النص المفهرس

صفحات 541-560

المزبور تغيَّر غايةَ التغيُّر بسبب أنه كان قرأ على المولى المزبور، وكان ذلك سبباً
لخموله ثم تنبه له الدهر، فولي المدارس إلى أن صار مفتياً بأماسية.
وكان بحر المعارف، ولجّة العلوم، بارعاً في العلوم العقلية والنقلية،
خصوصاً الفقه، قانعاً باليسير، سخياً، وأخذ عنه الأجلاء، وكثر الازدحام عليه،
وكتب حاشية على بعض المواضع من ((شرح المفتاح)) للسيد يردّ فيها على المولى
ابن كمال باشا في المواضع التي يدّعي التفرّد فيها، وله عدة رسائل على مواضع
من ((شرح التجريد)) للشريف، وله ((شرح لمتن(١) المراح)).
وتوفي في أول الربيعين. انتهى
● وفيها أحمد بن علوي بن محمد بن علي بن جحدب (٢بن عبد الرحمن٢)
ابن محمد بن عبد الله بن علوي بن باعلوي اليمني الزاهد.
قال في ((النور)): كان يعدّ في حكم رجال الرسالة لشدة ورعه وتقشفه
واستقامته وحسن طريقته، وله في الزهد والتقلّل من الدنيا حكايات لعلها لا توجد
في تراجم كبار الأولياء، ولم يتقدموه إلّ بالسبق في الزمان.
ومن كراماته أنه لما حجّ رؤي يشرب من ماء البحر، فقيل له في ذلك،
فقال: أليس كل أحد يشربه، فأخذ بعضهم ما بقي في الإِناء فشربه، فإذا هو حلو،
وكُفَّ بصره في آخر عمره، وحصل عليه قبل انتقاله بأربعة أيام جذبة من جذبات
الحقّ اندهش بها(٣) عقله، وتحيَّر لبّه، وانغمر بها سرّه، وأخذ عن نفسه، فكان
يقوم إلى الصلاة بطريق العادة وهو مأخوذ عن حسّه، وربما صلى إلى غير القبلة .
وتوفي ببلده تريم يوم الثلاثاء ثامن عشر شهر رمضان.
· وفيها شهاب الدِّين أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن
(١) في (ط)): ((على متن)).
(٢) في ((ط)): ((ابن جحدب بن محمد)) وفي ((آ)): ((ابن جحدب اليمني بن محمد)) وما أثبته من ((النور
السافر».
(٣) في ((ط)): ((دهش بها)).
٥٤١

حجر - نسبة على ما قبل إلى جدّ من أجداده كان ملازماً للصمت فشبه بالحجر -
الهيتمي السّعدي الأنصاري الشافعي(١) الإِمام العَلّمة البحر الزاخر.
ولد في رجب سنة تسع وتسعمائة في محلّة أبي الهيتم من إقليم الغربية
بمصر المنسوب إليها، ومات أبوه وهو صغير، فكفله الإِمامان الكاملان شمس
الدِّين بن أبي الحمائل، وشمس الدِّين الشّنّاوي، ثم إن الشمس (٢) الشّنّاوي نقله
من محلّة أبي الهيتم إلى مقام سيدي أحمد البدوي، فقرأ هناك في مبادىء العلوم،
ثم نقله في سنة أربع وعشرين إلى جامع الأزهر، فأخذ عن علماء مصر، وكان قد
حفظ القرآن العظيم في صغره.
وممن أخذ عنه شيخ الإسلام القاضي زكريا، والشيخ عبد الحق السنباطي،
والشمس المشهدي، والشمس السّمهودي، والأمين الغمري، والشِّهابِ الرَّملي،
والطبلاوي، وأبو الحسن البكري، والشمس اللقاني الضيروطي، والشُّهاب بن
النَّجار الحنبلي، والشِّهاب بن الصائغ في آخرين.
وأذن له بالإِفتاء والتدريس وعمره دون العشرين، وبَرَع في علوم كثيرة من
التفسير، والحديث، والكلام، والفقه أصولاً وفروعاً، والفرائض، والحساب،
والنحو، والصرف، والمعاني، والبيان، والمنطق، والتصوف.
ومن محفوظاته ((المنهاج الفرعي)) ومقروآته لا يمكن حصرها، وأما إجازات
المشايخ له فكثيرة جداً استوعبها في ((معجم مشايخه)) وقدم إلى مكة في آخر سنة
ثلاث وثلاثين، فحجّ وجاور بها، ثم عاد إلى مصر، ثم حجَّ بعياله في آخر سنة
سبع وثلاثین، ثم حجّ سنة أربعین، وجاور من ذلك الوقت بمكة، وأقام بها یدرِّس
ويفتي ويؤلِّف.
(١) ترجمته في ((النور السافر)) ص (٢٨٧ - ٢٩٢) ووفاته فيه سنة (٩٧٤) و((الكواكب السائرة))
(١١١/٣ - ١١٢) و((الأعلام)) (٢٣٤/١) و((معجم المؤلفين)) (١٥٢/٢) ومقدمة التحقيق لكتاب
المترجم ((تحرير المقال في آداب وفوائد يحتاج إليها مؤدبو الأطفال)) ص (١٣ - ١٥) تحقيق الأستاذ
محمد سهيل الدُّبس بإشرافي، طبع دار ابن كثير.
(٢) في ((آ)): ((ثم إن الشيخ)).
٥٤٢

