: وقع في أحاديثه نكرة من الرواة عنه؛ لأنه روى عنه
ضعفاء.
وقد أعلّ السهيلي هذا الحديث بأن معمر بن راشد في روايته عن ثابت عن أنس خالف
حمادًا، فلم يذكر أن أبي وأباك في النار، بل قال: إذا مررت بقبر كافر فبشّره بالنار، وهو كما قال
فمعمر أثبت في الرواية من حمّاد؛ لاتّفاق الشيخين على تخريج حديثه، ولم يتكلّم في حفظه
ولم ينكر عليه شيء من حديثه، وحمّاد وإن كان إمامًا عالمًا عابدًا فقد تكلّم جماعة في روايته،
ولم يخرج له البخاري شيئًا في صحيحه، وما خرّج له مسلم في الأصول إلا من حديثه عن
ثابت، وأخرج له في الشواهد عن طائفة، صرّح به الحاكم في المدخل.
وقال الذهبي: حماد ثقة له أوهام ومناكير كثيرة، وكانوا يقولون: إنها دست في كتبه من
رہیبه ابن أبي العوجاء، و کان حماد لا یحفظ فحدّث بها فوهم، ومن ثم لم يخرّج له البخاري
فحديث معمر أثبت وقد وجدناه ورد بمثل رواية معمر عن ثابت عن أنس، من حديث سعد بن

٠٣٣٧
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه معد له.
ملك، ومن حديث ابن عمر.
أخرج البيهقي والبزار والطبراني في الكبير بسند رجاله رجال الصحيح، عن سعد بن أبي
وقاص: أن أعرابيًّا أتى النبيّ عَّهِ، فقال: يا رسول اللَّه! أين أبي؟ قال: ((في النار))، قال: فأين
أبوك؟ قال: ((حيثما مررت بقبر كافر فبشّره بالنار))، زاد الطبراني والبيهقي: فأسلم الأعرابي بعد،
فقال: لقد كلفني رسول اللَّه عَ لله تعبًا، ما مررت بقبر كافر إلا بشّرته بالنار.
وروى ابن ماجه عن ابن عمر، قال: جاء أعرابي إلى النبيّ عَّله، فقال: إن أبي كان يصل
الرحم وكان وكان، فأين هو؟ قال: ((في النار))، فكأنه وجد من ذلك، فقال: أين أبوك أنت؟
فقال: ((حيثما مررت بقبر كافر، فبشّره بالنار))، فأسلم الأعرابي بعد، فقال: لقد كلفني
رسول اللَّه عَّ ◌ُلم تعبًا، ما مررت بقبر كافر إلا بشّرته بالنار، فبيّن أن السائل أعرابي وهو مظنّة خشية
الفتنة والردّة والمصطفى كان إذا سأله أعرابي وخاف من إفصاح الجواب له فتنته واضطراب قلبه،
أجاب بجواب فيه تورية وإيهام وهذا كذلك إذا لم يصرّح فيه بالأدب الكريم، إنما قال: حيثما
مررت ... الخ، وهذه جملة لا تدلّ بالمطابقة على ذلك فكره عَّ له أن يفصح له بحقيقة الحال
ومخالفة أبيه لأبيه في المحل الذي هو فيه خشية ارتداده لما جلبت عليه النفوس من كراهة
الاستئثار عليها، ولما كانت عليه العرب من الجفاء وغلظ القلوب، فأورد له جوابًا موهمًا تطمينًا
لقلبه، فتعيّ الاعتماد على هذا اللفظ وتقديمه على غيره وقد أوضحت الزيادة، بلا شكّ أن هذا
اللفظ العام هو الصادر من النبيّ عَّه ورآه الأعرابي بعد إسلامه أمرًا مقتضيًا للإمتثال فلم يسعه إلا
امتثاله، ولو كان الجواب باللفظ الأول لم يكن فيه أمر بشيء البتّة، فعلم أنه تصرّف الرواة وأن
هذه الطريق في غاية الاتّقان.
ولذا قال بعض الحفّاظ: لو لم نكتب الحديث من ستّين وجهًا ما عقلناه، أي: لاختلاف
الرواة في إسناده وألفاظه، فهذا الحديث معلّل من هذه الحيثية وليس ذلك قد حافى صحته من
أصله بل في هذه اللفظة فقط، ثم لو فرض اتّفاق الرواة على لفظ مسلم كان معارضًا بالأدلّة
القرءانية والأدّة الواردة في أهل الفترة والحديث الصحيح إذا عارضه أدلّة أُخرى وجب تأويله
وتقديم تلك الأدلّة عليه؛ كما هو مقرّر في الأصول، انتهى ملخّصًا.
