النص المفهرس

صفحات 1-20

شَرَعُ الْعَلَامَةِ الرَّقَانِىّ
المتوفى سنة ١١٢٢ هـ.
اعلے
المواهب المدنيّة بالريح المحمديّة
للعَلَّامَة القسطَلاني
المتوفى سنة ٩٢٣ هـ.
ضَبَطَرَ وَمَحْهُ
محمد عبد العزيز الخالدي
الجزء الأول
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان

جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب
العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة
أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا" أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة
كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات
ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيا".
Copyright @
All rights reserved
Exclusive rights by DAR al-KOTOB al-
ILMIYAH Beirut - Lebanon. No part of this
publication may be translated, reproduced,
distributed in any form or by any means, or
stored in a data base or retrieval system,
without the prior written permission of the
publisher.
الطبعة الأولى
١٤١٧ هـ - ١٩٩٦مـ
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
: رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت
العنوان
تلفون وفاكس : ٣٦٤٣٩٨ - ٢٦٦١٣٥ - ٦٠٢١٣٣ (١ (٩٦ ) ..
صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
DAR al-KOTOB al-ILMIYAH
Beirut - Lebanon
Address : Ramel al-Zarif, Bohtory st., Melkart bldg., 1st Floore.
Tel. & Fax : 00 (961 1) 60.21.33 - 36.61.35 - 36.43.98
P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon
١٠٠

بِشْرِاله ◌َل ◌َ الرّحمة
ترجمة شهاب الدين أحمد بن
محمد القسطلاني(*)
مؤلف المواهب اللدنية
هو الحافظ شهاب الدين أبو العباس، أحمد بن محمد، بن أبي بكر، بن عبد
الملك، بن أحمد، بن محمد، بن حسين، بن علي القسطلاني المصري الشافعي،
الإمام العلامة، الحجة الرحالة، الفقيه المقرىء المسند.
قال السخاوي: مولده ثاني عشر ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمائة
بمصر، ونشأ بها وحفظ القرءان، وتلا السبع وحفظ الشاطبية والجزرية والوردية
وغير ذلك، وذكر له عدة مشايخ منهم: الشيخ خالد الأزهري النحوي، والفخر
المقدسي، والجلال البكري وغيرهم، وأنه: قرأ صحيح البخاري في خمسة مجالس
على الشاوي، وتلمذ له أيضًا، وأنه: قرأ عليه أعني السخاوي بعض مؤلفاته، وأنه
حج غير مرة، وجاور سنة أربع وثمانين وسنة أربعة وتسعين، وأنه أخذ بمكة عن
جماعة، منهم: النجم بن فهد، وولي مشيخة مقام سيدي الشيخ أحمد الحرار
بالقرافة الصغرى، وعمل تأليفًا في مناقب الشيخ المذكور سماه نزهة الأبرار في
مناقب الشيخ أبي العباس الحرار، وكان يعظ بالجامع العمري، وغيره ويجتمع عنده
(*) انظر ترجمته في السخاوي: الضوء اللامع ١٠٣/٢ - ١٠٤، ابن العماد: شذرات الذهب ١٢١/٨ - ١٢٣،
الغزي: الكواكب السائرة ١٢٦/١ - ١٢٧، العيدروسي: النور السافر ١١٣ - ١١٥، الشوكاني: البدر الطالع ١/
١٠٢ - ١٠٣، الكتاني: فهرس الفهارس ٣١٨/٢ - ٣٢٠، حاجي خليفة: كشف الظنون ٦٩ - ١٦٦ - ٣٦٦ -
٥٥٢ - ٥٥٨ - ٦٤٧ - ٨٦٧ - ٩١٩ - ٩٦٠ - ٢٠٩٠ - ١٢٣٢ - ١٢٣٥ - ١٢٣٦ - ١٢٣٥ - ١٥١٩ -
١٥٣٤ - ١٥٥١ - ١٥٥٢ - ١٥٦٨ - ١٦٦٢ - ١٦٦٣ - ١٦٨٨ - ١٧٩٩ - ١٨٤٧ - ١٨٩٦ - ١٩٣٨ -
١٩٦٥، العش: فهرس مخطوطات الظاهرية ٥٨/٦ - ٦٠، البغدادي: إيضاح المكنون ٤٨٤/٢ - ٦٨٤،
سركيس: معجم المطبوعات العربية والمصرية ١٥١١، كحالة: معجم المؤلفين ٨٥/٢.

٤
ترجمة القسطلاني
الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ، وكتب بخطه شيئًا كثيرًا لنفسه ولغيره،
وأقرأ الطلبة وتعاطى الشهادة، ثم انجمع وأقبل على التأليف، وذكر من تصانيفه:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية، والكنز في وقف حمزة وهشام على
الهمز، وشرحًا على الشاطبية زاد فيه زيادات ابن الجزري مع فوائد غريبة، وشرحًا
على البردة سماه الأنوار المضية، وكتاب نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس،
والروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، وتحفة السامع والقاري بختم صحيح
البخاري، ورسائل في العمل بالربع المجيب. انتهى ما ذكره السخاوي ملخصًا.
وقال في النور: ارتفع شأنه بعد ذلك فأعطي السعادة في قلمه وكَلِمِهِ،
وصنف التصانيف المقبولة التي سارت بها الركبان في حياته، ومن أجلها شرحه
على صحيح البخاري مزيجًا في عشرة أسفار كبار، لعله أجمع شروحه وأحسنها
وألخصها، ومنها المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، وهو كتاب جليل المقدار
عظيم الوقع كثير النفع ليس له نظير في بابه، ويحكى أن الحافظ السيوطي كان
يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه ويستمد منها ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى
عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا، فألزمه بيان مدعاه، فعدد مواضع قال: إنه
نقل فيها عن البيهقي، وقال: إنه للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ذكره في أي
مؤلفاته لنعلم أنه نقل عن البيهقي، ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي
فنقله برمته، وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي.
وحكى الشيخ جار الله بن فهد، أن الشيخ رحمه الله قصد إزالة ما في خاطر
الجلال السيوطي، فمشى من القاهرة إلى الروضة إلى باب السيوطي ودق الباب،
فقال له: من أنت؟ فقال أنا القسطلاني جئت إليك حافيًّا مكشوف الرأس ليطيب
خاطرك علي، فقال له: قد طاب خاطري عليك، ولم يفتح له الباب ولم يقابله،
قال في النور: وبالجملة فإنه كان إمامًا حافظًا متقنًا جليل القدر، حسن التقرير
والتحرير، لطيف الإشارة بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب
والترصيف، زينة أهل عصره ونقاوة ذوى دهره، ولا يقدح فيه تحامل معاصريه
عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر.
توفي في ليلة الجمعة سابع المحرم سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة بالقاهرة

٥
ترجمة القسطلاني
ودفن بالمدرسة العينية جوار منزله، انتهى.
وقال في الكواكب: كان موته بعروض فالج نشأ له من تأثره ببلوغه قطع
رأس إبراهيم بن عطاء الله المكي، بحيث سقط عن دابته وأغمي عليه، فحمل إلى
منزله ثم مات بعد أيام.

