النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ الكلام على عمل المولد قال ابن الجزري: فإذا كان هذا الكافر، الذي نزل القرءان بذمه جوزي في النار بفرحه ليلة مولد النبي عَّم به، فما حال المسلم الموحد من أمته عليه السلام يسر بمولده، ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته معد له، لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله العميم جنات النعيم. ولا زال أهل ولا يعارضه قوله تعالى: ﴿فجعلناه هبآءً منثورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، لأنه لما لم ينجهم من النار ويدخلهم الجنَّة، كأنه لم يفدهم أصلاً؛ كما أشار إليه البيهقي أو لأنه هباء بعد الحشر، وهذا قبله. وقال السهيلي: هذا النفع إنما هو نقصان من العذاب، وإلا فعمل الكافر كلّه محبط بلا خلاف، أي: لا يجده في ميزانه ولا يدخل به الجنَّة، انتهى. وجوّز الحافظ تخفيف عذاب غير الكفر بما عملوه من الخير بناء على أنهم مخاطبون بالفروع. وفي التوشيح قيل هذا خاص به إكرامًا للنبيّ عَّله، كما خفّف عن أبي طالب بسببه، وقيل: لا مانع من تخفيف العذاب عن كل كافر عمل خيرًا. (قال) الحافظ أبو الخير شمس الدين (ابن الجزري) محمّد بن محمد بن محمد الدمشقي الإمام في القراءات الحافظ للحديث صاحب التصانيف التي منها النشر في القراءات العشر لم يصنّف مثله، ولد سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، ومات سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة. (فإذا كان هذا الكافر الذي نزل القرءان بذمّه جوزي في النار بفرحه) هو (ليلة مولد) وضع (النبيّ عَّه به) أي: بالمولد (فما حال المسلم الموحّد من أُمّته عليه السّلام؟) حال كونه (يسر) وفي نسخة الذي يسرّ (بمولده ويبذل) بضم الذال: يعطى بسماحة (ما تصل إليه قدرته في محبّه عَّ) من الصدقات، وهو استفهام تفخيم، أي: فحاله بذلك أمر عظيم، وللَّه درّ حافظ الشام شمس الدين محمّد بن ناصر، في قوله: وتبّت يداه في الجحيم مخلدا إذا كان هذا كافرًا جاء ذمّه يخفف عنه للسرور بأحمدا أتى أنه في يوم الاثنين دائمًا فما الظن بالعبد الذي كان عمره بأحمد مسرورًا ومات موحدا وقوله في يوم الاثنين على حذف مضاف، أي: في ليلة يوم الاثنين فلا يردّ عليه حديث المصنّف: كل ليلة اثنين الصريح في أن التخفيف ليلاً فلا وجه لدعوى أنه يخفّف نهارًا بسبب سقيه ليلاً، لاحتياجه لبرهان ومجرد النظم لا دلالة فيه لما علم من كثرة حذف المضاف. (لعمري) بالفتح، أي: لحياتي، فستّي كما في القاموس لغة في العمر يختصّ به القسم الإيثار الأخفّ فيه لكثرة دوره على ألسنتهم؛ كما في الأنوار. (إنما يكون جزاؤه من اللَّه الكريم أن يدخله بفضله العميم جنات النعيم،) ويمتّعه فيها برؤية وجهه العظيم، (ولا زال) أي: استمرّ (أهل ٢٦٢ الكلام على عمل المولد الإسلام يحتفلون بشهر مولده عليه الصلاة والسلام، ويعملون الولائم، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم. ومما جرب من خواصه أنه أمان في ذلك العام، وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام، فرحم الله امرأ اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعيادا، ليكون أشد علة الإسلام) بعد القرون الثلاثة التي شهد المصطفى عَّه بخيريتها، فهو بدعة. وفي أنها حسنة، قال السيوطي: وهو مقتضى كلام ابن الحاج في مدخله فإنه إنما ذمّ ما احتوى عليه من المحرمات مع تصريحه قبل بأنه ينبغي تخصيص هذا الشهر بزيادة فعل البرّ وكثرة الصدقات والخيرات وغير ذلك من وجوه القربات، وهذا هو عمل المولد المستحسن والحافظ أبي الخطاب بن دحية. ألّف في ذلك التنوير في مولد البشير النذير، فأجازه الملك المظفر صاحب أربل بألف دينار، واختاره أبو الطيب السبتي نزيل قوص وهؤلاء من أجلّة المالكية أو مذمومة وعليه التاج الفاكهاني وتكفل السيوطي، لردّ ما استند إليه حرفًا حرفًا، والأول أظهر، لما اشتمل عليه من الخير الكثير. (يحتفلون) يهتمون (بشهر مولده عليه الصّلاة والسّلام، ويعملون الولائم ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور) به (ويزيدون في المبرّات ويعتنون بقراءة) قصة (مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم،) وأوّل من أحدث فعل ذلك الملك المظفر أبو سعيد صاحب أربل، قال ابن كثير في تاريخه: كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأوّل ويحتفل فيه احتفالاً هائلاً وكان شهمًا شجاعًا بطلاً عاقلاً عالمًا عادلاً، وطالت مدّته في الملك إلى أن مات وهو محاصر الفرنج بمدينة عكا في سنة ثلاثين وستمائة محمود السيرة والسريرة، قال سبط بن الجوزي في مرآة الزمان: حكى لي بعض من حضر سماط المظفر في بعض المواليد أنه عدّ فيه خمسة آلاف رأس غنم شواء وعشرة آلاف دجاجة، ومائة فرس، ومائة ألف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوى، وكان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية فيخلع عليهم، ويطلق لهم البخور وكان يصرف على المولد ثلاثمائة دينار، انتهى. (ومما جرب من خواصه) أي: عمل المولد (أنه أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية) بكسر الياء وضمها لغة الحاجة التي تبغيها، وقيل: بالكسر الهيئة وبالضمّ الحاجة، قاله المصباح. (والمرام) أي: المطلوب فهو تفسيري، إلى هنا كلام ابن الجوزي في مولده المسمّى عرف التعريف بالمولد الشريف. (فرحم اللَّه امراً اتّخذ ليالي شهر مولده المبارك أعيادًا،) جمع عيد (ليكون) الاتّخاذ (أشدّ علّة) بكسر العين في أكثر النسخ، أي: مرضًا، وفي بعضها بغين معجمة مضمومة، أي: ٢٦٣ الكلام على عمل المولد على من في قلبه مرض وأعبى داء. ولقد أطنب ابن الحاج في ((المدخل)) في الإنكار على ما أحدثه الناس من البدع والأهواء والغناء بالآلات المحرمة عند عمل المولد الشريف، فالله تعالى يثيبه على قصده الجميل، ويسلك بنا سبيل السنة، فإنه حسبنا ونعم الوكيل. احتراق قلب، فكلاهما صحيح. (على من في قلبه مرض، وأعيى) بفتح الهمزة وسكون العين مضافًا إلى (داء) المقصور للسجع، وأصله المدّ عطف على أشدّ علّة، أي بما يصيبه من الغيظ الحاصل له بمولده عَّ له. (ولقد أطنب ابن الحاج) أبو عبد الله محمد بن محمد العبدري الفارسي أحد العلماء العاملين المشهورين بالزهد والصلاح من أصحاب ابن أبي حمزة، كان فقيهًا عارفًا بمذهب لملك وصحب جماعة من أرباب القلوب، مات