وقد تقدم تأويله، فإن قيل: حيث قررت أن أهل الفترة لا يقضى عليهم بشيء حتى
يمتحنوا، فكيف حكم عَّله على أبي السائل بأنه في النار؟ أجاب السيوطي: بجواز أنه يعصى عند
الامتحان وأوحى إليه بذلك فحكم بأنه من أهل النار وبأن حديثه متقدّم على أحاديث أهل الفترة،
فيكون منسوخًا بها وبجواز أنه عاش حتى أدرك البعثة، وبلغه وأصر ومات في عهده وهذا لا عذر

٣٣٨
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه ـ
قال النووي: فيه أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا ينفعه قرابة
المقربين. وفيه: أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة
الأوثان فهو في النار، وليس في هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت
بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء.
له البتّة، انتهى.
وفي الثالث نظر؛ لأنه لو كان كذلك لما كان السؤال عن الأب الكريم وجه إذ الفرق
لائح؛ لأن أباه بلغته البعثة والأب الشريف لم تبلغه، اللَّهمَّ إلا أن يجاب بأن الأعرابي توهم أنه
لا يكفي بلوغ البعثة حتى يشاهد النبيّ ولا ينكر هذا منه؛ لأنه لم يكن حينئذ تفقه في الدين بل
لم یکن أسلم؛ کما صرّح به في حديث سعد وابن عمر.
(قال النووي فيه) أي: حديث مسلم، إفادة (أن من مات على الكفر، فهو في النار ولا
ينفعه قرابة المقرّبين.) قال السيوطي: ينبغي عندي أن النووي أراد الحكم على أبي السائل
وكلامه ساكت عن الحكم على الأب الشريف، (وفيه) أيضًا إفادة (أن من مات في الفترة على
ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان، فهو في النار،) ووجه استفادة هذا منه أن أبا الأعرابي
كان في الفترة بدليل سؤاله عن الأب الكريم، (وليس في هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن
هؤلاء كانت بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء) وهذا خلاف ما أطبقت عليه الأشاعرة من
أهل الكلام والأصول والشافعية من أن أهل الفترة لا يعذبون؛ كما تقدَّم بسطه وقد ردَّ السيوطي
كلام النووي هذا، بما محصله: إنا لو اعتبرنا مطلق وجود بعثة الأنبياء لاستحال وجود من تبلغهم
الدعوة إذ ما من فترة إلا وقبلها نبيّ إلى آدم وهو أوّل الأنبياء، ولسقطت الأحاديث والآثار الواردة
في أهل الفترة بأسرها على كثرتها وصحّتها، ولحكم عليهم أجمعين بأنهم في النار من غير امتحان.
وفي هذا إلغاء ورد الأحاديث الصحيحة بلا دليل كيف وفي حديث ثوبان: ((إذا كان يوم
القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم))، وذكر بقيّة الحديث في الامتحان،
فهذا نصّ في المسألة وإذا لم يكن أهل الفترة هم الذين لم تبلغهم الدعوة، فليت شعري من هم
وهل يمكن أن يوجد في الأرض من لم يبلغها، أن اللَّه بعث نبيًّا لدن آدم وبعثة أنبياء اللَّه ووقائعهم
مع أممهم وإهلاكاتهم مشهورة، ولو لم يكن إلا بعثة نوح وإقامته ألف سنة، والطوفان الذي
غرق أهل الأرض جميعًا لكفى على أن العرب ما كانوا مكلفين بشريعة إبراهيم ولا غيره؛
كما دلّت عليه الأحاديث وبه صرّح القرءان، قال تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث
رسولاً﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال تعالى: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك﴾ [الأنعام: ٩٢، ١٥٥]
الآيتين. أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد، قال: الطائفتين اليهود

٣٣٩
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عَ ليه.
وقال الإمام فخر الدين: من مات مشركًا فهو في النار، وإن مات قبل البعثة،
لأن المشركين كانوا قد غيروا الحنيفية دين إبراهيم، واستبدلوا بها الشرك وارتكبوه،
وليس معهم حجة من الله به، ولم يزل معلومًا من دين الرسل كلهم، من أولهم
إلى آخرهم، قبح الشرك والوعيد عليه في النار، وأخبار عقوبات الله لأهله متداولة
بين الأمم قرنًا بعد قرن، فللَّه الحجة البالغة على المشركين، في كل وقت وحين،
ولو لم يكن إلا ما فطر الله عباده عليه من توحيد ربوبيته، وأنه يستحيل في كل
فطرة وعقل أن يكون معه إله آخر، وإن كان سبحانه لا يعذب بمقتضى هذه الفطرة
وحدها، فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد في الأرض معلومة لأهلها، فالمشرك
مستحق للعذاب في النار لمخالفته دعوى الرسل، وهو مخلد فيها دائمًا
والنصارى خاف أن تقوله قريش، انتهى.
وحكى في شرح الهمزية الاتّفاق على أن العرب ما كانوا مكلّفين بشرع أحد، وردّ به
كلام النووي هذا وكلام الرازي الذي ذكره المصنف، بقوله: (وقال الإِمام فخر الدين: من مات
مشركًا فهو في النار، وإن مات قبل البعثة؛ لأن المشركين كانوا قد غيّروا) الملّة (الحنيفية)
أي: المائلة إلى الحق (دين إبراهيم) بدل من الحنيفية (واستبدلوا بها الشرك) أي: أخذوه بدلها،
فالباء داخلة على المتروك. وقول الشارح على المأخوذ سبق قلم؛ لأن مادة استبدل وتبدّل إنما
تدخل الباء فيهما على المتروك؛ كقوله تعالى: ﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾
[البقرة: ٦١] ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضلّ.