ومن مؤلفاته ((شرح المشكاة)) و((شرح المنهاج)) وشرحان على ((الإِرشاد))
و((شرح الهمزية البوصيرية)) و((شرح الأربعين النووية)) و((الصواعق المحرقة))
و((كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع)) و((الزواجر عن اقتراف الكبائر))
و ((نصيحة الملوك)) و((شرح [مختصر] الفقيه)) (١) عبد الله بافضل الحاج المسمى
((المنهج القويم في مسائل التعليم)) و((الأحكام في قواطع الإِسلام)) و((شرح
العباب)) المسمى بـ ((الإِيعاب))، و((تحذير الثقات عن أكل الكفتة والقات)) وشرح
قطعة صالحة من ((ألفية ابن مالك)) و((شرح مختصر أبي الحسن البكري)) في
الفقه، و((شرح مختصر الروض)) و((مناقب أبي حنيفة)) وغير ذلك.
وأخذ عنه من لا يحصى كثرةً، وازدحم الناس على الأخذ عنه وافتخروا
بالانتساب إليه .
وممن أخذ عنه مشافهةٌ شيخ مشايخنا البُرهان بن الأحدب.
وبالجملة فقد كان شيخ الإِسلام خاتمة العلماء الأعلام، بحراً لا تكدره
الدِّلاء، إمام الحرمين كما أجمع عليه الملأ، كوكباً سيَّاراً في منهاج سماء الساري،
يهتدي به المهتدون تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿وبالنّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]
واحد العصر، وثاني القطر، وثالث الشمس والبدر، أقسمت المشكلات ألا تتضح
إلّا لديه وأكدت المعضلات أليتها أن لا تنجلي إلا عليه، لا سيما وفي الحجاز
عليها قد حجر، ولا عجب فإنه المسمى بابن حجر.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بمكّة في رجب، ودفن بالمَعْلَاة في تربة
الطَّبريين.
● وفيها المولى صالح بن جَلَال الحنفي(٢).
قال في ((العقد المنظوم)): كان أبوه من كبار (٣)، قضاة القصبات، ونشأ هو
مشغولاً بالعلم وأربابه، واهتم بالتحصيل، وقرأ على الأجلاء، وصار ملازماً من
(١) في ((آ)) و((ط)): ((ألفية)) وما أثبته من ((النور السافر)) مصدر المؤلف ولفظة ((مختصر)) مستدركة منه.
(٢) ترجمته في ((العقد المنظوم)) ص (٣٦٨ - ٣٧٠) و((معجم المؤلفين)) (٥/٥).
(٣) لفظة ((كبار)) لم ترد في ((آ)).
٥٤٣

المولى خير الدِّين معلّم السلطان سليمانَ، ثم تنقّل في المدارس والمناصب، إلى
أن ولي قضاء حلب، ثم قضاء دمشق، ثم قضاء مصر، ثم كُفَّ فتقاعد بمدرسة أبي
أيوب الأنصاري بمائة درهم.
وكان مشاركاً في أكثر العلوم، له منها حظّ وافرٌ، زكي النفس، كثير السخاء،
محسناً متفضلاً، كتب حواشي على ((شرح المواقف)) وعلى ((شرح الوقاية)) لصدر
الشريعة، وعلى ((شرح المفتاح)) للشريف الجُرجاني، وجمع ((لطائف علماء الروم
ونوادرهم)).
وله ((ديوان شعر)) و((ديوان إنشاء)) كلاهما بالتركي. انتهى
· وفيها الشيخ عبد الوهاب بن أحمد الشعراوي الشافعي(١).
قال الشيخ عبد الرؤوف المناوي في ((طبقاته)): هو شيخنا الإِمام العالم (٢)
العامل العابد الزاهد الفقيه المُحَدِّث الأصولي الصوفي المربِّ المُسَلّك، من ذُريّة
محمد بن الحنفيّة .
ولد ببلده ونشأ بها، ومات أبواه(٣) وهو طفل، ومع ذلك ظهرت فيه علامة
النجابة ومخايل الرئاسة والولاية، فحفظ القرآن و((أبا شجاع)) (٤) و ((الأجرومية)) وهو
ابن نحو سبع أو ثمان، ثم انتقل إلى مصر سنة إحدى عشرة وتسعمائة وهو مراهق،
فقطن بجامع الغمري، وجدَّ واجتهد، فحفظ عدة متون، منها ((المنهاج)) و ((الألفية))
و ((التوضيح)) و((التلخيص))(٥) و ((الشاطبية)) و((قواعد ابن هشام)) بل حفظ ((الروض
إلى القضاء)) وذلك من كراماته.
وعرض ما حفظ على علماء عصره، ثم شرع في القراءة، فأخذ عن الشيخ
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٧٦/٣ - ١٧٧) و ((الأعلام)) (١٨٠/٤ - ١٨١) و((جامع كرامات
الأولياء)» (١٣٤/٢ - ١٣٩) و(«معجم المؤلفين)) (٢١٨/٦ - ٢١٩).
(٢) لفظة ((العالم)) لم ترد في ((ط)).
(٣) في ((ط)): ((أبوه)).
(٤) أي «متنه)).
(٥) لفظة ((والتلخيص)) سقطت من ((آ)).
٥٤٤

