النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
وسئل أعرابي: لم تسمون أبناءكم بشر الأسماء، نحو كلب وذئب،
وعبيدكم بأحسن الأسماء، نحو رزق ومرزوق ورباح؟ فقال: إنما نسمي أبناءنا
لأعدائنا وعبيدنا لأنفسنا. يريدون أن الأبناء عدة للأعداء، وسهام في نحورهم،
فاختاروا لهم هذه الأسماء.
واسم كلاب: حكيم، وقيل: عروة.
ابن مرة.
(وسئل أعرابيّ) هو كما في الروض: أبو الدقيش، وفي الصحاح: قال يونس لأبي الدقيش
الشاعر: ما الدقيش؟ قال: لا أدري، هي أسماء نسمعها نتسمّى بها. وفي حياة الحيوان: الدقش -
بضم الدال المهملة وفتح القاف -: طائر صغير، (لم تسمّون أبناءكم بشرّ الأسماء نحو كلب
وذئب، وعبيدكم بأحسن الأسماء، نحو: رزق ومرزوق ورباح) بموحدة (فقال: إنما نسمّي أبناءنا
لأعدائنا وعبيدنا لأنفسنا، يريد) الأعرابي (أن الأبناء عدة للأعداء،) بضم العين: ما أُعدّ لحوادث
الدهر من مال وسلاح؛ كما في المختار. (وسهام في نحورهم) جمع نحر: موضع القلادة من
الصدر، ويطلق على الصدر أيضًا عطف خاص على عام على أن معنى العدّة ما صدق عليه
مفهوم ما أعددته ... الخ. أو عطف جزء على كل إن أريد بالعدة مجموع ما يدخّر من مال
وسلاح، وعلى كل هو تشبيه بليغ، أي: كعدة أو استعارة على نحو زيد أسد. (فاختاروا لهم هذه
الأسماء) دون عبيدهم؛ لأنهم لا يقصد منهم قتال غالبًا بل كان عارًا عند العرب، (واسم كلاب
حكيم) بفتح الحاء وكسر الكاف وقدمه مغلطاي في الإشارة، وصحّحه المحب بن الشهاب بن
الهائم، ويقال: الحكيم بزيادة أل، (وقيل: عروة) حكاه مغلطاي وغيره الفتح.
ذكر ابن سعد: أن اسمه المهذب، وزعم محمّد بن أسعد: أن اسمه حكيم، وقيل: عروة،
فحكى ما قدمه المصنف بلفظ زعم وصدر بغيره، فكأنه اعتمد تصحيح ابن الهائم وتقديم
مغلطاي، قال الحافظ: ولقب بكلاب لمحبته كلاب الصيد، وكان يجمعها فمن مرّت به فسأل
عنها، قيل هذه كلاب ابن مرة، وقال المصنف: لمحبته الصيد، وكان أكثر صيده بالكلاب، قاله
المهلب وغيره: (ابن مرّة) بضم الميم منقول من وصف الرجل بالمرارة، وقوّاه السهيلي فالتاء
للمبالغة أو من وصف الحنظلة والعلقمة فالتاء للتأنيث، كذا في السبل. وفي المختار: العلقم
شجر مرّ، ويقال للحنظل ولكل مرّ علقم.
قال شيخنا: فالمناسب أن يقول من وصف الحنظل والعلقم بغير تاء أو بالتاء فلا يكون
للتأنيث بل للوحدة، أو من اسم نبات مخصوص وهو بقّة تقطع فتؤكل بالخلّ أو من قولهم: مر

١٤٢
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
ابن كعب، وهو أول من جمع العروبة، وكانت تجتمع إليه قريش في هذا
اليوم، فيخطبهم ويذكرهم بمبعث النبي معَّه ويعلمهم بأنه من ولده، ويأمرهم باتباعه
والإيمان به، وينشد في ذلك أبياتًا منها قوله:
يا ليتني شاهد فحواء دعوته
الشىء، إذا اشتدّ مرارته أو من القوّة، وعليهما فالظاهر: أن الهاء للمبالغة فمرجعهما والأول واحد،
وله ثلاثة أولاد كلاب وتيم ومن نسله الصدّيق وطلحة ويقظة، وبه یکنی.
(ابن كعب) قال السهيلي: سمّي بذلك لستره على قومه ولين جانبه لهم، منقول من كعب
القدم، وقال ابن دريد وغيره: من كعب القناة سمي بذلك لارتفاعه وشرفه فيهم، فكانوا يخضعون
له حتى أرخوا بموته، قال الفتح، أي: إلى عام الفيل فأرخوا به، ثم بموت عبد المطّلب، وقيل: من
الكعب الذي هو قطعة السمن الجامد. (وهو) أي: كعب (أوّل من جمع) الناس لمجرد الوعظ،
(العروبة) بفتح المهملة وضم الراء وبالموحدة، ولم يكن ثمّ صلاة يجمعهم إليها من الأعراب
التحسين لتزين الناس فيه، قال النحاس: لا يعرفه أهل اللغة بالألف واللام، وإلا شاذًا، قال: ومعناه
المبين المعظم من أعرب إذا بيّن، ولم يزل يوم الجمعة معظمًا عند أهل كل ملة اهـ.
وقال أبو موسى في ذيل الغريبين: الأفصح أن لا تدخله أل وكأنه ليس بعربي اهـ. وهو
اسم يوم الجمعة في الجاهلية اتّفاقًا اختلف في أن كعبًا سمّاه الجمعة لاجتماع الناس إليه فيه،
وبه جزم الفرّاء وثعلب وغيرهما وصحّح، أو إنما سمّي بعد الإسلام، وصحّحه ابن حزم، وقيل:
أوّل من سماه به أهل المدينة لصلاتهم الجمعة قبل قدومه عَّ له مع أسعد بن زرارة أخرجه عبد بن
حمید عن ابن سيرين، وقيل غير ذلك.
(وكانت تجتمع إليه قريش في هذا اليوم، فيخطبهم) يعظمهم، وكان فصيحًا خطيبًا،
وكان يأمرهم بتعظيم الحرم ويخبرهم سيبعث فيهم نبيّ، أخرجه الزبير بن بكار عن أبي سلمة بن
عبد الرحمن مقطوعًا، وفي أمالي ثعلب: أنه قصيًّا كان يجمعهم؛ كما مر ولا خلاف. (ويذكّرهم
بمبعث النبيّ عَّهُ ويعلمهم بأنه من ولده،) وعلمه هو به من الوصية المستمرة من آدم أن من كان
فيه ذلك النور لا يضعه إلا في المطهرات؛ لأن ختام الأنبياء منه، وقد علمه ظاهرًا فيه قائمًا به أو
من الكتب القديمة: أن من كان بصفة كذا كان محمّد من ولده، ووجد تلك الصفة فيه، والأول
أظهر. (ويأمرهم باتّباعه) إن أدركوه (والإيمان به) عطف تفسير، فاتّباعه الإيمان به، (وينشد في
ذلك) أي معه (أبياتًا منها قوله: يا ليتني شاهد) حاضر (فحواء) بفاء فحاء مهملة ممدود فقط
للوزن وفيه القصر أيضًا، أي: معنى (دعوته) الناس إلى الإيمان، وفي نسخة: نجواء بنون وجيم
والمد للضرورة من إضافة الصفة للموصوف، أي: دعوته السرّ إشارة إلى ما وجد في ابتداء

