النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
الْبَائِنِ، وَلاَ بالْقَصِيرِ، وَلَ بِالأَبْيَضِ الأَمْهَقِ،
وقوله: (البائن) بالهمز لا بالياء، لوجوب إعلال اسم الفاعل إذا
أعلّ فعله، كبائع وقائل، وهو إما من: بان يبين بياناً إذا ظهر، وعليه:
فهو بمعنى الظاهر طولُه، أو من: بان يبون بوناً إذا بعُد، وعليه: فهو
بمعنى البعيد عن حد الاعتدال، ويصح أن يكون من البين وهو القطعُ، لأن
من رأى فاحشَ الطول تصور أن كلاً من أعضائه مُبانٌ عن الآخر. اهـ
مناوي .
قوله: (ولا بالقصير) عطف على قوله: (بالطويل) ولا زائدة، لتأكيد
النفي، وإنما وصف الطويل بالبائن ولم يصف القصيرَ بمقابله، لأنه كان إلى
الطول أقربَ كما رواه البيهقي، ويؤيده خبر ابن أبي هالة الآتي ((كان أطولَ
من المربوع وأقصرَ من المُشَذَّب)) وهو الموافق للخبر الآتي: ((لم يكن
بالطويل المُمَّغِط))، ولا ينافي ذلك وصفه بالرَّبْعة، لأنَّ مَن وصَفَه بالرَّبْعة:
أرادَ الأمرَ التقريبي ولم يُرد التحديد، وورد عند البيهقي وابن عساكر: ((لم
يكن يماشيه أحد إلا طاله ولربما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولُهما)» أي:
لئلا يتطاول عليه أحد صورة، كما لا يتطاول عليه أحد معنى، فهذه معجزة
له و ل. اهـ مناوي وابن حجر ملخصاً.
قوله: (ولا بالأبيض الأمهق) النفيُ منصبٌّ على القيد وهو الأمهق،
أي: الشديد البياض بحيث يكون خالياً عن الحمرة والنور، فلا ينافي أنه
أبيض مشرب بحمرة كما في روايات يأتي بعضها، ووصف لونه بشدة
البياض في بعض الروايات كخبرِ البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه: ((كان
شديد البياض))، وخبرِ الطبراني عن أبي الطفيل: ((ما أنسى شدة بياض
وجهه)): فمحمولٌ على البريق واللمعان كما يشير إليه حديث: ((كأن الشمس
تجري في وجهه))، ورواية المصنف في جامعه (أمهق ليس بأبيض) وهم،
كما قاله عياض كالداودي، أو مقلوبة كما ذهب إليه الحافظ ابن حجر، أو =

٢٢
ولاً بالآدَمِ، وَلاَ
= مؤولة بأن المهَق قد يطلق على الحمرة كما نقل عن رؤبة وغيره.
واعلم أن أشرف الألوان في هذه الدار البياض المشرب بحمرة، وفي
الآخرة البياض المشرب بصفرة، فإن قيل: من عادة العرب أن تمدح النساء
بالبياض المشرب بصفرة كما وقع في لامية امرىء القيس، وهذا يدل على
أنه فاضل في هذه الدار أيضاً، أجيب: بأنه لا نزاع في أنه فاضل فيها،
ولكن البياض المشرب بحمرة أفضل منه فيها، وحكمة التفرقة بين هذه الدار
وتلك الدار، أن الشَّوب بالحمرة ينشأ عن الدم وجريانه في البدن وعروقه،
وهو من الفضلات التي تنشأ عن أغذية هذه الدار، فناسب الشوب بالحمرة
فيها، وأما الشوب بالصفرة التي تورث البياض صقالة وصفاء: فلا ينشأ
عادة عن غذاء من أغذية هذه الدار، فناسب الشوب بالصفرة في تلك الدار،
فظهر أن الشوب في كل من الدارين بما يناسب، وقد جمع الله لنبيه وَل بين
الأشرفين، ولم يكن لونه في الدنيا كلونه في الأخرى، لئلا يفوته أحد
الحُسْنين. اهـ ملخصاً من المناوي وابن حجر.
قوله: (ولا بالآدم) أي: ولا بالأسمر الآدم، أي: شديد الأُدْمة أي
السُمْرة، وآدم ــ بمد الهمزة - أصله: أَأدم - بهمزتين - على وزن أفعل،
أبدلت الثانية ألفاً، وعلم مما ذكر أن المنفي إنما هو شدة السُمْرة، فلا ينافي
إثبات السمرة في الخبر الآتي، لكن المراد بها الحمرة، لأن العرب قد تطلق
على كل من كان كذلك أسمرَ، ومما يؤيد ذلك رواية البيهقي: ((كان أبيض
بياضه إلى السمرة)) والحاصل: أن المراد بالسمرة حمرة تخالط البياض،
وبالبياض المثبت في رواية معظم الصحابة: ما يخالط الحمرة، وجَمَع
بعضهم: بأن رواية السُّمْرة بالنسبة لما برز للشمس كالوجه والعنق، ورواية
البياض بالنسبة لما تحت الثياب، ورُدَّ بأنه سيأتي في وصف عنقه الشريف،
أنه أبيض كأنما صيغ من فضة مع أنه بارز للشمس.
=

