النص المفهرس

صفحات 201-220

والغزالي ومكيدتهما ما ظفر بطومان باي، ثم لما ظفر به أراد أن يكرمه ويجعله نائباً
عنه بمصر فعارضه خير بك وخاف عاقبة فعله، وقال لسليم: إنك إن فعلت ذلك
استولى على السلطنة ثانیاً، وحَسَّن له قتله، فقتله وصلبه بباب زويلة، ودفنه كما
أسلفنا، ونزل السلطان سليم بالمقياس مدة إقامته بمصر بعداً عن روائح القتلى،
وحذراً من المكيدة، إلى أن مهدها، ثم ولّى خير بك أمير الأمراء على مصر، وولّى
الغزالي على الشام، وولّى بمصر القضاة الأربع، وهم قاضي القضاة كمال الدِّين
الشافعي، وقاضي القضاة نور الدِّين علي بن ياسين الطرابلسي الحنفي، وقاضي
القضاة الدَّميري المالكي، وقاضي القضاة شهاب الدِّين أحمد بن النجّار الحنبلي،
واستولى على الأرض الحجازية وغيرها، ورتَّب الرواتب، وأبقى الأوقاف على
حالَها، ورتّب لأهل الحرمين في كل سنة سبعة آلاف أردّب حبّ، ثم عاد إلى
القسطنطينية (١) وقد أصرف غالب خزائنه، فأخّر السفر عن بلاد العجم ليجمع ما
يستعين به على القتال، فظهر له في ظهره جمرة منعته الراحة، وحرمته الاستراحة،
وعجزت في علاجه حُذَّاق الأطباء، وتحيَّرت في أمره عقول الألباء، ولا زالت به
حتَّى حالت بينه وبين الأمنية، وخلّت بينه وبين المنية، فتوفي - رحمه الله تعالى -
في رمضان أو شوال بعد علّة نحو أربعين يوماً.
وذكر العلائي في ((تاريخه)) أنه خرج من القسطنطينية إلى جهة أدرنة وقد
خرجت له تلك الجمرة تحت إبطه وأضلاعه، فلم يفطن بها حتى وصل إلى المكان
الذي بارز فيه أباه السلطان بايزيد (٢) حين نازعه في السلطنة، فطلب له الجرايحية
والأطباء فلم يدركوه إلا وقد تآكلت ووصلت إلى الأمعاء، فلم يستطيعوا دفعاً عنه
ولا نفعاً، ومات بها، ودفن بأدرنة عند قبر أبيه. انتهى
● وفيها - تقريباً - عبد الله بن إبراهيم الفاضل العلامة الشهير بابن الشّيشري
الحنفي (٣).
(١) في ((ط)): ((ثم عاد القسطنطينية)).
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((أبا يزيد)).
(٣) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢١٧/١).
٢٠١

قال في ((الكواكب)): قرأ على علماء العجم، وبَرَعَ هناك في العربية
والمعقولات، ثم دخل بلاد الرُّوم، وعيّن له السلطان سليم كل يوم ثلاثين عثمانياً،
وعمل قصيدة بالفارسية نحو ثلاثين بيتاً أحد مصراعي كل بيت تاريخ لسلطنة
السلطان سليمان، والمصراع الثاني من كل بيت تاريخ فتح رودس.
وله ((حواش على حاشية شرح المطالع)) للسيد الشريف، و((شرح على
الكافية)) و((رسالة في المُعَمَّى)) فارسية. انتهى
• وفيها - تقريباً - أيضاً جمال الدِّين عبد الله بن أحمد الشنشوري المصري
الشافعي(١) الإِمام العَلَّمة.
له ((شرح التدريب)) للسِّراج البُلقيني، رحمهما الله تعالى.
• وفيها جمال الدِّين عبدالله بن عبدالله بن رسلان البُوَيضي - من قرية
البويضة من أعمال دمشق - ثم الدمشقي الشافعي(٢) الشيخ الإِمام العَلَّامة.
ولد سنة إحدى وخمسين وثمانمائة، وكان رفيقاً للشيخ تقي الدِّين البلاطنسي
على مشايخه، وأخذ عنه الشيخ موسى الكناوي ((صحيح البخاري)) وغيره.
توفي بالبيمارستان النوري يوم الخميس سادس أو سابع ذي القعدة وصَلّى
عليه إماماً رفيقه البلاطنسي، ودفن بمقبرة باب الصغير جوار الشيخ نصر المقدسي
بصفة الشهداء.
· وفيها قاضي القُضاة بدر الدِّين أبو البقاء محمد بن محمد بن عبد الله بن
الفُرْفُور الدمشقي الحنفي (٣).
قال في ((الكواكب)): اشتغل يسيراً في الفقه على البرهان بن عون، ثم ولي
كتابة السرِّ عوضاً عن أمين الدِّينِ الحُسْبَاني، ثم استنزل له عمه قاضي القضاة
شهاب الدِّين بن الفُرَفُور قاضي القُضاة محبّ الدِّين القصيف عن نظر القصاعية
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢١٧/١).
(٢) ترجمته في ((متعة الأذهان)) الورقة (٥٥/ب) و((الكواكب السائرة)) (٢١٧/١ - ٢١٨).
(٣) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٣/١) و((الدارس في تاريخ المدارس)) (٥٦٥/١).
٢٠٢

