النص المفهرس
صفحات 401-420
سنة خمسين وتسعمائة ● فيها توفي المولى أحمد بن المولى حمزة الرُّومي الحنفي، المعروف بعرب جلبي (١) العالم الفاضل. اشتغل، وحصَّل، وخدم ابن أفضل زاده، ثم رحل إلى مصر في دولة السلطان بايزيد، وقرأ على علمائها في الكتب الستة، والتفسير، والفقه، والأصول، والهندسة، والهيئة، وقرأ ((المطول)) بتمامه، وأجازوه، ودرَّس بمصر، وأقرأ ((المطول)) و((المُفَصَّل)) ثم عاد إلى بلاد الرُّوم فبنى له الوزير قاسم باشا مدرسة بالقرب من مدرسة أبي أيوب الأنصاري، ودرَّس بها مدة عمره. وكان أكثر اشتغاله(٢) بالفقه، و ((تفسير البيضاوي)). وكان عالماً، عابداً، صحيح العقيدة، حسن السّمت، انتفع به كثير من الناس، رحمه الله تعالى . • وفيها شِهَابُ الدِّين أحمد بن حمزة القَلْعي الحَلَبي(٣) الحنفي ثم الشافعي، المشهور بابن قیما. اعتنى بالقرآآت، وتزوج بابنة الشيخ نور الدِّين البكري الشافعي خطيب المقام، فانتقل إلى مذهبه، فصار شافعياً بعد أن كان حنفياً هو وأبوه، وقرأ عليه (١) ترجمته في ((الشقائق النعمانية)) ص (٢٨٨) و((الكواكب السائرة)) (١٠٢/٢) و((الطبقات السُّنية)) (٣٤٣/١). (٢) في ((ط)): ((أكثر إشغاله)). (٣) ترجمته في ((در الحبب)) (١/١/ ١٣٨) و((الكواكب السائرة)) (١٠٦/٢). ٤٠١ بحلب، وأخذ أيضاً بالقاهرة عن النَّشَّار المقري صاحب التأليف المشهورة. وتوفي بحلب في أوائل ذي الحجّة. · وفيها شِهَابُ الدِّين أحمد بن عبد الحقّ بن محمد السّنباطي المِصْري الشافعي(١) الواعظ بالجامع الأزهر، الإِمام العالم العَلَّمة. أخذ عن والده وغيره، وكان معه بمگّة في مجاورته بها سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة، ووعظ بالمسجد الحرام في حياة أبيه، وفُتح عليه في الوعظ حينئذ، وهو الذي تقدّم للصلاة على والده حين توفي بمكة. قال الشعراوي: لم نر أحداً من الوعّاظ أقبل عليه الخلائق مثله. وكان إذا نزل عن الكرسي يقتتل الناس عليه. قال: وكان مُفَنَّناً في العلوم الشرعية، وله الباع الطويل في الخلاف ومذاهب المجتهدین . وكان من رؤوس أهل السُّنّة والجماعة، واشتهر في أقطار الأرض كالشام، والحجاز، واليمن، والرُّوم، وصاروا يضربون به المثل، وأذعن له علماء مصر الخاص منهم والعام، وولي تدريس الخشابية بمصر بعد الضّيروطي، وهي مشروطة لأعلم علماء الشافعية كالشامية البرانية بدمشق، وكان يقول بتحريم قهوة البن، ثم انعقد الآن الإجماع على حَلّها في ذاتها. وتوفي في أواخر صفر. قال الشعراوي: ولما مات أظلمت مصر لموته، وانهدم ركن عظيم من الدِّين، وما رأيت في عمري كلّه أكثر خلقاً من جنازته إلّ جنازة الشِّهاب الرَّملي. • وفيها شِهَاب الدِّين أحمد بن عبدالله بن عبد القادر البغدادي الأصل الصَّالحي الحنفي، الشهير بابن الحُصَري (٢). (١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١١١/٢ - ١١٢). (٢) ترجمة المترجم في أحد كتب ابن طولون الخطية التي لم أقف عليها. ٤٠٢ قال ابن طولون: هو أخونا وابن شيخنا، العَلَّمة جمال الدِّين ، حفظ القرآن و ((المختار)) وغيرهما، وسمع الحديث على شيخنا ابن عبد الهادي، وأخيه الشِّهاب أحمد، وولده(١)، واشتغل، وحَصِّل، وألّف، ثم سَلَكَ طريق السَّلف الصَّالِح، وحضر كثيراً عندي. وتوفي ليلة الأحد خامس عشر رجب عن نحو خمس وستين سنة، ودفن عند والده - أي بسفح قاسيون - لصيق تربة العمّ من جهة الشرق. انتهى ● وفيها المولى إسحاق الرُّومي (٢) أحد موالي الرُّوم الطبيب. كان نصرانياً طبيباً، وكان يعرف علم الحكمة معرفة تامة، وقرأ على المولى لطفي التّوقاتي المنطق، والعلوم الحكمية، وباحث معه فيها، ثم انجرِّ كلامهم إلى العلوم الإِسلامية، وقَرَّر عنده حقيقة الإِسلام فاعترف وأسلم، ثم ترك الطبّ، واشتغل بتصانيف الإِمام حجّة الإِسلام الغَزَّالي، والإِمام فخر الدِّين الرازي، وداوم على العمل بالكتاب والسُّنَّة، وصنَّف شرحاً على ((الفقه الأكبر)) لأبي حنيفة، رضي الله