٢٣
بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ، وَلاَ بِالسََّطِ، بَعَثَهُ الهُ تَعَلَى عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ
تنبيه: قال أئمتنا: يكفر مَن قال: كان النبي أسود لأن وصفه بغير
=
صفته في قوة نفيه، فيكون تكذيباً به، ومنه يؤخذ: أن كل صفة عُلم ثبوتها
له بالتواتر کان نفيها كفراً للعلة المذكورة، وقول بعضهم: لا بد في الكفر
من أن يصفه بصفة تشعر بنقصه كالسواد هنا لأنه لون مفضول: فيه نظر،
لأن العلة ليست هي النقص، بل ما ذكر، فالوجه أنه لا فرق اهـ ابن حجر.
قوله: (ولا بالجعد) الخ هذا وصف له وَلُّ من حيثُ شَعره، والجعد:
بفتح فسكون، والقَطَّطِ: بفتحتين على الأشهر وبفتح فكسْرٍ، وفي
((المصباح)): جعد الشعر - بضم العين وكسرها - جعودة، إذا كان فيه التواء
وانقباض، وفيه: شعر قطط شديد الجعودة، وفي ((التهذيب)): القطط شعر
الزنج، وقَطْ الشعر يقط: من باب رَدّ، وفي لغة: قَطِط من باب تعب.
وقوله: (ولا بالسَّبِط) بفتح فكسر أو بفتحتين أو بفتح فسكون، وفي
((التهذيب)): سبِط الشعر سَبَطاً من باب تعِب فهو سبط، إذا كان مسترسلاً،
وسَبُط سُبُوطة فهو سَبْط كسهُل سهولة فهو سهل، والمراد: أن شعره وَلـ
ليس نهاية في الجعودة ولا في السبوطة، بل كان وسطاً بينهما، وخير
الأمور أوساطها، قال الزمخشري: الغالب على العرب جعودة الشعر،
وعلى العجم سبوطته، وقد أحسن الله لرسوله الشمائل، وجمع فيه ما تفرق
في غيره من الفضائل، ويؤيد ذلك ما صح عن أنس رضي الله عنه: أنه وصالحار
كان شعره بين شعرين لا رَجِلَ سبطَ، ولا جعْدَ قطَط، ولا ينافي ذلك
رواية: ((كان رجلاً)) لأن الرجولة أمر نسبي، فحيث أُثبتتْ أريد بها
الأمر الوسط، وحيثُ نُفيتْ أريد بها السبوطة. اهـ ملخصاً عن المناوي وابن
حجر، وشرح الجَمَل .
قوله: (بعثه الله تعالى) أي: أرسله بالأحكام وشريعة الإسلام. وقوله:
(على رأس أربعين) أي: من مولده، وجَعْل ((على)) بمعنى ((في))، أولى من =

٢٤
سَنَةٌ، فَأقامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ،
= إبقائها على ظاهرها، والمشهور بين الجمهور: أنه بُعث بعد استكمال
الأربعين، وبه جزم القرطبي وغيره، والمراد برأس الأربعين: السنة التي هي
أعلاها، وبَعْثُهُ على رأسها إنما يتحقق ببلوغ غايتها، ومما يُعيِّن ذلك خبرُ
البخاري وغيره: أنزلت النبوة وهو ابن أربعين سنة، وابتدىء رَّله بالرؤيا
الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح، ثم جاءه جبريل وهو
بغار حراء - وهو الذي كان يتعبد به - فقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارىء،
فغطّه حتى بلغ منه الجهد، ثم قال له: اقرأ فقال: ما أنا بقارىء، فغطه
كذلك ثم أعاد وأعاد، فقال: ﴿اقرأ باسم ربك﴾ حتى بلغ: ﴿ما لم يعلم﴾
وكرر الغط ثلاثاً ليُظهِر له الشدة في هذا الأمر فيتنبه لثقل ما سَيُلقى عليه،
و((ما)) الأولى امتناعية، والثانيةُ نافية، والثالثة استفهامية، ثم فتر الوحي
ثلاث سنين ليذهب عنه ما وجده من الروع، وليزيد تشوقه إلى العود، ثم
نزل عليه فقال: ﴿يا أيها المدثر. قم فانذر﴾ والقول بأنّها أول ما نزل باطل
كما قاله النووي اهـ ابن حجر بتصرف.
قوله: (فأقام بمكة عشر سنين) وفي رواية ثلاث عشرة سنة، وجمع
بين الروايتين بأن الأولى محمولة على أنه أقام بها عشر سنين رسولاً، فلا
ينافي أنه أقام بها ثلاث سنين نبياً، وهذا ظاهر على القول بأن النبوة متقدمة
على الرسالة، وأما على القول بأنهما متقارنان، فإما أن يقال: إن راوي
العشر ألغى الكسر، أو يقال: بترجيح رواية الثلاث عشرة، واستدل على
القول إنهما متقارنان: بأنه قد ثبت أنه كان في زمن فترة الوحي يدعو الناس
إلى دين الإسلام سراً فكيف يدعو من لم يرسل إليه؟ قال في ((الهدي))
وغيره: أقام المصطفى بعد أن جاءه الملك ثلاث سنين يدعو إلى الله
مستخفياً. اهـ مناوي.
قوله: (وبالمدينة عشر سنين) أي: بعد الهجرة فإنه وَلّ هاجر من مكة
يوم الخميس ومعه أبو بكر رضي الله عنه، وقدم المدينة يوم الاثنين لاثنتي =

٢٥
وَتَوَفَّاهُ اللهُ
= عشرة خلت من شهر ربيع الأول كما في ((الروضة)) وفيه خلاف طويل، وأمر
وَّ* بالتاريخ من حين الهجرة(١)، فكان عمر أول من أرخ على ما قيل
وجعله من المحرم، وأقام ◌َ له بقباء أربعاً وعشرين ليلة، وأسس مسجدها،
ثم خرج منها فأدركته الجمعة في الطريق فصلاها بالمسجد المشهور، ثم
توجه على راحلته للمدينة وأرخى زمامها فناداه أهل كل دار إليهم وهو يقول
(خلوا سبيلها فإنها مأمورة)) فسارت تنظر يميناً وشمالاً إلى أن بركت بمحل
باب المسجد، ثم سارت إلى أن بركت بباب أبي أيوب، ثم سارت وبركت
بمبركها الأول وألقت عنقها بالأرض، فنزل ◌ّ ر عنها وقال: ((هذا المنزل إن
شاء الله)) اهـ ابن حجر.
قوله: (وتوفاه) وفي نسخة (فتوفاه) وكان ابتداء مرضه وَصَ لّ أواخر
صفر، وكانت مدته ثلاثة عشر يوماً، وقد خيره الله تعالى بين أن يؤتيه من
زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عنده، فلما أخبر وَله بذلك
على المنبر حيث قال: ((إن عبداً خيره الله تعالى)) إلخ فَهِم أبو بكر رضي الله
عنه دون بقية الصحابة أنه یعني نفسه فبکی وقال: فدیناك یا رسول الله بآبائنا
وأمهاتنا، فقابله بقوله: ((إن من أمنّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبا بكر،
ولو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة
الإسلام)) أي: ولكن بيني وبينه أخوة الإسلام، وإنما لم يتخذ وبيّ من أهل
الأرض خليلاً لأن الخليل تملأ محبته القلب بحيث لا يبقى فيه محل لغيره،
وهذا لا يكون منه ◌َله إلا الله، ثم قال: ((لا يبقى في المسجد خوخة إلا
سُدَّت إلا خوخة أبي بكر)) وفي هذا إشارة ظاهرة لخلافته، ويؤيد هذا أمره
صريحاً أن يُصلي بالناس.
وأذن له ◌َّ نساؤُهُ أن يُمرَّض في بيت عائشة لِما رأين مِنْ حرصه على
(١) ينظر في هذا؟ !.
=