١٤٣
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
إذا قريش تبغي الحق خذلانا
ابن لؤي، تصغير اللأي بوزن عصا، وهو الثور،
ابن غالب
ابن فهر، واسمه قريش، وإليه تنسب قريش، فما كان فوقه فكناني لا قرشي
الدعوة من الخفاء قبل الأمر بالصدع، وفي نسخة: فحواء؛ كالأولى طلعته بطاء ولام وعين. (إذا
قريش تبغي) بضم الفوقية وفتح الموحدة وكسر الغين المعجمة من بغاه الشىء بالتخفيف طلبه
شدّد مبالغة، وفي نسخة: حين العشيرة تبغي بفتح فسكون فكسر مخفّفًا من بغاه الشىء: طلبه له.
(الحق خذلانًا) والمراد: أنه يتمنّى إدراك زمن دعوته عَّ للناس، وقريش يعارضونه
ويطلبون خذلان دينه، لينصره ويظهر دينه وهذا الذي أورده المؤلّف في كعب - رواه أبو نعيم في
الدلائل عن كعب الأحبار مطوّلاً، وفي آخره: وكان بين موت كعب ومبعث النبيّ عَِّ خمسمائة
سنة وستون سنة. (ابن لؤيّ) بضم اللام والهمزة ويسهل بإبدال همزته واوًا، وفي النور والإرشاد:
الهمز أكثر عند الأكثرين. (تصغير اللأي،) قال ابن الأنباري: تصغير لأي (بوزن عصا) واللأي الثور،
قال: ويحتمل أنه تصغير لأي بوزن عبد وهو البطء بالهمز ضد العجلة، ويؤيّده قوله:
فدونكمو بني لأي أخاكم ودونك مالكًا يا أُمّ عمرو
انتهى. واختار السهيلي الثاني، وقد قال الأصمعي: هو تصغير لواء الجيش زيدت فيه
الهمزة، وقيل: منقول من لوى الرمل مقصورًا، وفي القاموس: ولأي اسم تصغير لؤي ومنه
لؤي بن غالب. قال شيخنا: اقتصر عليه؛ لأن النقل عن الاسم أولى من اسم الجنس وإلا
فكل تلك الألفاظ صالح للتصغير. (وهو) كما قال ابن الأنباري وجماعة (الثور) الوحشي، وقال
أبو حنيفة: اللأي البقرة، وكنيته أبو كعب وكان له سبعة ذكور. (ابن غالب) بالمعجمة وكسر
اللام منقول من اسم فاعل مشتقّ من الغلب بفتحات أو فتح فسكون، ويقال: غلبة بهاء وله
تيم وبه يكنى، ولؤي (ابن فهر) بكسر الفاء وسكون الهاء فراء، منقول من الفهر الحجر الطويل،
قاله السهيلي: وقال الخشني: الفهر حجر ملء الكف يذكّر ويؤنّث وخطأ الأصمعي من أنّته، وفي
الفتح: الفهر الحجر الصغير، وفي الإرشاد: الطويل والأملس. (واسمه قريش) وفي الفتح
والإرشاد: قيل اسمه قريش، ونقل عن الزهري: أن أُمّه سمّته به وأبوه سماه فهرّا، وقيل: فهر
لقبه، وقيل: بالعكس. (وإليه تنسب قريش) فيما قاله جماعة ونسب للأكثر، قال الزهري: وهو
الذي أدركت عليه من أدركت من نساب العرب: إن من جاوز فهرّا فليس من قريش. (فما كان
فوقه فكناني) نسبة إلى كنانة بن مدركة، (لا قرشيّ) نسبة إلى قريش، ويقال: قريش أيضًا على

١٤٤
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
على الصحيح.
القياس. (على الصحيح) صحّحه الدمياطي والعراقي وغيرهما، والحجّة لهم حديث مسلم
والترمذي مرفوعًا: ((إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة)) الحديث،
وذهب آخرون إلى أن أصل قريش النضر، وبه قال الشافعي وعزاه العراقي للأكثرين، فقال:
أما قريش فالأصح فهر جماعها والأكثرون النضر
قال النووي: وهو الصحيح المشهور، وأيضًا صححه الحافظ العلائي وعزاه للمحققين،
واحتجّوا بحديث الأشعث بن قيس: قدمت على رسول اللَّه عَّةٍ في وفد كندة، فقلت: ألستم منَّا
يا رسول الله؟ قال: ((لا نحن بنو النضر بن كنانة))، رواه ابن ماجه وابن عبد البرّ وأبو نعيم في
الرياضة، وزاد: قال أشعث: واللَّه لا أسمع أحدًا نفى قريشًا من النضر بن كنانة إلا جلدته،
والاحتجاج بهذا ظاهر لا خفاء فيه. قال الحافظ في سيرته: وعندي أنه لا خلاف في ذلك؛ لأن
فهر إجماع قريش ثم إن أباه ملكًا ما أعقب غيره، فقريش ينتهي نسبها كلها إلى ملك بن النضر،
وكذلك النضر ليس له عقب إلاَّ من لملك، فاتّفق القولان بحمد اللَّه تعالى اهـ ومن خطّه نقلت:
وقيل: إن قريشًا هو الياس، وقيل: مضر، وحكى الماوردي وغيره: إنه قصي، قال البرهان: وهو
قول باطل وكأنه قول رافضي؛ لاقتضائه أن أبا بكر وعمر ليسا من قريش فإمامتهما باطلة، وهو
خلاف إجماع المسلمين اهـ. ونقله عنه الشامي بلفظه وكثيرًا ما سمعت شيخنا حافظ العصر أبا
عبد الله محمّد البابلي يجزم بأنه قول الرافضة اخترعوه للطعن في الشيخين، ولم أرَ الجزم به الآن
لكنه كان واسع الاطلاع واختلف في سبب تسميتها بقريش، فقيل: منقول من تصغير قرش، وهو
دابّة في البحر عظيمة من أقوى دوابه سميّت به لقوتها؛ لأنها تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى،
وكذلك قريش. أخرج ابن النجار في تاريخه عن ابن عباس: أنه دخل على معوية وعنده عمرو بن
العاصي، فقال عمرو: إن قريشًا تزعم أنك أعلمها فلم سميّت قريش قريشًا؟ فقال: بأمر بيّ،
فقال: ففسّره لنا، ففسره قال: هل قال فيه أحد شعرًا؟ قال: نعم، سمّيت قريشًا بدابّة في البحر،
وقد قال الشمرخ بن عمرو الحميري:
وقريش هي التي تسكن البحر بها سميت قريش قريشًا
تأكل الغشّ والسمين ولا تترك فيه لدى المجناحين ريشا
يأكلون البلاد أكلاً كميشا
هكذا في البلاد حيّ قريش
يكثر القتل فيهمو والخموشا
ولهم آخر الزمان نـبـيّ
يملأ الأرض خيله ورجال يحشرون المطيّ حشرًا كشيشا

١٤٥
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
ابن ملك.
ابن النضر، واسمه قيس،
وأخرجه ابن عساكر إلاَّ أنه ذكر أن السائل معوية، ووصف ابن عباس الدابّة بأنها أعظم
دواب البحر، وعزا هذه الأبيات للجمحي، اهـ.
وأكلا كميشًا، أي: سريعًا. والخموش: الخدوش، كما في القاموس وغيره. وقيل: من
التقريش وهو التفتيش؛ لأنهم كانوا يفتشون عن خلّة الناس وحاجاتهم فيسدّونها بمالهم، وقيل:
بقريش بن بدر بن يخلد بن النضر بن كنانة، وقيل: لأنهم كانوا يتّجرون ويأخذون ويعطون من
قرش الرجل يقرش كيضرب إذا اتّجر، وقيل: من الأقراش، وهو وقوع الرايات والرماح بعضها على
بعض، وقيل: من التقريش وهو التحريش. قال الزجاجي: وهو بعيد؛ لأن المعروف لغة أن
التحريش هو الترقيش بتقديم الراء، وقيل غير ذلك. وقد حكى ابن دحية في سبب تسمية قريش،
ومن أوّل من ستي بها عشرين قولاً. هذا وقريش فرقتان بطاح وظواهر، فالبطاح من دخل مكة مع
قصي، والظواهر من أقام بظاهر مكة ولم يدخل الأبطح.
(ابن لملك) اسم فاعل من ملك يملك، فهو لملك والجمع ملاك، ويكنى أبا الحرث، قال.
الخميس: ستّي لملكًا لأنه كان ملك العرب، ويقع في نسخ ابن ملك قريش وإليه تنسب قريش،
فما فوقه فكناني لا قرشي على الصحيح، وكأنه كان بهامش مسودّة المصنف فتحرّف على
الناسخ فخرّجه في غير موضعه، وعلى تقدير صحته، فقوله: قريش، صفة لفهر بعد صفة، لا صفة
للملك (ابن النضر) بفتح النون وإسكان الضاد المعجمة فراء (واسمه قيس،) ولقب بالنظر لنضارة
وجهه وإشراقه وجماله، منقول من النضر اسم الذهب الأحمر، وله من الذكور لملك والصلت
ويخلد بفتح التحتية وسكون المعجمة وضمّ اللام فدال مهملة، وبه يكنى أبوه ولكن لم يعقب
إلا من ملك، كما مرَّ.
وأُمّ النضر برّة بنت أد بن طابخة تزوجها كنانة بعد أبيه خزيمة، فولدت له النضر عل ما
كانت الجاهلية تفعله إذا مات الرجل خلف على زوجته أكبر بنيه من غيرها، كذا قاله الزبير بن
بكار، وتبعه السهيلي وزاد: ولذلك قال تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد
سلف﴾ [النساء: ٢٢]، أي: من تحليل ذلك قبل الإسلام، قال: وفائدة الاستثناء هنا لئلاّ يعاب
نسب النبيّ ◌َّله، وليعلم أنه لم يكن في أجداده سفاح، ألا ترىٍ أنه لم يقل في شىء نهى عنه
في القرءان إلاّ ما قد سلف إلاَّ في هذه الآية، وفي الجمع بين الأختين، فإن الجمع بينهما كان
مباحًا في شرع من قبلنا، وقد جمع يعقوب بين أُختين وهما أجيل، أي: بجيم، كما في السبل،
أو حاء مهملة كما في القاموس، وليا، فقوله: إلا ما قد سلف، التفات إلى هذا المعنى، وهذه