وتدريسها، وأسمعه الحديث على جماعة من الدمشقيين، ثم ولي قضاء قضاة
الحنفية بالشام مراراً عزل من (١) آخرها في شوال سنة ثلاث عشرة وتسعمائة . انتهى.
· وفيها المولى زين الدِّين وقيل زين العابدين محمد بن محمد الفناري
الرُّومي الحنفي (٢) العالم الفاضل، أول قضاة القضاة بدمشق من الدولة العثمانية.
قرأ على علماء عصره، منهم المولى الفاضل علاء الدِّين الفَنَاري، ثم وصل
إلى خدمة المولى ابن المعرف معلّم السلطان بايزيد، ثم تنقلت به الأحوال إلى أن
صار قاضياً بدمشق، ثم بحلب.
قال في ((الشقائق)): كان عالماً، فاضلاً، ذكياً، صاحب طبع وقّاد، وذهن
نَقَّاد، قوي الجنان، طلق اللسان، صاحب مروءة وفتوة، محباً للفقراء والمساكين،
يبرّهم ويرعى جانبهم. وكان في قضائه مرضي السيرة، محمود الطريقة. انتهى.
وذكر ابن طولون أن سيرته بدمشق كانت أحسن منها بحلب، وتوفي وهو
قاض بحلب في أول ربيع الأول.
• وفيها قاضي القضاة صَلاح الدِّين محمد بنِ أبي السعود بن إبراهيم
الشيخ الإمام قاضي قضاة مكَّة المُشَرّفة ابن ظَهِيَرة المَكِّي الشافعي(٣).
جرت له محنة في أيام الجراكسة، وهي أن السلطان الغوري حبسه بمصر
من غير جرم ولا ذنب، بل للطمع في مال يأخذه منه على عادته، ولما خرج
بعساكره من مصر لقتال السلطان سليم بن عثمان أطلق كُلّ من في حبسه من أرباب
الجرائم وغيرهم، ولم يطلق صاحب الترجمة، فلما قتل الغوري أطلقه
طومان باي، ثم لما وصل السلطان سليم إلى مصر جاء إليه القاضي صلاح الدِّين،
فأكرمه، وعظّمه، وخلع عليه، وجهّزه إلى مكة معزوزاً مكرَّماً، مع الإِحسان إليه،
وجعله نائبه في تفرقة الصدقات السَّليمية في تلك السنة، وخطب عامئذ في
الموقف الشريف خطبة عَرَفَة، وبقي بمكة إلى أن توفي بها في أواخر هذه السنة.
(١) في ((ط)): ((عزل عن)) وما جاء في ((آ)) موافق لما في ((الكواكب السائرة)) مصدر المؤلف.
(٢) ترجمته في ((الشقائق النعمانية)) ص (٢٣٨ - ٢٣٩).
(٣) ترجمته في ((متعة الأذهان)) الورقة (٧٣/ب).
٢٠٣

• وفيها نَبْهَان بن عبد الهادي الصَّفُوري (١الشافعي(٢)، العالم الفاضل،
العارف بالله تعالى (١).
قال في ((الكواكب)): ذكره شيخ الإِسلام الوالد في ((معجم تلامذته)) قال:
وكان من عباد الله الصالحين، سريع الدّمعة، خاشع القلب، ساكن الحواس، قرأ
على الوالد ((ألفيته)) في التصوف كاملة، وحضر دروسي كثيراً، واستجازني فأجزته.
انتھی .
(١ -١) ما بين الرقمين سقط من ((آ).
(٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٣١٠/١ - ٣١١).
٢٠٤

سنة سبع وعشرين وتسعمائة
• فيها توفي بُرهان الدِّين إبراهيم بن أبي الوفاء بن أبي بكر بن أبي الوفاء
الأرمَنَازي ثم الحلبي الشافعي (١)، الشيخ الصّالح المعمّر.
كان من حُفّاظ كتاب الله تعالى، وكان إماماً للسلطان الغوري حين كان
حاجب الحُجَّاب بحلب، فلما تسلطن توجه الشيخ إبراهيم إليه إلى القاهرة وحَجّ
منها في سنة ست وتسعمائة، ثم عاد إليها واجتمع به فأحسن إليه، وأمره بالإقامة
لإقراء ولده فاعتذر إليه فقبل عذره، ورتّب له ولأولاده من الخزينة في كل سنة
ثلاثين ديناراً، ثم عاد إلى حلب.
قال ابن الحنبلي: واتفق له أنه قرأ في طريق الحاج ذهاباً وإياباً وفي إقامته
بمصر قدر شهرين ما يزيد على ثلثمائة وخمسين ختمة، قيل: وكان راتبه في الإِقامة
مع قضاء مصالحه في اليوم والليلة ختمة وبدونه ختمة ونصفاً، وكان يمشي في
الأسواق فلا يفتر عن التِّلَاوة.
وتوفي بحلب، رحمه الله تعالى .
● وفيها تقي الدِّين أبو بكر الظَّاهري المصري(٢) نزيل دمشق، الشيخ
الفاضل العالم .
توفي بدمشق في مستهل شهر (٣) رمضان.
(١) ترجمته في ((در الحبب)) (٣٩/١/١ -٤٠)، و((الكواكب السائرة)) (١٠٦/١).
(٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٢٠/١).
(٣) لفظة ((شهر)) سقطت من ((ط)).
٢٠٥

