النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
فَأَمْلَيْتُهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَخْرَجْتُ كِتَابِي فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ.
٦٠ - حدّثنا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبارَكِ، عَنْ
سَعِيدٍ بِنِ إِيَاسِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدرِيِّ
قَالَ: كَانَ رَسُولَ اللهِ بَّهِ إِذَا اسْتَجَدّ ثَوْباً سَمَّاهُ بِاسْمِهِ ثُمَّ يَقُولُ:
= والتنفيرُ من الأمل، سيما في الاستباق إلى الخيرات.
قوله: (فأمليتُه عليه، ثم أخرجتُ كتابي فقرأتُ عليه) أي: قرأته عليه
مِن حفظي أوّلاً، ثم أخرجتُ كتابي فقرأتُ منه عليه ثانياً .
٦٠ - قوله: (عن سعيد بن إياسٍ) بمثناة تحتية كـ: رجال.
وقوله (الجُرَيري) بالتصغير: نسبةً لجُرَيرٍ - مصغَّراً - أحدٍ آبائه. وهو
أحد الثقات الأثباتِ وثَّقه جمعٌ، تغيَّر قليلاً، لذا ضعفه يحيى القطان. خرّج
له الجماعة .
قوله: (إذا استجدَّ ثوباً) أي: إذا لبس ثوباً جديداً.
وقوله: (سماه باسمه) زاد في بعض النسخ: ((عمامةً، أو قميصاً أو
رداءً)) أي: أو غيرَها. قال بعض الشراح: المرادُ أنه يقول: هذا ثوبٌ، هذه
عمامةٌ، إلى غير ذلك. اهـ. وتُعُقِّب: بأن ألفاظ المصطفى وَّهِ تُصان عن
خلوِّها عن الفائدة، أيُّ فائدةٍ في قوله: هذا ثوبٌ، هذه عمامةٌ ونحو ذلك؟!
وأجيب: بأن القصد من ذلك: إظهارُ النعمة، والحمدُ عليها. لكنْ قضيةُ
سياق بعض الأخبار: أنه وسچور كان يضع لكل ثوب من ثيابه اسماً خاصاً،
كخبر: ((كان له عِمامةٌ تُسمى السحابَ)).
قال بعضهم(١): ويؤخذ من ذلك: أن التسمية باسم خاص سنةٌ. قال:
(١) هو الإمام ابن حجر الهيتمي في شرحه على هذا الكتاب. انظر ((شرح الأذكار)) لابن
عَلّن ٣٠٢:١، ومما قاله هناك: ((إن ما جرى منه جرث به عادة شرّاح الحديث =

١٦٢
الْلِهِمَّ لَكَ الْحَمْدُ كَمَا كَسَوْتَنِيهِ، أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ، وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ،
وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ، وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ.
= ولم يَذْكِرِه أصحابُنا وهو ظاهر. اهـ. ورُدَّ بأن إثباتَ الحكم بالحديث وظيفةٌ
اجتهاديةٌ، هو دونها بمراحل، كيف لا، والمجتهدُ مفقودٌ؟ ويكفي في الرد
عليه وتزييف ما ذهب إليه: اعترافُه بأن الأصحاب لم يذكروه، فتُراهم لم
يَروا كتابَ ((الشمائل))، وهو الذي نظر؟! أو غفَلوا عما يؤخذ من الحديث،
وهو الذي عليه عَثَر؟ !! ويحتمل أن المراد من الحديث: أنه كان يسميه
باسم جنسه، بأن يقول: الثوبُ القطنُ، الثوبُ الغَزْلُ، وهكذا.
قوله: (ثم يقول: اللهم لك الحمد كما كسوتنيه) أي: بعد البسملة،
فإنها سُنَّةٌ عند اللُّبس. والكاف للتعليل كما جوَّزه ((المغني))، أي: اللهم لك
الحمد على كسوتِك لي إياه، أو للتشبيه في الاختصاص، أي: اللهم الحمد
مختص بك، كاختصاص الكِسْوة بك.
:
وقوله: (أسألك خيرَه وخير ما صُنِعٍ له) أي: أسألك خيرَه في ذاته،
وهو بقاؤه، ونقاؤُهُ، والخيرَ الذي صنع لأجله، من التقومي به على الطاعة،
وصرْفِه فيما فيه رضاك. نظراً لصلاح نية صانعه.
وقوله: (وأعوذ بك من شره، ومن شر ما صُنع له) أي: وأعوذ بك
من شره في ذاته: وهو ضد الخير في ذاته، ومِن شرِّ ما صُنِعٍ لأجله: وهو
ضد الخير الذي صُنِعٍ لأجله. نظراً لفساد نيةٍ صانعه. وجعل بعضهم اللامَ =
فيقولون: يؤخذ من الحديث كذا وكذا .. ، ومرادهم أن هذا الخبر يقتضي هذا ما لم
=
يعارضه معارض، فهم لا يجزمون بالحكم المأخوذ من الأخبار، لاحتمال وجود ما
يعارضه، بخلاف أخذ المجتهد للحكم منه، فإنه يجزم بما يظهر له بنظر الاجتهاد،
ولا ينظر إلى ذلك الاحتمال)). وهذا تنبيه هام جداً. وانظر مثالاً تطبيقياً على هذا
عند قول الشارح على الحديث (١٨٠): ((يؤخذ منه حلُّ ذبح المرأة، لأن الظاهر
أنها ذبحت بنفسها، ويحتمل أنها أمرت بذبحها، والجزم به يحتاج إلى دليل)).