١٤٦
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
ابن كنانة،
ابن خزيمة، تصغير خزمة،
النكتة من الإمام أبي بكر بن العربي، إلى هنا كلامه. وتعقّبه الحافظ القطب عبد الكريم الحلبي
ثم المصري في شرح السيرة لعبد الغنيّ بما حاصله: أن هذا غلط نشأ من اشتباه، وذلك أن أبا
عثمن الجاحظ قال: إن كنانة خلف على زوجة أبيه فماتت ولم تلد له ذكر ولا أنثى، فنكح ابنة
أخيها وهي برّة بنت مرّة بن أد بن طابخة فولدت له النضر، قال الجاحظ: وإنما غلط كثيراً لما
سمعوا أن كنانة خلف على زوجة أبيه؛ لاتّفاق اسمهما وتقارب نسبهما، قال: وهذا الذي عليه
مشايخنا من أهل العلم والنسب، ومعاذ اللَّه أن يكون أصاب نسبه عَ لِّ نكاح مقت، وقد قال: ((ما
زلت أخرج من نكاح كنكاح الإسلام)، ومن قال غير هذا فقد أخطأ وشكّ في هذا الخبر،
والحمد للّه الذي طهّره من كل وصم تطهيرًا اهـ.
قال الدميري: وهذا أرجو به الفوز للجاحظ في منقلبه، وأن يتجاوز عنه فيما سطره في
. جميع كتبه ا. هـ، وقد صوّب مغلطاي كلام الجاحظ وأن خلافه غلط ظاهر، قال: وهذا الذي
يثلج به الصدر ويذهب وحره ويزيل الشك ويطفىء شرره، قال الشامي: وهو من النفائس التي
يرحل إليها والسهيلي تبع الزبير بن بكار، والزبير كأنه تبع الكبي - وهو متروك - بل لو نقله ثقة لم
يقبل لعبد الزمان، ومخالفة الأحاديث الناطقة بخلافه، اهـ. وكذا ما قيل: أن هاشمًا خلف على
واقدة زوجة أبيه بفرض صحته، فليست جدّة للنبيّ عَّله، فإن أُمّ عبد المطّلب أنصارية؛ ولذا
كانت الأنصار أخوال المصطفى.
(ابن كنانة) بكسر الكاف ونونين مفتوحتين بينهما ألف ثم هاء، منقول من الكنانة التي هي
الجعبة بفتح الجيم وسكون العين المهملة، ستي بذلك تفاؤلاً بأنه يصير كالكنانة الساترة للسهام،
فكان سترًا على قومه، قاله في السبل. وفي الخميس: إنما سمي كنانة؛ لأنه لم يزل في كن من
قومه. وفي الفتح: هو بلفظ وعاء السهام إذا كانت من جلد. ونقل عن أبي عامر العدواني، أنه
قال: رأيت كنانة بن خزيمة شيخنا مسئًا عظيم القدر يحتجّ إليه العرب لعلمه وفضله بينهم.
(ابن خزيمة تصغير خزمة) بمعجمتين مفتوحتين، وهي مرة واحدة من الخزم وهو شدّ الشىء
وإصلاحه، وقال الزجاجي: يجوز أنه من الخزم بفتح فسكون، تقول: خزمته فهو مخزوم إذا
أُدخلت في أنفه الخزام، قاله في الفتح، وقيل: تصغير خزمة بكسر فسكون، فقيل: هي برة في
أنف البعير يشدّ فيها الزمام، وقيل: الحلقة التي تجعل في أنف البعير من شعر ونحوه، قال في
الغر: ولم أرَ من تعرّض لوجه المناسبة للنقل مما ذكر، وقد يقال: الانتقال لا يقال فيه ذلك
بخلاف الألقاب. وفي الخميس: إنما سمّي خزيمة تصغير خزمة؛ لأنه اجتمع فيه نور آبائه وفيه نور

١٤٧
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
ابن مدر كة،
ابن إلياس، بكسر الهمزة في قول ابن الأنباري، وبفتحها في قول قاسم بن
ثابت، ضد الرجاء، واللام فيه للتعريف والهمزة للوصل، قال السهيلي:
رسول اللَّه عَّله، وفي القاموس: الخزامة كتابة للبرة، ثم قال: والخزمة محرّكة خوص المقل، قال
شيخنا: فيجوز جعل خزيمة مصغّر خزامة وخزمة، قال ابن عباس: مات خزيمة على ملّة إبراهيم (ابن
مدركة) بضم فسكون فكسر ففتح ثم هاء مبالغة، منقول من اسم فاعل من الإدراك، لقّب به
لإدراكه كل عزّ وفخر، كان في آبائه وكان فيه نور المصطفى ظاهرًا بيًّا واسمه عمر، وعند
الجمهور وهو الصحيح، وقال ابن إسحق: عامر، وضعّف.
(ابن الياس) بتحتية والمعروف أنه اسمه، وفي سيرة مغلطاي اسمه حبيب، وفي
الخميس: إنما سمّي الياس؛ لأن أباه كبر ولم يولد له، فولد على الكبر واليأس فسمّي الياس،
وكنيته أبو عمرو وله أخ يقال له الناس بنون، ذكره ابن ماكولا والجوهري، والياس (بكسر
الهمزة) وهي همزة قطع تثبت في الأبتداء والتدرج (في قول) الحافظ أبي بكر محمد بن القاسم
(ابن الأنباري) بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الموحّدة نسبة إلى الأنبار بلدة قديمة على الفرات
على عشرة فراسخ من بغداد، صاحب التصانيف العلاّمة في النحو واللغة والأدب، المعدود في
حفّاظ الحديث. كان من أفراد الدهر في سعة الحفظ مع الصدق والدين ومن أهل السنّة، مات
ببغداد ليلة عيد النحر سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وقد وافقه على كسر الهمزة طائفة. قال ابن
الأنباري: وهو أفعال من قولهم: أليس للشجاع الذي لا يفرّ، قال الشاعر:
أليس كالنشوان وهو صاحي
(وبفتحها في قول قسم بن ثابت) حزم العوفي الأندلسي المالكي الفقيه المحدث
المشارك لأبيه في رحلته وشيوخه، الورع الناسك مجاب الدعوة المتوفى سنة اثنتين وثلاثمائة،
قال: وهو (ضدّ الرجاء، والّلام فيه للتعريف، والهمزة للوصل،) وأنشد قسم على ذلك قول قصيّ:
أمّهتي خندف واليأس أبي
وصححه المحققون، كما قال بعض مشايخ البرهان.
(قال) الإمام الحافظ العلاَّمة ذو الفهم الدقيق والمعاني الرائقة، عبد الرحمن بن عبد الله بن
أحمد بن أصبغ (السهيلي) الخثعمي الأندلسي المالقي، أبو القسم، واسع المعرفة، غزير العلم
النحوي اللغوي، الإمام في لسان العرب، العالم بالتفسير وصناعة الحديث ورجاله وأنسابه،
وبالتاريخ وعلم الكلام وأصوله وأصول الفقه الذكي النبيه، ◌ُمِيَ وهو ابن سبع عشرة سنة، ولد
سنة ثمان وخمسمائة، وصنَّف كتبًا منها الروض الآنف، ذكر فيه أنه استخرجه من مائة وعشرين

