النص المفهرس

صفحات 181-200

قال الشيخ عبد الرؤوف المُناوي في ((طبقاته)): هو المعروف بالكرامات
المشهورة بخوارق الآيات البينات والكشف العام والقبول التام عند الملوك فمن
سواهم من الأعلام ذوو الصِّفات التي اشتهرت والعجائب التي بهرت عندما
ظهرت .
كان ضريراً وعَمّر جوامع بمصر وقراها، ووقف الناس عليها(١) أوقافاً كثيرة،
ومن كلامه أوصيك بعدم الالتفات لغير الله تعالى في شيءٍ من أمر الدَّارين، فإن
جميع الأمور لا تُبرز إلّ بأمره فارجع فيها لمن قدرها.
وقال: إذا استحكمت هيبة الله في قلب عبد أخذ عن إدراك التكليف،
وقامت به حالة حالت بينه وبين الحركة والصَّلاة، وصار عليه كل بلاء أهون من
صلاة ركعتين.
وقال في بعض الكتب المنزلة يقول الله: ((يا عبدي لو سقت لك ذخائر
الكونين فنظرت بقلبك إليها طرفة عين فأنت مشغول عَنَّا لا بنا)).
وكان صاحياً لكنه حافياً مكشوف الرأس، عليه جُبَّة حمراء، وكان لقبه بين
الأولياء صاحب مصر. توقف النيل ثم هبط أيام الوفاء ثلاثة أذرع فخاض في البحر
وقال: اطلع بإذن الله فطلع فوراً، فاقتتل الناس عليه يتبركون به، وحجَّ ماشياً حافياً
طاوياً، فلما وصل باب السلام وضع خدّه على العتبة فما أفاق، إلّ بعد ثلاث،
وكان يُرى مع الدليل تارة ومع السّاقة أخرى ويخفي ويظهر، وكان قايتباي إذا زاره
يمرّغ وجهه على أقدامه. وقال: طلبت من الله مقام الحضور بين يديه فتجلى لي
من حضرته أمر ذابت منه مفاصلي، وصرت أطلب طلوع روحي فما أجاب،
فتوسلت بالمصطفى ◌َ﴿ فرحمني وأسدل عليّ الحِجَاب. ولما عَمّر القبة التي دفن
بها بزاويته صار يقول للشيخ جلال الدِّين البكري: أسرع فالوقت قرب، وقال له:
لا تجعل لأحد من الشهود والقضاة وظيفة في زاويتي إنما جعلت وقفها(٢) لمكشفي
الركب من كل مقيم ووارد. انتهى
(١) في ((ط)): (عليه).
(٢) في ((ط)): ((إنما جعلتها وقفاً)).
١٨١

وبالجملة فمناقبه كثيرة.
وترجمه الحافظ السيوطي بالولاية، وألّف بسببه تأليفاً في تطور الولي ذكر في
أوله أن سبب تأليفه أن رجلين من أصحاب الشيخ المذكور حلف كل واحد منهما
أن الشيخ عبد القادر بات عنده ليلة كذا، فرفع إليه سؤال في حكم المسألة. قال:
فأرسلت إلى الشيخ عبد القادر وذكرت له القصة، فقال: لو قال أربعة إني بتُّ
عندهم لصدقوا .
قال السيوطي : فأجبت بأنه لا يحنث واحد منهما، ثم حمل ذلك على تطور الولي
وهو جزء لطيف حافل نقل فيه كلام فحول العلماء، كابن السبكي، والقونوي،
وابن أبي المنصور، وعبد الغفَّار القُوصي، واليافعي رضي الله تعالى عنهم وعنه.
• وفيها قِوام الدِّين أبو يزيد(١) محمد بن أبي بكر بن محمد بن أبي بكر بن
نصر(٢) بن عمر بن هِلَال الحُبَيشي الأصل الحلبي الشافعي العَلَّمة.
قال في ((الكواكب»: كان عالماً فاضلاً مناظراً، له حدة في المناظرة، وذكاء
مفرط، وحفظ عجيب، حفظ ((الشاطبية)) وعَرَضَهَا بحلب سنة ثلاث وثمانين
وثمانمائة، وسافر مع أبيه إلى بيت المقدس فعرض أماكن منها، ومن ((الرائية)) على
إمام الأقصى عبد الكريم بن أبي الوفا، ثم جاور بمكة سنين، واشتغل بها، وسمع
مع أبيه على الحافظ السخاوي، ثم عاد من مكة إلى حلب، واشتغل على عالمها
البدر السُّيوفي، فقرأ عليه ((الإِرشاد)) لابن المقري، وسمع بقراءته الشيخ
زين الدِّين بن الشمّاعِ، ودرَّسٍ بجامع حلب ووعظ به، وكان يأتي في وعظه بنوادر
الفوائد. وسرد مرَّة النَّسب النَّبوي طرداً وعكساً، ثم أعرض عن ذلك وصار صوفياً
بسطامياً كأبيه يلف المئزر ويرخي له عذبة رعاية للسُّنّة، وكانت وفاته في حياة أبيه
في شوال بحلب. انتهى
(١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١٩١/٧ - ١٩٣)، و((در الحبب)) (١٥٥/٢/١ - ١٥٧)، و((الكواكب
السائرة)) (٢٧/١).
(٢) في ((أ)): ((مضر)) وكذا هي في ((در الحبب)).
١٨٢

سنة خمس وعشرين وتسعمائة
· وفيها توفي شِهَاب الدِّين أحمد بن القاضي محيي الدِّين عبد القادر
النّبراوي(١) المصري الحنبلي الشّاب الفاضل.
توفي يوم الخميس خامس عشري ربيع الأول.
• وفيها شهاب الدِّين أبو العَبَّاس أحمد بن عبد الملك بن علي بن عبدالله
الموصلي(٢) الشَّيباني المقدسي ثم الدمشقي الشافعي الصُّوفي الصالح الوَرِع
الزَّاهد العابد المُحَقِّق المُسلِّك. أحد مشايخ الصُّوفية بدمشق والقدس، وشيخ
زَاویتي جَدِّه بهما.
ولد بالقدس في ربيع الأول سنة أربع وأربعين وثمانمائة، وأخذ عن القطب
الخيضري وغيره، ولبس الخرقة من ابن عمِّه الشيخ زين الدِّين عبد القادر بلباسه
لها من والده الشيخ إبراهيم بلباسه لها من يد والده الشيخ العارف بالله تعالى سيدي
أبي بكر الموصلي وهو جدّ المترجم أيضاً.
قال ابن طولون: جالسته كثيراً بالجامع الأموي، وانتفعت به، وأجاز لي
شفاها غير مرَّة، وكتبت عنه أشياء. انتهى
وتوفي يوم الاثنين حادي عشري ذي القعدة، ودُفن جوار قبر الشيخ إبراهيم
النَّاجي بباب الصغير.
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٣٧/١).
(٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٣٧٤/١)، و((متعة الأذهان)) (ق ٦)، و((الكواكب السائرة))
(١٣٧/١).
١٨٣

