النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
ذكر خاتم النبوة
للآخر: خطه، فخاطه وختم عليه بخاتم النبوة، فلما ثبت أن خاتم النبوة بين كتفيه
حمل القاضي عياض ذلك على أن الشق لما وقع في صدره، ثم خيط حتى التأم
كما كان، ووقع الختم بين كتفيه كان ذلك أثر الختم. وفهم النووي وغيره منه:
قوله بين كتفيه متعلق بالشق وليس كذلك، بل هو متعلق بأثر الختم، وحينئذٍ فليس
ما قاله القاضي عياض باطلاً، انتهى،
للآخر: خطه فخاطه) نقل بالمعنى، وإلا فالرواية حصّه فحاصه، قال الشامي: بمهملة مضمومة،
أي: خطه يقال حاص الثوب يحوصه حوصًا، إذا خاطه. (وختم عليه بخاتم النبوّة، فلمَّا ثبت أن
خاتم النبوّة كان بين كتفيه، حمل القاضي عياض ذلك على أن الشقّ لما وقع في صدره، ثمّ
خيط حتى التأم) عاد (كما كان، ووقع الختم بين كتفيه كان ذلك أثر) عقب (الختم، وفهم
النووي وغيره) كالقرطبي (منه قوله: بين كتفيه، متعلّق بالشقّ) فغلّطوه (وليس كذلك،) أي: كما
فهموه (بل هو متعلّق بأثر الختم) .
قال الحافظ: ويؤيّده ما في حديث شدّاد عند أبي يعلى وأبي نعيم: أن الملك لمَّا أُخرج
قلبه وغسله ثم أعاده ختم عليه بخاتم في يده من نور، فامتلأ نورًا وذلك نور النبوّة والحكمة،
فيحتمل أن يكون ظهر من وراء ظهره عند كتفه الأيسر؛ لأن القلب في تلك الجهة. وفي حديث
عائشة عند الطيالسي والحرث وأبي نعيم: ((أن جبريل وميكائيل لما تراءيا له عند المبعث هبط
جبريل فسبقني لحلاوة القفا، ثم شقّ عن قلبي فاستخرجه ثم غسله في طشت من ذهب بماء
زمزم، ثم أعاده مكانه لأمه، ثم ألقاني وختم في ظهري حتى وجدت مسّ الخاتم في قلبي،
وقال: ((اقرأ)) وذكر الحديث، فهذا مسند القاضي. (وحينئذ فليس ما قاله القاضي عياض باطلاً
انتهى) جواب الحافظ رحمه الله.
وأجاب أبو عبد اللَّه الأبي بأنه نصّ في حديث أبي ذرّ أن وضع الخاتم كان بعد الشقّ،
قال: فلفظة أثر في كلام القاضي ليست بفتح الهمزة والثاء، وإنما هي بكسر الهمزة وسكون الثاء،
ويتخرّج الكلام على حذف مضاف تتعلّق به لفظة بين، أي: وضع هذا الخاتم بين كتفيه أثر شقّ
الصدر والكلام مستقيم دون غلط، ولا بطلان وإنما جاء ما فهماه من قبيل التصحيف، انتهى.
وفي نسيم الرياض: حديث أبي ذرّ المذكور موافق لكلام عياض سواء قرىء أثر بفتحتين أو
بكسر فسكون. أمّا الثاني فظاهر، وأمَّا على الأول، فلأنه لما وقع بعده وبسببه جعل أثرًا، انتهى.
وأجاب بعضهم بأن قوله بين كتفيه خبر بعد خبر؛ لقوله هو فقد تحامل من اعترض
عياضًا؛ لأن مثل هذا ظاهر جدًا.

٣٠٢
ذكر خاتم النبوة
وقال السهيلي: والصحيح أنه - يعني خاتم النبوة - كان عند نغض كتفه
الأيسر.
واختلف هل ولد وهو به؟ أو وضع بعد ولادته؟ على قولين.
وقد وقع التصريح بوقت وضع الخاتم، وكيف وضع، ومن وضعه، في
حديث أبي ذر
(قال السهيلي: والصحيح أنه يعني خاتم النبوّة كان عند نغض كتفه الأيسر) كما في
مسلم، ففيه ردّ رواية الأيمن ووقع في حديث شدّاد في مغازي ابن عائذ في قصّة شقّ صدره وهو
في بلاد بني سعد بن بكر، وأقبل الملك وفي يده خاتم له شعاع فوضعه بين كتفيه وثدييه، قال
الحافظ: وتبعوه وهذا قد يؤخذ منه أن الختم وقع في موضعين من جسده، ومنعه شيخنا بجواز أن
الختم وقع بين كتفيه في مقابلة ما بين الثديين فيكون الغرض تعيين موضعه عنده، قلت: وهو
وجبه، لولا مباينته لما في مسلم أنه عند نغض كتفه المفسر بأعلى الكتف.
(واختلف) في جواب قول السائل: (هل ولد وهو به أو وضع بعد ولادته على قولين؟ )
فقيل: ولد به، نقله ابن سيّد الناس، وردّه في الفتح بأن مقتضى الأحاديث السابقة أن الخاتم لم
يكن موجودًا حين ولادته، قال: ففيها تعقب على من زعم أنه وُلد به، واختلف القائلون بالثاني،
فقيل: حين ولد، نقله مغلطاي عن يحيى بن عائذ، وورد به حديث ابن عباس عند أبي نعيم وغيره
وفيه نكارة، قيل: عند شقّ صدره وهو في بني سعد. وورد في حديث عتبة بن عبد عند أحمد
. والطبراني وقطع به عياض.
قال الحافظ: وهو الأثبت. وفي حديث عائشة المارّ قريبًا أنه عند المبعث، وعند أبي يعلى
وابن جرير الحاكم في حديث المعراج من حديث أبي هريرة: ثم ختم بين كتفيه بخاتم النبوّة
وطريق الجمع أن الختم تكرّر ثلاث مرات في بني سعد، ثم عند المبعث، ثم ليلة الإسراء؛ كم
دلّت عليه الأحاديث، ولا بأس بهذا الجمع، فإن فيه أعمال الأحاديث كلها إذ لا داعي لردّ
بعضها وإعمال بعضها، لصحة كل منها، وإليه أشار الشامي؛ كما مرّ. وأمَّا رواية بعد الولادة
فضعيفة، وأمَّا أنه ولد به، فضعيف أيضًا بطلب زاعمه، بدليله.
(وقد وقع التصريح بوقت وضع الخاتم، وكيف وضع، ومن وضعه في حديث أبي ذرّ)
جندب بن جنادة أو يزيد ابن جنادة أو جندب بن سكن أو خلف بن عبد الله الغفاري قديم
الإسلام، ذي الزهد الزائد والفضل المنوّه عليه بقول خير شاهد: ((ما أظلّت الخضراء وما أقلّت
الغبراء بعد النبييّن امرأً أصدق لهجة من أبي ذرّ»، أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه.

٣٠٣
ذكر خاتم النبوة
عند البزار وغيره قال: قلت يا رسول الله: كيف علمت أنك نبي، وبم علمت أنك
نبي حتى استيقنت؟ قال: أتاني آتيان، وفي رواية ملكان، وأنا ببطحاء مكة، فوقع
أحدهما بالأرض، وكان الآخر بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو
هو؟ قال: هو هو، قال: زنه برجل ... الحديث،
وذكر ابن الربيع أنه سكن مصر مدّة ثم خرج منها لما رأى اثنين تنازعا في موضع لبنة؟
كما أمره عَّ له وحديثه في مسلم وغيره، مات بالزبدة في ذي الحجّة سنة اثنتين وثلاثين، (عند
البزّار وغيره) كالدارمي وابن أبي الدنيا وابن عساكر والروياني والضياء في المختارة، (قال: قلت:
يا رسول اللَّه!) أخبرني (كيف علمت أنك نبيّ وبم؟) بأي دليل (علمت أنك نبيّ حتى
استيقنت) أي: تيقّنت، أي: علمت، ((أتاني آتيان))، وفي رواية: (ملكان) هما جبريل وميكائيل
كما في النور، أتياه في صورة طائرين، فروى أحمد والدارمي والحاكم وصححه والطبراني
والبيهقي وأبو نعيم عن عتبة بن عبد: أنه عُّم قال: «كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر،
فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا ولم نأخذ معنا زاد، فقلت: يا أخي اذهب فأتنا بزاد من عند أُمّنا،
فانطلق أخي ومكثت عند البهم، فأقبل إليّ طيران كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟
قال: نعم، فأقبلا يبتدراني فأخذاني فبطحاني للقفا فشقًا بطني ثم استخرجا قلبي فشقّه، فأخرجا
منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه: ائتني بماء ثلج فغسلا به جوفي، ثم قال: ائتني بماء
برد، فغسلا به قلبي، ثم قال: ائتني بالسكينة فذراها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: حصه،
فحاصه وختم عليه بخاتم النبوة)) الحديث.
ولابن إسحق ورواه البيهقي عن يحيى بن جعدة مرسلاً يرفعه: ((أن ملكين جاءاني في
صورة كركيين معهما ثلج وبرد وماء بارد، فشقّ أحدهما بمنقاره صدري ومجّ الآخر بمنقاره فيه
فغسله))، قلت: فإن صحّت هذه الرواية أفادت آلة الشقّ في هذه المرة، لكن قال السهيلي: هي
رواية غريبة ذكرها يونس عن ابن إسحق.
(وأنا ببطحاء مكّة) أي: بنواحيها؛ لأنه كان في بني سعد وليست بمكّة إذ الأبطح بمكّة
المحصب، ولعلّه قال ذلك ليبيّ أنه في ابتداء أمره، إذ جوابه لأبي ذرّ كان بالمدينة وبهذا اندفع
قول السهيلي: أنه وهم من بعض الرواة، ولم يقع في رواية البزار بطحاء مكّة، انتهى.
(فوقع) نزل (أحدهما بالأرض، وكان الآخر بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه:
أهو هو؟ قال: هو هو، قال: زنه برجل ... الحديث) أسقط منه ما لفظه: «فوزنني برجل فرجحته،
ثم قال: زنه بعشرة فوزنني بعشرة فرجحتهم، ثمّ قال: زنه بألف فوزنني فرجحتهم، فجعلوا ينتشرون
عليّ من كفة الميزان؛ فقال أحدهما للآخر: لو وزنته بأمّته رجحها)).