١٤٨
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
وهذا أصح. وهو أول من أهدى البدن إلى البيت الحرام، ويذكر أنه كان يسمع
في صلبه تلبية النبي صَ لّه بالحج؟!
مصنّفًا، ومات في شعبان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، وهو منسوب إلى سهيل قرية قرب
مالقة سمّيت سهيل بالكوكب؛ لأنه لا يرى في جميع بلاد الأندلس، إلاَّ من جبل مطل على هذه
القرية، يرتفع نحو درجتين ويغيب.
(وهذا) الذي قاله قسم (أصحّ) من قول ابن الأنباري وصدق المصنّف، فلفظ السهيلي
والذي قاله غير ابن الأنباري أصحّ، وقد سقط لفظ غير من بعض نسخ النور، فأوهم اعتراضًا على
المصنّف مع أنه خطأ نشأ عن سقط. (وهو أوّل من أهدى البدن إلى البيت الحرام،) جمع
بدنة، وهي: البعير ذكرًا كان أو أنثى، والهاء فيها للوحدة لا للتأنيث، وحكى ابن التين عن لملك
أنه كان يتعجّب ممن يخصّ البدنة بالأنثى. وقال الأزهري: البدنة لا تكون إلاّ من الإبل، وأما
الهدي فمن الإبل والبقر والغنم، هذا لفظه في التهذيب. وحكى النووي عنه: أن البدنة تكون من
الإبل والبقر والغنم، وهو خطأ نشأ عن سقط، وفي الصحاح: البدنة ناقة أو بقرة تنحر بمكة،
سميت بذلك لأنهم كانوا يسمنونها، قاله الحافظ ابن حجر وفي حياة الحيوان، وهو أيضًا أوّل
من وضع مقام إبراهيم للناس بعد غرق البيت وانهدامه زمن نوح، فكان الياس أوّل من ظفر به
فوضعه في زاوية البيت، كذا قال.
والذي في الاكتفاء: وهو أوّل من وضع الركن للناس بعد هلاكه حين غرق البيت، ومن
الناس من يقول: إنما هلك الركن بعد إبراهيم وإسماعيل وهو الأشبه، ولما مات أسفت عليه زوجته
خندف أسفًا شديدًا، ونذرت أن لا تقيم في بلد مات فيه ولا يأويها بيت، فتركت بنيها منه،
وساحت حتى هلكت حزنًا، ومات يوم الخميس فنذرت أن تبكيه كلما طلعت شمس يوم
الخميس حتى تغيب الشمس، وضربت الأمثال بحزنها عليه. (ويذكر) كما في الروض (أنه كان
يسمع في صلبه تلبية النبيّ عَّه بالحجّ) وفي المنتقى: كان يسمع من ظهره أحيانًا دوي تلبية
النبيّ عَي بالحجّ، ولم تزل العرب تعظمه تعظيم أهل الحكمة؛ كلقمان وأشباهه، وكان يدعى
كبير قومه وسيّد عشيرته ولا يقطع أمر ولا يقضي بينهم دونه، قال الزبير بن بكار: ولما أدرك
الياس أنكر على بني إسمعيل ما غيّروا من سنن آبائهم وسيرهم، وبان فضله عليهم ولان جانبه
لهم حتى جمعهم رأيه ورضوا به، فردّهم إلى سنن آبائهم وسيرهم. قال ابن دحية: وهو وصي
أبيه، وكان ذا جمال بارع، قال السهيلي: ويذكر عن النبيّ عٍَّ لا تسبّوا الياس، فإنه كان مؤمنًا،
قال البرهان: ولا أدري أنا حال هذا الحديث.

١٤٩
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
ابن مضر. وهو أول من سن الحداء للإبل، وكان من أحسن الناس صوتًا.
ابن نزار - بكسر النون - من النزر، وهو القليل، قيل أنه لما ولده، ونظر أبوه
إلى نور محمد عَّه بين عينيه فرح فرحًا شديدًا، وأطعم وقال: إن هذا كله نزر،
أي قليل لحق هذا المولود، فسمي نزارًا لذلك.
ابن معد،
(ابن مضر) بضم الميم وفتح الضاد المعجمة غير مصروف للعلمية والعدل، قال الحافظ:
قيل ستي به لأنه كان يحب شرب اللبن الماضر وهو الحامض، وفيه نظر؛ لأنه يستدعى أنه كان
له اسم غيره قبل أن يتّصف بهذه الصفة، نعم يمكن أن يكون هذا اشتقاقه ولا يلزم أن يكون
متّصفًا بهذه الصفة، وقيل: لبياضه، وقيل: لأنه كان يمضر القلوب لحسنه وجماله، وفي
الخميس: لأنه أخذ بالقلوب ولم يكن يراه أحد إلاَّ أحبّه، وفي السبل: اسمه عمرو وكنيته أبو
الياس، ومن حكمه من يزرع شرًّا يحصد ندامة، وخير الخير أعجله، فاحملوا أنفسكم على
مكروهها، واصرفوها عن هواها فيما أفسدها، فليس بين الصلاح والفساد إلا صبر فواق، بضم
الفاء وتفتح ما بين الحلبتين؛ كما في القاموس.
(وهو أوّل من سنّ الحداء للإبل) بضم الحاء والمدّ: الغناء. قال البلاذري: وذلك أنه
سقط عن بعيره وهو شابّ فانكسرت يده، فقال: يا يداه يا يداه، فأبت إليه الإبل من المرعى،
فلما صحَّ وركب حدًا، (وكان من أحسن الناس صوتًا،) وقيل: بل كسرت يد مولى له فصاح
فاجتمعت إليه الإبل، فوضع الحداء وزاد الناس فيه، انتهى كلام البلاذري وأخرج ابن سعد في
الطبقات من مرسل عبد الله بن خالد: قال عَّهِ: ((لا تسبّوا مضر، فإنه كان قد أُسلم)).
(ابن نزار، بكسر النون،) فزاي فألف فراء: مأخوذ (من النزر، وهو القليل، قيل:) سبب
ذلك (أنه لمَّا ولد ونظر أبوه إلى نور محمّد عَّله بين عينيه،) وهو نور النبوّة الذي كان ينتقل
في الأصلاب (فرح فرحًا شديدًا،) ونحر (وأُطعم، وقال: إن هذا كله نزر، أي: قليل لحق هذا
المولود، فسمي نزاراً لذلك.) وبهذا القيل جزم السهيلي وتبعه النور والخميس، وزاد: أنه خرج
أجمل أهل زمانه وأكبرهم عقلاً، وقال أبو الفرج الأصبهاني: ستي بذلك لأنه كان فريد عصره،
وعليه اقتصر الفتح والإرشاد، وقيل: لقّب به لنحافته. قال الماوردي: كان اسمه خلدان وكان
مقدّمًا وانبسطت إليه اليد عند الملوك، وكان مهزول البدن، فقال له ملك الفرس: ما لك يا نزار؟
قال: وتفسيره في لغة الفرس يا مهزول، فغلب عليه هذا الاسم وكنيته أبو إياد، وقيل: أبو ربيعة،
وفي الوفاء: يقال إن قبر نزار بذات الجيش قرب المدينة.
(ابن معد) بفتح الميم والمهملة وشدّ الدال ابن الأنباري، يحتمل أنه مقعل من العدّ، أو

١٥٠
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
ابن عدنان.
قال ابن دحية: أجمع العلماء - والإجماع حجة - على أن رسول الله عَ لَّه إنما
انتسب إلى عدنان ولم يتجاوزه.
ولله در القائل:
ونسبة عز هاشم من أصولها ومحتدها
من معد في الأرض إذا أفسد، وقيل غير ذلك. قال الفتح: وسمي معدًا، قال الخميس: لأنه كان
صاحب حروب وغارات على بني إسرائيل ولم يحارب أحدًا إلا يرجع بالنصر والظفر، وكنيته أبو
قضاعة، وقيل: أبو نزار.
(ابن عدنان) بزنة فعلان من المعدن، أي: الإقامة، قاله الحافظ وغيره. وفي الخميس:
سمّي به لأن أعين الجنّ والإنس كانت إليه وأرادوا قتله، وقالوا: لئن تركنا هذا الغلام حتى يدرك
مدرك الرجال ليخرجن من ظهره من يسود الناس، فوكل اللَّه به من يحفظه انتهى.
وروى أبو جعفر بن حبيب في تاريخه عن أبن عباس قال: كان عدنان ومعد وربيعة
وخزيمة وأسّد على مّة إبراهيم فلا تذكروهم إلا بخير، وروى الزبير بن بكار مرفوعًا: ((لا تسبّوا
مضر ولا ربيعة، فإنهما كانا مسلمين))، وله شاهد عند ابن حبيب من مرسل سعيد بن المسيب،
وحكى لزبير أن عدنان أوّل من وضع أنصاب الحرم، وأوّل من كسا الكعبة، أو كسيت في زمنه.
والبلاذري: أوّل من كساها الإنطاع عدنان، وفي أوّل من كساها خلاف ليس هذا موضعه، ولما
استشعر المصنف قول سئل: لِمّ لَمْ توصل النسب إلى آدم؟ قال: (قال) الإمام الحافظ المتقن أبو
الخطاب عمر بن حسن بن عليّ بن محمّد المشهور بأنه (ابن دحية) لأنه رحمه اللَّه كان يذكر
أنه من ولد الصحابي دحية الكلبي، بفتح الدال وكسرها، قال النور: لغتان مشهورتان الكرماني
اختلف في الراجحة منهما، والجوهري اقتصر على الكسر، والمجد قدّمه الأندلسي السبتي
البصير بالحديث المعتنى به ذو الحظ الوافر من اللغة والمشاركة في العربية صاحب التصانيف
وطن مصر وأدب الملك الكامل ودرس بدار الحديث الكاملية، مات رابع عشر ربيع الأول سنة
ثلاث وثلاثين وستمائة عن نيّف وثمانين سنة.
(أجمع العلماء، والإجماع حجّة) لعصمة الأُمّة عن الخطأ؛ لقوله عَّهِ: ((لا تجتمع أُمّتي
على ضلالة)). (على أن رسول اللَّه عَلُ إنما انتسب إلى عدنان ولم يتجاوزه، اهـ. وللَّه در
القائل: ونسبة عزّ هاشم من أصولها، ومحتدها) بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الفوقية
أصلها؛ كما في القاموس.

