النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ ١٢٦ - حدّثنا يوسُفُ بنُ عيسى، حدثنا وكيعٌ، حدثنا الرَّبيعُ بن صَبِيحِ، عن يَزِيدَ بن أبانَ، عن أنس بن مالكِ قال: كانَ رسولُ الله وَلَ﴿ يُكْثِرُ القِنَاعَ، كأنَّ ثوبَهُ ثوبُ زِیَّاتٍ. = وبرد، ناسَبَ تعقيبَ باب المشي به، وإن لزم الفصل بينه وبين اللباس، والفصل به بين المشية والجلسة. والتقنّعُ: إلقاء القناع على الرأس ليقيَ نحو العِمامة عمّا بها من الدُّهن. هذا هو المراد هنا، وإن كان هو أعم من ذلك، لأنه تغطيةُ الرأسِ وأكثرِ الوجه برداء فوق العمامة، أو تحتها، للوقاية مِن دُهنٍ أو حَرٍّ أو برد أو نحو ذلك. وصحّ عن ابن مسعود - وله حكم المرفوع -: التقنع من أخلاق الأنبياء. وفي خبر: ((لا يقتنع إلا مَن استكملَ الحكمةَ في قوله وفعله)). ويؤخذ منه: أنه ينبغي أن يكون للعلماء شعارٌ يَختص بهم، ليُعرَفوا فَيُسألوا ويُمتثلَ أمرُهم ونهيُهم. وهذا أصل في لبس الطيلسان ونحوه، وله فوائد جليلة: كالاستحياء من الله، والخوف منه، إذ تغطيةُ الرأس شأنُ الخائف الذي لا ناصر له ولا معین. وكَجَمْعِهِ للتفكّر لأنه يغطي أكثرَ وجهه، فيَحضُرُ قلبُه مع ربه، ويمتلىء بشهودِهِ وذِكْرِهِ، وتُصانُ جوارحه عن المخالفات، ونفسُه عن الشهوات. ولذلك قال بعض الصوفية: الطيلسانُ: الخلوةُ الصغرى. وفي الباب حديث واحد سبق في الترجل. ١٢٦ - قوله: (الرَّبيعُ بنُ صَبيح) بالتكبير فيهما. قوله: (يُكثر القناع) بكسر القاف. وهو الخرقة التي تُلقى على الرأس بعد استعمال الدُّهن لتقيَ العِمامة من الدهن. شُبهتْ بقناع المرأة. وقوله: (كأن ثوبه ثوبُ زيات) المراد بالثوب هنا: القناع، أعني: الخرقةَ المذكورة، فلا ينافي أنه وَّ كان أنظفَ الناس ثوباً كما تقدم. قال = ٢٤٢ ٢١ - باب ما جاء في جلسةِ رسولِ الله وَل ١٢٧ - حدّثنا عبدُ بنُ حميدٍ، حدثنا عفانُ بنُ مسلِم، حدثنا عبدُ الله بنُ حسَّانَ، عن جَدَّتَيْهِ، عن قَيلَةَ بنتِ مَخْرَمَةَ، أَنَّها رَأَتْ رسولَ الله ◌َّ في المسجدِ، وهوَ قَاعِدُ القُرْفُصَاءَ، قالت: فَلَمَّا رأيتُ رسولَ الله وَّهِ المُتَخَشِّعَ في الجِلْسةِ أَرْعِدتُ من الفَرَقِ. = العراقي: وهذا الحديث ضعيف، لكن له شواهد تجبُرُ ضعفه. ٢١ - باب ما جاء في جلسة رسول الله وَ له وفي بعض النسخ: ((جلسة)) بالإضافة إلى الضمير. وفي الباب ثلاثة أحاديث. ١٢٧ - قوله: (عن جدَّتيه) دُحَيبة وعُليبة، على ما تقدم في هذا الكتاب، وقد علمت أن الصواب: صَفية ودُحيبة بنتي عليبة. قوله: (وهو قاعد القُرفُصاء) بضم أوله وثالثه، ويفتح ويكسر، ويمد ويقصر، أي: وهو قاعد قعوداً مخصوصاً، بأن يجلِسَ على ألييه، ويلصِقَ فخذيه ببطنه، ويضعَ يديه على ساقيه، وهي: جلسة المحتبي. وقيل: أن يجلسَ على ركبتيه متكئاً، ويلصقَ بطنه بفخذيه، ويتأبط كفيه، وهي جلسة الأعراب. قوله: (فلما رأيت رسول الله وَ﴿ المتخشعَ في الجلسة) أي: الخاشع خشوعاً تاماً في جلسته تلك، فهو خافضُ الطرف والصوتِ، ساكنٌ الجوارح. والتفعّلُ ليس للتكلف، بل لزيادة المبالغة في الخشوع. وقوله: (فأُرعِدتُ من الفَرق) وفي نسخة: ((أُرعدتُ)) من غير فاء. وهو جواب لمّا، أي: أخذتني الرّعدة من الفَرَق - بالتحريك - أي: الخوف والفزع الناشىءٍ مما علاه وَ﴿ مِن عِظم المهابة والجلالة، أو للتأسي به، لأنه = ٢٤٣ ١٢٨ - حدّثنا سعيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ المخزُوميُّ وغيرُ واحدٍ قالوا: حدثنا سفيانُ، عن الزُّهريِّ، عن عبَّادِ بنِ تَميمٍ، عن عمِّهِ: أَنَّهُ رأى النَّبِيَّ وَِّ مُستَلقياً في المسجدِ واضِعاً إحدى رِجلیهِ عَلى الأُخرَى. = إذا كان مع كمال قربه من ربه جل جلاله غشيه مِن جلاله ما صيرَه كذلك، فغيره يُرْعَد من الفَرَق، وهذا بعض قصة تقدمت في باب اللباس. ١٢٨ - قوله: (وغير واحد) هذا ليس من الإبهام المضرّ، لأن العمدة في مثله: إنما هي على المعيَّن. وفائدةُ التعرض للمبهم: بيانُ عدم انفراد المعیَّن به. قوله: (عن عباد بن تميم) وثقه النسائي. وقوله: (عن عمه) أي: عبد الله بن زيد، فهو أخو تميم لأمه، وقيل لأبيه. خرّج له