١٦٣
= للعاقبة، والمعنى: أسألك خيرَه وخيرَ ما يترتب على صُنْعه: من العبادة،
وصرفِه لما فيه رضاك، وأعوذ بك مِن شرِّه، ومن شر ما يترتب عليه، مما
لا ترضى به: مِن التكبر، والخيلاءِ.
وقد ورد فيما يدعو به مَن لبس ثوباً جديداً أحاديثُ أُخَرُ. منها: ما
أخرجه ابن حِبّان والحاكم وصححه من حديث عمر مرفوعاً: ((من لبس ثوباً
جديداً فقال: الحمد لله الذي كساني ما أُواري به عورتي، وأتجمَّل به في
حياتي، ثم عَمَد إلى الثوبِ الذي أَخْلَقَ، فَتَصدَّق به: كان في حِفظ الله،
وفي كَنَفَ الله وفي سَتْر الله حيّاً وميتاً)). ومنها: ما أخرجه الإمام أحمدُ
والمؤلفُ في جامعه وحسّنه من حديث معاذِ بنِ أنسٍ مرفوعاً: ((منْ لَبِس
ثوباً جديداً فقال: الحمد لله الذي كساني هذا، ورَزَقَنيه من غيرِ حولٍ ولا
قوةٍ: غفرَ الله له ما تقدم من ذنبه)) زاد أبو داود في روايته ((وما تأخر)).
ومنها: ما أخرجه الحاكم في المستدرك من حديث عائشة قالت: قال
رسول الله بَّهِ: ((ما اشترى عبدٌ ثوباً بدينار أو نصفِ دينارٍ، فحمد الله، لَمْ
يَبْلُغْ ركبتيه، حتى يغفِرَ الله له)) قال الحاكم: هذا الحديث لا أعلم في إسناده
واحداً ذُكِرٍ بجَرْحٍ. وما تَقَدَّم مِن الذِّكْر المذكورِ يُسَنُّ لمن لبس جديداً.
وأما مَنْ رأى على غيره ثوباً جديداً، فيُسَنّ له أن يقول: الْبَسْ جديداً،
وعِشْ حميداً، ومُت شهيداً. لما رواه الترمذي في العلل: عن الحِبْرِ ابنِ
العباس، أن المصطفى وَ ليّ قال ذلك لعمر رضي الله عنه، وقد رأى عليه
ثوباً أبيضَ جديداً، ولما رواه أبو داود: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا
إذا لَبِس أحدُهم ثوباً جديداً، قيل له: تُبْلي ويُخْلِفُ الله تعالى. ويدُل له
قوله بَّر في الحديث الصحيح لِأم خالدٍ: ((أَبْلي، وأَخْلِقِي)). رُوي بالفاء،
وبالقاف. والمعنى على الأول: أَبْلِي الثوبَ حتى يبقى خَلْفاً، وأبدليه بغيرهِ.
وأما على الثاني: فعَطفَ أَخْلِقي - بالقاف - على أَبْلي عطْفَ تفسيرٍ .

١٦٤
٦١ - حدّثنا هِشَامُ بْنُ يُونُسَ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ
الْمُزَنِيُ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعيدٍ الْخُدرِيِّ،
عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ، نَحْوَهُ.
٦٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا
أَبي، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَحَبُّ الثَّابِ إِلَى
رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَلْبَسُهُ الْحِبَرَةَ.
٦١ - قوله: (هشام بن يونس الكوفيُّ): ثقةٌ. روى عنه أبو داود
والمصنف .
وقوله: (القاسم بنُ مالك المُزني): قال ابن حجر: صدوق فيه لينٌ.
روى عنه أحمد، وابنُ عرفَةَ، وعِدّةٌ. خرَّج له الشيخان والنَّسائيُّ وابنُ
ماجه.
وقوله: (عن الجريري) بالتصغير.
وقوله: (عن أبي نَضْرةَ) بنون مفتوحة وضاد معجمة ساكنة.
قوله: (نحوَه) سبق الفرق بين قولِ المحدثين: نحوَه، وقولهم: مِثْلَه.
٦٢ - قوله: (يلبَسُه) وفي نسخ: ((يلبَسُها)) فالضمير على الأول: راجعٌ
لأَحبِ الثياب، وعلى الثاني: للثياب: والجملة حالٌ. وخرج به ما يفترشه
ونحوه.
قوله: (الحِبَرَةَ) بالنصب: خبر كان. وأَحَبُّ بالرفع: اسمُها. هذا هو
الذي صُحِح في أكثر نسخ الشمائل. ويجوز عكسه، وهو الذي ذكره
الجَزَري في ((تصحيح المصابيح)».
والحِبَرَة: بوزْن عِنْبَة: بُرْدٌ يماني مِن قطن مُحبَّرٍ، أي: مزيَّنِ مُحَسَّنٍ.
والظاهر أنه إنما أحبها لِلينها وحُسْنِ انسجام صُنْعتها، وموافقتِها لجسده =

١٦٥
٦٣ - حدّثْنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزاق، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِهِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبيَّ
صَلىالله
وسلم
وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَرِيقِ سَاقَيْهِ .
= الشريف 38 فإنه كان على غاية من النعومة واللين، فيوافقه اللين الناعم،
وأما شديد الخشونة فيؤذيه، ولا يعارضِ ذلك ما تقدم: مِن أنه كان الأحبَّ
إليه القميص، لأن ذلك بالنسبة لِما خِيطُ، وهذا بالنسبة لما يُرْتَدى به، أو
أن محبته للقميص كانت حين يكون عند نسائه. والحِبَرةُ كانت حين يكون
بين صحبه. على أن هذا الحديث أصحُّ، لاتفاق الشيخين عليه، فلا يعارِضه
الحديثُ السابق.
٦٣ - قوله: (سفيان) قيل: الثوري(١)، وقيل: ابن عُيَيْنة.
وقوله: (عن عَوْن) بفتح المهملة، وسكون الواو، وفي آخره نون.
وقوله: (ابن أبي جحيفة) روى عنه شعبة، وسفيان، وعدّة، وثَّقوه،
خرَّج له الستة .
وقوله: (عن أبيه) أي: أبي جُحيفةَ الصحابي المشهور.
قوله: (رأيت النبي ◌َّه) أي: في بطحاء مكة في حجة الوداع، كما
صُرح به في رواية البخاري.
وقوله: (وعليه حُلَّةٌ حمراءُ) أي: والحال: أن عليه حلةً حمراءَ.
فالجملة حالية .
وقوله: (كأني أنظر إلى بريق ساقيه) أي: لمعانِهما. والظاهر: أنّ
((كأنَّ)) للتحقيق، لأنها قد تأتي لذلك. وإنما نظر إلى بريق ساقيه، لكون
الحُلة كانت إلى أنصاف ساقيه الشريفتين وَلّر، وهذا يدل على جواز النظر إلى
(١) وهو الصحيح.
=

١٦٦
قَالَ سُفْيَانُ: أُرَاهَا حِبَرَةً.
٦٤ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ، حَدَّثْنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ
= ساق الرجل، وهو إجماعٌ، حيث لا فتنة. ويؤخذ منه: نَذْب تقصير الثياب
إلى أنصاف الساقين، فيُسن للرجل أن تكون ثيابه إلى نصف ساقيه، ويجوز
إلى كعبيه، وما زاد حرامٌ إن قصد به الخُيلاءَ، وإلا كُره. ويُسَن للأنثى ما
يسترها، ولها تطويلُه ذراعاً على الأرض. فإن قصدتِ الخيلاء، فكالرجل.
وهذا التفصيل يجري في إسبال الأكمام، وتطويلٍ عَذَبة العمائم.
وعلى قصد الخيلاءِ يُحمل ما رواه الطبراني: ((كل شيء مس الأرض
من الثياب فهو في النار)) وما رواه البخاري: ((ما أسفل من الكعبين من
الإزار في النار)) أي: محلُّه فيها، فتجوَّز به عن محلّه.
قوله: (قال سفيان: أُراها حِبرة) بصيغة المجهول للمتكلم وَحْده،
أي: أَظن الحلة الحمراء مخططةً لا حمراءَ قانيةً، وإنما قال سفيان ذلك،
لأن مذهبه حرمةُ الأحمر البَحْت. أي: الخالص. وقال ابن القيم: غِلِطَ مَن
ظن أنها حمراءُ بحتٌ، وإنما الحلة الحمراءُ بُردان يمانيان مخططان بخطوطٍ
حُمْرٍ مع سودٍ، وإلا فالأحمر البحت منهيٌّ عنه أشدَّ النهي. فكيف يُظَن
بالنبي ◌َّ أنه لبسه؟! وردَّ هذا: بأن حمْل الحلة على ما ذُكر مجردُ دعوى،
والنهي عن الأحمر البحث للتنزيه، لا للتحريم، ولَبْسه وَّ الأحمر القاني
مع نهيه عنه: لتبيين الجواز. فقد روى الطبرانيُّ من حديث ابن عباس: أنه
وَلر كان يلبس يوم العيد بردة حمراءَ، قال الهيثمي: ورجاله ثقات.
فالصحيح جواز لُبسِ الأحمر، ولو قانياً.
٦٤ - قوله: (عليُّ بنُ خشرم) كـ: جعفرٍ، بخاء وشين معجمتين،
مصروفٍ، حافظٌ، ثقةٌ. روى عنه مسلم، والنَّسائيُّ، وابن خزيمة، وأممٌ.
وقوله: (عيسى بن يونس) ثقةٌ مأمونٌ. خرّج له الستة .

١٦٧
إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إسحاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ
أَحَداً مِنَ النَّاسِ أَحْسَنَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ، إِنْ
كَانَتْ جُمَّتُهُ لَتَضَرِبُ قَرِيباً مِنْ مَنْكِبَيْهِ.
٦٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ،
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ إِيَادٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي رِمْثَةً قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ أَخْضَرَانِ.
وقوله: (عن إسرائيل) أي: أخي عيسى المذكور. وكان أكبر منه.
قوله: (ما رأيت أحداً من الناس أحسنَ في حُلة حمراءَ من رسول الله
وَّ﴾﴾ أي: بل رسول الله وَلّ أحسنُ من كل أحد. لأن هذا الكلام، وإن
صدق بالمماثلة، وبكونه ◌َ ل﴿ أحسنَ، فالمراد به الثاني، استعمالاً للأعمّ في
الأخص كما تقدم. وقوله: (في حلةٍ حمراء) لبيان الواقع لا للتقييد.
قوله: (إن كانت جُمَّتُهُ لتَضرِب قريباً من منكبيه) أي: إنه، يعني الحال
والشأن: كانت خُصْلة شعره وَلّر لتصل قريباً مِن منكبيه. وقد تقدم شرح
ذلك مستوفى. فإنْ: مخففةٌ من الثقيلة، واسمها: ضميرُ الشأن.
٦٥ - قوله: (عبيد الله بن إياد) صدوقٌ. خرّج له الستة إلا ابنَ ماجه.
لكن لَيَّنَه البزار.
وقوله: (عن أبيه) أي: إياد.
وقوله: (عن أبي رِمثة) بكسر الراء، وسكون الميم، وفتح المثلثة،
واسمه: رفاعةُ، وقد سبق.
قوله: (وعليه بردان أخضران) أي: والحال أن عليه بردين أخضرين.
والبردان: تثْنية بُرد، وهو كما في ((القاموس)): ثوب مخطط، والمراد
بالأخضرين كونُهما مخططين بخطوط خُضْرٍ، كما قاله العصام. ولا يُعتَرض =

