النص المفهرس
صفحات 401-420
المصري، و((سنن أبي داود)) على الحافظ ابن حجر. وقرأ ما لا يُحصى على من لا يُحصى. وتفقه بسراج الدِّين قارىء الهداية، وبسعد الدِّين الديري. وتوفي في ثالث شهر رمضان عن نيف وخمسين سنة . • وفيها زين الدِّين أبو النَّعيم - بفتح النون المشددة - رَضْوَان بن محمد بن يوسف بن سَلَامة بن البهاء بن سعيد العُتبي(١) الشافعي، المستملي المصري(٢) البارع، مفيد القاهرة. ولد في رجب سنة تسع وستين وسبعمائة بمينة عقبة بالجيزة، ونشأ بها، ثم دخل القاهرة، واشتغل بها في عدة علوم، وتلا بالسبع على الإِمام نور الدِّين الدّميري المالكي سبع ختمات، ثم بالسبع، وقراءة يعقوب على الشمس الغُماري، وأجاز له ثم بالثمان المذكورة على ركن الدِّين الأشعري المالكي. وتفقه بالشّمس العراقي، والشمس الشَّطَنُوفي، والشمس القليوبي، والصَّدر الأمشيطي، والعزّ بن جَمَاعة، وغيرهم. وأخذ النحو عن شمس الدِّين الشّطَّنَوْفي، والغُماري، والشمس البساطي. وكتب عن الزّين العِرَاقي مجالس كثيرة من أماليه، وسمع الحديث من التّقي بن حاتم، والبرهان الشامي، وابن الشّحنة، وخلائق. ثم حُبِّب إليه الحديث، فلازم السماع من أبي الطّاهرِ بن الكويك. فأكثر عنه، ولازم الحافظ ابن حجر، وکتب عنه الکثیر، وتفقه به أيضاً، وحجّ ثلاث حجّات، وجاور مرتین. وسمع بمكّة من الزَّين المراغي وغيره، وخرَّج لبعض الشيوخ ولنفسه ((الأربعين المتباينات)) وغير ذلك. وكان دَيِّناً، خَيِّراً، متواضعاً، غزير المروءة، رضي الخُلُق، ساكناً، بشوشاً، طارحاً للتكلّف، سليم الباطن. توفي عصر يوم الاثنين ثالث رجب بالقاهرة. (١) في ((آ): ((العقبي)). (٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٣٣/٣ - ٣٤) و((التبر المسبوك)) ص (٢٣٧ - ٢٣٨) و((النجوم الزاهرة)) (٥٣٠/١٥ - ٥٣٢) و((بدائع الزهور)) (٢٦٧/٢) و((الدليل الشافي)) (٢١٩/١) و((حوادث الدهور)) (١٩٣/١) و((الذيل التام على دول الإِسلام)) (٨/٢) من المنسوخ. ٤٠١ • وفيها قطب الدِّين محمد بن عبد القوي (١بن محمد بن عبد القوي١) البجائي، ثم المَكِّي المالكي(٢) شاعر مكة. كان إماماً أديباً ماهراً. توفي في ذي الحجّة، وقد جاوز التسعين، والله أعلم. (١ -١) ما بين الرقمين سقط من ((آ)). (٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٧١/٧) و((معجم الشيوخ)) لابن فهد ص (٢٣٣ - ٢٣٤). ٤٠٢ سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة • فيها توفي أَلُوغ بَك بن القآن معين الدِّين شاه رُخْ(١)، صاحب هَرَاة، ابن الطّاغية تيمورلنك، وقيل: اسمه تيمور على اسم جدّه، وقيل: محمد، صاحب سمرقند، فريد دهره ووحيد عصره في العلوم العقلية، والهيئة، والهندسة، طُوسي زمانه، الحنفي المذهب. ولد في حدود تسعين وسبعمائة، ونشأ في أيام جدّه، وتزوج في أيامه أيضاً. وعمل له جدّه العرس المشهور. ولما مات جدّه تیمور وآل الأمر إلى أبيه شاه رخ ولآه سمرقند وأعمالها فحكمها نيِّفاً وثلاثين سنة، وعمل بها رصداً عظيماً انتهى به إلى سنة وفاته، وقد جمع لهذا الرّصد علماء هذا الفَنِّ من سائر الأقطار، وأغدق عليهم الأموال، وأجرى(٢) لهم الرواتب الكثيرة، حتى رحل إليه علماء الهيئة والهندسة من البلاد البعيدة، وهَرَعَ إليه كل صاحب فضيلة، وهو مع هذا يتلفت إلى من يسمع به من العلماء في الأقطار ويُرسل يطلب من سمع به هذا، مع علمه الغزير وفضله الجمِّ واطلاعه الكبير وباعه الواسع في هذه العلوم، مع مشاركة جيدة إلى الغاية في فقه الحنفية، والأصلين، والمعاني، والبيان، والعربية، والتاريخ، وأيام الناس. قيل: إنه سأل بعض حواشيه ما تقول الناس عنّي وألحَّ عليه، فقال: يقولون: إنك ما تحفظ القرآن الكريم، فدخل من وقته وحفظه في أقل من ستة أشهر حفظاً متقناً. وكان أسنَّ أولاد أبيه، واستمر بسمرقند إلى أن خرج عن طاعته ولده (١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٢٦٥/٧) و((الدليل الشافي)) (١٥٤/١). (٢) في ((ط)): ((وأجزل)). ٤٠٣ عبد اللطيف، وسببه أنه لما ملك المترجم هُرَاة