• وفيها شِهَاب الدِّين أحمد الحُسَامي(١) القاهري الشافعي الإِمام العَلَّامة
المُحَقِّق المجد الصُّوفي.
كان بارًّاً بأُمّه، قائماً بمصالحها، صابراً، متواضعاً، يخدم نفسه ويشتري
حوائجه من السوق ويحملها بنفسه، ولا يُمكِّن أحداً يحملها عنه، وكان يتعمم
بالقطن من غير قصارة وثيابه قصيرة اقتداءاً بالسَّلف، وكان ملازماً للطهارة، لا يكاد
يدخل علیه وقت وهو مُحدِثٌ، وکان کثیر الصَّمت، قليل الكلام، تجلس معه اليوم
واليومين فلا تسمع منه كلمة لغوٍ، كثير الصِّيام والقيام، يقوم النصف الثاني من
الليل كل ليلة، وكان يتورع عن صدقات النَّاس ولا يقبل هدية من أحد، وأخذ
التصوف عن الشيخ علي المرصَفي، وكان يذهب إلى مجلسه كل يوم جمعة، وكان
العلماء مع ذلك يرجعون إليه في المعقولات ويَعْدِلُونَهُ في العربية بابن مالك، وابن هشام.
وتوفي بالقاهرة يوم الثلاثاء خامس عشر ربيع الثاني .
● وفيها - تقريباً - المولى إدريس بن حُسام الدِّين [البدليسي] العَجَمي(٢) ثم
الرُّومي الحنفي العالم الفاضل.
قال في ((الشقائق)): كان موقِّعاً لديوان أمراء العَجم، ولما حدثت فتنة ابن
أردويل ارتحل إلى الرُّوم فأكرمه السلطان أبو يزيد غاية الإِكرام، وعَيَّن له مشاهرة
ومسانهة، وعاش في كنف حمايته عيشة راضية، وأمره أن ينشىء ((تُوَاريخ آل عثمان))
بالفارسية فصنَّفها، وكان عديم النَّظير فاقد القرين بحيث أنسى الأقدمين ولم يبلغ
إنشاءه أحد من المتأخرين، وله قصائد بالعربية والفارسية تفوت الحصر، وله رسائل
عجيبة في مطالب متفرقة.
وبالجملة كان من نوادر الدهر ومفردات العصر. انتهى
· وفيها بدر الدِّين حسن بن إبراهيم بن أحمد بن خليل بن أحمد بن
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٥٣/١).
(٢) ترجمته في ((الشقائق النعمانية)) ص (١٩٠ - ١٩١) و((الكواكب السائرة)) (١٥٩/١ - ١٦٠) وما بين
الحاصرتين مستدرك منهما .
١٨٤

عثمان بن عيسى بن عمر بن علي بن سلامة العجمي (١) الأصل المقدسي ثم
الصالحي الحنبلي .
حفظ ((المحرَّر)) للمجد بن تيمية وحلَّه على شارحه الشيخ علاء الدِّين
البغدادي، ولازم شيخ الحنابلة الشُّهاب العسكري في الفقه، وقرأ ((توضيح)) ابن
هشام على الشَّهاب بن شكم، ولازمه مدة طويلة، وتسبّب بالشهادة في مركز
العشر.
وتوفي يوم الخميس حادي عشر المحرم بالصالحية، ودفن بتربة القاضي
علاء الدِّين الزواوي .
● وفيها بدر الدِّين حسن بن علي بن يوسف بن المختار الإِربلي الأصل
الحَضْكَفي (٢) الحلبي الشافعي الشهير بابن السُّيوفي العَلامة شيخ الإِسلام.
ولد - تقريباً - كما ذكره السخاوي في ((الضوء اللامع)) في سنة خمسين وثمانمائة
بحصن كيفا، ونشأ به وحفظ القرآن العظيم، و((المنهاج)) للنووي، و((الإِرشاد))
لابن المقري و((ألفيتي)) العراقي في الحديث، وفي ((السيرة)) و ((منهاج البيضاوي))
الأصلي، و((الطوالع)) له أيضاً و((الشاطبية)) و((الكافية لابن الحاجب)) و((الألفية
لابن مالك)) و((تصريف العزّي)) و((الشمسية)) وقرأ ((الشَّاطبية)) والقرآن العظيم
بمضمونها على ابن مبارك شاه الهَرَوي، وهو علي الجلال الهَرَوي، وهو على ابن
الجَزَري، وقرأ على الهَرَوي المذكور في العَرَوض، وأنهى عليه كتاب ((القسطاس))
للزمخشري. قرأه بحلب وقرأ أيضاً بعض السبع على أبي الحسن الجبرتي نزيل
سطح الجامع الأزهر في دخلته إلى القاهرة، وقرأ ثمن حزب أو دونه للأربعة عشر
على الزّين جعفر السَّنهوري، وأخذ الفقه وغيره بها عن الشّمس الجوجري، وسمعِ
عليه وأخذ بالقدس عن الكمال بن أبي شريف، وأجازه وأخذ الفقه والحديث أيضاً
عن الشمس السَّلَامي الحلبي بها والأصول والمنطق والمعاني والبيان عن علي قرا
درويش، والحديث أيضاً عن البُرهان الحلبي، وقرأ عليه ((الصحيحين)) و((الشفا))
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٧٦/١) و((السحب الوابلة)) (١٤٨).
(٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١١٨/٣ - ١١٩)، و((الكواكب السائرة)) (١٧٨/١ - ١٨٠).
١٨٥