أمين الدِّين إمام جامع الغمري، قرأ عليه ما لا يُحصى كثرة، منها الكتب الستة،
وقرأ على الشمس الدواخلي، والنُّور المَحَلِّي، والنُّور الجارحي، ومنلا على
العَجَمي، وعلى القسطلاني، والأشموني، والقاضي زكريا، والشُّهاب الرَّملي ما لا
يحصى أيضاً.
وحبِّب إليه الحديث، فلزم الاشتغال به، والأخذ عن أهله، ومع ذلك لم
يكن عنده جمود المُحَدِّثين، ولا لدونة النقلة، بل هو فقيه النظر صوفي الخبر، له
دربة بأقوال السّلَف ومذاهب الخلف، وكان ينهى عن الحطّ على الفلاسفة
وتنقيصهم، وينفّر ممن يدمهم، ويقول هؤلاء عقلاء، ثم أقبل على الاشتغال
بالطريق، فجاهد نفسه مدة، وقطع العلائق الدنيوية، ومكث سنين لا يضطجع
على الأرض ليلا ولا نهاراً، بل اتخذ له حبلاً بسقف خلوته يجعله في عنقه ليلاً
حتى لا يسقط، وكان يطوي الأيام المتوالية، ويديم الصوم، ويفطر على أوقية من
الخبز، ويجمع الخروق من الكيمان فيجعلها مرقعة يستتر بها، وكانت عمامته من
شراميط الكيمان وقصاصة الجلود، واستمر كذلك حتى قويت روحانيته، فصار يطير
من صحن الجامع الغمري إلى سطحه، وكان يفتتح مجلس الذكر عقب العشاء فلا
يختمه إلّ عند الفجر، ثم أخذ عن مشايخ الطريق، فصحب الخواص،
والمرصفي، والشناوي فتسلّك بهم، ثم تصدى للتصنيف، فأَلَّف كتباً، منها
((مختصر الفتوحات)) و((سنن البيهقي الكبرى)) و((مختصر تذكرة القرطبي))
و ((الميزان)) و((البحر المورود في المواثيق والعهود)) و((كشف الغُمّة عن جميع
الأمة)) و((المنهج المبين في أدلة المجتهدين)) و((البدر المنير في غريب أحاديث
البشير النذير)) و((مشارق الأنوار القدسية في العهود المحمدية)) و((لواقح الأنوار
واليواقيت)) و((الجواهر في عقائد الأكابر)) و((الجوهر المصون في علوم الكتاب
المكنون)) و((طبقات ثلاث)) و((مفحم الأكباد في مواد الاجتهاد)) و((لوائح الخذلان
على من لم يعمل بالقرآن)) و((حدّ الحسام على من أوجب العمل بالإِلهام))
و((البرق (١) الخاطف لبصر من عمل بالهواتف)) و((رسالة الأنوار)) في آداب
(١) في ((ط)): ((والبراق)).
٥٤٥

العبودية، و((كشف الرَّان عن أسئلة الجان)) و((فرائد القلائد في علم العقائد))
و((الجواهر والدُّرر)) و((الكبريت الأحمر في علوم الكشف الأكبر)) و((الاقتباس في
القياس)) و((فتاوى الخواص)) و((العهود ثلاثة)) وغير ذلك.
وحسده طوائف، فدسوا عليه كلمات يخالف ظاهرها الشرع، وعقائد زائغة،
ومسائل تخالف الإِجماع، وأقاموا عليه القيامة، وشنّعوا وسبُّوا، ورموه بكل عظيمة
فخذلهم الله وأظهره عليهم.
وكان مواظباً على السُّنَّة، مبالغاً في الورع، مؤثراً ذوي الفاقة على نفسه حتى
بملبوسه، متحملاً للأذى، موزعاً أوقاته على العبادة ما بين تصنيف وتسليك
وإفادة، واجتمع بزاويته من العميان وغيرهم نحو مائة، فكان يقوم بهم نفقةً وكسوةً.
وكان عظيم الهيبة، وافر الجاه والحرمة، تأتي إلى بابه الأمراء. وكان يسمع
لزاويته دويٌّ كدوي النحل ليلاً ونهاراً.
وكان يحيي ليلة الجمعة بالصلاة على المصطفى وَير، ولم يزل مقيماً على
ذلك، معظماً في صدور الصدور، إلى أن نقله الله تعالى إلى دار كرامته.
ومن كلامه: دوروا مع الشرع كيف كان لامع الكشف، فإنه قد يخطىء.
وقال: ينبغي إكثار مطالعة كتب الفقه عكس ما عليه المتصوفة الذين لاحت
لهم بارقة من الطريق فمنعوا مطالعته وقالوا: إنه حجابٌ جهلاً منهم.
وقال: كل إنسان لا يعذّب في النار إلّ من الجزء الناري الذي هو أحد أركان
بدنه(١).
وقال: ذهب بعض أهل الكشف إلى أن جميع الحيوان لهم تكليف إلّهي
برسول منهم في ذواتهم لا يشعر به إلّ من كشف عن بصره، فإن الله الحجّة على
خلقه، فلا يعذّب أحداً إلا جزاءً، فلا إشكال في إيلام الدواب.
وقال: الجبر آخر ما تنتهي إليه المعاذير، وذلك سبب مآل أهل الرحمة إلى
الرحمة .
(١) قلت: ليس على ذلك دليل من الكتاب والسُّنَّة وآراء الجمهور من السَّلف والخلف.
٥٤٦

وتوفي - رحمه الله - في هذه السنة، ودفن بجانب زاويته بين السورين.
وقام بالزاوية بعده ولده الشيخ عبد الرحمن لكنه أقبل على جمع المال ثم
توفي في سنة إحدى عشرة بعد الألف. انتهى ملخصاً
● وفيها المولى كمال الدِّين، المعروف بدده خليفة الحنفي((١) الإمام
العَلَّامة.
قال في ((ذيل الشقائق)): كان من أولاد الأتراك، ومن أصحاب البضائع،
وعالج صنعة الدباغة سنين حتى أناف عمره على العشرين، مقيماً ببلدة أماسية على
ذلك، فاتفق أن صنع لمُفْتٍ من علماء العصر وليمة ببلده، فذهب متطفلاً، فلما
باشروا أمر الطعام طلبوا من يجمع لهم الحطب، فرأوا صاحب الترجمة قائماً بزي
الدَّاغين، فأشار المفتي إلى صاحب الترجمة، وقال: ليذهب هذا الجاهل، فعلم
حينئذ وخامة الجهل، وتأثر تأثيراً عظيماً من الإِزدراء به، ثم تضرَّع إلى الله تعالى
وطلب منه الخلاص من ربقة الجهل، وباع حانوته، واشترى مصحفاً، وذهب إلى
باب المفتي، وبدأ في القراءة، وقام في الخدمة، حتَّى ختم القرآن العظيم،
وتوجهت همَّته إلى طلب العلم، فأكب على الاشتغال، حتَّى صار معيداً للمولى
سنان الدِّين، المشتهر باقلق(٢)، ثم تولى عدة مدارس، ثم عيّن مفتياً ببعض
الجهات، ثم تقاعد.
وكان عالماً فاضلاً، آية في الحفظ والإِحاطة، له اليد الطولى في الفقه
والتفسير، وكتب ((حاشية على شرح تصريف العزي)) للتفتازاني، وبسط فيه
الكلام، وله منظومة في الفقه وعدة رسائل في فنون عديدة. انتهى ملخصاً
• وفيها المولى محيي الدِّين الشهير بابن الإِمام(٣).
نشأ طالباً للعلم، مكبّاً عليه، وقرأ على جماعات، منهم المولى كمال
(١) ترجمته في ((العقد المنظوم)) ص (٣٧٤ - ٣٧٥).
(٢) ترجمته في ((العقد المنظوم)): ((المشتهر بالق)).
(٣) ترجمته في ((العقد المنظوم)) ص (٣٧٠).
٥٤٧