(وارتكبوه وليس معهم حجّة من اللَّه به، ولم يزل معلومًا من دين الرسل كلّهم من أوّلهم
إلى آخرهم قبح الشرك والوعيد عليه) بالتعذيب (في النار، وأخبار عقوبات اللَّه) عليه (لأهله
متداولة بين الأمم قرنًا بعد قرن، فاللَّه الحجّة البالغة) التامّة (على المشركين، في كل وقت
وحين، ولو لم يكن إلا ما فطر الله عباده،) أي: خلقهم مشتملين (عليه من توحيد ربوبيته وأنه
يستحيل في كل فطرة وعقل) عطف تفسير (أن يكون معه إله آخر) أي: أنه خلقهم قابلين
لذلك، وجواب لو محذوف، أي: لكفى ذلك في الحجّة (وإن كان سبحانه وتعالى لا يعذّب
بمقتضى هذه الفطرة وحدها،) لأن الصحيح أن الإيمان إنما يجب بالشرع لا العقل، فهم وإن أدركوا
بعقولهم لكن لا يعذبهم على عدم الجري على مقتضى ما أدركوه.
(فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد في الأرض معلومة لأهلها، فالمشرك) بعبادة الأوثان
(مستحقّ للعذاب في النار لمخالفته دعوى الرسل، وهو مخلد فيها دائمًا) لكن بعد الامتحان

٣٤٠
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه معَّ
كخلود أهل الجنة في الجنة. انتهى.
وقد تعقب العلامة أبو عبد الله الأبي من المالكية فيما وضعه على صحيح
مسلم قول النووي الماضي وفيه ((أن من مات في الفترة على ما كانت عليه
العرب من عبادة الأوثان في النار، إلى آخره)) بما معناه:
تأمل ما في كلامه من التنافي، فإن من بلغتهم الدعوة ليسوا بأهل فترة، لأن
أهل الفترة هم: الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل الذين لم يرسل إليهم الأول، ولا
أدركوا الثاني، كالأعراب الذين لم يرسل إليهم عيسى ولا لحقوا النبي عَّه.
والفترة بهذا التفسير تشمل ما بين كل رسولين، كالفترة بين نوح وهود، لكن
الفقهاء إذا تكلموا في الفترة فإنهم يعنون التي بين عيسى ونبينا عليهما الصلاة والسلام.
فمن عصى خلد فيها، ومن أطاع ففي الجنَّة؛ كما صرّحت به الأحاديث وإن كانت عبارته
لا تؤدي ذلك (كخلود أهل الجنّة في الجنّة، انتهى) كلام الرازي.
(وقد تعقّب العلامة أبو عبد اللَّه) محمد بن خلف (الأبي، من) أجلّ علماء (المالكية)
المتأخّرين أخذ عن ابن عرفة واشتهر في حياته بالمهارة والتقدّم في العلوم وكثر انتقاده لشيخه
مشافهة وربما رجع إليه؛ كما قال أحمد بابًا في ذيل الطبقات، وقال الحافظ في التبصير: الأبيّ
بالضم منسوب إلى أَبة من قرى تونس عصرينا بالمغرب محمّد بن خلف الأبي الأصولي عالم
المغرب بالمعقول، سكن تونس، أنتهى.
(فيما وضعه على صحيح مسلم) يعني شرحه المسمّى بإكمال الإِكمال، (قول النووي
الماضي، وفيه: ((أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان في النار ...
الخ))، بما معناه: تأمّل ما في كلامه من التنافي، فإن من بلغتهم الدعوة ليسوا بأهل فترة) وهو قد
صرّح أوّلاً بأنهم أهل فترة، فهو تنافٍ (لأن أهل الفترة هم الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل الذين
لم يرسل إليهم الأوّل، ولا أدركوا الثاني؛ كالأعراب الذين لم يرسل إليهم عيسى عليه السلام
ولا لحقوا النبيّ) محمّدًا (عَّله)) وأجيب عن التنافي بأن النووي كمن وافقه وإن كان مرجوحًا
یکتفي في وجوب الإیمان علی کل أحد ببلوغه دعوة من قبله من الرسل، وإن لم یکن مرسلاً إلیه،
وإنما يتأتى التنافي لو ادّعى أن الخليل وغيره أرسلوا إليهم وهو لم يدع ذلك، (والفترة بهذا التفسير
تشمل ما بين كل رسولين؛ كالفترة) التي (بين نوح وهود، لكن الفقهاء إذا تكلّموا في الفترة)
وأطلقوا (إنما يعنون) الفترة (التي بين عيسى ونبيتا عليهما الصّلاة والسّلام).