النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ ولادته ێ وعجائب ما رأت فنحن في ذاك الضياء وفي النور وسبل الرشاد نخترق قال في اللطائف: ((وخروج هذا النور عند وضعه، إشارة إلى ما يجيء به من النور الذي اهتدى به أهل الأرض، وزال به ظلمة الشرك. قال تعالى: ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه﴾ الآية: [المائدة/ ١٥- ١٦]، وأما إضاءة قصور بصری يبعد أنه جمع فيكون للمفرد والجمع كالفلك، وأن يكون مضموم الفاء جمعًا لساكنها، وكل هذا احتمال؛ كذا قال أبو شامة، وفيه: أن اللغة لا تثبت بالاحتمال، فتعيّ الأول. (فنحن في ذلك الضياء، وفي النور وسبل الرشاد نخترق) والبيتان، من المدرج عند العروضيين، أي: الذي أدرج عجزه في الكلمة التي فيها آخر الصدر فلم ينفرد أحدهما من الآخر بكلمة تخصّه ويمتاز بها، (قال) الحافظ عبد الرحمن بن رجب (في اللطائف) أي: في كتاب لطائف المعارف: فهو من التصرّف في العلم والراجح جوازه. (وخروج هذا النور) الحسي المدرك بالبصر حال كونه (عند وضعه إشارة إلى ما يجيء به من النور،) أي الأحكام والمعارف، سمّيت نورًا مجازًا للاهتداء بها؛ كالنور الحسي (الذي اهتدى به أهل الأرض) حقيقة؛ كالمؤمنين أو حكمًا بمعنى أنهم عرفوا الحق وامتنعوا منه عنادًا؛ كما قال تعالى: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم﴾ [النمل: ١٤]، والجاهلون منهم تابعون لكبرائهم المعاندين أو نزول المشركين منزلة العدم. (وزال به ظلمة الشرك) جهالاته؛ لأن الجهل يطلق عليه الظلمة مجازًا لأن الجاهل متحيّر في أمره لا يعلم ما يذهب إليه، كما أن الماشي في ظلمه متحيّر لا يهتدي لما بين يديه، وخصّ الشرك لشدّة قبحه أو لغلبته بمكّة حين البعث أو أراد به الكفر؛ لأنه إذا أفرد أُريد مطلق الكفر وإذا جمع أُريد به عبارة الأوثان نحو لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، فهما كالفقير والمسکین. (كما قال تعالى) إخبارًا عمّا جاء به من الأحكام حيث جعله نورًا (﴿قد جاءكم من اللَّه نور وكتاب مبين﴾ [المائدة: ١٥]،)) قال البيضاوي: يعني القرءان، فإنه الكاشف لظلمات الشكّ والضلال والكتاب الواضح الإعجاز، وقيل: يريد بالنور محمّدًا عَلّه، انتهى. فما ذكره بناء على الأوّل والصحيح الثاني، كما قال المصنف كغيره. (يهدي به) بالكتاب (الله من اتّبع رضوانه،) بأن آمن به (سبل السلام) طريق السلامة (ويخرجهم من الظلمات) الكفر (إلى النور) الإيمان (بإذنه) إرادته (الآية) أتلها (وأمَّا إضاءة قصور بصرى) ٢٢٢ ولادته معَّهِ وعجائب ما رأت بالنور الذي خرج معه فهو إشارة إلى ما خص الشام من نور نبوته، فإنها دار ملكه - كما ذكر كعب: أن في الكتب السالفة: محمد رسول الله عَّه مولده بمكة ومهاجره بيثرب وملكه بالشام - فمن مكة بدت نبوة نبينا عليه الصلاة والسلام، وإلى الشام انتهى ملكه، ولهذا أسري به عَّ إلى الشام، إلى بيت المقدس، كما هاجر قبله إبراهيم عليه السلام إلى الشام، وبها ينزل عيسى بن مريم عليه السلام، وهي أرض المحشر والمنشر. بضم الموحدة وسكون الصاد المهملة وراء فألف مقصورة بلد بالشام من أعمال دمشق وهي حوران، قاله السيوطي. وفي الفتح: مدينة بين المدينة ودمشق، وقيل: هي حوران. (بالنور الذي خرج معه) فيما رواه ابن إسحق عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول اللَّه عَ لّه، كما مرّ. ورواه ابن سعد عن أبي العجفاء مرفوعًا: ((رأت أُمي حين وضعتني سطع منها نور أضاء له قصور بصرى)، (فهو إشارة إلى ما خصّ الشام من نور نبوّته) وفي تخصيص بصرى لطيفة هي أنها أوّل موضع من بلاد الشام، دخله ذلك النور المحمدي، ولذا كانت أوّل ما فتح من الشام، قاله في المسكة الفائحة. وقال غيره إشارة إلى أنه ينوّر البصائر، ويحيي القلوب الميتة. (وأنها دار ملكه، كما ذكر كعب) بن مانع المعروف بكعب الأحبار، (أن في الكتب السالفة) ثابت من جملة ما يميّزه عن غيره ويحقّق نبوّته، لفظ: (محمّد رسول اللَّه مولده) يكون (بمكّة، ومهاجره) أي: هجرته (بيثرب) الماء بمعنى إليّ، وفي نسخة حذف الباء، أي: مكان هجرته هو يثرب؛ لأنه اسم مكان من هاجر بزنة اسم المفعول من المزيد يشترك فيه اسم المفعول والمصدر الميمي واسم الزمان والمكان، وهو المناسب هنا. (وملكه بالشام) وروى البيهقي في الدلائل عن أبي هريرة رفعه: ((الخلافة بالمدينة والملك بالشام))، (فمن مكّة بدت) ظهرت (نبوّة نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام، وإلى الشام انتهى ملكه،) أي: أوّلاً، قاله النجم وغيره زاد شيخنا أو إنه صار مقرًّا له؛ لأنه كان محلاً للخلفاء والأوّل أولى، لأنه لم يكن محل الملوك إلا في مدة بني أميّة، ثم انتقل في البلدان بحسب الملوك (ولهذا أسرى) به (عَِّ إلى الشام إلى بيت المقدس،) وقيل غير ذلك في حكمة الإسراء؛ كما تقرّر. (كما هاجر قبله إبراهيم عليه السلام) من حران بتشديد الراء آخره نون، (إلى الشام) إلى بيت المقدس منها، ففي تاريخ ابن كثير ولمّا كان عمر تأرّخ خمسًا وسبعين سنة ولد إبراهيم بأرض بابل على الصحيح المشهور عند أهل السير، ثم هاجر إبراهيم إلى حران ومات بها أبوه، ثمّ إلى بيت المقدّس واستقرّ بها. (وبها ينزل عيسى ابن مريم عليه السّلام، وهي أرض المحشر) يكسر الشين وتفتح موضع الحشر؛ كما في القاموس وغيره وسوّى بينهما في العين، قال شيخنا: والقياس الفتح؛ لأن فعله كنصر وضرب. (والمنشر) بالفتح اسم مكان من نشر الميّت فهو ناشر ٢٢٣ ولادته معٍَّ وعجائب ما رأت وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم في صحيحيهما عن النبي عَّ أنه قال: عليكم بالشام، فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده)). انتهى ملخصًا. إذا عاش بعد الموت، والمراد هنا خروج الموتى من قبورهم وانتشارهم إلى الشام، أي: أنها التي یساق إليها الموتی ويجتمعون بها. (وأخرج أحمد) بن محمّد بن حنبل الإمام المشهور، قال ابن راهويه: هو حجّة بين اللَّه وبين عباده في أرضه، (وأبو داود) سليمن بن الأشعث بن شداد بن عمرو الأزدي السجستاني الحافظ الكبير والعلم الشهير، روى عن أحمد والقعنبي وابن المديني ونظرائهم وعنه الترمذي وخلق. قال الحربي: ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود الحديد، وقال ابن حبان: أبو داود أحد أثّة الدنيا فقهًا وحفظًا وعلمًا واتقانًا ونسكًا وورعًا جمع وصنف وذبّ عن السنن، وقال ابن داسه: سمعته يقول كتبت عن رسول اللَّه عَ لل خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما تضمّنه هذا الكتاب، يعني السنن، ولد سنة اثنتين ومائتين وتوفّي لأربع عشرة بقيت من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين بالبصرة، وقيل غير ذلك. (وابن حبان) الحافظ العلامة أبو حاتم محمّد بن حبان بن أحمد بن حبان التميمي البستي، قيل: كتب عن أكثر من ألفي شيخ منهم النسائي وأبو يعلى والحسن بن سفيان، قال تلميذه الحاكم: كان من أوعية العلم في الفقه والحديث واللغة والوعظ ومن عقلاء الرجال وكانت إليه الرحلة، زاد غيره: وكان عالمًا بالطب والنجوم وفنون العلم، وقال الخطيب: كان ثقة نبيلاً فهمًا مات في شوال سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وهو في عشر الثمانين. (والحاكم) أبو عبد اللَّه الحافظ مرّ بعض ترجمته دخل الحمام بنيسابور ثم خرج، فقال: آه وقبض وهو متّزر ولم يلبس قميصه في صفر سنة خمس وأربعمائة. (في صحيحيهما) أي: صحيح ابن حبان وصحيح الحاكم المستدرك كلهم عن عبد اللّه بن حوالة الصحابي. (عن النبيّ عَّهِ، أنه قال:((عليكم بالشام))) أي: الزموا سكناها (فإنها خيرة اللَّه من أرضه) على معنى من خيرته أو من حيث الخصب ونموّ البركات فيطلب سكناها، قيل: مطلقًا لكونها أرض المحشر والمنشر، وهو ظاهر سوق المصنف هنا لهذا الحديث، وقيل: المراد آخر الزمان عند اختلال أمر الدين وغلبة الفساد؛ لأن جيوش الإسلام تنزوي إليها، وفي حديث واثلة عند الطيراني فإنها صفوة بلاد اللَّه، (يجنبى) يفتعل من جبوت الشىء وجبيته جمعته، أي: يجمع، (إليها خيرته من عباده) فهي أفضل البلاد بعد الحرمين ومسجد القدس يلي الحرمين في الفضل حتى المساجد المنسوبة له عَّ، (انتهى) كلام اللطائف (ملخّصًا) حال. ٢٢٤ ولادته عَّ وعجائب ما رأت وأخرج أبو نعيم عن عبد الرحمن بن عوف عن أمه الشفا قالت: لما ولدت آمنة رسول الله عَ لّه وقع على يدي فاستهل، فسمعت قائلاً يقول: رحمك الله، قالت الشفاء: وأضاء لي ما بين المشرق والمغرب، حتى نظرت إلى بعض ..... ( وأخرج أبو نعيم عن عبد الرحمن بن عوف) بن عبد مناف بن عبد الحرث بن زهرة بن كلاب بن مرّة القرشي الزهري أحد العشرة ذي الهجرتين البدري الذي صلّى خلفه المصطفى المتصدّق بأربعين ألف دينار الحامل على خمسمائة فرس في سبيل اللَّه وخمسمائة راحلة، أخرجه ابن المبارك عن معمر عن الزهري، وفي الحلية لأبي نعيم: أنه أعتق ثلاثين ألف نسمة، المتوفى سنة اثنتين وثلاثين على الأشهر، وله اثنتان وسبعون سنة على الأثبت، مناقبه جمّة رضي الله عنه. (عن أُمّه الشفا) بنت عوف بن عبد الحرث بن زهرة، وهي بنت عم أبيه، قاله ابن الأثير؛ أي: عمّ أبي ابنها عبد الرحمن أسلمت وهاجرت، قال ابن سعد: ماتت في حياة النبيّ عَّهِ، فقال عبد الرحمن: يا رسول اللَّه! أعتق عن أُمّي، قال: ((نعم)، فأعتق عنها وهي بكسر الشين المعجمة وتخفيف الفاء والقصر؛ كما صرّح به البرهان في المقتفى والحافظ في التبصير. وقال ابن الأثير في الجامع: بالتخفيف والمدّ، وقال الدلجي بفتح المعجمة وشدّ الفاء ومدّ، وجرى عليه البوصيري في قوله: وشفتنا بقولها الشفاء. (قالت: لما ولدت آمنة رسول اللَّه عَ لّ وقع على يدي) لا تعارضه الرواية السابقة، ثم وقع على الأرض لجواز أن ذاك بعد هذا بقرينة ثم (فاستهل) أي: صاح، وزعم الدلجي أن المراد عطس لا صاح بشهادة جواب لما، وهو (فسمعت قائلاً) أي: ملكًا (يقول: رحمك اللَّه) ونحا نحوه الجوجري، وهو مردود بقول الحافظ السيوطي في فتاويه: لم أقف في شىء من الأحاديث على أنه عَّ لما ولد عطس بعد مراجعة أحاديث المولد من مظانها، كطبقات ابن سعد والدلائل للبيهقي، ولأبي نعيم، وتاريخ ابن عساكر على بسطه واستيعابه، والمستدرك للحاكم، وإنما الحديث الذي روته الشفاء فيه لفظ يشبه التشميت لكن لم يصرّح فيه بالعطاس، والمعروف في اللغة: أن الاستهلال صياح المولود أوّل ما يولد فإن أريد به هنا العطاس فمحتمل، وحمل القائل على الملك ظاهر، انتهى. فلا دلالة في رحمك اللَّه على أنه عطس كما زعم الدلجي؛ لأنه يشبه التشميت ولا يلزم أنه تشميت بالفعل حتى يخرج به اللفظ عن مدلوله اللغوي لشىء محتمل، فتبيّن أن قوله رحمك اللَّه ليس تشميتًا بل تعظيمًا بقرينة فاستهلّ؛ لأنه صياح المولود، كما علم. (قالت الشفاء: وأضاء لي ما بين المشرق والمغرب حتى نظرت إلى) بلاد (بعض ٢٢٥ من عجائب ولادته عنّ. قصور الروم، قالت: ثم ألبسته وأضجعته، فلم أنشب أن غشيتني ظلمة ورعب وقشعريرة ثم غيب عني، فسمعت قائلاً يقول: أين ذهبت به؟ قال: إلى المشرق، قالت: فلم يزل الحديث مني على بال حتى بعثه الله فكنت في أول الناس إِسلامًا. ومن عجائب ولادته عليه السلام ما أخرجه البيهقي وأبو نعيم عن حسان بن ثابت قال: إني لغلام ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل ما رأيت وسمعت، إذا ...... قصور الروم، قالت: ثم ألبسته) بموحدة فسين مهملة، أي: ألبست النبيّ عَّه ثيابه هكذا في نسخ ولم يقف عليها الشارح فأبعد النجعة، وفي نسخ: ثم ألينته بنون بعد الباء، أي: سقيته اللبن، لكنهم عدوا مرضعاته عشرًا وما ذكروها مع أنها كانت أولى بالذكر؛ لأنها أوّل من دخل جوفه لبنها ويمكن صحتها بأن معناها سقيته لبن أمّه، بمعنى: قرّبته إلى ثديها ليشرب منه ويناسب الأولى أيضًا، قولها: (وأضجعته فلم أنشب) أي: ألبث إلاّ قليلاً (أن غشيتني ظلمة) والمعنى أنها رأت هذا عقب ذاك وتجوّزت بأنشب عن ألبث؛ لأن من لبث في مكان فقد اتّصل به فكأنه أدخل نفسه فيه (ورعب) خوف (وقشعريرة) بضم القاف وفتح الشين (ثم غيّب عني، فسمعت قائلاً) أي: ملكًا (يقول: أين ذهبت به؟ قال: إلى المشرق) وحذف من خبر أبي نعيم ما لفظه: وقشعريرة عن يميني، فسمعت قائلاً يقول: أين ذهبت به؟ قال: إلى المغرب، وأسفر عني ذلك، أي: انكشف ثم عاودني الرعب والقشعريرة عن يساري، فسمعت قائلاً يقول: أين ذهبت به؟ قال: إلى المشرق، (قالت: فلم يزل الحديث مني على بال حتى،) أي: إلى أن (بعثه الله، فكنت في أوّل الناس إسلامًا) أي: في جملة السابقين له، ثمّ لا ينافي وجود الشفاء وفاطمة الثقفيّة عند الولادة قول آمنة المار: وإني لوحيدة في المنزل؛ لجواز وجودهما عندها بعد تأخّر خروجه عليه السّلام عن القول المذكور حتى نزل على يديّ الشفاء؛ لقولهم: وقع على يدي، جمعًا بین الخبرین. (ومن عجائب ولادته عليه السلام ما أخرجه البيهقي وأبو نعيم، عن حسان بن ثابت) بن المنذر بن عمرو بن حرام الأنصاري شاعر المصطفى المؤيّد بروح القدس، سيأتي ذكره إن شاء اللَّه تعالى في شعرائه عليه السلام، وجوّز الجوهري فيه الصرف وعدمه بناء على أنه من الحسّ أو الحسن. قال ابن لملك؛ والمسموع فيه منع الصرف، نقله السيوطي في حواشي المغنى. (قال: إني لغلام ابن سبع سنين أو ثمان) سنين على التقريب، فقد ذكروا أنه عاش مائة وعشرين سنة كأبيه وجدّه وأبي جدّه، ومات سنة أربع وخمسين، (أعقل ما رأيت وسمعت إذا ٢٢٦ من عجائب ولادته عَّ. يهودي يصرخ ذات غداة: يا معشر يهود، فاجتمعوا إليه، وأنا أسمع، قالوا: يا ويلك مالك؟ قال: طلع نجم أحمد الذي ولد به في هذه الليلة. وعن عائشة قالت: كان يهودي قد سكن مكة، فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله عَّم قال: يا معشر قريش: هل ولد فيكم الليلة مولود، قالوا: لا نعلم، قال: انظروا، فإنه ولد في هذه الليلة نبي هذه الأمة. بين كتفيه علامة. فانصرفوا فسألوا، فقيل لهم قد ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام، فذهب اليهودي معهم إلى أمه، فأخرجته لهم فلما رأى اليهودي العلامة خر مغشيًا عليه، وقال: ذهبت النبوة من بني يهودي يصرخ) بالمدينة، ففي رواية ابن إسحق: يصرخ على أطمة يثرب، (ذات غداة) أي: في ساعة ذات غداة (يا معشر يهود،) بمنع الصرف للعلمية ووزن الفعل كما في المصباح، وفي نسخة: اليهود أقبلوا (فاجتمعوا إليه، وأنا أسمع) أي: أقصد سماع ما يتكلّمون به، (قالوا: يا ويلك) كلمة عذاب صرفهم اللَّه عن كلمة الترحم. (ما) اسم استفهام مبتدأ خبره (لك) أي: أيّ شىء عرض لك استنكروا صراخه، (قال: طلع نجم أحمد الذي ولد به) عنده أو سببيّة لاعتقاد اليهودي تأثير النجم، (في هذه الليلة) والغرض من سوقه كالذي بعده أن البشارة بالنبيّ عَّه. جاءت من كل طريق، وعلى لسان كل فريق من كاهن أو منجم محقّ أو مبطلٍ، إنسي أو جنيّ، (و)من عجائب ولادته أيضًا ما ورد (عن عائشة، قالت: كان يهودي قد سکن مگّة) زاد في رواية الحاكم يتّجر فيها وهو غير اليهودي الذي أخبر عنه حسان بلا ريب؛ لأن حسان كان بالمدينة فلا تغفل (فلمَّا كانت الليلة التي ولد فيها رسول اللَّه عٍَّ، قال) اليهودي ومعلوم أنها ما أدركته فهو مما روته عن غيرها، ومعلوم أنها إنما تروى عن الثقات، فيحتمل أنها سمعته من الشفاء، أو أمّ عثمن أو غيرهما، (يا معشر قريش! هل ولد فيكم الليلة مولود؟ قالوا: لا نعلم، قال: انظروا) أي: فتّشوا وتأمّلوا، يقال: نظرت في الأمر تدبّرت، أي: انظروا في أهاليكم ونسائكم، (فإنه ولد في هذه الليلة نبيّ هذه الأُمّة،) زاد الحاكم: الأخيرة (بين كتفيه علامة) زاد الحاكم: فيها شعرات متواترت كأنهن عرف الفرس، وأسقط المصنّف من رواية يعقوب هذه، ما لفظه: لا يرضع ليلتين؛ لأن عفريتًا من الجنّ وضع يده على فمه، هكذا ساقه في الفتح متّصلاً، بقوله: (فانصرفوا فسألوا، فقيل لهم: قد ولد لعبد الله بن عبد المطّلب غلام فذهب اليهودي معهم) ليستكشفوا الخبر ويتحقّقوه بالعلامة، (إلى أُمه) زاد الحاكم فقالوا: أخرجي المولود ابنك (فأخرجته لهم،) زاد الحاكم وكشفوا عن ظهره، أي: ورأوا العلامة (فلمَّا رأى اليهودي العلامة خرّ مغشيًّا عليه، وقال:) وفي رواية الحاكم: فلمّا أفاق، قالوا: يا ويلك! مالك؟ قال: (ذهبت النبوّة من بني ٢٢٧ من عجائب ولادته عَ لهم. إسرائيل، يا معشر قريش: أما والله ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق والمغرب. رواه يعقوب بن سفين بإسناد حسن كما قاله في فتح الباري. ومن عجائب ولادته أيضًا: ما روي من ارتجاس إيوان كسرى وسقوط أربع عشرة شرفة من شرفاته، إسرائيل) قال: ذلك لما هو عندهم في الكتب أنه خاتم النيّين، (أما) بتخفيف الميم كلمته يفتتح بها الكلام، وتدلّ على تحقّق ما بعدها، وهي من مقدمات اليمين؛ كقوله : ....... أم والذي لا يعلم الغيب غيره، وقوله هنا: (واللَّه ليسطونّ بكم سطوة) أي: ليقهرتّكم ببطشه بكم، (يخرج خبرها من المشرق والمغرب،) أي: ينشر في جميع الأرض حتى يتكلّم به أهل المشرق والمغرب، (رواه يعقوب بن سفيان) الفارسي الثقة المتقن الخيّر الصالح الحافظ، أبو يوسف الفسوي، بفاء وسين مهملة مفتوحتين فواو نسبة إلى فسا من بلاد فارس، عن القعنبي وسليمن بن حرب وأبي عاصم وأبي نعيم والفضل وغيرهم وعنه الترمذي والنسائي وعبد الله بن درستويه وخلق، قال ابن حبان: ثقة، والنسائي: لا بأس به، مات سنة سبع وسبعين ومائتين، وقيل بعدها. (بإسناد حسن، كما قاله في فتح الباري) بشرح البخاري ورواه الحاكم أيضًا عن عائشة، كما سيذكره المصنّف، وقد بيّنا ألفاظه الزائدة. (ومن عجائب ولادته: ما روي من ارتجاس) بالسين، وهو: الصوت الشديد من الرعد ومن هدير البعير، كما ضبطه البرهان، وهو مأخوذ من كلام الجوهري والمجد في باب السين والمهملة، وفي نسخ: ارتجاج بجيم آخره، وفي القاموس: الرجّ التحريك والتحرك والاهتزاز، فإن صحت تلك النسخ فكأنه لما صوت تحرك واهتز، إذ المراد منا تصويت (إيوان) كديوان، ويقال: إوان بوزن كتاب بناء أزج غير مسدود الوجه، والأزج بفتح الهمزة والزاي بالجيم بيت يبنى طولاً، (كسرى) بفتح الكاف وكسرها اسم ملك الفرس، حتى سمع صوته وانشقّ لا لخلل في بنائه، فقد كان بناؤه بالمدائن من العراق محكمًا مبنيًّا بالآجر الكبار والجصّ، سمكه مائة ذراع في طول مثلها، وقد أراد الخليفة الرشيد هدمه لما بلغه أن تحته مالاً عظيمًا، فعجز عن هدمه، وإنما أراد اللَّه أن يكون ذلك آية باقية على وجه الدهر لنبيّه عَّه، ومن ثم أفزع ذلك كسرى ودعا بالكهنة. (وسقوط أربع عشرة) هكذا في نسخ وهو الصواب، وفي نسخة: أُربعة عشر وهو تحريف؛ لأن لفظ العدد من ثلاثة إلى عشرة يؤنّث مع المذكر ويذكّر مع المؤنّث، ولفظ العشر يجري على القياس والمعدود هنا مؤنّث. (شرفة) بضم الشين وسكون الراء (من شرفاته) بضم الراء وفتحها وسكونها جمع قلّة ٢٢٨ من عجائب ولادته عَّه. وغيض بحيرة طبرية، وخمود نار فارس. وكان لها ألف عام لم تخمد، كما رواه البيهقي وأبو نعيم والخرائطي في ((الهواتف)) وابن عساكر وابن جرير. وفي سقوط الأربع عشرة شرافة إشارة إلى أنه يملك منهم ملوك وملكات لشرفه جمع سلامة، قال الشامي: إما تحقيرًا لها أو أن جمع القلّة قد يقع موقع جمع الكثرة، وفي الصحاح: وشرفة وشرف، كغرفة وغرف. قال الخميس: وكانت اثنتين وعشرين، (وغيض) بغين وضاد معجمتين، أي: نقص، (بحيرة طبرية) مصغر بحرة ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث، قال في ترتيب المطالع: هي بالشام لزمتها الهاء، وإنما هي تصغير بحرة لا بحر؛ لأن