• وفيها المولى أحمد باشا بن خضر بك بن جلال الدِّينِ الرُّومي
الحنفي (١).
قال في ((الكواكب)): كان عالماً متواضعاً للفقراء، ولما بنى السلطان
محمد خان المدارس الثمانية أعطاه واحدة منها، وسِنّهُ يومئذ دون العشرين، ثم
تنقل في المناصب حتى صار مفتياً بمدينة بروسا في سلطنة السلطان بايزيد، وأقام
بهامدة متطاولة، وله مدرسة هناك بقرب الجامع الكبير منسوبة إليه. وله كتب موقوفة
على المدرسة. وتوفي في هذه السنة.
قال في ((الشقائق)): وقد جاوز التسعين.
· وفيها شِهَابُ الدِّين أحمد بن القاضي علاء الدِّين علي بن البهاء بن
عبد الحميد بن إبراهيم البغدادي ثم الدمشقي الصَّالحي الحنبلي(٢) الإِمام العَلّمة.
ولد ليلة الاثنين عاشر ربيع الأول سنة سبعين وثمانمائة، وأخذ العلم عن أبيه
وغيره، وانتهت إليه رئاسة مذهبه، وقصد بالفتاوى، وانتفع الناس به فيها وفي
الإِشغال، وتعاطى الشهادة على وجه إتقان لم يسبق إليه، وفوض إليه نيابة القضاء
في الدولة العثمانية زين العابدين الفناري، ثم ترك ذلك، وأقبل على العلم
والعبادة. ومن تلاميذه البدر الغَزِّي، وللبدر عليه ((مشيخة)) أيضاً، وهو الذي أشار عليه
بالكتابة على الفتوى بمحضر من والده الشيخ رضي الدِّين، وكان يمنعه أولاً من
الكتابة في حياة شيوخه فاستأذنه له فيها.
وتوفي صاحب الترجمة بدمشق بكرة نهار الجمعة حادي عشري رجب،ودفن
بتربة باب الفراديس.
· وفيها شِهَاب الدِّين أحمد، المعروف بابن نابتة المِصْري الحنفي(٣).
(١) ترجمته في ((الشقائق النعمانية)) ص (١٠٩) و((الكواكب السائرة)) (١٣٤/١) و((الطبقات السُّنية))
(٣٤٤/١ - ٣٤٥) و((الفوائد البهية)) ص (٢٦).
(٢) ترجمته في ((متعة الأذهان)) الورقة (٩/ب) و((الكواكب السائرة)) (١٤٠/١) و((النعت الأكمل)) ص
(١٠٠ - ١٠١).
(٣) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٥٤/١).
٢٠٦

حضر في الفقه على العَلَّامة الشمس قاسم بن قطلوبغا، والجلال
الطرابلسي، والقراءات عن الشمس الحمصاني، وكان متزهداً، متقللاً، وأقبلت
عليه الطلبة، واشتغل الناس عليه، وأصيب بالفالج أشهراً، ثم توفي ليلة الأربعاء
حادي عشر ربيع الثاني وهو في أواخر الثمانين، ودفن بتربة الجلال السيوطي.
• وفيها شِهَابُ الدِّين أحمد المنوفي(١) الشيخ الفاضل المُحَصِّل المعتقد
الشافعي متولي الظَّاهرية القديمة بمصر.
ولي قضاء بلده منوف العُليا، فباشر القضاء بعضّة ونزاهة، وطرد البغايا من
تلك الناحية، وأزال المنكرات، واستخلص الحقوق، بحيث كانت تأتيه الخصوم
من بلاد بعيدة أفواجاً، وتستخلص بهمته وعدله حقوقاً كانت قد ماتت.
قال العلائي: وقد أوقفني على عدة ((مختصرات)) له في الفقه، والفرائض،
والحساب، والعربية، حوت مع الاختصار فوائد وفرائد خلت منها كثير من
المختصرات والمطوّلات .
وتوفي في مستهل شوال.
• وفيها صدر الدِّين إدريس المارديني القاهري(٢)، الإِمام العالم المؤرِّخ
المنشىء.
توفي بالقاهرة في هذه السنة .
• وفيها جَان بردي بن عبدالله الجَرْكَسي، الشهير بالغزالي(٣)، السَّخيف
الرأي .
كان في الدولة الجركسية كافل حماة، ثم دمشق، ثم خامر على الغوري كما
تقدم، ووعده السلطان سليم بنيابة (٤) دمشق، ومع هذا فإنه لما فرَّ من ميسرة
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١/ ١٥٤).
(٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٦٠/١).
(٣) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٦٨/٣ - ١٧١).
(٤) في ((آ): ((نيابة)).
٢٠٧

الغُوري بمرج دابق مخامرة، رجع إلى مصر ولحق بطومان باي، وأعانه على
السلطان سليم، ولما افتتح السلطان سليم مصر ثبت على ميثاقه ووعده، وولاه نيابة
الشام، وخرج في ركابه من مصر إلى دمشق، ثم خرج في وداعه، ثم عاد إلى
دمشق، وقد ولّى السلطان سليم قاضي القضاة ابن الفُرْفُور بعد أن تحنَّف، وكان
شافعياً، وأبطل القضاة الأربعة إلّ ابن فُرْفُور، فكان قاضياً. وكان الغزالي نائباً فأعاد
الشهود إلى مراكزهم على عادتهم في الدولة الجركسية، ووقع بينه وبين ابن فُرْفُور
بهذا السَّبب، غير أن الغزالي نشر العدل في دمشق وأعمالها، وأبطل ما كان حدث
بها من اليسق(١)، ومنع البوًّابين أن يأخذوا شيئاً من الداخلين إلى المدينة، وجرَّد
السيف على كل من تعرَّض من الأروام لامرأة أو صبيٍّ. وكتبٍ بذلك إلى السلطان
سليم، وأخبره بأن دمشق غير معتادة لشيء من هذه المناكير، فأجيب بأنَّا قلدناك أمر
الرَّعية فافعل ما هو الشرع، وعرض بالقضاء لقاضي القضاة شرف الدِّين بن مُفلح
بدلاً عن ابن فُرْفُور، فأجيب إلى ذلك، فباشر الغزالي النيابة، وابن مُفلح القضاء
بسيرة حسنة إلى سنة ست وعشرين، فكان الغزالي ببيروت وجاءه الخبر بموت
السلطان سليم، فركب من ساعته إلى دمشق وحاصر قلعتها، ثم سلّمها إليه أهلها،
ونفي نائبها إلى بيت المقدس، وجعل نيابتها للأمير إسماعيل بن الأكرم، وأمر
الخطباء أن ينوهوا بسلطنته ويدعوا له بها(٢) على المنابر، وفرح بذلك جَهَلَّةُ العوام
دون عقلاء الناس، ثم توجّه إلى طرابلس، وحمص، وحماة، وحلب، وحاصر
قِلاعها، ولم يظفر بطائلٍ ، لكنه قبض على كافل حمص وقتله، ثم دخل حماة
- وقد فرَّ كافلها وقاضيها إلى حلب - فأخذ من كان معه في النّهب، وقتل من كان له
غرض في قتله، وكان فرَّ ابن فُرفُور أيضاً إلى حلب خوفاً من معرته، ولما بلغ
السلطان سليمان خبره جهّز إليه جيشاً، فصار الغزالي يُحَصِّنُ قلعة دمشق وما
حولها، ونصب بها منجنيقاً ليرمي به المحاصرين، وصار يركب من دار السعادة إلى
القلعة، ومن القلعة إلى دار السعادة، وضاقت عليه الأرض، وهمَّ بالهرب، فثبت
(١) اليسق: كلمة تركية تعني (الممنوع).
(٢) لفظة ((بها)) سقطت من (ط)).
٢٠٨