وغيره، ثم تنقّل في الوظائف إلى أن قُلُّد قضاء حلب بلا رغبة منه في ذلك ولا
طلب، فباشره قدر سنتين، ولم يتلفّظ بلفظ حكمتُ، ثم صار مفتياً بأماسية.
وكان من العلماء العاملين، والفضلاء الكاملين، يحقّق كلام القدماء،
ويدقّق النظر في مقالات الفضلاء، وقد علّق على أكثر الكتب المتداولة حواشي إلا
أنه لم يتيسر له جمعها وتبييضها.
وتوفي في أول الرّبيعين.
٥٤٨

سنة أربع وسبعين وتسعمائة
• فيها توفي المولى تاج الدِّين إبراهيم المُنَّاوي الحنفي(١).
قال في ((العقد المنظوم)): قرأ على علماء زمانه، حتى اتصل بابن كمال
باشا، فتقيّد به، وصار ملازماً منه، وحَصَّل، وبَرَعَ، ودرّس بعدة من المدارس،
إلى أن وصل إلى إحدى المدارس (٢) الثمان، وتولى مدرسة السلطان سليمان
بدمشق والإِفتاء بها.
وكان عالماً، دَيِّناً، فقيهاً، لين الجانب، صحيح العقيدة، حميد(٣)
الأخلاق.
وتوفي بدمشق. انتهى
· وفيها - أو في التي بعدها جزم بالأول في ((النُّور السافر)) وبالثاني في
((الأعلام)) - السلطان سليمان خان بن السلطان سليم خان(٤) الحادي عشر من ملوك
بني عثمان. قال في ((الأعلام)): كان سلطاناً سعيداً ملكاً، أيده الله لنصر الإِسلام
تأييداً.
ولي السلطنة بعد وفاة أبيه السلطان سليم خان في سنة ست وعشرين
(١) ترجمته في ((العقد المنظوم)) ص (٣٨٣).
(٢) لفظة (المدارس)) سقطت من ((ط)).
(٣) في (آ): ((جيد)).
(٤) ترجمته في ((العقد المنظوم)) ص (٣٧٥ - ٣٨١) و((النور السافر)) ص (٢٩٢ - ٢٩٨) و ((تاريخ الدولة
العلية العثمانية)) ص (١٩٨ - ٢٥١).
٥٤٩

وتسعمائة، وجلس على تخت السلطنة وما دُمي أنف أحد ولا أُريق في ذلك
محجمة من دم، ومولده الشريف سنة تسعمائة، واستمر في السلطنة تسعاً وأربعين
سنة، وهو سلطان غاز في سبيل الله، مجاهد لنصرة دين الله، مرغم أنوف عداه
بلسان سیفه وسنان قناه.
كان مؤيداً في حروبه ومغازيه، مسدداً في آرائه ومعازيه، مسعوداً في معانيه
ومغانيه، مشهوداً في مواقعه(١) ومراميه، أيَّان سلك ملك، وأنى توجّه فتح وفتك،
وأين سافر سفر وسفك، وصلت سراياه إلى أقصى الشرق والغرب، وافتتح البلدان
الشاسعة الواسعة بالقهر والحرب، وأخذ الكُفّار والملاحدة بقوة الطعان والضرب،
وكان مجدد دين هذه الأمة المحمدية في القرن العاشر، مع الفضل الباهر، والعلم
الزاهر، والأدب الغض الذي يقصر عن شأوه كل أديب وشاعر، إن نظم نضد(٢)
عقود الجواهر، أو نثر آثر منثور(٣) الأزاهر، أو نطق قلّد الأعناق نفائس الدُّر الفاخر،
له ديوان فائق بالتركي، وآخر عديم النظير بالفارسي، تتداولهما بلغاء الزمان وتعجز
أن تنسج على منواله فضلاء الدوران.
وكان رؤوفاً، شفوقاً، صادقاً، صدوقاً، إذا قال صدق، وإذا قيل له صدّق، لا
يعرف الغِلَّ والخداع، ويتحاشى عن سوء الطباع، ولا يعرف المكر والنِّفاق، ولا
يألف مساوىء الأخلاق، بل هو صافي الفؤاد، صادق الاعتقاد، منوّر الباطن، كامل
الإِيمان، سليم القلب، خالص الجنان:
ومَا تَنَاهَيَتُ فِي بِثِي مَحَاسِنَهُ إلّ وأكْثَرَ مما قُلتُ مَا أَدَعُ
وأطال في ترجمته وترجمة أولاده، وذكر غزواته، فذكر له أربع عشرة غزوة
انتصر وفتح في جميعها، وذكر كثيراً من مآثره، فمن ذلك الصَّدَقة الرُّومية التي هي
الآن مادة حياة أهل الحرمين الشريفين، فإنه أضاف إليها من خزائنه الخاصة مبلغاً
كبيراً، ومنها صدقات الجوالي وهي جمع جالية، ومعناه ما يؤخذ من أهل الدِّمة في
(١) في ((ط)): ((في وقائعه)).
(٢) لفظة ((نضد)) سقطت من ((ط)).
(٣) في ((ط)): ((منشور)).
٥٥٠