طمع عبد اللطيف أن يوليه هَرَاة فلم يفعل، وولاه بلخ، ولم يعطه من مال جدّه شاه رخ شيئاً. وكان ألُوغ بَك هذا مع فضله وغزير علمه مسيكاً، فسأمته أمراؤه لذلك، وكاتبوا ولده عبد اللطيف في الخروج عن طاعته، وكان في نفسه ذلك، فانتهز الفرصة وخرج عن الطّاعة، وبلغ أباه الخبر فتجرَّد لقتاله، والتقى معه، وفي ظنّه أن ولده لا يثبت لقتاله، فلما التقى الفريقان وتقابلا هرب جماعة من أمراء الٌوغ بَك إلى ابنه، فانكسر ألوغ بَك وهَرَب على وجهه، وملك ولده سَمَرْقَند، وجلس على كرسي والده أشهراً ثم بدا لأُلُوغ بَك العود إلى سمرقند، ويكون المُلك لولده، ويكون هو كآحاد الناس، واستأذن ولده في ذلك فأذن له، ودخل سمرقند وأقام بها، إلى أن قبض عبد اللطيف على أخيه عبد العزيز وقتله صبراً في حضرة والده الوغ بَك فعظم ذلك عليه، فإنه كان في طاعته وخدمته حيث سار، ولم يمكنه الكلام فاستأذن(١) ولده عبد اللطيف في الحجِّ فأذن له، فخرج قاصداً للحجِّ إلى أن كان عن سمرقند مسافة يوم أو يومين، وقد حذَّر بعض الأمراء ابنه منه، وحَسَّن له قتله، فأرسل إليه بعض أمرائه ليقتله، فدخل عليه مخيَّمه واستحیا أن يقول: جئت لقتلك، فسلم عليه ثم خرج، ثم دخل ثانياً وخرج، ثم دخل ففطن الُوغ بَك، وقال له: لقد علمت بما جئت به فافعل ما أمرك به، ثم طلب الوضوء وصلّى، ثم قال: واللَّهِ لقد علمت أن هلاكي على يد ولدي عبد اللطيف هذا من يوم ولد، ولكن أَنْسَاني القَدر ذلك، واللَّهِ لا يعيش بعدي إلّ خمسة أشهر ثم يُقتل أشَرَّ قتلة، ثم سلِّم نفسه فقتله المذكور، وعاد إلى ولده . وقتل ولده عبد اللطيف بعد خمسة أشهر. · وفيها زين الدِّين أبو محمد عبد الرحمن بن الشيخ شِهَاب الدِّين أحمد بن محمد بن محمد بن يوسف بن علي بن عَيَّش المقرىء المُسْنِدِ الزَّاهد المُعَمَّر، الشهير بابن عَيَّاش(٢). (١) في ((ط)): ((فأذن)) وهو خطأ. (٢) ترجمته في (الضوء اللامع)) (٥٩/٤) و((معجم الشيوخ)) لابن فهد ص (١٢٢). ٤٠٤ ولد بدمشق في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة، وأخذ القراءات عن أبيه إفراداً وجمعاً، وقرأ عليه ختمة جامعة للقراءات العشرة بما تضمنه كتاب ((ورقات المَهَرَة في تتمة قراءات الأئمة العشرة)) تأليف والده، وقرأ على الشيخ شمس الدِّين محمد بن أحمد العسقلاني ((القراءات العشرة)) فساوى والده في علو السَّند، وذلك لما رحل إلى القاهرة سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، ثم رحلٍ إلى مكة المُشَرَّفة واستوطنها وانتصب بها لإِقراء القراءات بالمسجد الحرام كُلَّ يوم، وانتفع به عامة الناس، وصار رحلة زمانه، وتردَّد إلى المدينة المنوّرة، وجاور بها غير مَرَّة، وتصدى بها أيضاً للإِقراء، وأقام بها سنين، ثم عاد إلى مكة واستمر إلى أن مات بها في هذه السنة. • وفيها قاضي قُضاة الحرمين، الشريف الحَسيب سِرَاجِ الدِّين أبو المكارم عبد اللطيف بن أبي الفتح محمد بن أحمد بن أبي عبدالله محمد الحَسَني الفَاسي الأصل المَكِّي الحنبلي(١). ولد في شعبان سنة تسع وثمانين وسبعمائة بمكّة المُشَرَّفة، ونشأ بها، وسمع الحديث على العفيف النِّشَاوري، والجمال الأميوطي، وإبراهيمٍ بن صديق، وغيرهم. وأجاز لهِ السِّرَاجِ البُلقيني، والحافظان الزَّين العِرَاقي، والنّور الهَيْثَمي، والسِّرَاجِ ابن المُلَقِّن، والبُرهانِ الشامي، وأبو هريرة ابن الذّهبي، وأبو الخير ابن العَلَائي، وجماعة، وخرّج له التَّقي ابن فهد ((مشيخة)) وولي إمامة الحنابلة بالمسجد الحرام، وقضاء مكة المُشَرَّفة، ثم جُمِعَ له بين قضاء الحرمين الشريفين مكة والمدينة سنة سبع وأربعين وثمانمائة، واستمرَّ إلى أن مات. وهو أول من ولي قضاء الحنابلة بالحرمين، ودخل بلاد العجم غير مَرَّة. وكان له حظّ وافرٌ عند الملوك والأعيان . وتوفي بعلة الإِسهال، ورَمي الدّم في ضحى يوم الاثنين سابع شوال بمكة المُشَرَّفة، ودُفن بالمَعْلَاة. (١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٣٣٣/٤) و((النجوم الزاهرة)) (٥٤٦/١٥) و((معجم