٣٠٤
ذكر خاتم النبوة
وفيه: ثم قال أحدهما لصاحبه: شق بطنه، فشق بطني فأخرج قلبي فأخرج منه
مغمز الشيطان
(وفيه) عقب هذا، (ثم قال أحدهما لصاحبه: شقّ بطنه، فشقّ بطني فأخرج قلبي فأخرج
منه مغمز الشيطان) بفتح الميمين وإسكان الغين المعجمة هكذا ضبطه البرهان وضبطه الشامي
بكسر الميم الثانية، فاللَّه أعلم. قال في العيون: وهو الذي يغمزه الشيطان من كل مولود إلا
عيسى: وأُمّه؛ لقوله: أُتّها حتّة، إني أُعيذها بك وذرّيتها من الشيطان الرجيم.
ولأنه لم يخلق من مني الرجال وإنما خلق من نفخة روح القدس.
قال السهيلي: ولا يدلّ هذا على فضله على المصطفى عَّه؛ لأنه عند نزع ذلك منه
ملىء حكمة وإيمانًا بعد أن غسله روح القدس بالثلج والبرد، زاد البرهان: وقوله: ((مغمز الشيطان))
محل نظر، فإن جاء بسند صحيح فمؤوّل. وقد رواه مسلم، وقال: ((هذا حظ الشيطان منك))،
انتهى. قلت: لا شك في صحّة إسناده فقد صحّحه الضياء، وقد قال العلماء: إن تصحيحه أعلى
من تصحيح الحاكم، وتأويله سهل هو أن هذا محل الغمز والغمز عبارة عمّا يؤلمه ويؤذيه، فهو
من الأمراض الحسيّة التي الأنبياء فيها كغيرهم. وقد قال السهيلي: إنما كان ذلك المغمز فيه
لموضع الشهوة المحرّكة للمنيّ، وذلك المغمز راجع إلى الأب دون الابن المطهر عَّله، انتهى.
وقوله: وقد رواه، أي: الحديث من حيث هو لا حديث أبي ذرّ؛ كما قد يوهمه فإن
مسلمًا إنما رواه من حديث أنس: أنه عَِّ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه وصرعه فشقّ
عن قلبه واستخرج القلب ثم شقّ القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم
غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه، فأعاده مكانه وجعل الغلمان يسعون إلى أُمّه - يعني
ظهره - فقالوا: إن محمّدًا قد قتل، فجاؤوا وهو منقطع اللون، قال أنس: فلقد كنت أرى أثر
المخيط في صدره؛ ورواه أحمد أيضًا عنه. وفي الصحيحين عن أبي هريرة، عنه مَّلِ: ((فلقد
كنت أرى أثر المخيط في صدره»، ورواه أحمد أيضًا عنه. وفي الصحيحين عن أبي هريرة،
ـ عَبّةٍ: (ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان، فيستهلّ صارخًا من نخسة الشيطان، إلا ابن
مريم وأَمّه))، قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: إني أُعيذها بك وذرّيتها من الشيطان الرجيم، قال
عياض: يريد أن اللَّه قبل دعاءها مع أن الأنبياء معصومون. وفي رواية: فذهب ليطعن في خاصرته
فطعنه في الحجاب، قال النووي: أشار عياض إلى أن جميع الأنبياء يشاركون عيسى في هذه
الخصوصية، انتهى. وقد تعقّب الأبي عياضًا بأن هذا الطعن من الأمراض الحسيّة والأنبياء فيها
كغيرهم، فيحمل الحديث على العموم إلاَّ فيما استثني ولا يحتاج لقوله: الأنبياء معصومون،
انتھی.

٣٠٥
ذكر خاتم النبوة
وعلق الدم فطرحهما، فقال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه
غسلا الملاء، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه، فخاط بطني وجعل الخاتم بين
كتفي كما هو الآن، ووليا عني، وكأني أرى الأمر معاينة.
قال الطيبي: النخس عبارة عمَّا يؤلمه ويؤذيه، لا كما زعمت المعتزلة أنه تخييل واستهلاله
صارخًا منه تصوير لطعمه فيه، انتهى. وقول الزمخشري: المراد بالمسّ الطمع في إغوائه واستثناء
مريم وابنها لعصمتهما، ولما لم يخصّ هذا المعنى بهما عمّ الاستثناء كل من يكون على صفتهما
شنع عليه التفتازاني بأنه إما تكذيب للحديث بعد صحّته، وإمّا قول بتعليل الاستثناء والقياس عليه
وليت شعري من أين ثبت تحقّق طمع الشيطان ورجائه في أن هذا المولود محل لإغوائه ليلزمنا
إخراج كل ما لا سبيل له إلى إغوائه فلعلّه يطمع في إغواء من سوى مريم وابنها ولا يتمكّن منه،
وقال قبل ذلك: طعن الزمخشري في الحديث بمجرد أنه لم يوافق هواه وإلا فأيّ مانع من أن
يمسّ الشيطان المولود حين يولد بحيث يصرخ كما يرى ويسمع، وليست تلك المسّة للإغواء،
انتھی.
(وعلق الدم فطرحهما) صريح في أنه غير المغمز، وفي حديث عتبة بن عبد: «ثم استخرجا
قلبي فشقّه، ثم أخرجا منه علقتين سوداوين)، قال الشامي: فتكون إحداهما محل غمز الشيطان
والأخرى منشأ الدم الذي قد يحصل منه إضرار في البدن، وعلى هذا فلا حاجة لما أُجيب به عن
حديث العلقتين؛ باحتمال أنها علقة واحدة انقسمت عند خروجها قسمين، فسمّي كل جزء منها
علقة مجازًا. (فقال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الملاء،) جمع
ملاءة بالضم والمدّ: الثوب الذي يتغطّى به، وأسقط المصنّف من حديث أبي ذرّ هذا، ما لفظه:
ثم دعا بسكينة كأنها برهرهة بيضاء، فأدخلت قلبي.
قال السهيلي: البرهرة بصيص البشرة، وزعم الخطابي: أنه أراد بها سكينة بيضاء صافية
الحديد، متمسكًا بأنه عثر على رواية فيها، فدعا بسكينة كأنها درهمة بيضاء، قال ابن الأنباري:
هي السكينة المعوّة الرأس، التي تسمّيها العامّة: المنجل بالجيم، قال ابن دحية: والصواب
السكينة بالتخفيف لذكرها بعد شقّ البطن، فإنما عنى بها فعيلة من السكون وهي أكثر ما تأتي في
القرءان بمعنى السكون والطمأنينة.
(ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه، فخاط بطني.) هذا لفظ حديث أبي ذر، وحديث
عتبة: حصه فحاصه؛ كما مرّ. (وجعل الخاتم بين كتفي، كما هو الآن) فصرّح بأنه ما ولد
بالخاتم، وإن واضعه الملك وكيفية وضعه، (ووليا عني وكأني أرى الأمر) الآن (معاينة،) أي:
عيانًا إشارة إلى شدّة استحضاره، وهذا الحديث وإن أورده الشامي في أحاديث فيها ذكر شقّ