وعن الشيخ نصر الله ((كافية ابن الحاجب)) وعن منلا زادة ((تفسير البيضاوي)) والنحو
عن المنلا عبد الرحمن الجامي، وحجَّ سنة ست وستين وثمانمائة فأخذ بمكة عن
التّقي بن فهد، وسمع بدمشق على الشيخ عبد الرحمن بن خليل الأذرعي، وأخذ
عن البرهان البقاعي، وأجازه بالإِفتاء والتدريس جماعة وصار أعجوبة زمانه وواسطة
عقد أقرانه، ثم تصدّر ببلده للإفادة، وانتفع الناس به، وصار شيخ بلده ومفتيها
ومُحقّقها ومُدقّقها، مع الديانة والصِّيانة.
قال في ((الكواكب)): غير أنه كان يُكْثر الدعوى والتَّبجح والمشاححة لطلبة
العلم في الألفاظ وغيرها، وكان طويل القامة، نَيِّر الشَّيبة، مهيباً، يخضب لحيته
بالسواد في أول شيبه ثم ترك آخراً .
ومن مؤلفاته حاشية على ((شرح المنهاج)) للمحلّي وحاشية على ((شرح
الكافية المتوسط)).
ومن شعره :
ولم يَخْشَوا من العقلاءِ لَوْما
إذا ما نالتِ السُّفهاءُ عِرْضي
وقلتُ نذرتُ للرحمْنِ صَوْما
كسوتُ من السكوتِ فمي لثاماً
وتوفي بحلب في ربيع الأول بعد أن ألمت به كائنة بغير حق من قبل قاضي
حلب زين العابدين محمد بن الفَنَّاري .
وفي ((تاريخ ابن طولون)) أنه مات قهراً بسبب تلك الكائنة ولم تطل(١) مدة
القاضي بعده .
● وفيها شيخ الإِسلام قاضي القضاة زين الدِّين الحافظ زكريا بن محمد بن
أحمد بن زكريا الأنصاري(٢) السنيكي ثم القاهري الأزهري الشافعي.
قال في ((النور)): ولد سنة ست وعشرين وثمانمائة بسنيكة من الشرقية ونشأ
(١) في (أ)): (تطلب).
(٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٢٣٤/٣ - ٢٣٩)، و((متعة الأذهان)) (ق ٣٩ - ٤٠)، و((الكواكب
السائرة)) (١٩٦/١ - ٢٠٧) و((النور السافر)) (١٢٠ - ١٢٤).
١٨٦

بها وحفظ القرآن، و((عمدة الأحكام)) وبعض ((مختصر التبريزي)) ثم تحول إلى
القاهرة سنة إحدى وأربعين فقطن في جامع الأزهر وكمل. حفظ ((المختصر)) ثم
((حفظ المنهاج)) الفرعي و((الألفية النحوية)) و((الشّاطبية)) و((الرائية)) وبعض
((المنهاج الأصلي)) ونحو النصف من ((ألفية الحديث)) ومن ((التسهيل)) إلى كاد،
وأقام بالقاهرة يسيراً ثم رجع إلى بلده وداوم الاشتغال وجدَّ فيه، وكان ممن أخذ عنه
القاياتي والعلم البلقيني والشَّرف السُّبكي والشُّموس الوفائي، والحجازي،
والبدرشي، والشَّهاب بن المجدي، والبدر النسَّابة والزَّين البُوشنجي، والحافظ ابن
حجر، والزّين رضوان في آخرين، وحضر دُروس الشرف المُناوي، وأخذ عن
الكافيجي، وابن الهمام، ومن لا يُحصى كثرةً، ورجع إلى القاهرة فلم ينفك عن
الاشتغال والإِشغال مع الطريقة الجميلة والتواضع وحسن العِشْرَة والأدب والعِقّة
والانجماع عن أبناء الدنيا، مع التقلل وشرف النّفس، ومزيد العقل وسَعَة الباطن
والاحتمال والمداراة، وأذن له غير واحد من شيوخه في الإِفتاء والإِقراء، منهم شيخ
الإِسلام ابن حجر، وتصدى للتدريس في حياة شيوخه، وانتفع به الفضلاء طبقة
بعد طبقة، وشرح عدة كتب وألَّف ما لا يُحصى كثرةً، فلا نطيل بذكرها إذ هي
أشهر من الشمس، وقصد بالفتاوى، وزاحم كثيراً من شيوخه فيها، ورويته أحسن
من بديهته وكتابته أمتن من عبارته، وعدم مسارعته إلى الفتاوى يعد من حسناته،
وله الباع الطويل في كل فنٌّ خصوصاً التصوف وولي تدريس عدة مدارس إلى أن
رقي إلى منصب قضاء القضاة بعد امتناع كثير وذلك في رجب سنة ست وثمانين
واستمر قاضياً مدة ولاية الأشرف قايتباي ثم بعد ذلك إلى أن كُفَّ بصره فعزل
بالعمى، ولم يزل ملازم التدريس والإِفتاء والتصنيف وانتفع به خلائق لا يُحصون،
منهم ابن حجر الهيثمي. وقال في ((معجم مشايخه)): وقدمت شيخنا زكريا لأنه أَجَلُّ
من وقع عليه بصري من العلماء العاملين والأئمة الوارثين وأعلى من عنه رويت
ودريت من الفقهاء الحكماء المهندسين، فهو عمدة العلماء الأعلام وحجّة الله على
الأنام، حامل لواء المذهب الشافعي على كاهله، ومحرّر مشكلاته، وكاشف
عويصاته، في بكره وأصائله، مُلحق الأحفاد بالأجداد، المتفرد في زمنه بعلو
الإِسناد كيف ولم يوجد في عصره إلّ من أخذ عنه مشافهةً أبو بواسطة أو بوسائط
١٨٧