عنه . • وفيها الشيخ شيخ بن إسماعيل بن إبراهيم بن الشيخ عبد الرحمن السَّقَّاف اليمني (٣) السيد الجليل، صاحب الكرامات الخارقة والآيات الصادقة. کان من كبار مشایخ الیمن، حُکي عنه أنه قيل له هاهنا رجل تحصل له حالة عظيمة عند السماع، فقال: ليس الرجل الذي يحتاج إلى محرك يحركه، إنما الرجل الذي لا يغيب عنه الشهود حتى في حالة الجِمَاع فضلاً عن غيره. توفي بالشّخر (٤) ودفن بها. (١) في ((آ)): «ووالده)). (٢) ترجمته في ((الشقائق النعمانية)) ص (٣٢١) و((الكواكب السائرة)) (١٢٢/٢). (٣) ترجمته في ((النور السافر)) ص (٢٣٥ - ٢٣٦). (٤) جاء في (((معجم ما استعجم)) (٧٨٣/٢): الشِّحْر: ساحل اليمن، وهو ممتدَّ بينها وبين عُمان. وانظر ((معجم البلدان)) (٣٢٧/٣). ٤٠٣ • وفيها عبد الرحمن المُنَاوي المِصْري(١)، الشيخ، الصَّالح، العالم، العابد، الوَرِعُ، أحد تلامذة سيدي محمد الشناوي. كان - رضي الله عنه - جميل الأخلاق، كريم النّفس، حَمَّالاً للأذى، صبَّاراً على البلاء، كثير الحياء، لا يكاد يرفع بصره إلى السماء، ولا إلى جليسه. أقام في طنتدا، ثم انتقل إلى الجامع الأزهر، فأقام به مدة، وانتفع به خلائق، ثم رجع إلى بلده المناوات، ومات بها. · وفيها زين الدِّين عبد اللطيف بن علم الدِّين سليمان بن أبي كثير المَكِّي (٢) الإِمام العَلَّمة. قدم دمشق وأقام بها مدة، وقرأ ((الشفا)) على الشمس بن طولون الصَّالحي في مجلسين في رجب، سنة ثمان وثلاثين، ثم سافر إلى السلطان سليمان حين كان ببغداد، فولّاه قضاء مكّة عن البُرهان بن ظهيرة، وأضيف إليه قضاء جُدَّه، ونظر الحرم الشريف، ثم رجع إلى دمشق، وتوجه إلى مكّة مع الحاج هو والشيخ أبو الفتح المالكي، وتوفي بها. وكان له شعر حسن منه الموشح المشهور في القهوة الذي مطلعه: الأنفس. وشِفَا قَهوةُ البن مرهم الحُزن مَنْ لها يَحتسي فهي تكسو شَقَائِقَ الحُسْنِ وقد عارضه الشيخ أبو الفتح المالكي المغربي بموشح على وزنه وقافيته. · وفيها عبد اللطيف بن عبد المؤمن بن أبي الحسن الخُرَاسَاني الجامي الأحمدي(٣) الهَمْداني الطريقة، العارف بالله تعالى. (١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٦١/٢). (٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٧٩/٢ - ١٨١). (٣) ترجمته في ((در الحبب)) (٨٤٦/٢/١ - ٨٥٥) و((الكواكب السائرة)) (١٨١/٢ - ١٨٣) و((جامع كرامات الأولياء)» (١٠٣/٢). ٤٠٤ خرج من بلاده يريد الحجّ في جَمِّ غفير من مريديه، فدخل القسطنطينية في دولة السلطان سليمان، فأكرم مثواه هو وأركان دولته، وتلقّن السلطان منه الذِّکر، ثم دخل حلب وقرأ بها الأوراد الفتحية على وجهٍ خشعت له القلوب وذَرَفَت منه العيون . قال ابن الحنبلي: وسألته عن وجه قوله في نسبته الأحمدي، فقال: هي نسبة إلى جَدِّي مير أحمد أحد شيوخ جام في وقته. قال: ونسبي متصل بجابر بن عبدالله البُجَلي . قال: واستخبرته عن شيخه في الطريق فقال: هو حاجي محمد الجوشاني. قال وسألته تلقين الذكر فلقَّنني إيَّه. وكتب لي دستور العمل، ولكن بالفارسية، ثم حجَّ، وتوجه إلى بلاده، وتوفي ببخاري . قال ابن الحنبلي؛ وكان مُحَدِّثاً، مُفَسِّراً، مستحضراً للأخبار، معدوداً من أرباب الأحوال، والصواب أنه توفي سنة ثلاث وستين(١). • وفيها عبد اللطيف الخراساني الحنفي (٢) العالم العَلَّامة. دخل دمشق سنة تسع وثلاثين حاجًّاً، فنزل بالصالحية، وظهر علمه وعمله خصوصاً في التفسير. • وفيها عيسى باشا بن إبراهيم الرُّومي(٣) الحنفي أمير أمراء دمشق. كان له أولاً اشتغالٌ بالعلم، وصار مدرّساً بعدة مدارس، حتى اتصل إلى إحدى الثمان، ثم صار موقِّعاً بالديوان السُّلطاني، ثم ولي الإمارة في بعض البلاد، ثم إمارة حلب فأحسن فيها السيرة، ثم إمارة دمشق وعزل منها ثم أعيد إليها ورسخ فيها . (١) يعني وتسعمائة. (٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٨٣/٢). (٣) ترجمته في ((الشقائق النعمانية)) ص (٢٥٤) و((در