الشيوخ)) لابن فهد ص (١٤٤) و((السحب الوابلة)) ص (٢٤٤). ٤٠٥ • وفيها قاضي القضاة أمين الدِّين أبو اليمن محمد بن محمد بن علي النُّوَيرِي المَكِّي الشافعي (١) قاضي مَكَّة وخطيبها. باشر خطابة مكّة عدة سنين، ثم ولّي قضاءها في سنة اثنتين وأربعين، ثم عُزِلَ، ثم ولِّي. ومات قاضياً وخطيباً بمكة في هذه السنة. • وفيها شَرَف الدِّينِ يحيى بن أحمد بن عمر الحَمَوي الأصل الكَرَكي القاهري، ويعرف بابن العَطَّار(٢) الشافعي المُفَنَّن. توفي في ذي الحجّة عن أزيد من أربع وستين سنة. • وفيها شرف الدين يحيى بن سعد الدِّين محمد بن محمد المناوي المِصْري الشافعي (٣) قاضي القضاة. ولد بالقاهرة، وبها نشأ تحت كنف والده، وكان والده يتعانى الخدم الديوانية، وتزوَّج وليُّ الدِّين العراقي بابنته أخت المترجم، فَحُبِّبَ لصاحب الترجمة طلب العلم لصهارته بالولي العراقي، فاشتغل وتفقّه بجماعة من علماء عصره، وأخذ المعقول عن الكمال بن الهُمَام وغيره، وبَرَعَ في الفقه، وشَارَك في غيره، وأفتى ودرَّس، وعُرفَ بالفضيلة والدِّيانة، واشتهر ذِكره. وولي تدريس الصّلاحية. ثم ولي قضاء قضاة الشافعية بعد علم الدِّين البُلقيني فلم يمتنعِ بل ابتهج بذلك، وأظهر السّرور، ثم غَيَّر ملبسه ومركبه، وترك ما كان عليه أولاً من التقشف والتواضع، وسَلَكَ طريق من تقدمه من القضاة من مراعاة الدولة وامتثال ما يأمرونه به، ومال إلى المنصب ميلاً كُلِّياً بخلاف ما كان يُظَنُّ به، واستكثر من (١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١٤٤/٩) و((النجوم الزاهرة)) (٥٤٦/١٥) و((معجم الشيوخ)) لابن فهد ص (٢٦٩). (٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٢١٧/١٠) و((النجوم الزاهرة)) (٥٤٤/١٥) و((التبر المسبوك)) ص (٢٩٤). (٣) تنبيه: كذا أرخ المؤلف وفاته في هذه السنة (٨٥٣) وقد تبع في ذلك ابن تغري بردي في ((الدليل الشافي)» (٧٨٠/٢). ثم أعاد الترجمة له سنة (٨٧١) ص (٤٦٣) من هذا المجلد وهو الصواب. ٤٠٦ النُّواب. وولي جماعة كثيرة، وانقسم الناس في أمره إلى قادح ومادح، وكانت ولايته القضاء قُبيل موته بيسير. وتوفي بالقاهرة في ثاني رجب. · وفيها أبو عبدالله محمد بن محمد بن محمد بن إسماعيل المغربي الأندلسي ثم القاهري، ويعرف بالرَّاعي المالكي(١). كان إماماً عالماً، ولد بغرناطة سنة نّيِّفٍ وثمانين وسبعمائة، واشتغل بالفقه، والأصول، والعربية، ومَهَرَ فيها، واشتُهر اسمه بها، وسمع من أبي بكربن عبدالله بن أبي عامر، وأجاز له جماعة، ودخل القاهرة سنة خمس وعشرين وثمانمائة، واستوطنها، وحجَّ، ثم رجع إلى القاهرة، وأقرأ بها، وانتفع به جماعة، وأُمَّ بالمؤيدية، وله نظم حسن، وشرح ((الألفية)) و((الجرومية)) وحَدَّث عنه ابن فهد وغيره، وأضرَّ بأخرة. وتوفي في سابع عشري ذي الحجّة. · وفيها - بل في التي قبلها كما جزم به السُّيُوطي - زين الدِّين عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن يحيى السَّنْدَبيسيّ (٢) - بفتح السين المهملة، وسكون النون، وفتح الدال المهملة، وكسر الموحدة، وسكون التحتية، آخره سين مهملة - النَّحوي ابن النّحوي . ولد سنة ثمان وثمانين وسبعمائة تقريباً، وبَرَعَ في الفُنون، لا سيما في العربية. وكان أخذها عن الزَّين الفارسكوري، وأخذ الحديث عن الولي العراقي، وسمع من الحَلَاوي، وابن الشّحنة، والسّويداوي، وجماعة. وأجاز له ابن العَلَاء، وابن الذّهبي، وخلق. (١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٢٠٣/٩) و((نيل الابتهاج)) ص (٣١٠). (٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١٥٠/٤) و((بغية الوعاة)) (٨٩/٢) وفيهما: ((مات ليلة الأحد سابع عشر صفر سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة)) و((معجم الشيوخ)) لابن فهد ص (١٣٣ - ١٣٤). ٤٠٧ وكان عالماً، فاضلاً، بارعاً، مواظباً على الاشتغال، حسن الدّيانة، كثير التواضع، أقرأ الناس، وحَدَّث بـ ((جامع الحاكم)) (١). وسمع منه النَّجم بن فهد وغيره. وتوفي ليلة الأحد سابع عشر