١٦٨
٦٦ - حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْد قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا
عَبْدُ اللهِ بْنُ حَسَّانَ الْعَنْبَرِيُّ، عَنْ جَدَّتَيْهِ دُحَيْبَةَ وَعُلَيْبَةَ، عَنْ قَيلَةً
بِنْتِ مَخْرَمَةَ قَالَتْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ نَّهِ وَعَلَيْهِ أَسْمَالُ
= بما قاله بعض الشراح: مِن أنه إخراجٌ للفظ عن ظاهره، فلا بُدَّ له من دليل،
لأن السياق يؤيد ذلك التفسيرَ، لما علمتَ مِن أن البُرْدَ ثوبٌ مخطط. فتعقيبه
بالخُضْرة يدل على أنه مخطط بها، ولو كان أخضرَ بحتاً لم يكن بُرْداً.
٦٦ - قوله: (عبدُ بن حُميد) بالتصغير .
وقوله: (عفان بن مسلم) ثقةٌ، ثبتٌ، لكنه تغيَّر قبل موته بأيام. خرَّج
له الستة.
وقوله: (عبد الله بن حسان العنبريُّ) قال في ((الكاشف)): ثقةٌ، وفي
((التقريب)): مقبولٌ. خرّج له البخاريُّ في تاريخه(١) وأبو داود.
قوله: (عن جدَّتيه دُحيبةً وعُلَيبة) بإهمال الدال والحاء في الأولى،
والعين في الثانية، وبعد المثناة موحدة فيهما. وهما بلفظ التصغير. لكن
قال السيوطي: ورأيت الأولى مضبوطةً بخط مَن يوثق به: بفتحةٍ فوق الدال
وكسرةٍ تحت الحاء اهـ.
وقوله: (عن قَيْلة) بقاف ومثناة تحتية.
وقوله: (بنت مَخْرَمة) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء
والميم: صحابيةٌ لها حديثٌ طويلٌ في الصحاح. خرّج لها البخاري في
((الأدب)) وأبو داودَ. واعتُرِض بأن الصوابَ عن جدتيه: دُحَيْبَةَ وصفية بنتي
عُلَيْبةَ الذي هو ابن حرملَةَ بن عبد الله بن إياس. فعُلَيبةُ أبوهما، وهما
جدتان لعبد الله بن حسان: إحداهما من قِبَل الأم، والأخرى: من قِبَل
(١) بل في كتابه ((الأدب المفرد)).
=

١٦٩
مُلَيَّتَيْنِ كَانَتَا بِزَعْفَرَانٍ، وَقَدْ نَفَضَتْه. وفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ(١).
= الأب، وهما يرويان عن قَيلة بنت مَخْرمة، وهي جدة أبيهما لأنها أم أمه،
وهذا الاعتراض لا محيد عنه، وإن تعرض بعض الشراح لرده. فقد صرح
جهابذة الأثر: بأن دُحَيبة وصَفية بنتا عُلَيبة، وأن قيلةَ جدةُ أبيهما. وقد ذكره
المؤلف في ((جامعه)) على الصواب.
قوله: (وعليه أسمال مُلَيََّيْنِ) أي: والحال أن عليه أسمال مُلَيَتَيْنِ.
والأسمال: جمع سَمَل، كأسباب وسبب، وهو الثوب الخَلَقُ. والمراد
بالجمع، ما فوق الواحد فيَصْدُق بالاثنين، وهو المتعين هنا، لأن إضافته
إلى المُلَيَّين للبيان. والمُلَيتان: تَقْنية مُلَيّة - بضم الميم، وفتح اللام،
وتشديد الياء المفتوحة - وهي تصغير مُلاءَةَ - بضم الميم، والمدِّ، لكن بعد
حذف الألف. والمُلاءة - كما في ((القاموس)) -: كل ثوب لم يُضَم بعضه
إلى بعض بخيط، بل كله نسج واحد.
قوله: (كانتا بزعفران) أي: كانت المُلَيتان مصبوغتين بزعفران.
قوله: (وقد نفضَتْه) أي: وقد نفضت الأسمال الزعفران، ولم يبق منه إلا
الأثر القليل. وفي نسخ ((وقد نَفَضتا)) إما بالبناء للفاعل أو للمفعول، والضمير
حينئذ للمليَّيْنِ، فَلْبْسِهِ وََّ لهاتين المُلَيََّيْن لا ينافي نهيه عن لُبْس المُزَعْفر،
لأن النهي محمول على ما إذا بقي لون الزعفران برّاقاً، بخلاف ما إذا نفض
وزال عن الثوب، ولم يبق منه إلا الأثر اليسير، فليس هذا مَنْهياً عنه.
قوله: (وفي الحديث قصة طويلة) وهي: أن رجلاً جاء فقال: السلام
عليك يا رسول الله، فقال: وعليك السلام ورحمة الله، وعليه أَسمالُ
مُلَيََّيْن، قد كانتا بزعفرانٍ، فَنَفَضتا، وبيده عَسيبُ نَخْل، فقعد وَله
القُرْفُصاء، فلما رأته على تلك الهيئة، أُرْعِدتْ من الفَرَق - أي: الخوفِ -
(١) هي بتمامها في ((طبقات)) ابن سعد ٣١٧:١ - ٣٢٠.
=

