النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ ذكر حفر زمزم الذبيحين فأتاه أعرابي، فقال: يا رسول الله، خلفت البلاد يابسة، والماء يابسًا وخلفت المال عابسًا، هلك المال وضاع العيال، فعد عليَّ مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين. قال: فتبسم رسول الله عَلَّه ولم ينكر عليه. الحديث، وتأتي تتمته إن شاء الله تعالی قریبًا. ويعني بالذبيحين: عبد الله وإسطعيل بن إبراهيم. وإن كان قد ذهب بعض العلماء إلى أن الذبيح إسحق. فإن صح هذا، فأتاه أعرابي، فقال: يا رسول اللَّه! خلفت البلاد يابسة:) مجدبة لا خصب فيها، (والماء) أي: محلاته التي يصيبها (يابسًا) لعدم الماء، وفي نسخة: خلفت الكلاَّ يابسًا، أي: العشب وصفه باليبس لبيان صفته التي تركه عليها، فالكلأَّ العشب رطبًا كان أو يابسًا؛ كما في المختار، وزعم أن هذه النسخة هي التي في غيره والأولى تصحيف عجيب باطل، فالأولى هي الثابتة في المقاصد عن المستدرك، (وخلفت المال عابسًا) أي: كالحًا، أي: متغيّرًا مهزولاً؛ وكأنه أراد بالمال الماشية، (هلك المال وضاع العيال فعدّ عليَّ،) أعطني شيئًا أستعين به (مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين، قال:) معوية (فتبسّم رسول اللّه عَّله ولم ينكر عليه) فأفاد أنه إسماعيل، وهذا احتجّ به مطوية على من قال: إنه إسحق، فإن أوّل الحديث عند الحاكم عن الصنابجي: حضرنا مجلس معوية فتذاكر القوم إسماعيل وإسحق، فقال بعضهم: إسماعيل الذبيح، وقال بعضهم: بل إسحق، فقال مطوية: سقطتم على الخبير، وذكره (الحديث، وتأتي تتمّته إن شاء اللَّه تعالى قريباً) جدًا، (ويعني بالذبيحين: عبد اللَّه وإسماعيل بن إبراهيم،) كما قاله جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم ورجّحه جماعة، وقال أبو حاتم: إنه الصحيح، والبيضاوي: إنه الأظهر. (وإن كان قد ذهب بعض العلماء إلى أن الذبيح إسحق،) بل عزاه ابن عطية والمحب الطبري والقرطبي للأكثرين، وأجمع عليه أهل الكتابين وقال به من الصحابة، كما قال البغوي وغيره العباس وابنه، وعمر وابنه، وعليّ وجابر وهو الصحيح عن ابن مسعود، ومن التابعين: علقمة، والشعبي، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وكعب الأحبار، وقتادة، ومسروق، وعكرمة، والقسم بن أبي برة، وعطاء، ومقاتل، وعبد الرحمن بن سابط، والزهري، والسدي، وعبد اللَّه بن أبي الهذيل، والقسم بن زيد، ومكحول، والحسن. وذهب إليه مالك واختاره ابن جرير، وجزم به عياض والسهيلي، ومال إليه السيوطي في علم التفسير. (فإن صحّ هذا) في نفس الأمر وإلا فكيف لا يصحّ، وقد قال به من ذكر والحجّة لهم ١٨٢ ذكر حفر زمزم الذبيحين فالعرب تجعل العم أبًا، قال الله تعالى إخبارًا عن بني يعقوب عليهم الصلاة والسلام: (أم كنتم شهداء إذا حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي، قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق﴾ [البقرة/١٣٣]. وفي حديث مطوية - الموعود بتتمته قريبًا - قوله عَّله: ((الذبيح إسحق))، رواه الدارقطني عن ابن مسعود، وابن مردويه والبزار عن العباس، وفيه المبارك بن فضالة ضعّفه الجمهور، لكن رواه الحاكم من طرق عن العباس، وقال: صحيح على شرطهما. وقال الذهبي: صحيح. ورواه ابن مردويه عن أبي هريرة قال ابن كثير: وفيه الحسن بن دينار متروك، وشيخه منكر وقد رواه ابن أبي حاتم مرفوعًا ثم رواه عن مبارك بن فضالة موقوفًا وهو أشبه وأصحّ، وتعقّبه السيوطي بأن مباركًا قد رفعه مرة فأخرجه البزار عنه مرفوعًا، وله شواهد عنده وعند الديلمي عن العباس مرفوعًا في حديث بلفظ: ((وأما إسحق فبذل نفسه للذبح))، والطبراني وابن أبي حاتم عن أبي هريرة مرفوعًا نحوه بسند ضعيف، وللطبراني أيضًا بسند ضعيف عن ابن مسعود: سئل عَّه. من أكرم الناس؟ قال: ((يوسف بن يعقوب بن إسحق ذبيح الله))، وأخرج في الكبير عن أبي الأحوص، قال: افتخر رجل عند ابن مسعود، وفي لفظ: فاخر أسماء بن خارجة رجلاً، فقال: أنا ابن الأشياخ الكرام، فقال عبد الله: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحق ذبيح اللَّه ابن إبراهيم خليل اللَّه وإسناده صحيح موقوف، اهـ ملخّصًا. فهذه أحاديث يعضد بعضها بعضًا، فأقلّ مراتب الحديث الأول أنه حسن، فكيف وقد صححه الحاكم والذهبي وهو نصّ صريح لا يقبل التأويل بخلاف حديث معوية فإنه قابل له. (فالعرب تجعل العمّ أبًا، قال الله تعالى إخبارًا عن بني يعقوب عليهم الصلاة والسّلام) جمعها وإن كان فيهم غير أنبياء لجوازها تبعًا وهو استدلال على جعل العمّ أبًا، (﴿أم كنتم شهداء﴾) [البقرة: ١٣٣، الأنعام: ١٤٤]، حضورًا والخطاب لليهود، فإنه نزل ردًّا عليهم لما قالوا للنبيّ عَّله: ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية، (﴿إِذ حضر يعقوب الموت﴾ [البقرة: ١٣٣]، إذ) بدل من إذ قبله، (﴿قال لنبيه ما تعبدون من بعدي﴾) بعد موتي، (﴿قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق﴾ [البقرة: ١٣٣]،) فجعل إسمعيل أبًا وهو عمّ لأنه بمنزلته، فيحمل حديث معوية على ذلك جمعًا بين الحديثين. وأمّا القول بأنهما عبد اللَّه وهابيل فغريب، وإن نقله مغلطاي ولا يصحّ إلا بجعل العمّ أبًا أيضًا، فإِنَّ المصطفى من ولد شيث (وفي حديث معوية الموعود بتتمّته قريبًا) قال: راويه ١٨٣ ذکر حفر زمزم الذبیحین قال معوية: إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر لله إن سهل الأمر بها أن ينحر بعض ولده، فأخرجهم فأسهم بينهم فخرج السهم لعبد الله، فأراد ذبحه فمنعه أخواله من بني مخزوم، وقالوا أرضٍ ربك، وافد ابنك، فقداه بمائة ناقة، فهو الذبيح الأول وإسمعيل الذبيح الثاني. قال ابن القيم: ((ومما يدل على أن الذبيح إسمعيل، أنه لا ريب أن الذبيح كان بمكة، ولذلك جعلت القرابين يوم النحر بها، كما جعل السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار بها تذكيرًا لشأن إسماعيل وأمه، وإقامة لذكر الله تعالى، ومعلوم أن إسمعيل وأمه هما اللذان كانا بمكة دون إسحق وأمه)). الصنابجي، فقلنا: وما الذبيحان؟ (قال مطوية: إن عبد المطّلب لمَّا أُمر) بالبناء للمفعول (بحفر زمزم،) وعيّر بقلّة الولد (نذر للَّه إن سهّل) اللَّه (الأمر بها) وجاءہ عشرة بنين (أن ينحر بعض ولده) أي: واحدًا منهم؛ كما مرّ، والأخبار يفسّر بعضها ببعض، (فأخرجهم فأسهم بينهم، فخرج السهم لعبد الله، فأراد ذبحه فمنعه أخواله من بني مخزوم) من ذبحه حتى يعذر فيه إلى ربّه، ومرّ عن ابن إسحق أن المغيرة المخزومي قال له: والله لا تذبحه أبدًا حتّى تعذر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه ومثله في الشامية، وليس فيه أن المخاطب له بذلك منهم؛ كما ادّعى، ولا اللفظ يقتضي ذلك فنقل كلام عن واحد لا ينفي أن غيره قال مثله، حتى يزعم الحصر (وقالوا: أرض ربّك) بهمزة قطع مفتوحة (وافدٍ آبنك) بهمزة وصل (ففداه بمائة ناقة، فهو الذبيح الأول) من أبويه ◌َّ له، ستّاه أوّلاً لقربه منه وأنه أبوه بلا واسطة، (وإسمعيل الذبيح الثاني) وهذا لم يرفعه معوية، وإنما قاله استنباطًا من تبسّمه عَّله بعد قول الأعرابي: يا ابن الذبيحين، ومعلوم أن صريح المرفوع مقدّم على الاستنباط، فيرد المحتمل إلى الصريح جمعًا بين الدليلين. (قال ابن القيم: ومما يدلّ على أن الذبيح إسمعيل، أنه لا ريب) لا شكّ (أن الذبيح كان بمكّة ولذلك جعلت القرابين) بفتح القاف جمع قربان بضمها، وهو ما تقرّب به إلى اللَّه؛ كما في المختار (يوم النحر بها، كما جعل السعي بين الصفا والمروة، و)كما جعلٍ (رمي الجمار بها تذكيرًا لشأن إسماعيل وأُمه، وإقامة لذكر اللَّه تعالى، ومعلوم أن إسماعيل وأُمّه هما اللذان كانا بمكّة دون إسحق وأُمّه))) وقد أُجيب عن هذا بقول سعيد بن جبير: أُرِيّ إبراهيم ذبح إسحق في المنام فسار به من بيت المقدس مسيرة شهر في غدوة واحدة حتى أتى به المنحر بمنى، فلمَّا صرف اللَّه عنه الذبح وأمره أن يذبح الكبش فذبحه وسار به مسيرة شهر في روحة واحدة على البراق، ويؤيّده ما رواه الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن عباس، قال: قال عَّدٍ: ((إن ١٨٤ ذكر حفر زمزم الذبيحين ثم قال: ((ولو كان الذبيح بالشام - كما يزعم أهل الكتاب، ومن تلقى عنهم - لكانت القرابين والنحر بالشام لا بمكة)). ((وأيضًا فإن الله سمى الذبيح حليمًا، لأنه لا أحلم ممن سلم نفسه للذبح طاعة لربه، ولما ذكر إسحق سماه: عليمًا)). ((وأيضًا: فإن الله تعالى أجرى العادة البشرية: أن بكر الأولاد أحب إلى الوالدين ممن بعده، وإبراهيم لما سأل ربه الولد، ووهبه له تعلقت شعبة من قلبه جبريل ذهب بإبراهيم إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ، ثم أتى به الجمرة الوسطى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ، فلمَّا أراد إبراهيم أن يذبح إسحق، قال لأبيه: يا أبت، أوثقني لا اضطرب فيتضح دمي عليك إذا ذبحتني، فشدّه فلما أخذ الشفرة وأراد ذبحه نودي من خلفه: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، (ثم قال) ابن القيم: (ولو كان الذبيح بالشام، كما يزعم أهل الكتاب ومن تلقى عنهم لكانت القرابين والنحر بالشام لا بمكة؛) لأنه هو المحل الذي أمر فيه بذبحه على ذا القول وأنت خبير بأن هذا مع ما فيه من الظنّ السوء بأكثر العلماء، وهو أنه لا سلف لهم إلا التلقّي عن أهل الكتاب لا يصحّ دليل إذ لا تلازم، وأيضًا فالدليل ما سلمه الخصم وابن عطية، حكى قولين، أحدهما: أنه أمر بذبحه في الشام، والثاني: أنه إنما أُمر بذبحه في الحجاز، فجاء به معه على البراق اهـ. ومرّ نقله عن ابن جبير وتأييده بالمرفوع. (وأيضًا) مما يدلّ على أنه إسمعيل ظاهر القرءان الكريم، (فإن اللَّه سمّى الذبيح حليمًا) في قوله: ﴿فبشّرناه بغلام حليم﴾ [الصافات: ١٠١]، (لأنه لا أحلم ممن سلّم نفسه للذبح طاعة لربّه،) مع كونه مراهقًا ابن ثمان سنين أو ثلاث عشرة سنة، حكاهما الجلال. (ولما ذكر إسحق سمّاه عليمًا) في قوله: ﴿إنّا نبشرك بغلام عليم﴾ [الحجر: ٥٣]، وقوله: ﴿وبشّروه بغلام عليم) [الذاريات: ٢٨]، وهذا غير ظاهر. فلا ريب أن إسحق حليم أيضًا، فأيّ مانع من جمعه الصفتين؟ (وأيضًا) دليل عقلي، (فإن اللَّه تعالى أجرى العادة البشرية أن بكر الأولاد) بكسر الموحّدة وسكون الكاف: أوّل ولد الأبوين، (أحبّ إلى الوالدين ممن بعده؛) لكونه أوّل فيتمكّن حبّه قبل رؤية غيره، لكن لا ينافي أنه إذا حصلت مزية لمن بعده زاد بسببها حبه؛ كما أحبّ عبد المطّلب الأب الشريف لرؤيته نور المصطفى في وجهه. (وإبراهيم لما سأل ربه الولد ووهبه له تعلّقت شعبة) بضم الشين الغصن لغة (من قلبه ١٨٥ ذكر حفر زمزم الذبيحين بمحبته، والله تعالى قد اتخذه خليلاً، والخلة منصب يقتضي توحيد المحبوب بالمحبة، وأن لا يشارك فيها، فلما أخذ الولد شعبة من قلب الوالد جاءت غيرة الخلة تنزعها من قلب الخليل، فأمر بذبح المحبوب، فلما قدم على ذبحه، وكانت محبة الله عنده أعظم من محبة الولد خلصت الخلة حينئذٍ من شوائب المشاركة، فلم يبق في الذبح مصلحة، إذ كانت المصلحة إنما هي في العزم وتوطين النفس، وقد حصل المقصود، فنسخ الأمر وفدي الذبيح، وصدق الخليل الرؤیا)). انتهى. وقد أنشد بعضهم: إن الذبيح - هديت - إسمعيل ظهر الكتاب بذاك والتنزيل بمحبته) فشبّه القلب بشجرة استعارة بالكناية، والتعلق الحاصل به بأغصانها وإثبات الغصن استعارة تخييلية، ولم يقل: تعلّق قلبه بمحبته لئلا يتوهّم تعلّق قلبه بجملته بمحبة ولده، فلم یکن فيه محل لغيره مع أن قلبه إنما هو متعلّق بربّه غايته أن ثمة نوع تعلّق بالولد. (والله تعالى قد اتّخذه خليلاً، والخلّة) بضم الخاء وتفتح الصداقة المحضة التي لا خلل فيها؛ كذا في القاموس. (منصب) بكسر الصاد: أصل (يقتضي توحيد المحبوب بالمحبّة، وأن لا يشارك فيها) عطف تفسير (فلمَّا أخذ الولد شعبة من قلب الوالد جاءت غيرة) بفتح الغين (الخلّة تنزعها من قلب الخليل) ليتمحض للجليل (فأُمِر بذبح المحبوب،) ولا ريب أن هذا يأتي على أنه إسحق أيضًا، فلا شكّ أن في قلبه شعبة محبّة له، غايته: أن محبّة إسمعيل أكثر. (فلمَّا قدم على ذبحه وكانت محبّة الله عنده أعظم من محبّة الولد خلصت الخلّة حينئذ،) أي: حين إذ قدم على ذبحه، (من شوائب المشاركة، فلم يبقَ في الذبح مصلحة إذا كانت المصلحة إنما هي العزم وتوطين النفس، وقد حصل المقصود،) أي: إظهاره إذ اللَّه عالم به، (فنسخ الأمر، وفدي الذبيح، وصدق الخليل الرؤيا اهــ) كلام ابن القيم، وهي أدلّة إِقناعيّة. (وأنشد بعضهم: أن الذبيح هديت إسمعيل ظهر) وفي نسخة: نطق، أي: دلّ (الكتاب بذاك والتنزيل) عطف صفة على موصوفها أو تفسيري؛ كأنه يشير به إلى قوله تعالى: ﴿وبشرناه بإسحق﴾ [الصافات: ١١٢]، ولا حجة فيه، فقد قال ابن