النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
والنَّبِيذَ والعسَلَ واللَّبِنَ.
٣٠ - باب ما جاء في صفة فاكهة رسول الله وَله
١٩٧ - حدّثنا إسماعيل بنُ مُوسى الفَزازيُّ، حَدَّثنا إبراهيمُ بنُ
سعْدٍ، عن أبيهِ، عن عبد اللهِ بنِ جعفرٍ قالَ: كانَ النَّبِيُّ وَ لَهِ يَأْكُلُ
القِثَّاءَ بالرُّطَبِ .
وقوله: (والنبيذ) أي: المنبوذ فيه. وهو ماء حلو يُجعل فيه تمرات
ليحلو. وكان يُنْبَذ له وَّ أولَ الليل ويَشربُ منه إذا أصبح يومَه ذلك وليلَتَه
التي تجيء والغدَ إلى العصر، فإن بقي منه شيء سقاه الخادمَ إن لم يَخَفْ
منه إسكاراً، وإلا أمر بصبه، وهو له نفعٌ عظيم في زيادة القوة.
٣٠ - باب ما جاء في صفة فاكهة رسول الله وَله
أي: بيان الأخبار الآتية في صفة فاكهة رسول الله وَ له. والفاكهة: ما
يُتَفَكّه - أي يُتَنَغَّم ويُتَلَذّذ - بأكله، رطباً كان أو يابساً، كتين وبطيخ وزبيب
ورُطَبٍ ورمان.
١٩٧ - قوله: (الفزاري) نسبةً لغزارة كسحابة: قبيلةٌ من غطفان.
وقوله: (عن أبيه) أي: سعد.
قوله: (يأكل القثاء بالرُّطبِ) أي: دفعاً لضرر كل منهما، وإصلاحاً له
بالآخر. لأن القثاء بارد، رَطْبٌ، مُسَكّنٌ للعطش، منعش للقوى الفطرية،
مطفىءٌ للحرارة الملتهبة، نافع لوجع المثانة وغيره، وفيه جلاء وتفتيح.
والرُّطَب: حارٌّ، رطب، يقوي المعدة الباردة، ويزيد في الباءة لكن سريع
العفن، معكر للدم، مصدّعٌ، مولد للسدد ووجع المثانة والأسنان. وروى
أبو داود وابن ماجه عن عائشة قالت: أرادت أميَ أن تُسمّنني لدخولي على
رسول الله وَلقر فلم أقبل عليها بشيء مما تريد، حتى أطعمتني القِثّاء بالرُّطب =

٣٢٢
١٩٨ - حدّثنا عَبدةُ بنُ عبدِ اللهِ الخُزَاعيُّ البصريُّ، حَدَّثنَا مُعاويةُ
ابنُ هشَامٍ، عَن سفيانَ، عن هِشامِ بنِ عُروةَ، عن أَبيهِ، عن عائشةَ
رضِي اللهُ عنها: أَنَّ النبيَّ نَّهَ كَانَ يَأْكلُ البِطِّيخَ بِالرُّطَبِ.
١٩٩ - حدّثنا إبراهيمُ بنُ يعقوبَ، حَدَّثنا وهبُ بنُ جريرٍ،
أَخبرنَا أَبي قَالَ: سمعتُ حُميداً يَقولُ - أَو قَال: حدَّثني حُميدٌ -
= فسمِنْتُ عليه أحسن السّمن.
وبالجملة: فهو أصل حفظ الصحة، وأُسرِّ العلاج، ولم يبين كيفية أكله
لهما. وقد أخرج الطبراني بسند ضعيف: أن عبد الله بن جعفر قال: رأيت
في يمين النبي ◌َّهِ قِثاءً وفي شماله رُطَباً، وهو يأكل مِن ذا مرةً ومن ذا مرةً.
هذا، وقد روى الحافظ العراقي: أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يأكل
القِناء بالملح.
والقِثّاء بكسر القاف، وتشديد المثلثة، ممدود: وهو نوع من الخيار.
وقيل: هو اسم جنس لما يشمل الخيارَ والعجّورَ. والرُّطَب تمر النخل إذا
نضِج، قبل أن يَتَتَمَّر، واحدتُه رُطبة .
١٩٨ - قوله: (كان يأكل البطيخ بالرطب) أي: لأن البطيخَ بارد،
والرطبَ حارّ فبجمعهما يحصل الاعتدال. وقد أشار لذلك في خبر صحيح
بقوله: ((يكسر حرُّ هذا بردَ هذا)) أي: وبالعكس. وهذا يدل على أنه وَليه
كان يراعي في أكله صفاتِ الأطعمة، واستعمالها على قانون الطب.
والبطيخ بكسر الباء، وفتحُها غلَط.
١٩٩ - قوله: (أخبرنا أبي) أي: جرير.
وقوله: (قال) أي: أبي، وهو جرير.
وقوله: (سمعت حُميداً يقول، أو قال: حدثني حُميد) ((أو)) للشك، =