١٥١
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
المرضي أكرم محتد
سميت رتبة علياء أعظم بقدرها ولم تسم إلا بالنبي محمد
ويرحم الله القائل:
وكم أب قد علا بابن ذوي شرف كما علا برسول الله عدنان
وعن ابن عباس أنه عَّه كان إذا انتسب لم يجاوز معد بن عدنان، ثم يمسك
ويقول: كذب النسابون مرتين أو ثلاثًا، رواه في مسند الفردوس. لكن قال
السهيلي: الأصح في هذا الحديث أنه من قول ابن مسعود.
(المرضى أكرم محتدّ) كمجلس (سمّيت) بفتحتين مخفف الميم ارتفعت (رتبة) تمييز
محوّل عن الفاعل، أي: منزلة، (علياء) أي: مرتفعة، وفي القاموس: العلياء كل ما علا من شىء،
فالمعنى ارتفعت منزلة هذه النسبة المرتفعة، فكأنه قال: زادت رفعة، (أعظم بقدرها) فعل تعجّب،
أي: ما أعظم قدرها، (و)الحال أنها (لم تسمّ إلا بالنبيّ محمّد) أي: بوجوده فيها، (ويرحم اللَّه
القائل،) غاير تفتنا وكراهة لتوارد الألفاظ، وهو أبو العباس عليّ بن الرومي:
قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم كلا لعمري ولكن منه شيبان
(وكم أب قد علا بابن ذوي شرف كما علا برسول اللَّه عدنان)
ذرى بضم الذال المعجمة وخفّة الراء المهملة، أي: أعالي شرف الواحدة ذروة بكسر
الذال وضتها وأنشده المغنى بلفظ: ذرى حسب لكن شرف أنسب، كما لا يخفى. قال ابن
عصفور: يريد أن المتقدم قد يأتيه الشرف من جهة المتأخّر.
(وعن ابن عباس: أنّه عٍَّ كان إذا انتسب لم يجاوز) في انتسابه (معد بن عدنان، ثم
يمسك) توطئة لقوله: (ويقول: كذب النسابون) بقولها: (مرتين أو ثلاثاً) شكّ من الراوي، (رواه
في مسند الفردوس) بمأثور الخطاب المخرج على كتاب الشهاب والفردوس للإمام عماد الإسلام
أبي شجاع الديلمي ألفه محذوف الأسانيد مرتّبًا على الحروف ليسهل حفظه، وعلم بإزائها
بالحروف للمخرجين ومسنده لولده الحافظ أبي منصور شهردار بن شهرويه المتوفى سنة تسع
وخمسمائة، خرّج سند كل حديث تحته، وكذا رواه ابن سعد في الطبقات.
(لكن قال السهيلي: الأصحّ في هذا الحديث) المروي مرفوعًا (أنه من قول) عبد الله
(بن مسعود) ابن غافل بمعجمة وفاء قديم الإسلام أحد القرّاء هاجر الهجرتين وصلّى للقبلتين وشهد
بدرًا والحديبية وجمع القرءان على العهد النووي، وشهد له المصطفى بالجنة مات سنة اثنتين

١٥٢
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
وقال غيره: كان ابن مسعود إذا قرأ قوله تعالى: ﴿ألم يأتكم نبأ الذين من
قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله﴾ [إبراهيم/٩]
قال: كذب النسابون، يعني أنهم يدعون علم الأنساب ونفى الله علمها عن العباد.
وروي عن عمر أنه قال: إنما ينسب إلى عدنان وما فوق ذلك لا يدري ما
هو.
وعن ابن عباس: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون.
وثلاثين، وقد جاوز الستّين وصلّى عليه عثمن ودفن بالبقيع، (وقال غيره: كان ابن مسعود إذا قرأ
قوله تعالى: ﴿ألم يأتكم نبأ) خبر (الذين من قبلكم قوم نوح وعاد) قوم هود (وثمود) قوم صالح
(والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا اللَّه﴾ [إبراهيم: ٩]) لكثرتهم (قال) احتجاجاً (كذب النسابون
يعني) ابن مسعود بذلك (أنهم يدعون علم الأنساب، ونفى اللَّه علمها عن العباد) بقوله: ﴿لا
يعلمهم إلا اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٩]، (وروى عن عمر) بن الخطاب القرشي العدوي أمير المؤمنين،
وعند ابن إسحق أنه عَّة كنّاه أبا حفص، وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عباس، عن عمرو بن
سعد، عن عائشة أن النبيّ عَّلَّهِ لقّبه بالفاروق، وقال الزهري: لقّبه به أهل الكتاب، رواه ابن سعد،
وقيل: جبريل، رواه البغوي.
وفي البخاري عن ابن مسعود: ((ما زلنا أعزّة))، أي في الدين ((منذ أسلم عمر)). (أنه قال:
إنما ينسب) بتحتية فنون النبيّ عٍَّ أو بنونين، أي: معاشر قريش، (إلى عدنان وما فوق ذلك) من
عدنان إلى إسمعيل، ومن إبراهيم إلى آدم (لا يدري) بياء ونون (ما هو) أي: ما عدّته، أو ما اسمه،
وكلام الحافظين اليعمري والعسقلاني والمصنّف وغيرهم صريح في ثبوت الخلاف فيمن بين
إبراهيم وآدم، فلا عبرة بمن نفاه، وقال: إنه ثابت بلا خلاف ولفظ سيرة العسقلاني اختلف فيما
بين عدنان وإسمعيل اختلافًا كثيرًا، ومن إسمعيل إلى آدم متفق على أكثره وفيه خلف يسير في
عدد الآباء، وفيه خلف أيضًا في ضبط بعض الأسماء، انتهى. ومن خطّه نقلت، وقد التزم فيها
الأقتصار على الأصح فلا يصحّ زعم أن الخلاف ضعيف جدًا لم يعتدّ به من نفاه بمجرد تجويز
عقلي.
(وعن ابن عباس بين عدنان وإسمعيل ثلاثون أبًا لا يعرفون) بأسمائهم، فلا ينافي قوله:
ثلاثون، وقيل: بينهما أربعة أو سبعة أو ثمانية أو تسعة أو عشرة أو خمسة عشر أو عشرون أو
ثمانية وثلاثون أو تسعة وثلاثون أو أربعون أو واحد وأربعون أو غير ذلك أقوال.

١٥٣
المقصد الأول في تشريف اللّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
وقال عروة بن الزبير: ما وجدنا أحدًا يعرف بعد معد بن عدنان.
وسئل لملك عن الرجل يرفع نسبة إلى آدم، فكره ذلك، وقال من أخبره
بذلك؟ وكذا روي عنه في رفع نسب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
فالذي ينبغي لنا، الإعراض عما فوق عدنان، لما فيه من التخليط والتغيير
للألفاظ، وعواصة تلك الأسماء، مع قلة الفائدة.
وقد ذكر الحافظ أبو سعيد النيسابوري
(وقال عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي المدني التابعي الكبير أحد فقهاء المدينة
السبعة الحافظ، المتوفى سنة أربع وسبعين، وقيل غير ذلك. (ما وجدنا أحدًا يعرف بعد معد بن
عدنان.) هذا لا ينافي وجدان غيره من يعرف ذلك، (وسئل لملك) بن أنس بن لملك أبي عامر بن
عمرو الأصبحي، أبو عبد اللَّه المدني عالم المدينة نجم الأثر العابد الزاهد الورع إمام المتقين
وكبير المتثبتين، حتى قال البخاري: أصح الأسانيد كلّها لملك عن نافع عن ابن عمر، روى
الترمذي وحسنه واللفظ له، والحاكم وصححه والنسائي عن أبي هريرة رفعه: ((يوشك أن يضرب
الناس آباط المطيّ في طلب العلم، فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة))، قال النووي: قال
سفين ابن عيينة: هو ملك بن أنس. وفي الحلية: عن الملك: ما بتّ ليلة إلا رأيت فيها
رسول اللَّه عَّله، توفي سنة تسع وسبعين ومائة.
أفرد مناقبه بالتأليف جمع من العلماء؛ كالدينوري وعياض والذهبي وغيرهم. (عن الرجل
يرفع نسبه إلى آدم، فكره ذلك،) قيل له: فإلى إسماعيل، فكره ذلك أيضاً، (وقال) على سبيل
الإنكار، (من أخبره بذلك) حتى يعتمد عليه، (وكذا روي عنه) أنه كره ذلك (في رفع نسب
الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام) إلى آدم، قال السهيلي: وقع هذا الكلام للملك في الكتاب الكبير
المنسوب إلى المعيطى وإنما أصله لعبد الله بن محمد بن جبير وتممه المعيطى فنسب إليه، وإذا
كان كذلك، (فالذي ينبغي لنا الإعراض عما فوق عدنان لما فيه من التخليط والتغيير
للألفاظ، وعواصة) بعين وصاد مهملتين، أي: صعوبة؛ كما في القاموس.
(تلك الأسماء مع قلّة الفائدة) في ذكرها (وقد ذكر الحافظ أبو سعيد) عبد الرحمن بن
الحسن الأصبهاني الأصل (النيسابوري) بفتح النون نسبة إلى نيسابور أشهر مدن خراسان صاحب
المسند وكتاب شرف المصطفى الثقة المتوفى سنة سبع وثلاثمائة، وقّد المصنّف في قوله أبو
سعيد بالياء السهيلي، وقد تعقّبه مغلطاي بأنه: إنما هو سعد بسكون العين، التهى. وكذا قال صاحب
روثق الألفاظ، وقال: إن الذهبي ذكره، أي: بوصف الحافظ في تاريخه وأغفله من طبقات الحافظ.