عباس: هي بشارته بنبوّته؛ كما قال تعالى في موسى: ﴿ووهبنا له من رحمتنا أخاه لهرون نبيًّا﴾ [مريم: ٥٣]، وهو قد كان وهبه له ١٨٦ ذكر حفر زمزم الذبيحين شرف به خص الإله نبينا وأبانه التفسير والتأويل وروي مما ذكره المعافى بن زكريا، أن عمر بن عبد العزيز سأل رجلاً أسلم من علماء اليهود: أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين، إن اليهود ليعلمون أنه إسماعيل، قبل ذلك فإنما أراد النبوّة فكذلك هذه، قاله ابن عطيّة وغيره. وبه يعلم: أن قول العلاّمة التقي السبكي يؤخذ من تعدّد البشارة بهما مع وصف إسحق بأنه عليم، والذبيح بأنه حليم، القطع بأن الذبيح إسماعيل مردود، فكيف يكون قطعيًّا مع فهم ترجمان القرءان (شرف به خصّ الإله نبينا،) أي: قصره عليه لا يتجاوزه إلى غيره. (وأبانه) أظهره، وفي نسخة: وأتى به (التفسير والتأويل) عطفٍ مساوٍ هنا. (وروي فيما ذكره المعافى ابن زكريّا) بن يحيى بن حميد الحافظ العلاّمة المفتر الثقة النهرواني الجريري، كان على مذهب ابن جرير مات سنة تسع وثلاثمائة، (أن عمر بن عبد العزيز) بن مروان بن الحكم ابن أبي العاصي بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي الثقة، الحافظ الورع المأمون التابعي الصغير أمير المؤمنين خامس أو سادس الخلفاء الراشدين على عد مدّة السبط وعدمه؛ لأنها كالتتمة لولاية أبيه. روى أنس: وصلّى أنس خلفه، وقال: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول اللَّه عَّهِ من هذا الفتى، ولّي أمرة المدينة للوليد وكان مع سليمن كالوزير، ثم ولّى بعده باستخلافه الخلافة سنتين وخمسة أشهر ونصفًا، فملأ الأرض عدلاً ورد المظالم وزاد الخراج في زمنه، وأبدل ما كان بنو أُميّة تذكر به عليًّا كرم الله وجهه على المنبر بآية: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٩٠]، ومناقبه كثيرة شهيرة مات مسمومًا يوم الجمعة لعشر بقين من رجب سنة إحدى ومائة، وأُّه أُمّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. (سأل رجلاً أسلم من علماء اليهود) قال الطبري: وحسن إسلامه (أي: ابني إبراهيم أمر بذبحه، فقال: والله يا أمير المؤمنين إن اليهود) بالدال مهملة ومعجمة؛ كما في القاموس، (ليعلمون أنه إسماعيل٤) لأن في التوراة على ما في تفسير ابن كثير: أن اللَّه أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وفي نسخة: بكره، فحرّفوا وحيده، فقالوا: إن إسحق كان مع أبيه وحده وإسمعيل كان مع أُمّه بمكة، قال ابن كثير: وهذا تأويل وتحريف باطل، فلا يقال وحيدًا إلا لمن ليس له غيره اهـ. وفيه نظر، ففي فتح الباري ذكر ابن إسحق: إن هاجر لمَّا حملت بإسمعيل غارت سارة فحملت بإسحق فولدتا معًا، ثم نقل عن بعض أهل الكتاب خلاف ذلك وأن بين مولديهما ثلاث عشرة سنة، والأول أَولىّ اهـ. وتبعه السيوطي. ١٨٧ ذكر حفر زمزم الذبيحين ولكنهم يحسدونكم معشر العرب أن يكون أباكم، للفضل الذي ذكره الله عنه، فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحق لأن إسحق أبوهم. فانظر أيها الخليل ما في هذه القصة من السر الجليل، وهو أن الله تعالى يري عباده الجبر بعد الكسر، واللطف بعد الشدة، فإنه كان عاقبة صبر هاجر وابنها على البعد والوحدة والغربة والتسليم لذبح الولد، آلت إلى ما آلت إليه من جعل آثارهما ومواطىء أقدامهما مناسك لعباده المؤمنين، ومتعبدات لهم إلى يوم الدين، وهذه (ولكنهم يحسدونكم) بضم السين، وحكى الأخفش كسرها (معشر) أي: يا جماعة (العرب) والإضافة بيانية على (أن يكون) إسمعيل (أباكم) فيتمنّون زوال نسبة ذلك إليكم، ونقلها إليهم وقيل: الحسد تمنّي زوال نعمة الغير وإن لم تصل للحاسد وهذا أقبح ولا بعد في حمل حسدهم عليه (للفضل الذي ذكره الله عنه؛) كقوله: ﴿إنه كان صادق الوعد﴾ [مريم: ٥٤]، الآيتين، (فهم يجحدون ذلك) ينكرونه مع العلم به، كما هو معنى الجحد (ويزعمون أنه إسحق) عطف تفسير؛ (لأن إسحق أبوهم) إذ هم من أولاد يهوذا قال السمين بمعجمة وألف مقصورة غيّرته العرب إلى المهملة على عادتها في التلاعب بالأسماء الأعجميّة ابن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم الصّلاة والسّلام، وهذا المرويّ الذي ساقه المصنف ممرضًا، فأفاد ضعفه ذكره تقوية؛ لأنه إسماعيل. والحاصل، كما قال السيوطي: أن الخلاف فيه مشهور بين الصحابة فمن بعدهم، ورجّح کل منھما. (فانظر أيها الخليل،) الكامل في الحبّ والصداقة للَّه ورسوله (ما في هذه القصّة) قصّة إسمعيل مع أمّه (من السّر) هو لغة ما يكتم، أُطلق على هذه القصة لما فيها من بدائعٍ الحكم التي خفيت على العباد، (الجليل) بالجيم العظيم، وبيّ ذلك السرّ بقوله: (وهو أن الله تعالى يري عباده الجبر بعد الكسر، واللطف بعد الشدّة، فإنه كان عاقبة صبر هاجر) بفتح الجيم، وقد تبدل الهاء همزة اسم سرياني، وكان أبوها من ملوك القبط من قرية بمصر تسمّى حفنى بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء من عمل انصنا بالبر الشرقي من الصعيد، قاله في التوشيح تبعًا لغيره. (وابنها على البعد) عن مواطنهم التي كانوا بها وهي بيت المقدس وأرض الشام (والوحدة) بمكة مدّة، فإن إبراهيم حين أسكنهما لم يكن بها أحد (والغربة والتسليم) منها لإبراهيم بمعنى صبرها (لذبح الولد) وصبره هو بتسليم نفسه، وهذا صريح في وجود أمّه حين ذلك، بل لم تمت حتى تزوّج زوجة ثم أخرى، (آلت) رجعت (إلى ما آلت إليه من جعل آثارهما ومواطىء أقدامهما) أي: مواضع وطئهما بأقدامهما، (مناسك لعباده المؤمنين) أي: متعبّدات، فالعطف في قوله: (ومتعبّدات لهم إلى يوم الدين،) تفسيري (وهذه) الحالة من إرادته تعالى الجبر بعد الكسر ١٨٨ ذكر حفر زمزم الذبيحين سنة الله تعالى فيمن يريد رفعته من خلقه بعد استضعافه وذله وانكساره وصبره، وتلقيه القضاء بالرضا فضلاً منه، قال الله تعالى: ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين﴾ [القصص/٥]. وقد استشكل بعض الناس: أن عبد المطلب نذر نحر أحد بنيه إذا بلغوا عشرة، وقد كان تزويجه هالة أم ابنه حمزة بعد وفائه بنذره، فحمزة والعباس ولدا عبد المطلب إنما ولدا بعد الوفاء بنذره، وإنما كان أولاده عشرة بهما. قال السهيلي: ولا إشكال في هذا، فإن جماعة من العلماء قالوا: كان أعمامه عليه الصلاة والسلام اثنى عشر، فإن صح هذا، فلا إشكال في الخبر، وإن صح قول من قال: کانوا عشرة