بالقاهرة سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. (في) كتاب (المدخل) إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على كثير من البدع المحدثة والعوائد المنحلّة، قال ابن فرحون: وهو كتاب حفيل جمع فيه علمًا غزيرًا، والاهتمام بالوقوف عليه متعيّن ويجب على من ليس له في العلم قدم راسخ أن يهتم بالوقوف عليه، انتهى. (في الإنكار على ما أحدثه الناس) البشر، وقد يكون من الإنس والجنّ، قيل: مشتقّ من ناس ينوس إذا تحرّك، وقيل: من النسيان وإلى ترجيحه يومىء كلام المنجد، قال أبو تمام: لا تنسين تلك العود فإنما سمّيت إنسانًا لأنك ناسي (من البدع والأهواء) أي: المفاسد التي تميل إليها النفس، فهو مساوٍ للبدع المرادة هنا، (والغناء) مثل كتاب الصوت وقياسه الضم؛ لأنه صوت وغنّي بالتشديد: ترتّم بالغناء؛ كذا في المصباح. (بالآلات المحرّمة) كالعود والطنبور (عند عمل المولد الشريف، فالله تعالى يشيبه على قصده الجميل) الجنَّة ونعيمها (ويسلك بنا سبيل السنَّة،) أي: الطريق الموصلة إليها من فعل الطاعات واجتناب المعاصي، والمراد: طلب الهداية إلى ذلك، وفي نسخة: بنا وبه والمراد بسلوكها بالنسبة لابن الحاج جعله في زمرة المتقين في الآخرة، (فإنه) سبحانه (حسبنا) كافينا (ونعم الوكيل) الموكول إليه هو، والحاصل: أن عمله بدعة لكنه اشتمل على محاسن وضدّها، فمن تحرّى المحاسن واجتنب ضدّها كانت بدعة حسنة، ومن لا فلا. قال الحافظ ابن حجر في جواب سؤال: وظهر لي تخريجه على أصل ثابت، وهو ما في الصحيحين: أن النبيّ عَّ قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم، فقالوا: هو يوم أغرق اللَّه فيه فرعون ونجّى موسى ونحن نصومه شكرًا، قال: فيستفاد منه فعل الشكر على ما منّ به في يوم معيّن، وأي نعمة أعظم من بروز نبيّ الرحمة والشكر يحصل بأنواع العبادة؟ كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وسبقه إلى ذلك الحافظ ابن رجب. قال السيوطي: وظهر ٢٦٤ الكلام على عمل المولد وقد ذكروا أنه لما ولد عمّه، قيل: من يكفل هذه الدرة اليتيمة، التي لا يوجد لمثلها قيمة؟ قالت الطيور: نحن نكفله ونغتنم خدمته العظيمة، وقالت الوحوش: نحن أولى بذلك ننال شرفه وتعظيمه، فنادى لسان القدرة: أن يا جميع المخلوقات: إن الله كتب في سابق حكمته القديمة أن نبيه الكريم يكون رضيعًا لحليمة الحليمة. لي تخريجه على أصل آخر وهو ما رواه البيهقي عن أنس: أنه عَّهِ عقّ عن نفسه، ولا تعاد العقيقة مرّة ثانية، فيحمل على أنه فعله شكرًا، فكذلك يستحبّ لنا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات، وتعقّبه النجم بأنه حديث منكر؛ كما قاله الحافظ، بل قال في شرح المهذب: أنه حديث باطل، فالتخريج عليه ساقط، انتهى. (وقد ذكروا) زعم من المراد أهل الإشارة من الصوفية، فأمَّا الفقهاء والمحدثون فلم يذكروا شيئًا من ذلك وفيه نظر، ففي الخميس روى عن مجاهد، قلت لابن عباس: تنازعت الطيور في إرضاع محمّد عَّلَّه، قال: أَي واللَّه، وكل نساء، وذلك لمّا نادى الملك في السماء الدنيا هذا محمّد سيّد الأنبياء، طوبى لثدي أرضعه، فتنافست الجنّ والطير في إرضاعه، فنوديت أن كفوا فقد أجرى اللَّه ذلك على أيدي الإنس، فخصّ اللَّه بتلك السعادة وشرّف بذلك الشرف حلیمة، انتهى. (أنه لمَّا ولد عَِّ، قيل: من يكفل هذه الدرّة اليتيمة؟) أي: نادى ملك بمعنى هذا الكلام في سماء الدنيا، حيث قال: طوبى الثدي أرضعه؛ كما مرّ. (التي لا يوجد لمثلها) أي: لنفي ما يماثلها، (قيمة) فليس المراد أن له مثلاً لكن لا قيمة له لنفاسته، بل المراد نفي القيمة والمثل معًا، (قالت الطيور) بلسان القال على الظاهر، ولا مانع منه (نحن نكفله ونغتنم خدمته العظيمة، وقالت الوحوش) حيوان البرّ (نحن أولى بذلك) منكم أيّها الطيور لكونه في الأرض ونحن بها بخلافكم، (ننال شرفه وتعظيمه) العائدين على من يكفله (فنادى لسان القدرة) شبه القدرة بذي لسان يأمر به وينهى استعارة بالكناية وإثبات اللسان تخييل والنداء ترشيح، (أن: يا جميع المخلوقات إن اللَّه كتب في سابق حكمته القديمة،) والمراد: أن قدرته تعلّقت بإعلامهم بذلك (أن نبيّه الكريم يكون رضيعًا لحليمة الحليمة) من الحلم، وقد ذكر العزفي أن عبد المطّلب سمع وقت دخول حليمة هاتفًا، يقول: إن ابن آمنة الأمين محمّدًا خير الأنام وخيرة الأخيار ما ان له غير الحليمة مرضع نعم الأمينة هي على الأبرار مأمونة من كل عيب فاحش ونقيّة الأثواب والأزرار ٢٦٥ الكلام على عمل المولد قالت حليمة: فيما رواه ابن إسحق وابن راهويه لا تسلمتّه إلى سواها إنه أمر وحكم جاء من الجبار (قالت حليمة) بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحرث، وقيل: الحرث بن عبد اللَّه السعدية، قال في الاستيعاب: روى زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، قال: جاءت حليمة بنت عبد اللَّه أُمّ النبيّ عَّه من الرضاعة إليه يوم حنين، فقام إليها وبسط لها رداء، فجلست عليه وروت عن النبيّ عَّهِ، وروى عنها عبد الله بن جعفر. قال في الإصابة: وحديث عبد الله بن جعفر عنها بقصة إرضاعها أخرجه أبو يعلى وابن حبان في صحيحه، وصرّح فيه بالتحديث بين عبد اللَّه وحليمة، انتهى. وقول ابن كثير: لم تدرك البعثة ردّه الحافظ بأن عبد الله بن جعفر حدّث عنها عند أبي يعلى والطبراني وابن حبان، وهو إنما ولد بعد البعثة. وزعم الدمياطي وأبي حيان النحوي أنها لم تسلم مردود، فقد ألّف مغلطاي فيها جزاً حافلاً سمّاه التحفة الجسيمة في إثبات إسلام حليمة وارتضاه علماء عصره، فأمّا أبو حبان فليس من فرسان ذا الميدان يذهب إلى زيده وعمره. وأمَّا الدمياطي فحسبنا في الردّ عليه قوله، وقد وهل غير واحد فذكروها في الصحابة؛ لأنهم مثبتون لذلك، فمن أين له الحكم عليهم، وقد ذكرها في الصحابة ابن أبي خيثمة في تاريخه، وابن عبد البرّ، وابن الجوزي في الحداء، والمنذري في مختصر سنن أبي داود، وابن حجر في الإصابة وغيرهم، وحسبك بهم حجّة. (فيما رواه ابن إسحق) محمّد في السيرة، فقال: حدّثني جهم مولى الحرث بن حاطب الجمحي عن عبد الله بن جعفر، أو عمن حدثه عنه، قال: كانت حليمة أَمّ رسول اللَّه عَّه التي أرضعته تحدّث أنها خرجت ... فذكر الحديث، كما يأتي. (وابن راهويه) إسحق بن إبراهيم بن مخلد التميمي، أبو يعقوب الحنظلي المروزي ساكن نيسابور أحد الأئمة الأعلام، اجتمع له الحديث والفقه والحفظ والصدق والورع. روى عن ابن عيينة وابن مهدي وابن علية وغيرهم، وعنه الأئمّة السّة إلا ابن ماجه، قال ابن حنبل: هو أمير المؤمنين في الحديث، أملى المسند والتفسير من حفظه، وما كان يحدث إلا من حفظه، وقال: ما سمعت شيئًا إلا حفظته، ولا حفظت شيئًا فنسيته، مات ليلة نصف شعبان بنيسابور سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وراهويه براء فألف فهاء مضمومة فتحتية مفتوحة عند المحدثين، قال الحافظ أبو العلاء بن العطار: لأنهم لا يحبّون ويه، وبفتح الهاء والواو وسكون التحتية قال الكرماني: وهو المشهور، والنووي: هو مذهب النحويين وأهل الأدب، وفي الكواكب: قال عبد الله بن طاهر لإسحق: لمّ قيل لك ابن راهويه؟ فقال: اعلم أيها الأمير أن أبي ولد في طريق مكّة، فقال المراوزة راهوي؛ لأنه ولد في الطريق، وهو بالفارسية راه. ٢٦٦ الكلام على عمل المولد وأبو يعلى والطبراني والبيهقي وأبو نعيم: قدمت مكة في نسوة من بني سعد بن بكر، نلتمس الرضعاء في سنة شهباء، على أتان لي ومعي صبي لنا (وأبو يعلى) الحافظ الثبت محدّث الجزيرة أحمد بن علي بن المثنى التميمي الموصلي صاحب المسند الكبير، سمع ابن معين وطبقته، وعنه ابن حبان وغيره ذو صدق وأمانة وعلم وحلم، وثّقه ابن حبان والحاكم، ولد في شوّال سنة عشر ومائتين، وعمّر وتفرّد ورحل الناس إليه، ومات سنة سبع وثلاثمائة. (والطبراني) سليمن بن أحمد بن أيوب، (والبيهقي) أحمد بن الحسين بن عليّ، (وأبو نعيم) أحمد بن عبد اللَّه مر بعض ترجمة الثلاثة، (قدمت مكّة) أي: أردت قدومها (في) أي: مع (نسوة) عشرة، فيما ذكر (من بني سعد بن بكر) على عادة نساء القبائل التي حول مكة ونواحي الحرم من أنهنّ يأتينها كل عام مرّتين ربيعًا وخريفًا للرضعاء، ويذهبن بهم إلى بلادهم حتى تتم الرضاعة؛ لأن عادة نساء قريش دفع أولادهن إلى المراضع، قال العزفي: كن يرين رضاع أولادهن عارفًا، وقال غيره: لينشأ الولد عربيًّا فيكون أنجب ولسانه أفصح؛ كما في الحديث: ((أنا أعربكم، أنا من قريش واسترضعت في بني سعد بن بكر))، وكانت مشهورة في العرب بالكمال وتمام الشرف، وقيل: لتفرغ النساء للأزواج لكنه منتف في آمنة لموت زوجها وهي حامل على الصحيح. (نلتمس الرضعاء) جمع رضيع، قال عبد الملك بن هشام: إنما هو المراضع، قال تعالى: ﴿وحرّمنا عليه المراضع﴾ [القصص: ١٢]. قال السهيلي: وما قاله ظاهر؛ لأن المراضع جمع مرضع والرضعاء جمع رضيع، لكن للرواية مخرج من وجهين، أحدهما: حذف المضاف، أي: ذوات الرضعاء. الثاني: أن يكون المراد بالرضعاء الأطفال على حقيقة اللفظ؛ لأنهم إذا وجدوا له مرضعة ترضعه فقد وجدوا له رضيعًا يرضع معه، فلا بعد أن يقال: التمسوا له رضيعًا علمًا بأن الرضيع لا بدّ له من مرضع. (في سنة شهباء) ذات قحط وجدب، والشهباء: الأرض البيضاء التي لا خضرة فيها لقلّة المطر من الشهبة وهي البياض، سميت بذلك لبياض الأرض لخلوّها من النبات. (على أتان لي) بفتح الهمزة والفوقية: الأنثى من الحمير خاصة. قال الجوهري وابن السكيت: ولا يقال إتانة بالهاء، قال ابن الأثير: وإن كان قد جاء في بعض الحديث، لكن في القاموس: إنها لغة سليمية، أي: لبني سليم. (ومعي صبي لنا) هو عبد اللَّه بن الحرث الذي كانت ترضعه حينئذ، لا أعلم له إسلامًا ولا ترجمة؛ كذا في النور، وهو تقصير. ففي الإصابة: سمّاه بعضهم عبد اللَّه، ذكره في الصحابة، وكذا سمّاه ابن سعد لما ذكر أسماء أولاد حليمة، قال: وروى ابن سعد من مرسل إسحق بن عبد اللَّه، قال: كان ٢٦٧ الكلام على عمل المولد وشارف لنا، والله ما تبض بقطرة، وما ننام ليلنا ذلك أجمع مع صبينا ذاك، لا يجد في ثديي ما يغذيه، ولا في شارفنا ما يغديه. فقدمنا مكة، فوالله ما علمت منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله عَ ليه فتأباه، إذ قيل إنه يتيم من الأب، رسول اللَّه عَّةٍ أخ من الرضاعة، فقال للنبيّ - يعني بعد النبوّة - أترى أن يكون بعث؟ فقال عَـ (أمَّا والذي نفسي بيده، لآخذن بيدك يوم القيامة، ولأعرفنك))، قال: فلمَّا آمن بعد النبيّ عَّه. كان يجلس فيبكي ويقول: أنا أرجو أن يأخذ النبيّ عَ لّه بيدي يوم القيامة فأنجو، هكذا أورده في ترجمة والده الحرث ثم أعاده في المخضرمين من حرف العين. فقال عبد اللَّه بن الحرث: سمّاه الواقدي ولم يزد على ذكر خبر ابن سعد هذا، إلا أنه قال: هذا مرسل صحيح الإسناد. (وشارف لنا) بشين معجمة فألف فراء مكسورة ففاء، أي: ناقة مسئّة، وعن الأصمعي: يقال للذكر والأنثى شارف، والمراد هنا: الأنثى لا غير، والجمع الشرف بضم الراء وتسكن، قاله النور. (واللَّه ما تبض) بفتح الفوقية وكسر الموحّدة وشدّ الضاد المعجمة: ما تدرّ، (بقطرة) وقال أبو ذرّ في حواشيه: ما تبضّ بضاد معجمة: ما تسيل ولا ترشح، ومن رواه بصاد مهملة، فمعناه: ما يبرق عليها أثر لبن من البصيص وهو البريق واللمعان. (وما ننام ليلنا ذلك أجمع) شدّة الجوع (مع صبيّا ذاك) عبد اللَّه لا ينام، قال في الرواية عند ابن إسحق: من بكائه من الجوع؛ لأنه (لا يجد في ثديي ما يغذيه) أي: يكفيه، (ولا في شارفنا ما يغذيه) بدال مهملة عند ابن إسحق، ومعجمة عند ابن هشام، قال السهيلي: وهو أتمّ من الاقتصار على الغداء دون العشاء، وعند بعض الرواة يعذبه بعين مهملة وال منقوطة وموحّدة، أي: ما ينقعه حتى يرفع رأسه، وينقطع عن الرضاع، يقال منه: عذبته وأعذبته إذا قطعته عن الشرب ونحوه، قال: والذي في الأصل - يعني الروايتين المذكورتين - أصح في المعنى والنقل، انتهى من الروض. (فقدمنا مكّة) أي: دخلناها (فوالله ما علمت منا امرأة) أنا واللاتي قدمت معهن، (إلا وقد عرض عليها رسول اللَّه عَّة) هذا صريح في إسلامها حيث قالت رسول اللَّه وصلّت عليه (فتأباه) أي: أخذه، (إذ) تعليلية (قيل: إنه يتيم) زاد ابن إسحق، وذلك أنّا كنا إنما نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول يتيم ما عسى أن تصنع أُمّه وجده، فكنا نكرهه لذلك، أي: أخذه (من الأب) صفة كاشفة، فاليتيم من لا أب له، وإن كان له جدّ. وفي نسخ حذف من الأب، وهنا فائدة حسنة. سئل الحافظ عما يقع من بعض الوعاظ في الموالد في مجالسهم الحفلة المشتملة على الخاص والعام من الرجال والنساء من ذكر الأنبياء بما يخل بكمال التعظيم حتى يظهر للسامعين ٢٦٨ الكلام على عمل المولد فوالله ما بقي من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعًا غيري، فلما لم أجد غيره، قلت الزوجي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيع، لأَنطلقن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، فذهبت فإذا به مدرج في ثوب صوف لها حزن ورقة، فيبقى في حيز من يرحم لا من يعظم؛ كقوله: لم تأخذه المراضع لعدم ماله، إلا حليمة رغبت في رضاعه شفقة عليه، وأنه کان يرعى غنمًا وینشد: لاغنامه سار الحبيب إلى المرعى فيا حبذا راع فؤادي له مرعى وفیه: فما أحسن الأغنام وهو يسوقها وكثير من هذا المعنى المخل بالتعظيم، فأجاب بما نصّه: ينبغي لمن يكون فطنًا أن يحذف من الخبر ما يوهم في المخبر عنه نقصًا ولا يضرّه ذلك، بل هذا جوابه بحروفه، نقله عنه السيوطي. (فوالله ما بقي من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعًا غيري) فلم آخذ لأني لم أعط لما أنا عليه من الضيق. (فلمَّا لم أجد غيره) يعطى لي (قلت لزوجي) الحرث بن عبد العزى بن رفاعة السعدي يكنى أبا ذؤيب، أدرك الإسلام وأسلم، رواه يونس بن بكير، قال: حدّثنا ابن إسحق، حدّثني والدي عن رجال من بني سعد بن بكر، قالوا قدم الحرث أبو رسول اللّه من الرضاعة عليه عَ ليه بمكة حين أنزل عليه القرآن فقالت له قريش: ألا تسمع يا لحرث ما يقول ابنك؟ قال: وما يقول؟ قالوا: يزعم أن اللَّه يبعث من في القبور، وأن للَّه دارين يعذّب فيهما من عصاه ويكرم فيهما من أطاعه، فقد شّت أمرنا وفرّق جماعتنا، فأتاه فقال: أي بنيّ! ما لك ولقومك يشكونك ويزعمون أنك تقول إن الناس يبعثون بعد الموت، ثم يصيرون إلى جنّة ونار، فقال عَّهِ: («أنا أزعم ذلك، ولو قد كان ذلك اليوم يا أبت لقد أخذت بيدك حتى أعرفك حديثك اليوم))، فأسلم الحرث بعد ذلك فحسن إسلامه، وكان يقول حين أسلم: لو أخذ ابني بيدي فعرفني ما قال لم يرسلني إن شاء اللّه حتى يدخلني الجنَّة. قال ابن إسحق: وبلغني أنه إنما أسلم بعد وفاة النبيّ عَّةِ، هكذا في رواية يوم ،. قال السهيلي: ولم يذكر ذلك البكائي في روايته عن ابن إسحق ولا ذكره كثير ممن أَلّف في الصحابة، وقد ذكره فيهم صاحب الإصابة، وذكر هذا الخبر وعقبه بخبر ابن سعد المتقدّم في ابنه، وقال: يحتمل أن يكون ذلك وقع للأب والابن. (والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيع، لأنطلقن إلى ذلك اليتيم) الذي عرض جدّه عليّ وسألني أخذه، وقلت له: ألا تذرني أراجع صاحبي، فأذن لها وانتظرها حتى راجعته وعادت، (فلآخذنه.) زاد ابن إسحق، قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة، قالت: (فذهبت) إليه (فإذا به مدرج في ثوب صوف) بالإضافة والتنوين ٢٦٩ الكلام على عمل المولد أبيض من اللبن، يفوح منه المسك، وتحته حريرة خضراء، راقد على قفاه، يغط، فأشفقت أن أوقظه من نومه لحسنه وجماله، فدنوت منه رويدًا فوضعت يدي على صدره فتبسم ضاحگا، وفتح عينيه لينظر إلي، فخرج من عينيه نور حتى دخل خلال السماء وأنا أنظر، فقبلته بين عينيه، وأعطيته ثديي الأيمن، فأقبل عليه بما شاء من لبن، فحولته إلى الأيسر فأبى، وكانت تلك حاله بعد . - قال أهل العلم: ألهمه الله تعالى أن له شريكًا فألهمه العدل - قالت: فروي وروي أخوه. ثم أخذته، بما هو إلا أن جئت به رحلي، فأقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي وشرب أخوه حتی روي، حال كون الثوب (أبيض من اللبن يفوح منه المسك وتحته حرير خضراء راقد على قفاه يغطّ) بكسر المعجمة من باب ضرب، أي: يردّد نفسه صاعدًا إلى حلقه حتى يسمعه من حوله؛ كما في المصباح. (فأشفقت أن أُوقظه) أي: خفت من إيقاظه (من نومه) شفقة عليه (لحسنه وجماله، فدنوت منه رويدًا) قليلاً بتأنّ، (فوضعت يدي على صدره فتبسم ضاحكًا وفتح عينيه لينظر إليّ فخرج من عينيه نور حتى دخل خلال السماء) لشدّة انتشاره (وأنا أنظر، فقبّلته بين عينيه وأعطيته ثديي الأيمن، فأقبل) الثدي، أي: درّ (عليه بما شاء من لبن، فحوّلته إلى الأيسر، فأبى) أن يشربه (وكانت تلك) الصفة (حاله بعد) وفيه أنها فعلت ذلك معه في مجلسها الذي وضعت فيه يدها على صدره، وهذا من أوّل قوله: فإذا به مدرج إلى قوله الآتي قريبًا: ثم أخذته، زائد على ما في ابن سيّد الناس؛ لأنه اقتصر على رواية ابن إسحق، ولم يقع ذلك فيها. وأمَّا المصنّف فقد نقل الحديث عن ستّة من الحفاظ، فلا يعترض عليه بما في اليعمري. (قال أهل العلم:) في حكمة امتناعه عَّةٍ من الثدي الأيسر (ألهمه اللّه تعالى أن له شريكًا، فألهمه العدل) فلذا امتنع وأخذ الأيمن؛ لأنه كان يحبّ التيمّن في أموره كلها، (قالت) حليمة في بقيّة حديثها الذي رواه من تقدم وأعاد، قالت: لفصله بقول أهل العلم (فروي وروي أخوه) ابنها عبد اللَّه ووقع للبيهقي أن اسمه ضمرة، وتوقّف فيه الشامي، فقال: فاللَّه أعلم. (ثم أخذته بما هو) مشتمل عليه من كونه مدرجًا ... الخ ما مرّ. (إلى أن جئت به) وفي نسخة: فما هو إلاَّ أن جئت به، أي: فما الشأن، فما مبتدأ، وما بعد إلا هو الخبر. وفي رواية: فقالت آمنة: يا حليمة، قيل لي ثلاث ليال استرضعي ابنك في بني سعد بن بكر، ثم في آل أبي ذؤيب، قالت حليمة: فإن زوجي أبو ذؤيب، فجئت به (رحلي) بحاء مهملة مسكن الشخص وما يستصحبه من الأثاث والمنزل والمأوى، قاله البرهان وتبعه الشامي. (فأقبل عليه ثدياي بما شاء) الله (من لبن، فشرب حتى روي، وشرب أخوه حتى روي، ٢٧٠ الكلام على عمل المولد فقام صاحبي - تعني زوجها - إلى شارفنا تلك، فإذا أنها لحافل، فحلب ما شرب وشربت حتى روينا، وبتنا بخير ليلة، فقال صاحبي: يا حليمة، والله إني لأراك قد أخذت نسمة مباركة، ألم تري ما بتنا به الليلة من البركة والخير حين أخذناه، فلم یزل الله يزيدنا خيرًا. قالت في رواية ذكرها ابن طغر بك في «النطق المفهوم)): فلما نظر صاحبي إلى هذا قال: اسكتي واكتمي أمرك، فمن ليلة ولد هذا الغلام أصبحت الأحبار قوامًا على أقدامها، لا يهنؤها عيش النهار ولا نوم الليل. قالت حليمة: فودعت النساء بعضهن وودعت أنا أم النبي عَ له، ثم ركبت أتاني وأخذت محمدًا عَ لّه بين يدي، قالت: فنظرت فقام صاحبي - تعني) حليمة بقولها صاحبي (زوجها -) الحرث (إلى شارفنا تلك) التي ما كانت تبضّ بقطرة (فإذا) فجائية (أنها لحافل) بمهملة وفاء: ممتلئة الضرع من اللبن، (فحلب ما) لبنًا (شرب) هو (وشربت) أنا (حتى روينا وبتنا بخير ليلة، فقال صاحبي:) حين أصبحنا؛ كما في ابن إسحق (يا حليمة، والله إني لأراك) بالفتح: أعتقدك، بدليل رواية ابن إسحق: تعلمي واللّه يا حليمة، أي: اعلمي؛ كقوله عَّله: ((تعلموا أن ربكم ليس بأعور))، أي: اعلموا. (قد أخذت نسمة) بفتحات ذاتًا (مباركة). زاد ابن إسحق: قلت: والله إني لأرجو ذلك، (ألم تري ما بتنا به الليلة من البركة والخير حين أخذناه،) قالت حليمة (فلم يزل اللَّه يزيدنا خيرًا) ببركته عَّهِ (قالت) حليمة. وفي نسخة: بتذكير الفعل على معنى الشخص. (في رواية ذكرها ابن طغربك) بضم الطاء والراء المهملتين بينهما معجمة ساكنة؛ كأنه علم مركب من طغر وبك، (في) كتاب (النطق المفهوم، فلما نظر صاحبي إلى هذا قال: اسكتي واكتمي أمرك) فلا تبديه لأحد، خشي عليها الحسد، وعلى المصطفى الناس. (فمن ليلة ولد هذا الغلام أصبحت الأحبار) جمع حبر (قوامًا على أقدامها لا يهنؤها) بالهمز من هنا الطعام لذّ، أي: لا يلذّ لهم (عيش النهار، ولا نوم الليل) وإخباره بذلك عنهم لما بلغه أو شاهده من بعضهم. (قالت حليمة) فلما ذهبت بمحمّد إلى منزلي مكثنا بمكّة ثلاث ليال؛ كذا في شواهد النبوّة. قالت: (فودّعت النساء بعضهن) بليل، أي: ودع بعض النساء بعضًا. وفي نسخة: فودّعت النساء بعضهم بالتذكير، والأول أنسب، بقوله: (وودعت أنا أُمّ النبيّ عَّله، ثم ركبت. أتاني) حماري الأنثى، ويقال: حمارة بالهاء على قلّة، (وأخذت محمّدًا عٍَّ بين يدي، قالت: فنظرت ٢٧١ الكلام على عمل المولد إلى الأتان وقد سجدت نحو الكعبة ثلاث سجدات ورفعت رأسها إلى السماء ثم مشت حتى سبقت دواب الناس الذين كانوا معي، وصار الناس يتعجبون مني ويقلن النساء لي وتقمن ورائي: يا بنت أبي ذؤيب أهذه أتانك التي كنت عليها وأنت جائية معنا تخفضك طورًا وترفعك أخرى؟ فأقول: تالله إنها هي فيتعجبن منها ويقلن إن لها لشأنًا عظيمًا. قالت: فكنت أسمع أتاني تنطق وتقول والله إن لي لشأنًا ثم شأنًا بعثني الله بعد موتي ورد لي سمني بعد هزالي، ويحكن إلى الأتان وقد سجدت) خفضت رأسها أو وضعت وجهها على الأرض وهو الظاهر، فلا مانع (نحو) أي: جهة (الكعبة ثلاث سجدات، ورفعت رأسها إلى السماء) ألهمها اللَّه فعل ذلك شكرًا له أن خصّها بكونه عَِّ على ظهرها، (ثم مشت حتى سبقت دواب الناس الذين كانوا معي، وصار الناس يتعجّون مني،) وفي رواية ابن إسحق: فوالله لقد قطعت بالركب حتى ما يقدر على شىء من حمرهم، (ويقلن النساء لي) هذا نحو: أسرّوا النجوى يتعاقبون فيكم ملائكة، وسمّوها لغة أكلوني البراغيث، وجوّزوا في نحوه أن النون فاعل، والاسم الظاهر بدل منه حتى لا يكون من تلك اللغة. (وهن ورائي: يا بنت أبي ذؤيب) بذال معجمة كنية أبيها، واسمه عبد الله بن الحرث بن شجنة بكسر الشين المعجمة فجيم ساكنة فنون مفتوحة ثم تاء التأنيث، هكذا في النور. ووقع في الشامية بسين مهملة ابن جابر بن رزام بكسر الراء ثم زاي فألف فميم ابن ناصر بن سعد بن بكر بن هوازن هكذا في الاستيعاب، وقيل في نسبها غير ذلك. (أهذه أتانك التي كنت عليها وأنت جائية معنا، تخفضك طورًا) بفتح الطاء مرة (وترفعك) مرة (أخرى) فأنت على معنى الطور لضعفها وعجفها، (فأقول: تاللَّه إنها هي، فيتعجبن منها، ويقلن: إن لها لشأنًا عظيمًا، قالت:) حليمة (فكنت أسمع أتاني تنطق، وتقول: واللَّه إن لي لشأنا ثم لشأنًا،) وكأنه قيل: ماذا الشأن؟ فقالت: (بعثني اللَّه بعد موتي) أعطاني قرّة قدّر بها على سرعة السير بعدما كنت كالميتة من الضعف، (وردّ لي سمني بعد هزالي،) بضم الهاء ضدّ السمن، وفي نسخة: بعد هزلي، بفتح الهاء وتضمّ وسكون الزاي بلا ألف بمعنى الأول أيضًا. ففي القاموس: الهزال بالضم نقيض السمن هزل، كعنى وهزل كنصر هزلاً وبضم، انتهى. وأمّا نقيض الجد فبابه ضرب وفرح؛ كما فيه أيضًا، وليس مرادًا هنا، كما هو معلوم. والجملتان تفسير للشأن على الاستئناف البياني، كما قرّرنا. (ويحكن) بالنصب بإضمار فعل كلمة ترحم، وويل كلمة عذاب. وقال اليزيدي: هما بمعنى واحد، تقول: ويح لزيد وويل له، فترفعهما على الابتداء ولك نصبهما كأنك قلت: ألزمه ٢٧٢ الكلام على عمل المولد يا نساء بني سعد إن كن لفي غفلة وهل تدرين من على ظهري، على ظهري خيار النبيين وسيد المرسلين وخير الأولين والآخرين وحبيب رب العالمين. قالت - فيما ذكره ابن إسحق وغيره: ثم قدمنا منازل بني سعد، ولا أعلم أرضًا من أرض الله أجدب ـ فدال مهملة - منها، فكانت غنمي تروح على حين قدمنا به شباعًا لُبنًا، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضر من قومنا يقولون لرعيانهم: اسرحوا حيث تسرح غنم بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياًا ما تبض بقطرة لبن، وتروح أغنامي شباعًا لُبًا. اللَّه ويجًا وويلاً، ولك إضافتهما فنصبهما بإضمار فعل؛ كذا ذكر العلاّمة الشمني، ومقتضاه: أنه ليس لويحًا فعل من لفظه، وقد ذكر ابن عصفور في شرح الجمل: أن من الناس من ذهب إلى أنه قد استعمل من ويح فعل فهو على مذهبه منصوب بفعل من لفظه، تقديره واح ويحًا. (يا نساء بني سعد، إن كنّ لفي غفلة وهل تدرين) بكسر الراء (من) أي: الذي (على ظهري،) وقوله: على ظهري خبر مبتدؤه (خيار النبيّين، وسيّد المرسلين، وخير الأوّلين والآخرين، وحبيب ربّ العالمين،) وكأنها فرضت أنهن كلمنها بما قلنه لحليمة، فإجابتهن بذلك. وفي نطقها وسجودها قبل إرهاص للنبيّ عَّه وكرامة لحليمة، (قالت، فيما ذكره ابن إسحق) مسندًا في بقية الحديث السابق. (وغيره، ثم قدمنا منازل بني سعد، ولا أعلم أرضًا من أرض اللَّه أجدب) بجيم (فدال مهملة) فموحّدة ضد الخصب. (منها، فكانت غنمي تروح علي،) أي: ترجع بعشي (حین قدمنا به) عَّهِ (شباعًا لبنًا) بضم اللام وكسرها لغتان؛ حكاهما الجوهري وشد الموحدة أي كثيرة اللبن جمع لبون (فتحلب) بضم اللام وكسرها لغتان كما في النور. (ونشرب وما يحلب إنسان) غيرنا (قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع حتى كان الحاضر) هم القوم النزول على ماء يقيمون به ولا يرحلون عنه، ويقولون للمناهل المحاضر للاجتماع والحضور، ذكره البرهان. (من قومنا يقولون لرعيانهم) جمع راع. وفي نسخة: لرعاتهم، جمع ثان. قال القاموس: كل من ولي أمر قوم جمعه رعاة ورعيان ورعاء، ويكسر، انتهى. زاد ابن إسحق: ويلكم (اسرحوا حيث تسرح) ظرف مكان، أي: اذهبوا إلى المكان الذي تذهب إليه (غنم بنت أبي ذؤيب) ولفظ ابن إسحق: حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، (فتروح أغنامهم جياعًا ما تبضّ) بالضاد معجمة ومهملة (بقطرة لبن، وتروح) ترجع (أغنامي شباعًا لبنًا) مع أن ٢٧٣ الكلام على عمل المولد فللَّه درها من بركة كثرت بها مواشي حليمة ونمت وارتفع قدرها به وسمت فلم تزل حليمة تتعرف الخير والسعادة وتفوز منه بالحسنى وزيادة. لقد بلغت بالها شمي حليمة مقامًا علا في ذروة العز والمجد وزادت مواشيها وأخصب ربعها وقد عم هذا السعد كل بني سعد قال ابن الطراح رأيت في كتاب الترقيص لأبي عبد الله بن المعلى الأزدي مسرحها واحد، قالت في رواية ابن إسحق: فلم نزل نتعرّف من اللَّه الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته، قال المصنّف. (فلله درّها من بركة) تمييز للنسبة في درّها؛ لأن مرجع الضمير هنا معلوم. (كثرت بها مواشي حليمة ونمت) زادت (وارتفع قدرها به، وسَمَّت) أي: علت، فهو مساوٍ؛ (فلم تزل حليمة تتعرف الخير والسعادة، وتفوز منه بالحسنى وزيادة) وأنشد لغيره: (لقد بلغت بالهاشمي) محمّد عَّهِ (حليمة مقامًا علا) ارتفع (في ذروة) بكسر الذال المعجمة: أعلى، (العزّ والمجد) مستعار من ذروة الجبل: أعلاه، (وزادت مواشيها وأخصب ربعها) بفتح الراء وسكون الموحدة: محلها ومنزلها، ويطلق على القوم مجازًا. (وقد عمّ هذا السعد كل بني سعد) وذلك أن حليمة، قالت لما دخلت به منزلي: لم يبق منزل من منازل بني سعد إلا شممنا منه ريح المسك، وألقيت محبته في قلوب الناس حتى إن أحدهم كان إذا نزل به أذى في جسده أخذ كفّه عَِّ فيضعها على موضع الأذى فيبرأ بإذن اللَّه سريعًا، وكذا إذا اعتلّ لهم بعير أو شاة، ولو لم يكن من سعدهم إلا أنهم لما سبوا في وقعة هوازن ثم جاؤوا إليه عَّه، وقالوا له: نحن أهل وعشيرة وقام خطيبهم، وقال: يا رسول اللَّه! إن اللواتي في الحظائر من السبايا خالاتك وعمّاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك وأنت خير مكفول، ثم قال: امنن علينا رسول اللَّه في كرم الأبيات المشهورة الآتية في كلام المصنّف. فقال عَّةِ: ((ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم)، وقالت قريش: ما كان لنا فهو للَّه ورسوله، وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لله ورسوله، فردَّ عليهم سبيهم. (قال ابن الطرّاح: رأيت في كتاب الترقيص لأبي عبد اللَّه بن المعلّى الأزدي) البصري، ونقله أيضًا عن كتاب الترقيص مغلطاي في الزهر، والحافظ في الإصابة، وأبو المظفر المقرىء ٢٧٤ الكلام على عمل المولد أن من شعر حليمة ما كانت ترقص به النبي عَ لّه: يا رب إِذ أعطيته فأبقه وأعله إلى العلا وأرقه وأدحض أباطيل العدا بحقه وعند غيره وكانت الشيماء أخته من الرضاعة تحضنه وترقصه وتقول: هذا أخ لم تلده أمي وليس من نسل أبي وعمي فديته من مخول معمي الواعظ في أربعينه، (أن من شعر حليمة ما كانت ترقص) بضم التاء وشدّ القاف المكسورة من الترقيص (به النبيّ عَّهِ: يا ربّ إذا أعطيته فآبقه وأعله إلى العلا ورقه) بدون ألف؛ كما في نسخ، وهو ما نقله أبو المظفر. وفي نسخ: وأرقه بألف، وكذا في السبل. والأولى أنسب؛ كما يفيده "قاموس. (وادحض) بكسر الحاء حذفت همزته للضرورة، أي: أذلّ، (أباطيل العدا بحقّه، وعند غيره،) أي: غير ابن الطراح، فإن الزهر والإصابة وأبا المظفر نقلوه كله عن كتاب الترقيص المذكور لابن المعلّى، فليس ضمير غيره عائدًا عليه؛ كما زعم. (وكانت الشيماء) بفتح الشين المعجمة وسكون التحتية، ويقال: الشمّاء بلا ياء ابنة الحرث بن عبد العزّى السعدية، ذكرها أبو نعيم وغيره في الصحابة، واسمها جدامة بضم الجيم وبالدال المهملة والميم، جزم به ابن سعد. وقيل: حذافة بضم الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة فألّف ففاء جزم به ابن عبد البرّ وصوّبه الخشني، وقيل: خذامة بكسر الخاء وبالذال المعجمة، ذكره السهيلي مع الثاني فقط، واقتصر في الإصابة على الأوّلين. (أخته من الرضاعة) من جهة أنه عليه السلام رضع أمّها حليمة بلبن أخيها (تحضنه) بضم الضاد ومن ثم تدّعى أُمّ النبيّ عَّلِ أيضًا؛ كما في النور. (وترقصه، وتقول: هذا أخ لي لم تلده أُمّي) من أبي ولا غيره (وليس من نسل أبي) من غير أُمي، (و)لا من نسل (عمّي،) فاسمه أخي لشدّة قربه، ومرادها: تعميم نفي أخوة النسب ولو المجازية، فإن نسل العم ليس بأخ وإنه إنما هو أخ من غير نسبها، شرّفها اللَّه تعالى بنسبتها إليه بسبب رضاعه أُتها. (فديته من مخول) بضم الميم وكسرها الواو ومن أخول على الأصل، وتفتح الواو على أن غيره جعله ذا أخوال كثيرة ورجل معمّ مخول، أي: كريم الأعمال والأخوال، ومنع الأصمعي الكسر فيهما، وقال: كلام العرب الفتح، قاله المصباح. (معمي) بكسر الميم الثانية اسم فاعل أنسب بالشعر من فتحها اسم مفعول وإن جاز، قال ٢٧٥ الكلام على عمل المولد فأتمه اللهم فيما تنمي وأخرج البيهقي والصابوني في المائتين والخطيب وابن عساكر في تاريخيهما وابن طغر بك السياف في النطق المفهوم عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت يا رسول الله دعاني إلى الدخول في دينك امارة لنبوتك رأيتك في المهد تناغي القمر وتشير إليه بأصبعك فحيث أشرت إليه مال قال: إني كنت أحدثه المصباح: أعمّ الرجل إذا كرم أعمامه يروى مبنيًّا للمفعول والفاعل وجرت من التمييز مع أنه تمييز لنسبة الفعل إلى المفعول؛ لأنه ليس محوّلاً عنه فيجوز زجره، نحو: ما أحسنه من رجل. (فانمه) بفتح الهمزة من أنماه (اللهم فيما تنمي) بضم الفوقية المصباح نمى من باب رمى كثر، وفي لغة: من باب قعد ويتعدّى بالهمز والتضعيف فعبّر بانمه مجاز لغوي من إطلاق السبب، وإرادة المسبب، فالكثرة يلزمها القوّة؛ فكأنها قالت: قوه فيمن قوّيتهم، وزد رفعته، أو مجاز بالنقص بحذف المضاف، أي: أنم أتباعه وذرّيته، وقد زاد الجماعة عن كتاب الترقيص المذكور، وقالت الشيماء أيضًا: يا ربنا أبق أخي محمّدًا حتى أراه يافعًا وأمردا ثم أراه سيّد مسودا واكبت أعاديه معًا والحسدا وأعطه عزّا يدوم أبدًا قال الأزدي: ما أحسن ما أجاب اللَّه دعاءها، يعني: لرؤيتها إياه بجميع ما طلبت. (وأخرج البيهقي و)أبو عثمن إسمعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم (الصابوني) شيخ الإسلام الإمام المفسّر المحدث الفقيه الواعظ الخطيب، وعظ المسلمين ستين سنة، ولد سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، وتوفي في المحرم سنة سبع أو أربع وأربعين وأربعمائة. (في) كتاب (المائتين والخطيب) البغدادي (وابن عساكر) الدمشقي (في تاريخيهما) لبغداد ودمشق (وابن طغربك السيّاف في) كتاب (النطق المفهوم عن العباس بن عبد المطّلب) رضي اللَّه عنه (قال: قلت: يا رسول اللَّه! دعاني إلى الدخول في دينك)) أي: حملني عليه، واستعماله بهذا المعنى مجاز؛ لأن الدعاء النداء. (أمارة لنبوّتك) علامة عليها، فشبّه الأمارة بالداعي استعارة بالكناية وإثبات الدعاء لها تخييل، (رأيتك في المهد تناغي القمر وتشير إليه بإصبعك.