٦
التعريف بالمواهب
التعريف بالمواهب اللدنية
بالمنح المحمدية
قال حاجي خليفة في كشف الظنون: المواهب اللدنية في السيرة النبوية
في مجلد، للشيخ الإمام شهاب الدين أبي العباس، أحمد بن محمد القسطلاني
المصري، المتوفى سنة ٩٢٣ ثلاث وعشرين وتسعمائة، وهو كتاب جليل القدر
كثير النفع ليس له نظير في بابه، رتبه على عشرة مقاصد:
الأول: فى تشريف الله تعالى نبيه بسبق نبوته وطهارة لمسبه وولادته ورضاعه
ومغازيه وسراياه مرتبًا على السنين إلى وفاته عليه الصلاة والسلام.
الثاني: في أسمائه وأولاده وأزواجه وأعمامه وخدمه.
الثالث: فيما منحه الله تعالى من كمال خلقته؛ وفيه ثلاثة فصول.
الرابع: في معجزاته وخصائصه.
الخامس: في خصائص المعراج.
السادس: فيما ورد من آي التنزيل في رفعة ذكره.
السابع: في وجوب محبته واتباع سنته.
الثامن: في طبه وتعبيره الرؤيا.
التاسع: في لطيفه من حقائق عباداته.
العاشر: في اتمامه سبحانه وتعالى نعمته عليه بوفاته .... ، وفيه ثلاثة فصول.
وذكر في كشف الظنون عن القسطلاني أنه فرغ من تأليفه في شوال سنة
٨٩٨ ثمان وتسعين وثمانمائة ومن تبييضه في شعبان سنة ٨٩٩ تسع وتسعين
وثمانمائة.
وقال الغزي في الكواكب: وأقام عند النبي عَّ فحصل له جذب فصنف

٧
التعريف بالمواهب
المواهب اللدنية لما صحا ... وقال: وكان له اعتقاد تام في الصوفية وأكثر في
المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا ... واختار مذهب ملك رضي الله عنه في
تفضيل المدينة على مكة؛ قلت : - أي الغزي - وأول دليل على قبول أعماله
وإخلاصه في تأليفه، عناية الناس بكتابه المواهب اللدنية، ومغالاتهم في ثمنه مع
قلة الرغبات .. اهـ. وفي كشف الظنون: ترجمه المولى الفاضل عبد
الباقي بن ... (١) الشاعر الرومي المشهور أحسن ترجمة وسماه معالم اليقين(٢)،
وتوفي سنة ١٠٠٨هـ.
وعلى المواهب حاشية لمولانا نور الدين علي القاري المكي المشهور
المتوفى سنة ١٠١٤ أربع عشرة وألف.
وللعلامة الشيخ إبراهيم بن محمد الميموني المصري الشافعي المتوفى سنة
١٠٧٩ تسع وسبعين وألف، حاشية أيضًا.
وشرح المواهب المولى العلامة خاتمة المحدثين محمد بن عبد الباقي بن
يوسف الزرقاني المصري المالكى، المتوفى سنة ١١٢٢ اثنتين وعشرين ومائة
وألف، شرحًا حافلاً في أربع مجلدات، جمع فيه أكثر الأحاديث المروية في
شمائل المصطفى عَّة وسيره وصفاته الشريفة جزاه الله خيرًا ورحمه رحمة واسعة.
وللشيخ أبي الضياء علي بن علي الشبراملسي المتوفى سنة ١٠٨٧ سبع
وثمانين وألف حاشية على المواهب في خمس مجلدات ضخام، نقلها الأميني في
خلاصة السير.
(١) كذا في المطبوع من كشف الظنون.
(٢) أي أن المؤلف ترجم المواهب إلى الروميه حسب ما يظهر أو شرحه اهـ.

٨
ترجمة الزرقاني
ترجمة الزرقاني شارح المواهب
هو محمد الزرقاني بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن علوان المصري
الأزهري المالكي، الشهير بالزرقاني الإمام المحدث، الناسك النحرير، الفقيه
العلامة. وقال الزركلي أبو عبد الله: خاتمة المحدثين بالديار المصرية، مولده ووفاته
بالقاهرة، ونسبته إلى زرقان من قرى منوف بمصر. وقال كحالة: محدث فقيه
أصولي.
أخذ عن والده، وعن النور علي الشبراملسي، وعن الشيخ محمد البابلي
وغيرهم. كما أخذ عن الشيخ محمد خليل العجلوني الدمشقي والجمال عبد الله
الشبراوي:
وله من المؤلفات:
- شرح على الموطأ. ذكره كحالة (١) باسم: أبهج المسالك بشرح موطأ
الإمام لملك.
- شرح على المواهب اللدنية. قال سركيس: وهو شرح حافل جمع فيه أكثر
الأحاديث المروية في شمائل المصطفى وسيره وصفاته الشريفة.
- وذكره كحالة (٢) باسم: إشراق مصابيح السيرة المحمدية بمزج أسرار
المواهب اللدنية.
- شرح المنظومة البيقونية.
- مختصر(٣) المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة.
- وصول الأماني في الحديث.
(١) ذكر الزركلي في الأعلام ١٨٤/٦: تلخيص المقاصد الحسنة.
(٢) انظر معجم المؤلفين ١٢٤/١٠.
(٣) مصادر ترجمته: كحالة: معجم المؤلفين ١٢٤/١٠، الجبرتي: عجائب الآثار ٦٩/١، المرادي: سلك الدرر ٤/
٣٢ - ٣٣، الكتاني: فهرس الفهارس ٣٤٢/١ - ٣٤٣، البغدادي: هدية العارفين ٣١١/٢، الزركلي: الأعلام ٦/
٠١٨٤