٣٠٦
ذكر خاتم النبوة
وعند أبي نعيم في الدلائل: أنه عَِّ لما ولد، ذكرت أمه أن الملك غمسه
في الماء الذي أنبعه ثلاث غمسات، ثم أخرج سرقة من حرير أبيض، فإذا فيها
خاتم فضرب على كتفه كالبيضة المكنونة، تضيء كالزهرة.
وقيل: ولد به.
روى الحاكم في المستدرك عن وهب بن منبه قال: لم يبعث الله نبيًا إلا
وقد كان عليه شامات النبوة في
الصدر من غير تعيين زمان، لكن سياق الحديث يدلّ على أنه كان في بني سعد، وبه صرّح في
حديث عتبة بن عبد، فيحمل انطلق على المقيّد، فإن قيل: فكيف جعله عَ لِ علامة على النبوّة،
وإنما كانت بعد الأربعين؟ أجاب شيخنا: بجواز أنه عَِّ لما رأى تلك الحالة العجيبة في صغره
علم أنه يكون له شأن وصار مطمئنًا لما يرد عليه، فلما جاءه الوحي علم بالمقدمات المستقرّة
في نفسه أن هذا أمر من اللَّه، ليس للشيطان فيه سبيل.
(وعند أبي نعيم في الدلائل) في حديث طويل مرّ في ولادته عن ابن عباس، (أنه عَّ.
لمَّا ولد ذكرت أمّه أن الملك غمسه في الماء الذي أنبعه،) أي: أحضره الملك ذلك الوقت
في الإبريق الفضّة؛ كما مرّ في حديث أبي نعيم. (ثلاث غمسات، ثم أخرج سرقة) بفتح المهملة
والراء والقاف، أي: قطعة.
(من حرير أبيض) قال القاموس في باب القاف: السرقة محركة شقق الحرير الأبيض أو
الحرير عامّة الواحدة بهاء، انتهى. وبالقاف ضبط به الحافظ والمصنّف والسيوطي وغيرهم،
قوله عَ لّه لعائشة: ((أريتك في المنام في سرقة من حرير)، فأبعد من ضبط ما هنا بالفاء ناقلاً قول
القاموس في بابه السرف بضمّتين شىء أبيض؛ كأنه نسج دود القزّ فجعلها من حرير مجاز
لمشابهتها له في الهيئة، انتهى. لاحتياجه إلى دعوى المجاز الذي لا قرينة له، إلاَّ الوقوف مع
النقطة. (فإذا فيها خاتم) زاد فيما مرّ: يحار أبصار الناظرين دونه، (فضرب على كتفه) فأثر فيه ما
صورته (كالبيضة المكنونة تضيء كالزهرة) بضم الزاي وفتح الهاء: النجم، قاله النووي وغيره،
فأفاد في ذا الخبر أن الخاتم وضع عقب الولادة، فهو دليل القائل به لكن فيه نكارة؛ كما قدم
المصنف كغيره.
(وقيل ولد به) كذا يوجد في نسخ، والصواب: حذفه الاستغناء عنه؛ لقوله المارّ قريبًا،
واختلف ... الخ. (وروى الحاكم في المستدرك عن وهب بن منبه) بضم الميم ففتح النون فشدّ
الموحدة المكسورة، أنه (قال: لم يبعث اللَّه نبيًّا إلا وقد كان عليه شامات) علامات (النبوّة في

٣٠٧
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عدّله.
يده اليمنى، إلا أن يكون نبينا فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه.
وعلى هذا: فيكون وضع الخاتم بين كتفيه بإزاء قلبه مما اختص به على
سائر الأنبياء والله أعلم.
[ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عَّ]
ولما بلغ عَِّ أربع سنين - وقيل خمسًا، وقيل ستًا، وقيل سبعًا، وقيل تسعًا،
وقيل اثنتي عشرة سنة وشهرًا وعشرة أيام - ماتت أمه بالأبواء وقيل بشعب أبي ذئب
بالحجون. وفي القاموس: ودار رائعة بمكة فيه مدفن آمنة أم النبي عَّ له.
يده اليمنى، إلا أن يكون) النبيّ المبعوث (نبينا، فإن شامة النبوّة كانت بين كتفيه)
(وعلى هذا فيكون وضع الخاتم بين كتفيه بإزاء) أي: حذاء، (قلبه مما اختصّ به على سائر
الأنبياء) وبه جزم الجلال، فقال: وجعل خاتم النبوّة بظهره بإزاء قلبه حيث يدخل الشيطان، وسائر
الأنبياء كان الخاتم في يمنهم، (والله أعلم).
باب وفاة أُمّه وما يتعلق بأبويه :
(ولما بلغ عَّ أربع سنين) فيما حكاه العراقي، وصدر به مغلطاي، فتبعه المصنّف.
(وقيل: خمسًا) حكاه مغلطاي ومثله في بعض نسخ الشامي، ويأتي دليله. وفي بعضها بدله
عشرًا، وما أراه إلا تحريفًا. (وقيل: ستّا) وبه قطع ابن إسحق، ويأتي قريبًا دليله، ووقع في نقل
الخميس عن المصنّف التصدير به وهو الأولى، فقد قدّمه العراقي واقتصر عليه الحافظ وقد التزم
الاقتصار على الأصح، غير أن الأوّل قال: ومائة يوم، والثاني: وثلاثة أشهر، فالمراد ستًّا ونحوها.
(وقيل: سبعًا) حكاه ابن عبد البرّ، (وقيل: تسعًا) حكاه مغلطاي ويقع في بعض النسخ
خمس ستّ سبع تسع بدون ألف، وذكر أن خطّ المصنّف كذلك فيخرج على أنه بالفتح على نية
حذف المضاف إليه وإبقاء المضاف، أي: خمس سنين أو كتب بصورة المرفوع على لغة ربيعة.
(وقيل: اثنتي عشرة سنة وشهرًا وعشرة أيّام)) حكاه مغلطاي، وبقي قول محمّد بن
حبیب وهو ابن ثمان سنین، حكاه أبو عمر.
(ماتت أمّه بالأبواء) بفتح الهمزة والمدّ: وادٍ بين مكة والمدينة، (وقيل: بشعب) بكسر
المعجمة: ما انفرج بين جبلين أو الطريق في الجبل، قاله المصنّف وغيره.
(أبي ذئب) رجلٍ من سراةً بني عمرو، (بالحجون) بفتح المهملة وضمّ الجيم، قال
المجد: جبل بمعلاة مكة، (وفي القاموس:) في فصل الراء من باب العين المهملتين في روع
(ودار رائعة) براء وبعد الألف تحتية، (بمكّة فيه مدفن آمنة أُمّ النبيّ عَّه)) وفي ذخائر العقبى قال

٣٠٨
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عدّه
روى ابن سعد عن ابن عباس وعن الزهري، وعن عاصم بن عمرو بن قتادة دخل
حديث بعضهم في بعض قالوا: لما بلغ رسول الله عَّه ست سنين خرجت به أمه
إلى أخواله بين عدي بن النجار بالمدينة تزورهم، ومعه أم أيمن، فنزلت به دار التابعة.
ابن مسعود: دفنت أُتْه عَّهِ بمكّة وأهل مكّة يزعمون أن قبرها في مقابر أهل مكّة في الشعب
المعروف بشعب أبي ذئب رجل من سراة بني عمرو، وقيل: في دار رائعة في المعلّة، اهـ.
(وروى ابن سعد) محمّد (عن ابن عباس) عبد اللَّه، (وعن الزهريّ) محمّد بن مسلم بن
شهاب، (وعن عاصم بن عمرو بن قتادة) بن النعمان المدني الأنصاري الأوسيّ العالم الثِّقة كثير
الحديث العلاَّمة بالمغازي، مات سنة عشرين ومائة، خرّج له الجماعة. (دخل حديث بعضهم
في بعض) .
قال السيوطي تبعًا لغيره: معناه أن اللفظ لمجموعهم، فعند كل منهم ما انفرد به عن
الآخر، انتهى. (قالوا:) أرسله الثلاثة، إلاَّ أن مرسل ابن عباس في حكم الموصول؛ لأنه مرسل
صحابي.
(لما بلغ رسول اللَّه عَِّ ستّ سنين خرجت به أُمّه إلى أخواله بني عديّ بن النجّار)
بإضافة الأخوال إليه مجازًا؛ لأنهم أخوال جدّه عبد المطّلب؛ لأن أُمّه سلمى بنت عمرو بن
زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن عديّ بن النجار النجاريّة. (بالمدينة تزورهم) نسب الزيارة لها؛
لأنها المرادة لها وهي المباشرة، وعند ابن إسحق تزيره إياهم بضم الفوقية وكسر الزاي وسكون
الياء من أزاره إذا حمله على الزيارة، أي: إنها قصدت بزيارتها نقل المصطفى إليهم وإراءته لهم.
(ومعه) أضافها إليه لكونها حاضنته. وفي نسخة ومعها (أُمّ أيمن) بركة الحبشية بنت ثعلبة بن
حصن أعتقها أبو المصطفى، وقيل: بل هو عَّ، وقيل: كانت لأمّه أسلمت قديمًا وهاجرت
الهجرتين مناقبها كثيرة.
وفي صحيح مسلم وابن السكن عن الزهري: أنها ماتت بعده عَِّ بخمسة أشهر، وقيل:
بستّة، قال البرهان: وبه يردّ قول الواقدي أنها ماتت في خلافة عثمن، وقد صرّح بعضهم: بأنه
شاذّ منکر، انتهى. لكن أيّده في الإصابة بما رواه ابن سعد بسند صحيح عن طارق بن شهاب لئًا
قتل عمر بكت أمّ أيمن، فقيل لها: فقالت اليوم وهي الإسلام، وهذا موصول فهو أقوى من خبر
الزهري المرسل واعتمد ابن منده وغيره قول الواقدي، وزاد ابن منده: أنها ماتت بعد عمر بعشرين
يومًّا، وجمع ابن السكن بين القولين بأن التي ذكرها الزهري هي مولاة النبيّ عَ ليه، والتي ذكرها
طارق هي مولاة أُمّ حبيبة واسم كل منهما بركة، ويكنى أُمّ أيمن، وهو محتمل على بعده، انتهى.
(فنزلت به دار التابعة) بفوقية فموحدة فمهملة، رجل من بني عدي بن النجّار؛ كما مرّ.