الحبب)) (١٠٥٦/٢/١ - ١٠٦٠) و((الكواكب السائرة)) (٢٣٥/٢). ٤٠٥ وكان عالماً بعدة من العلوم، ولم يترك المطالعة أيام الإِمارة. وکان له حسن أدب ولطفُ معاشرةٍ، إلاّ أنه كان إذا اشتد غضبه خمش يديه فيدميها وهو لا يدري، وأبطل كثيراً من الظُّلامات، وعاش أهل القرى أيام ولايته عيشة طيبة . وكان مكرماً لأهل العلم ومشايخ الصوفية، ولبس الخرقة القادرية من الشيخ حسن الكيلاني لما قدم دمشق. (١ وتوفي بدمشق١) في يوم الأحد تاسع صفر، وأوصى أن يُلَقّن فَلَقّته الشيخ أبو الفتح المالكي، وأوصى أن يُسحب على الأرض قبل الدفن إلى قبره تعزيراً لنفسه، فحمل سريره إلى الصالحية، فلما قُرِّب من قبره سُحِبَ على الأرض قليلاً تنفيذاً لوصيته، ودفن في حوش الشيخ محيي الدِّين [بن] العربي عند شبّاكه الشرقي بوصيّة منه. · وفيها قُطْبُ الدِّين أبو عبدالله محمد بن محمد بن عمر بن سُلطان الدمشقي الصَّالحي الحنفي (٢) شيخ الإِسلام، مفتي بلاد الشام، الإِمام العَلَّمة. ولد ليلة ثاني عشر ربيع الأول سنة سبعين وثمانمائة، وأخذ عن القاضي عبد البرّ بن الشُّحنة وغيره، وكان بيده تدريس القَصّاعية المختصة بالحنفية، وتدريس الظاهرية التي هي مسكنه، والنظر عليها. وكان له تدريس في الجامع الأموي، وغير ذلك من المناصب العَلِيّة. وولي القضاء بمصر في زمن الغُوري نيابة عن شيخه ابن الشِّحْنَة، وكُفَّ بصره من بعد مع بقاء جمال عينيه، بحيث يُظن أنهما بصيرتان. وكان حسن الوجه والذات، جليل المقدار، مهيباً، معظّماً، نافذ الكلمة عند الدولة، يردون إليه الأمراء في الفتوى، ماسك زمام الفقهاء، وكان يملي من يكتب (١ - ١) ما بين الرقمين سقط من ((ط)). (٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٢/٢ - ١٤) و((الأعلام)) (٥٧/٧). ٤٠٦ الجواب على الأسئلة التي تُرفع إليه، واتخذ ختماً منقوشاً يختم به على الفتوى خوفاً من التلبيس عليه . وكان يقول بتحريم القهوة. وصنَّف مؤلفاً في الفقه، ورسالة في تحريم الأفيون و ((البرق اللامع في المنع من البَرْكَة في الجامع)» وغير ذلك. وتوفي ليلة الثلاثاء سابع عشري ذي القعدة ودفن داخل تربة القلندرية من باب الصغير في بيت مسقف معدٍّ للعلماء والصلحاء من الموتى . • وفيها نجم الدِّين محمد بن أحمد بن عمر البابي الحَلَبي الشافعي، المعروف في مدينة الباب بابن صليلة، وفي حلب بالنِّجم الإِمام(١) لأنه كان إماماً لخير بك الأشرفي كافل حلب، الإِمام الفقيه الأصولي الخطيب ابن الخطيب. كانت له قراءة حسنة وصوت جَهْوَري . وتوفي في أواخر [ذي] الحجة. • وفيها المولى محيي الدِّين محمد بن عبدالله، أحد موالي الرُّوم الحنفي، الشهير بمحمد بيك(٢). كان من مماليك السلطان أبي يزيد، ورغب في العلم، وترك طريق الإِمارة، وقرأ على جماعة، منهم المولى مُظَّفِّر الدِّين العجمي، والمولى محيي الدِّين الفَنَّاري، وغيرهما. ثم خدم ابن كمال باشا، وصار معيداً لدرسه، ثم تَنقّل في المدارس، ثم اختل دماغه، ثم برىء، فسافر إلى مصر في البحر، فأسرته النصارى، فاشتراه بعض أصدقائه منهم، ثم عاد إلى قسطنطينية، فأعطاه السلطان سليمان سلطانية بروسا، ثم مدرسة أبي يزيد خان بأدرنة، ثم قضاء دمشق، فدخلها حادي عشر صفر سنة ست وأربعين، وعُزل عنها في صفر سنة تسع وأربعين، فعاد (١) ترجمته في (الكواكب السائرة)) (٢٦/٢). (٢) ترجمته في ((الشقائق النعمانية)) ص (٢٩٤) و((الكواكب السائرة)) (٣٨/٢). ٤٠٧ إلى الرُّوم، واختل مزاجه غاية الاختلال، وأعطي في أثناء المرض قضاء مصر فسافر إليها في أيام الشتاء، فأدركته المنية في الطريق. وكان محبّاً للعلم وأهله وللصوفية، وله مَهَارة في العلوم العقلية ومعرفة بالعلوم الرياضية، وله تعليقات على بعض الكتب. وتوفي في بلدة كوتاهية. ● وفيها أبو عبدالله محمد بن عبد الرحمن بن حسن (١بن محمد١) الرُّعيني (٢) الأندلسي الأصل الطرابلسي المولد المالكي، نزيل مكَّة، ويعرف هناك کسلفه بالحطَّاب، ويتميّز عن شقيق له أكبر