٩
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعلنا خير أمة أخرجت للناس، ورفع منابر تشريفنا على منابر صفحات
الدهور ثابتة الأساس، ووضع عنّا الإصر والأغلال، ومنعنا الاجتماع على الضلال، وقدّمنا تقديم
البسملة في القرطاس، فنحن الآخرون السابقون تبجيلاً وتكريماً لمن أرسله فينا رؤوفًا رحيمًا، فأقام
دعائم الدين بعد طول تناسٍ؛ وأشهد أن لا إله إلاّ اللَّه، وحده لا شريك له، تعالى عمّا يقول
الظالمون الأرجاس، وأشهد أن سيّدنا محمّدًا عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، الأمين المأمون
الطيّب الأنفاس، ألا وهو أجلّ من أن يحيط به وصف، وأشرف من أن يضم جواهره نظم أو
وصف، زكي المنابت، طيّب الأغراس، أضاءت قبل كونه إرهاصاته إضاءة المقباس، وأزهرت في
حمله وولادته ورضاعه زهراءي، اقتبس منها النبراس، وأشرقت أعلام نبوّته، ولمعت لوامع براهين
رسالته، فشيّدت منار الهدى بعدما كان في إبلاس، وبهر بالآيات البيّنات، فشقّ له البدر في دجى
الأغلاس، وغلب بمعجزات بدورها في التمام، وجواهرها تروق في الترصيع والانتظام، ورياضها
تتأرج بنسمات سماته، وتنشق عن نور زهر شمائله، ونور زهر صفاته التي كل عن إحصاء راموزها
المقياس؛ صلّى اللَّه وسلم عليه وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحابته وأزواجه
وذريته الطيبين الطاهرين الأكياس، الناهضين بأعباء المناقب، الراقين في علياء المناصب، البالغين
في نصر الدين، النجوم الثواقب، الهادين من الكفر الجبال الرواس، حتى نسفوها نسفًا، وحكموا
بالعدل وأقاموا القسطاس.
أما بعد: فهذا الكتاب لم يطلبه مني طالب، ولا رغب إليَّ في تصنيفه راغب، وإنما تطلبت
نفسي فيه مزج المواهب، فأودعته نفائس بها يتنافس في شرح السنّة النبوية، وعرائس استجليتها
من مخدرات خدور السيرة المحمدية، وجواهر استخرجتها من قاموس الحكم المصطفوية،
وزواهر اقتبستها من أرقعة السيرة الهاشمية، وزهور اجتثيتها من جنَّات وجنات الروضة المدنية،
يبهر من عقد نظامها الناظر، وينادي من أين هذا لهذا القاصر، فيجيبه حال اللسان الوهاب، قوي
قادر، أمّا العيوب وإن كثرت، فما لا سبيل إلى السلامة منها لغير المعصوم، وقد قال:
من ذا الذي ما ساء قطّ ومن له الحسنى فقط
وقد قال ابن عبدوس النيسابوري: لا أعلم في الدنيا كتاباً سلم إلى مؤلفه ولم يتبعه من
يليه، فكيف وفهمي فاتر، ونظري قاصر، ووجودي في الزمان الآخر مع ما أقاسيه من تلاطم أمواج

١٠
المقدمة
الهموم وأقلامه من ترادف جيوش الغموم، لكني أنتظر الفرج من الحي القيوم، مستعيذاً به من
حسود ظلوم، والله أسأل العون على إتمامه، والتوفيق من إمتنائه وهو حسبنا ونعم الوكيل.
هذا؛ وجامعه الحقير الفاني، محمّد بن عبد الباقي الزرقاني، قد أخذ الكتاب رواية ودراية،
عن علاّمة الدنيا، الآخذ من بحار التحقيق بالغايتين: القصوى والدنيا، الأصول النحوي النظار
الفقيه التحرير الجهبذ الفهامة النبيه الشيخ علي الشمرلسي شيخ الإسلام، فسح اللَّه له وأدام به
نفع الأنام. وكم بحمد اللَّه صغى لي وسمع ما أقول وكتب أنقالي وحثّني على إحضار ما أراه
من النقول، إذا رأى ملالي، ولم أزل عنده من نعم اللَّه بالمحل الأرفع العالي، والله يعلم أني لم
أقل ذلك للفخر، وأي فخر لمن لا يعلم ما حاله في القبر، بل امتثالاً للأمر بالتحدث بالنعمة،
كشف اللَّه عنّا كل غمّة، بحق روايته له عن شيخ الإسلام أحمد بن خليل السبكي، إجازة عن
السيد يوسف الأرميوني، عن المؤلف، وعن البرهان إبراهيم اللقاني، عن العارفين المحمدين:
البنوفري، وابن الترجمان، عن العارف الشعراني، عن مؤلّفها، وعن الفقيه النور الأجهوري، عن
البدر القرافي والبنوفري، عن عبد الرحمن الأجهوري، عن مؤلفه. وقد وضع عليه حال القراءة،
هاتيك الحاشية الرقيقة، الحاوية لجواهر أبحاثه الدقيقة، وبدور الأنقال الأنيقة. وهو مرادي
بشيخنا في الإطلاق، وربما عبرت عنه بالشارح لغرض صحيح لدى الحذاق.
ح وأخبرنا به إجازة أبو عبد اللَّه الحافظ محمد العلائي البابلي، قال: أخبرنا بها سماعًا
لبعضها وإجازة لباقيها، شيخ الإسلام علي الزيادي، عن قطب الوجود أبي الحسن البكري، عن
مؤلفها وهو أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن أحمد القسطلاني القتيبي المصري
الشافعي، ولد كما ذكره شيخه الحافظ السخاوي، في الضوء بمصر ثاني عشر ذي القعدة سنة
إحدى وخمسين وثمانمائة، وأخذ عن الشهاب العبادي، والبرهان العجلوني، والفخر المقدسي،
والشيخ خالد الأزهري النحوي، والسخاوي وغيرهم.
وقرأ البخاري على الشهاوي في خمسة مجالس، وحج مرارًا، وجاور بمگّة مرتین، وروی
عن جمع منهم النجم بن فهد، وكان يعظ بالغمري وغيره الجم الغفير، ولم يكن له في الوعظ
نظيرًا، انتهى. وتوفي ليلة الجمعة بالقاهرة، سابع محرم سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، وصُلّي
عليه بعد صلاة الجمعة بالأزهر، ودفن بمدرسة العيني. وله عدّة مؤلفات، أعظمها هذه المواهب
اللدنية، التي أشرقت من سطورها أنوار الأبهة والجلالة، وقطرت من أديمها ألفاظ النبوة والرسالة،
أحسن فيها ترتيبًا وصنعًا، وأحكمها ترصيعًا ووضعًا، وكساه اللَّه فيها رداء القبول، ففاقت على
كثير مما سواها عند ذوي العقول.