٣٠٩
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عنّ
فأقامت به عندهم شهرًا، فكان ◌َّهِ يذكر أمورًا كانت في مقامه ذلك، ونظر إلى
الدار فقال: ها هنا نزلت بي أمي، وأحسنت العوم في بئر بني عدي بن النجار، وكان
قوم من اليهود يختلفون ينظرون إلي. قالت أم أيمن فسمعت أحدهم يقول: هو نبي
هذه الأمة، وهذه دار هجرته، فوعيت ذلك كله من كلامهم، ثم رجعت به أمه إلى
مكة، فلما كانت بالأبواء توفيت.
(فأقامت به عندهم شهرًا، فكان عَِّ يذكر أُمورًا كانت في مقامه) بضم الميم، (ذلك) الخطاب
لكلّ من صلح له أو للجماعة المخاطبين به لتأويلهم بنحو القبيل أو الجمع أو القوم أو هو يجري
على أن الكاف المتّصلة باسم الإشارة تفتح مطلقًا، (ونظر) عَّه (إلى الدار) وهو بالمدينة بعد
الهجرة، وهذا قد يشعر بأن ابن عباس حمل الحديث هذا عنه عَّه، ويحتمل أنه حمله عن غيره
وحدّٹ به.
(فقال: ((ههنا نزلت بي أُمّي))) وفي الرواية: ((وفي هذه الدار قبر أبي عبد اللَّه)، (وأحسنت
العوم في بئر بني عدي بن النجّار) استدل به السيوطي على أنه عَدُّ عام رادًا على القائل من
معاصريه، الظاهر أنه لم يعم؛ لأنه لم يثبت أنه سافر في بحر ولا بالحرمين بحر، قال السيوطي:
وروى أبو القسم البغوي وابن عساكر مرسلاً وابن شاهين موصولاً عن ابن عباس: سبح عَله هو
وأصحابه في غدير، فقال: ((ليسبح كل رجل إلى صاحبه))، فسبح عَّه إلى أبي بكر حتىٍ عانقه،
وقال: ((أنا وصاحبي، أنا وصاحبي)). (وكان قوم من اليهود يختلفون ينظرون إليّ، قالت أُمّ أيمن:
فسمعت أحدهم يقول: هو نبيّ هذه الأمّة، وهذه) الدار، وهي المدينة (دار هجرته، فوعيت)
حفظت (ذلك كلّه من كلامهم) عبّر بالجمع؛ لأن اليهودي لما خاطب به أصحابه وأقرّوه نسب
إليهم.
وفي نقل الشامي: فوعيت ذلك منه، وهي ظاهرة؛ لأن الضمير للأحد. (ثم رجعت به أُمّه)
قاصدة (إلى مكّة) سريعًا خوفًا عليه صلوات اللَّه عليه من اليهود، ففي رواية أبي نعيم: قال عَّهِ:
((فنظر إليّ رجل من اليهود يختلف ينظر إليّ، فقال: يا غلام ما اسمك؟ قلت: أحمد، ونظر إلى
ظهري فأسمعه يقول: هذا نبيّ هذه الأمّة، ثم راح إلى إخوانه فأخبرهم فأخبروا أُمّي فخافت عليّ
فخرجنا من المدينة))، وقدرنا قاصدة ليلاقي قوله: (فلمَّا كانت بالأبواء توفّيت) ودفنت فيها على
المشهور، وهو قول ابن إسحق، وجزم به العراقي وتلميذه الحافظ، ويعارضه ما مرّ؛ كالأحاديث
من أنها بالحجون، وجمع بعض؛ كما في الخميس: بأنها دفنت أوّلاً بالأبواء، وكان قبرها هناك،
ثم نبشت ونقلت بمكة.

٣١٠
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عَ لَّه.
وروى أبو نعيم من طريق الزهري عن أسماء بنت رهم عن أمها قالت: آمنة
أم النبي عَّه في علتها التي ماتت بها، ومحمد عليه السلام غلام يفع له خمس
سنين عند رأسها، فنظرت أمه إلى وجهه ثم قالت:
بارك فيك الله من غلام يا ابن الذي من حومة الحمام
نجا بعون الملك العلام فودي غداة الضرب بالسهام
بمائة من إبل سوام إن صح ما أبصرت في المنام
(وروى أبو نعيم) في دلائل النبوّة بسند ضعيف (من طريق) محمّد (الزهري) ابن شهاب
(عن أسماء بنت رهم) بضم الراء، وفي نسخة: بنت أبي رهم، وفي كتب السيوطي نقلاً عن أبي
نعيم عن أُمّ سماعة بنت أبي رهم، فلعلّ اسمها أسماء وكنيتها أمّ سماعة، فتصرّف المصنّف
لإفادة اسمها. (عن أُمّها، قالت آمنة أُمّ النبيّ عَّله في علّتها التي ماتت بها) بسببها صورة، وفي
نسخة فيها (ومحمّد عليه الصّلاة والسّلام غلام) هو الطار الشارب أو من حين يولد إلى أن
يشبّ؛ كما في القاموس وغيره، والمراد هنا الثاني، وفي الأساس الغلام الصغير إلى حدّ الالتحاء،
فإن قيل له بعد الالتحاء غلام فهو مجاز. (يفع) بفتح الفاء؛ كما في القاموس وغيره، أي: مرتفع.
(له خمس سنين) هذا دليل القول به؛ كما قدّمنا. وإن أبيت إلا الجمع بينه وبين الحديث فوقه،
فقل المراد خمس ونحوها، ولعلّها جمعت بين هذا ولفظ غلام، مع أن هذا يغني عنه إشارة إلى
ما كان عليه عَِّ من النجابة الظاهرة، فإن غلام يشعر بذلك بخلاف مجرد، ذكر السن. (عند
رأسها فنظرت أمّه إلى وجهه، ثم قالت:
(بارك فيك اللَّه من غلام يا ابن الذي من حومة الحمام).
وفي القاموس: حومة القتال وغيره معظمه أو أشدّ موضع فيه، والحمام الموت، وقيل:
قدر الموت، وقضاؤه من حم كذا، أي: قدر، انتهى. والمعنى: هنا يا ابن الذي من سبّب الموت.
(نجا بعون الملك العلام) وفي نسخة المنعام، وهو ما أنشده السيوطي. (فودى) بالواو من
فاداه مزيد، أقلبت الألف واوًا لانضمام ما قبلها حين بني للمجهول. وفي نسخة: فدى بلا واو
من فداه مجرّدًا، أي: أعطى فداءه (غداة) صبيحة (الضرب بالسهام)، والمراد بعد الضرب
_ بالقداح بينه وبين اخوته حين أراد عبد المطلب وفاء نذره (بمائة من إبل سوام) بالفتح جمع سام
أو سامية، بمعنى مرتفع أو مرتفعة، أي: فدى حين خرج عليه السهم بمائة إبل مرتفعة القيامة ثم
سوام بدون ياء في أكثر النسخ، وهو الذي في كتب السيوطي، وفي بعضها ثبوت الياء، قال
شيخنا: وهو القياس؛ لأن الياء أصليّة. (إن صحّ ما أبصرت في المنام،) خصّته لتقدّمه وتحققه