١٧٠
٦٧ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ
عُبَيْدِ الله بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((عَلَيْكُمْ بِالْبَيَاضِ مِنَ الثَّابِ، لِيَلْبَسْهَا
أَحْيَاؤُكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ، فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِیَاِكُمْ)).
= فقال جليسه: يا رسول الله، أُرْعِدَتِ المسكينةُ! فنظر إليَّ، فقال: ((عليكِ
السَّكينةُ))، فذهب عني ما أجد مِن الرُّعب. وفي رواية: فقال ولم يَنظر إليّ،
وأنا عند ظهره: ((يا مِسكينةُ، عليك السَّكينةُ))، فلما قاله أذهب الله ما كان
دخل عليَّ من الفرَق. أي: الخوف.
٦٧ - قوله: (ابن خُثَيم) بضم المعجمة وفتح المثلثة.
وقوله: (ابن جُبَير) بالتصغير.
قوله: (عليكم بالبياض) أي: الزموا لُبْس الأبيضِ. فَعَلَيْكم: اسمُ فعلٍ
بمعنى: الزموا. والمراد مِن البياض: الأبيضُ. بُولِغَ فيه كأنه عينُ البياض،
على حَدّ: زيدٌ عَدْلٌ، كما يُرشد لذلك بيانُه بقوله: (من الثياب).
قوله: (ليلْبَسْها أحياؤكم) - بلام الأمر وفتح الموحدة - فَيُسَن لبْسها،
ويحسن إيثارها في المحافل: كشهودِ الجمعة، وحضور المسجد،
والمجالس التي فيها مظِنَّةُ لقاءِ الملائكة، كمجالس القراءة والذِّكْر. وإنما
فُضِّل لبسُ الأغلى قيمةً يومَ العيد، وإن لم يكن أبيض: لأن القصد يومئذ
إظهارُ الزينة، وإشهار النعمة، وهما بالأرفع أنسب.
قوله: (وكفّنوا فيها موتاكم) أي: لمواجهة الميْت للملائكة. وقد
تقدم: أنها تطلب لِمَظِنّة لقاء الملائكة.
وقوله: (فإنها من خير ثيابكم) وفي نسخ: ((من خيار ثيابكم)) وهذا
بيانٌ لفضل البياض من الثياب، ويليها الأخضر، ثم الأصفر.
واعلم أن وجه إدخال هذا الحديث، وكذا الحديث الذي بعده في باب =

١٧١
٦٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ،
حَدَّثْنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي
شَبِيبٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((الْبَسُوا
الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا أَظْهَرُ
= لباسه ◌َله: لا يخلو عن خفاء، إذ ليس فيهما تصريح بأنه كان يلبَس
البياض، لكن يُفهم مِن حثّه على لبس البياض: أنه كان يلبسه. وقد ورد
التصريح بأنه كان يلبسه فيما رواه الشيخان عن أبي ذر حيثُ قال: أتيت
النبيَّ ◌َلّهِ وعليه ثوب أبيض.
٦٨ - قوله: (سفيان) قيل: هو ابن عيينة هنا (١)، وإن كان إذا أطلق
يراد به الثوريُّ.
وقوله: (عن حبيب) ک: طبيب.
وقوله: (ابن أبي ثابت) كان ثقةً، مجتهداً، كبيرَ الشأن، أحدَ الأعلام
الكبار. خرّج له الستة .
وقوله: (عن سَمُرة) مهملة مفتوحة، وميم مضمومة، ومهملة.
وقوله: (ابنِ جُنْذُب) بضم الجيم، وسكون النون، وضم الدال، أو
فتحها، وباء موحدة. مصروفٌ. صحابيُّ جليل، عظيمُ الأمانة، صدوقُ
الحديث، من عظماء الحفاظ المكثرين.
قوله: (البسوا البياض) أي: الثيابَ البِيضَ. بُولِغَ فيها، وكأنها نفس
البياض، كما تقدم.
وقوله: (فإنها أطهر) أي: أنظف لأنها تحكي ما يُصيُبها من الخَبَث،
(١) بل الصواب أنه سفيان الثوري.
=

١٧٢
وَأَطْيَبُ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ)).
٦٩ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيع، حَدَّثْنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي
زَائِدَةَ، حَدَّثْنَا أَبِي، عَنْ مُصْعَبٍّ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْئَةَ،
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ الله ◌ِهِ ذَاتَ غَدَاةٍ، وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مِنْ
= فتحتاجُ إلى الغسل، ولا كذلك غيرُها. فلذلك كانت أطهرَ مِن غيرها.
وقوله: (وأطيبُ) أي: أحسن. لغلبة دلالتها على التواضع والتخشع،
ولأنها تبقى على الحالة التي خُلِقتْ عليها. فليس فيها تغيير خَلْق الله
تعالى.
وقوله: (وكفنوا فيها موتاكم) أي: لما تقدم من التعليل.
٦٩ - قوله: (يحيى بن زكريا) بالمد والقصر.
وقوله: (ابن أبي زائدة) اسمه خالد، وقيل هُبَيْرَة - بالتصغير - أحدُ
الفقهاء الكبار المحدثين الأثبات. قيل: لم يغلط قَطّ. خرّج له الستة.
وقوله: (أبيٍ) أي: زكريا. صدوق، مشهور، حافظ، وثّقه أحمد،
وقال أبو حاتم: ليّن.
وقوله: (مصعب) بصيغة المفعول.
وقوله: (ابن شيبة) کَرحمة. خرّج له مسلم.
وقوله: (عن صفيةَ بنتِ شيبةَ) لها روايةٌ وحديثٌ. جَزَمَ في الفتح:
بأنها مِن صغار الصحابة. قوله: (خرج) أي: من بيته.
وقوله: (ذاتَ غداةٍ) العرب تستعمل: ذات يوم، وذات ليلة، ويريدون
حقيقة المضاف إليه نفسه، وما هنا كذلك فلفظ ((ذات)) مقحمٌ للتأكيد.
قوله: (وعليه مِرْط) بكسر فسكون، والجملة حالية. والمِرْط: كساءٌ
طويل واسعٌ مِنْ خزٍّ أو صوف أو شعر أو كتان، يؤتزر به.