١١
شرح مقدمة المواهب
بسم الله الرّحمن الرحيم
قال رحمه الله: (بسم الله الرحمن الرحيم.) بدأ بها عملاً بقوله عَ ل: ((كل أمر ذي بال لا
يبدأ فيه ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، فهو أقطع)، رواه الخطيب وغيره من حديث أبي هريرة،
وأصله في سنن أبي داود، وابن ماجه، والنسائي في عمل يوم وليلة، وابن حبان في صحيحه،
بلفظ بالحمد، وفي لفظ أبتر، وآخر أجزم بجيم وذال معجمة، تشبيه بليغ في العيب المنفر.
واقتداء بأشرف الكتب السماوية، فإن العلماء متفقون على استحباب ابتدائه بالبسملة في
غير الصلاة وإن لم يقل بأنها منه، كما قاله الخطاب، فسقط اعتراض مالكي على من قال ذلك
من المالكية، والأصح أنها بهذه الألفاظ العربية، على هذا الترتيب من خصائص المصطفى وأُنّته
المحمدية، وما في سورة النمل جاء على جهة الترجمة عمّا في ذلك الكتاب، فإنه لم يكن
عربيًّا، كما أتقنه بعض المحققين، وعند الطبراني عن بريدة رفعه: ((أنزل عليّ آية لم تنزل على
نبيّ بعد سليمن غيري ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾)) [الفاتحة: ١].
وحديث ((﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ كل كتاب))، رواه الخطيب في الجامع معضلاً
فيه وجهان أحدهما: لفظ البسملة قد افتتح به كل كتابٍ من الكتب السلطوية المنزَّلة على
الأنبياء، والثاني: إن حقها أن تكون في مفتتح كل كتاب، إستعانة وتيمّنًا بها وهذا أقرب، وإن
زعم أن المتبادر الأول، فلا ينافي الخصوصية؛ ولئن سلم فهو معضل لا حجة فيه.
وفي الاسم لغات معلومة، وفي أنه عين المسمى أو غيره كلام سيجيء إن شاء اللّه تعالى
في أول المقصد الثاني، وإضافته إلى اللَّه من إضافة العام للخاص كخاتم حديد، واتُّفِق على أنه
أعرف العارف، وإن كان علمًا انفرد به سبحانه فقال: ﴿هل تعلم له سميا﴾ [مريم: ٦٥] وهو
عربي.، ونطق غير العرب به من توافق اللغات، مرتجل جامد عند المحققين وقيل مشتق، وعليه
جمهور النحاة وهو اسم الله الأعظم، كما قاله جماعة، لأنه الأصل فى الأسماء الحسنى، لأن
سائر الأسماء تضاف إليه، وعدم إجابة الدعاء به لكثير، لفقد شروط الدعاء التي منها أكل الحلال
البحث وحفظ اللسان والفرج.
والرحمن المبالغ في الرحمة والأنعام، صفة اللَّه تعالى؛ وعورض بوروده غير تابع لاسم
قبله. قال تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥] ﴿الرحمن علّم القرءان﴾
[الرحمن: ٢/١]، وأجيب بأنه وصف يراد به الثناء، وقيل عطف بيان، ورده السهيلي بأن اسم
الجلالة الشريفة غير مفتقر، لأنه أعرف المعارف كلها؛ ولذا قالوا: ((وما الرحمن))، ولم يقولوا: وما
اللَّه.
والرحيم: فعيل، حول من فاعل للمبالغة، والإسمان مشتقّان من الرحمة، وقرن بينهما

١٢
شرح مقدمة المواهب
الحمد لله
للمناسبة، ومعناهما واحد عند المحققين، إلا أن الرحمن مختصّ به تعالى، ولذا قدم على الرحيم
لأنه صار كالعلم من حيث أنه لا يوصف به غيره. وقول بني حنيفة في مسيلمة: رحمان اليمامة،
وقول)، شاعرهم لا زلت رحمانًا عنت في الكفر أو شاذّ، أو المختص باللّه تعالى، أو المعرّف
باللام، فالرحمن خاص لفظاً لحرمة إطلاقه على غير اللّه، عام معنى من حيث أنه يشمل جميع
الموجودات، والرحيم عام من حيث الإشتراك في التسمي به خاص معنى لرجوعه إلى اللطف
والتوفيق، وقد قال مَّله: ((اللّه رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما))، رواه الحاكم. وقيل اسم الله
الأعظم هو الأسماء الثلاثة: اللَّه الرحمن الرحيم.
وروى الحاكم في المستدرك، وصححه عن ابن عباس، أن عثمن بن عفان سأل
رسول اللَّه عَّله عن ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، فقال: هو اسم من أسماء اللَّه تعالى، وما بينه
وبين إسم اللَّه الأكبر إلا كما بين سواد العين وبياضها من القرب، ولكون الحمد من أفرادها
اقتصر عليها إمامنا في الموطأ والبخاري وأبو داود، ومن لا يحصى، وأيّده الحافظ بأن أول ما
نزل ﴿إقرأ باسم ربك ... ﴾ [العلق: ١]، فطريق التأشي به الافتتاح بها والاقتصار عليها، وبأن
كتبه عَّبِ إلى الملوك وغيرهم مفتتحة بها دون حمدلة وغيرها، لكن المصنف كالأكثر أردفها به؛
لأن المقتصر عليها لا يسمى حامداً عرفًا، فقال: (الحمد لله ) وللاقتداء بالكتاب العزيز
ولقوله عَّهِ: ((إن اللَّه عزّ وجلّ يُحبُّ أن يُحمد))، رواه الطبراني وغيره.
وروى الشيخان وغيرهما مرفوعًا: لا أحد أحبّ إليه الحمد من اللَّه عزّ وجلّ، وقوله عَلّهِ:
((إن الله يحبُّ الحمد يحمد به ليثيب حامده، وجعل الحمد لنفسه ذكراً ولعباده ذخرًا))، رواه
الديلمي عن الأسود بن سريع. وقوله عَّهِ: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمدللّه فهو أقطع))،
رواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما، وصححه ابن حبان وأبو عوانة، وإن كان في سنده قرة بن
عبد الرحمن تكلم فيه؛ لأنه لم ينفرد به، بل تابعه سعيد بن عبد العزيز، وأخرجه النسائي. وفي
رواية أحمد: لا يفتتح بذكر اللَّه فهو أبتر أو أقطع. تشبيه بليغ في العيب المنفر بحذف الأداة،
والأصل هو كالأبتر أو الأقطع في عدم حصول المقصود منه، أو استعارة، ولا يضر الجمع فيه
بين المشبه والمشبه به؛ لأن امتناعه إذا كان على وجه ينبىء عن التشبيه لا مطلقاً للتصريح بكونه
استعارة في نحو:
قد زر ازراره على القمر
على ان المشبه في هذا التركيب محذوف، والأصل هو ناقص، كالأقطع، فحذف المشبه
وهو الناقص وعبّر عنه باسم المشبه به، فصار المراد من الأقطع الناقص، وعليه فلا جمع بين