مقابلة استمرارهم في بلاد الإِسلام تحت الذُّمة وعدم جلائهم عنها، وهي من أحلّ
الأموال ولأجل حلّها جعلت وظائف للعلماء والصلحاء والمتقاعدين من الكبراء.
ومنها إجراء العيون، ومن أعظمها إجراء عين عرفات إلى مكَّة المُشَرَّفة.
ومنها بمكّة المدارس الأربعة السليمانية.
ومنها تكيته ومدرسته العظيمة الشأن الكائنة بمرجة دمشق(١) إلى غير ذلك
مما لا يُحصى كثرةً، فرحمه الله تعالى رحمةً واسعة. انتهى ملخصاً، ومن أراد
البسط الزائد فليراجع ((الأعلام)).
(١) قلت: وهي قائمة إلى الآن وتعرف بـ ((التكية السليمانية)) وتعدُّ من أهم المعالم الأثرية العثمانية بدمشق.
٥٥١

سنة خمس وسبعين وتسعمائة
• قال في ((النور))(١): فيها غرق مركب بالهند [في خوركنباته] فكان فيه
عشرة من السادة آل باعلوي فكانوا من جملة من غرق وحصلت لهم الشهادة
[بسبب ذلك].
• وفيها توفي أبو الضُّياء عبد الرحمن بن عبد الكريم بن إبراهيم بن علي
ابن زياد الغيثي المقصري(٢) - نسبة إلى المقاصرة بطن من بُطون عك بن عدنان -
الزُّبيدي مولداً ومنشأ ووفاةً، الشافعي مذهباً الأشعري معتقداً الحكمي (٣) خرقة،
اليافعي تصوفاً، وفي ذلك يقول رحمه الله تعالى:
أنا شَافعيٌّ في الفُروعِ ويَافِعِ يٌّ في التّصَوفِ أَشْعَرِيُّ الْمُعْتَقَدْ
أرجو بهِ الرّضْوانَ فِي الدُّنیا وَغَدْ
وبِذَا أدينُ الله ألقاه بهِ
ولد في رجب سنة تسعمائة، وحفظ القرآن و((الإِرشاد)) وأخذ عن محمد بن
موسى الضّجاعي، وأحمد المزجد، وتلميذه الطنبذاوي وبه تخرَّج وانتفع، وأذن له
في التدريس والإِفتاء، فدرَّس وأفتى في حياته، وأخذ التفسير والحديث والسير عن
الحافظ وجيه الدِّين بن الدَّيبع وغيره، والفرائض عن الغريب الحنفي والأصول عن
جمال الدِّين يحيى قتيب (٤)، والعربية عن محمد مُفَضّل اللحّاني، وجدَّ واجتهد،
حتَّى صار عيناً من أعيان الزمان، يشار إليه بالبنان، وقصدته الفتاوى من شاسع
(١) انظر ((النور السافر)) ص (٣١٩) وما بين الحاصرتين زيادة منه.
(٢) ترجمته في ((النور السافر)) ص (٣٠٥ - ٣١٤) و((الأعلام)) (٣١١/٣) و((معجم المؤلفين))
(١٤٥/٥ - ١٤٦).
(٣) تحرفت اللفظة في ((ط)) إلى ((الحاكمي)).
(٤) في ((آ)) و((ط)): ((قبيب)) وما أثبته من ((النور السافر)) مصدر المؤلف.
٥٥٢

البلاد، وضربت إليه آباط الإِبل من كل ناد، وعقدت عليه الخناصر، وتلمذت له
الأكابر، وحجّ وزار القبر الشريف، فاجتمع بفضلاء الحرمين، ودرّس فيهما،
واشتغل بالإِفتاء من وفاة شيخه أبي العباس الطنبذاوي، وذلك سنة ثمان وأربعين
وتسعمائة، وكان من الفقر على جانب عظيم، بحيث كان - كما أخبر عن نفسه -
يصبح وليس عنده قوت يومه، حتى اتفق أن زوجته وضعت وليس عنده شيء، حتى
عجز عن المصباح، وباتوا كذلك.
وفي سنة أربع وستين نزل في عينيه ماء فَكُفَّ بصره، فاحتسب ورضي،
وقال: مرحباً بموهبة الله وجاءه قداح فقال له أنا أصلح بصرك، وقال بعض أهل
الثروة وأنا أنفق عليك وعلى عيالك مدة ذلك فامتنع، وقال: شيء ألبسنيه الله لا
أتسبب في إبطاله. ومع ذلك كان على عادته من التدريس والإفتاء والتصنيف.
ومن مصنَّفاته ((إثبات سُنَّة (١) رفع اليدين عند الإحرام، والركوع، والاعتدال،
والقيام من الركعتين)) وكتاب ((فتح المبين في أحكام تبرع المدين)) و((المقالة
الناصة على صحة ما في الفتح والذيل والخلاصة وهذه الكتب الثلاثة)) صنّفها
بسبب ما وقع بينه وبين ابن حجر في عدم بطلان تبرع المَدِين، وله كتاب ((النخبة
في الأخوة والصحبة)) و((الأدلة الواضحة في الجهر بالبسملة وأنها من الفاتحة)) وهو
كتاب مشتمل على مناقب الأئمة الأربعة، و((التقليد وأحكام رخص الشريعة)) وله
كتاب ((إقامة البُرهان على كميّة التراويح في رمضان)) و((كشف الغُمّة عن حكم
المقبوض عما في الذمة وكون الملك فيه موقوفاً عند الأئمة)) و((مزيل العناء في
أحكام الغِنَاء)) و((سمط اللّال في كتب الأعمال)) و((كشف النُّقاب عن أحكام
المحراب)) وله غير ذلك مما لا يُعَدُّ كثرةٌ.
وتوفي بزبيد ليلة الأحد حادي عشر رجب. قاله في ((النور))
· وفيها عزّ الدِّين أبو نصر عبد السلام بن شيخ الإسلام وجيه الدِّين
عبد الرحمن بن عبد الكريم بن زياد اليمني الشافعي(٢).
(١) لفظة (سُنّة)) سقطت من ((ط)).
(٢) ترجمته في ((النور السافر)) ص (٣١٤ - ٣١٥) و((معجم المؤلفين)) (٢٢٥/٥).
٥٥٣