متعددة، بل وقع لبعضهم أنه أخذ عنه مشافهة تارة وعن غيره ممن بينه وبينه نحو
سبع وسائط تارة أخرى، وهذا لا نظير له في أحد من أهل عصره، فنعم هذا التمييز
الذي هو عند الأئمة أولى به وأحرى لأنه حاز به سَعَة التلامذة والأتباع وكثرة
الآخذين عنه ودوام الانتفاع. انتهى
وتوفي - رحمه الله تعالى - يوم الجمعة رابع ذي الحجّة بالقاهرة، ودُفن
بالقَرَافَة بالقرب من الإِمام الشافعي رضي الله عنه، وجزم في ((الكواكب)» بوفاته في
السنة التي بعدها، وقال: عاش مائة وثلاث سنين انتهى.
• وفيها عبدالله بن أحمد باكثير - بفتح الكاف وكسر المثلثة - الحَضْرَمي(١)
ثم المكِّي الشافعي.
قال في ((النُّور)): ولد في سنة ست أو سبع وأربعين وثمانمائة بحضرموت،
ونشأ بها سبع سنين، ونقله والده إلى غيل باوزير فحفظ القرآن في سنة وعمره ثمان
سنين، وحفظ ((المنهاج)) و((البهجة)) لابن الوردي، و((خلاصة ابن ظفر)) و((ألفية
ابن مالك» وغيرها ثم سأل والده الاجتماع بشيخ من الصوفية فأشار عليه بالشيخ
عبدالله العيدروس فتوجه إلى تريم وأخذ عنه وتربى على يديه وكان يقول لو اجتمع
شيوخ الرسالة في جانب الحرم، وأنا في جانبه الآخر ما كنت أهتز إلى ما(٢) عندهم
لما ملأني به الشريف، يعني الشيخ عبدالله، ورحل إلى مكة وأقام بها إلى أن
مات، ولقي جماعة من العلماء وأجيز بالإِفتاء والتدريس، فتصدى لذلك، وانتفع
الناس به ونثر ونظم من ذلك ((الدّرر اللوامع في نظم جمع الجوامع)) و ((تتمة التمام))
و((سفك المدام في عقائد الإِسلام)).
ومن شعره:
فِعْل الإِلَّهِ فَمَا لَهُ أَنْ يَغْضَبَا
من كان يَعْلَمُ أن كُل مُشَاهَدٍ
عيناهُ مِنَ ذَاكَ الفِعَالِ وَيَطْرَبَا
بَل واجبٌ أن يَرَتَضي مَا شَاهَدَتْ
وكان كثير الفوائد، عالماً، عاملاً، عين المدرِّسين بمكة، مع الزُّهد
(١) ترجمته في ((النور السافر)) (١٢٥).
(٢) ليست اللفظة في ((ط)).
١٨٨

والصَّلاح والعِفَّة والاحتمال والسكون والانجماع عن أبناء الدنيا.
وتوفي بمكة ليلة السبت الثالث عشر ربيع الثاني ودُفن بالمَعْلَاة وخلّف نحو
عشرة أولاد ذكوراً وإناثاً. انتهى
• وفيها السيد تاج الدِّين عبد الوهاب بن أحمد السيد الشريف(١) بن نقيب
الأشراف وأُمُّه الفاضلة البارعة زينب بنت البَاعُوني .
أخذ الفقه عن الشيخ برهان الدِّين الطَّرابلسي الحنفي المِصْري بها، وقرأ
عليه مصنَّفه في الفقه على طريقة المجمع، وتردَّد إلى سيدي محمد بن عراق إلى
أن توفي ليلة السبت في ربيع الأول بصالحية دمشق عن نحو ثلاثين سنة، وصُلِّ
عليه بمدرسة أبي عمر ودفن بالروضة.
· وفيها علاء الدِّين أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الرحيم بن محمد بن
علي بن إبراهيم بن مسعود بن محمد الحَصْكَفي الموصلي الشافعي(٢) العَلامة
المُفَنَّن المتقن.
قطن دمشق أولاً مع أبيه، وقرأ بها على الشيخ عماد الدِّين، المعروف بخطيب
السَّقيفة، والبرهان بن المعتمد، وغيرهما، وحجَّ ماشياً، ثم قطن حلب، وقرأ بها
على الفخر عثمان الكُردي، والبدر السُّيُوفي، والشمس البازلي، وغيرهم، ودرَّس
بها، وأفاد وأفتى، وجلس بمكتب الشهادة بحلب تحت قلعتها، وتردد الطلبة إليه
وتلقى منه جمع جَمٌّ من الأفاضل، حتَّى ترقى بعضهم إلى الإِفادة، ثم لما أبطلت
الدولة العثمانية مكاتب الشهود ترك ذلك وأقبل على الاشتغال والإِشغال، وكان له
يد طولى في النحو، والصَّرف، والمنطق، والعَرُوض، والقوافي، وله تقرير حسن
في الفقه ومشاركة كلّية في الأدب.
وشعره لطيف منه :
كأضغاثٍ أحلامٍ ونحنُ رقودُ
تَمرُّ الليالي والحوادثُ تَنْقَضي
تجدّ بنا سيراً ونحن قعود
وأعجبُ من ذا أنّها كلَّ ساعةٍ
وله ملغزاً:
(١) ترجمته في ((متعة الأذهان)) (ق ٥٨)، و((الكواكب السائرة)) (٢٥٧/١).
(٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٦٤/١ - ٢٦٦).
١٨٩

يا إماماً في النَّحْوِ شَرْقاً وغَرْباً من له بابُ (١) سرِّهِ المكنونُ
وأتى الجرُّ فيه والتنوينُ
أُما اسم قد جاءَ ممنوع صرفٍ
وأجاب هو عنه بقوله:
عَلَمُ كانَ للمُؤْنَّثِ جَمْعَاً سالماً جَمْعُ ذَيْنِ فيه يكونُ
وأجاب عن قول بعض فضلاء النحو:
سلَّم على شيخِ النحاةِ وقُلْ له عندي سؤالٌ من يجبْهُ يُعُظُم
أنا إن شككتُ وجدتموني جازماً وإذا جزمتُ فإنني لم أجزمِ
بقوله :
جَزَمَتْ ومعناها التردُّدُ فاعْلَمِ
قل في الجواب بأنَّ إنْ في شرطِها
وقعتْ ولكن شرطُها لم يجزمِ
وإذا بجزمِ الحكمِ إن شرطيةٌ
وتوفي يوم الثلاثاء سابع شوال.
● وفيها فاطمة بنت يوسف التادفي (٢) الحنبلي الحلبي.
قال ابن الحنبلي: وهو ابن أخيها كانت من الصَّالحات الخيرات، وكان لها
سماع من الشيخ المُحَدِّث بُرهان الدِّين، وكانت قد حجَّت مرتين، ثم عادت إلى
حلب وأقلعت عن ملابس نساء الدنيا بل عن الدنيا بالكلية ولبست العباءة وزارت
بيت المقدس ثم حجت ثالثة وتوفيت بمكة المشرفة . انتهى
● وفيها شمس الدِّين أبو عبدالله محمد بن داود البازلي الكُردي ثم
الحَمَوي (٣) الشافعي شيخ الإِسلام مفتي المسلمين العَلَّمة.
ولد في ضحوة يوم الجمعة سنة خمس وأربعين وثمانمائة في جزيرة ابن
عمر، ونشأ بها، وانتقل إلى أذربيجان فحفظ بها كثيراً من الكتب، منها ((الحاوي
(١) في ((الكواكب)) ((بان)).
(٢) ترجمتها في ((در الحبب)) (٢٢/٢/١) وفيه ((التاذفي)) و((الكواكب السائرة)) (٢٩٣/١).
(٣) ترجمته في ((در الحبب)) (٢٠٣/٢/١)، و((الضوء اللامع)) (٢٤٠/٧)، و((الكواكب السائرة))
(١ /٤٧).
١٩٠