لا یزیدون، (سنّة اللَّه تعالى) عدّته (فيمن يريد رفعته من خلقه بعد استضعافه وذلّه وانكساره وصبره وتلقّيه القضاء بالرضا فضلاً منه) متّصل بقوله: هذه سنّة، واستظهر عليه بقوله: قال الله تعالى: ﴿ونرید أن نمنّ)﴾ [القصص: ٥]، نتفضّل ﴿(على الذين استضعفوا في الأرض)﴾ [القصص: ٥] بإنقاذهم من البأس ﴿(ونجعلهم أئمّة)﴾ [القصص: ٥]، متقدّمين في أمر الدين، ﴿(ونجعلهم الوارثين﴾ [القصص: ٥]، وقد استشكل بعض الناس أن عبد المطلب نذر نحر) أي: ذبح (أحد بنيه) وفي نسخة: بعض بنيه، وأخرى: نحر بنيه وهي بتقدير مضاف، أي: أحد أو بعض (إذا بلغوا عشرة، وقد كان تزويجه هالة) من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: تزويج وليّ هالة له فلا يرد أن الأولى تزوجه؛ لأن التزويج فعل الوليّ، أي: إيجابه النكاح والتزوّج قبول الزوج. (أُمّ ابنه حمزة بعد وفائه بنذره،) كما ذكره ابن إسحق والعباس: ولد قبل المصطفى بثلاثة أعوام، كما يأتي. (فحمزة والعباس ولدا عبد المطّلب، إنما وُلِدا بعد الوفاء بنذره)،) ولا نفهم أنهما شقيقان؛ لأنه سيذكر أن أُمّ العباس نتلة أو نثيلة (وإنما كان أولاده عشرة بهما، أقال السهيلي: ولا إشكال في هذا، فإن جماعة من العلماء قالوا: كان أعمامه عليه الصّلاة والسّلام اثني عشر،) التسعة السابقة والغيداق وقثم وعبد الكعبة ووالده عَّ بله فأولاد شيبة الحمد ثلاثة عشر، (فإن صحّ هذا، فلا إشكال في الخبر؛) لحمل العشرة على من عدا حمزة والعباس، لكن يشكل عليه ما صرّح به العمري: أن حمزة والمقوم وحجلاً، وزاد بعضهم: والعوامّ من هالة المفيد وجود حمزة قبل النذر. (وإن صحّ قول من قال: كانوا عشرة لا يزيدون،) ويقول الغيداق: هو حجان وعبد الكعبة هو المقوم، وقثم لا وجود له؛ فالأعمام تسعة فقط، ولم يذكر ابن قتيبة ولا ابن إسحق ولا ابن سعد غيره، فلا إشكال أيضًا. ١٨٩ ذكر حفر زمزم الذبيحین فالولد يقع على البنين وبنيهم حقيقة لا مجازًا، فكان عبد المطلب قد اجتمع له من ولده وولد ولده عشرة رجال حين وفي بنذره. ويقع أيضًا في بعض السير أن عبد الله كان أصغر بني أبيه عبد المطلب. وهو غير معروف. ولعل الرواية أصغر بني أمه، وإلا فحمزة كان أصغر من عبد الله، والعباس أصغر من حمزة. وروي عن العباس أنه قال: أذكر مولد رسول الله عَ لّه وأنا ابن ثلاثة أعوام أو نحوها، فجىء به حتى نظرت إليه، وجعل النسوة يقلن لي: قبل أخاك، فقبلته. فكيف يصح أن يكون عبد الله هو الأصغر؟! ولکن رواه البِکائي، (فالولد يقع على البنين وبنيهم حقيقة لا مجازًا وكان عبد المطلب، قد اجتمع له من ولده وولد ولده عشرة رجال حين وفى) بخفّة الفاء وشدّها (بنذره)،) وهذا أحسن لسلامته من الإشكال، (ويقع أيضًا في بعض السير) يعني: سيرة ابن إسحق رواية ابن هشام عن البكائي عنه،٥ وأبهمها لعدم اتفاق رواة ابن إسحق عليها. (أن عبد اللَّه كان أصغر بني أبيه عبد المطّلب وهو) كما قال الإمام السهيلي في الروض، (غير معروف) مشهور بينهم (ولعلّ الرواية أصغر بني أُمّه وإلا) يكن كذلك لا يصحّ (فحمزة كان أصغر من عبد اللَّه، والعباس أصغر من حمزة) ويأتي له الجواب أن معناه کان أصغر بني أبیه حین أراد ذبحه. (وروي عن العباس، أنّه قال: أذكر مولد رسول اللَّه عَ لَّه وأنا ابن ثلاثة أعوام أو نحوها، فجيء به) بالنبيّ عٍَّ إليّ (حتى نظرت إليه وجعل النسوة يقلن لي: قبل أخاك) للتأليف على العادة بين الصغار، وإن كان ابن أخيه (فقتلته،) وحيث روي هذا عن العباس (فكيف يصحّ أن يكون عبد اللَّه هو الأصغر، ولكن رواه) أي: كونه أصغر بني أبيه زياد بن عبد اللّه بن الطفيل العامري، أبو محمد الكوفي أحد رواة المغازي عن ابن إسحق، صدوق ثبت في المغازي، أثبت الناس في ابن إسحق. قال الحافظ: وفي حديثه عن غيره لين، ولم يثبت أن وكيعًا كذبه، روى له البخاري حديثًا واحدًا في الجهاد مقرونًا بغيره. وروى له مسلم والترمذي وابن ماجه، مات سنة ثلاث وثمانين ومائة، ويقال له (البكائي) بفتح الموحدة وشدّ الكاف وبعد الألف همزة نسبة إلى البكاء، وهو ربيعة بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة؛ كما في التبصير وغيره. قال في النور: وإنما لقّب ربيعة بالبّاء؛ لأنه دخل على أُمّه وهي تحت أبيه فبكى وصاح ١٩٠ ذكر تزوج عبد الله آمنة ولروايته وجه: وهو أن يكون أصغر ولد أبيه حين أراد نحره، ثم ولد له بعد ذلك حمزة والعباس. [ذكر تزوج عبد الله آمنة] ولما انصرف عبد الله مع أبيه من نحر الإبل، مؤ على امرأة من بني أُسد بن عبد العزى، وهي عند الكعبة، واسمها قتيلة - بضم القاف وفتح المثناة الفوقية - ويقال رقيقة بنت نوفل، فقالت له حين نظرت إلى وجهه، وكان أحسن رجل رىء في قريش: لك مثل الإبل التي نحرت عنك وقع علي الآن، لما رأت في وجهه ـجـ، من نور النبوة، ورجت أن تحمل بهذا النبي الكريم عليـ وقال: إنه يقتل أُمي (ولروايته وجه وهو أن يكون) عبد اللَّه (أصغر ولد أبيه حين أراد نحره، ثم ولد له بعد ذلك حمزة) من هالة (والعبّاس) من نثلة أو نثيلة، قال الخميس: وهذا أيضًا على تقدير أن أولاد عبد المطّلب اثنا عشراهـ. أي: فتكون أعمامه حين أراد نحره تسعة وأبوه عاشرهم. وقد سبق السهيلي إلى ذا الجمع أبو ذرّ الخشنيّ، فقال له قوله: أصغر بني أبيه، يعني في ذلك الوقت. قال شيخنا: وهو لا يأتي على أن الأعمام اثنا عشر، فأولاده ثلاثة عشر، فالموجودون حينئذ أحد عشر لا عشرة، إلاّ أن يكون المراد دفع النقص عن العشرة، فلا ينافي ولادة واحد بعدهم غير حمزة والعباس. ذكر تزوج عبد الله آمنة (ولما انصرف) أي: فرغ (عبد اللَّه مع أبيه من نحر الإبل مرّ على امرأة من بني أسد بن عبد العزى، وهي عند الكعبة واسمها) فيما صدر به مغلطاي (قتيلة بضم القاف وفتح المثناة الفوقية) فتحتية ساكنة فلام فهاء تأنيث، (ويقال) اسمها (رقيقة بنت نوفل) صدر به السهيلي، قال: وهي أخت ورقة بنت نوفل وتكنى أُم قتال، وبهذه الكنية ذكرها ابن إسحق في رواية يونس. قال في العيون: وكانت تسمع من أخيها أنه كائن في هذه الأمّةِ نبيّ (فقالت له حين نظرت إلى وجهه) وفيه نور المصطفى، وظنّت أن النبيّ الكائن في هذه الأُمّة منه، (وكان أحسن رجل رىء) بكسر الراء ثم همزة مفتوحة ويجوز ضمّ الراء وكسر الهمزة ثم ياء، أي: شوهد (في قريش) أدفع (لك مثل الإبل التي نحرت عنك وقع علي الآن) أي: جامعني، ولعلّه كان من شرعهم أن المرأة تزوّج نفسها بلا