تصغيره بحير وهي بحيرة عظيمة يخرج منها نهر بينها وبين الصخرة ثمانية عشر ميلاً، قال البكري: طولها عشرة أميال وعرضها ستّة أمیال، انتهى. لكن المعروف بالغيض إنما هي بحيرة ساوة بسين مهملة وبعد الألف واو مفتوحة فهاء ساكنة من قرى بلاد فارس، كانت بحيرة كبيرة بين همذان وقم. قال الخميس: وكانت أكثر من ستّة فراسخ في الطول والعرض، وكانت تركب فيها السفن، ويسافر إلى ما حولها من البلدان، انتهى. فأمَّا بحير، طبرية فباقية إلى اليوم وغيضها علامة لخروج الدجال، تيبس حتى لا يبقى فيها قطرة، وأُجيب: بأن غيض كليهما ثابت في الأحاديث التي نقلها السيوطي وغيره. غاية الأمر: أن بحيرة ساوة نشف ماؤها بالكلية فأصبحت يابسة كأن لم يكن بها شىء من ماء حتى ينبت موضعها مدينة ساوة الباقية إلى اليوم وبحيرة طبرية نقصت، وعلى هذا فمن نفى غيضها أراد أنه ما نشف بالكلية كساوة ومن أثبته أراد أنها نقصت نقصًا لا ينقص مثله في زمانٍ طويل، أو أن ماءها غار ثم عاد لما فيها من العيون النابعة التي تمدّها الأمطار، وهو جمع حسن إلاَّ أن المذكور في رواية من عزاًله المؤلف ساوة؛ كما في الشامية، فتمّ الاعتراض على المصنّف ووقع لبعض المتأخّرين، وغاضت بحيرة ساوة وتسمّى بحيرة طبرية، وكأن مراده الجمع أن تسمّى في بعض الأحاديث بحرية طبرية فهي واحدة، فلا يعترض عليه بأن ساوة بفارس، وطبرية بالشام. (وخمود) مصدر خمد؛ کنصر وسمع، خمدًا وخمودًا، كما في النور. (نار فارس) التي كانوا يعبدونها (وكان لها ألف عام لم تخمد) بضم الميم وفتحها، (كما رواه البيهقي وأبو نعيم والخرائطي في الهواتف وابن عساكر وابن جرير) في تاريخه كلّهم من حديث مخزوم بن هانىء عن أبيه، وأتت عليه مائة وخمسون سنة، قال: لمّا كانت الليلة التي ولد فيها رسول اللَّه عَّ ارتجس إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام وغاضت بحيرة ساوة، ورأى الموبذان، فذكر الحديث بطوله: (وفي سقوط الأربع عشرة شرافة إشارة إلى أنه يملك منهم) من الفرس (ملوك وملكات) هذا على أن ٢٢٩ من عجائب ولادته عَ لّ بعدد الشرفات، وقد ملك منهم عشرة في أربع سنين، ذكره ابن ظفر زاد ابن سيد الناس: وملك الباقون إلى خلافة عثمن رضي الله عنه. ومن ذلك أيضًا: ما وقع من زيادة حراسة السماء بالشهب، الجمع ما فوق الواحد، فإنه ما ملك منهم سوى امرأتين موران وأزد ميدخت؛ كما قاله البدر بن حبيب في جهينة الأخبار، (بعدد الشرفات، وقد ملك منهم عشرة في أربع سنين،) وأسماؤهم مذكورة في التواريخ، ولا حاجة لنا بذكرهم، (ذكره) محمّد بن محمد (بن ظفر) بفتح الظاء المعجمة والفاء بعدها راء الصقلي المولود بها أحد الأدباء الفضلاء صاحب التصانيف المليحة من أهل القرن السادس، ذكر ما نقله عنه المصنّف في كتاب البشر، قائلاً: وملك الباقون إلى أواخر خلافة عمر، هكذا رأيته فيه في آخر حديث سطيح، وكأنه لم يقع للمصنف فيه، فقال: (زاد ابن سيّد الناس) الإمام العلامة الحافظ الناقد أبو الفتح محمّد بن محمّد بن محمد بن أحمد اليعمري الأندلسي الأصل المصري، ولد في ذي القعدة سنة إحدى وسبعين وستمائة ولازم ابن دقيق العيد وتخرج به وسمع من خلائق يقاربون الألف، وأخذ العربية عن البهاء بن النحاس، كان أحد أعلام الحفّاظ أديبًا شاعرًا بليغًا صحيح العقيدة حسن التصنيف، ولي درس الحديث بالظاهرية وغيرها وألّف السيرة الكبرى والصغرى وشرح الترمذي، ولم يكمله فأتّه أبو الفضل العراقي، مات في شعبان سنة أربع وثلاثين وسبعمائة. (وملك الباقون إلى خلافة عثمن) ذي النورين المختص بأنه لم يتزوّج أحد بنتي نبيّ غيره، مناقبه جمّة، (رضي الله عنه) وآخر ملوكهم يزدجر هلك في سنة إحدى وثلاثين، كذا في تاريخ حماة، وفي كلام السهيلي: أنه قتل في أوّل خلافة عثمن، قاله في النور. فعلى الثاني: لا مخالفة بين كلام ابن ظفر وابن سيد الناس؛ لأن آخر خلافة عمر قريب من أوّل خلافة عثمن. أمّا على الأول: فبينهما خلف كبير، واللَّه أعلم. (ومن ذلك) أي: عجائب ولادته (أيضًا: ما وقع من زيادة حراسة السماء بالشهب) بسبب رميهم بها، وقد اختلف في أن المرجوم يتأذّى فيرجع أو يحرق به لكن قد تصيب الصاعد مرة، وقد لا تصيب كالموج لراكب السفينة، ولذلك لا يرتدعون عنه رأسًا ولا يرد أنهم من النار فلا يحترقون؛ لأنهم ليسوا من النار الصرفة، كما أن الإنسان ليس من التراب الخالص مع أن النار القويّة إذا استولت على الضعيفة أهلكتها، قاله البيضاوي. وأشعر قوله زيادة: بأنها حرست قبل ولادته، وقد جاء عن ابن عباس: أن الجنّ كانوا لا يحجبون عن السموات، فلمّا ولد عيسى منعوا من ثلاث سنوات، فلمّا ولد محمّد عَِّ منعوا من السموات كلها، نقله المصنّف في المعجزات. وروى الزبير بن بكار في حديث طويل: أن إبليس كان يخترق السموات ويصل إلى أربع، فلمَّا ولد عمَّه حجب من السبع، ورميت الشياطين ٢٣٠ من عجائب ولادته عَلّه. وقطع رصد الشياطين، ومنعهم من استراق السمع. ولقد أحسن الشقراطسي حيث قال: ضاءت لمولده الآفاق واتصلت بشرى الهواتف في الإشراق والطفل وصرح كسرى تداعى من قواعده وانقص منكسر الأرجاء ذا ميل بالنجوم،(وقطع رصد الشياطين) بسكون الصاد وفتحها مصدر رصد؛ كنصر، أي: ترقبهم، (ومنعهم من استراق السمع) أي: استراقهم لاستماع ما تقول الملائكة، فيخبرون به غيرهم فيقع، وقضيته منعهم منه رأسًا بحيث لم يقع ذلك من أحد منهم، لكن قال السهيلي: أنه بقي من استراق السمع بقايا يسيرة بدليل وجودهم على الندور في بعض الأزمنة وفي بعض البلاد، ونحوه قول البيضاوي؛ لعلّ المراد كثرة وقوعه أو مصيره دحورًا. (ولقد أحسن) أبو محمّد عبد الله بن أبي زكريا يحيى بن علي (الشقراطسيّ) نسبة إلى شقراطسة ذكر لي أنها بلدة من بلاد الجريدة بأفريقيا، قاله أبو شامة في شرحه لهذه القصيدة: (حيث قال) يمدح النبيّ عَّه من جملة قصيدة كبيرة (ضاءت) أشرقت (لمولده) لأجل ولادته أو اللام للتوقيت؛ كقولك: جئت ليوم كذا، أي: فيه يريد ضاءت أيام مولده (الآفاق) جمع أفق بضم الفاء وسكونها وهي نواحي الأرض وأطرافها، وكذلك آفاق السماء وهي أطرافها التي يراها الرائي مع وجه الأرض، يعني بذلك ما ظهر معه عليه السلام من النور حين ولد. (واتّصلت) بنا (بشرى) مصدر كالبشارة (الهواتف) جمعٍ هاتف وهو الصالح، أو اتّصل إلينا خبر ذلك أو اتّصل بعضها ببعض لكثرتها فما يبلغنا خبر إلاّ ويعقبه مثله، أي: كثرت وتواترت، يعني بذلك ما سمع من الجنّ وغيرهم من بعد ولادته إلى مبعثه من تبشيرهم به ونعيهم الكفر وإنذارهم بهلاكه يهتفون