٣٢٣
قَال وهبٌّ: وكانَ صديقاً لهُ، عن أنس بن مالكِ قالَ: رأيتُ
رسولَ اللهِ لَّهِ يجمَعُ بين الخِرْبِزِ والرُّطبِ.
٢٠٠ - حدّثنا محمَّدُ بنُ يحيى، حدَّثنا محمَّد بنُ عبدِ العزيزِ
الرَّمليُّ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ يَزِيدَ بنِ الصَّلتِ،
= وهو من وهبٍ، شكّ في عبارة أبيه جرير: هل قال: سمعت حُميداً، أو
قال : حدثني حُميد.
وقوله: (قال وهب) مفعول لـ: يقول، أو لـ: حدَّثَني. ووهْبٌ هذا:
غيرُ وهب السابق، لأن هذا صاحبُ حُميد، كما قال.
وقوله: (وكان صديقاً له) أي: وكان وهبٌ صديقاً لحُميد، أو
بالعكس. والجملة حالية معترضة، فمفعوله: قال وهب عن أنس، فتأمل،
وإنما عيّنه بهذا لكونه غير مشتهر.
قوله: (يجمع بين الخِرْبِزِ والرُّطَبِ) أي: ليَكسر حرَّ هذا ببرد هذا،
وبالعكس، كما ورد التصريح به. والخِرِزُ - بكسر المعجمة -: البطيخ
بالفارسية. والمراد به الأصفر، لا الأخضر، كما وُهم، لأنه المعروف
بأرض الحجاز. واستشكل بأن الغرض التعديل بين برودة البطيخ وحرارة
الرطب كما علمت، والأصفر حارٌّ، والبارد إنما هو الأخضر. فالأصفر ليس
بمناسب هنا. وأجيب: بأن المراد الأصفر غيرُ النضيج فإنه غير حارٍ،
والحارُّ ما تناهى نُضجه، وليس بمراد، كما ذكره بعض شراح ((المصابيح)).
٢٠٠ - قوله: (الرملي) نسبة للرملة وهي اسم لمواضع أشهرُها بلد
بالشام.
وقوله: (الصلْت) بفتح الصاد وسكون اللام.

٣٢٤
عَن محمَّدٍ بن إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ، عن عروةَ، عن عائشةَ
رضيَ الله عنها: أنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ أَكَلَ البِطِيخَ بالرطَبِ.
٢٠١ - حدّثنا قتبيةُ بنُ سعيدٍ، عن مالكِ بنِ أنسٍ .
ح، وحذَّثنا إسحاق بنُ موسى، حدَّثنا معنٌ، حَدَّثنا مالكٌ، عَن
سُهيل بن أبي صالح، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ قالَ: كانَ النَّاسُ إذا
رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمرِ، جَاؤوا بهِ إلى رسولِ الله بَّهَ، فإذا أخذهُ رسول اللهِ
وَالأر قالَ: ((اللّهمَّ بارك لنا في
و قوله: (رومان) کعثمان.
قوله: (أكل البطيخ بالرُّطب) أي: ليكسر حرّ هذا برد هذا، وبالعكس
كما مَرَّ. وعُلم من هذا كله أنه نَّهِ كان يُعدّل الغذاء، ويُدبره. فكان لا
يجمع بين حارين، ولا باردين، ولا لَزِجين، ولا قابضين، ولا مسهلين،
ولا غليظين، ولم يجمع بين لبن وسمك، ولا بين لبن وحامض، ولا بين
لبن وبيض، ولا بين لبن ولحم، ولم يأكل شيئاً من الأطعمة العفِنة،
والمالحة، لأن ذلك كله ضارٌّ. ولم يشرب على طعامه لئلا يفسد.
٢٠١ - قوله: (ح) هي للتحويل من سند إلى سند آخر.
قوله: (معن) بفتح الميم، وسكون العين.
وقوله: (عن أبيه) أي: الذي هو أبو صالح.
قوله: (أول الثمر) بفتح المثلثة والميم، ويسمى: الباكورة.
وقوله: (جاؤوا به إلى رسول الله وَلجر) أي: إيثاراً له وَلّل على أنفسهم،
لأنه أولى الناس بما سيق إليهم من الرزق. ويؤخذ منه: أنه يُندب الإتيان
بالباكورة لأكبر القوم علماً وعملاً.

٣٢٥
ثمارِنا، وباركْ لنَا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعِنا، وفي مُدِّنا،
اللّهُمَّ إنَّ إبراهيمَ عَبدُك وخليلُكَ ونبيْك، وإِنِّي عبدُكَ ونبيُّك، وإِنَّهُ
دَعاكَ لمكَّةَ، وإنِّي أَدعوكَ للمدينةِ بمثلٍ ما دعاكَ به لمَّةَ، ومثلِهِ
قوله: (قال: اللهم بارك لنا في ثمارنا) أي: زِدْ فيها الخير بالنمو
والحفظ من الآفات.
وقوله: (وبارك لنا في مدينتنا) أي: بكثرة الأرزاق فيها، وبإقامة شعائر
الإسلام فيها .
وقوله: (وبارك لنا في صاعنا، وفي مُدِّنا) أي: بحيث يكفي صاعُنا
ومدُّنا مَن لا يكفيه صاعُ غيرِنا ومُدُّه. والصاعُ: مكيال معروف، وهو أربعة
أمداد، والمد رطل وثلث، فيكون الصاع خمسة أرطال وثلثاً. وأما قول
الحنفية: بأنه ثمانيةُ أرطال، فهو ممنوع، بأن الزيادة عُرْف طارىء على
عرف الشرع، ولذلك لمّا اجتمع أبو يوسف بمالك رضي الله عنه بالمدينة،
حين حج الرشيدُ، فقال أبو يوسف: الصاعُ ثمانية أرطال، فقال مالِكٌ:
صاعُ المصطفى وَِّ خمسةُ أرطال وثلث، فأَحضرَ مالكٌ جماعة شهدوا
بذلك، فرجع أبو يوسف عن قوله.
قوله: (اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك) الغرضُ من ذلك:
التوسلُ في قبول دعائه بعبودية أبيه إبراهيم، وخُلَّتِهِ ونبوتهِ .
وقوله: (وإني عبدك ونبيك) الغرضُ من ذلك: التوسلُ في قبول دعائه
بعبوديته ونبوته وّ﴾. ولم يقل وخليلك، لأنه خُص بمقام المحبة الأرفع من
مقام الخُلّة، أو أدباً مع أبيه الخليل. فلا ينافي أنه خليل أيضاً كما وردَ في
عدة أخبار.
وقوله: (وإنه دعاك لمكة) أي: بقوله: ﴿فاجعلْ أفئدةً من الناس تَهوي
إليهم، وارزقهم من الثمرات﴾ فاكتفى وَّل بدعاء إبراهيم لها، ولم يدعُ لها =