الجماعة. صحابي مشهور. قوله: (مستلقياً في المسجد) حال من ((النبي (وَ)) والاستلقاء: الاضطجاع على القفا، ولا يلزم منه نوم. ولا يخفى أنه إذا حل الاستلقاء في المسجد، حل الجلوس فيه بالأولى. فلهذا: ذُكر هذا الحديث في باب ((ما جاء في جلسة رسول الله (وَليّ)) فاندفع ما يقال: الاستلقاء ليس من الجلوس، فلا وجه لذكر هذا الحديث في هذا الباب. وقوله: (واضعاً إحدى رجليه على الأخرى) حال من ((النبي ◌ِّ)) أيضاً فتكون حالاً مترادفة، أو من ضمير ((مستلقياً)) فتكون حالاً متداخلة. وهذا يدل على حلّ وضع الرِّجْل على الأخرى حال الاستلقاء، مع مد الأخرى أو رفعها. لكن يعارض ذلك رواية: ((لا يَستلقينَّ أحدكم، ثم يضعْ إحدى رجليه على الأخرى)) وجُمع: بأن الجوازَ لمن لم يخف انكشاف عورته بذلك، كالمُتَسَروِل مثلاً، والنهيَ خاصٌّ بمن خاف انكشاف عورته بذلك، = ٢٤٤ ١٢٩ - حدّثنا سلَمةُ بنُ شَبيبٍ، حدثنا عبد الله بنُ إبراهيمَ المدنيُّ، حدثنا إسحاقُ بنُ محمَّدِ الأَنصاريُّ، عن رُبَيْحِ بنِ عبد الرحمنِ بنِ أبي سعيدٍ، عَن أبيهِ، عن جَدِّهِ أبي سعيدِ الخُدرِيِّ قال: كان رسول اللهِ وَ ﴿ إِذَا جلسَ في المسجِدِ احْتَبَی بیدیْهِ . = كالمُؤْتَزِر. نعم الأولى خلافه بحضرة من يحتشمه، وإن لم يخف الانكشاف. والظاهر من حال المصطفى وَر أنه إنما فعله عند خلوّ ممن يُحتشم منه، وهذا الجمع أولى من ادعاء النسخ، وأولى مِنْ زَعْمِ أنه من خصائصه وَ ر، لأن كلاً من هذين الأمرين لا يصار إليه بالاحتمال. ١٢٩ - قوله: (ابن شَبيب) بوزن طبيب. وقوله: (المدني) وفي نسخة ((المديني)). وقوله: (عن رُبَيح) براءٍ، فموحدةٍ فحاءٍ مهملة: مصغر رِبْح. وقوله: (عن أبيه) أي: عبد الرحمن. قوله: (كان رسول الله وَ ل﴿) الخ، هذا مخصوص بما عدا ما بعد صلاة الفجر، لخبر أبي داود بسند صحيح: أنه وَلّ كان إذا صلى الفجر، تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسناءَ أي: بيضاءَ نقية، ومخصوص أيضاً بما عدا يوم الجمعة والإمام يخطب، للنهي عنه حينئذ، لجلبِهِ للنوم، فيفوته سماع الخطيب. وقوله: (إذا جلس في المسجد احتبى بيديه) وفي نسخ: في المجلس بدل: في المسجد. والاحتباءُ: أن يجلس على ألييه ويَضُم رجليه إلى بطنه بنحو عمامة يشدها عليهما وعلى ظهره، واليدان بدل عما يُحتبى به من نحو عمامة. والاحتباء جلسة الأعراب، ومنه ((الاحتباء حيطان العرب)) أي: كالحيطان لهم في الاستناد، فإذا أراد أحدهم الاستناد احتبى، لأنه لا حيطانَ في البراري فيكون الاحتباء بمنزلة الحيطان لهم. ٢٤٥ ٢٢ - باب ما جاء في تُكَأَة رسول الله وَيه ١٣٠ - حدّثنا عبَّاس بنُ محمَّد الدُّوريُّ، حدثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، عن إسرائيلَ، عن سِماكِ بن حربٍ، عن جابرِ بنِ سَمُرَةً قال: رأيتُ رسولَ اللهِ وَ لهَ مُتَكِئاً على وِسادَةٍ على يسارهِ. ٢٢ - باب ما جاء في تُكَأَة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي: باب الأخبار الواردة في بيان تُكَأَةٍ رسول الله وَصِير. فالمقصود في هذا الباب بيان التكأةِ وهي بوزن اللُّمَزَة: ما يُتَّكأ عليه من وسادة وغيرها مما هُيٍّءَ وأُعِدّ لذلك. فخرج الإنسان لا يسمى تُكَأَةً وإن اتُّكِىءَ عليه. والمقصود في الباب الآتي: بيانُ الاتكاء، وهو الاعتماد على الشيء، وسادةً أو غيرها كالإنسان. ولهذا ترجم المصنف هنا بالتكأةِ وفيما يأتي بالاتكاءِ، فاندفع الاعتراض عليه: بأن الأولى جَعْل الكل باباً واحداً. وفي الباب أربعة أحاديث. ١٣٠ - قوله: (الدُّوري) بضم الدال نسبة للدور: محلة من بغداد، ولذلك قيل له: البغدادي أيضاً. قوله: (متكئاً على وسادة) بكسر الواو: ما يُتوسد به من المِخَدة - بكسر الميم وفتح الخاء المعجمة - وقد يقال: وسادٌ بلا تاء، وأَسادٌ بالهمزة بدل الواو. وقوله: (على يساره) أي: حال كونِ الوسادة موضوعةً على يساره. وهو لبيان الواقع، وإلا فيحل الاتكاء يميناً أيضاً. وقد بيّن الراوي في هذا الخبر التُّكَأَةُ وهي الوسادة، وكيفيةَ الاتكاء. وسيأتي أن إسحاق بن منصور انفرد من بين الرواة برواية: ((على يساره)) عن إسرائيل. ٢٤٦ ١٣١ - حدّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، حدثنا بِشرُ بن المُفضَّلِ، حدثنا الجُرَيريُّ، عن عبد الرحمن بنِ أبي بَكْرةَ، عن أبيهِ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أَلا أُحَدِّئُكُم بِأَكْبَرِ الكبائِرِ؟)) قالُوا: ١٣١ - قوله: (ابن أبي بكرة) بفتح الكاف وسكونها، وهو أول مولود ولد في الإسلام في البصرة، فهو بصري تابعي. وقوله: (عن أبيه) أي: أبي بكرة صحابي مشهور بكنيته، وإنما كُتّي بذلك لأنه تدلى للنبي ◌ّلل من حصن الطائف في بكرة لما نادى المسلمون: مَن نزل مِن الحصار فهو حُرّ. واسمه: نُفَيَعٌ - بضم النون وفتح الفاء -. قوله: (ألا أحدثكم بأكبر الكبائر) وفي رواية صحيحة: ((ألا أخبركم)) وفي أخرى: ((ألا أنبئكم)) ومعنى الكل واحد. ويؤخذ من ذلك: أنه ينبغي للعالِمِ أن يَعْرِض على أصحابه ما يريد أن يخبرهم به، وكثيراً ما كان يقع ذلك من المصطفى بَّ لحثِّهم على التفرغ، والاستماع لما يريد إخبارهم به. والكبائر: جمع كبيرة، واختلف في تعريفها، فقيل: ما تُوعِّد عليه بخصوصه بنحو غضبٍ أو لَعْنٍ في الكتاب أو السنة، واختاره في شرح اللب، وقيل: ما يوجب حداً، واعترض على الأول: بالظهارِ وأكلٍ الخنزير، والإضرارِ في الوصية، ونحو ذلك مما عُذَّ كبيرةً ولم يُتوعَّد عليه بشيء من ذلك، واعترض على الثاني: بالفرار من الزحفِ، والعقوق، وشهادة الزور، ونحوها من كل مالا يوجب حداً وهو كبيرة. وقيل: كل جريمة تُؤذنُ بقلة اكتراث مرتكبها بالدِّين ورِقَّةِ الديانة، وعليه إمام الحرمين. وهو أشمل التعاريف. لكن اعترض عليه: بأنه يشمل صغائر الخِسّة: كسرقة لقمة، وتطفيف حبة، والإمام إنما ضَبَط به ما يُبطل العدالةَ من المعاصي، وقد عَدّوا منها جُمَلاً. حتى قال في ((التوسُّط)): رأيت = ٢٤٧ بلى يارسولَ اللهِ. قالَ: ((الإشراكُ باللهِ، وعُقُوقُ الوالدَينِ)) قالَ: وجلسَ رسُولُ اللهِ وََّ وكانَ مُتَّكِئاً قال: ((وشَهادَةُ الزُّورِ)) أَو ((قولُ الزُّورِ)) = للحافظ الذهبي جزءاً جمع فيه نحوَ أربع مئة اهـ(١). قوله: (قالوا: بلى يا رسول الله) أي: حدِّثنا يا رسول الله. وقوله: (والإشراك بالله) المراد به مطلق الكفر، وإنما عبر بالإشراك، لأنه أغلب أنواع الكفر، لا لإخراج غيره. وقوله: (عقوق الوالدين) وهو أن يصدر منه في حقهما ما مِن شأنهِ أن يؤذيهما من قول أو فعل، مما لا يُحتمل عادةً. والمراد بالوالدين الأصلان وإن عَلَيَا. ومال الزركشي إلى إلحاق العم والخال بهما، ولم يتابَع عليه. وقوله: (قال: وجلس رسول الله (صّ﴿ وكان متكئاً) أي: قال أبو بكرة: وجلس رسول الله وَ﴿ وكان متكئاً قبل جلوسه، تنبيهاً على عِظَم إثم شهادة الزور، وتأكيدِ تحريمها، وعظيمٍ قُبحِها، وذلك ليس لكونه فوق الإشراك أو مثلَه، بل لتعدي مَفْسدتِهِ إلى الغَيْرِ. والإشراك مفسدَتُه قاصرةٌ غالباً. ويؤخذَ من الحديث: جوازُ ذِكر الله وإفادةِ العلم متكئاً، وأن ذلك لا ينافي كمال الأدب، وأَن الاتكاء ليس مفوّتاً لحق الحاضرين المستفيدين. وأُورِد على المصنف: أن المذكور في هذا الحديث الاتكاءُ لا التُّكَأَةُ، فليس مناسباً لهذا الباب، بل للباب الآتي. وأقصى ما قيل في دفع هذا الإيراد: أن الاتكاء يستلزم التُّكَأَةُ، فكأنها مذكورة فيه، فناسب ذِكره في هذا الباب بهذا الاعتبار. قوله: (قال: وشهادة الزور، أو قول الزور) شك من الراوي. ورواية البخاري: لا شَكَّ فيها. وهي ((ألا وقول الزور، وشهادة الزور)) وهو من عطف الخاص على العام. وقال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يكون عطف (١) بل فيه الكلام على سبعين كبيرة، ولابن حجر الهيتمي ((الزواجر)) تكلّم فيه على ٤٧٦ كبيرة، وكلاهما مطبوع. = ٢٤٨ قالَ: فمَا زَالَ رسولُ اللهِ وَهِ يَقُولها، حتى قُلنا: ليتهُ سكتَ! ١٣٢ - حدّثنا قتيبةُ بن سعيدٍ، حدَّثنا شَريكٌ، عَن علِّ بنِ الأقمَرِ، عن أبِي جُحِيفَةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أَمَّا أَنَا فِلاَ آَكُلُ مُتکِئاً)). - تفسير. فإنا لو حملنا القول على الإطلاق، لزم أن الكذبة الواحدة كبيرةٌ، وليس كذلك. والزُّور: من الازْوِرار، وهو: الانحراف، كما ذكره بعضهم. وقال المُطَرِّزيُّ: أصل الزُّور: تحسين الشيء ووصفُه بخلاف صفته. وقوله: (قال: فما زال رسول الله وَّليل يقولها، حتى قلنا: ليته سَكَتَ) أي: قال أبو بكرة: فما زال رسول الله مَ﴿ يقول هذه الكلمةَ، وهي: وشهادة الزور، أو قول الزور - حتى تمنّينا سكوتَه كيلا يتألم بَّهِ. وأما قول ابن حجر: والضمير في ((يقولها)) لقوله: ((ألا أحدثكم)) الخ: ففي غاية البعد، والمتبادر ما أشرنا إليه من أنه للكلمة، وهي: وشهادة الزور. ويؤخذ من الحديث: أن الواعظ والمفيد ينبغي له أن يتحرى التكرار والمبالغة في الإفادة، حتى يرحمَه السامعون والمستفيدون. ١٣٢ - قوله: (عن أبي جُحَيفة) بالتصغير، واسمه وهب بن عبد الله، صحابيّ. قوله: (أما أنا فلا آكل متكئاً) ((أمّا)) هنا: لمجرد التأكيد، وإن كانت للتفصيل مع التأكيد غالباً، نحو: جاء القوم، أمّا زيدٌ فراكبٌ، وأما عمرو فماشٍ، وهكذا، وإنما خَصَّ نفسَه بَ لَّ مع أن ذلك مكروه، حتى مِن أمته على الأصح، خلافاً لابن القاص من الشافعية: اكتفاءً بذِكر المتبوع عن التابع. ومعنى المتكىء: المائل إلى أحد الشقين معتمداً عليه وحده. وحكمة كراهة الأكل متكئاً: أنه فعل المتكبرين المكثرين من الأكل نَهْمة. والكراهةُ مع الاضطجاع أشدُّ منها مع الاتكاء. ٢٤٩ ١٣٣ - حدّثنا محمّد بنُ بشارٍ، حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ مهديّ، حدَّثَنا سفيانُ، عن عليٍّ بن الأقمرِ قال: سَمعتُ أبا جُحيفةً يقولُ: = نعم، لا بأس بأكل ما يتنقَّل(١) به مضطجعاً، لما ورد عن علي كرم الله وجهه أنه أكل كعكاً على برش(٢)، وهو منبطح على بطنه، قال حجة الإسلام: والعربُ قد تفعله. والأكل قاعداً أفضل، ولا يكره قائماً بلا حاجة، والتربع لا ينتهي إلى الكراهة، لكنه خلاف الأولى، ومثله أن يُسْنِد ظهره إلى نحو حائط. فالسنة أن يقعد على ركبته وظهور قدميه، أو ينصب الرجل اليمنى ویجلس علی الیسری. قال ابن القيم: ويذكر عنه وَِّ أنه كان يقعد للأكل على ركبتيه، ويضعُ بطن قدمه اليسرى تحت ظهر اليمنى. وورد بسند حسن: أنه أهديت للنبي ◌َلفر شاة، فجثا على ركبتيه يأكل، فقيل له: ما هذه الجلسة؟ فقال: ((إن الله جعلني عبداً كريماً، ولم يجعلني جباراً عنيداً) وهذه الهيئة أنفع هيئات الأكل، لأن الأعضاء تكون على وضعها الطبيعي التي خُلقت عليه. ولا يخفى بعدُ مناسبةُ هذا الحديث والذي بعده للترجمة، والإنصاف أنهما بالباب الآتي أليق، لكنْ ذَكَرَهما هنا: باعتبار أن الاتكاء مستلزم للتُّكَأة، فكأنها مذكورة، كما تقدم نظيره. ١٣٣ - قوله: (لا آكل متكئاً) أي: لا آكل حال كوني مائلاً إلى أحد الشقين معتمداً عليه وحده، كما علمت في الحديث السابق. (١) التنقُل: أكل النُّقْل، كالفستق والجوز واللوز، وهي ما تسمى في أيامنا بـ: الموالح أو المكسرات. (٢) لعلها: بُرِش، ومعناها: حُزَّة البطيخ، كما في ((المعجم الذهبي)) ص ١٠٩ . ٢٥٠ قالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لا آكُلُ مُنَّكِئًا)). ١٣٤ - حدّثنا يوسف بنُ عِيسى، حدَّثنا وكيعٌ، حدَّثَنا إسرائيلُ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عَن جابرٍ بن سمرَةَ قَالَ: رأيتُ النَّبيَّ لاَيه مُتَكئاً عَلَى وسادةٍ. قال أبو عيسَى: لمْ يذْكُر وكيعٌ ((على يسارِهِ)). وهكذا رَوَى غيرُ واحدٍ عن إسرائيلَ نحوَ رِوايةٍ وكيع، وَلا نعلمُ أحداً رَوی فیهِ ((علی يسارهِ) إلَّ ما رَوَى إسحاقُ بنُ منصُورٍ، عن إسرائيلَ. ١٣٤ - قوله: (قال أبو عيسى) الخ، غرضه بذلك: أن وكيعاً وغيره من الرواة عن إسرائيل: لم يذكروا قوله: ((على يساره)) إلا إسحاق بن منصور عن إسرائيل، فإنه ذكر ذلك، فتكون هذه الزيادة من الغريب في اصطلاح الحديث، لأن إسحاق تفرد بزيادة ((على يساره)) وكان الأولى إيراد هذا الطريق عقب طريق إسحاق بن منصور المتقدم أول الباب. قوله: (لم يذكر وكيع: على يساره) أي لم يذكر هذه اللفظة. فوكيع بَيَّن في روايته وقوعَ الاتكاء منه وََّ، لكن لم يتعرض فيه لبيان كيفية الاتكاء . وقوله: (وهكذا روى غير واحد عن إسرائيل نحو رواية