بذلك في كل ناحية، أي: ينادون به وكثر ذلك قبيل المبعث. (في الإشراق) أوّل النهار عند انتشار ضوء الشمس، (والطفل) وذلك إذا اطفلت الشمس للغروب، أي: دنت منه، وهو عبارة عن كثرة الأزمان التي وقع فيها، ذلك لأنه يعبّر بذلك وما في معناه عن الدوام؛ كقوله تعالى: ﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيًّا﴾ [مريم: ٦٢]، (وصرّح) القصرة، قيل: البناء المتّسع الذي لا يخفى على الناظر، وإن بعد (كسرى تداعى) تساقط كأن بعضه دعا بعضًا للوقوع (من قواعده) أساسه ومن لابتداء الغاية مبالغة كأن الانهدام ابتدأ من القواعد، (وانقص) بصاد مهملة سقط من أصله وبمعجمة أسرع سقوطه، (منكسر الأرجاء) النواحي (ذا ميل) بفتح الياء ما كان خلقة، قال ابن سيّده: الميل في الحادث والميل في الخلقة والبناء، وهو على الثاني ظاهر. أمَّا الأول فلأنه لما لم يكن بفعل فاعل ولا مسبّبًا عن خلل بناء نزله منزلة الخلق الطبيعي. ٢٢١ ولادته مطب وعجائب ما رأت فنحن في ذاك الضياء وفي النور وسبل الرشاد نخترق قال في اللطائف: ((وخروج هذا النور عند وضعه، إشارة إلى ما يجيء به من النور الذي اهتدى به أهل الأرض، وزال به ظلمة الشرك. قال تعالى: ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه﴾ الآية: [المائدة/ ١٥- ١٦]، وأما إضاءة قصور بصری يبعد أنه جمع فيكون للمفرد والجمع كالفلك، وأن يكون مضموم الفاء جمعًا لساكنها، وكل هذا احتمال؛ كذا قال أبو شامة، وفيه: أن اللغة لا تثبت بالاحتمال، فتعيّن الأول. (فنحن في ذلك الضياء، وفي النور وسبل الرشاد نخترق) والبيتان، من المدرج عند العروضيين، أي: الذي أدرج عجزه في الكلمة التي فيها آخر الصدر فلم ينفرد أحدهما من الآخر بكلمة تخصّه ويمتاز بها، (قال) الحافظ عبد الرحمن بن رجب (في اللطائف) أي: في كتاب لطائف المعارف: فهو من التصرّف في العلم والراجح جوازه. (وخروج هذا النور) الحسي المدرك بالبصر حال كونه (عند وضعه إشارة إلى ما يجيء به من النور) أي الأحكام والمعارف، سميت نورًا مجازًا للاهتداء بها؛ كالنور الحسي (الذي اهتدى به أهل الأرض) حقيقة؛ كالمؤمنين أو حكمًا بمعنى أنهم عرفوا الحق وامتنعوا منه عنادًا؛ كما قال تعالى: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم﴾ [النمل: ١٤]، والجاهلون منهم تابعون لكبرائهم المعاندين أو نزول المشركين منزلة العدم. (وزال به ظلمة الشرك) جهالاته؛ لأن الجهل يطلق عليه الظلمة مجازًا لأن الجاهل متحيّر في أمره لا يعلم ما يذهب إليه، كما أن الماشي في ظلمه متحیّر لا يهتدي لما بين يديه، وخصّ الشرك لشدّة قبحه أو لغلبته بمكّة حين البعث أو أراد به الكفر؛ لأنه إذا أفرد أُريد مطلق الكفر وإذا جمع أُريد به عبارة الأوثان نحو لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، فهما كالفقير والمسکین. (كما قال تعالى) إخبارًا عما جاء به من الأحكام حيث جعله نورًا (﴿قد جاءكم من اللَّه نور وكتاب مبين﴾ [المائدة: ١٥]،) قال البيضاوي: يعني القرءان، فإنه الكاشف لظلمات الشكّ والضلال والكتاب الواضح الإعجاز، وقيل: يريد بالنور محمّدًا عَُّله، انتهى. فما ذكره بناء على الأوّل والصحيح الثاني، كما قال المصنف كغيره. (يهدي به) بالكتاب (اللَّه من اتّبع رضوانه،) بأن آمن به (سبل السلام) طريق السلامة (ويخرجهم من الظلمات) الكفر (إلى النور) الإيمان (بإذنه) إرادته (الآية) أتلها (وأمَّا إضاءة قصور بصرى) ٢٣٢ من عجائب ولادته عليه وولد عَّه معذورًا أي مختونًا مسرورًا - أي مقطوع السرة - كما روي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عَِّ عند ابن عساكر. وروى الطبراني في الأوسط وأبو نعيم والخطيب وابن عساكر من طرق، عن أنس: أن النبي صَ لّه قال: ((من كرامتي على ربي أني ولدت مختونًا، ولم ير أحد سوأني)) وصححه الضياء في المختارة. وعن ابن عمر قال: ولد النبي عَ ◌ّه مسرورًا مختونًا. رواه ابن عساكر. قال الحاكم في جاءت منه وهو النجم، والله أعلم. (وولد عَّهِ معذورًا) هذا هو الواقع في حديث أبي هريرة وفشره المصنّف، بقوله: (أي: مختونًا) لأن العذرة الختان، يقال: عذر الغلام يعذره بالكسر وأعذره بالألف، لغة إذا ختنه؛ كما في المصباح والنور وغيرهما وفيه حسن، كما في (مسرورًا) من التورية؛ لأنه من السرور أو من قطع السرّة؛ كما فتره بقوله: (أي: مقطوع السّة،) الأولى حذف التاء إذ السر بالضم: ما تقطعه القابلة من سرّة الصبيّ؛ كما في النهاية وغيرها، إلا أن يكون ستى السرسرة مجاز العلاقة المجاورة، أو فيه حذف، أي: مقطوعًا منه ما يتّصل بالسّرة؛ (كما روي من حديث أبي هريرة رضي اللَّه عنه، عن النبيّ عَّهُ) أي: أنه قال ذلك ورفعه إليه، وأغرب زاعم أن هذا إخبار عن صفته من غيره، (عند ابن عساکر) وابن عدي. (وروى الطبراني في الأوسط، وأبو نعيم والخطيب وابن عساكر من طرق) متعددّة (عن أنس أن النبيّ عَّه قال: ((من كرامتي على ربّي أني ولدت مختونًا)، أي: على صورة المختون إذ هو القطع، ولا قطع هنا؛ كما يأتي. (ولم يرَ أحد سوأني)))، عورتي لا لختان ولا غيره، على ظاهر عموم أحد فتدخل حاضنته ويكون عدم رؤيتها مع احتياجها لذلك من جملة كرامته على ربّه، (وصحّحه) العلاّمة الحجّة الحافظ (الضياء) أي: ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد السعدي المقدسي الحنبلي الثقة الجبل الدين الزاهد الورع، المتوفى سنة ثلاث وأربعين وستمائة، (في) الأحاديث (المختارة) مما ليس في الصحيحين. وقد قال الزركشي وغيره أن تصحيحه أعلى مزية من تصحيح الحاکم، انتهى. وحسّنه مغلطاي، قال: ورواه أبو نعيم بسند جبّد عن ابن عباس. (و)ورد (عن ابن عمر، قال: ولد النبيّ عَّ ﴾ مسرورًا مختونًا، رواه ابن عساكر) وقد صرّح ا حافظ بأن أحاديث الصفات النبويّة والشمائل داخلة في قسم المرفوع، (قال الحاكم في ٢٣٣ من عجائب ولادته عَ اليه. المستدرك: تواترت الأخبار أنه عليه السلام ولد مختونًا. انتهى. وتعقبه الحافظ الذهبي فقال: ما أعلم صحة ذلك؟! فكيف يكون متواترًا؟ وأجيب: باحتمال أن يكون أراد بتواتر الأخبار اشتهارها وكثرتها في السير، لا من طريق السند المصطلح عليه. [القول بغير ذلك] حكى الحافظ زين الدين العراقي، أن الكمال بن العديم ضعف أحاديث كونه ولد مختونًا، وقال: إنه لا يثبت في هذا شىء من ذلك. وأقره عليه، وبه صرح ابن القيم المستدرك: تواترت الأخبار أنه عليه السّلام وُلِد مختونًا، انتهى. وتعقّبه) الإمام (الحافظ) أبو عبد الله محمد بن عثمن (الذهبي) نسبة إلى الذهب؛ كما في التبصير، الدمشقي المتوفى بها سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، (فقال) في مختصر المستدرك، وفي ميزانه في ترجمة الحاكم: (ما أعلم صحّة ذلك) لعلّه أراد على شرط الشيخين، وإلا فقد صحّحه الضياء وحسّنه مغلطاي، كما تری. (فكيف يكون متواترًا؟ وأُجيب باحتمال أن يكون) الحاكم (أراد بتواتر الأخبار اشتهارها وكثرتها في السير، لا من طريق السند المصطلح عليه،) وهو أن المتواتر عدد كثير أحالت العادة توافقهم على الكذب، ورووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء، وكان مستند انتهائهم الحسن، وصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه؛ كما في شرح النخبة، وقد استبعد بعضهم هذا الجواب؛ لأنه خلاف المتبادر ولكنه أولى من التخطئة. (وحكى الحافظ زين الدين) عبد الرحيم (العراقي: أن الكمال بن العديم) عمر بن أحمد بن هبة اللَّه الصاحب كمال الدين الحلبي الكاتب البليغ الحنفي، وُلِد بحلب سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وبرع وساد وصار أوحد عصره فضلاً ونبلاً ورئاسة، وألّف في الفقه والحديث والأدب وتاريخ حلب، وتوفي بمصر، (ضعف أحاديث كونه) عليه السّلام (وُلد مختونًا) في مؤلّف صنّفه في الردّ على الكمال بن طلحة حيث وضع مصنّفًا في أنه ولد مختونًا، وجلب فيه من الأحاديث التي لا خطام لها ولا زمام؛ كما في النور، (وقال: لا يثبت في هذا شىء، وأقرّه عليه وبه،) أي: بتضعيف أحاديث ولادته مختونًا (صرّح ابن القيّم) في الهدى النبوّي وليس بسديد من الثلاثة؛ لأن منها ما هو صحيح أو حسن، ومنها ما إسناده جيّد؛ كما مر. اللَّهمَّ إلاَّ أن يكون حكمًا على المجموع على أنها وإن كانت ضعيفة، فقد وردت من طرق يقوّى ٢٣٤ من عجائب ولادته ێ. ثم قال: ليس هذا من خصائصه عَّ له، فإن كثيرًا من الناس ولد مختونًا. وحكي الحافظ ابن حجر: أن العرب تزعم أن الغلام إذا ولد في القمر فسخت قلفته - أي اتسعت - فيصير كالمختون. وفي ((الوشاح)) لابن دريد: قال ابن الكلبي: بلغني أن آدم خلق مختونًا واثني عشر نبيًّا من بعده خلقوا مختونين . بعضها بعضًا، وفي مولد الحافظ ابن كثير ذكر ابن إسحق في السيرة أنه عليه السّلام ولد مسروًا مختونًا، وقد ورد ذلك في أحاديث، فمن الحفّاظ من صحّحها، ومنهم من ضعّفها، ومنهم من رآها من الحسان. (ثم قال) ابن القيّم: (وليس هذا من خصائصه معَ له فإن كثيرًا من الناس) الأنبياء وغيرهم، (ولد مختونًا) وظاهره: أن كونه مسرورًا من خصائصه وهو مقتضى كلام السيوطي وغيره. (وحكى الحافظ ابن حجر) ما فيه الجمع بين إثبات الختان ونفيه ذلك، (أن العرب تزعم أن الغلام إذا ولد في القمر) كالنبيّ عَة فإنه ولد في سلطانه على القول أنه لاثنتي عشرة (فسخت قلفته) بضم القاف وسكون اللام وبفتحهما: جلدته التي تقطع في الختان، (أي: اتّسعت) فتقلّصت عن موضعها بحيث تصير الحشفة مكشوفة (فيصير كالمختون؛) كما في عبارة غيره أن أصل قول العرب ختنه القمر، أن الطفل إذا ولد في ليلة مقمرة واتّعل بحشفته ضوء القمر أثّر فيها فتقلصت وانمحقت، فإن ضوءه يؤثر في اللحم وغيره، إلا أنه لا يكون قاطعًا لها بالكليّة، قال الشاعر: إني حلفت يمينًا غير كاذبة لأنت أقلف إلا ما جنى القمر فغرض الحافظ من سوقه أنه بتقدير صحّته في حقّه عَلِّ يكون سببًا لوصفه بذلك؛ لكونها شابهة في ارتفاع القلفة وتقلّصها أو خلقه بلا قلفة، وعبّر بتزعم إشارة إلى أنه لا أصل له، فهو القول الذي لم يقم على صحّته دليل، وقد قال ابن القيّم: الناس يقولون لمن ولد كذلك ختنه القمر، وهذا من خرافاتهم. (وفي الوشاح لابن دريد) أبي بكر محمّد بن الحسن اللغوي الثقة المتحري صاحب التصانيف المولود سنة ثلاث وعشرين ومائتين، المتوفى بعمان في رمضان سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، قال في المزهر: ولا يقبل فيه طعن نفطويه؛ لأنه كان بينهما منافرة عظيمة بحيث أن كلاً منهما هجا الآخر، قال: وقد تقرّر في علم الحديث أن كلام الأقران في بعضهم لا يقدح. (قال ابن الكلبي: بلغني) وفي السبل: نقل ابن دريد في الوشاح وابن الجوزي في التلقيح، عن كعب الأحبار أنهم ثلاثة عشر، فيجوز أنه الذي بلغ ابن الكلبي (أن آدم خلق مختونًا،) أي: وجد على هيئة المختون، (واثني عشر نبيًّا من بعده خلقوا مختونين،) أي: ولدوا ٢٣٥ من عجائب ولادته عَ ايه. آخرهم محمد عَّهِ: شيث وإدريس ونوح وسام ولوط ويوسف كذلك، ولعلّ هذا حكمة إفراد آدم بالذكر، (آخرهم محمّد عَّه») وهم (شيث) بن آدم عليهما السلام، (وإدريس) قيل عربي مشتقٌ من الدراسة لكثرة درسه الصحف، وقيل: سرياني ابن يارد ابن مهلائيل بن قنان بن أنوش بن شيث، قال ابن إسحق: الأكثرون أن أخنوخ هو إدريس وأنكره آخرون، وقالوا: إنما إدريس هو الياس، وفي البخاري يذكر عن ابن مسعود وابن عباس: أن إدريس هو الياس، واختاره ابن العربي وتلميذه السهيلي؛ لقوله ليلة الإسراء مرحبًا بالأخ الصالح، ولم يقل بالابن الصالح، وأجاب النووي باحتمال أنه قال تلطّفًا وتأدّبًا وهو أخ وإن كان ابنًا والأبناء أخوة والمؤمنون أخوة، وقال ابن المنير: أكثر الطرق أنه خاطبه بالأخ الصالح، وقال لي ابن أبي الفضل: صحّت لي طريق أنه خاطبه بالابن الصالح، قال بعض: وفي صحتها نظر. (ونوح) بن لمك بفتح اللام وسكون الميم بعدها كاف، ابن متوشلخ بفتح الميم وشدّة الفوقية المضمومة وسكون الواو وفتح المعجمة واللام بعدها معجمة ابن خنوخ، وهو إدريس، قال المازري: كذا ذكره المؤرخون: أن إدريس جدّ نوح، فإن قام دليل على أنه أرسل لم يصحّ قولهم: أنه قبل نوح لما في الصحيحين: اثتوا نوحًا فإنه أوّل رسول بعثه اللَّه إلى أهل الأرض، وإن لم يقم دلیل جازمًا، قالوا: وحمل على أن إدريس كان نبيًّا ولم يرسل، انتهى. قال السهيلي: وحديث أبي ذرّ الطويل، أي: المروي عند ابن حبان يدلّ على أن آدم وإدريس رسولان، انتهى. وأُجيب بأن المراد أوّل رسول بعثه اللَّه بالإهلاك وإنذار قومه، فأما رسالة آدم فكانت كالتربية لأولاده، قال القاضي عياض: لا يرد على الحديث رسالة آدم وشيث؛ لأن آدم إنما أُرسل إلى بنيه ولم يكونوا كفارًا بل أمر بتبليغهم الإيمان وطاعة اللَّه، وكذلك خلفه شيئ بعده فيهم بخلاف رسالة نوح إلى كفّار أهل الأرض، انتهى. (و) ابنه (سام) نبيّ على ما في هذا الخبر، وكذا رواه الزبير وابن سعد عن الكلبي، وقال: به أبو الليث السمرقندي ومن قّده، والصحيح أنه ليس بنبيّ؛ كما قاله البرهان الدمشقي