منه اسمه محمد أيضاً بالرُّعيني، وذلك بالحطَّاب، ويعرف في مَكَّة بالطرابلسي. ولد في صفر سنة إحدى وستين وثمانمائة بطرابلس، ونشأ بها، فحفظ القرآن و((الرائية)) و((الجزرية)) وتفقه فيها يسيراً على محمد القابسي، وعلى أخيه، ثم تحوَّل مع أبويه وأخيه وجماعتهم إلى مكة سنة سبع وسبعين، فحجُوا ورجعوا، وقد توفي بعضهم، فأقاموا بها سنين، ومات كل من أبويه في أسبوع واحد في ذي الحجّة سنة إحدى وثمانين بالطّاعون، واستمر هو وأخوه بها إلى أن عادا لمكّة في موسم سنة أربع وثمانين، فحجًّا، ثم جاورا بالمدينة النبوية التي تليها، وعاد الأخ بعد حجِّه منها إلى بلاده وهو إلى المدينة، وقرأ على الشمس العوفي في العربية، وعلى السّراج معمر في الفقه وغيره، وعاد لمكة فلازم الشيخ موسى الحاجبي، وقرأ فيها القرآآت على موسى المراكشي، وصاهر ابن حزم على ابنته، وسمع من الحافظ السخاوي، كل ذلك مع الفاقة والعِفّة، ونعم الرجل كان. قال جار الله ابن فهد: وقد فتح الله عليه في آخر عمره وصار من المعتقدين في العلم والدِّين، وظهر له ثلاثة من الأولاد هم الجمال محمد، وزيني بركات، والشِّهاب أحمد، وزوجهم في حياته، ورأى أولادهم، مع نجابتهم، وصار أكثرهم من المفتين والمدرِّسين بحرم الله الأمين، وانقطع بمنزله عدة سنين، وهو یدرِّس (١ - ١) ما بين الرقمين سقط من ((آ). (٢) ترجمته في ((النور السافر)) ص (٢٣٦ - ٢٣٧). ٤٠٨ فيه، ورُتِّب له مرتَّبٌ في الجوالي، واعتقده الناس في الآفاق، وقصد بالفتوحات والودائع، وناله الضرر من الدولة بسببها وهو متقنع مُتَعَفَّفُ مجتهدٌ في عِمَارة الأوقاف التي تحت نظره، وكذلك ولده الأكبر، وتحمَّل لذلك كثيراً من الديون، وقاسی شدَّة في مرضه حتى . توفي ليلة السبت ثاني عشر صفر عن تسعين سنة. • وفيها شمس الدِّين محمد بن عبدو الشيخ الصَّالح الزاهد المُعَمِّر الخاتوني (١) الأردبيلي (٢) الخرقة الحنفي. ولد بسرة الفُرات في جمادى الآخرة سنة خمس وستين وثمانمائة وحملته أمه إلى الشيخ محمد الكواكبي الحلبي، فأمر خليفته الشيخ سليمان العَيني أن يربيه، ولم يزل يتعاطى الذكر والفكر، حتى فتح عليه، وكان يتردّد إليه الزوّار فلا يرى نفسه إلا ذليلاً، ولا يطلب أحد منه الدُّعاء إلا سبقه إلى طلبه منه. وكان زاهداً، متعففاً عما في أيدي الناس، وعن أموال عظيمة، كانت تدفعها إليه الحكام، وكان يؤثر العُزلة، وشاع عنه أنه كان ينفق من الغيب، وكانت مكاشفاته ظاهرة، وكان كثيراً يقول لست بشيخ ولا خليفة . وتوفي بحلب في أواخر شوال. ● وفيها المولى محيي الدِّين محمد بن مصطفى القُوجوي(٣) الحنفي الإِمام العَلامة . اشتغل، وحَصَّل، ثم خدم المولى ابن فضل الدِّين، ثم درَّس بمدرسة خواجه خير الدِّين بالقسطنطينية، ثم آثر العُزلة، فترك التدريس، وتقاعد بخمسة عشر عثمانياً، وكان يستكثرها على نفسه، ويقول: يكفيني منها عشرة، ولازم بيته، وأقبل على العلم والعبادة. (١) في ((آ)) و((ط)): ((الخاقوني)) والتصحيح من مصدري الترجمة. (٢) ترجمته في ((در الحبب)) (١/٢ / ١٨٦ - ١٨٦) و((الكواكب السائرة)) (٤٥/٢). (٣) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٥٩/٢). ٤٠٩ وكان متواضعاً يحبّ أهل الصلاح، [وكان يشتري حوائجه من السوق بنفسه مع رغبة الناس في خدمته فلا يرضى إلّا بقضائها بنفسه تواضعاً وهضماً للنفس](١) وكان يروي التفسير في مسجده، فيجتمع إليه أهل البلد يسمعون كلامه، ويتبرّكون بأنفاسه، وانتفع به كثيرون، وكان يقول: إذا شككت في آية من القرآن أتوجه إلى الله تعالى فيتسع صدري، حتى يصير قدر الدنيا ويطلع فيه قمران لا أدري هما أي شيء، ثم يظهر نور فيكون دليلاً إلى اللوح المحفوظ، فاستخرج منه معنى الآية. وممن أخذ عنه صاحب ((الشقائق)) قال: وهو من جِلّة من افتخرت به، وما اخترت منصب القضاء إلّ بوصية منه، وله ((حواش على البيضاوي)) جامعة لما تفرَّق من الفوائد في كتب التفسير سهلة قريبة، وشرح على الوقاية في الفقه، و((شرح