الصغير)) و((عقائد النّسفي)) و((عَرُوض الأندلسي)) و((الشمسية)) و((كافية ابن
الحاجب)) و((تصريف العزّي)) وأخذ المعقولات عن منلا ظهير، ومنلا محمد
القتجفاني، ومولانا عثمان الباوي، والمنقولات عن والده وغيره وقدم الشام سنة
تسعين وثمانمائة وحجَّ سنة خمس وتسعين وعاد من الحجاز إلى حماة فقطنها وكان
زاهداً متقشفاً كثير العبادة يصوم الدهر ويلازم التدريس وألّف عدة مؤلفات منها
((حاشية شرح جمع الجوامع)) للمحَلِّي، وكتاب سَمَّاه ((غاية المرام في رجال
البخاري إلى سيد الأنام)) وكتاب ((تقدمة العاجل الذخيرة الآجل)) و((أجوبة شافية))
عن إشكالات كانت ترد عليه وأسئلة ترفع إليه .
وتوفي بحماة رحمه الله تعالى.
• وفيها شمس الدِّين محمد بن علي بن الدّهن الحلبي الشافعي (١) المُعَمَّر،
شيخ القراء والإِقراء بحلب، وإمام الحجازية بجامعها الكبير.
قرأ على جماعة، منهم منلا سُليمان بن أبي بكر المقري الهَرَوي وغيره،
وكان من العلماء المنوَّرين.
· وفيها قاضي القضاة جلال الدِّين محمد بن قاسم المصري المالكي (٢)
العَلَّمة.
قال الشعراوي: كان كثير المراقبة لله في أحواله، وكانت أوقاته كلها معمورة
بذكر الله تعالى، وشرح ((المختصر)) و (الرسالة وانتفع به خلائق لا يحصون، وولاه
الغوري القضاء مكرهاً، وكان حسن الاعتقاد في طائفة القوم. قال: وكان أكثر أيامه
صائماً لا يُفطر في السنة إلّ العيدين وأيام التشريق، وكان حافظاً للسانه في حقّ
أقرانه لا يسمع أحداً يذكرهم إلّ ويبجلهم.
توفي بمصر في هذه السنة.
· وفيها محبّ الدِّين أبو الثناء محمود بن محمد بن محمود بن خليل بن أجا
(١) ترجمته في ((در الحبب)) (٢٧٤/٢/١)، و((الكواكب السائرة)) (٥٨/١).
(٢) ترجمته في ((متعة الأذهان)) (٩٢)، و((الكواكب السائرة)) (١ /٧٠).
١٩١

التَّدمري الأصل الحلبي ثم القاهري الحنفي (١)، كاتب الأسرار الشريفة بالممالك
الإِسلامية، المعروف بابن أجا.
قال السخاوي: ولد سنة أربع وخمسين وثمانمائة بحلب، واشتغل بالعلم في
القاهرة إلى سنة ثمان وثمانين، ثم زار بيت المقدس، ورجع إلى حلب، وتميّز
بالذكاء ولطف العِشْرَة، وولي قضاء حلب في شهرِ رمضان سنة تسعين، وحجَّ سنة
تسعمائة، ثم رجع إلى حلب وطلبه السلطان الغُوري وولاه كتابة السرِّ بالقاهرة
عوضاً عن ابن الجِيعان في أول ولايته سنة ست وتسعمائة، واستمرَّ فيها إلى آخر
الدولة الجَرْكَسية، وهو آخر من ولي كتابة السرّ، ثم حجَّ في دولته سنة عشرین،
فقرأ عليه المُسْند جار الله بن فهد عشرين حديثاً عن عشرين شيخاً وخرّجها له في
جزء سَمَّاه ((تحقيق الرجا لعلو المقربن أجا)) ثم عاد إلى القاهرة فشكا مدة فركب
إليه السلطان وزاره لمحبته له ثم سافر صحبة الغوري إلى حلب سنة اثنتين وعشرين
وأقام بها حتى قتل الغوري فرجع إلى القاهرة فولاه السلطان طومان باي كتابة السرِّ
بها ثم لما دخل السلطان سليم إليها أكرمه وعرض عليه وظيفته فاستعفى منها
واعتذر بكبر سنه وضعف يديه، ثم سأل السلطان سليم الإقامة بحلب فأجابه وعاد
معه إلى حلب، واستقرَّ في منزله إلى أن توفي بها، وكان ذا هيبة وشكالة حسنة
وشيبة نيِّرة، ظريفاً، كيساً، يحب التواريخ، ويرغب في خلطة الأكابر ومدحه الناس
كثيراً بالمدائح الحسنة، منهم عائشة الباعُونية حين قدمت عليه القاهرة بقصيدتها
الرائية التي أولها:
حَنيني لِسَفْحِ الصَّالحيةِ والجِسْرِ أُهَاجَ الهَوىُ بينَ الجَوَانِحِ والصَّدرِ
وتوفي بحلب في العشر الأول من شهر رمضان.
● وفيها أو في التي بعدها نهالي بن عبدالله الرُّومي الحنفي (٢) المولى
الفاضل المشتهر بهذا اللقب.
(١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١٤٧/١٠)، و((در الحبب)) (٤٥١/٢/١ - ٤٦١)، و((الكواكب
السائرة)) (٣٠٣/١).
(٢) ترجمته في ((الشقائق النعمانية)) (٢٥٤)، وفيه (المولى الشهير نبهاني) وفي ((الكواكب السائرة)) =
١٩٢