جأشه جهلة عساكره الذين جمعهم من القرى، وقالوا: نحن فينا كفاية.
قال الحمصي: وفي يوم الجمعة الثالث والعشرين من شهر صفر أمر جان
بردي الغزالي أن يخطبوا له بالسلطنة ويلقُّبوه بالأشرف، وصلى بالجامع الأموي في
المقصورة، وخُطِبَ له بالأشرف، ووقف على المقصورة بساط في اليوم المذكور.
قال: وفي يوم السبت جمع مشايخ الحارات بالجامع الأموي وحلَّفهم أن لا
يخونوه، وأن يكونوا معه على كلمة واحدة، ثم خرج يوم الثلاثاء سابع عشريه هو
والعساكر وأهل الحارات إلى مسطبة السلطان بالقابون، ووصل العسكر العثماني
إلى القصير، وعدَّته اثنان وستون ألفاً باشهم الوزير الثالث فرحات، وصحبته نائب
حلب قراجا باشا، والأمير شاه سوار، وقاضي القضاة ولي الدِّين بن فُرِفُور، وقد
أعيد إلى القضاء على عادته. وكان صحبة الغزالي الأمير يونس بن القواس بعشيره
والأمير عمر بن العزقي بعشيره، فالتقى العسكران بين دوما، وعيون فاسريا،
والقصير، ففرِّ ابن القواس بعشيره، وثبت الغزالي وقليل ممن معه، فقتلوا وقتل معه
عمر بن العزقي، واستأصل جميع عسكره الأسافل، وذكروا أن عدة القتلى كانت
سبعة آلاف، ثم دخل العسكر العثماني دمشق، فرأوا الأبواب مفتحة، وسلَّمهم ابن
الأكرم مفاتيح القلعة، ولو قصدوا قتل العوام لفعلوا، وكان ذلك يوم الثلاثاء سابع
عشري صفر.
● وفيها بدر الدِّين حسن بن عيسى بن محمد الفلوجي البغدادي الأصل،
العالم الحنفي (١).
قال في ((الكواكب)): اشتغل قليلاً على الزَّيني ابن العَيني، واعتنى
بالشهادة، ثم تركها، وحَصَّل دنيا واسعة، وحجَّ سنة عشرين، وجاور، وولي نظر
الماردانية والمرشدية، ونزل له أخوه شمس الدِّين عن تدريسها وعدة مدارس، ولم
يكن فيه أهليّة، فتفرقها الناس، مع أنه كان كثير الشرِّ كما قال ابن طولون.
ومات يوم الثلاثاء تاسع عشر صفر، ودفن يوم الأربعاء بالسفح.
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٨١/١ - ١٨٢) و((متعة الأذهان)) الورقة (٣٦/ب).
٢٠٩

● وفيها سيدي ابن محمود، المولى العالم الصالح الرَّومي الحنفي، الشهير
بابن المجلِّد (١).
كان أصله من ولاية قوجه إيلي، واشتغل بالعلم، وحَصَّل، وصار مدرّساً
بمدرسة عيسى بيك ببروسا، ثم رغب في التصوف، وعين له كل يوم خمسة عشر
درهماً بالتقاعد، ثم صحب الشيخ العارف بالله تعالى السيد البخاري.
وكان فاضلاً، مدقّقاً، حسن الخطّ، صالحاً، ديِّناً، يخدم بيته بنفسه،
ويشتري حوائجه ويحملها من السوق بنفسه، ملازماً للمسجد، منعزلاً عن الناس.
وتوفي في حدود هذه السنة تقريباً.
· وفيها القاضي محبّ الدِّين عبد الرحمن بن إبراهيم الشيخ العابد الدَّيِّن
الصَّالح الدسوقي (٢) .
ولد في ذي الحجة سنة ثمان وستين وثمانمائة، وكان ناظر الأيتام بدمشق،
وفوض إليه نيابة القضاء في سنة ست عشرة وتسعمائة.
وتوفي ليلة السبت سابع ربيع الآخر فجأة، ودفن بمقبرة باب الصغير عند
والده .
· وفيها محيي الدِّين أبو المفاخر عبد القادر بن محمد بن عمر بن
محمد بن يوسف بن عبدالله بن نُعَيم - بضم النون - النُّعَيمي (٣ الدمشقي ٣)
الشافعي (٤) الشيخ العَلَّامة الرِّحلة، مؤرخ دمشق، وأحد مُحَدِّثيها.
ولد يوم الجمعة ثاني عشر شوال سنة خمس وأربعين وثمانمائة، ولازم الشيخ
إبراهيم النَّاجي، والعَلامة زين الدِّين عبد الرحمن بن خليل، وزين الدِّين خطاب
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢١٣/١).
(٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٢٦/١) و((متعة الأذهان)) الورقة (٤٥/آ).
(٣ -٣) ما بين الرقمين سقط من ((آ)).
(٤) ترجمته في ((مفاكهة الخلان)) (١٠/١) و((متعة الأذهان)) الورقة (٥٣/آ) و((الكواكب السائرة))
(٢٥٠/١) و((الأعلام)» (٤٣/٤). و((معجم المؤلفين)) (٣٠١/٥).
٢١٠

الغزاوي، وزين الدِّين مُفْلِح بن عبد الله الحبشي المصري ثم الدمشقي، ولبس منه
خرقة التصوف، وأخذ عن البدر بن قاضي شهبة، والشُّهَاب بن قرا. وقرأ على
البُرهان البقاعي مصنَّفه المسمى بـ ((الأيذان))، وأجاز له به، وبما يجوز(١) له وعنه
روايته، وشيوخه كثيرة، ذكرهم في تواريخه.
وألّف كُتباً كثيرة، منها ((الدارس في تواريخ المدارس)) (٢). ومنها ((تذكرة
الإِخوان في حوادث الزمان)) و((التبيين في تراجم العلماء والصالحين)) و((العنوان
في ضبط مواليد ووفيات أهل الزمان)) و((القول البين(٣) المُحكم في إهداء القُرب
للنّبِّ وَ﴿)) و((تحفة البَرَرَة في الأحاديث المعتبرة)) و((إفادة النّقل في الكلام على
العقل)) وغير ذلك.
وتوفي - كما قال ولده المحيوي يحيى - وقت الغداء يوم الخميس رابع
جمادى الأولى ودفن بالحمرية، رحمه الله تعالى.
● وفيها - وقيل في سنة عشر وتسعمائة وقيل سنة (٤) سبع عشرة ولعله
الصحيح - علي النَّبتيتي (٥) الشافعي الشيخ الإِمام العَلَّمة ولي الله تعالى العارف به
البصير بقلبه المقيم ببلدته نَبتِيت من أعمال مصر.
كان رفيقاً للقاضي زكريا في الطلب والاشتغال، وبينهما أخوة أكيدة، وأخذ
العلم عن جماعة، منهم الكمال إمام الكاملية. وكان النَّبتيتي من جبال العلم،
متضلعاً من العلوم الظّاهرة والباطنة، وله أخلاق شريفة، وأحوال منيفة، ومكاشفات
(١) في ((ط)): ((وبما تجوز)).
(٢) المعروف في اسمه: ((الدارس في تاريخ المدارس)) وقد نشره المجمع العلمي العربي بدمشق منذ
سنوات طويلة في مجلدين بتحقيق الأمير جعفر الحسني، وقد حصل فيها الكثير من التحريف
والتصحيف .
ويقوم بإعادة تحقيقه الآن الأخ الأستاذ أحمد فائز الحمصي بتكليف من مؤسسة الرسالة ببيروت.
(٣) في ((ط)): ((المبين)).
(٤) لفظة ((سنة)) سقطت من ((ط)).
(٥) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٨١/١ - ٢٨٢) و((جامع كرامات الأولياء)) (١٨٨/٢) و((الطبقات
الكبرى» للشعراني (١٢٤/٢ - ١٢٥).
٢١١

لطيفة، وكان يغلب عليه الخوف والخشية، حتّى كأن النار لم تخلق إلّ له وحده،
وكان الناس يقصدونه للعلم، والإِفتاء، والإِفادة، والتَّرك، والزيارة، من سائر الآفاق.
وكانت ترفع إليه المسائل المشكلة من مصر، والشام، والحجاز، فيجيب
عنها نظماً ونثراً.
وكانت نصوص الشافعي وأصحابه كأنّها نصب عينيه.
وكان مخصوصاً في عصره بكثرة الاجتماع بالخضر.
قال الشعراوي: كان وقته كله معموراً بالعلم والعبادة ليلاً ونهاراً. وكان
يقول: لا يكمل الرجل في العقل إلّ إن كان(١) كاتب الشمال لا يجد شيئاً من
أعماله یکتبه.
وله مناقب كثيرة.
ومن شعره - رضي الله تعالى عنه -:
وقد بارزتُ جَبَّارَ السماءِ
وما لي لا أُنُوحُ على خَطَائِي
لِعُظُم بَلِيَّتِي وَلِشُؤْمِ دائي
قرأتُ كتابَهُ وَعَصَيْتُ سِرَّاً
وأعمالي تَدُلُّ على شَقَائي
بلائي لا يقاسُ به بلاءٌ
إلى النِّيرانِ سُوقُوا ذَا المُرَائِي
فيا ذُلِّي إذا ما قال ربِّي
ويَزْعُمُ أَنَّه مِنْ أوليائي
فهذا كَانَ يَعْصِينِي جِهَاراً
وكان يُريدُ بالمعنى سِوَائي
تَصَنّعَ للعِبَادِ ولم يُرِدْني
في أبيات أخر(٢).
توفي يوم عرفة ببلده ودفن بها، وقبره بها یُزار.
(١) لفظة ((كان)) سقطت من ((ط)).
(٢) وهي أربعة أبيات ذكرها الشعراني في ((الطبقات الكبرى)) وقد استحسنت ذكرها لما فيها من العبرة
لمن يعتبر:
يروم العَفْوَ مِنْ ربّ السماءِ
فيا ربِّي عُبَيدٌ مستجيرٌ
بنبتيت أقام على الرِّياءِ
حقيرٌ ثم مسكين فقيرٌ
وما يدري اسمه حال ابتداء
عليّ باسمه في الناس يعرف
رهين الرّمس في لحد البلاءِ
فآنِسْهُ إذا أمسى وحيداً
٢١٢

● وفيها المولى غياث الدِّين الشهير بباشا جلبي الرُّومي (١) الحنفي، العالم
الفاضل، ابن أخي آق شمس الدِّين الرُّومي.
قرأ على المولى الخيالي، والمولى خواجه زاده، وغيرهما، وصحب
الصُّوفية، ثم أعطي مدرسة المولى الكوراني بالقسطنطينية(٢)، ثم إحدى الثمانية،
ثم ترك ذلك، واختار مدرسة أبي أيوب الأنصاري، ثم أعطي سلطانية أماسية،
مع منصب الفتوى، ثم تركها، وأعطي تقاعداً بسبعين عثمانياً كل يوم، ثم طلب
مدرسة القدس الشريف فمات قبل السفر إليها .
وله رسائل كثيرة، لكنه لم يدوِّن كتاباً، رحمه الله تعالى.
• وفيها شرف الدِّين قاسم بن عمر الزواوي المغربي القَيّرواني (٣) المالكي
الشيخ الفاضل الصالح المعتقد .
كان أولاً مقيماً في صحبة رفيقه الشيخ العابد الزاهد محمد الزواوي بمقام
الشيخ تاج الدِّين بن عطاء الله الإسكندري، ثم أقام بمقام الإِمام الشافعي - رضي
الله عنه - خادماً لضريحه، وصحب الشيخ جلال الدِّين السيوطي، وارتبط به،
وقلَّده في ملازمة لبس الطيلسان صيفاً وشتاءً، وكان يتردد إلى التَّقي الأوجاقي
وغيره، وأخذ عنه البدر الغَزِّي.
وتوفي يوم الثلاثاء رابع عشري شعبان.
• وفيها كمال الدِّين محمد بن الشيخ غياث الدِّين أحمد بن الشيخ
كمال الدِّينِ الشَمَاخي (٤) الأصل والمولد - وشَمَاخي أُمُّ المدائن بولاية شروان(٥) ..
أخذ عن السيد يحيى بن السيد بهاء الدِّين الشرواني الشَمَاخي ثم الباكوي -
وباكو بلدة من ولاية شروان أيضاً - وبها توفي السيد يحيى سنة ثمان أو تسع وستين
(١) ترجمته في ((الشقائق النعمانية)) ص (١٩٨) و((الكواكب السائرة)) (١٦٣/١).
(٢) أي في استانبول.
(٣) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٩٣/١ - ٢٩٤).
(٤) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٣٢/١ - ٣٣).
(٥) انظر خبرها في (معجم البلدان)) (٣٦١/٣) و(«مراصد الإطلاع» (٨١٠/٢).
٢١٣

وثمانمائة، وكان السيد يحيى هذا جليل المقدار انتشرت خلفاؤه إلى أطراف
الممالك - وأما صاحب الترجمة فذكر العلائي أنه دخل القاهرة بعد فتنة الطاغية
إسماعيل شاه فلم يظهر مشيخةٌ ولا سلوكاً، ولا تقرَّب من أرباب الدنيا، بل جلس
في حانوت بقرب خان الخليلي يشتغل فيه الأقماع والكوافي على أسلوب العجم،
بحسن صناعةٍ، وجميل دربةٍ، وإتقان صنعٍ ، وكان حافظاً لعبارات كثير من
المشايخ وآدابهم وأخلاقهم وحسن سيرتهم، مما خلا منه كثير من المتصدِّرين، مع
عدم التكبُّر(١) والتبجح.
وتوفي لية الاثنين ثالث ربيع الأول، قال العلائي: عن مائة وثلاث عشرة
سنة .
• وفيها شمس الدِّين محمد بن عبيد الضرير(٢) الشيخ الإِمام العَلَّامة
المقرىء المجوّد.
ولد سنة خمس وأربعين وثمانمائة، وكان قِفافیاً بميدان الحصى بدمشق، ثم
اشتغل بالعلم، وأُمَّ وأقرأ بمسجد الباشورة بالباب الصغير، وكان عالماً صالحاً
يقرىء ((الشاطبية)) وغيرها من كتب القراءات والتجويد، وانتفع به خلق كثير.
وتوفي يوم الأربعاء تاسع عشري القعدة ودفن بمقبرة باب الصغير بالقرب من
ضريح الشيخ حَمَّاد، رحمهما الله تعالى .
• وفيها شمس الدِّين محمد بن ليل الزَّعفراني التّونسي (٣) القاطن بالقاهرة.
قال في ((الكواكب)): كان يحفظ أنواع الفضائل، وكان يتأنق في إيراد أنواع
التحميدات، والتسبيحات، والصَّلوات، ويعرف الألسن العربية المتنوعة،
والخواص العجيبة، وكان يذكر أنه عارف بالصنعة.
مات بالقاهرة يوم الأربعاء تاسع عشري جمادى الآخرة ودفن بتربة
المجاورين .
(١) في ((ط)): ((التكثر)).
(٢) ترجمته في ((متعة الأذهان)) الورقة (٨٩/ب) و((الكواكب السائرة)) (٥٦/١ - ٥٧).
(٣) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٧٠/١).
٢١٤