الفرائض السراجية)) و((شرح المفتاح للسكاكي)) و((شرح البردة)). • وفيها - تقريباً - شمس الدِّين محمد بن يوسف الحَرِيري الأنطاكي ثم الحلبي (٢)، الحنفي، عرف بابن الحمصاني. ولد بأنطاكية سنة تسعين وثمانمائة، وجوّد القرآن على الشيخ محمد الداديخي وغيره، وقرأ (الجزرية)) على البدر السُّيوفي، وغيره و((السراجية)) على الزين بن فخر النساء، وسمع عليه صدر الشريعة، وقرأ على الشيخ عبد الحق السّنباطي كتاب ((الحِكَم)) لابن عطاء الله، وأجاز له إسماعيل الشّرواني، وابن فخر النّساء، وحجّ أربع مرات، منها ثنتان في المجاورة، وزار بيت المقدس، ودخل القاهرة وغيرها، وطاف البلاد، واجتمع بمشاهير العلماء والصوفية، ثم قطن بعد أسفاره العديدة المديدة بحلب، وصحب بها ابن الحنبلي، ثم توفي بالرَّملة. • وفيها المولى محمد، المعروف بشيخي جلبى (٣) أحد موالي الرُّوم. كان فاضلاً، ذكياً، متواضعاً، محباً لأهل الخير، خدم المولى محيي الدِّين (١) ما بين الحاصرتين لم يرد في ((آ)) و((ط)) واستدركته من ((الكواكب السائرة)) مصدر المؤلف. (٢) ترجمته في ((الشقائق النعمانية)) ص (٢٩٣). (٣) ترجمته في ((الشقائق النعمانية)) ص (٢٩٣) و((الكواكب السائرة)) (٧٣/٢). ٤١٠ الفَنَاري، ثم المولى بالي الأسود، ثم درَّس بمدرسة مولانا خسرو، ثم بمدرسة ابن ولي الدِّين، ثم بمدرسة بيري باشا، ثم بأبي أيوب ثم بإحدى الثمان، ومات على ذلك. • وفي حدودها المولى محمد، وقيل: مصطفى، الشهير بمرحبا(١) أحد الموالي الرُّومية . كان يعرف بابن بيري محمد جلبي، وكان مُحَقِّقاً مُدَقِّقاً، محباً للفقراء. قرأ على المولى ركن الدِّين بن زيرك، والمولى أمير جلبي، ثم خدم المولى خير الدِّين معلّم السلطان سليمان، ثم تنقّل في المدارس، حتى درَّس بإحدى الثمان، ثم صار قاضياً بدمشق، فدخلها في رابع عشري محرم سنة خمس وأربعين، وعزل عنها في عشري ذي القعدة من السنة المذكورة، وأعطى قضاء بروسا، ومات وهو قاض بها. • وفيها السيد الشريف محمود العَجَمي الشافعي (٢) العَلَّامة مُدَرِّس الأتابكية بصالحية دمشق . وكان مقيماً بالبادرائية داخل دمشق، وكان مقصداً للطلبة ينتفعون به، وكانت له يد طولى في المعقولات. وتوفي يوم السبت ثالث عشر ربيع الآخر، ودفن بباب الصغير. (١) ترجمته في ((الشقائق النعمانية)) ص (٢٩٠) و((الكواكب السائرة)) (٧٣/٢). (٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٩٤/٢). ٤١١ سنة إحدى وخمسين وتسعمائة • فيها توفي الشيخ شِهَاب الدِّين أحمد بن محمد بن داود المنزلاوي الشافعي(١)، الشيخ الصَّالح الزَّاهد الوَرع. كان مُحَدِّثاً، فقيهاً، صوفياً، كريماً، يخدم الفقراء بنفسه - كما كان والده - ويقري الضيوف، وتظهر عليه خوارق في ذلك، فربما يجعل الماء والأرز في القِدر، فيجعل الله فيه الدسم من لبن وغيره، حتى يقول الضيف: ما ذقت ألذّ منه، وربما ملأ الإبريق من البئر شيرجاً أو عسلاً. وكانت له هيبة عند الحُكّام، وكان قائماً بشعار السُّنَّة في بلاد المنزلة ودِمْياط، بحيث لا يقدر أحد أن يتظاهر فيهما بمعصية أو ترك صلاة. توفي بالمنزلة عن نيِّف وثمانين سنة، ودفن عند والده. • وفيها - تقريباً - شِهَاب الدِّين أحمد بن العَلَّمة سِرَاج الدِّين عمر البارزي الحَمَوي الشافعي (٢) المُعَمّر الإِمام الفاضل. • وفيها أمير شريف العَجَمي المَكِّي (٣) العَلَّمة في الطبِّ. قدم دمشق سنة تسع وأربعين وتسعمائة، متوجهاً إلى الرُّوم. (١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٠٠/٢)، و((الطبقات الكبرى)) للشعراني (١٨٧/٢ - ١٨٨). (٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١١٤/٢ - ١١٥). (٣) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٢٤/٢). ٤١٢ قال ابن طولون: وبلغني أنه شرح ((رسالة الوجود)) للسيد الشريف، وشرح ((الفصوص))(١) للمحيوي بن العربي. انتهى • وفيها بدر الدِّين حسن بن إسكندر بن حسن بن يوسف بن حسن النَّصيبي