قال في ((الشقائق)): ولم نعرف(١) اسمه، وكان عتيقاً لبعض الأكابر، وقرأ في
صغره مبادىء العلوم، ثم خدم العلماء، وفاق على أقرانه ومَهَرَ في العربية والأصول
والتفسير، وكان له نظم بالعربية والتركية والفارسية، ووصل إلى خدمة المولى
محمد بن الحاج حسن، ودرَّس بالمدرسة التي بناها المولى المذكور
بالقسطنطينية، ثم بمدرسة مصطفى باشا بالقسطنطينية أيضاً، ثم فرغ عن
التدريس، وسافر إلى الحجّ، فلما أتمَّ الحجَّ مرض، فعاهد الله تعالى إن صحَّ من
مرضه لم يعاود التدريس، وندم على ما مضى من عمره في الاشتغال بغير الله
تعالى، فأدركته المنية في مرضه ذلك بمكّة المُشَرَّفة ودُفن بها.
= (٣١٢/١) وفيه (نهالي بن عبدالله).
(١) في ((أ)): (يعرف) وما في ((ط)) موافق لما في ((الشقائق)).
١٩٣

سنة ست وعشرين وتسعمائة
● فيها توفي أبو النُّور التّونسي المالكي(١)، نزيلُ المدرسةِ المُقَدَّمية بحلب.
كان حافظاً لكتاب الله تعالى، مقرئاً يؤدِّبُ الأطفال بالمدرسةِ المذكورة،
وكان من عادته أنه يقرأ ثلث القرآن بعد المغرب وثلثه بعد العشاء. ومن غريب
ما اتفق له أنه لما ركب البحر من تونس إلى الإسكندرية(٢) حصل لملاح السّفينة
- وكان فرنجياً - حمّى غب أشغلته عن مصلحة السفينة، وعجز ركابها عن علاج
ينفعه وطلب من الشيخ أبي النُّور ما يكتب للحُمَّى، فكتب له في ورقة ﴿خُذُوهُ
فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الجَحِيمَ صَلّوه * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ﴾
[الحاقّة: ٣٠ - ٣٢] ولف الورقة ودفعها له فوضعها في رأسه فما مضت تلك الليلة
حتّى ذهبت عنه الحُمّى .
وتوفي الشيخ بحلب، ودفن بمقبرة الرَّحبي.
· وفيها الشيخ أحمد بن بترس (٣) الصَّفَدي (٤) الشيخ العارف بالله تعالى،
المکاشف بأسرار غیب الله.
كان ظاهر الأحوال بصفد، مسموع الكلمة عند حكامها، وكان الناس
۔
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٢١/١)، و((درر الحبب)) (٢/٢/ ٥٢٧ - ٥٢٨).
(٢) في ((ط)): ((إلى إسكندرية)).
(٣) جاء في ((جامع كرامات الأولياء)) ما نصه: ((هكذا في الأصل - يقصد الكواكب السائرة - ولعله
محرف عن بيبرس أو نحوه)».
(٤) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٣٢/١ - ١٣٣)، و((جامع كرامات الأولياء)) (٣٢٥/١).
١٩٤

يترددون إليه فيشفع(١) لهم، ويقضي حوائجهم، ويقرّبهم ويضيفهم، وكان ذا شيبةٍ
نيّرة، وكان إذا أراد أن يتكلم بكشفٍ يُطرق رأسه إلى الأرض ثم يرفعه وعيناه
كالجمرتين يلهث كصاحب الحمل الثقيل، ثم يتكلم بالمغيّبات.
وكان في بدايته ذا رياضة ومجاهدة.
وتوفي بصفد.
قال ابن طولون: صُلِّي عليه غائبة بجامع دمشق يوم الجمعة ثامن عشري
ذي القعدة سنة ست وعشرين وتسعمائة. انتهى.
وفيها شِهَابُ الدِّين أحمد بن الحسين بن محمد بن الحسين بن عيسى بن
محمد بن أحمد بن مسلم الشّهاب بن البدر(٢) المكِّي، ويعرف كأبيه بابن العُليف -
بضم العين المهملة تصغير علف - الشافعي (٣).
قال في ((النور)): ولد بمكة سنة إحدى وخمسين وثمانمائة، ونشأ بها، وحفظ
القرآن و((الألفية النحوية)) و((الأربعين النووية)) والكثير من ((المنهاج)).
وسمع بمكة على التّقي بن فهد، وولده النّجم، والزين عبد الرحمن
الأسيوطي، وأبي الفضل المرجاني، ولازم النَّور الفَاكِهي في دروسه الفقهية
والنحوية، وبالقاهرة من الجوجري وغيره، ودخل القاهرة مراراً.
قال السخاوي: وكنت ممن أخذ عنه بها وبالحرمين، وتكسَّب بالنساخة، مع
عقلٍ وتودد، وحسن عِشْرَةٍ، وتميُّز، ومع ذلك فلم يَسْلَمْ ممن يعاديه، بل كاد أن
يُفارق المدينة لذلك. قال: وأغلب إقامته الآن بطيبة على خيرٍ، وانجماع،
وتقلّلٍ ، ونِعْمَ الرجل. انتهى.
(١) كذا في ((ط)) ونسختي ((المنتخب)) لابن شقدة و((جامع كرامات الأولياء)): ((فيشفع)) وفي ((آ)):
((فَيَسْعَ)).
(٢) في ((النور السافر)): ((ابن المبذر)).
(٣) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٢٩٠/١)، و((التحفة اللطيفة)) (١٧٦/١ - ١٧٨) و((النور السافر)) ص
(١٢٦ - ١٣٠) و((البدر الطالع)) (٥٤/١ - ٥٦).
١٩٥