٢٦
عَلَى رَأْسِ سِتِينَ سَنَةً، وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ.
= ذلك، فتوفاه الله يوم الاثنين حين اشتد الضحى كالوقت الذي دخل فيه إلى
المدينة في هجرته اه ابن حجر.
قوله: (على رأس ستين سنة) أي: عند استكمالها وهذا يقتضي كونَ
سِنّه ستين وفي رواية: توفي وهو ابن خمس وستين سنة، وفي أخرى:
ثلاث وستين، وهي أصحها وأشهرها، وجُمع بين هذه الروايات بأن الأولى
فيها إلغاء الكسر، وهو ما زاد على العِقد، والثانية حُسِب فيها سنتا المولد
والوفاة، والثالثة لم يُعدَّ فيها سنتا المولد والوفاة، وكانت وفاته وَ له بعد أن
أعلمه الله تعالى باقتراب أجله بسورة ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ إذْ هي آخر
سورة نزلت بمِنى يوم النحر في حجة الوداع، وقيل قبل وفاته بثلاثة أيام.
قوله: (وليس في رأسه ولحيته) الخ أي: والحال أنه ليس في رأسه
ولحيته إلخ، فالواو للحال وجوّز العصامُ جعْلَها للعطف، وهو بعيدٌ لا فاسد
كما زعمه بعضهم.
قوله: (عشرون شعرةً بيضاءَ) أي: بل أقل بدليل خبر ابن سعد: ما
كان في لحيته ورأسه إلا سبع عشرة شعرة بيضاء، وخبر ابن عمر: كان شيبه
نحواً من عشرين، أي: قريباً منها، وفي بعض الأحاديث ما يقتضي أن شيبه
لا يزيد على عشر شعرات لإيراده بصيغة جمع القلة، لكنْ خص ذلك
بعَنْفَقَته، وفي المستدرك عن أنس: لو عددت ما أقبل من شيبه في لحيته
ورأسه ما كنت أزيدهن على إحدى عشرة، لكن هذا بالنسبة إلى ما يرى من
الشعرات بالتخمين، إذ يبعد أن الصحابي يتفحص ما في أثناء شعره
بالتحقيق، ونفيُ الشيب في روايةِ المرادُ به نَفيُ كثْرتِه، لا أصله.
وسبب قلة شيبه والر أنه شين، لأن النساء يكرهنه غالباً، ومن كره من
النبيِ وَ﴿ شيئاً كفر، ومن ثَم صح عن أنس: ولم يَشِنه الله بالشيب، والمراد
أنه شين عند من يكرهه لا مطلقاً، فلا ينافي خبر: أن الشيب وقار ونور . =

٢٧
٢ - حدّثنا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّاب
الثَّقَفِيُّ، عَنْ حُمَيْد، عَنْ أَنَسِ بْنِ
= وأما أمره وَله بتغييره، فلا يدل على أنه شين مطلقاً، بل بالنسبة إلى ما مر،
والجمع بين الأحاديث ما أمكن أسهل من دعوى النسخ اهـ ملخصاً من
المناوي وابن حجر.
٢ - قوله: (حدثنا حُميد) بالتصغير قيل: إنه تصغير حَمد، وقيل: إنه
تصغير حامد. روى له الجماعة إلا البخاريَّ، مات سنة أربع وأربعين
ومئتين .
وقوله: (ابن مسعدة) بفتح أوله وسکون ثانیه.
وقوله: (البصري) نسبة إلى البلدة المشهورة، وهو مثلث الباء، والفتحُ
أفصح، ولم يُسمع الضم في النسبة لئلا يلتبس بالنسبة إلى بُصرى الشام.
اهـ مناوي بزيادة.
قوله: (حدثنا عبد الوهاب) أي: قال: حدثنا عبد الوهاب أبو محمد
أحدُ أشراف البصرة، ثقة جليلٌ لكنه اختلط قبل موته بثلاث سنين، ولد سنة
ثمان ومئة، ومات سنة أربع وتسعين ومئة، روى عنه الشافعي وأحمد بن
حنبل وابن راهويه، وخرّج له الجماعة.
وقوله: (الثقفيُّ) بالمثلثة والقاف نسبة لثقيفٍ كرغيف: القبيلةِ المعروفة
اهـ مناوي.
قوله: (عن حميد) متعلق بـ: حدثنا، وقد اشتهر حُميد هذا بالطويل
وكان قصيراً، وإنما كان طوله في يديه بحيث إذا وقف عند الميت وصلت
إحدى يديه إلى رأسه والأخرى إلى رجليه، وقيل: كان له جار يسمّى حميداً
القصير فلقب هذا بالطويل ليتميز عنه، مات وهو قائم يصلي سنة اثنتين أو
ثلاث وأربعين ومئة، حُجةٌ ثقةٌ ومَنْ تَرَكه فإنما تركه لدخوله في عمل =