١٣
شرح مقدمة المواهب
الذي أطلع في سماء الأزل شمس أنوار معارف النبوة المحمدية، وأشرق من أفق
أسرار مظاهر الرسالة تجلي الصفات
الطرفين بل المذكور اسم المشبه به فقط.
(الذي اطلع:) نعت للَّه، والجملة الفعلية صلة الموصول، وهو وصلته كالشيء الواحد،
وهما في معنى المشتق؛ لأن الصلة هي التي حصلت بها الفائدة، وترتيب الحكم على المشتق
يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق، فكأنه قال لاطلاع إلى آخره، فيكون حمده تعالى لذاته ولصفاته فهو
واجب، أي: يثاب عليه ثوابه لا أنه يأثم بتركه لا لفظًا ولا نيّة. وقد قام البرهان عقلاً ونقلاً على
وجوب حمده سبحانه؛ لأن شكر المنعم واجب به للآيات والأخبار الآمرة بالتدبر الموجبة
للتفكّر. وهو سبحانه وتعالى قد أفاض نعمه على كل موجود ظاهره وباطنه وإن كان قد فاوت
بينهم فيها، ولذا قيل: نعمتان ما خلا موجود عنهما: نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد.
(في سماء الأزل،) بالتحريك القدم؛ فهو استعارة بالكناية شبه الأزل من حيث وجوده قبل
العالم بمكان يعلوه سماء، وأثبت له السماء استعارة تخييلية، والسماء المظلّة للأرض. قال ابن
الأنباري: تذكّر وتؤنّث، وقال الفراء: التذكير قليل، وهو على السقف وكأنه جمع سماوة
کسحاب، وسحابة وجمعت علی سموات.
(شمس الأنوار:) جمع نور، أي: أضواء.
(معارف النبوّة المحمديّة،) ولكونها قبل العالم عبر باطلع المشعر بأنها لم تكن موجودة،
ثم كانت لانتفاء القدم لغير الباري، ثم بعد وجوده وإشراقه بمظاهر الصفات، وهي كائنة في عالم
المشاهدة عبر بالإشراق الذي هو الإضاءة لهذا العالم، فقال: (وأشرق) أي: أضاء، وهو لازم؛
كما قال تعالى: ﴿وأشرقت الأرض بنور ربها﴾، ويُعد في كلام المولدين حملاً على أضاء، لأنه
بمعناه والشىء يحمل على نظيره وضدّه. وأضاء جاء متعدّيًا ولازمًا أو بتضمين معناه، أو بمعنى
التصيير كما قيل به في ثلاثة: تشرق الدنيا ببهجتها، واستعماله مزيداً أكثر، وثبت ثلاثية، فقيل
هما بمعنى، وقيل أشرقت: أضاءت، وشرقت، طلعت.
(من أفق) بضم فسكون وبضمتين؛ كما في القاموس وغيره، أي: ناحية.
(أسرار مظاهر الرسالة) جمع مظهر، اسم موضع الظهور، وقال في لطائف الأعلام: الأفق
في اصطلاح القوم، يكنى به عن الغاية التي ينتهي إليها سلوك المقرّبين، وكل من حصل منهم
إلى اللَّه على مرتبة قرب إليه، فتلك المرتبة هي أفقه ومعراجه.
(تجلي الصفات) هو عند الصوفية ما يكون مبدؤه صفة من الصفات، من حيث تعيينها
وامتيازها عن الذات، كذا في التوقيف. وقال صاحب لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام،

١٤
شرح مقدمة المواهب
الأحمدية، أحمده على أن وضع أساس نبوته على سوابق أزليته، ورفع دعائم رسالته
يعنون بالتجلّي الصفاتي تجريد القوى والصفات عن نسبتها إلى الخلق بإضافتها إلى الحق،
وذلك أن العبد إذا تحقق بالفقر الحقيقي، وهو انتفاء الملك بشهود العزّ له تعالى، صار قبلة
للتجلّي الصفاتي، بحيث يصير هذا القلب التقي النقي مرآة ومجلى للتجلي الوحداني الصفاتي
الشامل حكمه لجميع القوى والمدارك، كما إليه الإشارة بالحديث القدسي، ((فإذا أحببته كنت
سمعه). الحديث، وأطال في بيان ذلك.
(الأحمدية:) المنسوبة إلى أحمد عَّله، وهو اسم لم يتّسم به أحد قبله، قال الحافظ:
والمشهور أن: ((أول من سمّي به بعده عَّه والد الخليل بن أحمد)). لكن زعم الواقدي أنه كان
لجعفر بن أبي طالب ابن اسمه أحمد. وحكى ابن فتحون في ذيل الاستيعاب أن اسم أبي
حفص بن المغيرة الصحابي أحمد، ويقال في والد أبي السفر أن اسمه أحمد. قال الترمذي: أبو
السفر هو سعيد بن يحمد، ويقال ابن أحمد، انتهى.
(أحمده على أن وضع أساس) أصل (نبوّته،) أي: النبيّ المفهوم من نبوّة أو نبوّة
محمّد عَّ المستفاد من المحمديّة والأحمدية (على سوابق أزليته،) أي: على الأمور التي
اعتبرها في الأزل سابقة على غيرها. قال محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي: ((وليس هو
الفخر)). صاحب التفسير في كتابه - مختار الصحاح - الأزل: القدم يقال أزلي، ذكر بعض أهل
العلم أن أصل هذه الكلمة قولهم للقديم لم يزل، ثم نسب إلى هذا فلم يستقم إلا باختصار،
فقالوا: يزلي ثم أبدلت الياء ألفًا؛ لأنها أخفّ، فقالوا: أزلي، كما قالوا في الرمح المنسوب إلى
ذي يزن أُزني.
(ورفع دعائم رسالته؛) أي: المعجزات، عبّر عنها بذلك لمشابهتها لها في إثبات رسالته
وتقويتها، كتقوية الجدار بما يدعم به، ثم هو استعارة تصريحية شبه المعجزات بالدعائم واستعار
اسمها لها، أو مكنية شبه الرسالة المؤيّدة بالمعجزة ببيت مشيد الأركان مدعم بما يمنع تطرّق
الخلل له، وأثبت الدعائم تخييلاً، ولم تزل البلغاء تستعير الدعائم؛ كقول ابن زيدون:
أين البناء الذي أرسوا قواعده على دعائم من عزّ ومن ظفر
ويقال للسيّد في قومه: هو دعامة القوم، كما يقال: هو عمادهم. قال الراغب الرسالة سفارة
العبد بين اللَّه وبين خلقه. وقيل: إزاحة علل ذوي العقول فيما تقصر عنه عقولهم من مصالح
المعاش والمعاد، وجمع بعض المحققين بينهما، ((فقال سفارة بين اللَّه وبين ذوي الألباب لإزاحة
عللهم فيما يحتاجونه من مصالح الدارين))، وهذا حد كامل جامع بين المبدأ المقصود بالرسالة