صفر. (١) يريد ((المستدرك على الصحيحين)). ٤٠٨ سنة أربع وخمسين وثمانمائة • فيها توفي شِهَاب الدِّين أبو العَبَّاس أحمد بن محمد بن عبدالله بن إبراهيم(١). قال ابن تغري بَرْدي: الإِمام، العالم، العَلَّاَّمة، [البَارع]، المُفَنَّن، الأديب، الفقيه، اللّغوي، النحوي، المؤرخ، الدمشقي، الحنفي، المعروف بابن عَرَبْشاه. كان إمام عصره في المنظوم والمنثور، تردّد إلى القاهرة غير مرة، وصحبني في بعض قدومه إلى القاهرة، وانتسج بيننا صحبة أكيدة ومودة، وأسمعني كثيراً من مصنَّفاته نظماً ونثراً، بل غالب ما نظمه ونثره(٢) وأُلَّفه، وكان له قدرة على نظم العلوم، وسبكها في قالب المديح والغزل، وسيظهر لك فيما كتبه لي لمَّا استجزته، كتبه بخطِّه، وأسمعنيه من لفظه غير مرة، وهو هذا: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله الذي زيَّن مصر الفضائل بجمال يوسفها العزيز، وجعل حقيقة ذراه مجاز أهل الفضل فَحَلَّ به كل مجاز ومجيز، أحمده حمد من طلب إجازة كرمه فأجاز، وأشكره شكراً أوضح لمزيد نعمه علينا سبيل المجاز، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلّه يجيب سائله، ویثیب آمله، ويطيب لراجيه نائله، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، سَيِّد من روى عن رَبِّه ورُوي عنه، والمقتدى لكل من أخذ عن العلماء وأخذ منه صلى الله عليه ما رويت الأخبار، ورؤيت الآثار، وخُلِّدت أذكار الأبرار في صحائف الليل والنهار، وعلى آله وأصحابه وتابعيه وأحزابه، وسلّم، وكَرِّم، وشَرِّف، وعَظِمْ. (١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١٢٦/٢) و((النجوم الزاهرة)) (٥٤٩/١٥) و((الدليل الشافي)) (٨٠/١ - ٨١) و((المنهل الصافي)) (١٣١/٢ - ١٤٥). (٢) لفظة ((ونثره)) لم ترد في ((المنهل الصافي)) فستدرك من هنا. ٤٠٩ وبعد: فقد أجزت الجناب الكريم العالي (١)، ذا القدر المنيف الغالي، والصدر الذي هو بالفضائل حالي، وعن الرذائل خالي، المولوي الأميري الكبيري الأصيلي العَريقيَّ الكاملي الفاضلي المخدومي [الجماليِّ] أبا المحاسن، الذي ورد فضائله وفواضله غير آسن، يوسف بن المرحوم المقرّ الأشرف الكريم العالي المولوي الأميري الكبيري المالكي المخدومي السَّيفي تغري بردي الملكي الظاهري، أدام الله جماله وبَلَّغَهُ (٢) من المرام كماله، وهو ممن تغذّى بلبان الفضائل، وتربى في حجر قوابل الفواضل، وجعل اقتناء العلوم دأبه، ووجه إلى مدين الآداب ركابه، وفتح إلى دار الكمالات بابه، وصَيَّر أحرازها في خزائن صدره اكتسابه، فحاز بحمد الله تعالى حُسْنَ الصُّورة والسيرة، وقرن بضياء الأسرّة صفاء السّريرة، وحوى السَّمَاحة، والحماسة، والفروسية، والفراسة، ولطف العبارة والبراعة، والعرابة واليراعة، والشهامة والشجاعة، فهو أمير الفقهاء، وفقيه الأمراء، وظريف الأدباء، وأديب الظُّرفاء: لَأَعْظَمُ مِمَّا قُلْتَ فِيْهِ وَأَكْبُ (٣) فَمَهْمَا تَصِفْهُ صِفْ وَأَكْثَرْ فَإِنَّه فأجزت له معولاً عليه - أحسن الله إليه - أن يروي عني هذه المنظومة المزبورة المرقومة، التي سمّيتها ((جلوة الأمداح الجمالية في حلّتي العروض والعربية)) عظّم الله تعالى شأن من أُنشئت فيه، وحَرَسَهُ بعین عنایته وذويه، وسائر ما تجوز لي وعني روايته، ويُنسب إلى علمه ودرايته، من منظومٍ ومنثورٍ، ومسموعٍ ومسطوٍ، بشروطه المعتبرة، وقواعده المُحَرَّرة، عموماً، وما أذكر لي من مصنّفاتَ خصوصاً، فمن ذلك ((مرآة الأدب في علمي المعاني والبيان)) منها بعد ذكر الخطبة في تقسيم العربية وذكر فائدته وأقسامه: بَذْرٌ تأدَّبَ حَتَّى كُلُّهُ أَدَبٌ يقولُ مَنْ يهوَ وَصْلِي يَكْتَسِبْ أَدَبي (١) كذا في ((ط)) و((المنهل الصافي)): ((الكريم العالي)) وفي ((آ)): ((العالي الكريم)). (٢) في ((ط)): ((وأبلغه)). (٣) تنبيه: ورد هذا البيت نثراً ضمن سياق الإِجازة في ((النجوم الزاهرة)) و((المنهل الصافي)) فليصحح، وفيهما: ((وأكثر)) مكان ((وأكبر)). ٤١٠ بَدَا بتاجٍ جَمَالٍ فِي حُلَىْ أَدَب يَصُنْ كَلامِي وَخَطِّي فِي مُعَاهدَتي