ولد سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة، ونشأ في حجر والده، وتغذى بدرّ علومه
وفوائده، وقرّت به عينه، وتفقه بوالده كثيراً، ورأس على الأكابر صغيراً، ودرَّس
وأفتى في حياة أبيه، وصنَّف مصنَّفات لا يستغني عنها فقيه، وكتب معاصرو أبيه
على فتاويه، وانفرد بعد والده بالإفتاء، مع زحمة البلد بأئمة شتّى. وكان من الولاية
والعلم على جانب عظيم.
ومن مُصنّفاته ((شرح على مولد السيد حسين بن الأهدل)) و ((شرح لوداع ابن
الجوزي)) مات عنهما مسودتين، و«تشنيف الأسماع بحكم الحركة في الذكر
والسماع)) و((القول النافع القويم لمن كان ذا قلب سليم)) و((التحرير الواضح
الأكمل في حكم الماء المطلق والمستعمل)) و((المطالع الشمسية)).
وبالجملة فإنه كان مفتي الأنام، وعلامة الأعلام.
توفي في ثاني عشر شوال. قاله في ((النور)) أيضاً
• وفيها علي المتقي بن حُسام الدِّين الهندي ثم المَكِّي(١).
كان من العلماء العاملين وعباد الله الصالحين، على جانب عظيم من الوَرَّع
والتّقوى والاجتهاد في العبادة، ورفض السِّوى، وله مصنّفات عديدة(٢) وكرامات
كثيرة .
وتوفي بمكّة المشرَّفة بعد مجاورته بها مدة طويلة.
(١) ترجمته في ((النور السافر)) ص (٣١٥ - ٣١٩) و ((أبجد العلوم)) (٢٢٣/٣ - ٢٢٤) طبع وزارة الثقافة
بدمشق و((كنز العمال)) (٧٧٦/١٦ - ٧٨٨) و((الأعلام)» (٣٠٩/٤) و(«معجم المؤلفين)) (٥٩/٧)
و((حركة التأليف باللغة العربية في الإقليم الشمالي الهندي)) ص(٨٠)، وقد أفرد الشيخ
عبد القادر بن أحمد الفاكهي مناقبه في تأليف سمّاه: ((القول النقي في مناقب المتقي)).
(٢) قال العيدورس في ((النور السافر)) ص (٣١٧): ((ومؤلفاته كثيرة نحو مائة مؤلف ما بين صغير وكبير)).
قلت: أهمها المصنَّفات التالية :
١ - ((كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال)) جمع فيه أهم مصادر الحديث النبوي فبلغت الأحاديث
المودعة فيه (٤٦٦٢٤) حديثاً عليها مدار العمل في الغالب لدى المشتغلين بفنٌّ التخريج
والتحديث. وقد طبع هذا الكتاب الجليل في مدينة حلب المحروسة عام ١٣٩٧ هـ بعناية الشيخين
الفاضلين بكري الحياني وصفوة السقا، وهي طبعة جيدة نافعة، وقام بإعداد فهارس شاملة لأطراف =
٥٥٤

• وفيها الشيخ محمد بن خليل بن قيصر القُبيباتي الحنبلي الصُّوفي(١)
الفاضل الصَّالح المعتقد.
توفي في هذه السنة وقد جاوز المائة، رحمه الله تعالى.
· وفيها المولى محمد بن عبد الوهاب بن عبد الكريم، الشهير بعبد الكريم
زاده الحنفي (٢) الإِمام العَلَّمة.
قال في ((العقد المنظوم)): كان جدّه عبد الكريم قاضياً بالعسكر في دولة
السلطان محمد خان، وولي أبوه عبد الوهاب الدفتردارية في عهد السلطان
سليم خان، ونشأ هو غائصاً في بحار العلوم ولجج المعارف، طالباً لدرر الفضائل
واللطائف، واشتغل على إسرافيل زادة، وجوي زادة، وابن كمال باشا، والمولى
أبي السعود، وغيرهم، وتبّحر وتمهّر، وفاق أقرانه، وطار صيته في الآفاق، وجمع
أشتات العلوم، وتنقّل في المدارس على عادة أمثاله، إلى أن صار طوداً من
المعارف نحواً وعربيةٌ وأدباً وفقهاً، وغير ذلك، حلو المفاكهة، طيب المعاشرة.
وكان من عادته أن لا يكتب بالقلم الذي يكتب به اسم الله تعالى، ولا ينام
ولا يضطجع في بيتٍ كُتُبِه تعظيماً للعلم.
ومن تصانيفه عدة ((مقامات)) على منوال الحريري، و((حاشية على تفسير
البيضاوي)) من أوله إلى سورة طه، و((حواش على حاشية المولى جلال الدِّين
الدواني للتجريد)» وكتب أشياء أخر إلا أنها لم تظهر بعد موته.
= الأحاديث الواردة فيه الأستاذان الفاضلان نديم مرعشلي وأسامة مرعشلي وصدرت في مجلدين
كبيرين عن الشركة المتحدة للتوزيع بدمشق عام (١٤٠٤ هـ).
٢ - ((مختصر كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال)) وقد طبع قديماً على هامش ((مسند الإمام
أحمد بن حنبل)).
٣ - ((المواهب العلية في الجمع بين الحكم القرآنية والحديثية)) وهو مخطوط لم ينشر بعد.
٤ - (منهج العمال في سنن الأقوال)) وهو مخطوط لم ينشر بعد وتحتفظ مكتبة الرباط بنسخة منه
تحت رقم (د ٢٥٥). قاله العلامة الزركلي.
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٥٩/٣ - ٦٠) و((النعت الأكمل)) ص (١٣٣ - ١٣٦) و((مختصر
طبقات الحنابلة)) للشطي ص (٩٥ - ٩٦).
(٢) ترجمته في ((العقد المنظوم)) ص (٣٨٤ - ٣٩٠).
٥٥٥