٣٢٦
معه). قال: ثمَّ يدعو أصغَرَ وليدٍ يراهُ فيُعطيهِ ذلكَ الثَّمرَ.
٢٠٢ - حدّثنا محمَّدُ بْنُ حُمَيْدِ الرَّازِيُّ، أَنْبَأْنًا إِبْراهِيم بْنُ
الْمُخْتَارِ، عَنْ مُحَمَّد بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَة بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ
= مع كونها وطنَه.
وقوله: (وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ومِثْلِه معه) أي:
أدعوك بضعف ما دعاك به إبراهيم لمكة، وقد استجيبت دعوةُ الخليلِ
لمكة، والحبيبِ وَّر للمدينة. فصار يُجبى إليهما من مشارق الأرض
ومغاربها ثمراتُ كل شيء .
قوله: (قال) أي: أبو هريرة.
وقوله: (ثم يدعو) أي: ينادي.
وقوله: (أصغرَ وليد يراه) أي: أصغر مولود يراه من أهل بيته إن
صادفه، وإلا فمن غيرهم.
وقوله: (فيعطيهِ ذلك الثمر) أي: فيعطي ذلك الوليدَ ذلك الثمرَ الذي
هو الباكورةُ، لكثرة رغبة الولدان، وشدة تَطَلُّعهم لها. وإنما لم يأكل ◌َّلـ
منه: إشارة إلى أن النفوسَ الزكية، والأخلاقَ المرضية لا تتشوق إلى ذلك
إلا بعد عموم وجوده بحيث يقدر كل أحد على تحصيله.
تنبيه: قد انعقد الإجماع على أن مكة والمدينة أفضل البقاع، والأئمة
الثلاثة على أن مكة أفضل من المدينة، وعَكَسَ مالك، والخلاف في غير
البقعة الشريفة وإلا فهي أفضل من السموات والأرض جميعاً.
ومن خواص اسم مكة: أنه إذا كُتب على جبين المرعوف بدم
الرعاف: مكة وسط البلاد والله رؤوف بالعباد: انقطع الدم.
٢٠٢ - قوله: (عن الرُبَيعٌ) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتانية
المكسورة، على صيغة التصغير.

٣٢٧
عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّدْ ابْنِ عَفْرَاءَ قَالَتْ: بَعَثَنِي مُعَاذٌ
بِقِنَاعٍ مِنْ رُطَبٍ، وَعَلَيْهِ أَجْرٍ مِنْ قِثَاءِ زُغْبٍ
وقوله: (بنت معوِّذ) بتشديد الواو المكسورة، كما جزم به الحافظ ابن
حجر العسقلاني، أو المفتوحة على الأشهر.
وقوله: (ابن عفراء) بالمد كحمراء، وهي: بنت عبيد بن ثعلبة
النجارية، من صغار الصحابة.
قوله: (بعثني معاذ) أي ابن عفراء(١) - كما في نسخة - وهو عمّها،
واشترك هو وأخوه معوّذ في قتل أبي جهل ببدر، وتم أمر قتله على يد ابن
مسعود بأنْ حزَّ رقبته وهو مجروح مطروح يتكلم، حتى قال له: لقد رَقِيت
مرقىّ عالياً يا رُوَيْعِيَ الغنم.
وقوله: (بقناع) بكسر القاف أي: بطبق يهدى عليه.
و قوله: (من رطب) بیان لجنس ما فيه.
وقوله: (وعليه أجرٍ) أي: وعلى ذلك القناع أَجْرٍ، بفتح الهمزة
وسكون الجيم وكسر الراء منونة، وأصله أَجْرُوٌ كأفلس، فقلبت الواو ياء
لوقوعها رابعةً، وقلبت الضمة كسرة لمناسبة الياء، ثم أعلَّ إعلال قاضٍ،
وهو جمع جَرْو بتثليث أوله وهو: الصغير من كل شيء، حيواناً كان أو
غيره.
وقوله: (زُغْبٍ) بالرفع على أنه صفة أَجْرٍ، أو بالجر على أنه صفة
قثاء، والزُّغْب: بضم الزاي وسكون الغين المعجمة جمع أزغب، من
الزَّغب، بفتحتين، وهو صغار الريش أولَ طلوعه، شبّه به ما يكون على
القثاء الصغيرة مما يشبه أطراف الريش أول طلوعه.
(١) عفراء: أم معاذ ومعوِّد.
=