الحَلَبي، ثم المصري(٢) الضّرير الشافعي، المعروف بالشيخ حسن. ولد سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة، وكان عالماً بارعاً في الفقه، والقرآآت، والنحو، والتجويد. قال الشعراوي: شيخي وقدوتي إلى الله تعالى، العَلّمة الوَرِعِ الزَّاهد. كان عالماً، عاملاً، حافظاً لمتون الكتب الشرعية وآلاتها على ظهر قلب، حافظاً للسانه، ملازماً لشأنه، مواظباً على الطهارة الظّاهرة والباطنة، غزير الدمعة، لا يسمع آيةٌ أو حديثاً أو شيئاً من أحوال الساعة وأهوال يوم القيامة إلّ بكى، حتى أرحمه من شدة البكاء. قال: وكان كريم النّفس، جميل المعاشرة، أمَّاراً بالمعروف، لا يُداهن أحداً في دين الله تعالى، وهو أكثر أشياخي (٣) نفعاً لي، قرأت عليه القرآن، و((المنهاج)) و((الألفية)) و((الشاطبية)) و((التوضيح)) و((جمع الجوامع)) و((تلخيص المفتاح)) و((قواعد الإعراب)». وتوفي بمصر ودفن خارج باب النصر. انتهى ملخصاً • وفيها المولى عبد العزيز بن زين العابدين الحنفي (٤) أحد موالي الرُّوم، الشهير بابن أم ولد شهرة جَدِّه لَأَمِّه. (١) يعني ((فصوص الحكم)) وقد نشر قديماً في مطبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة في جزأين بمجلد واحد سنة (١٣٦٥ هـ). (٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٣٤/٢ - ١٣٥). (٣) في ((ط)): ((أشياخه)). (٤) ترجمته في (الشقائق النعمانية)) ص (٢٤٤) و((در الحبب) (٨٠٧/٢/١ - ٨١٦)، و((الكواكب السائرة» (١٦٨/٢ - ١٦٩). ٤١٣ اشتغل بالعلم، وحَصَّل، واتصل بخدمة المولى ابن المؤيد، ودرَّس بمدرسة داود باشا بالقسطنطينية، ثم بدار الحديث بأدرنة، ثم ولي قضاء حلب، ثم صار مفتياً ومدرّساً بأماسية، ثم ترك المناصب، وتقاعد، فعيّن له كل يوم سبعون عثمانياً. وكان عالماً، كاملاً، شاعراً، لطيفاً. ومن شعره ما كتبه على وثيقة وهو قاض بمغنيسا: هَذه حُجَّةٌ مبانيها(١) أُسست بالوثاق تأسيسا صحّ عندي جميعُ فحواها لن ترى في السطور تَلْبيسا ثم عبدُ العزيز وقّعها قاضياً فِي دِيَارِ مَغْنِيسا قال ابن الحنبلي: كان فاضلاً، فصيحاً، حسن الخط، لطيف الشعر باللسان العربي، بديع المحاضرة، جميل المذاكرة. انتهى وتوفي بالقسطنطينية . · وفيها الشيخ زين الدِّين عمر العُقَيبي (٢) العارف بالله تعالى، المربِّي المُسَلّك الحَمَوي الأصل، ثم العُقَيبي الدمشقي، المعروف بالإِسكاف. كان في بدايته إسكافاً يصنع النِّعال الحُمر، ثم صحب الشيخ علوان الحموي، وبقي على حِرفته، غير أنه كان ملازماً للذِّكر أو الصَّمت، ثم غلبت عليه الأحوال، فترك الحِرْفَة، وأقبل على المجاهدات، ولزم خدمة أستاذه الشيخ عَلوان، حتى أمره أن يذهب إلى دمشق ويرشد الناس. وكان كثير المجاهدات، شديد التقشف، ورعاً. وكان أُمِّيَّاً، لكن ببركة صدقه فتح الله عليه في الكلام في طريق القوم والتكلم على الخواطر التي يشكوها إليه الفقراء. (١) تحرفت في ((ط)) إلى ((مباينها)). (٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٢٩/٢ - ٢٣٣)، و((جامع كرامات الأولياء)) (٢٢٤/٢ - ٢٢٥). ٤١٤ وكان مدة إقامته بدمشق، يسافر لزيارة شيخه في كل سنة مرة، يقيم بحماة ثلاثة أيام ويرجع . قال الشيخ إبراهيم بن الأحدب: وأخذت عنه الطريق، وانتفعت به، وانتفع به كثير من الناس. انتهى وكان يعامل أصحابه ومريديه بالمجاهدات الشاقة على النّفوس، وكان ربما أمر بعضهم بالركوب على بعير، ويعلّق في عنقه بعض الأمتعة، ويأمر آخر أن يقود به البعير وهما يجهران بذكر الله تعالى، كما هو المشهور من طريقته، وله أحوال خارقة . ومن جملة مريديه وملازميه الشيخ محمد الزّغبي المجذوب المعتقد، وكان للشيخ عمر ولدان، وكان عيسى باشا كافل دمشق من جملة معتقديه، وأخذ عنه الطريق . وتوفي الشيخ عمر في هذه السنة، ودفن بزاويته بمحلّة العُقيبة، وظهر في الشمس تَغَيُّرٌ وظُلمة شِبْهَ الكُسوف يوم موته. • وفيها أقضى القُضاة محبّ الدِّين محمد بن قاضي القضاة سري الدِّين