٣١١
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عَـ
فأنت مبعوث إلى الأنام تبعث في الحل وفي الحرام
دين أبيك البر إبراهام
تبعث في التحقيق والإسلام
فالله أنهاك عن الأصنام أن لا تواليها مع الأقوام
ثم قالت: كل حي ميت، وكل جديد بال، وكل كبير يفنى، وأنا ميتة
عندها حتى كان ما رأته يقظة بعد؛ كالدليل على صحّة المنام فلا يردّ أنها رأت ما يدلّ على
ذلك يقظة، فكان ذكره أولى لقوته على المنام، وعبّرت بأن دون إذا لأن المقصود تعليق ما أوّلت
به الرؤيا، ولا يلزم من كونها محقّقة إن ما أوّلت به محقّق، وهذا من كمال فطنتها وفهمها حيث
لم تجزم في التعليق بصحّة ما رأته.
(فأنت مبعوث إلى الأنام) الجنّ والإنس أو جميع من على وجه الأرض، ولعلّه المراد هنا
لكونه أبلغ في التعظيم، وقد بعث عٍَّ إلى الإنس والجنّ إجماعًا وإلى الملائكة عند كثير،
واختاره جمع محقّقون. (تبعث في) بيان (الحلّ) أي: الحلال، (وفي) بيان (الحرام) أو تبعث
في أرض الحلّ والبلد الحرام؛ فكأنها قالت: تبعث في جميع الأرض وليست بعثتك قاصرة على
بلدة دون بلدة؛ كما كانت الرسل. (تبعث في) أي: لبيان، (التحقيق) الحقّ من الباطل، وبهذا
يجاب عن قول السيوطي، كذا هو في النسخة وعندي أنه تصحيف وإنما هو بالتخفيف، انتهى.
فحيث صحّ المعنى لا تصحيف (و)بيان (الإسلام) وأنه الدين (دين) بالجرّ بدل من
الإسلام (أبيك البرّ) المحسن المطيع (إبراهام) بدل من أبيك وهو لغة في إبراهيم، قرأ بها ابن
عامر في مواضع والصرف لمناسبة القوافي لا لقصد تنكيره لعدم صحّته؛ لأنها إنما أرادت معيّنًا
وهو الخليل بنصّ قولها أبيك. (فاللَّه أنهاك) نصب على التوسّع، أي: فأنهاك مقسمة عليك باللّه
(عن عبادة الأصنام أن لا تواليها) لا تناصرها من الموالاة ضد المعاداة، أي: لا تعظمها بنحو
عبادتها والذبح إليها والاستقسام عندها.
(مع الأقوام) جمع قوم: الجماعة من رجال ونساء معًا في أحد الأقوال وبه صدر المجد،
وهو المراد هنا؛ لأنه كان يواليها من الفريقين. (ثم قالت: كل حيّ ميّت) بالتشديد، أي:
سيموت. وأمَّا بالتخفيف فمن حلّ به الموت؛ كما في القاموس وغيره، وليس مرادًا هنا. (وكل
جديد بال وكل كبير) بالموحدة (يفنى،) وفي نسخة بالمثلثة، قال شيخنا: وهي أظهر لدلالتها
على فناء جميع الأشياء، (وأنا ميتة) بالتشديد، أي: سأموت. قال الخليلي: أنشد أبو عمرو:
أيا سائلي تفسير ميّت وميت فدونك قد فشّرت إن كنت تعقلي
فمن كان ذا روح فذلك مَيت وما الميّت إلا من إلى القبر يحمل

٣١٢
ذکر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عێ.
وذكري باق، وقد تركت خيرًا، وولدت طهرًا، ثم ماتت. فكنا نسمع نوح الجن
عليها فحفظنا من ذلك:
نبكي الفتاة البرة الأمينة ذات الجمال العفة الرزينة
زوجة عبد الله والقرينة أم نبي الله ذي السكينة
.(وذكري باق وقد تركت خيرًا) عظيمًا كثيرًا، أي: خير وهو المصطفى وكأنه كالتعليل
لبقاء ذكرها، (وولدت طهرًا) أي: طاهرًا أطلق المصدر على اسم الفاعل، مبالغة وهذا أولى من
تقدير ذا طهر، ومن استعماله بمعنى اسم الفاعل. (ثم ماتت) رضي اللَّه عنها، وهذا القول منها
صريح في أنها موحدة إذ ذكرت دين إبراهيم، وبعث ابنها عَّة بالإسلام من عند اللَّه ونهيه عن
الأصنام وموالاتها، وهل التوحيد شىء غير هذا التوحيد الاعتراف باللّه وإلهيته وأنه لا شريك له،
والبراءة من عبادة الأصنام ونحوها، وهذا القدر كاف في التبرّي من الكفر وثبوت صفة التوحيد
في الجاهلية قبل البعثة، وإنما يشترط قدر زائد على هذا بعد البعثة، وقد قال العلماء في حديث:
(الذي أمر بنيه عند موته أن يحرقوه ويسحقوه ويذروه في الريح)، وقوله: ((إن قدر الله عليّ
فيعذبني)، إن هذه الكلمة لا تنافي الحكيم بإيمانه، ولكن جهل فظنّ أنه إذا فعل ذلك لا يعاد ولا
يظنّ بكل من كان في الجاهلية أنه كافرًا فقد تخلف فيها جماعة، فلا بدع أن تكون أمه مَ اه
منهم، كيف وأكثر من تحنف إنما كان سبب تحنّفه ما سمعه من أهل الكتاب والكهّان قرب
زمنه عَّله من أنه قرب بعث نبيّ من الحرم صفته كذا، وأمه عَِّ سمعت من ذلك أكثر مما
سمعه غيرها، وشاهدت في حمله وولادته من آياته الباهرة ما يحمل على التحتّف ضرورة، ورأت
النور الذي خرج منها أضاء له قصور الشام، حتى رأتها كما ترى أمّهات النبيّين، وقالت لحليمة
حين جاءت به وقد شقّ صدره: أخشيتما عليه الشيطان، كلاّ واللَّه ما للشيطان عليه سبيل، وأنه
لكائن لابني هذا شأن في كلمات أُخر من هذا النمط، وقدّمت به المدينة عام وفاتها، وسمعت
اليهود فيه وشهادتهم له بالنبوّة ورجعت به إلى مكّة، فماتت في الطريق فهذا كلّه مما يؤيد أنها
تحتّفت في حياتها، ذكره العلاَّمة الحافظ السيوطي في كتاب الفوائد، وهو المسمّى أيضًا
التعظيم والمنّة، شكر اللَّه مسعاه.
(فكنا نسمع نوح) مصدر ناح، أي: صياح (الجنّ عليها) أسفًا، (فحفظنا من ذلك) أبياتًا
هي: (نبكي الفتاة) الشابّة فإنها ماتت في حدود العشرين تقريبًا، ذكره السيوطي. (البرّة) المحسنة،
المطيعة، (الأمينة) كيف وهي قرشيّة أُمَّا وأبًا (ذات الجمال) البارع (العفّة) بفتح العين وشدّ الفاء،
(الرزينة) أي: ذات الوقار، (زوجة عبد اللَّه والقرينة) عطف تفسير، ومنه قوله تعالى: ﴿وزوجناهم
بحور عين﴾ [الدخان: ٥٤، الطور: ٢٠]،، أي: قرناهم لهنّ، (أُمّ نبيّ اللَّه ذي السكينة) الثبات

٣١٣
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عد اله
وصاحب المنبر بالمدينة صارت لدى حفرتها رهينة
وقد روي أن آمنة آمنت به عبده بعد موتها.
فروى الطبري بسنده عن عائشة أن النبي عَِّ نزل الحجون كئيبًا حزينًا،
فأقام به ما شاء الله عز وجل، ثم رجع مسرورًا، قال: سألت ربي فأحيا لي أمي،
فآمنت بي ثم ردها.
ورواه أبو حفص بن شاهین
والطمأنينة، (وصاحب المنبر بالمدينة صارت لدى) أي: في (حفرتها) قبرها (رهينة) مرهونة، زاد
في رواية:
لو فوديت لفوديت ثمينه وللمنايا شفرة سنينه
إلا أتت وقطعت وتينه
لا تبق ظعـانـا ولا ظـعـينة
عن الذي ذو العرش يعلى دينه
أما حللت أيها الحزينة
فكلنا والهة حزينة تبكيك للعطلة أو للزينة
وللضعيفات وللمسكينه
ولما ذكر وفاة أُّه وما يدلّ على موتها على التوحيد جرّه ذلك إلى حديث إحيائها وإحياء
أبيه، لكن قدمها لكثرة الروايات فيها، فقال: (وقد روي أن آمنة آمنت به عَِّ بعد موتها) أتى به
ممرضًا لضعفه، أي: روى ذلك جماعة فصلهم بقوله: (فروى) الحافظ محبّ الدين أحمد بن
عبد الله بن محمّد، أبو العبّاس المكيّ (الطبري،) الإمام المحدث الصالح، الزاهد الشافعي، فقيه
الحرم ومحدّث الحجاز، المتوفى في جمادى الآخرة سنة أربع وتسعين وستّمائة، (بسنده) فقال
في سيرته: أنبأنا أبو إسحق بن المقير، أنبأنا الحافظ أبو الفضل محمّد بن ناصر السلامي إجازة،
أنبأنا أبو منصور محمد بن أحمد بن علي بن عبد الرزاق الحافظ الزاهد، أنبأنا القاضي أبو بكر
محمد بن عمر بن محمد بن الأخضر، حدّثنا أبو غزية محمّد بن يحيى الزهري، حدّثنا
عبد الوهاب بن موسى الزهري عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه (عن
عائشة: أن النبيّ ◌َُّ نزل الحجون كئيبًا حزينًا) صفة لازمة لكثيبًا، (فأقام به ما شاء اللَّه عزّ
وجلّ ثم رجع مسرورًا، قال) يخاطب عائشة بعد سؤالها له عن اختلاف حاليه؛ كما في الحديث
التالي («سألت ربّي) إحياء أُمّي بدليل الحديث الآتي، ولا محيص عن هذا فخير ما فشرته
بالوارد، (فأحيا لي أمي فآمنت بي، ثم ردّها)) إلى ما كانت عليه من الموت.
(ورواه) أي: حديث عائشة هذا بنحوه، (أبو حفص بن شاهين) الحافظ الكبير الإمام