٣٢٨
- وَكَانَ وَلَّهَ يُحِبُّ الِثَّاءَ - فَأَتَيْتُهُ بِهِ، وَعِنْدَهُ حَلْيَةٌ قَدْ قَدِمَتْ عَلَيْهِ مِنَ
الْبَحْرَيْنِ، فَمَلَأَ يَدَهُ مِنْهَا فَأَعْطَانِهِ.
٢٠٣ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَنْبَأَنَا شَرِيكُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنِ الرُبَيِّع بِنْتِ مُعَوِّدٍ قَالَتْ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَه
بِقِنَاعٍ مِنْ رُطَبٍ وَأَجْرٍ زُغْبٍ، فَأَعْطَانِي مِلْءَ كَفِّهِ
هذا، وفي نسخة: وعليه آخَرُ، بمد الهمزة وبالخاء المعجمة، أي:
=
وعلى قناع الرطب قناعٌ آخر من قثاء زغب.
وقوله: (وكان ◌َّل يحب القثاء) أي: مع الرطب، كما يؤيده ما سبق
من جمعه گیۇ بينهما .
وقوله: (فأتيته به) وفي نسخة: فأتيته بها، فالضمير على النسخة
الأولى للقناع، وعلى الثانية للأشياء المذكورة.
وقوله: (وعنده حلية) أي: والحال، أنّ عنده حَليَة بكسرٍ أو فتحِ
فسکون: اسم لما یتزیَّن به من نقد وغيره.
وقوله: (قد قدمت عليه من البحرين) بكسر الدال، كعلمت أي:
قدمت تلك الحلية من خراج البحرين، وهو - على لفظ التثنية -: إقليم بين
البصرة وعُمان، وهو من بلاد نجد.
وقوله: (فملأ يده) أي: إحدى يديه، لا كلتا يديه، ولو أريد بذلك
لقيل: يديه، فالحمل على اليدين معاً بعيد.
وقوله: (منها) أي: من تلك الحلية.
وقوله: (فأعطانيه) أي: لعظيم سخائه وَلَرَ، وفيه كمال المناسبة، فإن
الأنثى يليق بها الحلية.
٢٠٣ - قوله: (حُجْر) بضم الحاء المهملة وسكون الجيم.

٣٢٩
خَلِيّاً، أَوْ قَالَتْ: ذَهَباً.
٣١ - باب صفة شراب رسول الله وَله
٢٠٤ - حدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مِعْمَرٍ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ أَحَبُّ
الشَّرَابِ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ الْحُلْوَ الْبَارِدَ.
قوله: (حُلِيًّا) بضم فكسر وتشديد التحتية، أو بفتح فسكون وتخفيف
التحتية .
وقوله: (أو قالت) شكٌ من الراوي عن الرُّبيِّع أو ممن دونه.
٣١ - باب صفة شراب رسول الله وَل
أي: باب بيان ما جاء في صفته من الأخبار، كما صرح به في نسخة
صحيحة ونصها: باب ما جاء في صفة شراب رسول الله وقلقه. والشراب: ما
يشرب من المائعات، ويقال: شربت الماء وغيره شرباً، بتثليث الشين، لكنه
بالفتح مصدر قياسي، وبالضم والكسر مصدران سماعيان، خلافاً لمن
جعلهما اسميْ مصدر، وفي هذا الباب حديثان.
٢٠٤ - قوله: (ابن أبي عُمَر) بضم العين وفتح الميم.
وقوله: (سفيان) أي: ابن عيينة (١). لأنه المراد عند الإطلاق.
وقوله: (عن عروة) أي: ابن الزبير.
قوله: (كان أحبُّ الشراب إلى رسول الله وَّر الحلوَ البارد) برفع:
أحبُّ، على أنه اسم كان، ونصب: الحلوَ الباردَ، على أنه خبرها، وقيل
بالعكس. ولا يشكل بأن اللبن كان أحب إليه وَاقتر، لأن الكلام في الشراب
(١) نعم، لكن المراد عند الإطلاق هو الثوري.

٣٣٠
٢٠٥ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا إسْمَاعيلُ بْنُ إِبْراهِيمَ،
أَنْبَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُمَرَ - هُوَ ابْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ - عَنِ ابْنِ
= الذي هو الماء، أو الذي فيه الماء، والمراد بالماء الحلو: الماء العذب، أو
المنقوع بتمر، أو زبيب، أو الممزوج بالعسل، قال ابن القيم: والأظهر أن
المراد الكل، لأنه يصدق على الكل أنه ماء حلو، وإذا جَمَع الماء الوصفين
المذكورين وهما الحلاوة والبرودة: حفظ الصحة ونفع الأرواح، والقوى
والكبد والقلب، وقمع الحرارة، وحفظ على البدن رطوباته الأصلية، وردّ
إليه ما تحلل منها، ورقّق الغذاء ونفذه إلى العروق. والماء الملح أو
الساخن يفعل ضد هذه الأشياء.
وتبريد الماء وتحليته لا ينافي كمال الزهد، لأن فيه مزيد الشهود لنعم
الله تعالى، وإخلاص الشكر له، ولذلك كان سيدي أبو الحسن الشاذلي
يقول: إذا شربتُ الماء الحلو أحمدُ ربي من وسط قلبي. وليس في شرب
الماء الملح فضيلة، ويكره تطييبه بنحو مسك كتطييب المآكل، ولذلك كان
وَ ل﴿ يستعمل أنفس الشراب لا أنفس الطعام غالباً، وكان وَ لّ يُستعذَب له
الماء من بيوت صحبه، أي: يُطلب له الماء العذب من بيوتهم.
فائدة: في شرب الماء الممزوج بالعسل فضائل لا تحصى منها: أنه
يذيب البلغم، ويغسل خَمْل المعدة، ويجلو لَزوجَتها، ويدفع فضلاتها،
ويفتح سُدَدَها ويسخنها، وهو أنفع للمعدة من كل حلو دخلها، لكنه يضرّ
صاحب الصفراء، ويدفع ضرره الخلُّ.
٢٠٥ - قوله: (أحمد بن منيع) بفتح الميم وكسر النون.
وقوله: (أنبأنا علي بن زيد) أي: ابن جُدْعان، وفي نسخة: حدثنا،
وفي نسخة: أخبرنا.
وقوله: (عن عُمَر) بضم العين وفتح الميم. وقوله: (هو) أي: عمر المذكور.
وقوله: (ابن أبي حَرْمَلة) بفتح الحاء المهملة وسكون الراء وفتح الميم.