١٧٣
شَعَرٍ أَسْوَدٌ.
٧٠ - حدّثنا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثْنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا يُونُسُ ابْنُ
أَبِي إِسْحاقَ، عَنْ أَبِيه، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ
شُعْبَةَ، عَنْ أَبِيه: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ لَبِسَ جُبَّةً رُومِيَةً
وقوله: (من شعر) وفي نسخة صحيحة: ((مِرْطُ شَعَرٍ)) بالإضافة، وهي
ترجع للأولى، لأن الإضافة على معنى ((مِنْ)).
وقوله: (أسود) بالرفع على أنه صفةُ مِرْطٍ، أو بالجر بالفتحة على أنه
صفة شعر. وفي الصحيحين: كان له كساء يلبسه، ويقول: ((إنما أنا عبد،
ألبَس كما يلبس العبد)) وكان ◌َلّ يلبس الكساء الخشن، ويقسم أقبية الخز
المَخُوصة بالذهب في صحبه.
٧٠ - قوله: (عن الشعبي) بالفتح نسبةً إلى: شَعْب، كفَلْس: بطن من
هَمْدانَ - بسكون الميم ـ فقيهٌ مشهور من كبار التابعين، روى عن خمس مئة
صحابي. والشُّعبي - بالضم -: هو معاوية بن حفص الشُّعبي نسبة لجده.
والشِّعبي - بالكسر -: هو عبد الله بن مظفر الشِّعبي. كلهم مُحدّثون. ذكره
فى ((القاموس)).
وقوله: (عن عروة) ثقةٌ. خرّج له الستة.
وقوله: (ابن المُغيرة) بالضم.
وقوله: (عن أبيه) أي: المغيرة صحابي مشهور. كان من خَدَمَةِ
المصطفى وَلقد خرّج له الستة .
قوله: (لبس جُبَّة رُومية) أي: لبسها في السفر. قالوا: وكان ذلك في
غزوة تبوك. والجبّة: من الملابس معروفةٌ، كما في ((المصباح)) وقيل:
ثوبان بينهما حشو، وقد تقال: لما لا حَشْوَ له، إذا كانت ظِهارته من
صوف. والرومية: نسبة للروم، وفي أكثر الروايات - كما قاله الحافظ ابن =

١٧٤
ضَيِّقَةَ الْكُمَّيْنِ.
= حجر -: شامية: نسبة إلى الشام. ولا تناقض: لأن الشام كانت يومئذ
مساكن الروم. وإنما نُسبت إلى الروم، أو إلى الشام: لكونها مِن عمل
الروم الذين كانوا في الشام يومئذ. وهذا يدل على أن الأصل في الثياب
الطهارةُ، وإن كانت من نسج الكفار، لأنه بَّر لم يمتنع مِن لبْسها، مع
علمه بمن جُلِبَتْ من عندهم، استصحاباً للأصل. وصوفُها يَحتمل أنه جُزَّ
في حال الحياة، فقولُ القرطبيِّ: يؤخذ منه أن الشعر لا ينجس، لأن الروم
إذ ذاك كفار، وذبيحتهم ميتة: في حيّز المنع.
وقوله: (ضيقة الكُمَّيْن) أي: بحيث إذا أراد إخراج ذراعيه لِغِسْلهما،
تعسّرَ، فيعدِلُ إلى إخراجهما من ذيلها. ويؤخذ منه كما قاله العلماء: أن
ضِيْقَ الكمَّينِ مستحب في السفر، لا في الحضر، وإلا فكانت أكمامُ
الصحب بطحاءَ، أي: واسعة.
تنبيه: عُلم من كلامهم في هذا الباب: أن المصطفى وَ ل قد آثر رثاثة
الملبس، فكان أكثرَ لبْسه الخشنُ من الثياب، وكان يلْبَس الصوف، ولم
يقتصر من اللباس على صنف بعينه، ولم تطلب نفسه التغالي فيه، بل اقتصر
على ما تدعو إليه ضرورته، لكنَّه كان يَلْبَسُ الرفيع منه أحياناً، فقد أُهديت
له وَِّّ حُلٌ اشتُريت بثلاثة وثلاثين بعيراً أو ناقةً، فلِسها مرةً.
وأما السراويل: فقد وُجدتْ في تركته بَّلَ لكنه لم يلبَسْها على
الراجح. وأول مَن لبسها إبراهيم الخليل. وفي حديث ابن مسعود مرفوعاً
((كان على موسى عليه السلام حين كلَّمه ربه كساءٌ من صوف، وقلنسوة من
صوف، وجبة من صوف، وسراويل من صوف، وكانت نعلاه من جلدٍ
حِمارٍ ميتٍ)). وقدٍ تبع السلفُ النبيَّ وَّر في رثاثة الملبس إظهاراً لحقارة ما
حقَّره الله تعالى لَمّا رأوا تَفاخُرَ أهلِ اللهو بالزينة والملبس. والآن قست
القلوبُ ونُسِيَ ذلك المعنى، فاتَخَذَ الغافلون الرثائَةَ شبكةً، يصيدون بها =

١٧٥
٩ - باب ما جاء في عيش رسول الله وَل
٧١ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ،
= الدنيا، فانعكس الحال. وقد أنكر شخصٌ ذو أسمال على الشاذلي جمال
هيئته، فقال: يا هذا هيئتي تقول: الحمد لله، وهيئتك تقول: أَعْطوني. وقد
ورد: ((إن الله جميل يحب الجمال)) وفي رواية: ((نظيف يحب النظافة)).
والقول الفصل في ذلك: أن جمال الهيئة يكون تارة محموداً، وهو ما
أعان على طاعة، ومنه تجمُّل المصطفى وَ ﴿ ﴿ للوفود، ويكون تارة مذموماً،
وهو ما كان لأجل الدنيا أو للخيلاء.
٩ - باب ما جاء في عيش رسول الله وَلـ
أي: باب بيان ما جاء في عيش رسول الله وَّ﴿ من الأخبار، وينبغي أن
يُعْلَم أنه قد وقع في هذا الكتاب بابان في عيش النبي ◌َّر: أحدهما قصير،
والآخر طويل، ووقع في بعض النسخ ذِكْرُ كلٍ مِن البابين هنا، لكن ذُكر
الطويل بعد القصيرِ، ووقع في بعض النسخ ذِكر القصيرِ هنا، وذِكْر الطويلِ
في أواخر الكتاب وعلى كل: فكان الأولى أن يُجعلا باباً واحداً، فإنّ
جَعْلَهما بابينِ غيرُ ظاهر، وأجيب: بأن المبَوَّب له هنا بيانُ صفة حياته وَيه
وما اشتملتْ عليه من الضيق، والمبوَّب له ثَمَّ بيانُ أنواع المأكولات التي
كان يتناولها، فالمقصود من البابين مختَلِفٌ. وهذا أقصى ما يُعتَذَر به عن
التكرار. وكيفما كان: فإيراد هذا الباب بين باب اللباس، وباب الخُفّ غيرُ
مناسبٍ. وفي الباب حديثان.
٧١ - قوله: (حماد بن زيد) عالم أهل البصرة، وكان ضريراً، ويحفظ
حديثه كالماء. قال ابن مهدي: ما رأيتُ أفقهَ ولا أعلمَ بالسُّنّة منه. خرّج له
الجماعة .
وقوله: (عن أيوب) أحدُ المشاهير الكبارِ ثقةٌ، ثَبْتٌ، حُجةٌ، من وجوه
الفقهاء العُبّادِ الزهاد. حَجّ أربعين حجّةً. خرّج له الجماعة.