٢٨
مالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ رَبْعَةً: لَيْسَ
بِالطَّوِيلِ، وَلاَ بِالقصِيرِ، حَسَنَ الْجِسمِ، وَكَانَ شَعْرُهُ لَيْسِ بِجَعْدٍ،
= السلطان، خرّج له الجماعة.
قوله: (عن أنس بن مالك) أي: حال كونه ناقلاً عن أنس بن مالك
كما تقدم في نظيره.
قوله: (كان رسول الله وَل﴿ رَبعة) بفتح أوله وسكون ثانيه وقد يحرك،
وتقدم أن مَنْ وصَفه بالربعة فقد أراد التقريب لا التحديد، فلا ينافي أنه كان
يضرب إلى الطول كما في خبر ابن أبي هالة: كان أطول من المربوع وأقصر
من المشذَّب.
قوله: (ليس بالطويل ولا بالقصير) تفسير لكونه ربعة، وفي بعض
النسخ (وليس بالطويل ولا بالقصير) وعليه: فهو عطف تفسير، والمرادُ ليس
بالطويل البائن بدليل ما تقدم، وفي بعض الروايات عن أبي هريرة: كان
ربعة وهو إلى الطول أقرب.
قوله: (حسنَ الجسم) بالنصب خبر آخر لكان، والحسن كما قاله
بعضهم: عبارةٌ عن كل بَهِج مرغوب فيه حسّاً أو عقلاً، وهو هنا صادق بهما
جميعاً، والجسم هو الجسّد من البدن والأعضاء، وبالجملة فالمراد بحُسْنٍ
جسمِه أنه معتدل الخَلْق متناسبُ الأعضاء . اهـ مناوي.
قوله: (وكان شعره) الخ جعل ذلك هنا وصفاً للشعر، وفيما تقدم
وصفاً لذي الشعر: لبيان أن كلاً منهما يوصف بذلك.
قوله: (ليس بجعد) أي: شديد الجعودة.
قوله: (ولا سبط) أي: شديد السبوطة، بل كان بين ذلك لما تقدم عن
أنس: أنه كان شعره بين شعرين لا رجل سبط ولا جعد قطط، أي: بل كان
وسطاً، وخيرُ الأمور أوساطها.

٢٩
وَلاَ سَبْطِ، أَسْمَرُ اللَّوْنِ، إِذَا مَشَى يَتَكَفَّأُ.
٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، يَعنِي
قوله: (أسمَرُّ اللون) بالنصب: خبرٌ لكان الأولى، أو بالرفع: خبر
لمبتدأ محذوف، وفي ((المصباح)) وغيره: اللونُ صفة الجسد من البياض
والسواد والحمرة وغير ذلك، والجمعُ ألوان اهـ. وهذه اللفظة أعني (أسمر
اللون) انفرد بها حُميد عن أنس، ورواه عنه غيره من الرواة بلفظ: (أزهر
اللون) ومن روى صفته وَ ﴿ غيرُ أنس: فقد وصفه بالبياض دون السُمْرة،
وهم خمسةَ عشرَ صحابياً، قاله الحافظ العراقيُّ.
وحاصله: ترجيح رواية البياض بكثرة الرواة ومزيد الوثاقة، ولهذا قال
ابن الجوزي: هذا الحديث لا يصح وهو مخالف للأحاديث كلها، وقد تقدم
الجمع بين الروايتين فراجعه فإنه مهم.
قوله: (إذا مشى يتكفأ) وفي بعض النسخ: إذا مشى يتوكأ، وإذا:
ظرفية لا شرطيةٌ، والعامل فيها الفعل بعدها، ومعنى يتكفأ : - بهمز ودونه
تخفيفاً كما قاله أبو زرعة - يميل إلى سَنن المشي، وهو ما بين يديه،
كالسفينة في جريها، وفسر بعضهم يتكفأ: بكونه يسرع في مشيه كأنه يميل
تارة إلى يمينه وتارة إلى شماله، والأول أظهر، ويؤيده قوله في الخبر
الآتي: كأنما ينحطّ من صبب، فهو من قولهم: كفأتُ الإناء إذا قلبتَه،
ومعنى يتوكأ: يعتمد على رجليه كاعتماده على العصا، وما ذُكر من كيفية
مشيه سير مشية أولي العزم والهمة، وهي أعدل الْمِشيات، فكثير من الناس
يمشي قطعة واحدة كأنه خشبة محمولة، وكثير منهم يمشي كالجمل
الأهوج، وهو علامة خفة العقل، وعبّر بالمضارع لاستحضار الصورة
الماضية، وفي رواية ((الصحيحين)) التعبير بصيغة الماضي.
٣ - قوله: (حدثنا محمد بن بشار) أي: المعروف ببُندار - بضم
الموحدة وسكون النون وفتح الدال المهملة بعدها ألف فراء - ومعناه =

٣٠
الْعَبْدِيَّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي
= بالعربية: سوقُ العِلْم. قال الحافظ ابن حجر: هو شيخ الأئمة الستة، قال
أبو داود: كتبتُ عنه خمسين ألف حديث، واتفقوا على توثيقه وهو أحد
المشاهير الثقات.
قوله: (يعني العبدي) بصيغة الغائب ففيه التفات على رأي السكّاكي
الذي يفسر الالتفات بأنه مخالفة مُقتضى الظاهر وإن لم يتقدم ما يوافقه
أولاً، وكان مقتضى الظاهر هنا أن يقول أعني العبدي بصيغة التكلم،
ويُحتمل أن العناية (١) مدرجة من بعض الرواة، ولوقرىء: (نعني) بصيغة
المتكلم مع غيره لكان قريباً، لكن الرواية لا تساعده، والعبديُّ نسبةً إلى
عبد قيس، قبيلةٌ مشهورةٌ من ربيعة.
قوله: (حدثنا محمد بن جعفر) أي: الملقب بغُندر بضم الغين
المعجمة وسكون النون وضم الدال أو فتحها كما في القاموس، ومعناه في
اللغة: محرّك الشرّ، وأولُ مَنْ لقّبه بذلك ابن جريج حين ألقى عليه أسئلة
كثيرة [لمّا تصدى للتدريس بمسجد البصرة مكان الحسن البصري، وكان
شيخاً لمحمد بن جعفر، وهو لا يحب أن يَرَى غَير شيخه يقعد مكانه](٢)
فلما أكثر عليه السؤال قال: ما تريد يا غُندر؟، فجرى عليه ولم يُدْعَ بمحمد
إلا قليلاً، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، واعتمده الأئمة كلهم، مات سنة
ثلاث وتسعين ومئة.
قوله: (حدثنا شعبة) أي: ابن الحجاج بنٍ بسطام الحافظُ أمير المؤمنين
في الحديث، قال الشافعي: لولا شعبة ما عُرف الحديثُ بالعراق، وقال
أحمد بن حنبل: لم يكن في زمن شعبة مثلُه، ولد بواسط، وسكن البصرة،
(١) يكرر الشارح هذه الكلمة، يريد بها كلمة ((يعني)).
(٢) ما بين المعقوفين كلام بعيد لا يصح، وينظر مصدره.