• وفيها محيي الدِّين محمد بن محمد بن محمد البردعي الحنفي (١) أحد
موالي الرُّومِ العالم الفاضل.
كان من أولاد العلماء، واشتغل على والده وغيره، ثم دخل شيراز وهَرَاة،
وقرأ على علمائها، وحَصَّل علماً كثيراً، ثم ارتحل إلى بلاد الرُّوم، وصار مدرِّساً
بمدرسة أحمد باشا بمدينة بروسا ثم بإحدى المدرستين المتلاصقتين بأدرنة.
وتوفي وهو مدرِّس بها، وله ((حواش على تفسير البيضاوي)) و((حواش على
شرح التجريد)) للسيد الشريف، و((حواش على التلويح)) و((شرح على آداب
البحث)) للعضد. وكان له حظّ وافرٌ من العلوم، ومعرفة تامّة بالعربية، والتفسير،
والأصول، والفروع.
وكان حسن الأخلاق، لطيف الذات، متواضعاً، متخشعاً، له وجاهة
ولطف، ويكتب الخطّ الحسن، مع سرعة الكتابة .
وتوفي بأدرنة في هذه السنة، رحمه الله تعالى.
● وفيها الأمير مُرجان بن عبدالله الظَّافري(٢) الذي عمَّر قبة العيدروس
بعدن، وهو مدفون معه فيها .
قال في حقّه العلامة بحرق: الأمير المؤيد بتوفيق الله وعنايته، المسدّد
بحفظ الله ورعايته، الذي فتح الله بنور الإِيمان عين بصيرته، وطهّر عن سوء العقيدة
باطن سريرته، وصار معدوداً من الأولياء لموالاته لهم باطناً وظاهراً، وحاز من بين
الولاة والحُكَّام من التواضع لله والرِّفق بالفقراء والمساكين حظاً وافراً، مرجان بن
عبدالله الظافري لا زال على الأعداء ظافراً وإلى مرضاة مولاه مبادراً. انتهى.
• وفيها نَسيم الدِّين قاضي مَّة الحنفي(٣).
(١) ترجمته في (الشقائق النعمانية)) ص (٢٣٠؛ ٢٣١) و((الكواكب السائرة)) (١٨/١) و((الأعلام))
(٥٥/٧).
(٢) ترجمته في ((النور السافر)) ص (١٣٢ - ١٣٣).
(٣) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٣١١/١).
٢١٥

قال العلائي: كان فاضلاً، ذكياً، مستحضراً لكثير من المسائل، حافظاً لمتن
المجمع، ديِّناً فصيحاً، لطيفاً، عفيفاً، لا يتناول على القضاء شيئاً البتة، وأخذ
الفقه عن الشمس بن الضُّياء، وعن جماعة من المصريين وغيرهم.
وتوفي بمكة سنة سبع وعشرين وتسعمائة. انتهى
٢١٦

سنة ثمان وعشرين وتسعمائة
• فيها توفي تقي الدِّين أبو الصِّدق أبو بكر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن
محمد بن محمد بن شرف بن منصور بن محمود بن توفيق بن عبدالله، المعروف
بابن قاضي عجلون الزُرَعي ثم الدمشقي(١) الشافعي الإِمام العَلَّمة القُدوة الرِّحلة
الأمة العمدة.
ولد بدمشق في شعبان سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، واشتغل على والده
وأخيه شيخ الإسلام نجم الدِّين، وعلى شيخ الإِسلام زين الدِّين خطاب. وسمع
الحديث على المُسْنِد أبي الحسن بن بَرْدِس الْبَعْلي، والحافظ شمس الدِّين بن
ناصر الدِّين وغيرهما، وأخذ عن ابن حجر مكاتبة، والعلم صالح البلقيني،
والشمس المُنَاوي، والجلال المَحَلِّي .
وكان إماماً، بارعاً في العلوم، وكان أفقه أهل زمانه وأجَلَّ معاصريه وأقرانه،
ودرَّس بالجامع الأموي، والشامية البَّرانية، والعُمرية، وبالقاهرة دروساً حافلة،
وألّف منسكاً لطيفاً، وكتاباً حافلاً سَمَّاه ((إعلام النَبيه مما زاد على المنهاج من
الحاوي، والبهجة، والتنبيه))، وانتهت إليه مشيخة الإِسلام ورئاسة الشافعية ببلاد
الشام؛ بل وبغيرها من بلاد الإِسلام، وحَصَل له من السَّعد في العلم، والرئاسة،
وكثرة التلامذة، وقرّة العين بهم في دمشق ما حصل لشيخ الإِسلام زكريا بالقاهرة،
إلّ أن القاضي زكريا زاد عليه في السعادة بكثرة التصانيف، مع تحريرها وتحقّيقها،
رحمهما الله تعالى .
(١) ترجمته في ((متعة الأذهان)) (٢١/ب) و((الكواكب السائرة)) (١١٤/١ -١١٨) و((الأعلام)) (٦٦/٢ .
٦٧).
٢١٧

وبَرَعَ أكثر تلاميذ صاحب الترجمة في حياته، كالشيخ شمس الدِّين
الكَفَرْسُوسي، والشيخ تقي الدِّين البلاطنسي، والسيد كمال الدِّين بن حمزة،
والقاضي رضي الدِّين الغَزِّي، والبدر الغَزِّي، والشيخ بهاء الدِّين الفصي البعلي،
والشيخ تقي الدِّين القَاري، والشيخ علاء الدِّين القيمري، والشرف العيثاوي،
وغيرهم .
ولما قدم العَلّمة بُرهان الدِّين البِقَاعي دمشق في سنة ثمانين وثمانمائة، تلقاه
الشيخ تقي الدِّين هو وجماعة من أهل العلم إلى القنيطرة، ثم لما ألَّف كتابه في
الردِّ على حجّة الإِسلام الغَزَّالي في مسألة ليس في الإمكان أبدع مما كان، وبالغ
في الإنكار على ابن العربي وأمثاله، حتى أكفر بعضهم. كان الشيخ تقي الدِّين
ممن أنكر على البقاعي ذلك وهجره بهذا السبب، خصوصاً بسبب حجّة الإِسلام،
مع أنه كان ينهى عن مطالعة كتب ابن العربي.
قال الحمصي في ((تاريخه)): وامتحن شيخ الإسلام مراراً، منها مرة في أيام
الغُوري بسبب فتياه في واقعة ابن محب الدِّين الأسلمي المعارضة لفُتيا تلميذه وابن
أخيه السيد كمال الدِّين بن حمزة، وطُلِبَ هو والسيد وجماعة إلى القاهرة، وغرم
بسبب ذلك أموالاً كثيرة، حتى باع أكثر كتبه، وانتهى الأمر آخراً على العمل بفتياه
وإعادة تربة ابن محب الدِّين المهدومة بفتوى السيد كما كانت، عملًا بفتوى الشيخ
تقي الدِّين، وأعاد الشيخ تقي الدِّين هو وولده الشيخ نجم الدِّين إلى دمشق، وقد
ولي ولده قضاء قضاة الشافعية بها.
وقال في ((الكواكب)): أخبرنا شيخ الإِسلام الوالد قال: أخبرنا شيخنا شيخ
الإِسلام تقي الدِّين بن قاضي عجلون، عن أخيه شيخ الإِسلام نجم الدِّين ، أن
جميع أسماء الذين أفتوا في عهد سيدنا(١) رسول الله وَّير في قوله:
مع الخلفاءِ الراشدينَ أئمةٌ
لَقد كان يُفْتِي فِي زَمانِ نَبِّنا
أَبيُّ بنُ مسعودٍ وعوفٌ حُذَيفةٌ
مُعاذّ وعَمَّارٌ وزيدُ بنُ ثابتٍ
(١) لفظة ((سيدنا)) لم ترد في ((ط)).
٢١٨

كذاك أبو الدرداء وهو تتمةُ
ومنهم أبو موسى وسَلمانُ خَبْرُهم
وصَدّقَهُ فيها وتلك مَزيَّةٌ
وأفتى بِمَرْآهُ أبو بكرٍ الرّضَى
وتوفي صاحب الترجمة ضحوة يوم الاثنين حادي عشر رمضان، ودفن بمقبرة
باب الصغير.
• وفيها شهاب الدِّين أبو السعود أحمد بن عبد العزيز السّنباطي المصري(١)
الشافعي العَلامة المُحَدِّث.
ولد سنة سبع وثلاثين وثمانمائة، وكان أحد العدول بالقاهرة. وسمع
((صحيح البخاري)) على المشايخ المجتمعين بالمدرسة الظاهرية القديمة بين
القصرين بالقاهرة، وكانوا نحو أربعين شيخاً، منهم العلّامة علاء الدِّين
القَلْقَشَندي، وابن أبي المجد، والتّنُوخي .
ومن مشايخه أبو السعادات البلقيني، والشِّهَاب الأبدي صاحب ((الحدود))
في النحو، والعَلامة ناصر الدِّين بن قرقماس الحنفي صاحب ((زهر الربيع في
شواهد البديع)) أخذه عنه.
وممن أخذ عن صاحب الترجمة الشيخ نجم الدِّين الغيطي، قرأ عليه جميع
((صحيح البخاري)).
وتوفي في هذه السنة، رحمه الله تعالى.
• وفيها شِهَابُ الدِّين أحمد (٢).
قال في ((الكواكب)): الشيخ الفاضل العريق ابن الشيخ العالم، المعروف
بالراعي، شارح ((الجرومية)).
قال العلائي: وهو ممن سمع على شيخ الإسلام ابن حجر، وتقدم في
صناعة التوريق والتسجيل واعتبر، وله فيه (٣) مصنَّفات.
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٣٧/١).
(٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٥٤/١ - ١٥٥).
(٣) لفظة ((فيه)) سقطت من (آ)).
٢١٩

وتوفي في (١) تاسع جمادي الأولى.
· وفيها القاضي غرس الدِّين خليل بن محمد بن أبي بكر بن خَلْفَان - بفتح
المعجمة والفاء، وإسكان اللام بينهما، وبالنون آخره - الدمشقي الحنبلي،
المعروف بالسُّروجي(٢).
ولد في ربيع الأول سنة ستين وثمانمائة بميدان الحصا، واشتهر بالشهادة،
ثم فوّض إليه نيابة الحكم مدة يسيرة.
وتوفي يوم الخميس سابع شهر رمضان ودفن بتربة الجورة بالميدان.
· وفيها القاضي محيي الدِّين عبد القادر النَّراوي الحنبلي (٣).
كان أقدم الحنابلة بمصر وأعرفهم بصناعة التوريق والقضاء والفقاهة، مع
سماع له ورواية، وكان أسود اللون، وله مع ذلك تمتع بحسان النُّساء للطف عشرته
ودماثة أخلاقه. وکان یصبغ بالسواد مع کبر سنه.
مات ليلة الأربعاء خامس عشر جمادى الآخرة عن نّيِّفٍ وتسعين سنة.
• وفيها زين الدِّين عبد القادر المكّي الشَّيباني الحنفي (٤).
دخل مصر متوجهاً إلى بلاد الرُّوم لطلب قضاء الحنفية بمكّة، ثم رحل من
القاهرة في قافلة صحبة الأمير جانم الحمزاوي ليلة الاثنين سادس جمادى الآخرة،
فتوفي في أُمِّ الحسن.
· وفيها عبد الكريم بن محمد بن يوسف المباهي الأموي الدمشقي الشافعي
المقرىء (٥) .
(١) لفظة ((في)) سقطت من ((ط)).
(٢) ترجمته في (متعة الأذهان) الورقة (٣٨/ب) و((الكواكب السائرة)) (١٨٩/١) و((النعت الأکمل) ص
(١٠٢) و((السحب الوابلة)) ص (١٦٤).
(٣) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٥٣/١) و((النعت الأكمل)) ص (١٠٢) و((السحب الوابلة))
ص (٢٤٠).
(٤) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٥٤/١).
(٥) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٥٤/١).
٢٢٠