١٧٦
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَشَّقَانٍ
مِنْ كَتَّانٍ، فَتَمَخَّطَ فِي أَحَدِهِمَا فَقَالَ: بَخْ بَخْ يَتَمَخَّطُ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي
الْكَتَّانِ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لأَخِرُ
وقوله: (عن محمد بن سيرين) كان ثقة مأموناً فقيهاً إماماً ورعاً في
فقهه، فقيهاً في ورعه. أدرك ثلاثين صحابياً. قال ابن عون: لم أر في
الدنيا مثله .
قوله: (وعليه ثوباه مُمَشَّقان) بتشديد الشين المعجمة المفتوحة، أي:
مصبوغان بالمِشْق - بكسرٍ وسكون -: وهو الطين الأحمر، وقيل: المِغْرة،
بكسر الميم وسكون الغين، والجملة حاليّةٌ.
وقوله: (من كتّان) بمثناة فوقية مشددة، وفتح الكاف، معروف، سُمّي
بذلك: لأنه يَكْتَنُ، أي: يَسْوَةُ إذا أُلقي بعضُه على بعض.
قوله: (فتمخّط في أحدهما) أي: أخرج المخاط في أحد الثوبين:
وهو ما يسيل من الأنف.
قوله: (فقال: بخْ بخ) أي فقال أبو هريرة: بخ بخ: بسكون آخره
فيهما، وكسره. غير منّون فيهما أيضاً، وبكسر الأول منوناً وسكون الثاني،
وبضمهما منوّتين مع تشديد آخرهما. وهذه كلمة تقال عند الرضا بالشيء
والفرحِ به، لتفخيم الأمر، وتعظيمه، وقد تستعمل للإنكار كما هنا.
قوله: (يتمخط أبو هريرة في الكتان) مستأنَفٌ للتعجب والاستغرابِ
لهذه الحالة.
قوله: (لقد رأيتُني) أي: والله لقد رأيتُني، فهو في جواب قسَم مقدَّرٍ،
وإنما اتصل الضميران وهُما لواحد: حَملاً لـ: رأى البصريةِ على القلبيةِ،
لأن ذلك من خصائص أفعال القلوب، كعلِمْتُي وظنَنْتُني.
قوله: (وإني لأخِرُ) أي: والحال إني لأخِرّ. فالجملة حالية مِنْ مفعولٍ =

١٧٧
فِيمَا بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ وَّهُ وَحُجْرَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهَا
مَغْشِيًّا عَلَيَّ، فَيَجِيءُ الْجَائِ فَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِي، يُرَى أَنَّ بِي
جُنُوناً، وَمَا بِي جُنُونٌ، وَمَا هُوَ إلَّ الْجُوعُ.
= رأيتُ، وأَخِرُ، بصيغة المتكلم المفردِ، أي: أَسقُط. يقال خَرَّ الشيءُ يَخِرُّ،
مِن باب ضَربَ: سَقَطْ مِنْ عُلُوٍّ.
وقوله: (فيما بين مِنبرٍ) الخ، وفي رواية: فيما بين بيتِ عائشةَ وأم
سلمةَ. ولا منافاةَ، لإمكان التعددِ. والمِنْبَرُ : - بكسر الميم - معروفٌ سُمّيَ
به لارتفاعه، وكل شيءٍ رُفِع فَقَد نَبَر. والحُجرة: البيتُ، والجمع: حُجَرٌ
وحُجُراتٌ كغُرَفٍ وغرفاتٍ .
وقوله: (مغشياً عليَّ) أي: حال كوني مغشياً عليَّ، فهو حال من فاعل
أَخِرّ. ومعنى مغشياً عليّ: مستولِياً عليَّ الغَشْي بفتح الغين وقد تضم، وهو:
تَعطّل القُوى الحساسة لضعف القلب بسبب جوع مفرط، أو وجعٍ شديد، أو
نحو ذلك.
قوله: (فيجيء الجائي) أي: فيأتي الواحد من الناس.
وقوله: (فيضع رجله على عنقي) أي: على عاداتهم في فعلهم ذلك
بالمجنون حتى يفيقَ.
وقوله: (يُرى أن بي جنوناً) بصيغة المضارع المجهول أي يَظن ذلك
الجائي أنّ بي نوعاً من الجنون، وهو الصَرع.
وقوله: (وما بي جنون) أي: والحال أنه ليس بي جنون.
وقوله: (وما هو إلا الجوع) أي: وليس هو الذي بي إلا الجوع، أي:
غَشْيُه. وإنما عبّر بصيغة المضارع في قوله ((أخِرُّ، ويجيء، ويضع)) مع
كونها إخباراً عن الأمور الماضية: استحضاراً للصورة الماضية. وإنما ذكر
هذا الحديث في باب عيشه ◌َ #، لأنه دل على ضيق عيشه وَّ بواسطة أنّ =