وغيره، ولا حجّة في أثر الكلبي؛ لأنه مقطوع مع أنه متروك متّهم بالوضع. (ولوط) ابن هاران بن تارخ ابن أخي إبراهيم. (ويوسف) بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم الكريم ابن الكرام، قال بعضهم: هو مرسل؛ لقوله تعالى: ﴿ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات﴾ [غافر: ٣٤]، وقيل: ليس هو يوسف بن يعقوب، بل يوسف بن افرايم بن يوسف بن يعقوب، وحكى النقّاش والماوردي: أن يوسف المذكور في الآية من الجنّ بعثه اللَّه رسولاً إليهم، وهو غريب جدًا، قاله في الإتقان. ٢٣٦ الاختلاف في ختته وموسى وسليلمن وشعيب ويحيى وهود صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وفي هذه العبارة تجوز، لأن الختان هو القطع، وهو غير ظاهر، لأن الله تعالى يوجد ذلك على هذه الهيئة من غير قطع، فيحمل الكلام باعتبار أنه على صفة المقطوع. وقد حصل من الاختلاف في ختنه ثلاثة أقوال: الأول: أنه ولد مختونًا كما تقدم. (وموسى) بن عمران، (وسليمن) بن داود، (وشعيب، ويحيى، وهود صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين،) وزاد محمّد بن حبيب: زكريا وصالحًا وعيسى وحنظلة بن صفوان، فاجتمع من ذلك سبعة عشر نظمهم الحافظ السيوطي في قلائد الفوائد فقال: وسبعة مع عشر قدروا خلقوا وهم ختان فخذ لا زلت مأنوسا محمّد آدم إدريس شيث ونو ح سام هود شعيب يوسف موسى لوط سليمن يحيى صالح زكريا وحنظلة الرسى مع عيسى (وفي هذه العبارة) وهي تسمية من ولد بلا قلفة مختونًا (تجوز؛ لأن الختان هو القطع وهو غير ظاهر،) هنا (لأن الله تعالى يوجد ذلك على هذه الهيئة من غير قطع) فيما مضى ويأتي. قال ابن القيّم: حدّثنا صاحبنا أبو عبد اللَّه محمّد بن عثمن الخليلي المحدث ببيت المقدس، أنه ولد كذلك وأن أهله لم يختنوه، انتهى. ولذا عبّر بيوجد المضارع دون الماضي إشارة إلى أن الإيجاد لا يقصر على من كان قبل المصطفى، فلا يقال الأولى التعبير بالماضي؛ لأنهم وجدوا كذلك وتمّ أمرهم. (فيحمل الكلام) على المجاز (باعتبار أنه على صفة المقطوع) فهو علّة لمقدور وحاصله أنه لما كانت صورته صورة لمختون أطلق عليه اسمه مجازًا لعلاقة المشابهة في الصورة، (وقد حصل من الاختلاف) المذكور في كلامهم (في ختنه) عَّة (ثلاثة أقوال: (الأوّل:) منها في الذكر (أنه ولد مختونًا، كما تقدّم) وقال الحاكم: وبه تواترت الأخبار، وابن الجوزي: لا شّ أنه ولد مختونًا، قال القطب الخيضري: وهو الأرجح عندي، وأدلّته مع ضعفها أمثل من أدلّة غيره، انتهى. وقد مرّ أن طريقًا جيّدة صححه الضياء، وحسّنه مغلطاي، مع أنه أوضح من جهة النظر؛ لأنه في حقّه عَِّ كما قال الخيضري: غاية الكمال؛ لأن القلفة قد تمنع كمال النظافة والطهارة واللذّة، فأوجده ربّه مكملاً سالمًا من النقائص والمعايب، ولأن ٢٣٧ الإختلاف في ختنه الثاني: أنه ختنه جده عبد المطلب يوم سابعه، وصنع له مأدبة وسماه محمدًا. رواه الوليد بن مسلم بسنده إلى ابن عباس وجكاه ابن عبد البر في التمهيد. الختان من الأمور الظاهرة المحتاجة إلى فعل آدمي فخلق سليمًا منها لئلاّ يكون لأحد عليه منّة، وبهذا لا ترد العلقة التي أُخرجت بعد شقّ صدره؛ لأن محلها القلب ولا اطّلاع عليه للبشر، فأظهره اللَّه على يد جبريل ليتحقق الناس كمال باطنه كظاهره، انتهى مخلّصًا. (الثاني: أنه ختنه جدّه عبد المطلب،) الظاهر: أن المراد أمر بختنه وأنه بالموسى إذ لو ختن بغيره لنقل لخرقه للعادة، والخوارق إذا وقعت توفّرت الدواعي على نقلها، (يوم سابعه) لأن العرب كانوا يختنون؛ لأنها سنة توارثوها من إبراهيم وإسماعيل لا لمجاورة اليهود؛ كما أُشير له في قوله في حديث هرقل: ((أرى ملك الختان قد ظهر))، (وصنع له مأدبة) بضم الدال وفتحها اسم لطعام الختان، كما أفاده القاموس والمصباح، وأفاد الثاني: أنه يسمى إعذارًا أيضًا، (وسمّاه محمّدًا. وفي الخميس: روى أنه لما ولد عَِّ أمر عبد المطلب بجزور فنحرت ودعا رجالاً من قريش فحضروا وطعموا، وفي بعض الكتب: كان ذلك يوم سابعه، فلما فرغوا من الأكل قالوا: ما سمّيته فقال سميته محمّدًا، فقالوا: رغبت عن أسماء آبائه، فقال: أردت أن يكون محمودًا في السماء للَّه وٍفي الأرض لخلقه، وقيل: بل سمته بذلك أُمّه لما رأته، وقيل لها في شأنه ويمكن الجمع بأن أُمّه لما نقلت ما رأته لجدّه سمّاه، فوقعت التسمية منه، وإذا كان بسببها يصحّ القول بأنها سمته به، انتھی. (رواه الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم أبو العباس الدمشقي عن ملك والأوزاعي والثوري وابن جريج وخلق، وعنه الليث أحد شيوخه وابن وهب وأحمد وابن راويه وابن المديني متفق على توثيقه، وإنما عابوا عليه كثرة التدليس والتسوية. أخرج له الستّة مات أوّل سنة خمس وتسعين ومائة (بسنده إلى ابن عباس وحكاه) شيخ الإسلام أبو عمر الحافظ يوسف بن عبد اللَّه بن محمّد (بن عبد البرّ) بن عاصم النمري، بفتح النون والميم القرطبي الفقيه المكثر العالم بالقراءات والحديث والرجال والخلاف الدين الصين، صاحب السنّة والاتباع والتصانيف الكثيرة، ساد أهل الزمان في الحفظ والاتقان وانتهى إليه مع إمامته علوّ الإسناد. توفي ليلة الجمعة سلخ ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وأربعمائة عن خمس وتسعين سنة وخمسة أيام، (في) كتاب (التمهيد) لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ولمؤلّفه فيه شعر: ٢٣٨ الاختلاف في ختنه الثالث: أنه ختن عند حليمة، كما ذكره ابن القيم والدمياطي ومغلطاي وقالا: إن جبريل عليه السلام ختنه حين طهر قلبه. وكذا أخرجه الطبراني في الأوسط وأبو نعيم من حديث أبي بكرة. قال الذهبي: وهذا منکر. سمير فؤادي مذ ثلاثين حجة وصقيل ذهني والمفرج عن همي بسطت لكم فيه كلام نبيّكم لأني معانيه من الفقه والعلم وفيه من الآثار ما يهتدى به إلى البر والتقوى وينهى عن الظلم (الثالث: أنه ختن عند حليمة) السعدية مرضعته عَّةٍ، (كما ذكره ابن القيّم) مع القولين السابقين، (والدمياطي) بكسر الدال المهملة وبعضهم أعجمها وسكون الميم وخفّة التحتية نسبة إلى دمياط بلد مشهور بمصر؛ كما في اللبّ الحافظ الإمام العلامة الحجة الفقيه النسابة شيخ المحدثين شرف الدين، أبو محمّد عبد المؤمن بن خلف الشافعي. ولد سنة ثلاث عشرة وستمائة، وتفقّه وبرع وطلب الحديث فرحل وجمع فأوعى وألّف وتخرج بالمنذري، وبلغت شيوخه ألفًا وثلاثمائة شيخ ضمنهم معجمه، قال المزي: ما رأيت في الحديث أحفظ منه، وكان واسع الفقه رأسًا في النسب