١٥٤
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
عن أبي بكر بن أبي مريم عن سعد بن عمرو الأنصاري عن أبيه عن كعب الأحبار:
أن نور النبي عَّ لما صار إلى عبد المطلب وأدرك، نام يومًا في الحجر فانتبه
مكحولاً مدهونًا، قد كسي حلة البهاء والجمال، فبقي متحيرًا لا يدري من فعل به
ذلك، فأخذه أبوه بيده ثم انطلق به إلى كهنة قريش فأخبرهم بذلك، فقالوا له:
اعلم أن إله السموات قد أذن لهذا الغلام أن يتزوج، فزوجه قيلة فولدت له الحرث ثم
ماتت، فزوجه بعدها هند بنت عمرو،
(عن أبي بكر) اسمه بكير، وقيل: عبد السلام، (بن أبي مريم) نسبة لجده للشهرة، واسم
أبيه عبد الله الغساني عن خالد بن معدان ومكحول وعنه ابن المبارك وأبو اليمان، قال الذهبي:
ضعفوه له علم وديانة، توفي سنة ستّ وخمسين ومائة، وقال العراقي: ضعفه غير واحد، وسرق له
حلي فأنكر عقله ولم يتهمه أحد بكذب.
(عن سعد بن عمرو) ابن شرحبيل (الأنصاري) السعدي من ذرية سعد بن عبادة ثقة، روى
عنه لملك والدراوردي (عن أبيه) عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري
الخزرجي مقبول، روى عنه ابنه (عن كعب الأحبار) أي: ملجأ العلماء الحميري، (أن نور
النبيّ ◌َِّ لمّا صار) أي: انتقل، (إلى عبد المطّلب وأدرك) أي: بلغ (نام يومًا) أي: في يوم
(في الحجر، فانتبه) حال كونه، (مكحولاً مدهونًا قد کسي حلّة البهاء والجمال، فبقي متحيّرًا
لا يدري من فعل به ذلك، فأخذه أبوه بيده) أي: عمّه المطّلب إذ العرب تسمّي العم أبا حقيقة
أو على التشبيه لقيامه مقامه في تربيته فلا يردّ ما مر عن الفتح وغيره من موت أبيه بغزة وهو
حمل، أو بمكّة على أثر ولادته على ما حكى المصنّف، (ثم انطلق به إلى كهنة قريش،) قال
عياض: كانت الكهانة في العرب ثلاثة أضرب أحدها أن يكون للإنسان وليّ من الجنّ يخبره بما
يسترق من السمع عن السماء، وهذا بطل حين البعثة الثاني أن يخبره بما يطرأ أو يكون في أقطار
الأرض وما خفي عنه مما قرب أو بعد، وهذا لا يبعد وجوده، ونفت المعتزلة وبعض المتكلمين
هذين الضربين وأحالوهما، ولا استحالة ولا بعد في وجودهما الثالث المنجمون وهذا الضرب
يخلق اللَّه فيه لبعض الناس قوّة ما، لكن الكذب فيه أغلب ومنه العرافة وصاحبها عراف، وقد نهى
الشارع عن تصديقهم كلهم والإتيان لهم، (فأخبرهم بذلك، فقالوا له: اعلم أن إله السموات قد
أذن لهذا الغلام أن يتزوّج، فزوجه قيلة) بفتح القاف وسكون التحتية فلام فهاء، (فولدت له
الحرث.) لا ينافي هذا ما في المقصد الثاني للمصنّف كالسبل، والخميس من أن أُمّ الحرث
صفية بنت جندب لجواز أنه اسمها، وقيلة لقبها (ثم ماتت، فزوّجه بعدها هند بنت عمرو.)
الظاهر: أن هند تحريف صوابه فاطمة، فقد نقل الخميس أن زوجات عبد المطّلب خمس: صفيّة

١٥٥
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
وكان عبد المطلب يفوح منه رائحة المسك الأذفر، ونور رسول الله عَلَّم يضيء في
غرته، وكانت قريش إذا أصابها قحط شديد تأخذ بيد عبد المطلب فتخرج به إلى
جبل ثبير فيتقربون به إلى الله، ويسألونه أن يسقيهم الغيث، فكان يغيثهم ويسقيهم
ببركة نور رسول الله عَ لِّ غيئًا عظيمًا.
بنت جندب من بني عامر بن صعصعة، ونثيلة بنت جناب بن كليب بن ملك بن عمرو بن عامر،
وهالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة، وآمنة بنت هاجر الخزاعي، وفاطمة بنت عمرو بن
عائذ بن عمرو ابن مخزوم أمهرّها مائة ناقة كومًا وعشرة أواق من ذهب، فولدت له أولادًا منهم
عبد اللَّه والده ◌َِّ فهي مخزومية وجدّة أولى للمصطفى، ذكره ابن قتيبة في المعارف ونحوه
في المقصد الثاني.
(وكان عبد المطلب يفوح منه رائحة المسك) بكسر الميم والمشهور أنه دم يتجمّد في
خارج سرّة ظباء معينة في أماكن مخصوصة وينقلب بحكمة الحكيم أطيب الطيب، (الأذفر)
بذال معجمة، أي: المذكّى ويطلق على النتن وليس مرادًا هنا، وبالمهملة خاص بالنتن؛ كما في
المختار. (وكان نور رسول اللَّه عَّ يضيء في غرته) أي: جبهته بيّنًا واضحًا، (وكانت قريش إذا
أصابها قحط شديد تأخذ بيد عبد المطلب فتخرج به إلى جبل ثبير) بمثلثة فموحدة، كأمير
(فيتقرّبون به إلى اللَّه) لما جرّبوه من قضاء الحوائج على يده ببركة نوره عَّهِ، ولما جعله اللَّه
فيه من مخالفة ما كان عليه الجاهلية بإلهام من اللَّه، وكان يأمر أولاده بترك الظلم والبغي،
ويحثّهم على مكارم الأخلاق وينهاهم عن دنيات الأمور، ويؤثر عنه سنن جاء بها القرءان والسنة
كالوفاء بالنذر، والمنع من نكاح المحارم، وقطع يد السارق، والنهي عن قتل الموؤدة وتحريم
الخمر والزنا، وأن لا يطوف بالبيت عريان، حكاه سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان.
(ويسألونه أن يسقيهم الغيث) المطر، (فكان) اللَّه (يغيثهم ويسقيهم ببركة نور رسول اللَّه)
الكائن في غرة جدّه (عَُّ غيثًا عظيمًا،) أو ببركة وجوده نفسه بعد ولادته، فإن عبد المطّلب
كان يخرج به. روى البلاذري وابن سعد عن مخرمة بن نوفل الزهري الصحابي، قال: سمعت
أُمي رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم بن عبد مناف، تقول: تتابعت عن قريش سنون ذهبن بالأموال
وأشقين على الأنفس، قالت: فسمعت قائلاً يقول في المنام: يا معشر قريش، إن هذا النبيّ
المبعوث منكم، وهذا أبان خروجه وبه يأتيكم الحيا والخصب، فانظروا رجلاً من أوسطكم نسبًا،
طوالاً عظامًا، أبيض مقرون الحاجبين، أهدب الأشغار، جعد، أسيل الخدين، رقيق العرنين،
فليخرج هو وجميع ولده، وليخرج منكم من كل بطن رجل فتطهّروا وتطيّبوا، ثم استلموا الركن،
ثم أرقوا إلى رأس أبي قبيس، ثم يتقدم هذا الرجل فيستسقى وتؤمنون فإنكم ستسقون، فأصبحت