٣٣١
عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهِ أَنَا وَخَالِدُ
ابْنُ الْوَلِيدِ عَلَى مَيْمُونَةَ، فَجَاءَتْنَا بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنِ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللهِ
إنَّهِ، وَأَنَا عَلَى يَمِينِهِ وَخَالِدٌ عَنْ شِمَالِهِ، فَقَالَ لِي: ((الشَّرْبَةُ لَكَ،
قوله: (عن ابن عباس) أي: عبد الله، وهو شقيق الفضل.
قوله: (أنا) ضمير منفصل مؤكِّد أتى به لأجل العطف كما قال في
((الخلاصة)) :
وإنْ على ضمير رفع متصلْ عطفتَ فافصِلْ بالضمير المنفصلْ
قوله: ( على ميمونة) أي: أم المؤمنين.
قوله: (بإناء من لبن) أي: بإناء مملوء من لبن.
قوله: (فشرب رسول الله وَلقد) أي: منه.
قوله: (وأنا على يمينه وخالد عن شماله) أي: والحال أني على يمينه
وخالد عن شماله، وتعبيره بعلى في الأول وبعن في الثاني للتفنن، الذي
هو: ارتكاب فنين من التعبير مع اتحاد المعنى، فهما هنا بمعنى واحد وهو
مجرد الحضور، وفي نسخة: بشماله بدل: عن شماله.
قوله: (فقال) أي: النبيُّ ◌َل .
وقوله: (لي) بفتح الياء وتسگَّن.
وقوله: (الشربة لك) أي: هذه المرة من الشرب حق لك، لأنك على
اليمين، ومَن على اليمين مقدم على من على اليسار، فقد ورد ((الأيمن
فالأيمن)) رواه مالك وأحمد وأصحاب السنن الستة(١) عن أنس، والسرُّ في
تقديم مَن على اليمين على مَن على اليسار: أن من على اليمين مجاور
الملَكَ اليمين الذي هو حاكم على مَلَك الشمال.
(١) المراد: أصحاب الكتب الستة.

٣٣٢
فَإِنْ شِئْتَ آثَرْتَ بِهَا خَالِداً))
وتجري هذه السنة - وهي تقديم من على اليمين - في غير الشراب،
=
كالمأكول والملبوس وغيرهما، كما قاله المهلَّب وغيره خلافاً لمالك حيث
قال: في الشراب خاصة، وقال ابن عبد البر: لا يصح عنه، وأوَّله عياض
بأن مراده: أنه إنما جاءت السنة بتقديم الأيمن في الشرب خاصة، وغيرُه
إنما هو بطريق القياس، فالسنة البُداءة في الشرب ونحوه بعد الكبير بمن
على يمينه ولو صغيراً مفضولاً، وتأخير من على اليسار ولو كبيراً فاضلاً،
بل ذهب ابن حزم إلى وجوب ذلك فقال: لاتجوز البُداءة بغير الأيمن إلا
بإذنه .
فإن قيل: يعارض ما تقدم ما رواه أبو يعلى عن الحبر ابن عباس
بإسناد صحيح كان رسول الله وَّ ﴿ إذا سقى قال: ((ابدؤوا بالأكبر)) أو قال:
((بالأكابر)»؟ أجيب: بأن ذلك محمول على ما إذا لم يكن عن يمينه أحد، بل
كان الجميع أمامه أو وراءه.
قوله: (فإن شئتَ آثرتَ بها خالداً) بفتح تاء الخطاب ومد الهمزة من
آثرت يقال: آثرته - بالمد - فضّلته وقدَّمته، لأن الإيثار معناه: التفضيل
والتقديم، وأما استأثر بالشيء فمعناه: استبدَّ به، كما في المصباح وغيره،
وفي تفويض الإيثار إلى مشيئته تطييب لخاطره، وتنبيه على أنه ينبغي له
الإيثار لخالد، لكونه أكبر منه، وهذا ليس من الإيثار في القرب المكروه،
على أن الكراهة محلها حيث آثر من ليس أحق منه بأن كان مساوياً له، أو
أقل منه، أما إذا آثر من هو أحق منه كأن آثرَ من هو أحق منه بالإمامة فليس
مكروهاً.
فإن قيل: قد استأذن رسول الله * الأيمن في هذا الخبر، ولم يستأذن
أعرابياً عن يمينه والصديقُ عن يساره في قصةٍ نحوٍ هذه؟ أجيب: بأنه إنما
استأذن هنا ثقة بطيب نفس ابن عباس، بأصل الاستئذان، لا سيما وخالد =