٣١
إِسْحَاقَ قَال: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ رَجُلاً
= خرّج له الجماعة، مات سنة ستين ومئة.
قوله: (عن أبي إسحاق) أي: عمرو بن عبد الله السَّبيعي، نسبة إلى
سَبيعٍ: بطن من هَمْدان، لا سليمانُ بن فيروز الشيباني كما وُهم، واعتُرِض
علىّ المصنف: بأن أبا إسحاق في الرواة كثيرٌ فكان ينبغي تمييزه، وأجيب:
بأنه أَغفل ذلك حملاً على ما هو متعارف بين جهابذة أهل الأثر، أن شعبة
والثوري إذا روَيا عن أبي إسحاق فهو السَّبيعي، فَإِنْ روَيا عن غيره زادا ما
یمیزه، وهو أحد الأعلام، تابعي کبیر مُكثر، له نحو ثلاث مئة شیخ، عابد،
كان صواماً قواماً، غزا مرات، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، ومات
سنة سبع أو تسع وعشرين ومئة.
قوله: (قال: سمعت البراء) بفتح الموحدة وتخفيف الراء مع المد وقد
يقصر، كنيته: أبو عمارة، ولد عام ولادة ابن عمر، وأول مشهد شهده
الخندقُ، نزل الكوفة ومات بها سنة اثنتين وسبعين.
قوله: (ابن عازب) بمهملة وزاي، وكلٌّ من البراء وأبيه صحابيّ.
قوله: (یقول) أي: حال كونه یقول.
قوله: (كان رسول الله (وَلّر رجلاً) بضم الجيم في جميع الروايات،
وهو خبرٌ صورة توطئة لما هو خبرٌ حقيقةً، إذ هو المقصود بالإفادة، كقوله
تعالى: ﴿ذلك بأنهم قوم لا يفقهون﴾ وهذا مبني على أن المراد بالرجل:
المعنى المتبادرُ وهو الذَّكَر البالغ، وفيه: أنه لا يليق بصحابي أن يصفه
بذلك، ولم يسمع من أحد منهم وصفُه به، فالأحسن - كما قاله بعضهم -
أن المراد وصف شَعْره بالرجولة وهي التكسر القليل يقال شَعْرٌ رجُل ـ بضم
الجيم كما يقال بفتحها وكسرها وسكونها - أي: فيه تكسر قليل. اهـ مناوي
بتصرف .

٣٢
مِرْبُوعاً، بَعَيْدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، عَظِيمَ الْجُمَّةِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ،
قوله: (مربوعاً) هو بمعنى الربعة، وقد علمت أنه تقريبي لا تحديدي،
فلا ينافي أنه يَضرِبُ إلى الطول.
قوله: (بعيد ما بين المنكبين) رُوي بالتكبير والتصغير، وما موصولة أو
موصوفة، لا زائدة، كما زعمه بعضهم، والمنكبان: تثنية منكب، وهو
مجمع العضد والكتف، والمراد بكونه بعيد ما بين المنكبين: أنه عريض
أعلى الظهر ويلزمه أنه عريض الصدر، ومن ثَم جاء في رواية: رحب
الصدر، وذلك آية النجابة، وفي رواية التصغير إشارة إلى تقليل البعد،
إيماء إلى أن بُعد ما بين منكبيه لم يكن منافياً للاعتدال.
قوله: (عظيم الجُمة) بضم الجيم وتشديد الميم، والجمة: ما سقط من
شعر الرأس ووصل إلى المنكبين، وأما الوفرة: فهي ما لم يصل إلى
المنكبين، وأما اللَّمة: فهي ما جاوز شحمة الأذن سواء وصل إلى المنكبين
أو لا، وقيل: إنها بين الجمة والوفرة فهي ما نزل عن الوفرة ولم يصل
للجمة، وعلى هذا فترتيبها ((ولج)) فالواو: للوفرة، واللام: للمَّة، والجيم
للجمّة. وهذه الثلاثة قد اضطرب أهل اللغة في تفسيرها، وأقرب ما وفق به
أن فيها لغات، وكل كتاب اقتصر على شيء منها، كما يشير إليه كلام
القاموس في مواضع.
وقول الراوي: (إلى شحمة أذنيه) لا يوافق ما تقدم، لأن الذي يبلغ
شحمة الأذن يسمى: وفرةً لا جمةً، فلذا قيل: لعل المراد بالجمة هنا الوفرةُ
تجوّزاً، وهذا مبني على أن الجار والمجرور متعلق بالجمة، ولو جعل متعلقاً
بـ: عظيم، لم يحتج لذلك، لأن العظيم مَن جمته تصل إلى شحمة أذنيه، وما
نزل عنها إلى المنكبين يكون خفيفاً على العادة من أن الشَّعر كلما نزل خفّ،
وشحمة الأذن: ما لان من أسفلها وهو معلَّق القُرط، وفي رواية: (إلى
شحمة الأذن) بالإفراد وهي بضمتين وقد تسكن تخفيفاً: العضو المعروف.