١٥٦
عام الفيل وقصة أبرهة
[عام الفيل وقصة أبرهة]
فقصّت رؤياها عليهم فنظروا فوجدوا هذه الصفة صفة عبد المطلب، فاجتمعوا إليه وأخرجوا من
كل بطن منهم رجلاً وفعلوا ما أمرتهم به، ثم علوا على أبي قبيس ومعهم النبيّ معَّله وهو غلام
فتقدّم عبد المطّلب، وقال لهم: هؤلاء عبيدك وبنو عبيدك وإماؤك وبنو إمائك، وقد نزل بنا ما
ترى وتتابعت علينا هذه السنون، فذهبت بالظلف والخف وأشقت على الأنفس، فاذهب عنّا
الجدب، وائتنا بالحيا والخصب، فما برحوا حتى سالت الأودية، وبرسول اللَّه عَّ له سقوا، فقالت
رقيقة :
بشيبة الحمد أسقى اللَّه بلدتنا وقد فقدنا الحيا والجلود المطر
دان فعاشت به الأنعام والشجر
فجاد بالماء جوني له سبل
منا منّ اللَّه بالميمون طائره وخير من بشّرت يومًا به مضر
مبارك الأمر يستسقى الغمام به ما في الأنام عدل ولا خطر
اجلوذ بجيم ساكنة فلام مفتوحة فواو مشدّدة فذال معجمة: امتد وقت تأخّره وانقطاعه.
وجوني بفتح الجيم وسكون الواو فنون فتحتية مشدّدة: مطر هاطل، وسبل بفتح السين والموحدة
وباللام: المطر. وبشّرت بالبناء للفاعل.
قصة الفيل
أورد المصنّف منها طرفًا تنبيهًا على أن دفعهم من أجل النعم على قريش ببركته عَ له على
يد جدّه، وحاصلها: أنه لما كان المحرم والنبيّ عَّه حمل في بطن أمّه على الصحيح، حضر
أبرهة بن الصباح الأشرم يريد هدم الكعبة؛ لأنه لما غلب على اليمن وملكها من قبل النجاشي،
رأى الناس يتجهّزون أيام الموسم للحج، فقال: أين يذهبون؟ فقيل: يحجّون بيت اللَّه بمكّة، قال:
وما هو؟ قيل: من الحجارة، قال: وما كسوته؟ قيل: ما يأتي من هنا من الوصائل، فقال:
والمسيح لأبنينّ لكم خيرًا منه، فبنى لهم كنيسة بصنعاء بالرخام الأبيض والأصفر والأحمر
والأسود، وحلاّها بالذهب والفضّة وأنواع الجواهر، وأذلّ أهل اليمن على بنائها وكلّفهم فيها
أنواعًا من الشجر ونقل لها الرخام المجزع والحجارة المنقشة بالذهب والفضة من قصر بلقيس،
وكان على فرسخ من موضعها ونصب فيها صلبانًا من ذهب وفضة ومنابر من عاج وأبنوس
وغيره، وكان يشرف منها على عدن لارتفاع بنائها وعلوّها، ولذا سمّاها القليس - بضم القاف
وفتح اللام مشدّدة ومخفّفة فتحتية ساكنة فسين مهملة، أو بفتح القاف وكسر اللام؛ لأن الناظر
لها تسقط قلنسوته عن رأسه، وقيل: إنما سمّاها بذلك العرب فيحتمل أنهم تبعوه، واحتمال عكسه

١٥٧
عام الفيل وقصة أبرهة
بعيد إذ لا تطيب نفسه بتبعيتهم في تسمية ما بناه افتخارًا عليهم، فلما أراد صرف الحجّ إليها
كتب للنجاشي: إني بنيت كنيسة باسم الملك لم يكن مثلها قبلها، أريد صرف حجّ العرب إليها
وأمنع الناس من الذهاب لمكّة، فلما اشتهر الخبر عند العرب خرج رجل من كنانة مغضبًا فتغوّط
فیها، ثم خرج فلحق بأرضه، فأغضبه ذلك؛ هذا قول ابن عباس.
وقيل: أُجّجت فتية من العرب نارًا وكان في عمارة القليس خشب مموّه فحملتها الريح
فأحرقتها فحلف ليهدمنّ الكعبة، وهو قول مقاتل. وقيل: كان نفيل الخثعمي يتعرض لأبرهة
بالمكروه فأمهله حتى إذا كانت ليلة من الليالي لم يرَ أحدًا يتحرك فجاء بعذرة فلطخ بها قبلتها،
وجمع جيفًا فألقاها فيها فأخبر بذلك فغضب غضبًا شديدًا وحلف لينقضنّ الكعبة حجرًا حجرًا،
وكتب إلى النجاشي يخبره بذلك وسأله أن يبعث إليه فيله محمودًا، فلما قدم الفيل إليه خرج
في ستّين ألفًا.
وفي سيرة ابن هشام: فلما سمعت العرب بخروجه قطعوه ورأوا جهاده حقًّا عليهم، فخرج
إليه رجل من ملوك اليمن يقال له: ذو نفر وهو بنون ففاء فراء، فقاتله فهزم هو وأصحابه وأتى به
أسيرًا فأراد قتله ثم تركه وحبسه عنده في وثاق ثم مضى، حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له
نفيل بن حبيب الخثعمي في قبيلته ومن تبعه من العرب فقاتله، فهزم وأخذ نفيل أسيرًا فهم بقتله،
فقال: لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب، فتركه وخرج به يدلّه حتى إذا مرّ على الطائف خرج
مسعود بن معتب الثقفي في رجال ثقيف، فقالوا: أيها الملك، إنما نحن عبيدك سامعون لك
مطيعون، ولست تريد هذا البيت - يعنون بيت اللات - إنما تريد الذي بمكّة، ونحن نبعث معك
من يدلّك عليه، فبعثوا معه أبا رغال فخرج حتى إذا بلغ المغمس بطريق الطائف مات أبو رغال
فرجمت العرب قبره، فهو القبر الذي يرجم إلى اليوم، ثم أرسل أبرهة خيلاً له إلى مكة فأخذت
إبلاً لعبد المطلب فذهب له فردّها عليه، ثم انصرف إلى قريش فأمرهم بالخروج من مكّة إلى
الجبال والشعاب، ثم قام عبد المطّلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، ومعه نفر من قريش يدعون اللَّه
ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطّلب:
لا همَّ أنَّ المرويمنع رحله فامنع رحالك
وانصر على آل الصليـــب وعابديه اليوم آلك
لا يغلبن صليبهم ومحالهم أبدًا محالك
وزاد بعضهم، بعد البيت الثاني:
جروا جميع بلادهم والفيل كي يسبوا عيالك

١٥٨
عام الفيل وقصة أبرهة
ولما قدم أبرهة ملك اليمن - من قبل أصحمة النجاشي -
عمدوا حماك بكيدهم جهلاً وما رقبوا جلالك
وأنشد ابن هشام البيت الأول والثالث فقط، وقال: هذا ما صحّ عندي له منها، ثم أرسل
حلقة الباب وانطلق هو ومن معه من قريش إلى الجبال ينظرون ما أبرهة فاعل بمكة، فمنعه اللَّه من
دخولها؛ كما يجيء. وقيل: لم يخرج عبد المطّلب من مكّة بل أقام بها، وقال: لا أبرح حتى
يقضي اللَّه قضاءه، ثم صعد هو وأبو مسعود الثقفي على مكان عال لينظر ما يقع، وأبو رغال
بكسر الراء وخفّة المعجمة واللام وحكمة تقبيح حاله وإظهار شناعة أمره حتى صار يرجم بعد
موته دون نفيل أنه إنما جعل نفسه دليله وقاية من القتل؛ فكان كالمكره على ذلك بخلاف أبي
رغال، فإن قومه تلقوا أبرهة بالسلم واختاروه دليلاً، وقول الشارح دون ذي نفر ونفيله سبق قلم،
فما كان ذو نفر دليلاً إنما كان أسيرًا معه في الوثاق، كما تلي عليك.
(ولما قدم أبرهة) بفتح الهمزة وسكون الموحدة وفتح الهاء، (ملك اليمن) بكسر اللام
بدل من أبرهة (من قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة جهة، (أصحمة) بوزن أربعة وحاؤه مهملة،
وقيل معجمة، وقيل: بموحدة بدل الميم، وقيل: صحمة بغير ألف، وقيل كذلك لكن بتقديم الميم
على الصاد، وقيل: بميم في أوّله بدل الألف عن ابن إسحق في المستدرك للحاكم، والمعروف
عن ابن إسحق الأول ويتحصّل من هذا الخلاف في اسمه ستّة ألفاظ، لم أرها مجموعة.
(النجاشي) بفتح النون على المشهور، وقيل: تكسر عن ثعلب وتخفيف الجيم، وأخطأ
من شدّدها وتشديد آخره. وحكى المطرزي التخفيف، ورجّحه الصغاني، قاله في الإصابة. وفي
قوله: على المشهور ردّ للثاني من قول القاموس تكسر نونه أو هو الأفصح، قيل: أصحمة هذا
ومعناه بالعربية: عطية، كما قاله ابن قتيبة وغيره: جدّ النجاشي الذي كان في حياة النبيّ عَّهِ،
وسبب ولايته اليمن أن بعض أهلها من أصحاب الأخدود لما أكثر القتل فيهم ملكهم وهو ذو
نواس آخر ملوك اليمن من حمير فر إلى قيصر ملك الشام يستغيث به، فكتب له إلى النجاشي
ملك الحبشة ليغيثه، فأرسل معه أميرين أرياط وأبرهة بجيش عظيم فدخلوا اليمن وقتلوا ملكه
واستولوا عليه، ثم اختلفا وتقاتلا فقتل أرياط بعد أن شرم أنف أبرهة وحاجبه وعينه وشفته، فبذلك
سمّي الأشرم فداوى جراحه فبرىء، واستقلّ بالملك فبلغ النجاشي فغضب وأراد البطش به فترقّق
له أبرهة وتحيّل بإرسال تحف حتى رضي عنه، وأقرّه في قصة طويلة عند ابن إسحق هذا،
حاصلها: وفي حواشي البيضاوي للسيوطي: قال الطيبي: سمّي الأشرم؛ لأن أباه ضربه بحربة
فشرم أنفه وجبينه، انتهى. وكذا جزم به الأنصاري، دون عز وللطيبي، لكن معلوم أن ابن إسحق
مقدّم على الطيبي في مثل هذا.