١٥
شرح مقدمة المواهب
على لواحق أبديته.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الفرد المنفرد في فردانيته
بالعظمة والجلال،
وهي الخصوصية، وبين منتهاها وهو إزاحة عللهم، انتهى.
(على لواحق أبديّته)) أي: دهوره التي لا انقضاء لها؛ فالأبد الدهر الذي لا نهاية له أو
الدهر، وعبّر هنا بلواحق، لأنه محل المعجزات وهي إنما تكون بعد وجوده في ذا العالم، فناسب
أن تكون على الأمور اللاحقة الخارقة للعادة. وفيما قيل بسوابق؛ لأنه مظهر لأساس النبوّة وهو
معتبر قبل وجود العالم.
(وأشهد:) أقرّ وأعلم وأبيّن، والشهادة الإخبار عن أمر متيقن قطعًا، (أن لا إله إلا الله:) لا
معبود بحقّ، إلاّ اللَّه، أتى به لخبر أبي داود والترمذي والبيهقي، وصححه مرفوعًا، كل خطبة
ليس فيها تشهّد فهي كاليد الجذماء، أي: القليلة البركة. وأن المخففة من الثقيلة لا الناصبة للفعل
إذ لا فعل هنا، ولأن أشهد من أفعال اليقين فيجب أن يكون بعدها أن المؤكّدة لتناسب اليقين.
(وحده:) نصب على الحال بمعنى متوحّدًا، وهو توكيد لتوحيد الذات. (لا شريك:) لا
مشارك (له؛) تأكيدًا لتوحيد الأفعال ردًّا على نحو المعتزلة. وقد روى لملك وغيره مرفوعًا: أفضل
ما قلته أنا والنبيّون من قبلي لا إله إلاّ اللَّه وحده لا شريك له.
(الفرد:) قال الراغب: الفرد الذي لا يختلط بغيره، وهو أعمّ من الوتر وأخصّ من الواحد،
وجمعه فرادى. قال تعالى: ﴿لا تذرني فرداً﴾ [الأنبياء: ٨٩]، أي: وحيدًا. ويقال في اللَّه فرد
تنبيهًا على أنه مخالف للأشياء كلها في الازدواج، المنتّه عليها بقوله تعالى: ﴿ومن كل شىء
خلقنا زوجين﴾ [الذاريات: ٤٩]، وقيل: معناه أنه المستغني عما عداه، فهو كقوله تعالى: ﴿إِن
اللَّه لغنيّ عن العالمين﴾ [العنكبوت: ٦]، فإذا قيل هو فرد فمعناه منفرد بوحدانيته، مستغنٍ عن
كل تركيب مخالف للموجودات كلّها.
(المنفرد) من باب الإنفعال للمطاوعة، والمراد بدون صنع بل بذاته، وإطلاقه على اللَّه، إما
لثبوته كما يشعر به كلامهم، أو للاكتفاء بورود ما يشاركه في مادّته ومعناه، أو بناء على جواز
إطلاق ما لا يوهم نقصًا مطلقًا، أو على سبيل التوصيف دون التسمية كما ذهب إليه الغزالي.
(في فردانيته بالعظمة والجلال:) مرادف، فجلال اللَّه: عظمته، والعظمة هي جلاله
وكبرياؤه. لكن قال الرازي: الجليل الكامل في الصفات، والكبير الكامل في الذات، والعظيم
الكامل فيهما. فالجليل يفيد كمال الصفات السلبية والثبوتية. وقد ذهب الأصمعي إلى أن

١٦
شرح مقدمة المواهب
الواحد المتوحد في وحدانيته باستحقاق الكمال، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدًا
عبده ورسوله
الجلال لا يوصف به غير اللَّه لغة. وأكثر اللغويين على حلافه، وإنه يوصف به غيره؛ كقوله:
ألمم على أرضٍ تقادم عهدها بالجذع واستلب الزمان جلالها
وكقول هدية:
فلاذا جلال هينه لجلاله ولا ذا ضياع من يتركن للعقد
(الواحد:) في ذاته وصفاته وأفعاله، من الأسماء الحسنى؛ كما في رواية الترمذي. وفي
رواية ابن ماجه: الأحد. قال الأزهري: الفرق بينهما أن الأحد بني لنفي ما يذكر معه من العدد،
تقول: ما جاءني أحد، والواحد اسم بني لمفتتح العدد، تقول: ما جاءني واحد من الناس، ولا
تقول: جاءني أحد؛ فالواحد منفرد بالذات في عدم المثل والنظير والأحد منفرد بالمعنى. وقال
غيره: الأحد الذي ليس بمنقسم ولا متحيّز، فهو اسم لمعنى الذات فيه سلب الكثرة عن ذاته،
والواحد وصف لذاته فيه سلب النظير والشريك عنه، فافترقا. وقال السهيلي: أحد أبلغ وأعمّ، ألا
ترى أن ما في الدار أحد، أعمّ وأبلغ من ما فيها واحد. وقال بعضهم: قد يقال انه الواحد في ذاته
وصفاته وأفعاله، والأحد في وحدانيته إذ لا يقبل التغيير ولا التشبيه بحال.
(المتوحّد:) فيه ما مرّ في المنفرد ولو أبدله بالأحد لكان فيه تلميح بالروايتين. (في
وحدانيته باستحقاق الكمال،) إذ الكمال الخالص المطلق ليس إلاّ له فلا يتغيّر سبحانه وتعالى.
ولما كان الواسطة في وصول الفيض من اللَّه إلينا هو النبيّ عَّله، وتطابق العقل والنقل
على وجوب شكر المنعم عقب الشهادة للَّه، بالشهادة لرسوله؛ فقال: (وأشهد أن سيّدنا وحبيبنا)
طبعًا وشرعًا لحبّ اللَّه (محمّدًا عبده ورسوله) عَّةِ، ولدخوله في قوله: ((كل خطبة ... ))،
الحديث. قال تعالى: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ [الشرح: ٤] أي: لا أذكر إلا وتذكر معي، كما ورد
مفسّرًا عن جبريل عن اللَّه تعالى.
والمصطفى هو الذي علّمنا شكر المنعم، وكان السبب في كمال هذا النوع إذ لا بدّ من
القابل والمفيد، وأجسامنا في غاية الكدورة، وصفات الباري في غاية العلوّ والصفاء والضياء.
فاقتضت الحكمة الإلهية توسط ذي جهتين، تكون له صفات عالية جدًا وهو من جنس البشر
ليقبل عن اللَّه بصفاته الكمالية، ونقبل عنه بصفاتنا البشرية، فلذا استوجب قرن شكره بشكره؛
ومحمّدًا عطف بيان لا صفة لتصريحهم بأن العلم ينعت ولا ينعت به، ولا بدل؛ لأن البدلية وإن
جوزت في ﴿ذكر رحمة ربك عبده زكريا﴾، لكن القصد الأصلي هنا إيضاح الصفة السابقة
وتقرير النسبة تبع، والبدلية تستدعي العكس، وقدم العبودية المضافة للَّه؛ لكونها أشرف أوصافه