، فحيث أشرت إليه مال) إلى جهتك، أي: ففي أي وقت فحيث هنا للزمان مجازًا على مقتضى القاموس والمصباح، وبه صرّح المغني، فقال: وهي للمكان اتّفاقًا، قال الأخفش: وقد ترد للزمان. (قال: إني كنت أحدّثه ٢٧٦ الكلام على عمل المولد ويحدثني ويلهيني عن البكاء وأسمع وجبته حين يسجد تحت العرش قال البيهقي تفرد به أحمد بن إبراهيم الحلبي وهو مجهول وقال الصابوني: هذا حديث غريب الإسناد والمتن وهو في المعجزات حسن. والمناغاة: المحادثة، وقد ناغت الأم صبيها: لاطفته وشاغلته بالمحادثة والملاعبة. وفي فتح الباري عن سيرة الواقدي: ويحدّثني، و) كان بتحديثه لي (يلهيني عن البكاء، و) كنت (أسمع وجبته) أي: سقطته؛ كقوله تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ [الحج: ٣٦]، (حين يسجد تحت العرش، قال البيهقي) عقب إخراجه: (تفرّد به أحمد بن إبرهيم) أي: لم يتابعه عليه أحد. (الحلبي) نسبة إلى حلب البلدة الشهيرة، قال في الميزان: قال أبو حاتم: أحاديثه باطلة تدلّ على كذبه ويقع في نسخ الجبلي بجيم وياء ولام، وهو تحريف فقد استوفى الحافظ في التبصير من ينسب هذه النسبة، وما ذكره فيهم. (وهو مجهول) وهو ثلاثة أنواع: مجهول العين من له راو فقط. ومجهول الحال، وهما مردودان عند الجمهور. ومجهول العدالة، وفيه خلف. وظاهر كلام أبي حاتم المار: أن هذا من النوع الثاني. (وقال الصابوني) نسبة إلى الصابون، قال في اللباب: لعله لأن أحد أجداده عمله فعرفوا به، (هذا حديث غريب الإسناد؛) لأن راويه أحمد بن إبراهيم لم يتابع عليه، فهو كقول البيهقي: تفرّد به، وزاد عليه قوله: (والمتن) أي: لفظ الحديث، ولعل غرابته لأن العباس أصغر الأعمام، فحمزة أكبر منه، وحمزة كان أسنّ من النبيّ عَّله بسنتين، كما رواه البكائي عن ابن إسحق، فرؤية العباس لذلك وروايته غريب. (و)لكن الخوارق لا يقاس عليها فـ(هو في المعجزات حسن،) ذكره لأن عادة المحدثين التساهل في غير الأحكام والعقائد ما لم يكن موضوعًا، وأيضًا فإنه يتمشّى على القول بأن العباس ولد قبل الفيل بثلاث سنين، وبه جزم المصنف فيما يأتي، ومرّ له أيضًا: روي عن العباس، أنه قال: أذكر مولد النبيّ عَّله وأنا ابن ثلاثة أعوام أو نحوها، فحمزة والعباس متقاربان غايته أن حمزة أسنّ منه بيسير. (والمناغاة المحادثة، وقد ناغت الأُمّ صبيّها) أي: (لاطفته وشاغلته بالمحادثة والملاعبة) مصدر لاعب. (وفي فتح الباري) في كتاب الأنبياء في قوله عَّهُ: ((يتكلم في المهد إلا ثلاثة)، نقلاً (عن سيرة) محمّد بن عمر بن واقد (الواقدي) أبي عبد اللَّه الأسلمي مولاهم المدني الحافظ، ٢٧٧ الكلام على عمل المولد أنه عَّ تكلم في أوائل ما ولد. وذكر ابن سبع في الخصائص أن مهده كان يتحرك بتحريك الملائكة. وأخرج البيهقي وابن عساكر عن ابن عباس قال كانت حليمة تحدث بأنها أول ما فطمت رسول الله عَّةٍ تكلم فقال: الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله روى عن ملك والثوري عن ابن جريج وغيرهم، وعنه الشافعي وابن سعد كاتبه وخلق، كذبّه أحمد، وتركه ابن المبارك وغيره، وقال في الميزان: استقرّ الإجماع على وهنه، وفي التقريب: متروك مع سعة علمه. مات سنة سبع، وقيل: تسع ومائتين، روى له ابن ماجه. (أنه عٌَّ تكلّم في أوائل ما ولد) وعند ابن عائذ: أوّل ما تكلّم به حين خرج من بطن أُمّه: اللَّه أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلاً. وفي الروض عن الواقدي: أوّل ما تكلّم به لما ولد: جلال ربي الرفيع. وفي شواهد النبوّة: روى أنه عَّهُ لما وقع على الأرض رفع رأسه، وقال بلسان فصيح: ((لا إله إلا اللَّه، وإني رسول اللَّه)، وطريق الجمع أنه قال جميع ذلك، ثم الكلام في المهد ليس من خصائصه، بل ولا من خصائص الأنبياء، فقد تكلّم فيه ابن ماشطه بنت فرعون وشاهد يوسف وصاحب جريج، رواه أحمد والحاكم مرفوعًا، وعند مسلم في قصّة أصحاب الأخدود: أن امرأة جيء بها لتلقى في النار لتكفر ومعها صبي فتقاعست، فقال لها: يا أُمَّاه اصبري، فإنك على الحق. وفي زمنه عَّله مبارك اليمامة وقصته في دلائل البيهقي، فهؤلاء خمسة تكلّموا وليسوا بأنبياء، ونظم جملة من تكلّم السيوطي، فقال: تكلّم في المهد النبيّ محمّد ويحيى وعيسى والخليل ومريم ومبرى جريج ثم شاهد يوسف وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم وطفل عليه مرّ بالأمّة التي يقال لها تمزني ولا تتكلّم وماشطة في عهد فرعون طفلها وفي زمن الهادي المبارك يختم قال بعضهم: وكلام الصبي في مهده يحتمل كونه بلا تعقل؛ كما خلق اللَّه التكلّم في الجماد ويحتمل كونه عن معرفة بأن خلق اللَّه فيه الإدراك ولعلّ كلام النبيّ كان كذلك. (وذكر ابن سبع) بإسكان الموحدة وقد تضمّ؛ كما في التبصير. (في الخصائص: أن مهده) أي: ما هيّىء له لينام فيه (كان يتحرّك بتحريك الملائكة) له. قال بعض: ولم ينقل مثل ذلك لأحد من الأنبياء. (وأخرج البيهقي وابن عساكر عن ابن عباس) أنه (قال: كانت حليمة تحدّث بأنها أوّل ما فطمت رسول اللَّه عَِّ تكلّم، فقال: اللَّه أكبر كبيرًا، والحمد للَّه كثيرًا، وسبحان الله ٢٧٨ الكلام على عمل المولد بكرة وأصيلاً، فلما ترعرع كان يخرج فينظر إلى الصبيان يلعبون فيتجنبهم. الحدیث. وقد روى ابن سعد وأبو نعيم وابن عساكر، عن ابن عباس قال: كانت حليمة لا تدعه يذهب مكانًا بعيدًا، فغفلت عنه، فخرج مع أخته الشيماء في الظهيرة إلى البهم، فخرجت حليمة تطلبه، حتى تجده مع أخته فقالت: في هذا الحر؟ قالت أخته: يا أمه ما وجد أخي حرّا، رأيت غمامة تظل بكرةً وأصيلاً،) وأفاد هذا مع ما مرّ عن ابن عائذ قريبًا أنه تكلّم بهذا في الوقتين،(فلما ترعرع) قوي على الخروج والاختلاط بالصبيان، (كان يخرج فينظر إلى الصبيان يلعبون فيتجنّبهم الحديث،) وروي أنه كان يخرج هو وأخوه فيلعب أخوه مع الغلمان فيتجنّبهم عليه السلام ويأخذ بيد أخيه، ويقول: إنا لم نخلق لهذا. (وقد روى محمّد بن سعد وأبو نعيم وابن عساكر عن ابن عباس، قال: كانت حليمة لا تدعه) لا تترك النبيّ عَ له (يذهب مكانًا بعيدًا) خوفًا عليه وشفقة، أي: في غالب الأحوال أو في ابتداء الأمر، فلا ينافي ما روي أنه قال لها: يا أُمّاه مالي لا أرى أخوتي بالنهار، قالت: يرعون غنمًا لنا فيروحون من الليل إلى الليل، فقال: ابعثيني معهم، فكان يخرج مسرورًا ويعود مسرورًا. (فغفلت عنه، فخرج مع أخته الشيماء في الظهيرة) أوّل الزوال وهو أشدّ ما يكون من حرّ النهار (إلى البهم) بفتح الموحدة جمع بهيمة وهي ولد الضأن، كذا في النهاية. وفي القاموس: البهيمة أولاد الضأن والبقر والمعز وجمعه بهم ويحرك. وفي النور: يطلق على الذكر والأنثى لكن يرد عليه حيث أنه عليه السلام قال للراعي: ما ولدت؟ قل: بهمة، قال: اذبح مكانها شاة، فهذا يدلّ على أن البهمة اسم للأنثى؛ لأنه إنما سأله ليعلم أذكر أم أُنثى، لعلمه أن المولود أحدهما. (فخرجت حليمة تطلبه حتى تجده) غالبًا للطلب أو تعليل له، أي: إلى أن تجده أو لتجده فوجدته (مع أخته،) وعلى التقديرين فحتى جارة لوقوع المضارع بعدها منصوبًا. وفي نسخة: فوجدته وهي ظاهرة، (قالت في هذا الحرّ) الهمزة فيه مقدّرة، أي: أفيه تخرجين به؛ كقول الکمیت: طربت وما شوقًا إلى البيض أطرب ولا لعبًا مني وذو الشيب يلعب أراد أو ذو الشيب، (قالت أخته: يا أُمّه) الهاء بدل من تاء التأنيث، والأصل: يا أُمة بلا تاء عند جمهور البصريين، (ما وجد أخي حرًّا) لأن الشمس لم تصبه، فقد (رأيت غمامة) سحابة (تظلّ ٢٧٩ من خصائصه عليه. عليه، إذا وقف وقفت وإذا سار سارت حتى انتهى إلى هذا الموضع الحديث. ـةٍ يشب شبابًا لا يشبه الغلمان. وكان عَ لّهِ قالت حليمة: فلما فصلته قدمنا به على أمه، ونحن أحرص شىء على مكثه فينا، لما نرى من بركته، فكلمنا أمه وقلنا: لو تركتيه عندنا حتى يغلظ، فإنا نخشى عليه وباء مكة، عليه إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت) معه تظلّله (حتى انتهى إلى هذا الموضع) الذي نحن فيه (الحديث) وفيه إظلال الغمام له عَّه، فهو حجّة على من أنكره. قال ابن جماعة من ذهب إلى أن حديث إظلال الغمام لم يصحّ بين المحدثين فهو باطل، نعم لم يكن كما قاله السخاوي وغيره دائمًا في حديث الهجرة: إن الشمس أصابته عَ لَه وظلّله أبو بكر بردائه، وثبت أنه كان بالجعرانة ومعه ثوب قد أظلّ عليه، وأنهم كانوا إذا أتوا على شجرة ظليلة تركوها له عَّهِ، وغير ذلك. (وكان عٍَّ يشبّ) بكسر الشين من باب ضرب (شبابًا لا يشبه،) أي: لا يشبّ مثله، (الغلمان) كذا في رواية ابن إسحق محملا، وفي شواهد النبوّة: روي أنه عَّ لما صار ابن شهرين كان يتزحلف مع الصبيان إلى كل جانب، وفي ثلاثة أشهر كان يقوم على قدميه، وفي أربعة كان يمسك الجدار ويمشي، وفي خمسة حصل له القدرة على المشي، ولمَّا تمّ له ستّة أشهر كان يسرع في المشي، وفي سبعة أشهر كان يسعى ويغدو إلى كل جانب، ولمّا مضى له ثمانية أشهر شرع يتكلّم بكلام فصيح، وفي عشرة أشهر كان يرمي السهام مع الصبيان. (قالت حليمة: فلمَّا فصلته) بعد مضي عامين (قدمنا به على أُمّه) على عادة المراضع في إتيانهنّ بالأولاد إلى أُمّهاتهم بعد تمام الرضاع، فأتت به موافقة لهن، ثم حاولت الرجوع به لتصل إلى مقصودها؛ كما أفاده قولها: (ونحن أحرص شىء على مكثه فينا لما نرى من بركته) أي: حرصنا على مكثه فينا أشدّ من حرص كل حريص على شىء يحرص عليه، فلا يرد أن أفعل التفضيل بعض ما يضاف إليه، ومعلوم أن حليمة وزوجها وابنتها لم يشاركهم جميع الناس في الحرص على مكثه فيهم. (فكلّمنا أُمّه) وبيان الكلام (وقلنا:) نودّ (لو تركتيه عندنا حتى يغلظ،) أي: يعظم جسمه وتزيد قوّته، فلو للتمنّي أو جوابها محذوف، أي: لكان خيرًا له بدليل (فإنّا نخشى عليه وباء مكّة) بالهمز مقصورًا وممدودًا؛ كما في النهاية والصحاح والقاموس. وفسروه بأنه الطاعون أو كل مرض عام، والظاهر أن المراد هنا الثاني، ومن ثم فسّره الشامي بأنه كثرة الموت والمرض. ٢٨٠ شق صدره عَبانيه ولم نزل بها حتى ردته معنا فرجعنا به. فوالله إنه لبعد مقدمنا بشهرين أو ثلاثة مع أخيه من الرضاعة، لفي بُهم لنا خلف بيوتنا، جاء أخوه يشتد، فقال: ذاك أخي القرشي، قد جاءه رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاه وشقا بطنه، فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه، فنجده قائمًا منتقعًا لونه، فاعتنقه أبوه وقال: أي بني، ما شأنك، قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني وشقا بطني، ثم استخرجا منه شيئًا فطرحاه، ثم رداه كما كان. فرجعناه معنا، فقال أبوه: يا حليمة خشيت أن يكون ابني قد أصيب،، فانطلقي بنا نرده إلى أهله قبل أن يظهر به (ولم نزل) نتلطّف (بها حتى ردّته معنا، فرجعنا به فواللَّه إنه لبعد مقدمنا بشهرين أو ثلاثة) شكت (مع أخيه من الرضاعة) عبد اللَّه (لفي بهم لنا خلف بيوتنا جاء أخوه يشتدّ) يسرع في المشي (فقال: ذاك أخي القرشي، قد جاءه رجلان) ملكان في صورة رجلين (عليه ما ثياب بيض فأضجعاه وشقا بطنه) بعد أن صعدا به ذروة الجبل؛ كما في رواية البيهاي الآتية. (فخرجت أنا وأبوه) من الرضاعة وهو زوجها (نشتدّ نحوه، فنجده قائمًا) من استعمال المضارع موضع الماضي ففي الكلام حذف، أي: وما زلنا نسرع إلى أن وجدناه قائمًا (منتقعًا لونه) بنون ففوقية فقاف مفتوحة، أي: متغيّرًا، قال الكسائي: انتقع مبنيًّا إذا تغيّر من حزن أو فزع، قال: وكذا ابتقع بالموحدة، وامتقع بالميم أجود، قاله الجوهري. أي: مبنيًّا للمفعول وبه صرح المجد، واقتصر البرهان والشامي. وفي المصباح: ما يفيد بناءه للفاعل. (فاعتنقه أبوه، وقال: أيّ بني! ما شأنك) ما حالك (قال: جاءني رجلان) هما جبريل وميكائيل؛ كما في النور، (عليهما ثياب بيض فاضجعاني وشقّا بطني) ولا ينافي هذا قوله الآتي قريبًا: فعمد أحدهم فاضجعني على الأرض؛ لجواز أنه نسب الاضجاع إلى مجموعهما وإن كان في الحقيقة من واحد مجازًا أو نزل فعل المشارك له في الغسل ونحوه منزلة المشارك في نفس الاضجاع، فأطلق عليه اسمه. (ثم استخرجا منه شيئًا) هو مضغة سوداء؛ كما في الحديث الآتي على الأثر، (فطرحاه ثم ردّاه كما كان.) قالت حليمة: (فرجعناه معنا، فقال أبوه: يا حليمة، قد خشيت) خفت (أن يكون ابني قد أُصيب) من الجنّ، وأصل الخشية الخوف مع الإجلال، لكنها هنا في مجرد الخوف؛ لأن المعنى: نخاف عليه ما يصيبه من الجنّ. (فانطلقي بنا نردّه إلى أهله قبل أن يظهر به