٣١٤
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عَ اليه.
في كتاب ((الناسخ والمنسوخ)) له، بلفظ: قالت عائشة: حج بنا رسول الله عَ ليه
حجة الوداع، فمر بي على عقبة الحجون، وهو باك حزين مغتم، فبكيت لبكائه،
ثم أنه نزل فقال: يا حميراء
المفيد عمر بن أحمد بن عثمن البغدادي، الثقة المأمون، صنّف ثلاثمائة وثلاثين مصنّفًا منها
التفسير الكبير ألف جزء، والمسند ألف وثلاثمائة جزء، مات في ذي الحجّة سنة خمس وثمانين
وثلاثمائة. (في كتاب الناسخ والمنسوخ له) بعد أن أورد قبله حديث الزيارة والنهي عن
الاستغفار وجعله منسوخًا، وروى بعده هذا الحديث، فقال: حدّثنا محمد بن الحسين بن زياد
مولی الأنصار، حدّثنا أحمد ابن يحيى الحضرمي بمگّة، حدثنا أبو غزية محمّد بن يحيى الزهري،
حدثنا عبد الوهاب بن موسى الزهري عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة عن أبيه،
عن عائشة: أن النبيّ عَّهِ نزل إلى الحجون كئيبًا حزينًا، فأقام به ما شاء اللَّه عزّ وجلّ، ثم رجع
مسرورًا، فقلت: يا رسول اللَّه! نزلت إلى الحجون كئيبًا حزينًا فأقمت به ما شاء اللَّه ثم رجعت
مسرورًا، قال: ((سألت اللّه ربّي فأحيا لي أَمي فآمنت بي، ثم ردّها))، هذا لفظ ابن شاهين، كما
في كتب السيوطي وغيرها.
وأمّا قوله: (بلفظ، قالت عائشة) فإنما عزاه القرطبي والسيوطي وغيرهما للخطيب فلعله
سقط من قلم المؤلّف والخطيب في السابق واللاحق، قال - أعني الخطيب -: أنبأنا أبو العلاء
الواسطي، حدثنا الحسين بن محمّد الحلبي، حدثنا أبو طالب عمر بن الربيع الزاهد، حدّثنا
عليّ بن أيوب الكعبي، حدّثنا محمّد بن يحيى الزهري عن أبي غزية، حدّثنا عبد الوهاب ابن
موسى، حدّثنا لملك بن أنس، عن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن عائشة، قالت: (حجّ بنا
رسول اللَّه عَ لَِّ حجّة الوداع فمرّ بي على عقبة الحجون،) أي: الطريق الموصل إلى الحجون،
أو الإضافة بيانيّة (وهو باك حزين مغتمّ، فبكيت لبكائه) لفظ الخطيب: لبكاء رسول اللَّه عَ لَّه (ثم
أنه نزل، فقال: ((يا حميراء،) تصغير حمراء، أي: بيضاء للتحبّب؛ كقولهم: يا بني يا أخي، وروى
النسائي من طريق أبي سلمة عن عائشة: دخلت الحبشة المسجد يلعبون، فقال لي النبيّ عَّهُ:
(يا حميراء! أتحبين أن تنظري إليهم))، فقلت: نعم، قال الحافظ: إسناده صحيح، ولم أرّ حديثًا
صحيحًا فيه ذكر الحميراء غيره، انتهى.
وروى الحاكم عن أُمّ سلمة، قالت: ذكر النبيّ ◌َِّ خروج بعض أُمهات المؤمنين،
فضحكت عائشة، فقال: (انظري يا حميراء، أن لا تكوني أنت))، ثم التفت إلى عليّ فقال: ((إن
وليت من أمرها شيئًا، فارفق بها))، قال الحاكم: صحيح على شرطهما. قال الذهبي: لكن
عبد الجبّار لم يخرجا له، قال في الفلك المشحون: هذا حديث فيه يا حميراء صحيح، انتهى.

٣١٥
ذکر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه ټٹ
استمسكي، فاستندت إلى جنب البعير، فمكث مليًا، ثم عاد إلى وهو فرح متبسم
فقال: ذهبت لقبر أمي فسألت ربي أن يحييها، فأحياها فآمنت بي وردها الله.
أي: وإن لم يكن على شرط الشيخين؛ لأن الصحيح مراتب.
(استمسكي) أي: تمسّكي بشىء يمنعك السقوط (فاستندت إلى جنب البعير، فمكث مليًا)
بشدّ الياء زمانًا طويلاً، ولفظ الخطيب: فمكث عني طويلاً (ثم عاد إليّ وهو فرح متبسّم،)
أسقط من لفظ ابن شاهين ما تلي عليك، ومن رواية الخطيب، ما لفظه: فقلت له: بأبي أنت
وأُتّي يا رسول اللَّه، نزلت من عندي وأنت بالكٍ حزين مغتمّ فبكيت لبكائك، ثم إنك عدت إليّ
وأنت فرح متبسّم، فمِمَّ ذاك يا رسول اللَّه؟ (فقال: ((ذهبت لقبر أمّي فسألت ربّي،) ولفظ
الخطيب: فسألت اللَّه، (أن يحييها فأحياها، فآمنت بي، وردّها اللَّه)) إلى الموت.
وأخرج الدارقطني هذا الحديث من هذا الوجه، وقال: باطل وابن عساكر، وقال منكر
وهشام لم يدرك عائشة فلعلَّه سقط من كتابي عن أبيه، قال في اللسان: ثبت في رواية عن أبيه
التي ظنّ أنها سقطت، فهو كما ظنّ يشير إلى روايتي الطبري وابن شاهين الثابت فيهما عن أبيه؛
كما قدمنا.
وذكره ابن الجوزي في الموضوع ولم يتكلّم على رجاله. وفي الميزان: أن عمر بن الربيع
كذّاب وردّه في اللسان بأن الدارقطني ضعّفه فقط، وقال مسلمة بن قُسم: تكلم فيه قوم ووثّقه
آخرون، وكان كثير الحديث.
والكعبي، قال الذهبي: لا يكاد يعرف وكأنه تبع قول ابن عساكر مجهول، وردّه في
اللسان بأن الدارقطني عرّفه وسماه عليّ بن أحمد ويأتي الكلام على باقي رجاله، فلا يتصوّر كونه
موضوعًا بل هو ضعيف فقط.
وكذا أورد رواية ابن شاهين في الموضوعات، وقال محمّد بن زياد هو النقاش ليس بثقة،
ومحمّد بن يحيى وأحمد بن يحيى مجهولان. وردّه السيوطي بأن محمّد بن يحيى ليس مجهولاً،
فقد قال الدارقطني: متروك والأزدي ضعيف ومن ترجم بهذا إنما يكون حديثه ضعيفًا لا موضوعًا
وكذا أحمد بن يحيى ليس بمجهول، فقد ذكره في الميزان، وقال: روى عن حرملة التجيبي
وكنيته أبو سعيد ومن ترجم بهذا إنما يعتبر بحديثه، قال: وأمَّا محمّد بن زياد فإن كان هو النقاش،
كما ذكر فهو أحد علماء القراءات وأئمة التفسير، قال في الميزان: صار شيخ المقرئين في عصره
على ضعف فيه، أثنى عليه أبو عمرو الداني، وحدّث بمناكير ومع ذلك لم ينفردا به، فله طريقان
آخران عن أبي غزية، فذكر طريق الطبري وطريق الخطيب، قال: وأعلّه الذهبي بجهالة
عبد الوهاب بن موسى وليس كما قال، بل هو معروف من رواة لملك، وقد وثّقه الدارقطني وأقرّه