هَذْا وَقَدْرُ عُلومي كَالْبُروجِ (١) عُلَا أُصُولُها مِثْلُ أبواب الجِنَانِ زَهَتْ خُذْ بِكْرَ نَظْمٍ تَجَلَّتْ وَجْهُهَا غَزَلٌ فَرِيْدُ لفظي إِذَا ما رُمْتَ جَوْهَرَهُ وَإِنْ تَصَرَّفَ مِنْ عَقْدٍ وَمِنْ عُقَدٍ لَفْظي مِن الشَّهْدِ مُشْتَقَّ بِخَطِّيَ ذَا أَصْلُ المَعَانِي إِذَا ما رُمْتَ من كَلِمي مَعْنايَ زادَ على حُسْنِي فَصُنَّفَ في طَوْراً أَبْنُ كَمَا طَوْراً أَبِينُ لذا طَبْعِي وشِعْري وأوزاني يُناطُ بها حُسْنِي وظَرْفي وآدابِي قدِ انْتَظَمتْ قَدْ أَخْلَفَ(٢) البانَ قدِّي حينَ خَطَّ عَلى هَذَا على أَصْل حُسنِي يُسْتَزادُ فلا في وصفَيَ النَّظْمَ والنِّثْرَ البَدِيعُ فَخُذْ وإن تُحَاضِرْ فحاضِرْ في مُغَازَلتي واقصِدْ بديعَ معَانِيَّ الَّتِي بِهَرَتْ إِنِّي أَنَا الْبَدْرُ سَارَ في مَنَازِلهِ ومن ذلك ((العقد الفريد في علم التوحيد)) وأوله بعد الخطبة: تَسَرْبَلَ الفَضْلَ بِينَ العُجْبِ والعَجَب عَنِ الْخَطَا إِنَّنِي بَدْرٌ مِنَ العَرَبَ فَمَّنْ يَنَلْها يَصِرْ في الفَضْلِ كالشُّهُبِ يَنَالُ مَنْ نَالَها ما رَامَ مِنْ رُتَبِ ورُوْحُها العِلْمُ والجُثْمَانُ مِنْ أَدَبْ تَرَى الصِّحَاحِ كثَغْرٍ زِيْنَ بالشّنَبَ إلى عُقُودٍ فَهَذَا الصَّرْفُ كَالذَّهَب سَيْفٍ فدُونَك عِلم الضَّرْبِ والضَّرَبِ فَقُلْ هي الدُّرُّ واقصِدْ نَحَوَنا تُصِبِ علم المعاني وفي حُسْني وفي حَسَبِي فَنُّ البيان غَدَا مرآة مَطَّبي عِلمُ العَروْض مناطَ الوُدِّ بالسَّببِ نظمَ القَوافي فخُذْ علمي وسَلْ نَسَبِي خدِّي لريحانِ خَطٍّ ليسَ في الكُتُبِ تَعِبْ ودُونَكَ علم الخطِّ لا تَخِبَ علمَ القَرْضِ مع الإِنشاءِ والخُطَبَ واحفَظْ تواريخَ ما أَمليهِ من نُخَب عندَ البَيّانِ عُقُولَ العُجْمِ والعَرَبِ مُكَمَّلَ الحُسْنِ بِينَ الرَّأْسِ والذَّنَبِ لَهُ مُقْلَةٌ كَحْلَى وَخَدٌّ مُوَرَّدُ سَبِىْ القَلْبَ ظَبْيٌ من بني العِلْمِ أَغْيَدُ (١) جاء في هامش ((ط)) ما نصه: ((يشير إلى تقسيم العربية إلى اثني عشر قسماً. كما في هامش الأصل». (٢) كذا في ((آ)) و((المنهل الصافي)): ((قد أخلف)) وفي ((ط)): ((قد خَلَّفَ)). ٤١١ فَيَسْأَلُ ما التَّوحِيْدُ وهو يُعَرْبِدُ لِحاظَك باري الخلقِ والكونُ يَشْهَدُ برأهُ هَوَاكَ القاتِلُ الْمُتَعمِّدُ وقَدْ نُشِرَ الأَمْواتُ والحَوْضُ يُورَدُ وكلُّ الْوَرَىْ نحو القِصَاصِ تَحَشَّدُوا وَأَقْبَلْتُ فِي ثَوْبِ الجَمَالِ تَرَدَّدُ وتَضْرِيج أكفاني ولحظُكَ يَشْهَدُ وما ذَنْبُه إلَّ ضَنِىَّ فيك مكْمل وحُكْمٌ مَضَىْ ما فيه قَطُّ تردُّدُ وكلَّ بتقدِيْرِ المُهَيْمنِ مُرْصَدُ وتقديرُهُ صِفْهُ لكيمَا أَوَحِّدُ أُوَحِّدُ مَنْ أَنْشَاهُ للخَلْقِ فِتْنَةً فقلتُ له: الإِيمانُ بالله مَنْ يَرَىْ فبالكُتْب والأملاكِ والرُّسْل صِلْ فتىً وإن تَقْنِ هَجْراً أَقُمْ يومَ بِعِثْتَي وقد كُوِّرَتْ شمسٌ وشقُّقَتِ السَّما وقَدْ نُصِبَ الميزانُ وامَتَدَّ جِسرُهُمْ أنادي وقد شَبِّئْتُ كفِّي بذيلِهِ حَبِيبِي بِمَ استحلَلْتَ قْلَ مُبَرَّإِ فقال: أَمَا هذا بتَقْدير مَنْ قَضَىْ فقلت: بَلَىْ والخيرُ والشّرُ قُدِّراً فقال: فمن هذا الَّذي ذاكَ حُكْمُه فقلتُ: إِلَهٌ واحدٌ لا مُشِارِكٌ لَهُ، لم يَلِدْ، كلَّ، ولا هو والدُ واستطردت من ذلك إلى ذكر الصِّفات وتنزيه الذات إلى أن قلت: هُوَ الله من أَنْشَاكَ للخَلْقِ فِتْنَةً لِيُسْفَكَ مِن جَفْنَيْهِ سَيْفٌ مُهَنَّد ومن: مصنَّاتي المنثورة تاريخ تمرلنك («عجائب المَقْدُور في نوائب تیمور))(١). ومنها: ((فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظّرفاء)). ومنها ((خطاب الإِهاب(٢) الناقب وجواب الشَّهاب الثاقب)). ومنها: ((الترجمان المترجم بمنتهى الأرب في لغة الترك والعجم والعرب)). ومن النظم القصيدة المسماة ((العقود النصيحة)) أولها: لكَ الله هَلْ ذَنْبٌ فيعتذِرُ الجَانِي بَلَىْ صدق ما أَنْهَاهُ إِّي بِكُم فاني (١) نشرته مؤسسة الرسالة ببيروت منذ سنوات قليلة بتحقيق الأخ الفاضل الأستاذ أحمد فائز الحمصي. (٢) تحرفت في ((أ)) إلى ((الأوهاب)). ٤١٢ بأحشائِهِ، والحُبُّ يُومي بوَلْعانِ ومِن سُوءٍ حَظِّ الصَّبِّ أَنْ يلعبَ الهَوَىْ إِذَا علموه فيهم صادقاً عَاني ومِنْ شِيَمِ الأحبابِ قَتْلُ محبِّهم ومن ذلك: ((غرة السِّير في دول الترك والتتر)). وكان عند كتابة هذه الإِجازة لم يتم. واقتصر في ((التذكرة)) على هذه المصنّفات العشرة للوجازة لا للإِجازة. هذا، وأما مولدي فداخل دمشق ليلة الجمعة الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة تسعين وسبعمائة، ثم ذكر ترجمة طويلة لنفسه. قال صاحب ((المنهل)): ومن نظمه مُعَمَّى(١): وَجْهُكَ الزَّاهي كبدرٍ فَوْقَ غُصْنٍ طَلَعا قِ سَنَاهَا لَمَعَا واسمك الزَّاکي کمشکا ـهُ لَهَا أَنْ تُرْفَعَا فِي بيوتٍ أَذِنَ اللَّ عَكْسُهَا(٢) صحِّفْهُ تَلْقَى الحُسْنَ فِيْهَا أَجْمَعَا وتوفي يوم الاثنين (٣) خامس رجب بالقاهرة عن اثنتين وستين سنة وستة أشهر وعشرين يوماً. انتهى . • وفيها كمال الدِّين محمد بن صَدَقة المجذوب الصَّاحي (٤)، الولي المُكَاشف الدمياطي الأصل ثم المصري الشافعي. اشتغل، وحفظ ((التنبيه)) و((الألفية)) وتَكَسَّب بالشهادة بمصر، ثم حصل له جذب، وظهرت عليه الأحوال الباهرة والخوارق الظاهرة، وتوالت كراماته، وتتابعت آياته، واشتهر صيته، وعظم أمره، وهرع الأكابر لزيارته، وانقاد له الأماثل، حتّى الفقهاء، كالكمال إمام الكاملية وغيره. (١) وقال ابن تغري بردي في ((الدليل الشافي)): ((ومن شعره معمياً في اسم جامعه)). (٢) في ((ط)): ((عكسه)). (٣) لفظة ((الاثنين)) سقطت من ((آ). (٤) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٢٧٠/٧). ٤١٣ ومن كراماته أن رجلاً سأله حاجة فأشار بتوقفها على خمسين ديناراً، فأرسلها إليه، فوصل القاصد إليه بها، فوجده قاعداً بباب الكاملية، فبمجرَّد وصوله إليه أمره بدفعها لامرأة مارّة بالشارع لا تُعرف، فأعطاها إيَّاها، فانكشف بعد ذلك أن ولدها كان في الترسيم على ذلك المبلغ بعينه لا يزيد ولا ينقص عند من لا رحمة عنده، بحيث خيف عليه التلف. توفي بمصر وصُلِّي عليه في محفل حافل، ودفن بالقَرَافَة بجوار قبر الشيخ أبي العَبّاس الخرّاز. قاله المناوي في ((طبقات الأولياء)). ٤١٤ سنة خمس وخمسين وثمانمائة · في خامسها بُويع بالخلافة القائم بأمر الله حمزة بن المتوكل على الله بعد وفاة أخيه المستكفي بالله سليمان بن المتوكل على الله (١) بويع سليمان هذا بالخلافة يوم موت أخيه المعتضد بالله(٢) وذلك في سنة خمس وأربعين وثمانمائة، وأقام في الملك عشر سنين، وبلغ من العزّ فوق أخيه، وحمل السلطان نعشه. · وفيها توفي كمال الدِّين أبو المناقب أبو بكر بن ناصر الدِّين محمد بن سابق الدِّين أبي بكر بن فخر الدِّين عثمان بن ناصر الدِّين محمد بن سيف الدِّين خضر بن نجم الدِّين أيوب بن ناصر الدِّين محمد بن الشيخ العارف بالله هُمَّام الدِّين الهُمَامي الخُضَيري السُّيُوطي الشافعي(٣). قال ولده في ((طبقات النحاة)): ولد في أوائل القرن بسيوط، واشتغل بها، ثم قدم القاهرة بعد عشرين وثمانمائة، فلازم الشيوخ شيوخ العصر، [ودأب] إلى أن بَرَعَ في الفقه، والأصلين، والقرآآت، الحساب، والنحو، والتصريف، والمعاني، والبيان، والمنطق، وغير ذلك، ولازم التدريس والإفتاء. وكان له في الإِنشاء اليد الطُّلى. وكتب الخطّ المنسوب، وصنَّف ((حاشيةً)) على ((شرح الألفية)) لابن (١) ترجمته في ((تاريخ الخلفاء)) ص (٥١١ - ٥١٣) و((النجوم الزاهرة)) (١/١٦) و((الدليل الشافي)) (٣٢٠/١) و((المنهل الصافي)) (١٨٣/٥ - ١٨٤). (٢) ترجمته في ((تاريخ الخلفاء)) ص (٥٠٩ - ٥١١) و((الدليل الشافي)) (٢٩٦/١). (٣) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٧٢/١١ - ٧٣) و((حسن المحاضرة)) (٤٤١/١) و(«بغية الوعاة)) (٤٧٢/١) و((التبر المسبوك)) ص (٣٥٦ - ٣٥٧) و((نظم العقيان)) ص (٩٥ - ٩٦) و((حوادث الدهور» (٣٤٤/٢). ٤١٥ المصنّف حافلة في مجلدين، وكتاباً في القرآآت، وحاشية على ((العضد)). وتعليقاً على ((الإِرشاد)) لابن المقرىء، وكتاباً في صناعة التوقيع، وغير ذلك. أخبرني بعض أصحابه أن الظاهر جقمق عَيَّنه مَرَّة لقضاء القضاة بالديار المصرية، وأرسل يقول للخليفة المستكفي بالله: قل لصاحبك يطلع نوليه. فأرسل الخليفة قاصداً إلى الوالد(١) يخبره بذلك فامتنع. قال الحاكي: فكلّمته في ذلك، فأنشدني : وَأَلَذُّ مِنْ نَيْلِ الوِزَارَةِ أَنْ تَرَىْ يَوْماً يُرِيْكَ مَصَارِعَ الوُزَرَاءِ ومن نجباء تلامذته الشيخ فخر الدِّين المقدسي، وقاضي مكّة بُرُهَان الدِّين بن ظَهِيرَة، وقاضيها نور الدِّين بن أبي اليُمن، وقاضي المالكية محيي الدِّين بن تقَي الدِّين(٢)، والعَلّمة محيي الدِّين بن مُصَيفح في آخرين. مات ليلة الاثنين وقت أذان العشاء خامس صفر، ودفن بالقَرَافة قريباً من الشَّمس الأصفهاني. انتهى . • وفيها أمير المدينة أميّان بن مانع بن علي بن عطية الحُسَيني(٣). توفي في جمادى الآخرة، واستقرَّ بعده زُبيري(٤) بن قیس. · وفيها جمال الدِّين أبو محمد عبدالله بن الشيخ الإمام العالم مُحبِّ الدِّين أبي عبدالله محمد بن هشام الأنصاري المِصْري الحنبلي(٥) القاضي. كان من أهل العلم، ومن أعيان فقهاء الديار المصرية وقضاتها، باشر القضاء (١) في ((آ): ((قاصداً للوالد)). (٢) لفظة ((الدين)) سقطت من ((ط)). (٣) ترجمته في ((النجوم الزاهرة)) (٥/١٦ - ٦) و((الضوء اللامع)) (٣٢١/٢). (٤) في ((١)) و((ط)): ((زيري)) وماأثبته من ((الضوء اللامع)) وفي ((النجوم الزاهرة)): ((زبير)). (٥) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٥٦/٥) و((السحب الوابلة)) ص (٢٦٦) و((المنهج الأحمد)) الورقة (٤٩٤). ٤١٦ نيابة عن قاضي القضاة محبِّ الدِّين بن نصر الله، ثم عن قاضي القضاة بدر الدِّين البغدادي، فوقعت حادثة أوجبت تَغَيُّر خاطر بدر الدِّين المذكور عليه، فعزله عن القضاء، ثم صار يُحسن إليه ويبره إلى أن توفي بمصر في المُحَرَّم الحرام. ● وفيها الشيخ عبد الواحد البصير المقرىء الحنبلي الوفائي(١). توفي بدرب الحجاز الشريف في عوده من الحجِّ بالعُلا(٢). • وفيها قاضي القضاة شمس الدِّين محمد بن أحمد بن سعيد المقدسي الحنبلي (٣) قاضي مَكّة المُشَرّفة. ولد بكفر لبد من أعمال نابلس في سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، وسكن مدينة حلب قديماً ودمشق، وسمع على الأعيان، وقرأعلى ابن اللحّام، والتّقي ابن مُفلح، والحافظ زين الدِّين بن رجب، وكان عالماً، خَيِّراً، كتب الشروط، ووقّع على الحُكّام دهراً طويلاً، وتفرَّد بذلك، وصنَّف التصانيف الجيدة، منها ((سفينة الأبرار الحاملة للآثار والأخبار)) ثلاث مجلدات في الوعظ، وكتاب ((الآداب)) وكتاب ((المسائل المهمة فيما يحتاج إليه العاقل في الخطوب المدلهمَّة)) وكتاب ((كشف الغُمّة في تيسير الخلع لهذه الأمة)) و((المنتخب الشافي من كتاب الوافي)) اختصر فيه ((الكافي)) للموفق. وجاور بمكّة مراراً، وجلس بالحضرة النبوية بالمدينة الشريفة بالرّوضة، واستجازه الأعيان، وآخر مجاوراته سنة ثلاث وخمسين، فمات قاضي مكّة في تلك السنة فجّهز إليه الولاية في أوائل سنة أربع وخمسين، فاستمر بها قاضیاً نحو سنة. وتوفي في أوائل هذه السنة وخلَّف دُنيا ولا وارث له، رحمه الله تعالى. (١) ترجمته في ((المنهج الأحمد)) الورقة (٤٩٤). (٢) جاء في ((المعانم المطابة)) ص (٢٨٢) ما نصه: العُلا - بالضم والقصر - موضع بناحية وادي القرى. نزله رسول الله ﴿ في طريقه إلى تبوك. وعلّق عليه محققه العلامة الشيخ حمد الجاسر بقوله: أصبح هذا الموضع بلدة كبيرة الآن. (٣) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٣٠٩/٦) و((التبر المسبوك)) ص (٣٦٣) و ((معجم الشيوخ)) لابن فهد ص (٢٠٤ - ٢٠٥) وفيه: ((المقدسي ثم الحلبي الحنبلي)). ٤١٧ · وفيها القاضي شمس الدِّين محمد بن محمد بن خالد بن زُهر الحمصي الحنبلي(١). قرأ ((المقنع)) وشرحه على والده، وأصول ابن الحاجب، و((ألفية ابن مالك)) على غيره، وأذن له القاضي علاء الدِّين ابن المغلي بالإِفتاء، وولي القضاء