٣٣
عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، مَا رَأَيْتُ شَيئاً قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ.
قوله: (عليه حلة حمراء) بالمد تأنيث الأحمر، والحُلة: ثوبان أو ثوب
له ظهارة وبطانة كما في القاموس، ولا يشترط أن يكون الثوبان من جنسٍ
خلافاً لمن اشترط ذلك. سميت حُلةً: لحلول بعضها على بعض، أو
لحلولها على الجسم كما في ((المشارق)) وهذا الحديث صحيح احتج به
إمامنا لحِلّ لبس الأحمر ولو قانياً، أي: شديد الحمرة، غير أنه قد يخص
بلبسه أهل الفسق فحينئذ يحرم لبسه لأنه تشبه بهم ((ومن تشبه بقوم فهو
منهم)). كما في ((الذخيرة)) وأخطأ من كره لبسه مطلقاً.
فائدة: أخرج ابن الجوزي من طريق ابن حبان وغيره أنَّ النبي
وشي
ـلان
اشترى حلةً بسبع وعشرين ناقة فلبسها.
قوله: (ما رأيت شيئاً قط أحسن منه) أي: بل هو أحسن من كل
شيء، لأنه قد علم نفي أحسنية الغير، والتساوي بين الشيئين نادر، لأن
الغالب التفاضل، وحينئذ ثبتت أحسنيته من غيره، لأنه متى انتفت أحسنية
أحدهما ثبتت أحسنية الآخر، لما علمت من أن التساوي بين الشيئين نادر،
فهذا التركيب وإن كان محتملاً لأحسنيته من غيره وللمساواة، لكنه مستعمل
في الصورة الأولى استعمالاً للأعم في الأخص، وإنما قال: (شيئاً) دون
(إنساناً) ليشمل غيرَ البشر كالشمس والقمر.
وعبّر بـ(قط) إشارة إلى أنه كان كذلك من المهد إلى اللحد، لأن معنى
قط: الزمن الماضي، ولا يُستعمل إلا في النفي، وهو بفتح القاف وضم
الطاء المشددة، وقد تخفف الطاء المضمومة، وقد تضم القاف اتباعاً لضمة
الطاء المشددة أو المخففة، وجاءت ساكنة الطاء، فهذه خمس لغات،
والأشهر منها الأولى.
وقد صرحوا بأن مِن كمال الإيمان اعتقاد أنه لم يجمع في بدن إنسان من
المحاسن الظاهرة ما اجتمع في بدنه بَّر، ومع ذلك فلم يظهر تمام حسنه =

٣٤
٤ - حدّثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،
عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ
في حُلَّةٍ حَمْرَاءَ
= وإلا لما طاقت الأعين رؤيته.
٤ - قوله: (حدثنا محمود بن غيلان) بفتح فسكون، مات في رمضان
سنة تسع وثلاثين ومئتين، ثقةٌ، حافظٌ، خرّج له الشيخان والمصنّف.
قوله: (قال حدثنا) الخ بيان لحدثنا محمود، على حدٍّ قوله تعالى
﴿فوسوس إليه الشيطان قال: يا آدم﴾ وفي بعض النسخ إسقاط (قال).
وقوله: (وكيع) أي: ابن الجراح أبو سفيان الرُّؤَاسي بضم الراء وفتح
الهمزة بعدها ألف ثم سين مهملة وآخره ياء النسب، وهو أحد الأعيان. قال
أحمدُ: ما رأيت أوعى للعلم منه ولا أحفظ، وقال حماد بن زيد: لو شئت
لقلت: إنه أرجح مِن سفيان، مات يوم عاشوراء سنة سبع وتسعين ومئة.
قوله: (حدثنا سفيان) أي: الثوري كما صرح به المصنف في جامعه،
خلافاً لمن زعم أنه ابن عيينة، لكن كان ينبغي للمصنف أن يميزه هنا، وهو
بتثلیث السین .
وقوله: (عن أبي إسحاق) أي: الهمداني نسبة لهمدان قبيلة من اليمن،
ثقةٌ مكثر عابد، وهو السَّبيعيّ لما تقدم من أن شعبة والثوري إذا رويا عن
أبي إسحَاق فهو السبيعي، فإن رويا عن غيره زادا ما يُميزه.
قوله: (عن البراء بن عازب) تقدمت ترجمته .
قوله: (ما رأيت من ذي لِمة في حُلة حمراء) الخ أي: ما رأيت
صاحبَ لمة حالَ كونه في حلة حمراء الخ، فمِنْ زائدةٌ لتأكيد العموم،
والمرادُ باللِّمةِ هنا: ما نزل عن شحمة الأذنِ ووصل إلى المنكبين، لأنها
تطلق على الواصل إليهما وهو المسمى بالجمة، وعلى غيره وهو المسمى =

٣٥
أحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، له شَعَرٌ يَضْرِبُ
مَنْكِبَيْهِ، تُعَيْدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، لَمْ يَكُنْ بِالقَصِيرِ وَلاَ بِالطَِّيلِ.
٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا
الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُسْلِمٍ بْنِ
= بالوفرة، وهذا على القول الأول، وأما على القول الثاني فالظاهر أنه
محمول على حالة تقصير الشعر كما سيأتي توضيحه.
قوله: (أحسن من رسول الله وَ له) أي: بل رسول الله وَلهو أحسن كما مرَّ.
قوله: (له شعر يضرب منكبيه) أي: الذي هو الجمة كما سبق، وكنّى
بالضرب عن الوصول.
قوله: (بعيد ما بين المنكبين) رُوي مكبراً ومصغراً كما تقدم.
قوله: (لم يكن بالقصير ولا بالطويل) أي: البائن فلا ينافي أنه كان
يضرب إلى الطول كما علمت.
٥ - قوله: (حدثنا محمد بن إسماعيل) أي: البخاري جبلُ الحفظ،
وإمام الدنيا، عَمِي في صباه فأبصر بدعاء أمه، وكان يكتب باليمين
واليسار، ورئي بالبصرة قبل أن تطلع لحيته وخلفه ألوف من طلبة الحديث،
ورُوي عنه أنه قال: أحفظ مئة ألف حديث صحيح، ومئتي ألف حديث غير
صحيح، مات يوم الفطر سنة ست وخمسين ومئتين.
قوله: (حدثنا أبو نعيم) بضم ففتح أي: الفضل بن دُكين، بمهملة
مضمومة فكاف مفتوحة فمثناه تحتية فنون، الكوفيُّ مولى آل طلحة، احتج
به الجماعة كلهم، لكن تكلم الناس فيه بالتشيع، مات سنة تسع عشرة
ومئتين بالكوفة .
قوله: (حدثنا المسعودي) أي: عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن =

٣٦
هُزْمُزٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ
اللهُ عَنْهُ قَالَ: لَّمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِالطَّوِيلِ،
وَلاَ بِالْقَصِيرِ، شَغْنُ الْكَفَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، ضَخْمُ
= عبد الله بن مسعود، ولذلك نُسب إليه، قال مسعر: ما أعلم أحداً أعلم بعلم
ابن مسعود منه، مات سنة ستين ومئة.
قوله: (عن عثمان بن مسلم بن هُرْمُزَ) بضم أوله وثالثه وسكون ثانيه
وبالزاي المعجمة، يصرف ولا يصرف، قال النسائي: عثمان هذا ليس
بذاك.
قوله: (عن نافع) تابعي جليل. وقوله: (ابن جُبَير) بالتصغير مات سنة
تسع وتسعين .
قوله: (عن علي بن أبي طالب) أي: أبي الحسن، وهو أول من أسلم
من الصبيان، شهد مع النبي ◌َّرِ المشاهدَ كلها غير تبوك، فإنه خلفه في أهله
وقال له: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبيَّ
بعدي)) استُخلِفَ يوم قتل عثمان، وضربه عبد الرحمن بن مُلْجِم المراديُّ
عامَلَه الله بما يستحق، ومات بعد ثلاث ليال مِن ضربته، وغسله ابناه
الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، وصلى عليه الحسن، ودُفن سحراً
واعترض العصام على المصنِف بأن عليَّ بن أبي طالب من رواة الحديث
تسعة، فَتَرْكُ وصِفِه بأمير المؤمنين خلافُ الأولى، وأجيب: بأن هذا غفلة
عن اصطلاح المحدثين على أنه إذا أُطلق ((علي)) في آخر الإسناد فهو
المراد، قال علي قاري: فهذا نشأ من عرف العجم وإن كنتُ منهم اهـ.
قوله: (قال: لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالطويل ولا
بالقصير) أي: بل كان رَبَعة، لكنْ إلى الطول أقرب كما تقدم.
قوله: (شَثْن الكفين والقدمين) بالرفع خبرُ مبتدأ محذوف، والشّئن =

٣٧
الرَّأْسِ، ضَخْمُ الكَرَادِيسِ، طَوِيلُ الْمَسْرُبَة، إذَا مَشَى
= بالمثلثة كما في الشروح، وضبَطَه السيوطي بالمثناة الفوقية. فسَّره الأصمعيُ
فيما نقله عنه المصنف فيما سيأتي: بغليظِ الأصابع من الكفين والقدمين،
وفسّره ابنُ حجر: بغليظ الأصابع والراحة وهو المتبادر، ويؤيده رواية
ضخم الكفين والقدمين، قال ابن بطال: كانت كفه وَله ممتلئة لحماً غير أنها
مع غاية ضخامتها كانت لينة كما ثبت في حديث أنس: ما مسِسْت خزاً ولا
حريراً ألين من كف رسول اللهِ وَ له، لكن في القاموس: شَئِنَت كفُّه خشِنتْ
وغلُظت، فمقتضاه أن الشّئِنَ معناه: الخشِنُ الغليظُ، وعليه فهو محمول
و
على ما إذا عمل في الجهاد، أو مَهْنة أهله، فإن كفه الشريفة بَّ تصير
خشنة للعارض المذكور، وإذا ترك ذلك رجعت إلى النعومة، وجمع بين
الكفين والقدمين في مضاف واحد لشدة تناسبهما بخلاف الرأس
والكرادیس، ومِنْ ثم لم يجمعهما كذلك.
قوله: (ضخم الرأس) أي: عظيمه، وفي رواية ((عظيم الهامة)) وعِظَمُ
الرأسِ دليلٌ على كمال القوى الدماغية، وهو آية النجابة.
(ضخم الكراديس) أي: عظيم رؤوس العظام، وهو بمعنى ((جليل
المُشَاش)) الآتي. والكراديس: جَمْع كُردوس بوزن عصفور، وهو رأس
العظم، وقيل: مجمع العظام، كالركبة والمنكب، وعِظَمُ ذلك يستلزم كمال
القوى الباطنية .
قوله: (طويل المَسْرُبة) كمَكْرُمة، وقد تفتح الراء، وأما محل خروج
الخارج فهو مسرَبة بالفتح فقط كما في ((المصباح، وسيأتي تفسير المسربة
فيما نقله المصنف عن الأصمعي بأنها: الشعر الدقيق الذي كأنه قضيب من
الصدر إلى السرة، وفي رواية عند البيهقي: ((له شعرات في سرته تجري
كالقضيب ليس على صدره وَ يٍ)) أي: ما عدا أعلاه، أخذاً مما يأتي، ولا
على بطنه وَلهو غيرُه. اهـ ابن حجر بزيادة.