٣١٦
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه متبلة.
وكذا روي من حديث عائشة أيضًا إحياء أبويه معَّ ◌ُلِّ حتى آمنا به. أورده
السهيلي، وكذا الخطيب في السابق واللاحق.
وقال السهيلي: إن في إسناده مجاهيل.
وقال ابن كثير: إنه حديث منکر جدًا، وسنده مجهول.
الحافظ ابن حجر، ولم ينقل عن أحد فيه جرح، فتلخص أن الحديث غير موضوع قطعًا؛ لأنه
ليس في رواية من أجمع على جرحه فإن مداره على أبي غزية عن عبد الوهاب، وقد وثّق ومن
فوقه من ملك فصاعدًا لا يسأل عنهم لجلالتهم والساقط بين هشام وعائشة هو عروة؛ كما ثبت
في طريق آخر وأبو غزية، قال فيه الدارقطني: منكر الحديث، وابن الجوزي: مجهول، وترجمه
ابن يونس ترجمة جيّدة أخرجته عن حدّ الجهالة والكعبي أكثر ما قيل فيه مجهول، وقد عرف
وعمر بن الربيع نقل مسلمة توثيقه عن آخرين، وأنه كان كثير الحديث، فهذا الطريق بهذا
الاعتبار ضعيف لا موضوع على مقتضى الصنعة، فكيف وله متابع أجود منه وهو طريق أحمد
الحضرمي عن أبي غزية من حيث أن طريق الكعبي فيها رجال على الولاء، تكلم فيهم بخلاف
طريق الحضرمي حيث اقتصر فيه عليه، وقد عرف لما نسب باللين، وهي من ألفاظ التعديل الذي
يحكم لصاحبه بالحسن إذا توبع، فالحديث إذن مداره على أبي غزية وهو من أفراده ولولا تفرّده
به لحکمت له بالحسن، انتهى ملخّصًا، فلله درّه.
(وكذا روي من حديث عائشة أيضًا إحياء أبويه عٍَّ) معًا (حتى آمنا به، أورده السهيلي)
في الروض، فقال: روى حديث غريب لعلَّه يصحّ، وجدته بخط جدي القاضي أحمد بن الحسن
بسند فيه مجهولون. ذكر أنه نقله من كتاب أنتسخ من كتاب معوذ الزاهد، يرفعه إلى أبي الزناد
عن عروة عن عائشة: أن رسول اللَّه عَّ سأل ربه أن يحيي أبويه فأحياهما له فآمنا به، ثم أماتهما.
قال السهيلي: واللَّه قادر على كل شىء وليس يعجز رحمته وقدرته عن شىء، ونبيّه عَّ أهل أن
يختصه بما شاء من فضله، وينعم عليه بما شاء من كرامته.
(وكذا الخطيب في السابق واللاحق) أي: المتقدّم والمتأخّر، بمعنى المنسوخ والناسخ،
(وقال السهيلي: إن في إسناده مجاهيل،) وهو يفيد ضعفه فقط، وبه صرّح في موضع آخر من
الروض وأيده بحديث ولا ينافي هذا ترجيحه صحّته، كما مرّ عنه؛ لأن مراده من غير هذا الطريق
إن وجد أو في نفس الأمر، لأن الحكم بالضعف وغيره إنما هو في الظاهر.
(وقال ابن كثير: إنه حديث منكر جدًا وسنده مجهول،) وإن كان ممكنًا بالنظر إلى قدرة
اللَّه تعالى، لكنَّ الذي ثبت في الصحيح يعارضه هذا كله كلام ابن كثير، وهو أيضًا صريح في

٣١٧
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه معد له.
وقال ابن دحية: هذا الحديث موضوع يرده القرءان والإجماع. انتهى.
وقد جزم بعض العلماء: بأن أبويه عَّهِ ناجيان، وليسا في النار، تمسكًا بهذا
الحديث وغيره.
أنه ضعيف فقط، فالمنكر من قسم الضعيف، ولذا قال السيوطي بعدما أورد قول ابن عساكر:
منكر هذا حجّة لما قلته من أنه ضعيف لا موضوع؛ لأن المنكر من قسم الضعيف وبينه وبين
الموضوع فرق معروف في الفن، فالمنكر ما انفرد به الراوي الضعيف مخالفًا لرواته الثقات، وهذا
كذلك إن سلم مخالفته لحديث الزيارة ونحوه، فإن انتفت كان ضعيفًا فقط وهي مرتّبة فوق
المنکر اُصلح حالاً منه.
(وقال ابن دحية: هذا الحديث موضوع يرده القرءان والإجماع) قال تعالى: ﴿ولا الذين
يموتون وهم كفّار﴾ [النساء: ١٨]، وقال: ﴿فيمت وهو كافر﴾ [البقرة: ٢١٧]، فمن مات كافرا لم
ينفعه الإيمان بعد الرجعة، بل لو آمن عند المعاينة لم ينفعه، فكيف بعد الإعادة؟ وفي التفسير أنه
عليه السلام، قال: ليت شعري ما فعل أبواي، فنزل ﴿ولا تُشْئَلُ عن أصحاب الجحيم﴾
[البقرة: ١١٩]، (انتهى) كلام ابن دحية بما زدته؛ كما نقله كله القرطبي عنه. وقد عابه السيوطي
بأن تعليله بمخالفة ظاهر القرءان ليس طريقة المحدثين؛ لأن الحفاظ إنما يعلّلون الحديث من
طريق الإسناد الذي هو المرقاة إليه؛ كما صرّح به الحافظ ابن طاهر المقدسي، انتهى.
وهذا مراد الشامي بقوله: لو اقتصر أبو الخطاب على قوله موضوع وسكت عن قوله: يرده
القرءان والإجماع، لكان جيّدًا وتأدًّا مع النبيّ عَّ له، انتهى. أي: لكان جيّدًا من حيث أن له
دعوى وضعه سلفًا وإن لم تسلم دعواه وكان فيه زيادة هي التأدّب، فليس قوله: وتأدّبًا عطف علّة
على معلول؛ كما زعم، قال في الفرائد: وأمَّا حديث ليت شعري فمعضل ضعيف، لا تقوم به
حجّة.
(وقد جزم بعض العلماء بأن أبويه) عَ ◌ّهِ (ناجيان وليسا في النّار) بل في الجنَّة، (تمسّكًا
بهذا الحديث وغيره،) ظاهره: أن البعض واحد ونحوه، ويصرّح به قوله الآتي: وتعقّبه عالم آخر
مع أن القائل بنجاتهما قوم كثير، فأمَّا الذين تمسكوا بالحديث، فقال السيوطي في سبل النجاة:
مال إلى أن اللَّه أحياهما حتى آمنا به طائفة من الأئمّة وحفّاظ الحديث، واستندوا إلى حديث
ضعيف لا موضوع؛ كما قال ابن الجوزي: وقد نصّ ابن الصلاح وأتباعه على تسامحه في
الموضوعات، فأورد أحاديث ضعيفة فقط، وربما تكون حسنة أو صحيحة، قال الحافظ العراقي:
وأكثر الجامع فيه إذ خرج لمطلق الضعف عني أبا الفرج
وحديثنا هذا خالفه فيه كثير من الحفّاظ، فذكروا أنه ضعيف تجوز روايته في الفضائل

٣١٨
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عّلّ.
والمناقب لا موضوع؛ كالخطيب، وابن عساكر، وابن شاهين، والسهيلي، والمحب الطبري،
والعلاَّمة ناصر الدين بن المنير، وابن سيّد الناس، ونقله عن بعض أهل العلم ومشى عليه الصلاح
الصفدي في نظم له، والحافظ بن ناصر في أبيات له قال: وأخبرني بعض الفضلاء أنه وقف على
فتيا بخطّه شيخ الإسلام ابن حجر أجاب فيها بهذا مع أن الحديث الذي أورده السهيلي لم
يذكره ابن الجوزي، وإنما أورد حديثًا آخر من طريق آخر في إحياء أُمّه فقط ، وفيه قصّة بلفظ غير
لفظ الحديث الذي أورده السهيلي، فعلم أنه حديث آخر مستقلّ، قال: وقد جعل هؤلاء الأئمة
هذا الحديث ناسخًا للأحاديث الواردة بما يخالفه ونصّوا على أنه متأخّر عنها فلا تعارض بينه
وبینها، انتھی.
وقال في الدرج المنيفة: جعلوه ناسخًا ولم يبالوا بضعفه؛ لأن الحديث الضعيف يعمل به
في الفضائل والمناقب، وهذه منقبة؛ هذا كلام هذا الجهبذ وهو في غاية التحرير، وأغرب
الشهاب الهيثمي فقال في مولده بعدما ذكر قول ابن كثير منكر، وليس كما قال؛ لأن حافظ
الشام ابن ناصر أثبت منه وقد حسّنه، بل صححه وسبقه إلى تصحيحه القرطبي، وارتضى ذلك
بعض الحفاظ الجامعين بين المعقول والمنقول، انتهى.
وما في تذكرة القرطبي ولا مولد ابن ناصر ما نقله عنهما، فإن الذي في التذكرة هو ما
سينقله المصنف قريبًا والذي في مولد ابن ناصر، إنما هو التصريح بضعف الحديث في الأبيات
الآتية التي آخرها وإن كان الحديث به ضعيفًا، وأغرب من ذلك قوله في شرح الهمزية، صححه
غير واحد من الحفاظ ولم يلتفتوا للطعن فيه، انتهى.
وليت شعري من أين يصح وهو ما بلغ درجة الحسن ومن الحفّاظ والسيوطي غاية ما
وصل إلى القول بضعفه، والذي يظهر لي أن مراده أنهم صححوا العمل به في الاعتقاد، وإن كان
ضعيفًا لكونه في منقبه فيرجع لكلام السيوطي ووقع للتلمساني في حواشيه، روى إسلام أُمّه بسند
صحيح، وروى إسلام أبيه وكلاهما بعد الموت تشريفًا له حتى أسلما، فإن أراد إسناد الحديث
المتقدم، فلا يسلم له وإن أراد غيره فعليه البيان، ولولا قوله بسند لأوّلته كالسابق، هذا وفي
الدرج المنيفة أيد بعضهم ذا الحديث بالقاعدة المتفق عليها أنه ما أوتي نبيّ معجزة إلا
وأُوتِي عَلَّ مثلها، وقد أحيا اللَّه لعيسى الموتى من قبورهم، فلا بد أن يكون لنبيّنا مثل ذلك، ولم
يرد من هذا النوع إلا هذه القصة، فلا يبعد ثبوتها وإن كان له من هذا النمط نطق الذراع وحنين
الجذع، لكنه غير ما وقع لعيسى فهو أشبه بالمماثلة، ولا شكّ أن من الطرق التي يعتضد بها
الحديث الضعيف موافقته للقواعد المقرّرة، انتهى. وهو منابذ لما قاله القرطبي إن اللّه أحيا على