جيّد العربية غزيرًا في اللغة، مات فجأة سنة خمس وسبعمائة. (ومغلطاي) الإمام الحافظ علاء الدين بن قليج بن عبد اللَّه بن الحنفي، ولد سنة تسع وثمانين وستّمائة وكان حافظًا عارفًا بفنون الحديث، علاّمة في الأنساب وله أكثر من مائة مصنّف؛ كشرح البخاري، وشرح ابن ماجه، وشرح أبي داود ولم يتمًّا، مات سنة اثنتين وستّين وسبعمائة وهو بضم الميم وسكون الغين وفتح اللام، كما ضبطه الحافظ بالقلم في كلام نثر، وأما ابن ناصر فضبطه بفتح الغين وسكون اللام في قوله: ذلك مغلطاي فتى قليجي ولعلَّه للضرورة، فلا تخالف وقليجي بقاف وجيم نسبة إلى القليج: السيف، بلغة الترك. (وقالا: إن جبريل عليه السلام ختته) بآلة ولم يتألّم منها على الظاهر، (حين طهّر قلبه) بعد شقّه، (وكذا أخرجه الطبراني في الأوسط وأبو نعيم من حديث أبي بكرة) نفيع بن الحرث الثقفي رضي اللَّه عنه، (قال الذهبي: وهذا) الحديث (منكر) وهو ما رواه غير الثقة مخالفًا لغيره؛ كما في النخبة، ولا يعود اسم الإشارة على القول الثالث؛ لأنه إخراج لألفاظ الحفاظ عن معناها عندهم، وقد احتجّ للقول بأنه لم يولد مختونًا بأنه الأليق بحاله ◌َّم؛ لأنه من الكلمات التي ابتلي بها إبراهيم فأتّهنَّ وأشدَّ الناس بلاء الأنبياء والابتلاء به مع الصبر عليه مما يضاعف الثواب، فالأليق بحاله أن لا يسلب هذه الفضيلة، وأن يكرمه اللَّه بها كما أكرم خليله، وأُجيب بأنه إنما ٣٩-٢ الاختلاف في ختته واعلم أن الختان: هو قطع القلفة التي تغطي الحشفة من الرجل، وقطع بعض الجلدة التي في أعلى الفرج من المرأة، ويسمى ختان الرجل: إعذارا - بالعين المهملة والذال المعجمة والراء- وختان المرأة خفاضًا - بالخاء المعجمة والفاء والضاد المعجمة أيضًا .. واختلف العلماء: هل هو واجب؟ فذهب أكثرهم إلى أنه سنة وليس بواجب، وهو قول لملك وأبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي. وذهب الشافعي إلى وجوبه، وهو مقتضى قول سحنون من المالكية. وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه واجب في حق الرجال، سنة في حق النساء. ولد مختونًا لئلا يرى أحد عورته؛ كما صرّح به في الخبر. واعلم: أن الختان هو قطع القلفة التي تغطي الحشفة من الرجل، وقطع بعض الجلدة التي في أعلى الفرج من المرأة، ويسمّى ختان الرجل إعذارًا بالعين المهملة) الساكنة قبلها ألف وحذفها في بعض النسخ تحريف، لا يوافق القاموس. (والذال المعجمة والراء) بعدها ألف ويسمّى أيضًا عذرًا؛ كما في القاموس. (وختان المرأة خفاضًا،) كذا في نسخ (بالخاء المعجمة) المكسورة (والفاء والضاد المعجمة أيضًا،) فهو كقول القاموس: خفاض كختان وزنا، ومعنى فما في نسخ ختان المرأة خفضًا تحريف، (واختلف العلماء) في جواب قول السائل (هل هو) أي: الختان، لكل من الرجل والمرأة؟ (واجب) أو سنّة (فذهب أكثرهم إلى أنه سنّة وليس بواجب،) أُتي به لدفع توهم أن المراد بالسنّة الطريقة، (وهو قول لملك وأبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي، وذهب الشافعي إلى وجوبه) لكل من المرأة والرجل، (وهو مقتضى قول سحنون) بفتح السين وضمها (من) أئمة (المالكية) واسمه عبد السلام بن سعيد التنوخي القيرواني لقّب باسم طائر حديد الذهن ببلاد المغرب؛ لكونه كان كذلك، ولد في شهر رمضان سنة ستّين ومائة، وتلمذ لابن القُسم وغيره وصنّف المدونة التي عليها العمل ومات في رجب سنة أربعين ومائتين. (وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه واجب في حقّ الرجال، ستّة في حقّ النساء) وهو مذهب أحمد، وعنه الوجوب فيهما، وعن أبي حنيفة: واجب ليس بفرض، وعنه أيضًا: سنة يأثم بتركه، وعن الحسن: الترخيص فيه. ٢٤٠ الاختلاف في ختنه واحتج من قال إنه سنة، بحديث أبي المليح بن أسامة عن أبيه: أن النبي عَّ له قال: الختان سنة للرجال مكرمة للنساء رواه أحمد في مسنده والبيهقي. وأجاب من أوجبه بأنه ليس المراد بالسنة هنا خلاف الواجب، بل المراد الطريقة، واحتجوا على وجوبه بقوله تعالى: ﴿أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾ [النحل/١٢٣] وثبت في ......... (واحتجّ من قال: إنه سنّة، بحديث أبي المليح) بفتح الميم وكسر اللام وتحتية وحاء مهملة عامر، وقيل: زيد، وقيل: زياد (بن أُسامة) التابعي عن أبيه، وابن عمر وجابر وأنس وعائشة وبريدة وغيرهم، وعنه أبو قلابة وقتادة وأيوب وخلق، وثّقه أبو زرعة وغيره، وروى له السّة، مات سنة ثمان وتسعين أو أربع ومائة، أو اثنتي عشرة ومائة، أقوال: (عن أبيه) أُسامة بن عمير بن عامر الهذلي البصري، صحابي تفرّد بالرواية عنه ولده، أخرج له أصحاب السنن الأربعة (أن النبيّ عَّله، قال: «الختان سنّة للرجال، مكرمة للنساء)»،) أي: إنه في حقّهن دونه في حقّ الرجال فهو فيهم متأكّد، (رواه أحمد في مسنده والبيهقي،) وفي سنده الحجاج بن أرطاة ضعیف لکن له شواهد، فرواه الطبراني في کبیره من حدیث شداد بن أوس، وابن عباس، وأبو الشيخ، والبيهقي عن ابن عباس من وجه آخر، والبيهقي أيضًا عن أبي أيوب، فالحدیث حسن، فقامت به الحجّة. (وأجاب من أوجبه بأنه ليس المراد بالستّة هنا) في هذا الحديث (خلاف الواجب، بل المراد الطريقة) زاعمين أن ذلك المراد في الأحاديث، وردّ بأنه لما وقعت التفرقة بين الرجال والنساء، دلّ على أن المراد افتراق الحكم ودفعه بأنه في حقّ الرجال للوجوب والنساء للإباحة لما لا يسمع إذ ينبو عنه اللفظ على أنه قد ورد إطلاق السنّة على خلاف الواجب في أحاديث كثيرة؛ كقوله عَّله: ((إِنَّ اللَّه افترض رمضان وسننت لكم قيامه))، رواه النسائي والبيهقي. وقوله عَّ اله: ((الأضحى عليّ فريضة، وعليكم سنّة))، رواه الطبراني. قال الحافظ: برجال ثقات. وقوله تعَُّله: ((ثلاث هن عليّ فرائض ولكم سنّة: الوتر والسواك وقيام الليل))، فهذا الحديث من جملتها والتبادر آية الحقيقة، ويقوّيه خبر الصحيحين وغيرهما مرفوعًا: ((خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وقصِ الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط))، فإن انتظامه مع هذه الخصال التي ليست واجبة إلاَّ عند بعض من شذّ يفيد أن الختان ليس بواجب، إذ المراد بالفطرة بالكسر: السنّة، بدليل بقيّة الحديث وحمله على الوجوب في الختان والسنّة في باقيه تحكم بلا دليل. (واحتجّوا على وجوبه، بقوله تعالى: ﴿أن اتّبع ملّة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾ [النحل: ١٢٣]،) والأمر للوجوب، ومن ملّته الختان، (و)ذلك لأنه (ثبت في