١٧٨
٧٢ - حدّثنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَعْفُر بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ، عَنْ مَالِكِ
ابْنِ دِينَارٍ قَالَ: مَا شَبِعَ رَسُولُ اللهِ وَهد
= كمالَ كرمه ورأفته، يوجب أنه لو كان عنده شيء، لما ترك أبا هريرة جائعاً
حتى وصل به الحال إلى سقوطه من شدة الجوع.
وقد جمع الله لحبيبه وَّر بين مقامي الفقير الصابر، والغني الشاكر،
فجعله غنياً شاكراً، بعد أن كان فقيراً صابراً. فكان سيدَ الفقراء الصابرين،
والأغنياء الشاكرين، لأنه أصبرُ الخلق في مواطن الصبر، وأشكر الخلق في
مواطن الشكر، وبذلك عُلم أنه لا حجة في هذا الحديث لمن فَضَّل الفقرَ
على الغنى.
٧٢ - قوله: (جعفر بن سليمان الضُّبَعي) بضم الضاد المعجمة، وفتح
الموحدة، وكسر العين المهملة: نسبة لقبيلة بني ضَبْعة كشمعة. وفي بعض
النسخ: ((الضُّبَيْعي)) بزيادة الياء التحتية: نسبةً لقبيلة بني ضُبيعة كجُهَينة، كان
من العلماء الزهاد على تشيّعِه، بل رَفْضِه. وثّقه ابنُ معين، وضعفه القطان،
وقال أحمد: لا بأس به.
قوله: (عن مالك بن دينار) كان من علماء البصرة وزهادها. وثّقه
النَّسائي وابن حبان. خرج له الأربعة، والبخاريُّ في تاريخه(١). وهو من
التابعين، فالحديث مرسل، لأنه سقط منه الصحابي. وقال مِيْرَك: بل
مُعْضَلٌ، لأن مالكَ بنَ دينار وإن كان تابعياً، لكنه روى هذا الحديث عن
الحسن البصري، وهو تابعي أيضاً.
قوله: (ما شبع رسول الله وَل38) الخ، هل المراد أنه ما شبع من
أحدهما؟ كما أفهمه توسط «قط)) بينهما؟ أو منهما معاً؟ لما ورد أنه لم
يجتمع عنده غداء، ولا عَشاء من خبز ولحم؟ فيه تردد، والظاهر الأول.
(١) بل في صحيحه تعليقاً.

١٧٩
مِنْ خُبْزِ قَطُ، وَلَاَ لْحَمٍ إلاَّ عَلَى ضَفَفٍ.
قَالَ مَالِكٌ: سَأَلْتُ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ: مَا الضَّفَفُ؟ قَالَ: أَنْ
يَتَنَاوَلَ مَعَ النَّاسِ.
وقوله: (قَطْ) بفتح القاف وتشديد الطاء أي: في زمن من الأزمان.
وقوله: (إلا على ضَفَف) بضاد معجمة مفتوحة وفاءين: الأولى
مفتوحة. أي: إلا إذا نزل به الضيوف، فيشبعُ حينئذ بحيث يأكل ثلثي بطنِه
لضرورة الإيناس والمجابرة. هذا هو المتعين في فهم هذا المقام، وما ذكره
بعض الشراح من أن المعنى أنه لم يشبع من خبز، ولا لحمٍ في بيته، بل معٍ
الناس في الولائم، والعقائق، فهو هفوة، لأنه لا يليق ذلك بجنابه وَله. إذْ
لو قيل في حق الواحد منا ذلك لم يرتضه، فما بالك بذلك الجناب
الأفخم، والملاذ الأعظم ◌َلها .
قوله: (قال مالك: سألت رجلاً من أهل البادية) أي: لأنهم أعرف
باللغات .
وقوله: (ما الضَفَفُ؟) أي: ما معنى الضَّفَفِ؟.
وقوله: (أن يتناول مع الناس) أي: أن يأكل مع الناس الذين ينزلون به
من الضيفان، كما علمتَ.

١٨٠
١٠ - باب ما جاء في خُفّ رسول الله وَله
٧٣ - حدّثْنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ دَلْهَمِ بْنِ
صَالِحٍ، عَنْ حُجَيرِ بْنِ عَبْدِ الله،
١٠ - باب ما جاء في خف رسول الله وَلا فول
أي: باب بيان ما ورد في خف رسول الله رَّه من الأخبار، والخُفُّ:
معروفٌ وجمعه خفافٌ. وذَكر بعضُ أهل السِيَر: أنه كان له ◌َِّ عدةُ
خفاف: منها أربعة أزواج أصابها من خيبر، وقد عدَّ في معجزاته ما رواه
الطبراني في الأوسط عن الحِبْر قال: كان رسول الله ◌َّ إذا أراد الحاجة
أبعد المشي، فانطلق ذات يوم لحاجته، ثم توضأ، ولبس خفه، فجاء طائر
أخضر، فأخذ الخف الآخر، فارتفع به، ثم ألقاه، فخرج منه أسود
سالح(١)، فقال رسول الله وَ لاير: ((هذه كرامة أكرمني الله بها، اللهم إني أعوذ
بك مِن شر مَن يمشي على بطنه، ومِن شر مَن يمشي على رجليه، ومِن شر
مَن يمشي على أربع)). وعن أبي أمامة قال: دعا رسول الله وَله بخفيه،
فلبس أحدهما ثم جاء غراب، فاحتمل الآخر، فرمى به، فخرجت منه حية،
فقال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يلبس خفيه حتى ينفضهما)).
وفي الباب حديثان:
٧٣ - قوله: (عن دَلهم) بمهملات كجعفر. قال أبو داود: لا بأس به،
وقال ابن معين: ضعيف. روى عن الشعبي وغيره، وعنه أبو نعيم. خرّج له
أبو داود، والترمذي، وابنُ ماجه.
وقوله: (عن حجير) بالتصغير.
(١) كذا، وفي المصادر: سابح، والأسود: يقال للحيّة العظيمة، وللعصفور.
والسابح: صفة للخيل السريعة الجريان، فكأن المعنى هنا: خرج من الخف حيّة
عظيمة أسرعت في هَرَبها. والحديث في إسناده راو متهم بالوضع.