١٥٩
عام الفيل وقصة أبرهة
لهدم بيت الله الحرام، وبلغ عبد المطلب ذلك، فقال: يا معشر قريش، لا يصل
إلى هدم البيت، لأن لهذا البيت ربًا يحميه ويحفظه.
ثم جاء أبرهة فاستاق إبل قريش وغنمها، وكان لعبد المطلب فيها أربعمائة
ناقة.
فركب عبد المطلب في قريش حتى طلع جبل ثبير، فاستدارت دارة غرة
رسول الله عَ ليه
(لهدم بيت الله الحرام) غضبًا من تغوّط الكناني بكنيسته وتلطيخ الخثعمي قبلتها بالعذرة
وإلقاء الجيف فيها واحتراقها بنار أجّجها بعض العرب، فحلف ليهدمنّ الكعبة، فهدمه اللَّه وملكه.
(وبلغ عبد المطلب ذلك، فقال: يا معشر قريش،) لا تفزعوا؛ لأنه (لا يصل إلى هدم البيت، لأنَّ
لهذا البيت ربًّا يحميه) بفتح أوله يدفع عنه من يريد فسادًا كأبرهة، (ويحفظه) بفعل ما هو سبب
في بقائه؛ كعمارته، وهذا أولى من جعل يحفظه عطف تفسير. (ثم جاء أبرهة) أي: رسوله؛ كبني
الأمير المدينة، فعند ابن إسحق فلمَّا نزل أبرهة المغمس أمر رجلاً من الحبشة، يقال له الأسود بن
مفصود بفاء وصاد مهملة على خيل له وأمره بالغارة فمضى حتى انتهى إلى مكّة، فساق أموال
تهامة وغيرها من قريش وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب وهو يومئذ كبير قريش وسيدها،
(فاستاق) أبرهة، أي: رسوله، (إبل قريش وغنمها).
قال ابن إسحق: فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بالحرم بقتاله، ثم عرفوا أنهم
لا طاقة لهم به فتركوه، (وكان لعبد المطّلب فيها أربعمائة ناقة) ظاهره: أن الكل إناث، والظاهر:
أن فيها ذكورًا فغلبت الإناث لكثرتها، ثم هو مخالف لما عند ابن إسحق وتبعه ابن هشام، وجزم
به البغوي واليعمري والدميري والشامي من قولهم: فأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطّلب، فيجوز
أن الخاص به مائتان وباقيها لبعض خواصه، فنست إليه والبعير يقع على الذكر والأنثى فلا
مخالفة، ولم يذكر المصنّف كغيره الغنم، فيجوز أن عبد المطّلب لم يكن له غنم أوّله، ولم
تذكر لخسّتها بالنسبة للإبل، (فركب عبد المطّلب في قريش، حتى طلع جبل ثبير) بمثلثة
مفتوحة فموحدة مكسورة فتحتية: جبل بمكّة، (فاستدارت دارة غرة) بضم الغين المعجمة، أي:
بياض، أي: نور (رسول اللَّه عَّه،) وفي المختار: الغرّة بالضم: بياض في جبهة الفرس فوق
الدرهم، وفي المصباح: الدارة دارة القمر وغيره، سميت بذلك لاستدارتها، فالمعنى هنا:
فحصلت دارة غرة المصطفى على سبيل التجريد، وإلا فالدّارة هي المحيطة بالغرة فلا يصحّ
إسناد الفعل لها؛ لاقتضائه تعلّق الاستدارة بالدارة، ولا يصحّ.

١٦٠
عام الفيل وقصة أبرهة
على جبهته كالهلال واشتد شعاعها على البيت الحرام مثل السراج، فلما نظر عبد
المطلب إلى ذلك قال: يا معشر قريش: ارجعوا فقد كفيتم هذا الأمر، فوالله ما
استدار هذا النور مني إلا أن يكون الظفر لنا، فرجعوا متفرقين.
ثم إن أبرهة أرسل رجلاً من قومه ليهزم الجيش، فلما دخل مكة ونظر إلى
وجه عبد المطلب خضع وتلجلج لسانه وخر مغشيًا عليه، فكان يخور كما يخور
الثور عند ذبحه، فلما أفاق خر ساجدًا لعبد المطلب، وقال: أشهد أنك سيد قريش
حقًا.
(على جبهته) متعلق باستدارت، وفي نسخة: على جبينه (كالهلال) وجعلت على جبينه؛
لأن الغرّة في الجبهة والدائرة حولها إذا وجدت تكون نازلة عن الغرّة بالجنبين المحيطين
بالجبهة، (واشتدّ شعاعها) حتى صار (على البيت الحرام مثل السراج) أي: الشمس مجازًا على
مقتضى البيضاوي وحقيقة على مقتضى قول القاموس: السراج معروف والشمس، (فلما نظر)
أي: أبصر (عبد المطّلب إلى ذلك) أي: استدارة النور في جبهته، وكونه على البيت مثل السراج
ولا يشكل بأن الشخص لا يبصر جبهته؛ لأنه لما استدار كالهلال أبصر شعاعه وعلم استدارته من
أحواله السابقة، ويحتمل قصر اسم الإشارة على الشعاع وأخبر عنه بالاستدارة لعلّه من الحاضرين،
أو من سابق أحواله أنه متى وجد كان مستديرًا، (قال: يا معشر قريش، ارجعوا) فرحين مستبشرين
(فقد كفيتم هذا الأمر، فوالله ما استدار هذا النور منيٍ إلاّ) كان سببًا وعلامة على (أن يكون
الظفر لنا،) وأقسم عليه لوثوقه به بناء على ما اعتاده قبل، أو لرؤيته على هذه الصورة الزائدة
الإشراق غلب على ظنه، فحلف (فرجعوا متفرّقين، ثم إن أبرهة أرسل) إلى مكّة (رجلاً من قومه)
هو حناطة - بحاء مهملة مضمومة ونون وطاء مهملة - الحميري، (ليهزم الجيش) أي: يكون سببًا
في هزمه بإدخال الرعب على قريش، أو سمّاهم جيشًا وإن لم ينصبوا القتال، ومرّ أنه لما جاء
رسوله وساق الإبل همت طائفة بقتاله ثم تركوا لعدم طاقتهم له، فيجوز أن من نقل أن
عبد المطلب جهّز جيشًا لحرب أبرهة أراد هذا، (فلما دخل مّة ونظر إلى وجه عبد المطّلب
خضع) أي: ذلّ (وتلجلج) بلامين وجيمين: تردد (لسانه) في الكلام لعجزه (وخرّ مغشياً عليه،
فكان) أي: صار (يخور) يصوّت؛ (كما يخور الثور عند ذبحه) تشبيه لبيان صفة فعله من الصياح
واحترز به عن صوت غيره، ففي القاموس: الخوار بالضم: صوت البقر والغنم والظباء والبهائم،
(فلما أفاق خرّ ساجدًا لعبد المطّلب) أي: وضع جبهته على الأرض؛ كدأبهم في التعظيم
وتجوير غير هذا في ذا المقام عجيب، (وقال: أشهد أنك سيّد قريش حقًّا،) وعند ابن إسحق: