النص المفهرس

صفحات 281-300

وكان حسن الأخلاق، حلو اللِّسان، متواضعاً، قليل التردد إلى الناس،
يدرِّس في ((البيضاوي)) وغيره، رحمه الله تعالى.
● وفيها - تقريباً أيضاً - شهاب الدِّين أحمد المنيري(١) المصري الشافعي(٢)
الإِمام العَلَّاّمة.
كان بارعاً في العلوم الشرعية والعقلية، رثَّ الهيئة، مع الهيبة والوقار، صغير
العمامة، يقصده الناس في الشفاعات وقضاء الحوائج عند الأمراء والأكابر. وكان
مسموع الكلمة عندهم، ينقادون إليه ولا يردُّون له شفاعة لزهده فيما في أيديهم.
وكان كثيراً ما يأتيه الفقير يسأله الشفاعة وهو يدرّس فيترك الدرس، ويقوم معه،
ويقول: هذه ضرورة ناجزة وضرورة الحاجة إلى العلم متراخية، رحمه الله تعالى.
• وفيها عماد الدِّين إسماعيل بن مُقبل بن محمد الغزَّاوي الحنفي (٣) الشيخ
المفيد العالم المقرىء (٤).
قال ابن طولون: صاحبنا، حفظ القرآن ببلده غزّة، وتلا للسبع، ثم ((مجمع
البحرين))، وقدم دمشق في سنِّ الطفولة فحلَّه على الشمسي بن رمضان(٥) شيخ
القجماسية، وكان نازلاً بها، وسمع عليه أشياء وعلى غيره، ثم عاد إلى غَزَّة إلى أن
توفي والده فعاد إلى دمشق، وأمَّ بالجامع التَّنْكُزي إلى أن مات يوم الخميس تاسع
عشري صفر، ودفن بتربة باب الصغير. انتهى.
• وفيها عبد الله بن محمد بن أحمد المدرني الحنفي (٦) الفاضل المُرشد،
أحد مشايخ الرُّوم ومواليها.
مات والده الشيخ محمد شاه وهو شاب في تحصيل العلم، وقرأ على
(١) تحرفت في ((آ)) و((ط)): ((المسري)) والتصحيح من (الكواكب السائرة)) مصدر المؤلف.
(٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١١٧/٢).
(٣) ترجمته في ((متعة الأذهان)) الورقة (٣٠/آ).
(٤) تحرفت اللفظة في ((ط)) إلى ((المصري)).
(٥) في (متعة الأذهان)): ((على الشيخ شمس الدِّين بن رمضان)).
(٦) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٥٤/٢).
٢٨١

المولى عبد الرحيم بن علاء الدِّين العربي، والمولى محمد القَرْمَاني، وكان في
بدايته تابعاً لهوى نفسه، فرأى ليلة أباه في منامه قد ضربه ضرباً شديداً ووبخه على
فعله، فلما أصبح ذهب إلى الشيخ رمضان المتوطن بأدرنة وتاب علی یدیه، ودخل
الخلوة، وارتاض، وجاهد، ونال منالاً عظيماً، حتى أجازه بالإِرشاد، فرجع إلى
وطنه، وأقام هناك يُرشد ويدرِّس ويعظ، وكان له مشاركة في سائر العلوم، وله خط
حسن، وكان من محاسن الأيام، رحمه الله تعالى.
· وفيها محيي الدِّين عبد القادر بن أبي بكر بن سعيد الحلبي الشافعي،
المشهور بابن سعيد (١) .
كان جدّه سعيد هذا يهودياً فأسلم، واشتغل صاحب الترجمة بالعلم في
حلب على العلاء الموصلي، ومنلا حبيب الله العجمي، وأخذ عن الكمال بن أبي
شريف ببيت المقدس، وكان ذا هِمَّة عالية في النسخ، ورحل إلى دمشق والقاهرة.
قال ابن طولون: قدم دمشق إماماً لقصروه نائب حلب، فقرأ عليه صاحبنا
العَلَّمة نجم الدِّين الزُّهيري المتوفى قبله. وكانت له شهرة ولديه رئاسة، ثم عاد
إلى حلب، وصار مفتي دار العدل بها في الدولة الجركسية، وولي المناصب في
الدولة العثمانية مشيخة التغرمشية، ومشيخة الزينبية ونظرها، ونظر جامع
الأطروش.
وتوفي بحلب في رجب.
• وفيها تاج الدِّين عبد الوهاب بن أحمد بن محمد الكنْجي الدمشقي(٢)
الشافعي (٣) الفاضل أخو الشيخ الإِمام شمس الدِّين الكنجي المتقدم ذكره.
عني بالفرائض والحساب.
(١) ترجمته في ((در الحبب)) (١/٢/ ٨٢٥ - ٨٣٠) و((الكواكب السائرة)) (١٧٣/٢) و(«إعلام النبلاء)»
(٤٣٠/٥ - ٤٣٢).
(٢) ترجمته في ((متعة الأذهان)) الورقة (٥٨/ب) و((الكواكب السائرة)) (١٨٦/٢).
(٣) لفظة ((الشافعي)) تحرفت في ((ط)) إلى ((الشيخ)).
٢٨٢

قال في ((الكواكب)): ولزم شيخ الإسلام الوالد كثيراً، وقرأ عليه في ((شرح
المنهاج)) للمحلّي، وغالب ترتيب ((المجموع)) في الفرائض، مع أنه قرأه على
مؤلِّفه الشيخ بدر الدِّين المارديني .
قال شيخ الإسلام الوالد: وذكره في ((فهرست تلاميذه)) وهو وأخوه عَمَّاي من
الرّضَاعِ.
قال: وهو ممن أذهب عمره في الحساب، مع جمود فيه، وغالب عليه
الحمق وقلّة العقل وعدم حساب العواقب.
ثم قال: توفي يوم الاثنين تاسع عشر شوال انتهى.
· وفيها أبو الفضل علي بن محمد بن علي بن أبي اللطف المقدسي
الشافعي(١) نزيل دمشق، الإِمام العالم العَلَّمة.
ولد في جمادى الأولى سنة ست وخمسين وثمانمائة ببيت المقدس، وأخذ
الفقه عن الشُّهاب الحجازي، والسيد علاء الدِّين الأيجي، والشيخ ماهر
المصري، وهو أعلى شيوخه في الفقه. وتفقه أيضاً بالكمال بن أبي شريف،
ورحل إلى مصر، فأخذ عن علمائها الفقه والحديث، منهم شيخ الإِسلام زكريا،
والتاج العبادي. ورحل إلى دمشق واستوطنها، وحضر دروس شيخ مشايخ الإسلام
زين الدِّين [بن خطّاب]، والنجم بن قاضي عجلون، وغيرهما. ورافق الشيخ تقي
الدِّين البلاطنسي، والبهاء الفصّي البعلي، وغيرهما من الأجلّة.
وجاور بمّة مع الشيخ تقي الدين ابن قاضي عجلون، وتزوّج بمكّة، وحضر
دروس قاضي القضاة ابن ظهيرة الشافعي، وعاد إلى دمشق مستوطناً بعياله يفتي
ويدرِّس بالجامع الأموي، وبيَّض ((التحرير)) للنجم ابن قاضي عجلون وزاد فيه
فوائد مهمة .
وله كتاب ((مرّ النسيم في فوائد التقسيم)).
(١) ترجمته في (متعة الأذهان)) الورقة (٦٥/ب) و((الكواكب السائرة)) (١٩١/٢ - ١٩٣).
٢٨٣

وكان حافظاً لكتاب الله تعالى، له هِمَّة مع الطلبة، ومهابة، ومودّة للخاص
والعام، ونفس غنّة.
وكان متقللا من الوظائف، وتمنّى الموت لفتنة حصلت له (١ في الدِّين١) لما
دخلت الدولة العثمانية.
ومن شعره یشیر إلی ذلك:
بدُعاءٍ خالصٍ قد سَمِعًا
ليت شعري مَنْ علی الشام دعا
فهي تَبْكينا ونّبكيها معا
فكسَاهَا ظُلمةً معْ وحشةٍ
ظُلم والجَوْرِ اللّذَيْنِ اجتمعا
قد دَعا من مَسَّه الضُّرَّ من الـ
غارةُ اللَّهِ بما قَدْ وَقَعَا
فعلا الحُجْبِ الدُّعَا فانبعثت
سُنَّةُ الله الذي قد أبدعا
فَأَصَابَ الشَّامَ ما حلَّ بها
وتوفي نهار الأحد خامس عشر صفر ودفن بباب الصغير.
• وفيها السيد علاء الدِّين علي بن محمد الحُسَينِي العَجْلُوني ثم
البُروسوي، المعروف بالحديدي خليفة(٢) الشيخ العارف بالله تعالى أبي السعود
الجارحي .
توطن بروسا من بلاد الرُّوم نحو ثلاثين سنة، ثم حجّ، وعاد إلى القاهرة،
وكان له عبث بعلم الوفق والأسماء وصناعة الكيمياء. وكان له أسانيد عالية، رحمه
الله تعالى .
• وفيها محيي الدِّين محمد بن سعيد الشيخ الإِمام العَلَّمة، المعروف بابن
سعید(٣).
قدم دمشق فصار إماماً لنائبها قصروه، وقرأ عليه عدة من الأفاضل، وصارت
له كلمة مسموعة .
(١ - ١) ما بين الرقمين سقط من ((ط)).
(٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٠٠/٢).
(٣) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٣٥/٢).
٢٨٤

وتوفي بحلب في هذه السنة .
• وفيها شمس الدِّين محمد بن علي الحريري الحلبي الحنفي، المعروف
بابن السيوفي (١) تعلّم القراءة والكتابة على كبر، وتفقّه بالزين ابن فخر النساء،
وأخذ عن الزَّين بن الشِّمَّاع.
قال ابن الحنبلي: وكان يترجى أن يعمل كتاباً في فقه الحنفية يرتِّب فيه ذكر
المسائل على ترتيب ((منهاج النووي)).
قال: وكان عبداً صالحاً، ملك كُتباً كثيرة. انتهى.
● وفيها القاضي نجم الدِّين محمد الزُّهيري الحنفي (٢) الشيخ الفاضل.
كان نائب الباب بدمشق. وكان بيده تدريس الريحانية، والمرشدية،
والمقدسية البرَّانية، والعزّية البرَّانية. وقد كان عَمَرَها وجدّد قاعة المدرِّس بها.
وأقام فيها الجمعة، وكان لها سنون بطّالة نحو ثلاثين سنة، مع إحسانه إلى
مستحقيها. ولما مات بطل ذلك.
وتوفي في سلخ ربيع الأول.
· وفيها محيي الدِّين محمد الرُّومي (٣) المولى الفاضل، الشهير بابن
المعمار الحنفي .
خدم المولى محمد بن الحاج حسن، ثم درَّس بإسكوب (٤)، ثم بمدرسة
(١) ترجمته في ((در الحبب)) (١/٢ /١٩٦ - ١٩٧) و((الكواكب السائرة)) (٤٥/٢).
(٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٦٧/٢).
(٣) ترجمته في ((الشقائق النعمانية)) ص (٢٧٥ - ٢٧٦) و((در الحبب)) (١/٢/ ٤٠٠) و((الكواكب
السائرة» (٦٨/٢).
(٤) إسكوب: تعرف الآن بـ (SKOPJE): مدينة من أهم مدن ألبانيا القديمة، وكانت مركزاً هاماً من
مراكز الحكم والحضارة والإدارة على عهد العثمانيين، ثم استولى عليها الصرب وجعلوها عاصمة
لإقليم مكدونيا التابع لهم، وهي الآن عاصمة جمهورية مقدونيا البلقانية التي استقلت حديثاً عن
يوغسلافيا وفي سكانها عدد كبير من الألبانيين المسلمين تصل نسبتهم إلى (٤٠٪). انظر («سمير
الليالي» للسكري ص (٣٦).
٢٨٥

الوزير محمود باشا، ثم بإحدى المدرستين المتجاورتين بأدرنة، ثم بإحدى
الثمانية، ثم ولي قضاء حلب، ثم أعيد إلى إحدى الثمانية، وعيّن له كل يوم
ثمانون عثمانياً، ثم أعيد إلى قضاء حلب ومات بها.
• وفيها مجير الدِّين الرّملي (١) الشيخ الفاضل أحد العدول بدمشق.
قال ابن طولون: كان صالحاً، وعنده فضيلة وببصره بعض تكسر.
مات - رحمه الله - يوم الثلاثاء ثامن عشري ربيع الأول.
• وفيها نور الدِّين محمود بن أحمد بن محمد بن أبي بكر القرشي البَكْري
الحلبي (٢) الشافعي الأصيل (٣) المعمّر الجليل، خطيب المقام بقلعة حلب وابن
خطيبه .
أخذ عن الحافظ أبي ذرّ بن الحافظ بُرهان الدِّين الحلبي.
وأخذ عنه ابن الحنبلي ووالده ((الحديث المسلسل بالأولية)» واستجازاه
فأجازهما (٤).
وتوفي نهار الأحد حادي عشري ربيع الآخر بحلب ودفن بمقابر الصَّالحين.
● وفيها المولى مصلح الدِّين مصطفى(٥)، المشهور بحاكي(٦) الحنفي،
أحد الموالي الرُّومية.
كان - رحمه الله تعالى - حائكاً، ولما بلغ سنَّ الأربعين رغب في العلم،
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٤٦/٢).
(٢) ترجمته في (در الحبب)) (١/٢ / ٤٦١ - ٤٦٢) و((الكواكب السائرة)) (٢٤٧/٢).
(٣) تحرفت اللفظة في ((آ)) إلى ((الأصل)).
(٤) في ((ط)): ((فأجاز لهما)).
(٥) ترجمته في ((الشقائق النعمانية)) ص (٢٧١) و((الكواكب السائرة)) (٢٥١/٢ - ٢٥٢).
(٦) تنبيه: كذا في ((آ)) و((ط)) و((المشهور)) بـ ((حاكي)) والذي في ((الشقائق النعمانية)): ((الشهير بجاك))
والذي في ((الكواكب السائرة)): ((المشهور بحائك)) وما جاء في كتابنا و((الكواكب)) أقرب إلى
الصواب لأن الجميع أجمعوا على أنه كان ((حائكاً)).
٢٨٦

وبَرَعَ فيه، وصار مدرِّساً ببلده تِيرَه(١)، وصحب العارف بالله تعالى محمد
الجمالي، والعارف بالله أمير البخاري، ثم انقطع عن التدريس وتقاعد بثلاثين
عثمانياً.
وكان يكتب على الفتوى ويأخذ عليها أجراً.
وكان يحيي أكثر الليل، وربما غلب عليه الحال في الصَّلاة.
(١) تيره: بالهاء: قلعة جليلة حصينة من نواحي قزوين من جهة زنجان. ((مراصد الإطلاع)) (١ /٢٨٥).
٢٨٧

سنة خمس وثلاثين وتسعمائة
· فيها توفي بُرهان الدِّين إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر
البِقَاعي (١) الحنبلي ثم الشافعي، العارف بالله تعالى.
ولد في ربيع الأول سنة خمس وثمانين وثمانمائة، وقرأ على البدر الغَزِّي في
الأصول، والعربية، وغير ذلك، وقرأ عليه ((البخاري)) كاملاً في ستة أيام أولها يوم
السبت حادي عشري شهر رمضان سنة ثلاثين وتسعمائة، و((صحيح مسلم)) كاملاً
في شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين في خمسة أيام متفرقة في عشرين يوماً، وقرأ
عليه نصف ((الشفا)) الأول وغير ذلك، وترجمه البدر بأنه كان من الأولياء الذين لا
یعلمون بأنفسهم.
وتوفي شهيداً بالبطن يوم الثلاثاء حادي عشر شعبان.
• وفيها المولى بُرهان الدِّين إبراهيم الحَسيب النَّسيب(٢) أحد موالي الرُّوم الحنفي.
كان والده من سادات العجم.
رحل إلى الرُّوم، وتوطن قرية من قرى أماسية يقال لها قريكجه، وكان من
أكابر أولياء الله تعالى، وله كرامات وخوارق، منها أنه كُفَّ بصره في آخر عمره،
فكشف ولده السيد إبراهيم المذكور رأسه بين يديه يوماً، فقال له: يا ولدي لا
تكشف رأسك ربما يضرّك الهواء البارد، فقال له ولده: كيف رأيتني وأنت بهذه
الحالة، قال: سألت الله أن يريني وجهك، فمكنني من ذلك، فصادف نظري
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٧٥/٢).
(٢) ترجمته في ((الشقائق النعمانية)) ص (١٨٥ - ١٨٧) و((الكواكب السائرة)) (٨٣/٢ - ٨٤).
٢٨٨

انكشاف رأسك، ونشأ ولده المذكور في حجره بعضّة وصيانة، ورحل في طلب
العلم إلى مدينة بروسا، فقرأ على الشيخ سنان الدِّين، ثم اتصل بخدمة المولى
حسن السَّامُوني، ثم رغب في خدمة المولى خواجه زاده، ثم ولي التدريس حتّى
صار مدرّساً بمدرسة السلطان بايزيد كل يوم بمائة عثماني على وجه التقاعد، ولما
جلس السلطان سليم على سرير المُلك اشترى له داراً في جوار أبي أيوب
الأنصاري(١) والآن هي وقف وقفها السيد إبراهيم على من يكون مدرِّساً بمدرسة
أبي أيوب، وكان مجرّداً لم يتزوج في عمره بعد أن أبرم عليه والده في التزوج،
وكان منقطعاً عن الناس للعلم والعبادة، زاهداً، ورعاً، يستوي عنده الذهب
والمدر، ذا عِقَّة، ونزاهة، وحسن سمت، وأدب، واجتهاد، ما رؤي إلا جاثياً على
رکیتیه، ولم یضطجع أبداً مع کبر سِنّه.
وكان طويل القامة، كبير اللحية، حسن الشيبة، يتلألأ وجهه نوراً،
متواضعاً، خاشعاً، يرحم الصغير ويُجِلُّ الكبير، ويكثر الصدقة. وكُفَّ في آخر
عمره ثم عولج فأبصر ببعض بصره.
وتوفي في هذه السنة ودفن عند جامع أبي أيوب الأنصاري، رحمه الله تعالى.
· وفيها المولى جلال الدِّين الرُّومي الحنفي الفاضل (٢) خدم المولى
محمد بن الحاج حسن، ثم صار مدرِّساً بمدرسة المولى المذكور بالقسطنطينية، ثم
صار قاضياً بعدة من البلاد، ثم تقاعد بخمسة وثلاثين عثمانياً، وصرف جميع أوقاته
في العلم والعبادة.
وكان محقّقاً مُدقِّقاً، ذا شيبة نيِّرة، بقية من الصالحين.
● وفيها داود بن سليمان القَصيري(٣) الشافعي الفقيه البارع، أخو الشيخ عبده (٤).
(١) أي في جوار جامعه باستانبول.
(٢) ترجمته في ((الشقائق النعمانية)) ص (٢٧٩ - ٢٨٠) و((الكواكب السائرة)) (١٣٣/٢).
(٣) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٤٢/٢).
(٤) في ((آ)) و((ط)) و((الكواكب السائرة)) مصدر المؤلف: ((أخو الشيخ عبدو)) والصواب في كتابة
اللفظة ما أثبته.
٢٨٩

وأخذ الفقه عن جماعة وبَرَعَ فيه(١) .
• وفيها عبد الرزاق التُّرابي المصري (٢) الشيخ الصَّالِح الوَرِعِ الزَّاهد.
أخذ الطريق عن سيدي علي النَّبْتيتي، وسيدي أحمد التّرابي، والشيخ نجا
النّبْتيتي، وكان على قدمٍ عظيمٍ من الزّهد والوَرَع، وأقبل الناس عليه بالاعتقاد بعد
موت شيخه الشيخ نجا، وله رسالة في الطريق، ونظم لطيف.
انتقل من الريف إلى مصر، وأقام بها مدة، ثم انتقل إلى الجيزة(٣) فأقام بها
إلی أن مات.
ومن كراماته أنه طلع مرة إلى الأمير خير بك والي مصر في شفاعة فلم يقبلها
وأغلظ على (٤) الشيخ فخرجت له تلك الليلة جمرة ومات منها بعد سبعة أيام.
• وفيها الشيخ عبيد الدّنجاوي ثم البُلقيني المصري(٥) العارف بالله تعالى،
أحد أصحاب الشيخ محمد الكواكبي (٦) الحلبي.
دخل مصر من قبل الشام في زمن السلطان قايتباي .
وكان يعتقده أشد الاعتقاد، وكانت وظيفته خدمة شیخه المذكور، حتّی کان
في كاهله أثر من حمل الماء وغيره على ظهره، وكان مشغولاً بالخدمة، لا يحضر
مع أصحاب شيخه أورادهم قطّ، فلما حضرت شيخه الوفاة تطاول ذو الهيئات للإذن
فلم يلتفت إلى أحد منهم، وقال: هاتوا عبيد فأذن له بحضرتهم فحسدوه، وكادوا
يقتلونه، فسافر إلى مصر ودخلها مجذوباً عريان ليس عليه سوى سراويل وطرطور،
وكلاهما من جلد، ثم ذهب إلى الصعيد، وأقام بها مدة، ثم سكن بلقين، وعَمَّرَ
(١) لفظة ((فيه)) سقطت من ((آ)).
(٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٦٧/٢ - ١٦٨).
(٣) تحرفت اللفظة في ((آ)) إلى الجزيرة.
(٤) تحرفت اللفظة في ((آ)) إلى ((عليه)).
(٥) ترجمته في ((الكواكب السائرة) (١٨٩/٢ - ١٩٠) و((الطبقات الكبرى)) للشعراني (١٤٦/٢ -
١٤٧).
(٦) تحرفت في ((ط) إلى ((الكوكبي)).
٢٩٠

بها زاوية، وأقبل الناس عليه من سائر الآفاق، ونزل السلطان إلى زيارته، ثم سكن
في(١) مصر في الزاوية الحلاوية عمرها له الغوري، وكان ينزل هو وولده إلى
زيارته، ثم ترك لباس الجلد وصار يلبس الملابس الفاخرة كملابس الملوك، وكان
له سبعة نقباء لقضاء حوائج الناس عند السلطان فمن دونه، وكان لا تردُّ له كلمة ولا
شفاعة، وكان لا يردّ سائلاً قطَّ، ومن سأله درهماً أعطاه ما يساوي خمسين ديناراً أو
ما يقرب منها.
وتوفي في جمادى الأولى .
• وفيها قاضي القضاة نجم الدِّين محمد بن شيخ مشايخ الإِسلام تقي الدِّين
أبي بكر بن عبدالله بن عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن شرف بن قاضي
عجلون(٢) الشافعي الإِمام العَلامة.
ولد بدمشق سابع عشر شوال سنة أربع وسبعين وثمانمائة، واشتغل على
والده، ودرَّس عنه نيابة بمدرسة شيخ الإسلام أبي عمر، وَوَلي خطابة جامع يلبغا،
وفوض إليه قاضي القضاة شهاب الدِّين بن الفُرفور نيابة الحكم يوم الخميس حادي
عشر جمادى الأولى سنة أربع وتسعمائة، ولما رحل(٣) مع أبيه إلى القاهرة - في
حادثة محبّ الدِّين ناظر الجيوش - ولآء الغوري قضاء القضاة بالشام استقلالاً،
وذلك في سنة أربع عشرة، واعتقل بقلعة دمشق في جامعها عشية الخميس تاسع
عشري جمادى الآخرة سنة خمس عشرة، ثم عزل في ثاني [ذي] القعدة منها،
وأُعيد القاضي ولي الدِّين بن الفُرفور.
وتوفي القاضي نجم الدِّين ليلة الثلاثاء عاشر ربيع الثاني ودفن عند والده
بتربة باب الصغير.
• وفيها شمس الدِّين محمد بن علي بن أحمد بن سالم الجُناجي - بجيمين
(١) لفظة ((في)) سقطت من ((آ).
(٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١٦١/٨) و((متعة الأذهان)) الورقة (٧٤/ب) و((الكواكب السائرة))
(٢١/٢).
(٣) كذا في ((b)): ((رحل)) وفي ((ط)): ((رجع)) وفي ((الكواكب السائرة)) مصدر المؤلف: ((دخل)).
٢٩١

الأولى مضمومة، بينهما نون خفيفة، نسبة لجُناج قرية بين البحرارية وسنهور من
الغربية(١) - ثم القاهري الأزهري المَكِّي المالكي، وربما عرف بمكّة بابن وَحشي.
ولد سنة ستين وثمانمائة تقريباً، وحفظ القرآن (٢ العظيم، ونحو النصف
الأول من مختصر الشيخ خليل، ومن ((ألفية النحو)). واشتغل في الفقه ٢) والعربية
على السَّنْهُوري وغيره، وقرأ على الدّيمي ((البخاري)) وسمع على الكمال بن أبي
شريف في ((مسلم)) وعلى الشاوي في ((البخاري)) بحضرة الخيضري. كذا ذكره
السخاوي .
قال وحجّ غير مرة، ولقيني في سنة سبع وتسعين بمكّة، فقرأ عليَّ ((الموطأ))
ونحو النصف من ((الشفا)) بسماع باقيه، ولازمني في غير ذلك سماعاً وتفهماً. انتهى
باختصار.
وتوفي بمكة المُشَرَّفة في ربيع الثاني ودفن بالمَعْلَاة.
· وفيها القاضي رضي الدِّين أبو الفضل محمد بن رضي الدِّين محمد بن
أحمد بن عبدالله بن بدر بن بدري بن عثمان بن جابر بن ثعلب بن ضوي بن
شدَّاد بن عاد بن مفرِّج بن لقيط بن جابر بن وهب بن ضِباب بن جحيش بن
معيص بن عامر بن لؤي بن غالب(٣). كذا ساق نسبه حفيده النجم في ((الكواكب))
وقال: الشيخ الإِمام، شيخ الإسلام، المُحَقِّق المُدَقَّق العمدة العَلَّمة الحجّة
الفَهَّامة الغَزِّي الأصل الدمشقي المولد والمنشأ والوفاة، العَامري القُرشي
الشافعي، جدِّي لأبي .
ولد في صبيحة اليوم العاشر من ذي القعدة سنة اثنتين وستين وثمانمائة،
وتوفي والده شيخ الإِسلام (٤رضي الدِّين أبو البركات، وسنُّه إذ ذاك دون السنتين،
وأسند وصايته إلى شيخ الإِسلام٤) زين الدِّين خطاب بن عمر بن مهنا الغزاوي
(١) وقال ابن الجيعان: جناج قرية من أعمال الغربية في مصر. انظر ((التحفة السنية)) ص (١٧٥).
(٢ - ٢) ما بين الرقمين سقط من ((آ)).
(٣) ترجمته في ((متعة الأذهان)) الورقة (٩٣ /آ -٩٣/ب) و((الكواكب السائرة)) (٣/٢ -٦) و((الأعلام))
(٥٦/٧).
(٤ - ٤) ما بين الرقمين سقط من ((ط)).
٢٩٢

الشافعي شيخ الشافعية بدمشق، فربَّاه أحسن تربية، إلى أن ترعرع، وطلب العلم
بنفسه، مشمِّراً عن ساق الاجتهاد، مؤثراً لطريقة التصوف ومنعزلاً عن الناس في
زاوية جدِّه لَأمّه سيدي الشيخ أحمد الأقباعي بعين اللؤلؤة خارج دمشق، إلى أن
بَرَعَ في علمي الشريعة والحقيقة، ولازم الشيخ خطاب مدة حياته، وتفقّه عليه
وانتفع به ثم تزوج ابنته بالتماس منه، ولزم أيضاً الشيخ محبّ الدِّين محمد
البُصروي، فأخذ عنه الفقه والحديث والأصول والعروض، ثم لزم الشيخ
بُرهان الدِّين الزرعي، وأخذ عنه الحديث وغيره، وولده الشيخ شهاب الدِّين
أحمد، وأخذ عنه المعقولات، والمعاني، والبيان، والعربية، وتفقّه أيضاً بالبدر بن
قاضي شهبة، والشيخ شمس الدِّين محمد بن حامد الصَّفَدي، وغيرهم.
وكان - رحمه الله تعالى - ممن قطع عمره في العلم طلباً وإفادة وجمعاً
وتصنيفاً.
أفتى ودرَّس، وولي القضاء نيابة عن قريبه القطب الخيضري وسِنُّه إذ ذاك
دون العشرين سنة، ثم عن الشِّهاب بن الفُرفور، ثم عن ولده القاضي ولي الدِّين
بعد أن تنزه عن الحكم، ثم ألزم به من قبل السلطان سليم خان، وباشر مدة ولايته
القضاء بعفَّة، ونزاهة، وطهارة يد ولسان، وقيام في الحقِّ، لا يُحابي أحداً، ولا
تأخذه في الله لومة لائم، وهو آخر قضاة العدل.
وممن أخذ عنه ولده شيخ الإِسلام بدر الدِّين، وأبو الحسن البكري،
وأمين الدِّين بن النجَّار المصري، والسيد عبد الرحيم العبّاسي، والبدر العلائي،
وغيرهم .
ومن مؤلفاته ((الدرر اللوامع نظم جمع الجوامع)) في الأصول، و((ألفية في
التصوف)) سمّاها ((الجوهر الفريد في أدب الصوفي والمريد)) و((ألفية)) في اللغة
نظم فيها ((فصيح ثعلب)) و((ألفية)) في علم الهيئة. و((ألفية)) في علم الطب،
و(منظومة)) في علم الخطّ. ونظم رسالة السيد الشريف في علمي المنطق
والجدل، ووضع على نظمه شرحاً نفيساً، وألف ((مختصراً)) في علمي المعاني
٢٩٣