ولي وشهود؛ لأنها لم تكن زانية ولا مريدة له بل كانت عفيفة. قالت ذلك (لما رأت في وجهه من نور النبوّة ورجت أن تحمل بهذا النبيّ الكريم عَلَّه) فأبى اللَّه أن ١٩١ ذكر تزوج عبد الله آمنة فقال لها: أنا مع أبي، ولا أستطيع خلافه ولا فراقه، وقيل: أجابها بقوله: أما الحرام فالممات دونه والحل لا حل فأستبينه فكيف بالأمر الذي تبغينه يحمي الكريم عرضه ودينه وعند أبي نعيم والخرائطي وابن عساكره من طريق عطاء عن ابن عباس: لما خرج عبد المطلب بابنه عبد الله ليزوجه، مر به على كاهنة من تَبَالَة متهودة قد قرأت الكتب، يقال لها: فاطمة بنت مر يجعله إلاَّ حيث شاء، (فقال لها: أنا مع أبي ولا أستطيع خلافه ولا فراقه) ولو لم أكن معه لوقعت عليك لوجه جائز كتزوّجي بك أو مراده دفع كلامها، وإن لم يرد البغي بها ولا هم بها فلا يفهم أن المانع له مجرد كونه مع أبيه، (وقيل: أجابها بقوله: أما الحرام فالممات) وأنشده السهيلي بلفظ فالحمام (دونه) ومعرفته كالحلال مما بقي عندهم من شرائع إبراهيم؛ كغسل الجنابة والحج، فلا يرد أنهم كانوا في جاهلية لا يعرفون حلالاً ولا حرامًا. (والحل لا حلّ) موجود لعدم تزوّجي بك (فاستبينه،) بالنصب في جواب النفي، أي: أطلب ظهوره وأعمل بمقتضاه، (فكيف بالأمر الذي تبغينه) أي: تطلبينه لا يكون ذلك، فاستعمل كيف بمعنى النفي وهو أحد مواقعها، (يحمي الكريم عرضه) هي أموره كلّها التي يحمد بها ويذمّ من نفسه وأسلافه وكل ما لحقه نقص يعيبه خلافًا لابن قتيبة في قوله: عرض الإنسان هو نفسه لا أسلافه؛ لأن حسان ذكر عرضه وأسلافه بالعطف في قوله: فإن أبى ووالده وعرضي لعرض محمّد منكم وقاء (ودينه) يصونهما فلا يفعل شيئًا يدنسهما، (وعند أبي نعيم والخرائطي وابن عساكر، من طريق عطاء) ابن أبي رباح أسلم الجمحي مولاهم المكي أبي محمّد التابعي الوسط الحافظ الثقة العالم الفقيه إليه انتهت فتوى أهل مكّة وكان أسود أفطس أشل أعرج أعور، ثم عمى وشرفه اللَّه بالفقه وكثرة الحديث وإدراك مائتين من الصحابة، قدم ابن عمر مكة فسألوه، فقال: تسألوني . وفيكم ابن أبي رباح، مات سنة إحدى أو خمس أو سبع ومائة. (عن ابن عباس: لما خرج عبد المطلب) من مكّة بعد نحر الإبل على ظاهر سياق المصنّف، (بابنه عبد اللَّه ليزوّجه مرّ به على كاهنة من تبالة) بفتح الفوقية فموحّدة خفيفة وألف فلام مفتوحة فتاء تأنيث: موضع باليمن وآخر بالطائف، فيحتمل إرادة هذه وإرادة تلك، قاله البرهان وتبعه الشامي في الضبط، وجزم بأنه موضع باليمن وضبط بعضهم تبالة بضم التاء: سبق قلم، (متهوّدة) متمسّكة بدين اليهود، (قد قرأت الكتب، يقال لها: فاطمة بنت مرّ) بضم الميم ١٩٢ ذكر تزوج عبد الله آمنة الخثعمية، فرأت نور النبوة في وجه عبد الله فقالت له ... وذكر نحوه. ثم خرج به عبد المطلب، حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة - وهو يومئذٍ سيد بني زهرة نسبًا وشرفًا - فزوجه ابنته آمنة، وهي يومئذٍ أفضل امرأة في قريش نسبًا وموضعًا. فزعموا: أنه دخل وراء مهملة ثقيلة، زاد البرقي عن هشام الكلبي: وكانت من أجمل النساء وأعقّهنّ، (الخثعميّة) بفتح المعجمة وسكون المثلثة فعين مهملة نسبة إلى خثعم؛ كجعفر جبل وابن أنمار أبو قبيلة من معد، ذكره المجد. وظاهره: أن هذه الأوصاف وهي أنها من تبالة ومتهوّدة وخثعمية لامرأة واحدة، ووقع في سيرة مغلطاي اسمها قتيلة، وقيل: رقيقة، ويقال: فاطمة بنت مر، ويقال: ليلى العدوية، ويقال: امرأة من تبالة، ويقال: من خثعم، ويقال: كانت يهوديّة، (فرأت نور النبوّة في وجه عبد اللَّه، فقالت له وذكر نحوه،) نحو ما تقدّم من دعائه إلى نكاحها وآبائه، زاد البرقي عن هشام الكلبي: فلمّا أبى، قالت: إني رأيت مخيلة نشأت فتلألات بجنائم القطر قسماتها نور يضيء به ما حوله كإضاءة الفجر وقعت به وعمارة القفر ورأيت سقياها حيا بلد ورأيتها شرفًا ينوء به ما كل قادح زنده يوري للَّه ما زهرية سلبت منك الذي استلبت وما تدري وفي غريب ابن قتيبة: أن التي عرضت نفسها عليه ليلى العدوية، ذكره في الروض. (ثم خرج به عبد المطّلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة) بضم الزاي وسكون الهاء زعم ابن قتيبة والجوهري أنها أُمّه وأبوه كلاب. قال السهيلي: وهذا منكر غير معروف، وفي الفتح المشهور عند جميع أهل النسب أن زهرة اسم الرجل، وشذّ ابن قتيبة فزعم أنه اسم امرأته وأن ولدها غلب عليهم النسبة إليها، وهو مردود بقول إمام أهل النسب هشام الكلبي اسم زهرة المغيرة، (وهو يومئذ سيّد بني زهرة نسبًا وشرفًا، فزوّجه ابنته آمنة) قاله ابن عبد البرّ وجماعة منهم عبد الملك بن هشام عن البكائي عن ابن إسحق، وقيل: كانت في حجر عمّها وهيب وهو المزوّج لها. قاله ابن إسحق في رواية واقتصرٍ عليه اليعمري. (وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبًا) من جهة الأب، (وموضعًا) من جهة الأمّ، فأَمّها بنت عبد العزّى بن عثمن بن عبد الدار ابن قصي وأُمّ ◌ُتها أُمّ حبيب بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي؛ كما فصّله ابن إسحق، فليس قوله: وموضعًا عطف تفسير، كما زعم. (فزعموا) كما قال ابن إسحق (أنه دخل ١٩٣ ذكر تزوج عبد الله آمنة عليها عبد الله حين ملكها مكانه، فوقع عليها يوم الاثنين من أيام منى، في شعب أبي طالب عند الجمرة، فحملت برسول الله عَُّله. ثم خرج من عندها فأتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضت، فقال لها: مالك لا تعرضين علي اليوم ما عرضت عليّ بالأمس، فقالت: فارقك النور الذي كان معك بالأمس، فليس لي بك اليوم حاجة، إنما أردت أن يكون النور في فأبى الله، إلا أن يجعله حيث شاء. تنبيه عليها عبد اللَّه حين ملكها) أي: تزوّج بها (مكانه فوقع عليها) جامعها، زاد الزبير بن بكار (يوم الاثنين من أيام منى،) وقيل: من شهر رجب، (في شعب أبي طالب عند الجمرة) أي: الوسطى، كما هو المنقول عن الزبير، قال النجم: وهذا موافق لمن ذهب إلى أن ميلاده في رمضان، وأمّا القول بأنه في رجب، فمنطبق على أن ميلاده في ربيع، (فحملت برسول اللَّه عَ لّ) وزعم الحاكم أبو أحمد أن سنّ عبد اللَّه حينئذ كان ثلاثين سنة، ويأتي أن الصحيح خلافه، وقد جزم السهيلي بما لفظه: وكان بينه عَّه وبين أبيه ثمانية عشر عامًا اهـ. (ثم خرج من عندها) بعدما أقام عندها ثلاثًا، وكانت تلك السنة عندهم إذا دخل الرجل على امرأته في أهلها، نقله اليعمري عن محمّد بن السائب الكلبي، (فأتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضت.) قال في النور: تقدّم الكلام على هذه المرأة اهـ. فهو صريح في أنها المختلف فيها الاختلاف السابق. (فقال لها: ما لك لا تعرضين عليّ اليوم ماعرضت عليّ بالأمس؟ قالت: فارقك النور الذي كان معك بالأمس، فليس لي بك) بوقاعك (اليوم حاجة؛) لأنني (إنما أردت أن يكون النور فيّ) بشدّ الياء، (فأبى الله إلا أن يجعله حيث شاء،) وقد روي عن العباس: أنه لما بنى عبد اللَّه بآمنة أحصوا مائتي امرأة من بني مخزومٍ وبني عبد مناف متن ولم يتزوّجنَّ أَسفًا على ما فاتهن من عبد اللَّه، وأنه لم تبقَ امرأة في قريش إلاّ مرضت ليلة دخل عبد اللّه بآمنة. تنبيه ما أفاده ظاهر المصنّف من أن تزوّجه بآمنة عقب انصرافه من نحر الإبل هو مفاد ابن إسحق. وفي تهذيب ابن هشام واليعمري في العيون هنا. لكن روى ابن سعد وابن البرقي والطبراني والحاكم عن ابن عباس عن أبيه: أن عبد المطّلب لما سافر إلى اليمن في رحلة الشتاء، نزل على حبر من اليهود يقرأ الزبور، فقال: يا عبد المطّلب بن هاشم ائذن لي أنظر إلى بعضك، قلت: انظر ما لم تكن عورة، قال: ففتح إحدى منخريه فنظر فيه ثم نظر في الآخر، فقال: أشهد أن في إحدى يديك ملكًا وفي الأخرى نبوّة، وإنا نجد ذلك في بني زهرة، قال: ١٩٤ حمل آمنة برسول الله مَّه وعجائب ما رأت ولما حملت آمنة برسول الله عَ ليه ظهر لحمله عجائب، ووجد لإيجاده غرائب. فذكروا أنه لما استقرت نطفته الزكية، ودرته المحمدية في صدفة آمنة القرشية نودي في الملكوت ألك زوجة؟ قلت: أمَّا اليوم فلا، فقال: فإذا رجعت فتزوّج منهم، فلما رجع تزوّج بهالة فولدت له حمزة وصفيّة، وزوّج عبد اللَّه بآمنة، أي: ابنة عمها، فولدت له رسول اللَّه عَّ له، فقالت قريش: فلج عبد اللَّه على أبيه، وهو بفتح الفاء واللام والجيم، أي: ظفر بما طلب، وفيه شيئان: أحدهما ظاهرة قوله: نجد ذلك في بني زهرة، ورجوع اسم الإشارة للملك والنبوّة مع أن الملك إنما كان في بني العباس وأُّه ليست بزهرية، بل من بني عمرو بن عامر؛ كما مرّ، فيتعيّ عود الإشارة إلى النبوّة فقط. الثاني: قوله: أمّا اليوم فلا، مع ما ذكره اليعمري وغيره أن ضرارًا كان شقيق العباس المفيد وجود أُمّه قبل قصة الذبح، فيمكن أن قوله: أمَّا اليوم، أي: هذا الزمن فلا زوج معي بهذه الأرض، فلا ينافي أن له زوجة بغيرها، ثم لا ينافي هذا مفاد المصنّف والجماعة لجواز أنّه لما رجع من اليمن رأى الرؤيا ووقعت قصة الذبيح، فلما انصرف منها تزوّج وزوّج ابنه، والعلم عند اللَّه. ولمّا ذكر المصنّف أنه حين بنى بها حملت به عَّهِ، أراد ذكر بعض ما حصل في حملها إظهارًا لشرف المصطفى مصدرًا ذلك بشذا عقبة صوفية، فقال: (ولما حملت آمنة برسول اللَّه عَّ ظهر لحمله) اللام للتوقيت، أي: في مدّته كلها (عجائب) فليس المراد عند ابتدائه فقط (و)لمَّا وجد (وجد لإيجاده) أي: ظهوره في العالم بولادته وغاير تفنّنًا (غرائب) وإذا أردت معرفتها (ف)نقول (ذكروا أنه لما استقرّت نطفته) التي خلق منها، فالإضافة لأدنى ملابسة (الزكية) الطاهرة النامية الممدوحة (ودرته) بضم الدال عطف تفسير إشارة إلى أن نطفته كالدرة التي هي اللؤلؤة العظيمة في النفاسة، ووصفها بقوله: (المحمديّة) بمعنى المحمودة مبالغة في كمالها (في صدفة) بفتحتين غشاء الدرّ جمعها صدف، أي: رحم (آمنة القرشية) فشبّه رحمها لاشتماله على نطفته بالصدفة المشتملة على اللؤلؤ استعارة تصريحية، وفي نسخة: صدف بدون هاء، فجعل كل جزء من أجزاء نطفته درة وكل جزء من أجزاء محلها صدفة مبالغة وتعظيمًا، أو جعل محل الولد لكونه مبدأ أو محلاً لمن هو بمنزلة جميع العالم بل أعظم أرحامًا كثيرة فشبّهها بالصدف، واستعار لها اسمه استعارة تصريحية. (نودي) المنادي ملك على ما يأتي (في الملكوت) اسم مبني من الملك؛ كالجبروت والرهبوت من الجبر والرهبة، قاله في النهاية. وقال الراغب: أصل الجبر إصلاح الشىء بضرب من ١٩٥ حمل آمنة برسول اللَّه عَِّ وعجائب ما رأت ومعالم الجبروت، أن عطروا جوامع القدس الأسني، وبخروا جهات الشرف الأعلى، وافرشوا سجادات العبادات في صفف الصفاء لصوفية الملائكة المقربين، أهل الصدق والوفاء، فقد انتقل النور المكنون إلى بطن آمنة ذات العقل الباهر، والفخر المصون، قد خصها الله تعالى القريب المجيب بهذا السيد المصطفى الحبيب، لأنها أفضل قومها حسبًا، وأنجب وأزكاهم أخلاقًا وفرعًا وأطيب. القهر، وقد يقال الجبر في الإصلاح المجرد؛ كقول علي: يا جابر كل كسير ومسهل كل عسير، وتارة في القهر المجرد، ولعلّ الثالث مراد قول النهاية من الجبر. (ومعالم) جمع معلم (الجبروت) فعلوت من التجبّر، قاله الراغب. والمراد: نودي في أُفق السماء بذلك؛ لأنها الذي يظهر فيها كمال ملك اللَّه وقهره؛ لأن أهلها الملائكة عالمون بذلك فهم دائمًا في مقام الخشية والإجلال؛ كما قال تعالى: ﴿لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون﴾ [الأنبياء: ١٩]، (أن عطروا جوامع القدس) بضمّتين وسكون الدال الطهارة، (الأسنى) الأشرف من السناء بالمدّ الرفعة، والمعنى: طيّبوا أماكن الطهارة الشريفة، (وبخّروا جهات الشرف الأعلى) عطف تفسير على سابقه، والمراد منهما: أظهروا علامات التعظيم في السموات وما حولها فرحًا بمحمّد عَّه. (وافرشوا) بضم الراء وكسرها، كما في المصباح (سجادات) جمع سجادة، قال الجوهري: خمرة بالضم صغيرة تعمل من سعف النخل وترمل بالخيوط، (العبادات في صفف) بضم الصاد وفتح الفاء جمع صفة (الصفاء) بالمدّ، ضد الكدر (لصوفية) كلمة مولّدة؛ كما في المصباح، نسبة للتصوّف وهو تجريد القلب للَّه واحتقار ما سواه بالنسبة لعظمته سبحانه، وإلا فاحتقار نحو نبي كفر، وقيل غير ذلك حتى أوصلها بعضهم زهاء ألف قول، (الملائكة المقرّبين أهل الصدق والوفاء) والمراد: تهيّؤا للعبادة وإظهار السرور بالمصطفى؛ لأنه يظهر الحقّ ويبطل الباطل (فقد) الفاء تعليلية، أي: افعلوا ذلك؛ لأنه قد (انتقل النور المكنون) المستور المخفي عن الأعين المدّر في الأصلاب من آدم إلى عبد اللَّه (إلى بطن آمنة ذات العقل الباهر) الظاهر الغالب لغيره، بحيث قيل: أعطاها اللَّه من الجمال والكمال ما كانت تدعى به حكيمة قومها، (والفخر) المباهاة بالمكارم من حسب ونسب، (المصون) بوزن مفعول على نقص العين؛ كما في المصباح، أي: المحفوظ عما يشينه (قد خصَّها اللَّه تعالى القريب المجيب) من بين النساء التي تعلقنَّ بتزويج عبد اللَّه (بهذا السيّد المصطفى الحبيب) وعلّل تخصيصها بذلك؛ (لأنها أفضل قومها حسبًا وأنجب وأزكاهم أخلاقًا وفرعًا وأطيب) فلم تنجب امرأة قطّ مضارع من أنجبت، ولا فرعت في نساء الدنيا مشابه من فرعت: من لحواء أنّها حملت أحمــد أو أنها به نفساء ١٩٦ حمل آمنة برسول اللَّه عَّهِ وعجائب ما رأت وقال سهل بن عبد الله التستري فيما رواه الخطيب البغدادي الحافظ: لما أراد الله تعالى خلق محمد عَّلّه في بطن آمنة، ليلة رجب، وكانت ليلة جمعة، أمر الله تعالى في تلك الليلة رضوان خازن الجنان، أن يفتح الفردوس، · وحاصل المعنى: أنه تعالى لما اختار لصفوة خلقه من أصوله في كل عصر أشرفه، وكانت آمنة أفضل قومها جعلها معدنًا لظهور نوره وتكوّنه. وقال) بواو الاستئناف المبينة لما أخبر به في قوله: فذكروا، فلا يرد أنه دليل على ما قدّمه فيجب حذف الواو؛ لأن الدليل لا يعطف. (سهل ابن عبد اللَّه) بن يونس بن عبد الله بن رفيع (التستري) الصالح المشهور الذي لم يسمع بمثله الدهر علمًا وورعًا، صاحب الكرامات الشهيرة المتوفى سنة ثلاث وسبعين ومائتين بالبصرة، وولد سنة مائتين أو إحدى ومائتين بتستر بضم الفوقية الأولى وفتح الثانية بينهما مهملة ساكنة آخره راء مهملة، كما ضبطه النووي وغيره، وحكي ضم الفوقيتين، وفتح الأولى وضمّ الثانية مدينة بالأهواز أو بجوزستان، ويقال أيضًا: شيشتر بمهملتین ومعجمتين. (فيما رواه الخطيب البغدادي الحافظ) أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت صاحب التصنيف الإمام الكبير محدث الشام والعراق المتقن الضابط العالم بصحيح الحديث وسقيمه المتعنّت في علله وأسانيده، ولد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة وعني بالحديث ورحل فيه إلى الأقاليم، وسمع أبا الصلت الأهوازي وأبا عمر بن مهدي وخلقًا، وحدّث عنه البرقاني أحد شيوخه وابن ماكولا وخلق وقرأ البخاري على كريمة بمكة في خمسة أيام، وعلى إسمعيل الحيري في ثلاثة مجالس ذكره الذهبي، وقال: هو أمر عجب، وتوفي ببغداد سابع ذي الحجّة سنة ثلاث وستّين وأربعمائة، ودفن عند بشر الحافي؛ لأنه شرب ماء زمزم على ذلك، وإملائه بجامع المنصور، وتحديثه بتاريخ بغداد، فقضي له بالثلاثة. (لما أراد اللَّه تعالى خلق محمّد عَّ في بطن آمنة ليلة) أوّل (رجب)، وهذا كما مر عن النجم منطبق على أن ميلاده في ربيع، يعني: على أحد الأقوال الآتية أن مدّة الحمل ثمانية أشهر، ورجب من الشهور مصروف؛ كما في المصباح، وذكر التفتازاني منعه أن أُريد به معين كصفر ووجه بأنه معدول عن الصفر والرجب فمنعًا للعلمية والعدل أو العلمية والتأنيث باعتبار المدّة. (وكانت ليلة جمعة) لا ينافي ذلك أن أطواره يوم الاثنين؛ لأن ذلك في الأطوار الظاهرة، كالولادة وما هنا فيما قبلها. (أمر اللَّه تعالى في تلك الليلة رضوان خازن الجنان أن يفتح الفردوس) الذي هو أعلى ١٩٧ حمل آمنة برسول اللَّه عَّه وعجائب ما رأت ونادى مناد في السموات والأرض: ألا إن النور المخزون المكنون الذي يكون منه النبي الهادي، في هذه الليلة يستقر في بطن آمنة الذي يتم فيه خلقه ويخرج إلى الناس بشيرًا ونذیرًا. وفي رواية كعب الأحبار: أنه نودي تلك الليلة في السماء وصفاحها، والأرض وبقاعها، أن النور المكنون الذي منه رسول الله عَّةٍ في بطن آمنة، فيا طوبى لها ثم يا طوبى، وأصبحت يومئذٍ أصنام الدنيا منكوسة، وكانت قريش في جدب شديد، وضيق عظيم، فاخضرت الأرض وحملت الأشجار، وأتاهم الرفد من كل جانب، فسميت تلك السنة التي حمل فيها برسول الله عَ ◌ّه سنة الفتح والابتهاج. وطوبى: الطيب والحسنى والخير والخِيرَة. درجات الجنَّة، وأعلاه الوسيلة إظهارًا لكرامته عَّةِ، (ونادى منادٍ في السموات والأرض: ألاَ إن النور المخزون المكنون) صفة لازمة (الذي يكون منه النبيّ الهادي) بإثبات الياء أصح من حذفها، (في هذه الليلة يستقرّ في بطن آمنة الذي يتمّ فيه خلقه،) أي: في البطن وهو خلاف الظهر مذكر؛ كما في القاموس. (ويخرج إلى الناس بشيرًا ونذيرًا) أي: موصوفًا بهما عند اللَّه وإن تأخّر وقوعهما في الخارج إلى بعثته أو حال منتظرة، فلا يرد أنهما إنما يكونان بعد البعثة وليست مقارنة لخروجه. (وفي رواية كعب الأحبار: أنه نودي تلك الليلة) التي حمل فيها بالمصطفى (في السماء وصفاحها) أي: جوانبها، (والأرض وبقاعها) أي: أجزائها وكأن الغرض من عطف الصفاح والبقاح الإشارة إلى تعميم مواضع النداء، (أن النور المكنون الذي منه رسول اللَّه)) أي: تصوّر منه جسده (َّةِ) انتقل (في بطن أَمّه، فيا طوبى لها، ثم يا طوبى) تأكيد لما قبله، (وأصبحت يومئذ أصنام الدنيا) جميعها (منكوسة،) أي: مقلوبة على رؤوسها (وكانت قريش في) زمن (جدب) بدال مهملة ضد الخصب، (شديد وضيق عظيم) شدّة وكرب عطف مسبب على سبب، أي: إن عدم الخصب كان سببًا في شدّة أمرهم، (فاخضرّت الأرض وحملت الأشجار وأتاهم) بالقصر (الرفد) بكسر الراء: الخير الكثير، (من كل جانب، فسمّيت تلك السنة التي حمل فيها برسول اللَّه عَلَّه. سنة الفتح و) سنة (الابتهاج) أي: السرور (وطوبى) في قوله: فطوبى لها ثم يا طوبى، المراد بها لههنا (الطيب) فواوها بدل من الياء، (والحسنى والخير والخيرة.) قال المصباح: بكسر الخاء وفتح الياء التخيّر، وبفتح الخاء وسكون الياء الفاضلة من كل شىء، وبكسر الخاء وسكون الياء: ١٩٨ حمل آمنة برسول اللَّه عَ ◌ّهِ وعجائب ما رأت قاله في القاموس. وقال غيره: فرح وقرة عين. وقال الضحاك: عطية. وقال عكرمة: نِعَم. وفي الحديث طوبى للشام فإن الملائكة باسطة أجنحتها عليها فالمراد بها هنا: (فعلى)) من الطيب وغيره مما ذكر، لا الجنة ولا الشجرة. وفي حديث ابن إسحق: أن آمنة كانت تحدث: أنها أتيت الاختيار، (قاله في القاموس) المحيط، أي: البحر في جملة معان ذكرها، اقتصر منها المصنّف على ما نقله؛ لأنه المناسب عنده. (وقال غيره) المراد بها (فرح وقرّة عين، وقال الضحاك) بن مزاحم الهلالي البلخي نسبة إلى بلخ مدينة بخراسان المفسّر ضعفه يحيى بن سعد ووثّقه أحمد وابن معين وأبو زرعة وغيرهم، وفي التقريب: صدوق كثير الإرسال، روى له أصحاب السنن الأربعة توفي سنة خمس، وقيل: ستّ ومائة. (عطية، وقال عكرمة) بن عبد اللَّه البربري مولى ابن عباس، أبو عبد اللَّه المدني