بحمص بعد وفاة والده، واستمرَّ قاضياً إلى أن توفي بها في ذي القعدة ودُفن بباب تدمر. • وفيها بدر الدِّين أبو الثناء، وأبو محمد، محمود بن القاضي شِهَاب الدِّين أحمد بن القاضي شرف الدِّين موسى بن أحمد بن حسين بن يوسف بن محمود العَينتابي الأصل والمولد والمنشأ المصري الدار والوفاة، الحنفي، المعروف بالعَيني(٢) . قال تلميذه ابن تغري بردي: هو العَلامة، فريد عصره ووحيد دهره، عمدة المؤرِّخين، مقصد الطّالبين قاضي القضاة. ولد سادس عشري شهر رمضان سنة اثنتين وستين وسبعمائة في درب کیکن، ونشأ بعينتاب، وحفظ القرآن العظيم، وتفقّه على والده وغيره، وكان أبوه قاضي عینتاب. وتوفي بها في سنة أربع وثمانين وسبعمائة. ورحل صاحب الترجمة إلى حلب، وتفقه بها أيضاً، وأخذ عن العَلَّمة جمال الدِّين يوسف بن موسى المَلَطي الحنفي وغيره، ثم قدم القدس، فأخذ عن العَلاء السّيرامي لأنه صادفه زائراً به، ثم صحبه معه إلى القاهرة في سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، وأخذ عنه علوماً جَمَّة، ولازمه إلى وفاته، وأقام بمصر مُكِّباً على (١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٧٩/٩) وفيه: ((محمد بن محمد بن خالد بن موسى، ويعرف بابن زهرة)) و((السحب الوابلة)) ص (٤٣٤) و((المنهج الأحمد)) الورقة (٤٩٤). (٢) ترجمته في ((النجوم الزاهرة)) (٨/١٦) و((الضوء اللامع)) (١٣١/١٠) و((بغية الوعاة)) (٢٧٥/٢) و((الدليل الشافي)) (٧٢١/٢ - ٧٢٢) و((حسن المحاضرة)) (٤٧٣/١) و((معجم الشيوخ)) ص (٢٩٢ - ٢٩٥). ٤١٨ الاشتغال والإِشغال(١). وولي حسبة القاهرة بعد محن جرت له من الحسدة، وعزل عنها غير مرة، وأعيد إليها. ثم ولي عدة تداريس ووظائف دينية، واشتهر اسمه، ٤ وبعد صيته، وأفتى، ودرَّس، وأكب على الأشغال والتصنيف، إلى أن ولي نظر الأحباس، ثم قضاء قضاة الحنفية بالديار المصرية يوم الخميس سابع عشري ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وثمانمائة، فباشر ذلك بحُرمةٍ وافرة وعظمة زائدة، لقربه من الملك الأشرف برسباي، واستمرَّ فيه إلى سنة اثنتين وأربعين، وكان فصيحاً باللغتين العربية والتركية. وقرأ وسمع ما لا يُحصى من الكتب والتفاسير، وبَرَعَ في الفقه، والتفسير، والحديث، واللغة، والنحو، والتصريف، والتاريخ. ومن مصنّفاته: ((شرح البخاري)) في أكثر من عشرين مجلداً، و((شرح الهداية)) و((شرح الكنز)) و((شرح مجمع البحرين)) و((شرح تحفة الملوك)) في الفقه، و((شرح الكلم الطيب)) لابن تيمية، و((شرح قطعة من سنن أبي داود)) و((قطعة كبيرة من سيرة ابن هشام)) و((شرح العوامل المائة)) و((شرح الجاربردي)) وله كتاب في ((المواعظ والرقائق)) في ثمان مجلدات، و ((معجم مشايخه)) مجلد. و ((مختصر الفتاوى الظهيرية)) و((مختصر المحيط)) و((شرح التّسهيل)) لابن مالك مطولاً ومختصراً، و((شرح شواهد ألفية ابن مالك)) شرحاً مطولاً وآخر مختصراً، وهو كتاب نفيس احتاج إليه صديقه وعدوه، وانتفع به غالب علماء عصره فمن بعدهم، و((شرح معاني الآثار)) للطحاوي في اثنتي عشرة مجلدة، وله كتاب (طبقات الشعراء)) و((طبقات الحنفية)) و ((التاريخ الكبير))(٢) على السنين في عشرين مجلداً، واختصره في ثلاث مجلدات، و((التاريخ الصغير)) في ثمان مجلدات، وعدة تواريخ آخر. وله ((حواشٍ على شرح ألفية بن مالك)) و((حواش على شرح السيد عبدالله)) و((شرح عروض ابن الحاجب)) و ((اختصر تاريخ ابن خلكان)). وله غير ذلك. وكان أحد أوعية العلم، وأخذ عنه من لا يُحصى. ولما أخرج عنه نظر (١) لفظة ((والاشغال)) سقطت من ((آ)). (٢) وهو معروف بـ ((عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان)) وقد نشرت منه بعض الأجزاء في مصر بتحقيق الدكتور عبد الرزاق الطنطاوي القرموط. ٤١٩ الأحباس في سنة ثلاث وخمسين عظم عليه ذلك لقِلّة موجوده، وصار يبيع من أملاكه وكتبه، إلى أن توفي ليلة الثلاثاء رابع ذي الحجّة بالقاهرة، وصُلِّ عليه بالجامع الأزهر، ودفن بمدرسته التي بقُرب داره، وكثر أسف الناس عليه، رحمه الله تعالى . ٤٢٠