وكيع) أي: من غير تعرض للكيفية. وقوله: (ولا نعلم أحداً روى فيه: على يساره) أي: ولا نعلم أحداً من الرواة روى في هذا الحديث لفظة ((على يساره)). وقوله: (إلا ما روى إسحاق بن منصور عن إسرائيل) كان الأولى أن يقول: إلا إسحاق بن منصور عن إسرائيل، لأنه مستثنى من: أحد. ٢٥١ ٢٣ - باب ما جاء في اتكاء رسول الله وَله ١٣٥ - حدّثنا عبدُ اللهِ بنُ عبد الرحمنِ، حدَّثنا عمرو بنُ عاصم، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ سلمَةَ، عن حُميدٍ، عن أنسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﴿﴿ كانَ شاكياً، فَخَرجَ يَتَوَّأُ علَى أُسامةَ بن زيدٍ، وعليهِ ثَوبٌ قِطْريٌّ قد تَوَشَّح بهِ، فصَلَّی بِهِمْ. ٢٣ - باب ما جاء في اتكاء رسول الله وَلـ أي: باب الأخبار الواردة في اتكاء رسول الله وَ﴾. وقد عرفت فيما سبق: أن المقصود في هذا الباب: بيانُ الاتكاء، والمقصودَ في الباب السابق: بيانُ التُّكأة، فلذلك عقد المصنف لهما بابين، ولم يَفهم ذلك بعضهم، فزعم: أن الظاهر أن يُجعَل هذا البابُ والذي قبله باباً واحداً. وفي الباب حديثان. ١٣٥ - قوله: (كان شاكياً) أي: مريضاً، لأن الشكايةَ المرضُ، كما في النهاية . وقوله: (فخرج يتوكأ على أسامة) أي: فخرج من الحجرة الشريفة، يعتمد على أسامةَ بنِ زيدٍ. وقوله: (وعليه ثوب قِطْريٌّ) - بكسر القاف وسكون الطاء المهملة - وهو نوع من البرود اليمنية، يُنَّخذ من قطن، وفيه حُمْرةٌ وأعلامٌ، أو نوعٌ من حُلَل جياد، تُحمل من بلد بالبحرين اسمها قَطَر، بالتحريك، فكسرت القاف للنسبة، وسُكِّنَتِ الطاء: على خلاف القياس. وقوله: (قد تَوشّح به) أي: تغشى به، بأن وضعه فوق عاتقه الذي هو موضع الرداء من المنكب، واضطَّع به كالمحرم، أو خالف بين طرفيه، وربطهما بعنقه. وقوله: (فصلى بهم) أي إماماً. وهذا كان في مرض موته وقَّه. ٢٥٢ ١٣٦ - حدّثنا عبدُ الله بنُ عبد الرحمن، حدَّثنا محمَّدُ بنُ المباركِ، حدَّثنا عطاءُ بنُ مسلم الخَفَّافُ الحَلبيُّ، حدثَّنا جعفرُ بنُ بُرْقانَ، عن عطاء بن أبي رباحٍ، عن الفَضلِ بنِ عَبَّاسٍ قالَ: دخلتُ عَلَى رسولِ اللهِ بَّهِ في مرضِهِ الَّذِي تُؤُفِّيَ فيهِ، وعلَى رَأْسِه ◌ِصابةٌ صَفراءُ، فَسلَّمتُ عَليهِ، فقالَ: ((يا فَضلُ)) قلتُ: لَبَّيكَ يا رسولَ اللهِ، ١٣٦ - قوله: (الخَفَّاف) بالتشديد، وهو صانع الخف، أو بائِعُه. وقوله: (ابن بُرقان) كغفران، وهو بموحدة مضمومة، فراء، فقاف. وقوله: (عن عطاء بن أبي رباح) بوزن سحاب، واسمه: أسلم، كما في اللقاني، تابعيٍ جليل. وقوله: (عن الفضل بن عباس) صحابيٌّ، مشهورٌ، ابن عم المصطفى مَ* ورديفه بعرفة، وهو أكبر أولاد العباس. قوله: (الذي توفي فيه) بالبناء للفاعل، أو للمفعول. وقوله: (وعلى رأسه عصابة صفراء) أي: خرقة، أو عمامة صفراء، وهذا مستند لبس العمامة الصفراء، ومستند لبس العمامة الحمراء ما قُرر: من أن الملائكة نزلت يوم بدر بعمائمَ حمرٍ، على ما في بعض الروايات، وإن تقدم خلافُه في باب ((صفة عمامة النبي ◌َّ)) وكأنه كان فيهم النوعان. ومستند لبس العمامة السوداء ما تقدم: من أنه بَ ر دخل مكة، وعليه عمامة سوداءُ. ومع ذلك فالعمامة البيضاء أفضل، كما تقدم. وقوله: (فسلمت عليه) أي فردَّ عليَّ السلام، ففي الكلام حذف. وقوله: (قلت لبيك) إجابةً بعد إجابة . ٢٥٣ قالَ: ((أُشْدُدْ بهذِهِ العِصابَةِ رَأْسِي)) قالَ: فَفعلتُ، ثمَّ قعدَ، فوضَعَ كفَّهُ على مَنْكِبِي، ثُمَّ قامَ فدخلَ فِي المسجِدَ. وَفي الحدِيثِ قصَّةٌ. وقوله: (قال: اشدد بهذه العصابةِ رأسي) أي: ليسكن الألم بالشد، فيخفَّ إحساسُه به. ويؤخذ من ذلك: أن شَدَّ العصابة على الرأس لا ينافي الكمال والتوكلَ، لأن فيه إظهارَ الافتقارِ والمسكنةِ. وقوله: (قال: ففعلت) أي: فشددت بالعصابة رأسه الشريف. وقوله: (ثم قعد) أي: بعد ما كان مضطجعاً. وقوله: (فوضع كفه على منكبي) أي: عند إرادة القيام، فاتكأ عليه ليقوم، بدليل قوله: (ثم قام) وهذا هو وجه مناسبة الحديث للاتكاء، ولو لم يكن كذلك، لم يكن هذا الحديث من الاتكاء في شيء. وقوله: (فدخل في المسجد) وفي نسخة: ((فدخل