والبيان، سمّاه بـ ((الإِفصاح عن لب الفوائد والتلخيص والمصباح)) (١)، ووضع عليه
شرحاً حافلاً، وشرح ((أرجوزة البارزي)) في المعاني والبيان، و((شرح عقيدة جمع
الجوامع)) و((نظم عقائد الغزالي)) وعقائد لبعض الحنفية، و((نخبة الفكر)) لابن
حجر في علم الحديث، و((قلائد العقيان في مورثات الفقر والنسيان)) للشيخ
إبراهيم النَّاجي، وألَّف كتاب ((الملاحة في علم الفلاحة)) وغير ذلك.
ومن شعره :
إلا ذَوُو جِدّة بالفضل أكْفاء
ما کان پکْرُ علومي قطّ یخطُبها
والجاهلون لأهل العلم أعداء
وَغَضَّ منه ذوو جهل (٢) مُعَانَدَةً(٣)
وتوفي في شوال عن ثلاث وسبعين سنة، ودفن بمقبرة الشيخ رسلان. انتهى
باختصار.
· وفيها شمس الدِّين أبو البركات محمد بن العَلَّمة شمس الدِّين محمد بن
حسن البابي الأصل الحلبي، الشهير كأبيه بابن البيلوني (٤) وبإمام السفاحية.
سمع بقراءة أبيه على الكمال بن الناسخ من أول ((صحيح البخاري)) إلى
تفسير سورة مريم، وسمع على الزين بن الشمَّاع ((الشمائل للترمذي)» وأجازا له،
وقرأ على العلاء الموصلي في ((شرح الألفية)) لابن عقيل، ودرَّس بالحجازية. وكان
له حظوة عند قاضي حلب عبيد الله سبط ابن الفَنّاري، وكان له حركة وسعي في
تحصيل الدنيا، فعرض له شيخه ابن الشَّمَّاع في ذلك، فذكر أنه إنما يطلب الدنيا
للاكتفاء عن الحاجة إلى الناس، والاستعانة على الاشتغال بالعلم، والتوسعة على
المحتاجين في وجوه البرّ.
وتوفي بمنبج وهو دون الأربعين، ودفن وراء ضريح سيدي عقيل المنبجي.
(١) في ((ط)): ((والمفتاح)) وهو خطأ، وانظر ((كشف الظنون)) (١٣٢/١ - ١٣٣).
(٢) لفظة ((جهل)) سقطت من ((آ).
(٣) تحرفت في (ط)) إلى (معازرة)).
(٤) ترجمته في (در الحبب)) (١/٢/ ٣٦٥ - ٣٦٦) و((الكواكب السائرة)) (٨/٢).
٢٩٤

• وفيها شِهَابُ الدِّين محمد الحلبي(١) المصري(٢) الإِمام العالم.
توفي في أوائل هذه السنة.
· وفيها محيي الدِّين محمد، الشهير بابن قوطاس المولى الفاضل الرُّومي
الحنفي (٣).
کان أبوه من بلاد العجم، ودخل الرُّوم، وصار قاضياً ببعض بلادها، واشتغل
ابنه هذا على جماعة، منهم المولى ابن المؤيد، والمولى محمد بن الحاج حسن،
ثم ولي التداريس حتّى درَّس بإسحاقية إسكوب، ثم بمدرسة محمود باشا بالقسطنطينية .
وتوفي وهو مدرِّس بها.
وكان فاضلاً محقِّقاً مجتهداً في العبادة ملازماً تلاوة القرآن طارحاً للتكلّف،
رحمه الله تعالى.
· وفيها شمس الدِّين محمد الحِصني السيد الحسيب النُّسيب، قريب شيخ
الإِسلام تقي الدِّين الحصني (٤).
رحل إلى القاهرة وأقام بها مدة، وتوفي بها.
وكان إماماً عَلَّمة، صالحاً، رحمه الله تعالى .
● وفيها محمود بن مصطفى بن موسى بن طليان القُصيري الأصل الحلبي
المولد الحنفي المشهور بابن طليان (٥).
ولي خطابة الجامع الكبير بحلب في أوائل الدولة العثمانية، وكان فقيهاً جيداً
يصدع بالحقّ ولا يخاف في الله لومة لائم، لكن كان عنده حدّة، وحجَّ في آخر
عمره .
(١) تحرفت اللفظة في (ط)) إلى ((الحليبي)).
(٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٦٨/٢).
(٣) ترجمته في ((الشقائق النعمانية)) ص (٢٧٨ - ٢٧٩).
(٤) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٦٨/٢).
(٥) ترجمته في ((در الحبب)) (١/٢/ ٤٤٣ - ٤٤٤) و((الكواكب السائرة)) (٢٤٨/٢) و((إعلام النبلاء))
(٤٣٨/٥) وفي بعض المصادر: ((ابن طيلان)).
٢٩٥