١٧
شرح مقدمة المواهب
أشرف نوع الإنسان، وإنسان عيون الأعيان، المستخلص من خالص خلاصة ولد
عدنان، الممنوح ببدائع الآيات، المخصوص بعموم الرسالة وغرائب المعجزات،
السر الجامع الفرقاني، والمخصص بمواهب القرب من النوع الإنساني، مورد
الحقائق الأزلية ومصدرها، وجامع جوامع مفرداتها ومنبرها، وخطيبها إذا حضر في
حظائر
وله بها كمال اختصاص، ولأن العبد يتكفله مولاه بإصلاح شأنه، والرسول يتكفّل لمولاه بإصلاح
شأن الأمة وكم بينهما، وإيماء إلى أن النبوّة وهبية، ولأن العبودية في الرسول لكونها انصرافًا من
الخلق إلى الحق أجلّ من رسالته؛ لكونها بالعكس.
(أشرف) أفراد (نوع الإنسان) ذاتًا وصفات والإضافة بيانية؛ (وإنسان) أي حدقة (عيون
الأعيان المستخلص) المنتخب (من خالص خلاصة؛) قال في المصباح خلاصة الشىء بالضم ما
صفا منه، مأخوذ من خلاصته السمن، وهو ما يلقى فيه تمر أو سويق ليخلص به من بقايا اللبن، انتهى.
(ولد) بفتحتين وبضم فسكون يكون واحدًا وجمعًا (عدنان) أحد أجداده (الممنوح)
المخصوص، وأصل المنحة العطية، ويتعدّى بنفسه وضمنه هنا معنى المخصوص فعداه بالباء في٥
قوله: (ببدائع الآيات) جمع آية، ولها معان منها العلامة الدالّة على نبوّته عَّهِ (المخصوص بعموم
الرسالة) للعالمين، ومنهم الملائكة على ما رجّحه جمع محققون، وردوا على من حكى الإجماع
على انفكاكهم عن شرعه، بل زاد بعضهم والجمادات كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى تفصيله في
محله.
(وغرائب المعجزات) من إضافة الصفة للموصوف، والآية والمعجزة مشتركان في الدلالة
على صدقه، لكن الآية أعمّ؛ لأنه لا يشترط فيها مقارنة النبوّة والتحدّي، فكل معجزة آية ولا
عكس. فشقّ صدره وتسليم الحجر عليه قبل البعثة ونحوه آية لا معجزة؛ (السر الجامع) بين ما
تفرقه في غيره وبين الحكم بالظاهر والباطن والشريعة والحقيقة، ولم يكن للأنبياء إلا أحدهما
بدليل قصة موسى مع الخضر. وقد نصّ عليه البدر ابن الصاحب في تذكرته وأيد بحديث
السارق والمصلي الذي أمر بقتلهما.
(الفرقاني) نسبة إلى الفرقان لفرقه بين الحق والباطل، (والمخصص بمواهب القرب) من ربّه
تبارك وتعالى قرب مكانه، زيادة على من سواه (من النوع الإنساني؛) فإن المقربين منه لهم قرب
دون قربه عليه السلام، (مورد الحقائق الأزلية) جمع حقيقة، وهي عند أرباب السلوك العلوم
المدركة بتصفية الباطن، (ومصدرها،) يعني: أن ذاته محل لورود الحقائق عليها من الحق،
ومحل لصدورها عنها إلى الخلق، (وجامع جوامع مفرداتها ومنبرها وخطيبها إذا حضر في حظائر

١٨
شرح مقدمة المواهب
قدسها ومحضرها، بيت الله المعمور الذي اتخذه لنفسه، وجعله ناظمًا لحقائق
أنسه، مدة مداد نقطة الأكوان، ومنبع ينابيع الحكم والعرفان، الممد من بحر مدد
الوفاء على القائل من أهل المعارف والاصطفاء حيث خاطب
قدسها،) بضمّتين وتسكن داله، أي: مواضع طهارتها جمع حظيرة وهي في الأصل ما حظرته
على الغنم وغيرها من الشجر للحفظ والقدس، أصل معناه الطهر سمّي به جبل المقدس لطهارته
بالعبادة فيه، وقدّس اللَّه وحظيرة قدسه الجنة. قال التبريزي في شرح ديوان الحماسة: واسم
الجبل يقال أنه غير منصرف، وأنشدوا الكثير كالمصرخي غدا فأصبح واقفًا في قدس بين مجاثم
الأوعال. (ومحضرها،) أي: محل حضورها.
(بيت اللَّه المعمور،) بما أورده عليه فوعاه مما لا يطيقه غيره، ولم ينزله على أحد قبله،
وسمّاه بيتًا على التشبيه، وما يروى: القلب بيت الرب، لا أصل له كما في المقاصد؛ (الذي
اتّخذه لنفسه؛) مجاز عن إدخال علومه فيه، وأطلق النفس على اللَّه؛ كقوله: ((كتب ربّكم على
نفسه الرحمة)، وقوله: ((أنت كما أثنيت على نفسك))، وقيل: إنما يراد للمشاكلة؛ كقوله تعالى:
﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ [المائدة: ١١٦] (وجعله ناظمًا) أي: جامعًا
(لحقائق أنسه؛) جمع حقيقة وهي ما أقرّ في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة، قاله ابن
جني وابن فارس، وزاد من قولنا حق الشىء إذا وجب، واشتقاقه من الشىء المحقق وهو
المحكم، وقال المرزوقي: هي في كلام العرب الأمور التي يحق حمايتها، والأنفة من تركها عن
الرؤساء، وقال الخليل: هي ما يصير إليه حقّ الأمر ووجوبه. كما قيل:
ألم ترى أني قد حميت حقيقتي وباشرت حدّ الموت والموت دونها
(مدة٤) بالنصب والرفع، أي: أصل؛ (مداد نقطة الأكوان؛) أي: مركزه الذي يدور عليه.
(ومنبع٤) بفتح الميم والباء مخرج (ينابيع) جمع ينبوع؛ وهي في الأصل العين التي يخرج منها
الماء فشبه بها. (الحكم؛) جمع حكمة، وهي تحقيق العلم وإتقان العمل، كما في الأنوار. وقال
النووي: فيها أقوال كثيرة صفا لنا منها إنها العلم المشتمل على المعرفة بالله، مع نفاذ البصيرة
وتهذيب النفس وتحقيق الحق للعمل به والكف عن ضدّه. والحكيم من حاز ذلك، انتهى
ملخّصًا. قال الحافظ: وقد تطلق الحكمة على القرءان، وهو مشتمل على ذلك كله وعلى النبوّة
كذلك، وقد تطلق على العلم فقط وعلى المعرفة فقط، انتهى.
. (والعرفان) أي: العلم مصدر عرف (الممد) اسم فاعل، (من بحر مدد الوفاء على القائل
من أهل المعارف والاصطفاء) الاختيار، وعلل كونه من أهلهما بقوله (حيث خاطب) القائل