المسجد)) بحذف: في. وهو الشائع المستفيض، لكنه على التوسع، أي: التجوز بإسقاط الخافض، فما في النسخة الأولى هو الأصل، كما هو مقرر في علم النحو. قوله: (وفي الحديث قصة) في نسخ: ((طويلة)) وهي: أنه صعد المنبر، وأمر بنداء الناس، وحمد الله، وأثنى عليه، والتمس من المسلمين أن يطلبوا منه حقوقَهم، وستأتي هذه القصة في باب وفاته وَله . ٢٥٤ ٢٤ - باب ما جاء في صفة أكل رسول الله وَله ١٣٧ - أنبأنا محمَّدُ بنُ بشارٍ، حدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍ، عَن سفيانَ، عن سعيد بن إبراهيمَ، عن ابنٍ لكعبِ بن مالكٍ، عن أبيهِ: أنَّ النَّبِيَّ وَِّهِ كَانَ يَلعَقُ أَصابِعَهُ ثلاثاً. ٢٤ - باب ما جاء في صفة أكل رسول الله وَلـ وفي نسخة: باب صفة أكل رسول الله وَلّهِ، والأُولى أَولى، لأن المقصود بيان الأخبار الواردة في صفة أكله بصير. والأكل - بفتح الهمزة - إدخال الطعام الجامد من الفم إلى البطن، سواء كان بقصد التغذي أو غيره، كالتفكُّه. فمن قال: الأكل إدخال شيء من الفم إلى البطن، بقصد الاغتذاء، لم يُصب، لأنه يَخرج من كلامه: أكلُ الفاكهة. وخرج بالجامد: المائعُ فإدخاله ليس بأكل، بل شرب. وأما الأكل - بضم الهمزة - فاسم لما يؤكل. وأحاديث هذا الباب خمسة. ١٣٧ - قوله: (عن سفيان) أي: ابن عيينة(١). وقوله: (عن سعيد) صوابه: ((سعد)) بلا ياء، كما في نسخ. وقوله: (ابن إبراهيم) أي: ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري. بخلاف سعد بن إبراهيم قاضي واسط. فالأول هو المراد هنا، لأنه هو الذي يَروي عنه ابنُ عيينة، كان يصوم الدهر، ويختم كل يوم ختمة. وقوله: (عن ابن لكعب بن مالك) اسمُ ذلك الابن: عبد الله أو عبدُ الرحمن. وقوله: (عن أبيه) أي: كعب. وكان من شعراء المصطفى وَّل . قوله: (كان يلعق أصابعه ثلاثاً) بفتح العين، مضارع لعِق، من باب: (١) بل هو الثوري. = ٢٥٥ قَالَ أَبو عيسى: وروَى غيرُ محمَّدٍ بنِ بشّارِ هذا الحديثَ، قال: = تعب، أي: يَلْحَسُها. وفي رواية ((يلعق أو يُلعِقِ)) أي: يَلعَقها بنفسه أو يُلْعِقها غيرَه، فيسن ذلك سَناً مؤكداً، اقتداء برسول الله وَلّ. فينبغي لمن يتبرك به، أن يَلعقها بنفسه، أو يُلعِقَها غيرَه ممن لا يتقذر ذلك، من نحو عياله، أو تلامذته، خلافاً لمن كره من المترفين لعقَ الأصابع استقذاراً. نعم لو فعل في أثناء الأكل كان مستقذراً لأنه يعيد أصابعه في الطعام وعليها أثر ريقه. قال العصام: لم نعثر على أنه هل يلعق كلَّ أصبع ثلاثاً متوالية، أو يلعق الثلاث ثم يلعق ثم يلعق؟ اهـ والظاهر: حصول السنة بكل، لكن الكيفية الأولى أكملُ، لما فيها من كمال التنظيف لكل واحدة، قبل الانتقال لغيرها. وجاءت علة لَعق الأصابع في رواية، وهي: ((إذا أكل أحدكم طعامه، فليلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أيتهن البركة)) والتعليلُ بطلب التنظيف: غيرُ سديد إذِ الغَسل ينظفها أكثرُ. ويسن لَعْق الإناء أيضاً، لخبر أحمدَ وغيره: ((مَن أكل في قصعة ثم لحسها، استغفرتْ له القصعة)) قال في ((الإحياء)): يقال مَن لعِق القصعةَ ثم غسلها وشرب ماءها، كان له كعتق رقبة. وروى أبو الشيخ: ((مَن أكل ما يسقط من الخِوانِ، والقَصعة، أَمِن من الفقر، والبرص، والجذام، وصُرِف عن ولده الحُمْق)). وللديلمي: ((مَن أكل ما يسقط من المائدة، خرج ولده صبيحَ الوجه، ونُفي عنه الفقرُ)) وفي الجامع الصغير: ((من لعِق الصَّحْفة، ولعق أصابعه، أشبعه الله في الدنيا والآخرة)). قوله: (قال أبو عيسى: وروى غير محمد) الخ، ففي هذا الحديث روايتان: روايةٌ محمد بن بشار: ((كان يلعق أصابعه ثلاثاً)) ورواية غير محمد ابن بشار: ((كان يلعق أصابعه الثلاث)) واستفيد من الروايتين معاً: أن الملعوق ثلاثة أصابع، وأن اللعق ثلاثٌ لكل من الثلاث: الوسطى فالسبابة، فالإبهام. لخبر الطبراني في الأوسط: ((أنه كان يأكل بأصابعه الثلاث، بالإبهام والتي تليها والوسطى، ثم يلعق أصابعه الثلاث قبل أن يمسحها، = ٢٥٦ يلعَقُ أصابعَهُ الثَّلاثَ. ١٣٨ - حدّثنا الحسنُ بنُ عليِّ الخَلاَّلُ، حدَّثنا عَفَّانُ، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ سلمةَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ قالَ: كَانَ النَّبِيُّ نَّهِ إِذَا أَكَلَ طعَاماً، لَعِقَ أصابعَهُ الثَّلاثَ. ١٣٩ - حدّثنا الحسينُ بنُ عليٍّ بنِ يَزِيدَ الصُّدَائيُّ البغداديُّ، حدَّثنا يعقوبُ بنُ إسحاقَ - يعني الوسطى ثم التي تليها ثم الإبهام». = وفي رواية الحكيم عن كعب بن عُجرة: رأيت رسول الله بَّهِ لِعِق أصابعه الثلاث حين أراد أن يمسحها، فلعق الوسطى، ثم التي تليها، ثم الإبهام. وبدأ بالوسطى لكونها أكثرها تلوثاً إذ هي أول ما ينزل في الطعام لطولها، وهي أقرب إلى الفم حين ترفع. قال العراقي: وفي حديث مرسل عند سعيد بن منصور: أنه كان يأكل بخمس. فيجمع بينه وبين ما ذُكر باختلاف الأحوال. ١٣٨ - قوله: (الخلال) بفتح الخاء وتشديد اللام. سمي بذلك لكونه يصنع الخل، أو نحو ذلك. قوله: (إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث) محل ذلك في طعام يلتصق بالأصابع، ويحتمل مطلقاً، محافظةً على البركة المعلومة مما سبق. وقد علمت: أن في ذلك رداً على مَن كرِه لعق الأصابع استقذاراً. والكلام فيمن استقذر ذلك من حيثُ هو، لا من حيثُ نسبتُه للنبيِ بَِّ، وإلا خشي عليه الكفر، إذْ مَنِ استقذر شيئاً من أحواله مع علمه بنسبته إليه وَّ كَفَر. ١٣٩ - قوله: (الصُّدائي) - بضم أوله - نسبة لصُداء - بضم أوله ومهملات -: قبيلة. ٠٠ ٢٥٧ الحَضْرميَّ -، حدَّثنا شعبةُ، عَن سفيانَ الثَّوْرِيِّ، عن عليٍّ بن الأقمرِ، عن أبي جُحيفة قال: قال النبيُّ نَّهِ: ((أمَّا أنا فَلاَ آَكُلُ مُتَكِئاً)). ١٤٠ - حدّثنا محمَّدُ بن بشارِ، حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديّ، حدَّثنا سفيانُ، عن عليٍّ بن الأقمرِ، نحوهُ. ١٤١ - حدّثنا هارونُ بنُ إسحاقَ الهَمْدانيُّ، حدَّثَنا عبدَةُ بنُ وقوله: (الحضرمي) نسبة لحضرموتَ: قبيلةٌ باليمن. قوله: (أما أنا فلا آكل متكئاً) قد تقدم هذا الحديث في باب ((الإتكاء)). وإنما ذُكر هنا ثانياً، لأن فيه ذِكرَ الأكل. وما رواه ابن أبي شيبة عن مجاهد: أنه أكل مرة متكئاً، فلعله لبيان الجواز، أو كان قبل النهي، ويؤيد الثاني: ما رواه ابنُ شاهين عن عطاءٍ: أن جبريل رأى المصطفى وَل يأكل متكئاً فنهاه. ومِنْ حِكَم كراهة الأكل متكئاً: أنه لا ينحدر الطعام سهلاً، ولا يسيغه هيّناً، وربما تأذى به، وقد تقدم مزيد الكلام على ذلك. ١٤٠ - قوله: (نحوه) أي نحو هذا الحديث، لكن الحديث في هذا الطريق مرسل، لأنه سقط منه الصحابي(١). ١٤١ - قوله: (يأكل بأصابعه الثلاث) لم يعينها لاستغنائها عن التعيين، وقد عينها في الخبرين المارين: بأنها الإبهام، والتي تليها، والوسطى. وقد تقدم الجمع بين ذلك، وبين ما ورد: من أنه كان يأكل بخمس. وبعضهم حمله على المائع. وفي ((الإحياء)) الأكل على أربعة أنحاء: الأكل بأصبع: من المقت، وبأصبعين: من الكبر، وبثلاث: من السنة، وبأربع أو خمس: من الشرَه. (١) بل يريد: نحوه: بتمام سنده، وبنحو لفظه، وليس مرسلاً. ٢٥٨ سليمانَ، عن هشام بن عروة، عن ابنٍ لكعبِ بنِ مالكٍ، عَن أبیهِ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ وَلَهِ يَأْكُلُ بِأصابعِهِ الثَّلاث، ويَلعَقُهنَّ. ١٤٢ - حدثنا أحمدُ بْنُ مَنِيع، حدثنا الْفَضْلُ بنُ دُکَیْن، حدثنا مُصْعب بن سُليم قال: سَمعتُ أَنَسَ بنَ مَالِكِ يَقُول: أُتِيَ رسُولُ الله رَّه ◌ِتَمٍ، فَرَأيْتُهُ يأْكُلُ، وَهوَ مُفْعٍ مِنَ الجُوعِ. = وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ((الأكل بأصبع: أكلُ الشيطان، وبأصبعين: أكل الجبابرة، وبالثلاث: أكل الأنبياء))، وإنما كان الأكل بالثلاث هو المطلوب: لأنه الأنفع. إذ الأكل بأصبع أكل المتكبرين، لا يلتذ به الآكل، لضعف ما يتناوله منه كل مرة. فهو كمن أخذ حقه حبة حبة، وبالخمس يوجب ازدحام الطعام على مجراه، وربما سد المجرى فمات فوراً، ومحل الاقتصار عليها: إن كفت، وإلا زيد عليها بقدر الحاجة. وقد تورع بعض السلف عن الأكل بالملاعق لكون الوارد: إنما هو الأكل بالأصابع. وفي ((الكشاف)) عن الرشيد أنه أحضر إليه طعام، فدعا بملاعق