وتوفي في شهر رمضان .
• وفيها المولى مصلح الدِّين مصطفى بن خليل(١) والد صاحب ((الشقائق
النعمانية)).
ولد ببلدة طاش كبري سنة خمس وخمسين وثمانمائة، وهي السنة التي
فتحت فيها قسطنطينية، وقرأ على والده، ثم على خاله المولى التكشاري، ثم على
المولى درويش بن المولى خضر شاه المدرّس بسلطانية بروسا، ثم على المولى
بهاء الدِّين المدرِّس بإحدى الثمانية، ثم على المولى ابن مغنيسا(٢)، ثم على
المولى قاضي زاده، ثم على المولى علاء الدِّين العربي، ثم على المولى خواجه
زاده، ثم درَّس بالأسدية ببروسا، ثم بالمدرسة البيضاء بأنقرة، ثم بالسيفية بها، ثم
بإسحاقية إسكوب، ثم بحلبية أدرنة، ثم صار معلِّماً للسلطان سليم خان، ثم
أعطي تدريس السلطانية ببروسا، ثم إحدى الثمانية، ثم صار قاضياً بحلب، ثم
استعفى من القضاء، وعرض وصية والده له في ذلك على السلطان.
وكان عالماً، زاهداً، عابداً متأدباً، مشتغلاً بنفسه، معرضاً عن الدنيا، وله
رسائل وحواش على نبذ من ((شرح المفتاح)) ورسالة في الفرائض، وغير ذلك،
رحمه الله تعالى.
(١) ترجمته في (الشقائق النعمانية)) ص (٢٣١ - ٢٣٣) و ((الكواكب السائرة)) (٢٥١/٢).
(٢) تحرفت في ((آ) إلى (ابن مغيث)) وفي ((ط)) إلى ((ابن مغيسا)) والتصحيح من مصدري الترجمة.
٢٩٦

سنة ست وثلاثين وتسعمائة
• فيها توفي بُرهان الدِّين إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن يوسف بن
خليل اليمني الزَّبيدي ثم الحَسَوي المالكي (١) الإِمامِ العَلامة.
قال في ((الكواكب)): لازم شيخ الإسلام الوالد سنين، وقرأ عليه في الفقه
على مذهب الشافعي، وفي ((ألفية ابن مالك)) وقرأ عليه ((شرحه المنظوم على
الألفية)). انتهى
· وفيها بُرهان الدِّين إبراهيم بن الشيخ شِهَاب الدِّين أحمد بن حمزة
الدمشقي (٢) الشافعي الإِمام العَلامة.
قال الشيخ يونس العيثاوي: كان رفيقنا في الاشتغال، ووالده من أهل العلم
الكبار، وكان هو شاباً، مهيباً، له يد طولى في المعقولات، دَأَبَ وحَصَّل، وجمع
بين طرفي ((المنهاج)) على شيخنا البلاطنسي، ورافقنا على السيد كمال الدِّين بن
حمزة مع الأجلّة الأكابر، وله أبحاث عالية، وهِمَّة سامية، طارح للتكلّف.
سكن المدرسة التقوية ومات بها ليلة الثلاثاء سابع ربيع الأول، ودفن بباب
الفراديس. انتهى
• وفيها تقي الدِّين أبو بكر بن محمد بن محمد بن عبدالله بن أبي بكر بن
أبي بكر البلاطنسي (٣) الشافعي الحافظ، شيخ مشايخ الإِسلام، العَلَّمة المُحَقِّق،
الناقد المجتهد .
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٧٥/٢).
(٢) ترجمته في ((متعة الأذهان)) الورقة (٢٥/ب) و((الكواكب السائرة)) (٧٨/٢).
(٣) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٨٧/٢ - ٨٩) و((الأعلام)) (١١/٥).
٢٩٧

ولد يوم الجمعة عاشر رجب سنة إحدى وخمسين وثمانمائة، وأخذ العلم عن
والده، وعن الزَّين خطّاب، والبدر ابن قاضي شهبة، وشيخي الإِسلام النَّجمي
والتّقوي ابني قاضي عجلون، والجمال بن الباعوني، والعلاء الأيجي، والبرهان
النَّاجي، والشهاب الأذرعي، وغيرهم.
قال الشيخ يونس العيثاوي - وهو تلميذه -: هو من بيت صلاحٍ وعلمٍ ، سمعت
مدحه بذلك من السيد كمال الدِّين بن حمزة، ودخل دمشق في طلب العلم، وأخذ
عن علمائها المشار إليهم، ثم استوطنها، ولم يتناول من أوقافها شيئاً. وكان يجلس
في البادرائية. وأرسل إليه بأموال ووظائف فلم يقبل.
وكان عالماً، عاملاً، ورعاً، كاملاً، له مهابة في قلوب الفقهاء والحُكّام،
يرجع إليه في المشكلات، لا يتردد إلى أحد لغناه، وله همّة مع الطلبة، ونصيحة
واعتناء بالعلم، أماراً (١) بالمعروف، نهاء عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم،
لا يُداهن في الحقِّ، له حالة مع الله تعالى، يستغاث بدعائه (٢)، ويُتبرك بلحظه،
قائماً بنصرة الشريعة، حاملًا لواء الإِسلام، مُجِدّاً في العبادة، مجانباً للرِّياء، لا
يحب أن يمدحه أحد، يختم القرآن في كل يوم جمعة، ويختم في شهر رمضان كل
ليلة ختمتين (٣)، وأكبَّ في أخرة على التِّلاوة.
وله شعر متوسط، منه قصيدة نونية مدح فيها السلطان سليمان، وتعرَّض فيها
(١) تحرفت اللفظة في ((ط)) إلى ((آمراً)).
(٢) قلت: الذي عليه العلماء المُحَقّقُون أن الاستغاثة لا تحتاج إلى وساطة بين العبد المسلم وربِّه
امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عَنّي فإني قريبٌ، أجيب دعوةَ الدَّاعِ إذا دَعَانٍ﴾
[البقرة: ١٨٦].
(٣) أقول: ما جاء مثل هذا عن بعض العلماء أو عن بعض السّلف أنه يختم ختمة أو ختمتين في ليلة
واحدة، فمحمول على أنه لم يصلهم عن رسول الله و 98 خبر عن ذلك وأنه # نهى أن يقرأ الإنسان
القرآن في أقل من ثلاثة أيام، لأنه يعتبر هذرمة، ولا يمكن أن يعي منه شيئاً.
روى الترمذي في «سننه)) رقم (٢٩٥٠) وأبو داود رقم (١٣٩٠) وابن ماجه رقم (١٣٤٧) والدارمي
(١٤٩٣) وأحمد (١٦٤/٢) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال
رسول الله ◌َ: ((لم يَفْقَه مَنْ قرأ القرآن في أقلِ من ثلاثٍ)) وهو حديث صحيح (ع).
٢٩٨