المفسّر الحافظ المتوفى سنة خمس أو ستّ أو سبع ومائة، (نعم) جمع نعمة، (وفي الحديث) الذي رواه الترمذي عن زيد بن ثابت عن النبيّ عَّهِ ((طوبى للشام) بهمزة ساكنة ويخفّف بحذفها، وفي لغة شآم بالمدّ، حكاها جماعة. قال في المطالع: وأباها أكثرهم والمشهور أنه مذ کر، وقال الجوهري: يذكّر ويؤنث. وفي تاريخ ابن عساكر: دخل الشام عشرة آلاف عين رأت النبيّ عَّله، (فإن الملائكة باسطة أجنحتها عليها))،) استدلال على أن طوبى تطلق على غير الجنة والشجرة؛ (فالمراد بها هنا) في قوله: فيا طوبى لها (فعلى من الطيب، وغيره مما ذكر) من فرح وقرّة عين وعطية ونعم (لا الجنة ولا الشجرة؛) لأنها كانت زمن حملها في جاهلية، وإنما الجنَّة والشجرة للمؤمنين، قال صاحب الخميس: ويحتمل أن تفسّر بالجنة والشجرة، انتهى. أي: لأنها من أهل الفترة وليسوا كلّهم بمعذبين، ولأن المختار أن أبويه عَِّ ناجيان، فما آل أمرهما إلى الجنَّة والشجرة وهذه البشارة من الملك فلا مانع أن اللَّه أعلمه بمآل أمرها، فبشرها بذلك. (وفي حديث ابن إسحق) إمام المغازي في سيرته بلفظ: ويزعمون فيما يتحدّث الناس (أن آمنة كانت تحدث أنها أتيت) بضمّ الهمزة مبني لما لم يسمّ فاعله، أي: رأت في المنام، قاله في النور ونحوه قول الشامي هي رؤيا منام وقعت في الحمل، وأمّا ليلة المولد فرأت ذلك ١٩٩ حمل آمنة برسول اللَّه عَّهِ وعجائب ما رأت حين حملت به عَّهِ فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، وقالت: ما شعرت بأني حملت به، ولا وجدت له ثقلاً، ولا وحمًا، كما تجد النساء إلا أني أنكرت رفع حيضتي، وأتاني آت وأنا بين النائمة واليقظانة فقال: هل شعرت بأنك قد حملت بسيد الأنام، ثم أمهلني حتى إذا دنت ولادتي أتاني فقال لي: قولي: أعيذه بالواحد من شر كل حاسد ثم سميه محمدًا. وفي رواية غير ابن إسحق: وعلقي عليه هذه التميمة، رؤية عين. (حين حملت بالنبيّ ◌َِّ، فقيل لها: إنك حملت بسيّد هذه الأُمّة،) بل بسيّد الأوّلين والآخرين وقصّره على هذه الأمّة؛ لأن سيادته بالأمر والنهي إنما وجدت فيها، (وقالت) آمنة أيضًا مما رواه ابن إسحق مسندًا لا من تتمة ما قبله، ومن ثم لم يعطفه المصنّف بالفاء، (ما شعرت) قال النور: بفتح أوّله وثانيه، أي: علمت (بأني حملت به ولا وجدت له ثقلاً) بكسر المثلثة وفتح القاف وتسكن للتخفيف؛ كما في المصباح والقاموس، وعند الواقدي كما في العيون: ثقلة، قال في النور: بفتح المثلثة والقاف، تقول: وجدت ثقلة في جسدي، أي: ثقلاً وفتورًا، حكاه الكسائي. (ولا وحمًا) بفتحتين مصدر وحم بكسر الحاء؛ كما في المختار، أي: شهوة الحبلى. (كما تجد النساء إلا أني أنكرت رفع حيضتي) بكسر الحاء هنا الاسم من الحيض والحالة التي تلزمها الحائض من التجنّب والتحيض كالجلسة، وأما بالفتح فالمرة الواحدة من دفع الحيض ونوّه به، قاله البرهان وتبعه الشامي وهو ظاهر؛ لأن الإنكار للهيبة الحاصلة للحائض عند نزول الدم من الضعف المقارن لنزوله أو المتقدّم عليه الدال على حصوله، (وأتاني آت وأنا بين النائمة واليقظانة) بفتح الياء وسكون القاف، والذي عند ابن إسحق: وأنا بين النوم واليقظة، أو قالت: بين النائمة واليقظانة، ورواه الواقدي كما في العيون بلفظ: بين النائم واليقظان، قاله الشامي تبعًا للبرهان: ذكرت آمنة اللفظين على إرادة الشخص. (فقال: هل شعرت) علمت (بأنك قد حملت بسيّد الأنام، ثم أمهلني حتى إذا دنت) قربت (ولادتي أتاني، فقال لي: قولي) إذا وضعتيه (أُعيذه) أطلب عصمته وحفظه (بالواحد) في ذاته وأسمائه وصفاته (من شرّ كل حاسد، ثم سمّيه محمّدًا) ولا يلزم من أمرها بالتسمية أن لها ولايتها بل وافقها جدّه حين أخبرته؛ كما صرّح به المصنّف في المقصد الثاني تبعًا للسهيلي هنا، فقالا ما حاصله: سمّاه جدّه محمّدًا لرؤيا رآها مع ما حدّثته به أَمّه حين قيل لها: إذا وضعتيه فسمّيه محمّدًا، ثم هذا الذي قلناه كله رواية ابن إسحق. (وفي رواية غير ابن إسحق: وعلّقي عليه هذه التميمة،) سمّاها تميمة لمشابهتها لها في ٢٠٠ حمل آمنة برسول اللَّه عٍَّ وعجائب ما رأت قالت فانتبهت وعند رأسي صحيفة من ذهب مكتوب فيها هذه النسخة. أعيذه بالواحد من شر كل حاسد وكل خلق رائد من قائم وقاعد عن السبيل حائد على الفساد جاهد وكل خلق مارد من نافث وعاقد في طرق الموارد يأخذ بالمراصد قال الحافظ عبد الرحيم العراقي: التعليق وإلا فأصلها كما في القاموس: خرزة رقطاء تنظم في السير ثم تعقد في العنق، جمعها تمائم وتميم. (قالت: فانتبهت وعند رأسي صحيفة،) قطعة (من ذهب مكتوب فيها هذه النسخة) هي لغة الكتاب المنقول، لكن المراد هنا مكتوب فيها أحرف قوله: (أُعيذه بالواحد من شرّ كل حاسد، وكل خلق) مخلوق (رائد) طالب للسوء، وأصله المرسل لطلب الكلأ (من قائم وقاعد) تعميم الرائد (عن السبيل) الطريق السويّ (حائد) مائل صفة ثانية الخلق (على الفساد) صفة ثالثة (جاهد) متحمّل للمشقّة في تحصيله، حتى كأنه استُعليّ عليه (من نافث) ساحر (وعاقد) يعقد عقدًا في خيط وينفخ فيها بشىء يقوله بلا ريق أو معه، وهذا بيان لجاهد فلا يرد أن الأولى الإتيان بالواو، أي: وأعيذه من كل نافث، (و)أَعيذه من (كل خلق مارد) عاتٍ متجبّر (يأخذ بالمراصد) جمع مرصد كمذهب موضع الرصد والراصد للشىء الراقب له، وبابه نصر كما في المختار والجملة صفة مارد أو خلق، (في طرق الموارد) المواضع التي يجتمع فيها الناس طرق المياه المقصودة للاستقاء. (وقال الحافظ عبد الرحيم العراقي) أبو الحسين الأثري الإمام الكبير العلم الشهير، ولد في جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وعني بالفن فبرع فيه وتقدّم بحيث كان شيوخ عصره يبالغون في الثناء عليه بالمعرفة؛ كالسبكي وابن كثير والعلائي وغيرهم، ونقل عنه الجمال الإسنوي في المهمات ووصفه بحافظ العصر وله مؤلفات في الفن بديعة، قال تلميذه الحافظ ابن حجر: وشرع في إملاء الحديث من سنة ستّ وتسعين فأحيا اللَّه به السنّة بعد أن كانت دائرة، فأملى أكثر من أربعمائة مجلس غالبها من حفظه متقنة مهذّبة، محررة كثيرة الفوائد الحديثية، قال: وكان جميل الصورة، منوّر الشيبة، كثير الوقار، نزر الكلام، سليم الصدر، كثير الحياء لا يواجه أحدًا بما يكره ولو آذاه، صالحًا متواضعًا، ضيق المعيشة، كثير التلاوة إذا ركب، حسن النادرة والفكاهة، لا يترك قيام الليل بل صار له كالمألوف، مات في شعبان سنة ستّ