عبد البرّ بن محمد بن الشِّخْنة المصري(١) المولد والمنشأ الحنفي. كان أسمر، من سرية أبيه المسماة غزال، واشتغل بالعلم على أبيه وغيره، وولي نيابة الحُكم عنده (٢ثم نيابة الحُكم عنه٢)، ثم قدم إلى(٣) حلب عند انقضاء الدولة الجركسية، بعد أن حجَّ وجاور. وكان مقداماً، محتشماً، حسن الملبس، لطيف العمامة، حسن المطارحة، لطيف الممازحة، رقيق الطبع، سريع الشُّعر مع حسنه ورقته في الجملة. (١) ترجمته في ((در الحبب)) (٢٥٦/١/٢ - ٢٥٨)، و((الكواكب السائرة)) (٤٠/٢)، و((إعلام النبلاء)) (٥٠٠/٥ - ٥٠١). (٢ - ٢) ما بين الرقمين سقط من ((آ)). (٣) لفظة ((إلى)) سقطت من ((ط)). ٤١٥ ومن شعره في مليح اسمه إبراهيم: ذابَ وجداً وَغَراما يا حبيبي صِلْ مُعَنّىٍ غَزَّلُ عينيكَ سَقّاما وَارْحَمَنْ صِبّأَ كساهُ -حاجب اللّحظ سِهَاما ورماهُ عن قِسِيّ الـ ـر نُحولاً حيثُ هَاما أَنْحَلَتْهُ رِقّةُ الخصـ لا يرى إلّ خَيالاً إنْ تَقل(١) فيه نظاما لَمْ يَذُقْ مِنْ يَومِ غِبْتُمْ عَنْهُ لا أكلاً ولا ما أَطْلَقَتْ عيناهُ نَهراً طَلّقَتْ مِنْهُ المَنَامَا نارُ خَدَّيكَ ضِراما أَوَقَدَتْ حَشْوَ (٢) حشاهُ وبهِ حُزتُ المَقَامَا عَجَباً للّار فيه بِكَ بَرْداً وَسَلَّمَا إِنّ بعَدَ الوصْلِ عَادتْ وتوفي بحلب ليلة الأحد تاسع شعبان قبيل الفجر، ودفن بتربة موسى الحاجب خارج باب المقام. • وفيها قاضي القضاةَ عفيف الدِّين محمد بن علي بن عمر بن علي بن جُنْغُل - بضم الجيم، والغين المعجمة، بينهما نون ساكنة - الحَلَبي المالكي(٣) آخر قضاة المالكية بحلب، وابن قضاتها. ولد يوم الأربعاء تاسع عشري شوال سنة أربع وسبعين وثمانمائة، وتفقه بالشيخ علي المكناسي (٤) المغربي المالكي، وولي القضاء من قبل السلطان (١) كذا في (آ)) و((ط)) و((الكواكب السائرة)): ((إن تقل)) وفي ((درّ الحبب)): ((إن يقل)). (٢) في ((١) و((ط)): ((حشي)) وما أثبته من ((درّ الحبب)) و((الكواكب السائرة)). (٣) ترجمته في ((درّ الحبب)) (٢٧٦/٢ - ٢٧٨) و((الكواكب السائرة)) (٤٨/٢) و((إعلام النبلاء)) (٤٩٩/٥ - ٥٠٠). (٤) كذا في ((آ)) و((الكواكب السائرة)) وإحدى نسخ ((درّ الحبب)) كما في حاشيته: ((المكناسي)). وفي (ط)) و((درّ الحبب)) و((إعلام النبلاء)): ((الكناسي)). ٤١٦ الأشرف قايتباي تاسع عشري شوال سنة سبع وتسعين وهو ابن نيف وعشرين سنة، ثم انكفّ عن المناصب في الدولة العثمانية، ولزم بيته آخراً في رفاهية وطيب عيش، والمسلمون سالمون من يده ولسانه، ولم يكن يخرج من بيته إلّ لصلاة الجمعة والعيدين، وربما شهد بعض الجنائز. وتوفي في (١) نهار الأربعاء ثاني شوال. · وفي حدودها عصام الدِّين إبراهيم بن محمد بن عرب شاه(٢) من ذُرِّيَّة أبي إسحاق الإِسفراييني - وإسفرايين(٣) قرية من قرى خراسان. كان أبوه قاضياً بها وجَدُّه في أيام أولاد تيمور - وهو من بيت علم، ونشأ هو طالباً للعلم (٤)، فحصَّل وبَرَعَ، وفاق أقرانه، وصار مشاراً إليه بالبنان. وكان بحراً في العلوم، له التصانيف الحسنة النافعة في كل فنٍّ، خرج في أواخر عمره من بخارى إلى سمرقند لزيارة الشيخ العارف خواجه عبيد الله النَّقْشَبندي، فمرض بها مدة اثنين وعشرين يوماً، ثم قضى نحبه عن اثنتين وسبعين سنة. وكان آخر ما تلفظ به: الله. وازدحم الناس للصلاة عليه ودفن بسمرقند قرب الشيخ المذكور. • وفيها جمال الدِّين أبو مَخْرَمة محمد بن عمر باقضام الفُروعي الشافعي(٥) يجتمع مع الفقيه عبدالله بن أحمد مَخْرَمه في الأب السادس. ولد ببلدة الهجرين من اليمن ونشأ بها، ثم ارتحل إلى عدن لطلب العلم، فأخذ عن إماميها الفقيه عبدالله بن أحمد مخرمه، والفقيه محمد بن أحمد فضل، ثم ارتحل إلى زَبيد وأخذ عن علمائها، ثم رجع إلى عَدَن ولَزَم الإِمام عبد الله بن (١) لفظة ((في)) لم ترد في ((آ)). (٢) ترجمته في ((الأعلام)) (٦٦/١) ووفاته فيه (٩٤٥) وانظر حاشيته. (٣) لفظة ((وإسفرايين)) سقطت من ((ط)). (٤) في ((ط)): ((العلم)). (٥) ترجمته