وألَّف لسلطان الرُّوم بايزيد بن عثمان ((الدّر المنظوم في مناقب سلطان الرُّوم)
ومدحه وغيره من أمرائه، فرتّب له خمسين ديناراً في كل سنة، ومدح السّيد بركات
الحَسَني صاحب مكة، واقتصر على مدحه، وحظي عنده لبلاغته، حتى صار متنبي
زمانه، ثم أصيب بكثرة الأمراض في آخره.
ومن نظمه الفائق القصيدة العجيبة التي منها:
فَرِضَىْ البَرِيَّةِ غَايَةٌ لا تُدْرَكُ
خُذْ جَانِبَ العَليا ودَعْ ما يُتْرَكُ
فالعزّ أحسنُ ما به تَتَمَسَّكُ
واجْعَل سَبِيلَ الذُّلِّ عنكَ بمعزلٍ
عَزَّ الكريمُ وفَاتَ ما يُستدرَكُ
وامْنَح مودِّتَكَ الكِرَامَ فَرُبَّما
فَافْتُك فإن أخا العُلاَ مَنْ يَفْتُكُ
وإذا بَدَتْ لكَ في عدوٍّ فُرصةٌ
عُقْبِى المُنى للحُرِّ داءٌ مُهْلِكُ
ودَعِ الأماني للغبيِّ فإنَّما
ضَلّتِ مَذَاهِبُهُ وعَزَّ المُدْرَكُ
مَنْ يبتغي سَبِباً بدونِ عَزِيمةٍ
داءٌ تَحولُ به الجُسومُ وَتُوعَكُ
تَعِسَتْ مُداراةُ العدوِّ فإنها
وهي طويلة(١).
وتوفي بمكة المشرفة يوم الثلاثاء من ذي(٢) الحجة ودفن بالمعلاة.
• وفيها تقي الدِّين باكير الرُّومي الشيخ الفاضل(٣) ناظر التكية السليمية،
وولي نظارة الجامع الأموي.
قال في ((الكواكب)): نزل عند شيخ الإسلام الجدّ، وكان من أصحابه
وتلاميذه، وترجمه بالولاية والفضل، ثم عُزِلَ من الجامع الأموي وأعطي تولية
التكية السّليمية، ثم عزل عنها بالشيخ أبي الفتح بن مُظَفّر الدِّين المَكِّي، ثم سافر
(١) قلت: ذكرها الشوكاني بتمامها في ((البدر الطالع)).
(٢) كذا في ((ط)) و((البدر الطالع)): ((يوم الثلاثاء من ذي الحجّة)) وفي ((آ)): ((يوم الثلاثاء ثامن
ذي الحجّة».
(٣) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٦٣/١).
١٩٦

إلى الرُّوم، وعاد بتوليه الجامع والتكية معاً، ودخل دمشق عاشر رجب هذه السنة،
فصرفه نائب الشام في تولية التكية دون الجامع .
وتوفي ليلة الجمعة خامس ذي الحجة الحرام ودفن بالقرب من الشيخ
محيي الدِّين بن عربي تحت السماء.
• وفيها المولى التُّوقَاتي الحنفي (١) العالم المدرِّس ببلدة أماسية.
قال النجم الغَزِّي: كان فاضلاً، منقطعاً عن الناس بالكلّية، مشتغلا بالدّرس
والعبادة. وكان لا يقدر على الحضور بين الناس وحشة منهم وحياء.
وكان صالحاً، مباركاً.
مات بأماسية في أوائل سلطنة السلطان سليمان خان. انتهى.
● وفيها حمزة بن عبدالله بن محمد بن علي بن أبي بكر بن علي بن محمد
النّاشري اليمني الشافعي (٢).
قال في (النور)): ولد ثالث عشر شوال سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، وأخذ
الفقه والحديث عن العَلامة قاضي القضاة الطيب بن أحمد النّاشري، مصنّف
((الإِيضاح على الحاوي)) وعن والده(٣) قاضي القضاة عبد الله وغيرهما. وروى عن
القاضي مجد الدِّين الفيروز أبادي صاحب ((القاموس)) وغيره. وأجازه شيخ الإِسلام
ابن حجر العسقلاني، وكتب له بالإِجازة هو وعلماء مصر، كالشيخ زكريا
الأنصاري، والجوجري، والسيوطي، وابن أبي شريف، وغيرهم. ومن الحجاز أبو
الخير السَّخاوي، واشتهر باللّطافة والعلم. وكان كثير الزواج، قارب المائة وهو
يفتض الأبكار، ورزق كثيراً من الأولاد.
مات غالبهم. وتفقه به خلائق كثيرون، كالحافظ ابن الدَّيبع، وأبي البركات
النَّاشري .
(١) ترجمته في (الشقائق النعمانية)) ص (٢٥١) و((الكواكب السائرة)) (١٦٨/١).
(٢) ترجمته في ((النور السافر)) ص (١٣٠ - ١٣١) و((البدر الطالع)) (١٥٨/١).
(٣) في ((ط)): ((وعن والده)) وهو خطأ.
١٩٧

وله مصنّفات حسنة غريبة، منها ((الأربعون التهليلية)) و ((مسالك التحبير من
مسائل التكبير)) ومختصره ((التحبير في التكبير)) و((انتهاز الفرص في الصّيد
والقنص))، وكتاب النبات العظيم الشأن المسمى ((حدائق الرِّياض وغوصة الفياض))
و((عجائب الغرائب وغرائب العجائب)) و((سالفة العذار في الشعر المذموم
والمختار)» وغير ذلك.
وله شعر لطيف منه:
جَاماً من التِّبْرِ فيه فَصّ ياقوتٍ
إذا نَظَرْتَ إلى العیناءِ(١) تَحْسَبُهَا
أو قُرص عاشقةٍ أدماه كالنُّتِ
أو خَدَّ غانية يحمرُّ مِنْ خَجَلٍ
وتوفي يوم الخميس تاسع عشر ذي الحجة بمدينة زبيد، ودفن بمقبرة سلفه
الصّالح بباب سهام قريباً من قبر الشيخ إسماعيل الجبرتي. انتهى
• وفيها السلطان سليم بن أبي يزيد بن محمد السُّلطان المفخم والخاقان
المعظم سليم خان بن عثمان تاسع ملوك بني عثمان(٢).
هو من بيت رفع الله على (٣) قواعده فسطاط السلطنة الإِسلامية، ومن قوم
أبرز الله تعالى لهم ما ادخره من الاستيلاء على المدائن الإِيمانية، فرفعوا (٤) عماد
الإِسلام وأعلوا مناره، وتواصوا باتباع السُّنَّة المطهّرة، وعرفوا للشرع الشريف
مقداره، وصاحب الترجمة منهم هو الذي ملك بلاد العرب واستخلصها من أيدي
الجراكسة بعد ما شتت جمعهم فانفلوا عن مليكهم وجدوا في الهرب.
ولد بأماسية في سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة، وجلس على تخت السلطنة
وعمره ست وأربعون سنة بعد أن خَلَعَ والده نَفْسَهُ عن السلطنة وسَلّمها إليه، وكان
(١) في ((آ)): ((إلى العنباء)).
(٢) ترجمته في ((البدر الطالع)) (٢٦٥/١ - ٢٦٧)، و((مفاكهة الخلان)) (٢٧/٢)، و«تاريخ الدولة العلية
العثمانية)) ص (١٨٨ - ١٩٧)، و((النور السافر)) ص (١١٩) وفيه وفاته سنة (٩٢٤).
(٣) لفظة ((على)) سقطت من ((آ).
(٤) في ((ط)): ((رفعوا)).
١٩٨

السلطان سليم ملكاً قَهَّاراً وسلطاناً جَبَّاراً، قوي البطش، كثير السفك، شديد
التوجه إلى أهل النجدة والبأس، عظيم التجسس عن أخبار الناس، وربما غَيِّر
لباسه وتجسس ليلاً ونهاراً. وكان شديد اليقظة والتحفظ، يحب مطالعة التواريخ
وأخبار الملوك، وله نظم بالفارسي، والرُّومية، والعربية، منه ما ذكره القطب
الهندي المَكِّي أنه رآه بخطّه في الكوشك الذي بني له بروضة المقياس بمصر
ونصه :
يَرْدُدْهُ قَسْراً وَيَضْمَنْ عنده الدّرَكا
المُلك للَّهِ مَنْ يَظْفَرْ بَنَّيْلِ غِنِىِّ
فوق التُّراب لكان الأمرُ مُشْتَركا
لَو كان لي أو لغيري قَدْرُ أُنملةٍ
وقال الشيخ مرعي الحنبلي في كتابه ((نزهة الناظرين)): وفي أيامه تزايد ظهور
شأن إسماعيل شاه، واستولى على سائر ملوك العجم، ومَلَكَ خُراسان،
وأذربيجان، وتبريز، وبغداد، وعراق العجم، وقهر ملوكهم، وقتل عساكرهم،
بحيث قتل ما يزيد على ألف ألف(١)، وكان عسكره يسجدون له ويأتمرون بأمره،
وكاد يدّعي الرُّبوبية، وقتل العلماء، وأحرق كتبهم ومصاحفهم، ونبش قبور
المشايخ من أهل السُّنَّة وأخرج عظامهم(٢) وأحرقها، وكان إذا قتل أميراً أباح زوجته
وأمواله لشخص آخر فلما بلغ السلطان سليم ذلك تحركت همّته لقتاله، وعَدَّ ذلك
من أفضل الجهاد، فالتقى معه بقرب تبريز بعسكر جَرَّار، وكانت وقعة عظيمة،
فانهزم جيش إسماعيل شاه، واستولى سليم على خيامه وسائر ما فيها، وأعطى
الرَّعية الأمان، ثم أراد الإِقامة بالعجم للتمكن من الاستيلاء عليها فما أمكنه ذلك
لشدة القحط، بحيث بيعت العَلِيقَة بمايتي درهم، والرَّغيف بمائة درهم، وسببه
تخلّف قوافل المِيرَة التي كان أعدَّها السلطان سليم وما وجد في تبريز شيئاً لأن
إسماعيل شاه عند انهزامه أمر بإحراق أجران الحَبِّ والشعير، فاضطر سليم للعود
إلى بلاد الرُّوم.
-
(١) كذا في ((ط)) ونسختي (المنتخب)) لابن شقدة: ((على ألف ألف)) وفي ((آ)): ((على مئة ألف ألف)).
(٢) في ((ط)): ((أعظامهم)).
١٩٩

• وفي أيامه كانت وقعة (١) الغوري، وذلك أن السلطان(٢) سليم لما رجع
من غزو إسماعيل شاه تفحص عن سبب انقطاع قوافل الميرة عنه، فأخبر أن سببه
سلطان مصر قانصوه الغوري، فإنه كان بينه وبين إسماعيل شاه مَحَبَّة ومراسلات
وهدايا، فلما تحقّق سليم ذلك، صمّم على قتال الغوري أولاً، ثم بعده يتوجه
لقتال إسماعيل شاه ثانياً، فتوجه بعكسره(٣) إلى جهة حلب سنة اثنتين وعشرين كما
تقدَّم، فخرج الغوري بعساكر عظيمة لقتاله، ووقع المصاف بمرج دابق شمالي
حلب، ورَمى عسكر سليم عسكر الغوري بالبندق، ولم يكن في عسكر الغوري
شيء منه، فوقعت الهزيمة على عسكر الغوري بعد أن كانت النصرة له أولا، ثم
فُقِدَ تحتَ سَنَابك الخيل كما مرَّ عند ذكره، وكان ذلك بمخامرة خير بك والغزالي
بعد أن عهد إليهما السلطان سليم بتوليتهما مصر والشام، ثم بعد الوقعة أخليا له
حلب لأنهما معه في الباطن، فأقبل سليم إلى حلب فخرجوا إلى لقائه يطلبون
الأمان ومعهم المصاحف يتلون جهاراً: ﴿وَمَا رَمَيتَ إِذْ رَمَيتَ ولَكِنَ اللهِ رَمَىْ﴾
[الأنفال: ١٧] فقابلهم بالإِجلال والإِكرام، ثم حضرت صلاة الجمعة، فلما
سمع الخطيب خطب باسمه وقال: خادم الحرمين الشريفين، سجد لله شكراً على
أن أهلّه لذلك، ثم ارتحل للشام بعد أن أخلاها له خير بك والغزالي، فخرجوا
للقائه، ودعوا له، فأكرمهم، وأقام بها لتمهيد أمر المملكة، وأمر بعمارة قبّة على
الشيخ محيي الدِّين بن عربي بصالحية دمشق، ورتب عليها أوقافاً كثيرةً، ثم توجه
إلى مصر، فلما وصل إلى خان يونس بقرب غَزَّة قتل فيه وزيره حُسام باشا، ثم لما
دخل مصر وقع بينه وبين طومان باي سلطان الجراكسة حروب يطول ذكرها، وقتل
بها وزیر سلیم یوسف باشا سنان باشا، وكان مقداماً، ذا رأي وتدبير، فأسف سليم
عليه، بحيث قال: أي فائدة في مصر بلا يوسف، وقاتل طومان باي ومن معه من
الأمراء قتالاً شديداً، وظهر لطومان باي شجاعة قوية عرف بها، وشهد له بها
الفريقان، وأوقع الفتك بعسكر السلطان سليم، ولولا شدة عضده بخير بك
(١) في ((آ)): ((واقعة)).
(٢) لفظة ((السلطان)) سقطت من ((ط)).
(٣) في ((آ)): ((فتوجه عسكره)).
٢٠٠