٣٣٣
فَقُلْتُ: مَا كُنْتُ لأُوثِرَ عَلَى سُؤْرِكَ أَحَداً، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، ((مَنْ
أَطْعَمَهُ اللهُ طَعَاماً فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَأَطْعِمِنَا خَيْراً مِنْهُ،
= قريبه مع رياسته في قومه وشرف نَسَبه بينهم، وقرب عهده بالإسلام، فأراد
وَل ـ تطبيب خاطره وتألفه بذلك، وأما الصديق رضي الله عنه فإنه مطمئن
الخاطر، راضٍ بكل ما يفعله المصطفى، لا يتغير ولا يتأثر، ولا ينقص ذلك
بمقام الصديق ولا يخرجه عن فضيلته التي أولاه الله إياها، لأن الفضيلة إنما
هي فيما بين العبد وربه، لا فيما بينه وبين الخلق.
قوله: (فقلت: ما كنت لأوثرَ على سؤرك أحداً) بنصب الفعل كما في
قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾. والسُؤْرُ بضم السين
وسكون الهمزة - وقد تبدل واواً - ما بقي من الشراب، والمعنى: لا ينبغي
أن أقدّم على ما بقي من شرابك أحداً غيري يفوز به، لما فيه من البركة.
ولا يضر عدم إيثاره لذلك، ولهذا أقرّه المصطفى، وكذا نُقل عن بعض
الصحابة أنه لما أقرع النبيُّ نَّه بين رجل وولده في الخروج للجهاد،
فخرجت القرعة للولد، فقال له أبوه: آثرني، فقال: يا أبتِ! لا يؤثر بالجنة
أحدٌ أحداً أبداً، فأقره النبي ◌َيّ على ذلك، مع أن بر الوالدين متأكد، لكن
على ما أحكمته السنة دون غيره.
ويؤخذ من هذا الحديث: أن من سبق إلى مجلس عالم أو كبير،
وجلس بمحل عالٍ، لا ينقل منه لمجيء من هو أفضل منه، فَيَجلس ذلك
الجائی حیث ینتهي به المجلس، ولو دون مجلس من هو دونه.
قوله: (فليقل) أي: ندباً مؤكداً حال الشروع في الأكل، فإن لم يقل
ذلك حال الشروع فيه فليأت به بعده، ويقدم عليه حينئذ صيغة الحمد نحو
قوله: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين.
قوله: (اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه) الظاهر أنه يأتي بهذا
اللفظ المذكور وإن كان وحده، بل وإن كان امرأة، رعاية للفظ الوارد =

٣٣٤
وَمَنْ سَقَاهُ الله عَزَّ وَجَلَّ لبَنَاً فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَزِدْنَا مِنْهُ))
ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِئُ مَكَانَ الطَّعامِ
وَالشَّرابِ غَيْرُ اللََّنِ».
قَالَ أَبُو عيسَى: هكَذَا رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ هذَا الْحَديثَ عَنْ
= وملاحظة لعموم الإخوان من المسلمين.
قوله: (فليقل) أي: حال الشروع في الشرب أو بعده كما تقدم.
قوله: (اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه) أي: من جنسه، ولم يقل على
قياس ما سبق: واسقنا خيراً منه، لأنه لا خير من اللبن.
قوله: (ثم قال) أي: ابن عباس.
وقوله: (قال رسول الله) الخ أي: في بيان تعليل الدعوة في اللبن بما
يخصه .
قوله: (ليس شيء يجزىء) بهمزة في آخره، من الإجزاء أي: ليس
شيء يُقيت ويقوم ويكفي.
وقوله: (غيرَ اللبن) بالنصب على الاستثناء، أو بالرفع على البدل،
وأما اللبن فيقوم مقام الطعام والشراب لكونه يغذي ويسكن العطش، وبذلك
يعلم أن سائر الأشربة لا تلحق باللبن في ذلك بل بالطعام، وحكمة الدعاء
حين الطعام والشراب: إسناد ذلك إلى الله سبحانه وتعالى ورفع مدخلية
غيره في ذلك.
قوله: (قال أبو عيسى) أي: بعد رواية الحديثين، بياناً لبعض ما يتعلق
بهما، فيبيّن ما يتعلق بالحديث الأول بقوله: هكذا الخ ...
قوله: (هكذا) أي: مثل ما سبق في إيراد الإسناد.
وقوله: (هذا الحديث) يعني الأول، ثم فسّر ووضح اسمَ الإشارةِ =

٣٣٥
مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، وَرَوَاهُ
عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ مُرْسَلَا، وَلَم يَذْكُرُوا فِيهِ: عَن عُروَة، عن
عَائِشَةَ، وَهَكَذَا رَوَى يُونُسُ وغَيرُ وَاحِدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عن النَّبِيِّ ◌َِّ-
مُرْسَلاً.
= بقوله: (عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة) أي: فهو متصل
في هذا السند.
وقوله: (ورواه عبد الله بن المبارك) الخ. أي: فهو غير متصل في هذا
السند، فبيَّن المصنف أنّ هذا الحديث روي مسنداً ومرسلاً، والحكم
للإسناد وإن كثرت رواة الإرسال، لأن مع من أسند زيادةَ علم.
قوله: (وغير واحد) كناية عن كثير من الرواة.
فقوله: (مرسلاً) أي: بالنظر لإسقاط الصحابي، مع قطع النظر عن
إسقاط التابعي، فصار بترك الصحابي مرسلاً وبترك التابعي منقطعاً.
قوله: (ولم يذكروا فيه) أي: في إسناد هذا الحديث.
قوله: (وهكذا روى يونس) الخ، إشارة إلى أن ابن عيينة قد انفرد من
بين أقرانه في إسناده موصولاً، كما صرح به بقوله: (قال أبو عيسى: إنما
أسنده ابن عيينة من بين الناس) أي: فيكون حديثه غريباً إسناداً لانفراده به،
والغرابة لا تضر لأنها لا تنافي الصحة والحسن، ولذلك كان مذهب
الجمهور: أن المرسل حجة، وكذلك مذهب الشافعي إذا اعتضد بمتصل،
وحاصل ما أشار إليه المصنف: أن سند الإرسال أصح من سند الاتصال،
كما صرح به المصنف في جامعه حيث قال: والصحيح ما رُوي عن الزهري
عن النبي ◌َلّر مرسلاً. انتهى.