٣١٩
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عَ اه.
وتعقبه عالم آخر: بأنه لم ير أحدًا صرح بأن الإيمان بعد انقطاع العمل
بالموت ينفع صاحبه، فإن ادعى أحد الخصوصية فعليه الدليل. انتهى.
وقد سبقه لذلك، أبو الخطاب بن دحية، وعبارته: فمن مات كافرًا لم ينفعه
الإيمان بعد الرجعة، بل لو آمن عند المعاينة لم ينفعه ذلك، فكيف بعد الإعادة.
انتھی.
وتعقبه القرطبي
يد المصطفى جماعة، وقد أقرّه هو - أعني السيوطي - وغيره، وذكر المصنّف في المعجزات أن
اللَّه أحيا على يده خمسة منهم الأبوان ويمكن أن لا ينابذه؛ لأن غاية ما صرح به أن اللَّه أحيا على
يده والمؤيّد به أن اللَّه أحياهم لعيسى من قبورهم، وهذا لم يرد لنبيّنا منه إلاّ هذه القصّة؛ كما
قال مع قصة أخرى تأتي قريبًا لكنها مرسلة، فكأنه لم يعتبرها أو اعتبرها لكنها واحدة، ومراده:
أزيد ليوافق ما اتفق لعيسى.
(وتعقّبه) أي القائل بنجاتهما لأنهما آمنا بعد الموت، (عالم آخر) رأيت بهامش أنه أراد به
السخاوي شيخه، وبالبعض الذي أبهمه أوّلاً السيوطي، (بأنه لم يرَ أحدًا صرّح بأنَّ الإيمان بعد
انقطاع العمل بالموت ينفع صاحبه، فإن ادّعى أحد الخصوصية فعليه الدليل، انتهى.) ويلزمه إما
أن يقول بوضع الحديث فيرد بأن أكثر الحفاظ، قالوا: ليس بموضوع وهو الحق الأبلج الذي
أسفر عنه النظر في أسانيده، كما مرّ تفصيله أو بضعفه ولا يعمل به فيردّ بأن طريقة الحفاظ
العمل به؛ لأنه في منقبة أو يبقى التعارض بين الأحاديث، وليس شأن أهل الفن ولا أهل الأصول.
وأمَّا الدليل على الخصوصية فواضح من سياق الأحاديث لقوله: («سألت ربّي أن يحييها
فأحياها، فآمنت بي))، وقد صرّح في فتح الباري بأنه لا يلزم التنصيص على لفظ الخصوصية.
(وقد سبقه) أي: هذا المتعقّب (لذلك) التعقّب بمعناه، (أبو الخطاب) الحافظ عمر (ابن دحية
وعبارته) عقب قوله السابق: يردّه القرءان والإجماع وتلاوة الآيتين، (فمن مات كافرًا لم ينفعه
الإيمان بعد الرجعة بل لو آمن عند المعاينة) لأسباب العذاب (لم ينفعه ذلك، فكيف بعد الإعادة،
انتهى.) وقدّمت ذلك تتميمًا لعبارته ولبيان أن قوله: فمن ... الخ، تفسير لقوله: والإجماع.
(وتعقّبه) تعقّب ابن دحية ومن لازمه تعقب من وافقه (القرطبي) الإمام المفسّر محمّد بن
أحمد بن أبي بكر بن فرح بإسكان الراء وبالحاء المهملة، كما في الديباج، أبو عبد اللَّه الأنصاري
الورع الزاهد، صاحب التصانيف العديدة، المشغول بما يعنيه، أوقاته معمورة ما بين توجه وعبادة
وتصنيف، سمع أبا العباس القرطبي صاحب المفهم وأبا علي الحسن بن محمّد البكري

٣٢٠
ذکر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه
في ((التذكرة)): بأن فضائله عَّهِ وخصائصه لم تزل تتوالى وتتابع إلى حين مماته،
فيكون هذا مما فضله الله به وأكرمه، قال: وليس إحياؤهما وإيمانهما بممتنع عقلاً
ولا شرعًا، فقد ورد في الكتاب العزيز إحياء قتيل بني إسرائيل، وإخباره بقاتله،
وكان عيسى عليه السلام يحيي الموتى،
وغيرهما، واستقرّ بمنية ابن خصيب، وبها توفي ودفن في شوّال سنة إحدى وسبعين وستمائة.
(في) كتاب (التذكرة) بأُمور الآخرة، (بأن فضائله عَّ وخصائصه لم تزل تتوالى وتتابع
عطف تفسیر (إلي حین مماته فیکون هذا) أي إحياؤهما (مما فضله الله به وأكرمه)، فلا یرد حديث
إحيائهما قرءان ولا إجماع؛ لأن محلهما في غير الخصوصية.
وقد أخرج ابن شاهين والحاكم عن ابن مسعود، قال: جاء ابنا مليكة، فقالا: يا رسول اللَّه!
إن أُمّنا كانت تكرّم الضيف وقد وأدت في الجاهلية، فأين أُمّنا؟ فقال: ((أُمّكما في النار))، فقاما
وقد شقّ عليهما فدعاهما عَِّ، فقال: (إِن أَمّي مع أُمّكما))، فقال منافق: ما يغني هذا عن أُمّه إلا
ما يغني ابنا مليكة عن أَمّهما، فقال شاب من الأنصار: لو أن أبويك، فقال عَّهِ: ((ما سألتهما ربي
فيعطيني فيهما، وإني لقائم المقام المحمود)، ففيه كما قال السيوطي إن قوله: ((أُمّي مع أُمّكما)،
كان قبل أن يسأل ربّه فيهما فلا ينافي حديث إحيائهما وإيمانهما وأنه جوّز عَّهِ أنه إذا سأل ربّه
يعطيه وأن أصحابه جوّزوا ذلك عليه، واعتقدوا أن من خصائصه ما يقتضيه، وقال بعد أن أورد
أحاديث امتحان أهل الفترة: وبها يرد على ابن دحية؛ لأن الإيمان إذا كان ينفع أهل الفترة في
الآخرة التي ليست دار تكليف، وقد شاهدوا جهنّم بشهادة الأحاديث، فلأن ينفعهم بالإحياء عن
الموت من باب أولى، انتهى. فقد حصل للمطالب بدليل الخصوصية أدلّة كالنهار.
(قال) القرطبي (وليس إحياؤهما وإيمانهما بممتنع عقلاً،) لأنه يجوز مثل ذلك فلا يدعي
وضع الحديث؛ لأن العقل يخيّله، (ولا شرعًا فقد ورد في الكتاب العزيز إحياء قتيل بني إسرائيل
وإخباره بقاتله،) وذلك أنَّه قتل لهم قتيل لا يدرى قاتله، فسألوا موسى أن يدعو الله يبيّنه لهم
فأوحى الله إليه أن يأمرهم بذبح بقرة، فذبحوها بعدما قضى اللَّه وضربوها ببعضها، أي: لسانها أو
عجب ذنبها أو بالبضعة التي بين كتفيها أو بفخذيها أو بالعظم الذي يلي الغضروف أو بذنبها أو
بعظم من عظامها، أقوال حكاها في المبهمات فحبي، وقال: قتلني فلان وفلان، لابني عمّه أو
ابني أخيه، ومات فحرما الميراث وقتلا. (وكان عيسى عليه السلام يحيي الموتى) بنصّ
القرءان، فأحيا العازر بفتح الزاي، صديقًا له بعد موته ودفنه بثلاثة أيام، وابن العجوز وهو محمول
على نعشه في أكفانه وابنة العاشر فعاشوا مدّة وولد لهم وعزيرًا وسام بن نوح ومات في الحال.