٣٨
تَكَفَّأَ تَكَفُؤَا كَأنمَا يَنْحَطُ مِنْ صَبَبٍ، لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ. وَلِ.
٦ - حدّثنا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ،
قوله: (إذا مشى تكفَّأ تكفؤاً) إما بالهمز فيهما، وحينئذ يُقرأ المصدر
بضم الفاء كتقدَّم تقدُّماً، أو بلا همز تخفيفاً، وحينئذ يقرأ المصدر بكسر
الفاء كتسمى تسمِّياً، وعلى كل: فهو مصدر مؤكد وقد تقدم تفسيره.
قوله: (كأنَّما ينحط من صبب) وفي رواية: ((كأنما يهوي من صبب))
وفي نسخ: ((كأَنّه)) بدل ((كأنَّما)) وعلى كل: فهو مبالغة في التكفؤ.
والانحطاط: النزول، وأصله الانحدار من علو إلى سفل، وأسرع ما
يكون الماء جارياً إذا كان منحدراً، وسيأتي في كلام المصنف تفسير
الصبب: بالحَدور - بفتح الحاء - وهو المكان المنحدر، لا بضمها لأنه
مصدر، وفي القاموس: الصبب: ما انحدر من الأرض و((مِن)) بمعنى ((في))
كما في بعض النسخ، فحاصل المعنى: كأنما ينزل في موضع منحدر،
وحمْلُه على سرعة انطواء الأرض تحته خلافُ الظاهر اهـ مناوي.
قوله: (لم أر قبله ولا بعده مثله) وَّ هذا متعارف في المبالغة في نفي
المثل، فهو كناية عن نفي كون أحد مثله، وهو يدل عُرفاً على كونه أحسن
من كل أحد، كما تقدم توضيحه، ومما يتعين على كل مكلف أن يعتقد أن الله
سبحانه وتعالى أوجد خلق بدنه ودليل على وجه لم يوجد قبله ولا بعده مثله.
٦ - قوله: (حدثنا سفيان بن وكيع) أي: ابن الجراح، كان من
المكثرين في الحديث خرّج له المصنف وابن ماجه، وكان صدوقاً، إلا أنه
ابتُلي بوَرَّاقه(١) فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فسقط حديثه، فإن قيل: إذا
سقط حديثه كيف يذكر المصنف الحديث بإسناده بعد الإسناد العالي؟
(١) هذا هو الصواب، كما في ((تقريب التهذيب)) (٢٤٥٦)، وتحرَّفت على عليّ القاري،
وتبعه الشارح فأثبتَها وفسَّرها بقوله: ((ابتلي بحِرْفة الوراقة أي: ضَرْب الورِق)).
=

٣٩
حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الْمَسْعودِيِّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ
= أجيب: بأنَّه إنما سقطَ حديثهُ آخِراً، على أنَّ رواية من لا يُحتج به ربما تذكر
في المتابعة والاستشهاد، والفرق بينهما: أنَّ المتابعة هي: تأييد الحديث
المسند مع الموافقة في اللفظ والمعنى والمخالفة في الإسناد. والاستشهاد:
تأييده مع الموافقةِ في المعنى وفي الإسناد(١)، والمخالفةِ في اللفظ، وليس
المراد بالاتحاد في اللفظ: أن لا يختلفا عبارة، بل: أن لا يختلفا في
الصوغ لحكم واحد.
ويمثَّ له بما ذكره أهل المصطلح في مقام المتابعة من قوله وَله: «لو
أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به)) وقوله: ((ألا نزعتم جلدها فدبغتموه
فانتفعتم به)) فإن كلاً منهما مصوغ لحِل الانتفاع بالجلد المدبوغ، والأول
صحيح، والثاني ضعيف، وذُكر بعده للمتابعة، والاتحاد معنى: أن يَؤُول
معنى أحد الحديثين إلى معنى الآخر، ولو بطريق الاستلزام، ويمثل له بما
ذكروه في مقام الاستشهاد من قوله {وَ لقر: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر)) مع
الحديث الأول، إذ يلزم من الحكم بالطهارة حل الانتفاع، والحاصل: أنهم
اعتبروا في المتابعة: الاتحاد، وفي الاستشهاد: اللزوم، كما قاله العصام.
قوله: (حدثنا أبي) أي: الذي هو وكيع بن الجراح.
قوله: (عن المسعودي) تقدمت ترجمته .
قوله: (بهذا الإسناد) أي: بقية السلسلة المتقدمة في السند الأول،
فيقال: عن المسعودي، عن عثمان بن مسلم بن هرمز، عن نافع بن جبير
ابن مطعم، عن علي بن أبي طالب، فسفيان عن أبيه متابع للبخاري عن أبي
نعيم في الرواية عن المسعودي، فهي متابعة في شيخ الشيخ، وهي متابعة
ناقصة، وأما المتابعة التامة فهي المتابعة في الشيخ، وعلم من ذلك أن
المراد بالإسناد هنا: بقية السلسلة، وإن كان معناه في الأصل ذكر رجال
(١) (وفي الإسناد)) زيادة لا تصح في الفرق بين المتابعة والاستشهاد.
-
=

٤٠
نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ.
٧ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ الْبَصْرِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ وَأَبُو
جَعْفَرٍ مُحَمَّد بْنُ الْحُسَيْنِ - وَهوَ ابْنُ أَبِي حَلِيمَةَ - والْمَعْنَى
= الحديث، وأما السند: فهو نفس الرجال، ويطلق على معنى الإسناد أيضاً.
قوله: (نحوه) أي: نحو الحديث المذكور قبله، وقد جرت عادة
أصحاب الحديث أنهم إذا ساقوا الحديث بإسناد أولاً، ثم ساقوا إسناداً آخرَ
يقولون في آخره: أو نحوه، اختصاراً، إذ لو ذكروا الحديث لأدى إلى الطول
واصطلحوا على أن المِثْل يستعمل فيما إذا كانت الموافقة بين الحديثين في
اللفظ والمعنى، والنحو: يستعمل فيما إذا كانت الموافقة في المعنى فقط،
هذا هو المشهور، وقد يستعمل كل منهما مكان الآخر اهـ مِيْرَك.
قوله: (بمعناه) أي: بمعنى الحديث المذكور وهو تأكيد لأنه علم من
قوله: نحوه.
٧ - قوله: (حدثنا أحمد بن عبدة) الخ لما كان أحمد بن عبدة مشتركاً
بين الضبي والأيلي، ميّزه المصنف بقوله: الضبي نسبة لبني ضبة، قبيلة من
عرب البصرة، ولذلك قال: البصري، وهو ثقة حجة مات سنة خمس
وأربعين ومئتين.
قوله: (وعلي بن حُجْر) بمهملة مضمومة فجيم ساكنة، وهو مأمون ثقة
حافظ، خرج له البخارى ومسلم والترمذي والنسائي، مات سنة أربع
وأربعين ومئتين .
قوله: (وأبو جعفر محمد بن الحسين) هو مقبول لكن لم يخرج له إلا
المصنف .
قوله: (ابن أبي حليمة) باللام لا بالكاف وفي نسخ: بلا واو، والضمير
لمحمد لا للحسين، خلافا لما وقع لبعض الشراح، وإنما بينه بذلك لعدم شهرته.