٣٣٦
قالَ أَبُو عِيسَى، إنَّمَا أَسْنَدَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَمَيْمُونَهُ بِنْتُ الْحَارِثِ زَوْجُ النَّبِّوَّهِ هيَ خَالَةُ
خالدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَخَالَةُ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ رَضِيَ
اللهُ عَنْهُمْ. وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي رَوَايَةِ هذَا الْحَديثِ عَنْ عَلِيٍّ بْنِ زَيْدِ
قوله: (قال أبو عيسى) أي: فيما يتعلق بالحديث الثاني.
قوله: (وميمونة) أي: المذكورة في الحديث الثاني.
وقوله: (بنت الحارث) أي: الهلالية العامرية، يقال: إن اسمها كان
بَرَّة فسمّاها النبي ◌َّر: ميمونة، وهي أخت أم الفضل امرأة العباس، وأخت
أسماء بنت عميس(١)، روى عنها جماعة، منهم ابن عباس.
وقوله: (زوج النبي ◌َّ) أي: بعد أن كانت تحت معوِّذ بن عمرو
الثقفي في الجاهلية، ففارقها وتزوجها أبو رُهْم بن عبد العزى، وتوفي
عنها، فتزوجها النبي ◌َّر في ذي القعدة، سنة سبع، في عمرة القضاء،
بسَرِف - ككتف، موضع قريب من التنعيم على عشرة أميال من مكة - وبنى
بها فيه، وقد ماتت وهي راجعة من الحج أيضاً، ودفنت فيه، وهذا من
العجائب، حيث وقع الهناء والعزاء في مكان واحد من الطريق، وصلى
عليها ابن عباس، وبُني على قبرها مسجد يزار ويتبرك به.
قوله: (هي خالة خالد بن الوليد وخالة ابن عباس) أي: فهي مَحْرَم
لهما، فلذلك دخلا عليها، فالغرض من ذلك بيان وجه دخولهما عليها،
وزاد قوله: (وخالة يزيد بن الأصم) استطراداً لتمام الفائدة.
قوله: (واختلف الناس في رواية هذا الحديث) أي الثاني.
(١) أختها لأمها.

٣٣٧
ابْنِ جُدْعَانَ فَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي
حَرْمَلَةَ، وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ: عَنْ عَمْرِو بْنِ حَرْمَلَةَ،
والصحِيحُ: عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ.
قوله: (عن علي بن زيد بن جُدْعان) بضم الجيم وسكون الدال المهملة.
قوله: (فروى بعضهم) الخ، تفسير لاختلاف الناس، والضمير لهم
والمراد بهم المحدثون.
قوله: (عن عُمر) بضم العين.
وقوله: (ابن أبي حرملة) بزيادة لفظ ((أبي)) كما سبق في الإسناد الذي
ذكره المصنف .
قوله: (وروى شعبة) أي: من بين المحدثين، فيكون انفرد بذلك.
وقوله: (فقال) أي: شعبة في إسناده.
قوله: (عن عَمرو) بفتح العين.
وقوله: (ابن حرملة) بإسقاط لفظ: أبي.
قوله: (والصحيح عن عمر بن أبي حرملة) أي: بضم العين وزيادة لفظ
((أبي))، فالصحة في موضعين: الأول عمر، بضم العين بلا واو، والثاني ابن
أبي حرملة، بزيادة لفظ أبي، على أنه كنية لا بإسقاطه على أنه اسم.

٣٣٨
٣٢ - باب ما جاء في صفة شرب رسول الله وعَظله
٢٠٦ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَنْبَنَا عَاصِمٌ
الأَحْوَلُ وَمُغِيرَةُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ
النَّبِيَّ ◌َِّ شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ
٣٢ - باب ما جاء في صفة شرب رسول الله وَله
كذا في نسخة، وفي نسخة صحيحة إسقاط لفظ صفة، لكن المعنى
عليه، لأن القصد بيان الأحاديث التي فيها كيفية شربه وَلؤ. وتقدم أن
الشرب بتثليث الشين وهو: مصدر بمعنى التشرب وهو المراد هنا، وقد
قرىء قوله تعالى: ﴿فشاربون شُرْب الهيم﴾ بالحركات الثلاث، لكن الكسر
شاذ، وهو في معنى النصب أشهر كقوله تعالى: ﴿لها شِرْب ولكم شِرْب
يوم معلوم﴾ فالمكسور بمعنى المشروب، وقد يكون المفتوح والمضموم
بمعنى المشروب أيضاً، لأن المصدر يأتي بمعنى المفعول، وهذا ليس مراداً
هنا لئلا يتكرر مع الباب السابق، فقول الشارح: وهذا المعنى يحتمل أن
يكون مراداً هنا: فيه نظر، وفي هذا الباب عشرة أحاديث.
٢٠٦ - قوله: (أحمد بن منيع) كبديع كما مر.
وقوله: (هشيم) تصغير هشام.
وقوله: (أنبأنا عاصم) وفي نسخة: أخبرنا.
وقوله: (ومُغِیرة) بضم فکسر.
وقوله: (عن الشَعْبي) بفتح فسكون، تابعي مشهور.
قوله: (أنّ النبي ◌َّ- شرب) قيل: في حجة الوداع.
وقوله: (من زمزم) أي من مائها وهي: بئر معروفة بمكة، سميت
بذلك: لأن هاجر قالت لها عند كثرة مائها: زمي زمي، وقيل غير ذلك.