وكان ينظم بعدة لغات نظماً جيداً منه:
كَفَاني كفافُ النّفس ما أنا قاصد إلى دولة فيها الأنامُ خِصَامُ
وهل هي إلا ما يراه نيامُ
فهل هي إلا نحو طيف لناعس
على شهوات ضرهنٌ(١) لزامُ
فيا عجباً للمرء يعقد قلبه
وما معه عند اللئام لوامُ
ولله صعلوكٌ قنوع بحظّه
فذاك أميرٌ والزمان غُلامُ
قناعتهُ أغنته عن كُلِّ حاجة
وتوفي في سابع عشري رمضان.
• وفيها القاضي أبو الفتح محمد بن محمد بن عبد السلام بن أحمد الرَّبَعي
التونسي الخروبي (٢) لإقامته بإقليم الخروب بدمشق(٣)، نزيل دمشق المالكي
الإِمام العَلَّمَة المُفَنَّن.
قال في ((الكواكب)): ولد ليلة الاثنين غُرَّة شهر ربيع الأول سنة إحدى
وتسعمائة، ودخل دمشق قديماً وهو شاب، فكان يتردّد إلى ضريح الشيخ محيي
الدِّين بن عربي، وأخذ عن شيخ الإسلام الوالد.
وكان فقيهاً أصولياً، يفتي الناس على مذهبه وفتاويه مقبولة، وله حرمة
ووجاهة .
وكان علّمةٌ في النحو، والصّرف، والمعاني، والبيان، والبديع، والعَروض،
والمنطق، وأكثر العلوم العقلية والنقلية.
وكان له الباع الطويل في الأدب ونقد الشعر، وشعره في غاية الحُسن إلّ أنه
كان متكيفاً، يأكل البرش والأفيون، لا يكاد يصحو منه، وربما قرأ الناس عليه في
(١) في ((آ)) و((ط)): ((صرمهن)) وهو تحريف والتصحيح من ((العقد المنظوم)) مصدر المؤلف.
(٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢١/٣ - ٢٦).
(٣) قلت: كان إقليم الخروب من أعمال دمشق قديماً وهو الآن في الجنوب الشرقي من لبنان. انظر
((غوطة دمشق)) للعلامة الأستاذ محمد كرد علي ص (١٠٨).
.
٥٥٦

علوم شتّى وهو يسرد، فإذا فرغ القارىء من قراءته المقالة فتح عينيه وقرر العبارة
أحسن تقرير.
وكان على مذهب الشعراء من التظاهر بمحبّة الأشكال والصور الحسنة،
حتى رُمي واتُّهم.
وكان هجاءاً يتفق له النكات في هجائه وفي شعره، ولو على نفسه.
وكان يقع في حقّ العلماء والأكابر وإذا وصله من أحدهم نوالٌ مدحه وأثنى
عليه، وكانوا يخافون من لسانه. وولي نيابة القضاء بالمحكمة الكبرى زماناً طويلاً،
مع الوظائف الدينية، وحمل عنه الناس العلم وانتفعوا به، وأنبل من تخرّج به في
الشعر والعربية العَلامة(١) درويش ابن طالو مفتي الحنفية بدمشق. انتهى ملخصاً
ومن شعره مؤرخاً عمارة الحمام الذي بناه مصطفى باشا تحت قلعة دمشق:
وازداد به حُسن دمشق الشّامِ
لما كملت عمارة الحَمّام
(حَمَّامُكَ أصلُ راحةِ الأجسام) (٢)
قالت طرباً وأرخت منشدة
ومنه مواليا موجهاً بأسماء الكواكب السبعة :
وقوس حاجبك دايم مشتريه الصّب
کم صدغ عقرب على مریخ خدك دب
والعاذِل الثور في زهرة جمالك سَب
وکم أسد شمس حُسنك يا قمر قد حب
وتوفي قاضياً في غُرَّة شوال ودفن بمقبرة باب الفَرَاديس، وكانت له جنازة
مشهودة حَمَلَ بها مصطفى باشا الوزير وهو إذ ذاك متولي الشام، ورثاه بعض أدباء
عصره مؤرِّخاً وفاته فقال:
منتقلا نحو جوار الإِلّه
مُذ عالم الدُّنيا قضى نَحْبَهُ
مؤرِّخاً(٤) مات أبو الفتح آه
قد أَغْلَقَ(٣) الفَضْلُ له بابهُ
*
*
(٢) مجموعها في حساب الجُمَّل (٩٧٥).
(١) لفظة (العلاّمة)) سقطت من ((آ).
(٣) في ((آ)) و((ط)): ((فأغلق)) وما أثبته من ((الكواكب السائرة)) مصدر المؤلف.
(٤) مجموعها في حساب الجمّل (٩٧٥).
٥٥٧