وعنده أبو يوسف، فقال له: جاء في تفسير جدك ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾: جعلنا لهم أصابع يأكلون بها، فأحضرت الملاعق، فردّها، وأكل بأصابعه. ١٤٢ - قوله: (الفضل بن دكين) بضم الدال وفتح الكاف. روى عنه البخاري وأبو زرعة وأمم. وقوله: (مُصعَب) بصيغة اسم المفعول. صدوق. خرّج له مسلم. وقوله: (وهو مُقْع من الجوع) أي: وهو مُتَساند إلى ما وراءه من الضعف الحاصل له بسبب الجوع. وفي ((القاموس)) أقعى في جلوسه: تساند إلى ما وراءه. وليس في هذا ما يدل على أن الاستناد من آداب الأكل، لأنه إنما فعله لضرورة الضعف، وليس المراد بالإقعاء هنا: النوع = ٢٥٩ ٢٥ - باب في صفة خبز رسول الله وعليه ١٤٣ - حدثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى ومحمدُ بنُ بَشَار، قالا: حدثنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ، حدثنا شُعبةُ، عَنْ أَبي إِسْحَاقَ قال: سَمِعْتُ عبد الرحمن بنَ يَزِيدَ، يُحَدِّثُ عَن الأَسْوَدِ بنِ يَزِيدَ، عن عائشةَ، أنَّهَا قالت: مَا شَبعَ آلُ مُحَمَّد بَّهِ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ يَوْمَيْن مُتَتَابِعَيْنِ، = المسنون في الجلوس بين السجدتين، وهو: أن يبسط ساقيه، ويجلس على عقبيه. ولا النوع المكروه في الصلاة، وهو: أن يجلس على ألييه ناصباً فخذيه . ٢٥ - باب في صفة خبز رسول الله وَله أي: باب بيان صفة خبز النبي ◌َّر. وفي بعض النسخ («باب ما جاء في صفة)) الخ، وهو الأولى على قياس ما سبق. والخُبْزُ : - بالضم -: الشيء المخبوز من نحو بُرّ، وهو المراد هنا، وأما بالفتح: فالمصدر بمعنى اصطناعه. وفيه ثمانية أحاديث. ١٤٣ - قوله: (قالا) أي: المحمدان: محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار. وقوله: (ما شبع) بكسر الباء من باب طرب. وقوله: (آل محمد رََّ) يحتمل أن لفظ ((الآل)» مُقْحَمٌ، ويؤيده الرواية الآتية ((ما شبع رسول الله (وَ ل#))، وحينئذ: فمطابقة الخبر للترجمة ظاهرة، ويحتمل أن لفظ ((الآل)) ليس مُقْحَماً، والمراد بهم: عياله الذين في نفقته، لا مَنْ تَحْرُم عليه الصدقة، ووجه مطابقة الخبر للترجمة على هذا: أنّ ما یأکله عیاله یسمی خبزه، وینسب له. وقوله: (من خبز الشعير يومين متتابعين) خرج بقوله ((بخبز الشعير)) : = ٢٦٠ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللهِ وَةٍ. ١٤٤ - حدثنا عَبَّاس بنُ محمَّد الدُّوْرِيُّ، حدثنا ابنُ أَبِي بُكَيْرِ، حدثنا حَرِيزُ بن عُثمانَ، عَنْ سُليمِ بنِ عَامِرٍ قالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمامةَ يَقُولُ: مَا كَانَ يَفْضُلُ عَنْ أهْلِ بَيتِ رسولِ اللهِ وَِّ خُبْزُ الشَّعِيرِ . = خبزُ البُرّ، ففي رواية البخاري: ما شبع آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم منذ قدم المدينة من طعام بُرّ ثلاث ليال تباعاً، حتى قُبض. وأُخذ منه أن المراد هنا اليومان بلياليهما، كما أن المراد الليالي بأيامها . وقوله: (متتابعين) يخرج المتفرقين. وقوله: (حتى قبض رسول الله وَّلقول) إشارة إلى استمراره على تلك الحالة مدة إقامته بالمدينة إلى أن فارق الدنيا، ولا ينافي ذلك أنه كان يدخر في آخر حياته قُوتَ سَنَةٍ لعياله لأنه كانت تعرض له حاجة المحتاج، فيخرج فيها ما كان يدخره. ١٤٤ - قوله: (ابن أبي بُكَير) بالتصغير. وقوله: (حَریز) بوزن أمير. وقوله: (أبا أمامة) - بضم الهمزة - صحابي مشهور. قوله: (ما كان يفضل عن أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خبز الشعير) أي: ما كان يزيد عن كفايتهم، بل كان ما يجدونه لا يشبعهم في الأكثر، كما يدل عليه الرواية السابقة، وقال مِيْرَك: أي: كان لا يبقى في سُفرتهم فاضلاً عن مأكولهم، ويؤيده ما رُوي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: ما رُفع عن مائدته وَ لَ كِسرة خبز حتى قُبِض. وقد ورد عن عائشة أيضاً أنها قالت: توفي صلى الله عليه وآله وسلم وليس عندي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رفّ. أي: نصف وَسْق، فأكلت حتى طال عليَّ، فكِلتُه ففَنِي.