لما حصل في زمنه من الفتوحات، كَرُوْدُس(١) وغيرها.
وتوفي ليلة الاثنين ثاني المحرم، ودُفن بباب الصغير جوار بلديه شيخ
الإِسلام شمس الدِّين البلاطنسي، وقبرهما في آخر التربة من جهة الشمال.
● وفيها أحمد بن منلا شيخ، المعروف بخُجا كمال العجمي اللالائي (٢) .
نسبة إلى لالا قرية من أعمال تبريز(٣) - الشافعي.
قال في ((الكواكب)): كان له فضيلة ومشاركة، وهو أول من ولي نظارة النُّظَّار
بدمشق. وتولى الجامع الأموي، والتكية السليمية، والبيمارستان، إلى جانبها.
أخذ عن شيخي الإِسلام الجدّ والوالد، وعن غيرهما، وربما انتقد عليه
بعض الناس أموراً، ولكن لو لم يكن له من المَكْرُمة إلّ مصاهرة شيخ الإِسلام
الجدّ له، كما صاهر القاضي برهان الدِّين الأخنائي، والقاضي أمين الدِّين بن عُبَادة
لكفاه توثيقاً وتعديلاً.
قال: ثم إن والد شيخنا أثنى على صاحب الترجمة لما أن حرق سوق باب
البريد واحترق أبواب الجامع معه. قال: وكان المتكلم عليه الخجا العجمي من
قبل حزم باشا، وأحسن النظر فيه وعَمَّرَ ما احترق من مال الوقف الذي كان مرصداً
عنده، والحال أنه سُرقَ له مال من منزله، وتحدَّث الناس أنه يدَّعي سرقة المال
المرصد، ولو ادعاه لصدقوه، لكنه قال: مال الجامع محفوظ لم يُسرق، فازداد
الناس في مدحه وذكر عِفَّته. قال: وكان كذلك، فإنه لم يقطع على المستحقين
شيئاً بل هو الذي رتّب القراء تحت القبَّة واستمر.
(١) رودوس - بضم الراء المهملة، ثم واو ساكنة، ودال مهملة، ويقال معجمة مكسورة، ثم سين
مهملة - جزيرة في البحر الأبيض المتوسط على مقربة من الجنوب الغربي لتركيا المعاصرة. انظر
(تقويم البلدان)) لأبي الفداء ص (١٩٤) و((أطلس العالم)) للأستاذ شارل جورج بدران (الخريطة
رقم ٤٢ المربع رقم ٩).
(٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٠٨/٢ - ١٠٩).
(٣) كذا قيدها المؤلف - رحمه الله تعالى - نقلًا عن ((الكواكب السائرة)) ولم أجد ذكراً لها في كتب
البلدان التي بين يدي.
٢٩٩

وتوفي ليلة الخميس تاسع عشري ربيع الآخر، ودفن بباب الصغير. انتهى
ملخصاً.
· وفيها شِهَابُ الدِّين أحمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن
عمر بن عبدالله بن أبي بكر الفاكهي الأصل المصري المَكِّي الشافعي(١) ابن أخت
السِّرَاجِ الْبُلقيني .
قال في ((النور)): ولد في شعبان سنة ثمان وستين وثمانمائة بمكة، ونشأ بها،
فحفظ القرآن و((أربعين النواوي)) و((إرشاد ابن المقري))(٢) و((ألفية ابن مالك))
وعرض على البرهان بن ظهيرة، والمُحبّ الطّبري، والعَلَمي، وعمر بن فهد في
آخرین.
قال السخاوي: سمع مني بمكة والمدينة أشياء، بل قرأ عليَّ بالقاهرة في
((سنن أبي داود)) وتكرِّر قدومه لها، وهو حاذقٌ فطنً منوّرٌ.
وقال جار الله بن فهد: واستمر على حاله في التردد، والحذق، وكثرة دخول
القاهرة، ومخالطة الأكابر، مع الحرص على تحصيل الوظائف، وتزوجٍ واحدة بعد
واحدة، ورُزق جملة أولاد، أنجبهم عبدالله بن حبيشة، وله غيره من مكَّيَّة ومدنيّة،
وحصل الأملاك وعمرها، ثم ضَعف في آخر عمره، وطلع له فتق في بدنه، وانقطع
في بيته نحو جمعة بالإسهال، ثم مات بمكة يوم الجمعة تاسع عشر المحرم بعد
وصية، وحصل له بالإسهال الشهادة ووقي فتنة القبر بموته يوم الجمعة، ودفن على
قبر أبيه وجدّه جوار الفضيل بن عياض.
● وفيها المولى شمس الدِّين أحمد بن يوسف القُسطنطيني(٣) المولد
الحنفي، المعروف بابن الجصَّاص.
اشتغل، ثم خدم المولى ابن المؤيد، ثم درَّس وترى في المدارس، حتى
(١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٣٤/٢) و((النور السافر)) ص (٢٠٠ - ٢٠١).
(٢) وهو ((الإِرشاد في فروع الشافعية)) للإِمام شرف الدِّين إسماعيل بن أبي بكر بن المقري اليمني
الشافعي، المتوفى سنة (٨٣٦ هـ). انظر ((كشف الظنون)) (٦٩/١ - ٧٠).
(٣) ترجمته في ((الشقائق النعمانية)) ص (٢٧٦) و((الكواكب السائرة)) (١١٦/٢).
٣٠٠