سنة ست وسبعين وتسعمائة
● فيها توفي عبد العزيز الزَّمزمي المَكِّي(١) الإِمام العَلَّمة.
قال في ((النور)): ولد سنة تسعمائة، وكان من علماء مگّة وفضلائها وأكابرها
ورؤسائها، وله النظم البديع الرائق، منه قوله في قصيدته المسماة بـ ((الفتح المبين
في مدح سيد المرسلين»:
كيف ترقى وأفحم الشُّعراءَ
فاز بالرّفع مُقْلِقٌ لك وَشَا
ذكر الملتقى جزاءً وَفَاءَ
وبخفض الجَنّان جوزي منشي
فلهذا نظمي عَلى الفَتْحِ جَاءَ
جئتَ مِنْ بعد ذا وذَاك أخيراً
وكان له جاريتان إحداهما اسمها غَزال، والأخرى دام السُّرور، فاتفق أنه
باعهما ثم ندم على ذلك، فقال:
وأفق مسرّتي بهما منيرُ
بِجاريتيٍّ كنتُ قرِيرَ عينٍ
فلا دَامَت ولا دامِ السُّرورُ
فَنَفَّرَ صَرْفُ أَيّامي غزالي
وله غير ذلك مما لا يُحصى.
وكان من أجلاء عصره، رحمه الله تعالى. انتهى
· وفيها مُصلح الدِّين، المشتهر بداود زاده الحنفي(٢) الإِمام العَلّمة.
قال في ((العقد المنظوم)): قرأ على أفاضل عصره، منهم محبي الدِّين قطب
الدِّين زاده الحنفي (٣)، وصار ملازماً من المولى خير الدِّين معلّم السلطان سليمان،
ثم تنقّل في المدارس، إلى أن قلّد قضاء المدينة المنورة.
(١) ترجمته في ((النور السافر)) ص (٣٢٠ - ٣٢٤) وقد أرخ وفاته سنة (٩٧٦).
(٢) ترجمته في ((العقد المنظوم)) ص (٣٩٢).
(٣) لفظة ((الحنفي)) لم ترد في ((ط)) و((العقد المنظوم)) مصدر المؤلف وانفردت بها (آ).
٥٥٨

ويحكى أنه لما دخل الحرم أعتق مماليكه واجتهد في أداء مناسك الحجّ. وكان
صاحب يد في العلوم، سهل القياد، صحيح الاعتقاد، سمِحاً، جواداً، إلا أن
فيه خَصْلَة ابن حزم الذي قيل فيه: لسان ابن حزم وسيف الحجّاج شقيقان(١)، وعلّق
حواشي في أثناء دروسه على بعض المواضع من ((شرح المفتاح)) للشريف الجرجاني.
وتوفي بعد أن تمَّم أعمال حجِّه بمكّة المُشَرَّفة، ودفن بالبقيع. انتهى
· وفيها القاضي كمال الدِّين محمد بن القاضي شِهَاب الدِّين أحمد بن
يوسف بن أبي بكر الزَّبيدي (٢) الصّفدي ثم الدمشقي الحنفي، الشهير بابن
الحمراوي(٣) .
قال في ((الكواكب)): قال والدي: حضر كثيراً من دروسي، وذكر أن مولده
سنة تسع وتسعمائة، وتولى وظائف متعددة، كنظر النظّار، ونظر الجامع الأموي،
والحرمين الشرفين. وكان الحرب بينه وبين السيد تاج الدِّين وولده محمود (٤)
قائمة، وكان هو المؤيد عليهما.
وكان من رؤساء دمشق وأعيانها المعدودين، جواداً، له في كل يوم أول
النهار وآخره مائدة توضع بألوان الأطعمة المفتخرة، وكان ذا مهابة وحشمة
ووجاهة، لا تردُّ شفاعته في قليل ولا كثير، وكان ينفع الناس بجاهه ويكرم القادمين
إلى دمشق من أعيان أهل البلاد، ويتردد إليه الفضلاء والأعيان .
وكان باب الخضر(٥) الذي يمر منه إلى الطواقية ضيقاً فوسّعه من ماله.
وللشعراء فيه مدائغ طنَّانة .
وتوفي نهار الاثنين رابع عشر ربيع الأول ودفن بباب الصغير.
*
(١) أي كان يقع في الناس كثيراً.
(٢) في ((ط)): ((الزبيري)) وهو تحريف.
(٣) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٤٣/٣ - ٤٤).
(٤) في ((ط)): ((وولده محمد)) وهو خطأ.
(٥) كذا في ((آ)) و((ط)) و((الكواكب السائرة)) مصدر المؤلف: ((باب الخضر)) ولم أقف على ذكر له فيما
بین یدي من المصادر.
٥٥٩

سنة سبع وسبعين وتسعمائة
●فيها كما قال في ((النور))(١): توفي السلطان بدر بن السلطان عبد الله بن
السلطان جعفر الكثيري سلطان حضرموت.
ولد سنة اثنتين وتسعمائة، وولي السلطنة وهو شاب، وطالت مدته، وحَسُنَت
سيرته، وكان جميل الأخلاق، جواداً، وافر العقل، جميل الصورة، كان كاسمه
بدراً منيراً مقداماً، هزبراً محظوظاً جداً، بحيث لا يقصد باباً مغلقاً إلّ انفتح، ولا
يُقدم(٢) على أمر مهم (٣) إلا اتضح.
وتوفي في آخر شعبان بعد أن قبض عليه ولده السلطان عبد الله وحَجَر عليه
حتى مات، وتولى بعده.
· وفيها زين الدِّين عبد الرحمن بن محمد بن عبد السّلام بن أحمد البتروني
ثم الطرابلسي ثم الحلبي الشافعي ثم الحنفي (٤) الإِمام العَلَّمة الصُّوفي، واعظ
حلب ووالد مفتيها الشيخ أبي الجود.
قرأ على الشيخ عَلْوان الحموي وغيره من علماء عصره، وجدّ واجتهد، فبلغ
ما قصد، ونظم ((تصريف الزّنجاني)) في أرجوزة، وشرح ((الجزرية)) وكتب على
((تائية ابن حبيب)) تعليقة استمد فيها من شرح شيخه الشيخ عَلوان.
(١) انظر ((النور السافر)) ص (٣٢٧ - ٣٢٩).
(٢) في ((ط)): ((ولا يتقدم)) وهو خطأ.
(٣) في ((النور السافر)) الذي بين يدي: ((على أمر مبهم)) وهو خطأ.
(٤) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٦٣/٣) و((درّ الحبب)) (٧٦٨/٢/١ -٧٧٣) و((معجم المؤلفين))
(١٨٠/٥).
٥٦٠