٣٣٩
وَهُوَ قَائِمٌ.
٢٠٧ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ
◌ُسَيْنِ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِهِ،
قوله: (وهو قائم) أي: والحال أنه قائم، فالواو للحال، وإنما شرب
وَلّ وهو قائم مع نهيه عنه لبيان الجواز، ففعله ليس مكروهاً في حقه بل
واجب، فسقط قول بعضهم: إنه يسن الشرب من زمزم قائماً اتباعاً له وَ له،
ولا حاجة لدعوى النسخ أو تضعيف النهي لأنه حيث أمكن الجمع وجب
المصير إليه، وزعم: أن النهي مطلق وشربه من زمزم مقيد، رُدَّ: بأن النهي
ليس مطلقاً بل عام، والشرب من زمزم قائماً فردٌ من أفراده فشمِله النهي،
فيحصل التعارض فيه فوجب حمل شربه منه قائماً على أنه لبيان الجواز،
والاستدلالُ على عدم الكراهة بفعل الخلفاء الأربعة: غيرُ سديد، إذ هو لا
يقاوم ما صح في الخبر من النهي، لما فيه من الضرر.
قال ابن القيم: للشرب قائماً آفات، منها أنه لا يحصل به الري التام،
ولا يستقر في المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء ويلاقي المعدة بسرعة
فربما برَّد حرارتها، ويسرع النفوذ إلى أسافل البدن فيضر ضرراً بيّناً، ومن
ثَمَّ سُنَّ أن يتقاياه ولو فعله سهواً، لأنه يحرك أخلاطاً يدفعها القيء، ويسن
لمن شرب قائماً أن يقول: اللهم صل على سيدنا محمد الذي شرب الماء
قائماً وقاعداً، فإنه بسبب ذلك يندفع عنه الضرر، وذكر الحكماء: أن
تحريك الشخص إبهامي رجلیه حال الشرب قائماً يدفع ضرره.
٢٠٧ - قوله: (عن حُسين) بالتصغير.
وقوله: (المعلم) بكسر اللام المشددة.
وقوله: (عن عَمرو) بفتح العين. وقوله: (ابن شُعيب) بالتصغير.
وقوله: (عن أبيه) أي: شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص.

٣٤٠
عَنْ جَدِّهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِّ يَشْرَبُ قَائِماً وَقَاعِداً.
وقوله: (عن جده) أي: جدِّ الأب، فالجدُّ هو: عبد الله بن عمرو،
والمكثر في الأحاديث، الصحابي ابن الصحابي ابن الصحابية، الأفضل من
أبيه، والأكثرُ منه تلقياً وأخذاً عن النبي بَّ، هذا على جعل الضمير في قوله
عن جده للأب، فإن جعل لعمرو احتُمل أن يكون المراد جدَّه الأدنى
الحقيقي وهو: محمد، فيكون حديثه مرسلاً لأنه حذف منه الصحابي، فإن
محمداً تابعي، وأن يكون المراد جده الأعلى المجازي وهو عبد الله فيكون
متصلاً، ولاحتمال الإرسال في ذلك السند ذهب جمع منهم الشيخ أبو
إسحاق الشيرازي إلى ضعف ((عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده))، لكن في
تهذيب النووي: الأصح الاحتجاج به لقرائن أثبتت عند أكثر المتقدمين
والمتأخرين سماعه من جد أبيه عبد الله، ويكفي احتجاج البخاري به، فإنه
خرّج له في ((القدر))(١) .
قوله: (قال:) أي: جده المذكور. وقوله: (رأيت) أي: أبصرت.
فقوله: (رسولُ الله) مفعول، وجملة (يشرب): حال.
وقوله: (قائماً وقاعداً) حالان من فاعل يشرب، والمراد: أنه رآه مرة
يشرب قائماً، ورآه مرة يشرب قاعداً، لا أنه رآه مرة واحدة يشرب قائماً
وقاعداً، كما قد يوهمه ظاهر العبارة، فيكون قد جمع في مرة واحدة بين
القيام والقعود، وهو خلاف المراد.
واعلم أن الانسان له ثمانية أحوال: قائم، قاعد، ماشٍ، مستند،
راكع، ساجد، متكىء، مضطجع، وكلها وإن أمكن الشرب فيها لكن
أهنؤها وأكثرها استعمالاً القعود، ويليه القيام، ففعله و الر قاعداً غالباً لأنه
أسلم، وقائماً نادراً لبيان الجواز وعدم الحرج، وحيث كان الغالب من فعله
(١) كذا، وهو تحريف صوابه: القراءة، أي: جزء القراءة خلف الإمام.
=