في ((النور السافر)) ص (٢٣٨ - ٢٣٩). ٤١٧ أحمد مَخْرَمه وولده العَلَّمَةِ شِهَاب الدِّين أحمد، وانتفع بهما، وتخرَّج عليهما. ولما وصل العَلَّامة محمد بن الحسين القَمَّاط قاضياً على عدن، ثم بعده العَلَّمة أحمد بن عمر المزجد قاضياً أيضاً، لازم كلّ منهما، ولم يزل مجتهداً حتى فاق أقرانه في الفقه، وصار في عدن هو المشار إليه، والعَلَم المُعَوَّل عليه، واحتاج الناس إلى علمه، وقصدوه بالفتوى من النواحي البعيدة، لكنه قد كان(١) يتساهل في الفتاوى ويترك المراجعة، لا سيما في أواخر عمره، فاختلفت أجوبته وتناقضت فتاويه، وكان ذلك مما عِيب عليه، ثم كان السلطان عامر بن داود - وهو آخر ملوك بني طاهر بعدن - استماله في آخر عمره وأحسن إليه لأغراض فاسدة عزم عليها، فكان إذا عزم على أمرٍ فاسد يتعلق بالشرع أرسل إليه من يشاوره في كتب سؤال في القضية، فيجيبه إلى ذلك، ويكتب على سؤالاتهم أجوبة توافق أغراضهم، فيتوصلون بها إلى مفاسد لا تُحصى، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وتوفي ببلدة الهجرين، سامحه الله تعالى. (١) في ((آ)) و((ط)): ((ولكنه كان قد)) وأثبت لفظ ((النور السافر)) مصدر المؤلّف، ولا حاجة للفظة ((قد)) في السياق هنا. ٤١٨ سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة ● وفيها توفي المولى بير أحمد بن حمزة، الشهير بابن بليس الحنفي(١) الفاضل . اشتغل بالعلم، وحَصَّل، ودرَّس ببعض المدارس، ثم بمدرسة إسكوب، ثم وصل إلى إحدى الثمان، ثم صار قاضياً بمصر، ثم أُعطي تقاعداً عنها بمائة عثماني، ومات على ذلك، وخلّف دُنيا طائلة وكتباً نفيسة. • وفيها علاء الدِّين أبو الحسن علي بن جلال الدِّين محمد البَكْري الصُّدِّيقي(٢) الشافعي، الشيخ الإِمام المُحَدِّث، نادرة الزَّمان وأُعجوبة الدهر، الصوفي الأستاذ. أخذ الفقه والعلوم عن القاضي زكريا، والبرهان بن أبي شريف، وغيرهما. وأخذ التصوف عن الشيخ رضي الدِّين الغَزِّي العَامري، والشيخ عبد القادر الدشطوطي . قال الشَّعْرَاوي: أخذ العلم عن جماعة من مشايخ الإِسلام والتصوف عن الشيخ رضي الدِّين الغَزِّي، وتبحر في علوم الشريعة، من فقه، وتفسير، وحديث، وغير ذلك. وكان إذا تكلم في علم منها، كأنه بحرٌ زاخرٌ، لا يكاد السَّامع يَحْصَل من كلامه على شيءٍ ينقله منه لوسعه إلّ أن يكتبه. (١) ترجمته في ((الشقائق النعمانية)) ص (٢٤٣) و((الكواكب السائرة)) (١٠٦/٢). (٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٩٤/٢ - ١٩٧). ٤١٩ قال: وأخبرني من لفظه، ونحن بالمطاف أنه بلغ درجة الاجتهاد المطلق. وقال: إنما أكتم ذلك عن الأقران خوفاً من الفتنة بسبب ذلك، كما وقع للجلال السيوطي . قال: وكانت مدة اشتغاله على الأشياخ نحو سنتين، ثم جاء الفتح من الله، فاشتغل بالتأليف. انتهى ومن مؤلفاته ((شرح المنهاج)) و((شرح الروض)) و((شرح العُباب)) للمزجد، و((حاشية على شرح المُحَلّى)). قال الشعراوي: وهو أول من حجّ من علماء مصر في مَحفَّةٍ، ثم تبعه الناس. قال: وحججت معه مرة فما رأيت أوسع خلقاً ولا أكثر صدقةً في السرِّ والعلانية منه. وكان لا يُعطي أحداً شيئاً نهاراً إلّ نادراً، وأكثر صدقته ليلية. وكان له الإِقبال العظيم من الخاص والعام. وشاع ذكره في أقطار الأرض مع صغر ◌ِنْه. وكان له كرامات كثيرة، وخوارق، وكشوفات، وترجمه الناس بالقطبية العظمى، ويدلَّ على ذلك ما أخبرنا به الشيخ خليل الکشكاوي. قال: رأيت الشيخ أبا الحسن البكري، وقد تطور، فكان كعبةً مكان الكعبة، ولبس سترها كما يلبس الإِنسان القميص. قال: وكان له النظم السائغ في علوم التوحيد، وأطلعني مرة على ((تائية)) عملها نحو خمسة آلاف بيت، أوائل دخوله في طريق القوم، ثم إنه غسلها وقال: إن أهل زماننا لا يحتملون سماعها لقلّة صدقهم في طلب الطريق. انتهى ومن شعره ((التائية المشهورة)) التي أولها: بوُجُودِكم تَتَجَمّل الأوقات وبجُودِكُم تَتَنَزَّل الأقْوات وهي طويلة مشهورة. ٤٢٠