١٩
شرح مقدمة المواهب
ذاته، بالمنح الأنفسية بشعر من بحر الطويل:
فأنت رسول الله أعظم كائن وأنت لكل الخلق بالحق مرسل
وأنت منار الحق تعلو وتعدل
عليك مدار الخلق إذ أنت قطبه
وباب عليه منه للحق يدخل
فؤادك بيت الله دار علومه
ففي كل حي منه الله منهل
ينابيع علم الله منه تفجرت
فكل له فضل به منك يفضل
منحت بفيض الفضل كل مفضل
نظمت نثار الأنبياء فتاجهم لديك بأنواع الكمال مكلل
(ذاته) عَِّ (بالمنح) العطايا؛ (الأنفسية) أي: الشريفة (بشعر من بحر الطويل) أحد بحور الشعر
المعروفة (فأنت رسول اللَّه) نداء والخبر، (أعظم كائن) موجود (وأنت لكل الخلق بالحق) أي:
الأمور المطابقة للواقع، (مرسل) من اللَّه (عليك مدار:) مصدر ميمي، أي: دوران؛ (الخلق إذ
أنت قطبه،) أي: أصل الخلق الذي يرجع إليه؛ (وأنت منار الحق تعلو) ترتفع على غيرك
(وتعدل؛) في قضاياك بين الناس، (فؤادك) قلبك أو غشاؤه وقوّي بحديث: ((أرق أفئدة وألين
قلوبًا)).
(بيت اللَّه.) إضافة لاميّة على مجاز الحذف، أي: بيت علوم اللَّه كما أوضحه بقوله (دار
علومه) وهي لامية أيضاً وقد أعلمه اللَّه تعالى ما عدا مفاتيح الغيب الخمسة، وقيل: حتى هي
وأمره بكتمها؛ كما في الخصائص، (و)أنت (باب عليه منه للحق) أي: للأمور المطابقة للواقع
فحذف الموصوف أولاً وأمر اللَّه، فحذف المضاف. (يدخل ينابيع) جمع ينبوع، وهو في
الأصل العين التي تورد:
(علم اللّه منه تفجرت ففي كل حي منه للّه منهل)
بفتح الميم والهاء، أي: عين تورد (منحت) أي: خصصت.
(بفيض الفضل. كل مفضل فكل له فضل)
أي: كل إنسان ثبت له فضل فهو (به منك يفضل) ؛ فالبيت على حدّ قول البوصيري:
وكلهم من رسول اللَّه ملتمس غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم
(نظمت نثار) بكسر النون بعدها مثلثة بمعنى المنثور، ككتاب بمعنى مكتوب. (الأنبياء)
أي: شرائعهم. (فتاجهم) مفرد تيجان، وهو ما يصاغ للملوك من الذهب والجوهر وقد توّجته إذا
ألبسته التاج، كما في النهاية. (لديك) أي: عندك (بأنواع الكمال مكلل) بلامين خبر تاج، أي:
مرضّع، و [في] نسخة مكمل بالميم يأباها الطبع.

٢٠
شرح مقدمة المواهب
فيا مدة الإمداد نقطة خطه ويا ذروة الإطلاق إذ يتسلسل
محال يحول القلب عنك وإنني وحقك لا أسلو ولا أتحول
عليك صلاة الله منه تواصلت صلاة اتصال عنك لا تتنصل
شخصت أبصار بصائر سكان سدرة المنتهى لجلال جماله، وحنت أرواح
رؤساء الأنبياء إلى مشاهدة کماله،
(فيا مدّة) أي: زيادة (الإمداد نقطة خطه ويا ذروة الإطلاق إذ يتسلسل محال:) باطل غير
ممكن الوقوع أنه (يحول) يتغيّر (القلب عنك وإنني وحقّك لا أسلو) أصبر (ولا أتحوّل) عن
حبّك (عليك صلاة اللَّه منه) متعلّق بقوله: (تواصلت صلاة اتّصال) مفعول مطلق (عنك لا
تتنصّل) أي: لا تزول عنك (شخصت) بفتحات نظرت (أبصار بصائر) جمع بصيرة، وهي للنفس
كالعين للشخص (سكان سدرة المنتهى) وهم الملائكة الكرام. روى أبو يعلى، والبزار، وابن
جرير، وابن ماجه، عن أبي سعيد، رفعه في حديث المعراج وغشيها من الملائكة، أمثال الغربان
حين يقعن على الشجر. وعند الحاكم وغيره عن أبي هريرة رفعه: ونزل على كل ورقة ملك من
الملائكة (لجلال) عظمة (جماله:) حسنه وفي جعله الشخوص لجلال الجمال دون الجمال
نفسه لطف وإيماء إلى أن هؤلاء وإن كانوا مقرّبين ما استطاعوا النظر لنفس الحسن، بل شخصوا
في الجلال الحاجب له فكيف بغيرهم، ولذا قال عليّ يقول ناعته، أي: عند العجز عن وصفه،
لم أرَ قبله ولا بعده مثله، ومن ثم لم يفتتن به مع أنه أُوتي كل الحسن؛ كما قال:
بجمال حجبته بجلال طاب واستعذب العذاب هناكا
(وحنت) اشتاقت، (أرواح رؤساء الأنبياء) أكابرهم، وهم الذين رأوه في السموات ليلة
المعراج (إلى مشاهدة)،) أي: رؤية (كماله:) هو التمام فيما يفضل به الشيء على غيره؛ فيشمل
الظاهر؛ والباطن، لكن المراد هنا الظاهر لأنه المشاهد بالحاسة لا الباطن، لعدم تعلّقها به، وإن
تعلّقت بما دلّ عليه. وتخصيص الأرواح بالذكر لأن الإدراك بها وإن نسب للجسد فهو بواسطتها
فلا يشكل بما في تنوير الحلك، من أنه لا يمتنع رؤية ذاته عليه السلام بجسده وروحه، وذلك لأنه
وسائر الأنبياء عَّله ردّت إليهم أرواحهم بعدما قبضوا، وأذن لهم في الخروج من قبورهم للتصرّف
في الملكوت العلوي والسفلي، انتهى. ونحوه يأتي للمصنف في غير موضع من هذا الكتاب،
وقد روى الحاكم في تاريخه، والبيهقي في حياة الأنبياء، عن أنس، أن النبيّ عَد، قال: ((إن
الأنبياء لا يتركون في قبورهم أربعين ليلة، ولكن يصلّون بين يدي الله تعالى حتى ينفخ في
الصور)). قال البيهقي: فعلى هذا يصيرون، أي: يكونون حيث ينزلهم اللَّه تعالى، انتهى. وهذا لا
يشكل بأن الأنبياء في قبورهم، وأن المصطفى أوّل من تنشقّ عنه الأرض، وأوّل من يقوم من